Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V04/P533

فأوحى الله إلى الملائكة، وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام، ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين فأمسكوه، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما، قال: فجعل ينعس وهما في يديه، في كل يد واحدة. قال: فجعل ينعس وينتبه، وينعس وينتبه، حتى نعس نعسة، فضرب بإحداهما الأخرى فكسرهما " قال معمر: إنما هو مثل 04P534 ضربه الله، يقول: فكذلك السماوات والأرض في يديه حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: ثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى صلى الله عليه وسلم على المنبر، قال: «وقع في نفس موسى هل ينام الله تعالى ذكره؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، أمره أن يحتفظ بهما» قال: «فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى، ثم نام نومة فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان» . قال: «ضرب الله مثلا له، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض» 04P534

قسم V04/P533–V04/P536

[البقرة: 255] القول في تأويل قوله تعالى: {له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] يعني تعالى ذكره بقوله: {له ما في السموات وما في الأرض} أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود وإنما يعني بذلك أنه لا تنبغي العبادة لشيء سواه؛ لأن المملوك إنما هو طوع يد مالكه، وليس له خدمة غيره إلا بأمره، يقول: فجميع ما في السماوات والأرض ملكي وخلقي، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خلقي غيري وأنا مالكه؛ لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه، ولا يطيع سوى مولاه، وأما قوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] يعني بذلك: من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم، وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السماوات وما في الأرض، مع السماوات والأرض ملك، فلا تنبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي 04P535 [البقرة: 255] القول في تأويل قوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255] يعني تعالى ذكره بذلك أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما، لا يخفى عليه شيء منه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم: {يعلم ما بين أيديهم} [البقرة: 255] «الدنيا» {وما خلفهم} [البقرة: 255] «الآخرة» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يعلم ما بين أيديهم} [البقرة: 255] " ما مضى من الدنيا {وما خلفهم} [البقرة: 255] من الآخرة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج قوله: {يعلم ما بين أيديهم} [البقرة: 255] " ما مضى أمامهم من الدنيا {وما خلفهم} [البقرة: 255] ما يكون بعدهم من الدنيا والآخرة " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يعلم ما بين أيديهم} [البقرة: 255] قال: " ما بين أيديهم فالدنيا {وما خلفهم} [البقرة: 255] فالآخرة " وأما قوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255] فإنه يعني تعالى ذكره أنه العالم الذي لا يخفى عليه شيء محيط بذلك كله محص له دون سائر من دونه، وأنه لا يعلم أحد سواه شيئا إلا بما شاء هو أن يعلمه فأراد فعلمه. وإنما يعني بذلك أن العبادة لا تنبغي لمن كان بالأشياء جاهلا فكيف يعبد من لا يعقل شيئا البتة من وثن وصنم؟ يقول: أخلصوا العبادة لمن هو محيط بالأشياء كلها يعلمها، لا يخفى عليه صغيرها وكبيرها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولا يحيطون بشيء من علمه} [البقرة: 255] يقول: «لا يعلمون بشيء من علمه إلا بما شاء هو أن يعلمهم» 04P537

قسم V04/P536–V04/P539

[البقرة: 255] القول في تأويل قوله تعالى: {وسع كرسيه السموات والأرض} [البقرة: 255] اختلف أهل التأويل في معنى الكرسي الذي أخبر الله تعالى ذكره في هذه الآية أنه وسع السماوات والأرض، فقال بعضهم: هو علم الله تعالى ذكره ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، وسلم بن جنادة، قالا: ثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وسع كرسيه} [البقرة: 255] قال: " كرسيه: علمه " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله، وزاد فيه: ألا ترى إلى قوله: {ولا يؤوده حفظهما} [البقرة: 255] وقال آخرون: الكرسي: موضع القدمين ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن مسلم الطوسي، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثني أبي، قال: ثني محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن عمارة بن عمير، عن أبي موسى، قال: " الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وسع كرسيه السموات والأرض} «فإن السماوات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش، وهو موضع قدميه» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: {وسع كرسيه السموات والأرض} قال: «كرسيه الذي يوضع تحت العرش، الذي يجعل الملوك عليه أقدامهم» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، قال: " الكرسي: موضع القدمين " حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {وسع كرسيه السموات والأرض} قال: " لما نزلت: {وسع كرسيه السموات والأرض} قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هذا الكرسي وسع السماوات والأرض، فكيف العرش؟ فأنزل الله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] إلى قوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر: 67] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وسع كرسيه السموات والأرض} قال ابن زيد: فحدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض» وقال آخرون: الكرسي: هو العرش نفسه ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: كان الحسن يقول: " الكرسي: هو العرش " قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب، غير أن الذي هو 04P540 أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما: حدثني به عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: «إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع» ثم قال بأصابعه فجمعها: «وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله» حدثني عبد الله بن أبى زياد، قال: ثنا يحيى بن أبي بكر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: جاءت امرأة، فذكر نحوه وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، عنه أنه قال: هو علمه، وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره: {ولا يئوده حفظهما} على أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يئوده حفظ ما علم، وأحاط به مما في السماوات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في 04P541 دعائهم: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} [غافر: 7] فأخبر تعالى ذكره أن علمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: {وسع كرسيه السموات والأرض} ، وأصل الكرسي: العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب كراسة ومنه قول الراجز في صفة قانص: [+البحر الرجز] حتى إذا ما احتازها تكرسا يعني علم، ومنه يقال للعلماء: الكراسي؛ لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، يعني بذلك أنهم العلماء الذين تصلح بهم الأرض؛ ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] يحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأحداث حين تنوب يعني بذلك علماء بحوادث الأمور ونوازلها، والعرب تسمي أصل كل شيء الكرس، يقال منه: فلان كريم الكرس: أي كريم الأصل، قال العجاج: [+البحر الرجز] قد علم القدوس مولى القدس أن أبا العباس أولى نفس بمعدن الملك الكريم الكرس 04P542 يعني بذلك الكريم الأصل، ويروى: في معدن العز الكريم الكرس 04P540

قسم V04/P539–V04/P544

[البقرة: 255] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يئوده حفظهما} [البقرة: 255] يعني تعالى ذكره بقوله: {ولا يئوده حفظهما} ولا يشق عليه ولا يثقله، يقال منه: قد آدني هذا الأمر فهو يئودني أودا وإيادا، ويقال: ما آدك فهو لي آئد، يعني بذلك: ما أثقلك فهو لي مثقل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ولا يئوده حفظهما} يقول: «لا يثقل عليه» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {ولا يئوده حفظهما} قال: «لا يثقل عليه حفظهما» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولا يئوده حفظهما} «لا يثقل عليه لا يجهده حفظهما» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 04P543 الحسن، وقتادة، في قوله: {ولا يئوده حفظهما} قال: «لا يثقل عليه شيء» حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا يوسف بن خالد السمتي، قال: ثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {ولا يئوده حفظهما} قال: «لا يثقل عليه حفظهما» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، وحدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قالا جميعا: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: {ولا يئوده حفظهما} قال: «لا يثقل عليه» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن عبيد، عن الضحاك، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعته يعني خلادا، يقول: سمعت أبا عبد الرحمن المديني، يقول في هذه الآية: {ولا يئوده حفظهما} قال: «لا يكثر عليه» حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ولا يئوده حفظهما} قال: «لا يكرثه» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولا يئوده حفظهما} قال: «لا يثقل عليه» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {ولا يئوده حفظهما} يقول: «لا يثقل عليه حفظهما» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولا يئوده حفظهما} قال: «لا يعز عليه حفظهما» قال أبو جعفر: والهاء والميم والألف في قوله: {حفظهما} [البقرة: 255] من ذكر السماوات والأرض، فتأويل الكلام: وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يثقل عليه حفظ السماوات والأرض وأما تأويل قوله: {وهو العلي} [البقرة: 255] فإنه يعني: والله العلي، والعلي: الفعيل من قولك علا يعلو علوا: إذا ارتفع، فهو عال وعلي، والعلي: ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته، وكذلك قوله: {العظيم} [البقرة: 105] ذو العظمة، الذي كل شيء دونه، فلا شيء أعظم منه كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: «العظيم الذي قد كمل في عظمته» واختلف أهل البحث في معنى قوله: {وهو العلي} [البقرة: 255] فقال بعضهم: يعني بذلك: وهو العلي عن النظير والأشباه، وأنكروا أن يكون معنى ذلك: وهو العلي المكان، وقالوا: غير جائز أن يخلو منه مكان، ولا معنى لوصفه بعلو المكان؛ لأن ذلك وصفه بأنه في مكان دون مكان. 04P545 وقال آخرون: معنى ذلك: وهو العلي على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه؛ لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه وخلقه دونه، كما وصف به نفسه أنه على العرش، فهو عال بذلك عليهم.

قسم V04/P544

وكذلك اختلفوا في معنى قوله: {العظيم} [البقرة: 255] فقال بعضهم: معنى العظيم في هذا الموضع: المعظم صرف المفعل إلى فعيل، كما قيل للخمر المعتقة: خمر عتيق، كما قال الشاعر: [+البحر الخفيف] وكأن الخمر العتيق من الإس فنط ممزوجة بماء زلال وإنما هي معتقة، قالوا: فقوله {العظيم} [البقرة: 255] معناه: المعظم الذي يعظمه خلقه ويهابونه ويتقونه قالوا: وإنما يحتمل قول القائل: هو عظيم أحد معنيين: أحدهما: ما وصفنا من أنه معظم؛ والآخر أنه عظيم في المساحة والوزن، قالوا: وفي بطول القول بأن يكون معنى ذلك أنه عظيم في المساحة والوزن صحة القول بما قلنا. وقال آخرون: بل تأويل قوله: {العظيم} [البقرة: 255] هو أن له عظمة هي له صفة، وقالوا: لا نصف عظمته بكيفية، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات، وننفي عنه أن يكون ذلك على معنى مشابهة العظم المعروف من العباد؛ لأن ذلك تشبيه له بخلقه، وليس كذلك. وأنكر هؤلاء ما قاله أهل المقالة التي قدمنا ذكرها، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه معظم، لوجب أن يكون قد كان غير عظيم قبل أن يخلق الخلق، وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الخلق؛ لأنه لا معظم له في هذه الأحوال. وقال آخرون: بل قوله: إنه العظيم وصف منه نفسه بالعظم، وقالوا: كل ما 04P546 دونه من خلقه فبمعنى الصغر لصغرهم عن عظمته 04P544

قسم V04/P544–V04/P546

[البقرة: 256] القول في تأويل قوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} [البقرة: 256] اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار، أو في رجل منهم كان لهم أولاد قد هودوهم أو نصروهم فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " كانت المرأة تكون مقلاتا، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى ذكره: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: " كانت المرأة تكون مقلى ولا يعيش لها ولد - قال شعبة: وإنما هو مقلات - فتجعل عليها إن بقي لها ولد لتهودنه، قال: فلما أجليت بنو النضير كان فيهم منهم، فقالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه 04P547 الآية: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] قال: من شاء أن يقيم أقام ومن شاء أن يذهب ذهب " حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، وحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن عامر، قال: " كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتا لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم، فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا: إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وإذ جاء الله بالإسلام فلنكرهنهم فنزلت: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] فكان فصل ما بين من اختار اليهودية والإسلام، فمن لحق بهم اختار اليهودية، ومن أقام اختار الإسلام ولفظ الحديث لحميد حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت داود، عن عامر، بنحو معناه، إلا أنه قال: فكان فصل ما بينهم إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، فلحق بهم من كان يهوديا ولم يسلم منهم، وبقي من أسلم حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر بنحوه، إلا أنه قال: إجلاء النضير إلى خيبر، فمن اختار الإسلام أقام، ومن كره لحق بخيبر حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن أبي إسحاق، عن محمد بن أبي 04P548 محمد الحرشي، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين؛ كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك» حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] قال: «نزلت هذه في الأنصار» قال: قلت خاصة؟

قسم V04/P546–V04/P548

قال: خاصة، قال: " كانت المرأة في الجاهلية تنذر إن ولدت ولدا أن تجعله في اليهود تلتمس بذلك طول بقائه، قال: فجاء الإسلام وفيهم منهم؛ فلما أجليت النضير، قالوا: يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم، قال: فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى ذكره: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد خير أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم» قال: فأجلوهم معهم حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] إلى: {لا انفصام لها} [البقرة: 256] قال: نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين: كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا، فرجعا إلى الشام معهم، فأتى أبوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن ابني تنصرا وخرجا، فأطلبهما؟ فقال: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: «أبعدهما الله، هما أول من كفر» ، فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما، فنزلت: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر} [النساء: 65] بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ثم إنه نسخ: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] قال: " كانت في اليهود يهود أرضعوا رجالا من الأوس، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلائهم، قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم، ولندينن بدينهم، فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإسلام " ففيهم نزلت هذه الآية حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، جميعا، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد: {لا إكراه في 04P550 الدين} [البقرة: 256] قال: " كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة، فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني الحجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: «كانت النضير يهودا فأرضعوا» ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم، قال ابن جريج: وأخبرني عبد الكريم، عن مجاهد «أنهم كانوا قد دان بدينهم أبناء الأوس، دانوا بدين النضير» حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: " أن المرأة من الأنصار كانت تنذر إن عاش ولدها لتجعلنه في أهل الكتاب، فلما جاء الإسلام قالت الأنصار: يا رسول الله، ألا نكره أولادنا الذين هم في يهود على الإسلام، فإنا إنما جعلناهم فيها ونحن نرى أن اليهودية أفضل الأديان؟ فلما إذ جاء الله بالإسلام ، أفلا نكرههم على الإسلام؟

قسم V04/P548–V04/P553

فأنزل الله تعالى ذكره: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود، عن الشعبي مثله، وزاد قال: «كان فصل ما بين من اختار اليهود منهم وبين من اختار 04P551 الإسلام، إجلاء بني النضير، فمن خرج مع بني النضير كان منهم، ومن تركهم اختار الإسلام» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] إلى قوله: العروة الوثقى قال: قال «منسوخ» حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ووائل، عن الحسن: " أن أناسا، من الأنصار كانوا مسترضعين في بني النضير، فلما أجلوا أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم، فنزلت: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يكره أهل الكتاب على الدين إذا بذلوا الجزية، ولكنهم يقرون على دينهم، وقالوا: الآية في خاص من الكفار، ولم ينسخ منها شيء ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] قال: «أكره عليه هذا الحي من العرب؛ لأنهم كانوا أمة أمية، ليس لهم كتاب يعرفونه، فلم يقبل منهم غير الإسلام، ولا يكره عليه أهل الكتاب إذا أقروا بالجزية أو بالخراج، ولم يفتنوا عن دينهم، فيخلى عنهم» 04P552 حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة في قوله، {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] قال: «هو هذا الحي من العرب أكرهوا على الدين، لم يقبل منهم إلا القتل أو الإسلام، وأهل الكتاب قبلت منهم الجزية ولم يقتلوا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا «لا إله إلا الله» أو السيف، ثم أمر فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية؛ فقال: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] قال: «كانت العرب ليس لها دين، فأكرهوا على الدين بالسيف» ، قال: «ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس إذا أعطوا الجزية» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: سمعت مجاهدا، يقول لغلام له نصراني: «يا جرير، أسلم» ثم قال: «هكذا كان يقال لهم» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] قال: «وذلك لما دخل الناس في الإسلام، وأعطى أهل الكتاب الجزية» وقال آخرون: هذه الآية منسوخة، وإنما نزلت قبل أن يفرض القتال ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، قال: سألت زيد بن أسلم عن قول الله، تعالى ذكره: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قتالهم، فأذن له» وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس، قال: عنى بقوله تعالى ذكره: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] أهل الكتابين والمجوس، وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه، وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا.

قسم V04/P553

وإنما قلنا: هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لما قد دللنا عليه في كتابنا كتاب «اللطيف من البيان عن أصول الأحكام» من أن الناسخ غير كائن ناسخا إلا ما نفى 04P554 حكم المنسوخ، فلم يجز اجتماعهما، فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وباطنه الخصوص، فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل، وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستحيل أن يقال: لا إكراه لأحد ممن أخذت منه الجزية في الدين، ولم يكن في الآية دليل على أن تأويلها بخلاف ذلك، وكان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه أكره على الإسلام قوما، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه، وإقراره على دينه الباطل، وذلك كأهل الكتابين، ومن أشبههم؛ كان بينا بذلك أن معنى قوله: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية، ورضاه بحكم الإسلام، ولا معنى لقول من زعم أن الآية منسوخة الحكم بالإذن بالمحاربة. فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما روي عن ابن عباس؟ وعمن روي عنه: من أنها نزلت في قوم من الأنصار أرادوا أن يكرهوا أولادهم على الإسلام؟ قلنا: ذلك غير مدفوعة صحته، ولكن الآية قد تنزل في خاص من الأمر، ثم يكون حكمها عاما في كل ما جانس المعنى الذي أنزلت فيه، فالذين أنزلت فيهم هذه الآية على ما ذكر ابن عباس وغيره، إنما كانوا قوما دانوا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عقد الإسلام لهم، فنهى الله تعالى ذكره عن إكراههم على الإسلام، وأنزل بالنهي عن ذلك آية يعم حكمها كل من كان في مثل معناهم ممن كان على دين من الأديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها، وإقرارهم عليها على النحو الذي قلنا في ذلك. 04P555 ومعنى قوله: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] لا يكره أحد في دين الإسلام عليه، وإنما أدخلت الألف واللام في الدين تعريفا للدين الذي عنى الله بقوله: لا إكراه فيه، وأنه هو الإسلام. وقد يحتمل أن يكون أدخلتا عقيبا من الهاء المنوية في الدين، فيكون معنى الكلام حينئذ : وهو العلي العظيم لا إكراه في دينه، قد تبين الرشد من الغي، وكأن هذا القول أشبه بتأويل الآية عندي وأما قوله: {قد تبين الرشد} [البقرة: 256] فإنه مصدر من قول القائل: رشدت فأنا أرشد رشدا ورشدا ورشادا، وذلك إذا أصاب الحق والصواب، وأما الغي، فإنه مصدر من قول القائل: قد غوى فلان فهو ينوي غيا وغواية، وبعض العرب يقول: غوى فلان يغوى والذي عليه قراءة القراء: {ما ضل صاحبكم وما غوى} [النجم: 2] الفتح، وهي أفصح اللغتين، وذلك إذا عدا الحق وتجاوزه فضل. فتأويل الكلام إذا: قد وضح الحق من الباطل، واستبان لطالب الحق والرشاد وجه مطلبه، فتميز من الضلالة والغواية، فلا تكرهوا من أهل الكتابين، ومن أبحت لكم أخذ الجزية منه، على دينكم دين الحق؛ فإن من حاد عن الرشاد بعد استبانته له، فإلى ربه أمره، وهو ولي عقوبته في معاده 04P555

قسم V04/P553–V04/P558

[البقرة: 256] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله} [البقرة: 256] اختلف أهل التأويل في معنى الطاغوت، فقال بعضهم: هو الشيطان ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي، قال: قال عمر بن الخطاب: " الطاغوت: الشيطان " حدثني محمد بن المثنى، قال: ثني ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر، مثله حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه عن مجاهد، قال: " الطاغوت: الشيطان " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي، قال: " الطاغوت: الشيطان " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {فمن يكفر بالطاغوت} [البقرة: 256] قال: «الشيطان» حدثنا بشر بن معاذ، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " الطاغوت: الشيطان " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {فمن يكفر بالطاغوت} [البقرة: 256] «بالشيطان» وقال آخرون: الطاغوت: هو الساحر ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن أبي العالية، أنه قال: " الطاغوت: الساحر " وقد خولف عبد الأعلى في هذه الرواية، وأنا أذكر الخلاف بعد حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا عوف، عن محمد، قال: " الطاغوت: الساحر " وقال آخرون: بل الطاغوت: هو الكاهن ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن أبي 04P558 بشر، عن سعيد بن جبير، قال: " الطاغوت: الكاهن " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفيع، قال: " الطاغوت: الكاهن " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {فمن يكفر بالطاغوت} [البقرة: 256] قال: «كهان تنزل عليها شياطين يلقون على ألسنتهم وقلوبهم» ، أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه سمعه يقول: وسئل عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها، فقال: «كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهي كهان ينزل عليها الشيطان» والصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، وإنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء. وأرى أن أصل الطاغوت: الطغووت، من قول القائل: طغا فلان يطغى: إذا عدا قدره فتجاوز حده، كالجبروت من التجبر، والخلبوت من الخلب، ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير فعلوت بزيادة الواو والتاء، ثم نقلت لامه أعني لام الطغووت، فجعلت له عينا، وحولت عينه فجعلت مكان لامه، كما قيل: جذب وجبذ وجابذ وجاذب، وصاعقة وصاقعة، وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال فتأويل الكلام إذا: فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله فيكفر به؛ {ويؤمن بالله} [البقرة: 256] يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده، {فقد استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة: 256] يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه كما حدثني أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي، قال: ثنا بقية بن الوليد، قال: ثنا ابن أبي مريم، عن حميد بن عقبة، عن أبي الدرداء: أنه عاد مريضا من جيرته فوجده في السوق وهو يغرغر لا يفقهون ما يريد، فسألهم: «يريد أن ينطق» ؟ قالوا: نعم يريد أن يقول: آمنت بالله وكفرت بالطاغوت، قال أبو الدرداء: «وما علمكم بذلك» ؟ قالوا: لم يزل يرددها حتى انكسر لسانه، فنحن نعلم أنه إنما يريد أن ينطق بها، فقال أبو الدرداء: " أفلح صاحبكم، إن الله يقول: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} [البقرة: 256] " 04P559

قسم V04/P558–V04/P561

[البقرة: 256] القول في تأويل قوله تعالى: {فقد استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة: 256] والعروة في هذا المكان مثل للإيمان الذي اعتصم به المؤمن، فشبهه في تعلقه به وتمسكه به بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يتمسك بها، إذ كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته، 04P560 وجعل تعالى ذكره الإيمان الذي تمسك به الكافر بالطاغوت المؤمن بالله ومن أوثق عرى الأشياء بقوله: {الوثقى} [البقرة: 256] والوثقى: فعلى من الوثاقة، يقال في الذكر: هو الأوثق، وفي الأنثى: هي الوثقى، كما يقال: فلان الأفضل وفلانة الفضلى وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {بالعروة الوثقى} [سورة: البقرة، آية رقم: 256] قال: «الإيمان» حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " العروة الوثقى: هو الإسلام " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبي السوداء، عن جعفر يعني ابن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، قوله: فقد استمسك بالعروة الوثقى قال: «لا إله إلا الله» 04P561 حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي السوداء النهدي، عن سعيد بن جبير مثله حدثني المثنى، قال : ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: فقد استمسك بالعروة الوثقى مثله 04P560 [البقرة: 256] القول في تأويل قوله تعالى: {لا انفصام لها} [البقرة: 256] يعني تعالى ذكره بقوله: {لا انفصام لها} [البقرة: 256] لا انكسار لها، والهاء والألف في قوله {لها} [البقرة: 134] عائد على العروة. ومعنى الكلام: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه وإسلامه عند حاجته إليه في أهوال الآخرة، كالمتمسك بالوثيق من عرى الأشياء التي لا يخشى انكسار عراها، وأصل الفصم: الكسر ومنه قول أعشى بني ثعلبة: [+البحر المتقارب] ومبسمها عن شتيت النبا ت غير أكس ولا منفصم 04P562 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله {لا انفصام لها} [البقرة: 256] قال: «لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لا انفصام لها} [البقرة: 256] قال: «لا انقطاع لها» 04P562 [البقرة: 256] القول في تأويل قوله تعالى: {والله سميع عليم} [البقرة: 256] يعني تعالى ذكره: والله سميع إيمان المؤمن بالله وحده، الكافر بالطاغوت عند إقراره بوحدانية الله، وتبرئته من الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله، {عليم} [البقرة: 29] بما عزم عليه من توحيد الله وإخلاص ربوبيته قلبه، وما انطوى عليه من البراءة من الآلهة والأصنام والطواغيت ضميره، وبغير ذلك مما أخفته نفس كل أحد من خلقه لا ينكتم عنه سر، ولا يخفى عليه أمر، حتى يجازي كلا يوم القيامة بما نطق به لسانه، وأضمرته نفسه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر 04P562

قسم V04/P561–V04/P563

[البقرة: 257] القول في تأويل قوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 257] يعني تعالى ذكره بقوله: {الله ولي الذين آمنوا} [البقرة: 257] نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه {يخرجهم من الظلمات} [البقرة: 257] يعني بذلك: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وإنما عنى بالظلمات في هذا الموضع الكفر، وإنما جعل الظلمات للكفر مثلا؛ لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحته وصحة أسبابه. فأخبر تعالى ذكره عباده أنه ولي المؤمنين ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه، وهاديهم، فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر أبصار القلوب. ثم أخبر تعالى ذكره عن أهل الكفر به، فقال: {والذين كفروا} [البقرة: 39] يعني الجاحدين وحدانيته {أولياؤهم} [البقرة: 257] يعني نصراءهم وظهراءهم الذين يتولونهم، {الطاغوت} [البقرة: 257] يعني الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله، {يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] يعني بالنور الإيمان على نحو ما بينا إلى الظلمات، ويعني بالظلمات ظلمات الكفر وشكوكه الحائلة دون أبصار القلوب ورؤية ضياء الإيمان وحقائق أدلته وسبله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] يقول: «من الضلالة إلى الهدى» {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} [البقرة: 257] «الشيطان» ، {يخرجونهم من 04P564 النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] يقول: «من الهدى إلى الضلالة» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] " الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان "، {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] «يخرجونهم من الإيمان إلى الكفر» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله تعالى ذكره: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] يقول: «من الكفر إلى الإيمان» ، {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] يقول: «من الإيمان إلى الكفر» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد، أو مقسم في قول الله: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] قال: «كان قوم آمنوا بعيسى، وقوم كفروا به، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفر به الذين آمنوا بعيسى، أي يخرج الذين آمنوا إلى الإيمان بمحمد 04P565 صلى الله عليه وسلم» . {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} [البقرة: 257] " آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال: «يخرجونهم من النور إلى الظلمات» حدثنا المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورا، عن رجل، عن عبدة بن أبي لبابة، قال في هذه الآية: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] إلى: {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 39] قال: «هم الذين كانوا آمنوا بعيسى ابن مريم، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به، وأنزلت فيهم هذه الآية» وهذا القول الذي ذكرناه عن مجاهد وعبدة بن أبي لبابة يدل على أن الآية معناها الخصوص، وأنها إن كان الأمر كما وصفنا نزلت فيمن كفر من النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من عبدة الأوثان الذين لم يكونوا مقرين بنبوة عيسى وسائر الملل التي كان أهلها تكذب بعيسى. فإن قال قائل: أو كانت النصارى على حق قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فكذبوا به؟

قسم V04/P563–V04/P566

قيل: من كان منهم على ملة عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فكان على حق وإياهم عنى الله تعالى ذكره بقوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} [النساء: 136] فإن قال قائل: فهل يحتمل أن يكون قوله: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] أن يكون معنيا به غير الذين ذكر مجاهد وغيره أنهم عنوا به من المؤمنين بعيسى أو غير أهل الردة والإسلام؟ قيل: نعم يحتمل أن يكون معنى ذلك: والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يحولون بينهم وبين الإيمان، ويضلونهم فيكفرون، فيكون تضليلهم إياهم حتى يكفروا إخراجا منهم لهم من الإيمان، يعني صدهم إياهم عنه وحرمانهم إياهم خيره، وإن لم يكونوا كانوا فيه قبل، كقول الرجل: أخرجني والدي من ميراثه، إذا ملك ذلك في حياته غيره، فحرمه منه خطيئة، ولم يملك ذلك القائل هذا الميراث قط فيخرج منه، ولكنه لما حرمه، وحيل بينه وبين ما كان يكون له لو لم يحرمه، قيل: أخرجه منه، وكقول القائل: أخبرني فلان من كتيبته، يعني لم يجعلني من أهلها، ولم يكن فيها قط قبل ذلك، فكذلك قوله: {يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] يحتمل أن يكون إخراجهم إياهم من الإيمان إلى الكفر على هذا المعنى، وإن كان الذي قاله مجاهد وغيره أشبه بتأويل الآية. فإن قال لنا قائل: وكيف قال: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور} [البقرة: 257] فجمع خبر الطاغوت بقوله يخرجونهم، والطاغوت واحد؟ قيل: إن الطاغوت اسم لجماع وواحد وقد يجمع طواغيت، وإذا جعل واحده وجمعه بلفظ واحد كان نظير قولهم: رجل عدل وقوم عدل، ورجل فطر وقوم فطر، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تأتي موحدة في اللفظ واحدها وجمعها، وكما قال العباس بن مرداس: [+البحر الوافر] فقلنا أسلموا إنا أخوكم فقد برئت من الإحن الصدور 04P567

قسم V04/P566–V04/P570

[البقرة: 257] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 257] يعني تعالى ذكره بذلك هؤلاء الذين كفروا أصحاب النار، أهل النار الذين يخلدون فيها، يعني في نار جهنم دون غيرهم من أهل الإيمان إلى غير غاية ولا نهاية أبدا 04P567 [البقرة: 258] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] يعني تعالى ذكره بقوله: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} [البقرة: 258] ألم تر يا محمد بقلبك الذي حاج إبراهيم؟ يعني الذي خاصم إبراهيم، يعني إبراهيم نبي الله صلى الله عليه وسلم في ربه، {أن آتاه الله الملك} [البقرة: 258] يعني بذلك: حاجه فخاصمه في ربه، لأن الله آتاه الملك، وهذا تعجيب من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، من الذي حاج إبراهيم في ربه، ولذلك أدخلت «إلى» في قوله: {ألم تر إلى الذي حاج} [البقرة: 258] وكذلك تفعل العرب إذا أرادت التعجيب من رجل في بعض ما أنكرت من فعله، قالوا: ما ترى إلى هذا؟ والمعنى: هل رأيت مثل هذا، أو كهذا؟ وقيل: إن الذي حاج إبراهيم في ربه جبار كان ببابل يقال له نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وقيل: إنه نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ألم تر إلى الذي حاج} [البقرة: 258] إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك قال: «هو نمرود بن كنعان» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله 04P569 حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن النضر بن عدي، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ألم تر إلى الذي حاج} [البقرة: 258] إبراهيم في ربه قال: «كنا نتحدث أنه ملك يقال له نمرود، وهو أول ملك تجبر في الأرض، وهو صاحب الصرح ببابل» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: هو اسمه نمروذ، وهو أول ملك تجبر في الأرض حاج إبراهيم في ربه حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك} [البقرة: 258] قال: «ذكر لنا أن الذي حاج إبراهيم في ربه كان ملكا يقال له نمروذ، وهو أول جبار تجبر في الأرض، وهو صاحب الصرح ببابل» حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «هو نمروذ بن كنعان» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " هو نمروذ 04P570 حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، مثله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني زيد بن أسلم، بمثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا، يقول: «هو نمروذ» قال ابن جريج: " هو نمروذ، ويقال: إنه أول ملك في الأرض " 04P570

قسم V04/P570–V04/P571

[البقرة: 258] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] يعني تعالى ذكره بذلك: ألم تر يا محمد إلى الذي حاج إبراهيم في ربه حين قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت، يعني بذلك: ربي الذي بيده الحياة والموت يحيي من يشاء ويميت من أراد بعد الإحياء، قال: أنا أفعل ذلك، فأحيي وأميت، استحيي من أردت قتله، فلا أقتله، فيكون ذلك مني إحياء له. وذلك عند العرب يسمى إحياء، كما قال تعالى ذكره: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} [المائدة: 32] وأقتل آخر فيكون ذلك مني إماتة له، قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: فإن الله الذي هو ربي يأتي بالشمس من مشرقها، فأت بها إن كنت صادقا أنك إله من مغربها، قال الله تعالى ذكره: {فبهت الذي كفر} [البقرة: 258] يعني انقطع وبطلت حجته، يقال منه: بهت يبهت بهتا، وقد حكي عن بعض العرب أنها تقول بهذا المعنى: بهت، ويقال: بهت الرجل إذا افتريت عليه كذبا بهتا أو بهتانا وبهاتة، وقد روي عن بعض القراء أنه قرأ: «فبهت الذي كفر» بمعنى: فبهت إبراهيم الذي كفر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت} [البقرة: 258] " وذكر لنا أنه دعا برجلين، فقتل أحدهما، واستحيا الآخر، فقال: أنا أحيي هذا، أنا أستحيي من شئت وأقتل من شئت، قال إبراهيم عند ذلك: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " أنا أحيي، وأميت: أقتل من شئت وأستحيي من شئت، أدعه حيا فلا أقتله "، وقال: " ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، 04P572 وذو القرنين، والكافران: بختنصر ونمرود بن كنعان، لم يملكها غيرهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم: " أول جبار كان في الأرض نمروذ، فكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم يمتار مع من يمتار، فإذا مر به ناس قال: من ربكم؟ قالوا: أنت حتى مر إبراهيم، قال: من ربك؟ قال: الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت، {قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر} [البقرة: 258] قال: فرده بغير طعام، قال: فرجع إبراهيم على أهله فمر على كثيب من رمل أعفر، فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم؟ فأخذ منه فأتى أهله، قال: فوضع متاعه ثم نام، فقامت امرأته إلى متاعه، ففتحته، فإذا هي بأجود طعام رأته، فصنعت له منه، فقربته إليه، وكان عهده بأهله أنه ليس عندهم طعام، فقال: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به، فعلم أن الله رزقه، فحمد الله، ثم بعث الله إلى الجبار ملكا أن آمن بي وأتركك على ملكك قال : وهل رب غيري؟ فجاءه الثانية، فقال له ذلك، فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه، فقال له الملك: اجمع 04P573 جموعك إلى ثلاثة أيام، فجمع الجبار جموعه، فأمر الله الملك، ففتح عليه بابا من البعوض، فطلعت الشمس، فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم، فلم يبق إلا العظام، والملك كما هو لم يصبه من ذلك شيء.

قسم V04/P571–V04/P573

فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه وضرب بهما رأسه، وكان جبارا أربع مائة عام، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله، وهو الذي بنى صرحا إلى السماء فأتى الله بنيانه من القواعد " وهو الذي قال الله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} [النحل: 26] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قول الله: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} [البقرة: 258] قال: " هو نمروذ كان بالموصل والناس يأتونه، فإذا دخلوا عليه قال: من ربكم؟ فيقولون: أنت، فيقول: ميروهم، فلما دخل إبراهيم، ومعه بعير خرج يمتار به لولده قال: فعرضهم كلهم، فيقول: من ربكم؟ فيقولون: أنت، فيقول: ميروهم حتى عرض إبراهيم مرتين، فقال: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت، إن شئت قتلتك فأمتك، وإن شئت استحييتك {قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] قال: أخرجوا هذا عني فلا تميروه شيئا، فخرج القوم كلهم قد امتاروا وجوالقا إبراهيم يصطفقان، حتى إذا نظر إلى سواد جبال أهله، قال: ليحزنني صبياي إسماعيل وإسحاق، لو أني ملأت هذين الجوالقين من هذه البطحاء فذهبت بهما قرت عينا صبيي، حتى إذا كان الليل أهرقته، قال: فملأهما ثم خيطهما، ثم جاء بهما، فترامى عليهما الصبيان فرحا، وألقى رأسه في حجر سارة ساعة، ثم قالت: ما يجلسني؟ قد جاء إبراهيم تعبا لغبا، لو قمت فصنعت له طعاما إلى أن يقوم، قال: فأخذت وسادة فأدخلتها مكانها، وانسلت قليلا قليلا لئلا توقظه، قال: فجاءت إلى إحدى الغرارتين ففتقتها، فإذا حواري من النقي لم يروا مثله عند أحد قط، فأخذت منه فطحنته وعجنته، فلما أتت توقظ إبراهيم جاءته حتى وضعته بين يديه، فقال: أي شيء هذا يا سارة؟ قالت: من جوالقك، لقد جئت وما عندنا قليل ولا كثير، قال: فذهب ينظر إلى الجوالق الآخر فإذا هو مثله، فعرف من أين ذاك " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، 04P575 عن الربيع، قال: " لما قال له إبراهيم: {ربي الذي يحيي ويميت} [البقرة: 258] ، قال هو يعني نمروذ: فأنا أحيي وأميت، فدعا برجلين، فاستحيا أحدهما، وقتل الآخر، قال: أنا أحيي وأميت، قال: أي أستحيي من شئت، فقال إبراهيم: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما خرج إبراهيم من النار، أدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه، وقال له: من ربك؟ ؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، قال نمروذ: أنا أحيي وأميت، أنا أدخل أربعة نفر بيتا، فلا يطعمون ولا يسقون، حتى إذا هلكوا من الجوع أطعمت اثنين وسقيتهما فعاشا، وتركت اثنين فماتا، فعرف إبراهيم أن له قدرة بسلطانه وملكه على أن يفعل ذلك، قال له إبراهيم: فإن ربي الذي يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر، وقال: إن هذا إنسان مجنون، فأخرجوه، ألا ترون أنه من جنونه اجترأ على آلهتكم فكسرها، وأن النار لم تأكله؟

قسم V04/P573–V04/P576

وخشي أن يفتضح في قومه أعني نمروذ وهو قول الله تعالى ذكره: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] فكان يزعم أنه رب، وأمر بإبراهيم فأخرج " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا، يقول: قال: " {أنا أحيي وأميت} [البقرة: 258] أحيي فلا أقتل ، وأميت من قتلت، قال ابن جريج: " كان أتى برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر، فقال: أنا أحيي وأميت، قال: أقتل فأميت من قتلت، وأحيي، قال: أستحيي فلا أقتل " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، قال: " ذكر لنا والله أعلم أن نمروذ قال لإبراهيم فيما يقول: أرأيت إلهك هذا الذي تعبده، وتدعو إلى عبادته، وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره، ما هو؟ قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت قال نمروذ: فأنا أحيي وأميت فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: آخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي، فأقتل أحدهما فأكون قد أمته، وأعفو عن الآخر فأتركه وأكون قد أحييته فقال له إبراهيم عند ذلك: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، أعرف أنه كما تقول فبهت عند ذلك نمروذ، ولم يرجع إليه شيئا، وعرف أنه لا يطيق ذلك يقول تعالى ذكره: {فبهت الذي كفر} [البقرة: 258] يعني وقعت عليه الحجة، يعني نمروذ " وقوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] يقول: والله لا يهدي أهل الكفر إلى حجة يدحضون بها 04P577 حجة أهل الحق عند المحاجة والمخاصمة؛ لأن أهل الباطل حججهم داحضة، وقد بينا أن معنى الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والكافر وضع جحوده ما جحد في غير موضعه، فهو بذلك من فعله ظالم لنفسه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق، حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق: {والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] «أي لا يهديهم في الحجة عند الخصومة لما هم عليه من الضلالة» 04P577

قسم V04/P576–V04/P580

[البقرة: 259] القول في تأويل قوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم، قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] يعني تعالى ذكره بقوله: {أو كالذي مر على قرية} [البقرة: 259] نظير الذي عنى بقوله: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} [البقرة: 258] من تعجيب محمد صلى الله عليه وسلم منه وقوله: {أو كالذي مر على قرية} [البقرة: 259] عطف على قوله: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} [البقرة: 258] وإنما عطف قوله: {أو كالذي} [البقرة: 259] على قوله: {إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} [البقرة: 258] وإن اختلف لفظاهما، لتشابه معنييهما؛ لأن قوله، {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} [البقرة: 258] بمعنى: هل رأيت يا محمد كالذي حاج إبراهيم في ربه؟ ثم عطف عليه بقوله: {أو كالذي مر على قرية} [البقرة: 259] لأن من شأن العرب العطف بالكلام على معنى نظير له قد تقدمه وإن خالف لفظه لفظه وقد زعم بعض نحويي البصرة أن «الكاف» في قوله، {أو كالذي مر على قرية} [البقرة: 259] زائدة، وأن المعنى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم جميعا، أو الذي مر على قرية وقد بينا قبل فيما مضى أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع واختلف أهل التأويل في الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال: بعضهم: هو عزير ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] قال: «عزير» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو خزيمة، قال: سمعت سليمان بن بريدة، في قوله: {أو كالذي مر على قرية} [البقرة: 259] قال: «هو عزير» حدثنا بشر، قال، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] قال «ذكر لنا أنه عزير» 04P579 حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ، مثله حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قوله: {أو كالذي مر على قرية} [البقرة: 259] قال: قال الربيع: «ذكر لنا والله أعلم أن الذي أتى على القرية هو عزير» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] قال: «عزير» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {أو كالذي مر على قرية} [البقرة: 259] قال: «عزير» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] «إنه هو عزير» حدثني يونس، قال: قال لنا سلم الخواص: كان ابن عباس يقول: «هو عزير» 04P580 وقال آخرون: هو إرميا بن حلقيا وزعم محمد بن إسحاق أن إرميا هو الخضر حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: «اسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل إرميا بن حلقيا وكان من سبط هارون بن عمران» ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه، يقول في قوله: " {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] أن إرميا لما خرب بيت المقدس وحرقت الكتب، وقف في ناحية الجبل، فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: «هو إرميا» حدثني محمد بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: 04P581 سمعت عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، مثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن قيس بن سعد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، في قول الله: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] قال: كان نبيا وكان اسمه إرميا حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن عبد الله بن عبيد، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني بكر بن مضر، قال: " يقولون والله أعلم: إنه إرميا " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره عجب نبيه صلى الله عليه وسلم ممن قال إذ رأى قرية خاوية على عروشها: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] مع علمه أنه ابتدأ خلقها من غير شيء، فلم يقنعه علمه بقدرته على ابتدائها، حتى قال: أنى يحييها هذه الله بعد موتها؟

قسم V04/P580–V04/P583

ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح من قبله البيان على اسم قائل ذلك، وجائز أن يكون ذلك عزيرا، وجائز أن يكون إرميا، ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه، إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادتهم بعد 04P582 فنائهم، وأنه الذي بيده الحياة والموت من قريش، ومن كان يكذب بذلك من سائر العرب، وتثبيت الحجة بذلك على من كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل بإطلاعه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على ما يزيل شكهم في نبوته، ويقطع عذرهم في رسالته، إذ كانت هذه الأنباء التي أوحاها إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في كتابه من الأنباء التي لم يكن يعلمها محمد صلى الله عليه وسلم وقومه، ولم يكن علم ذلك إلا عند أهل الكتاب، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم وقومه منهم، بل كان أميا وقومه أميون، فكان معلوما بذلك عند أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله إليه، ولو كان المقصود بذلك الخبر عن اسم قائل ذلك لكانت الدلالة منصوبة عليه نصبا يقطع العذر ويزيل الشك، ولكن القصد كان إلى ذم قيله، فأبان تعالى ذكره ذلك لخلقه واختلف أهل التأويل في القرية التي مر عليها القائل: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] فقال بعضهم: هي بيت المقدس ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن عبد الملك، قالا: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه، قال: " لما رأى إرميا هدم بيت المقدس كالجبل العظيم، قال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] " ثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه، قال: «هي بيت المقدس» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق عمن لا يتهم أنه سمع وهب بن منبه، يقول ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «ذكر لنا أنه بيت المقدس، أتى عزير بعد ما خربه بختنصر البابلي» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] «أنه مر على الأرض المقدسة» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، في قوله: {أو كالذي مر على قرية} [البقرة: 259] قال: «القرية بيت المقدس، مر بها عزير بعد إذ خربها بختنصر» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {أو كالذي مر على قرية} [البقرة: 259] قال: «القرية بيت المقدس مر عليها عزير وقد خربها بختنصر» وقال آخرون: بل هي القرية التي كان الله أهلك فيها الذين خرجوا من ديارهم 04P584 وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله موتوا ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى ذكره: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} [البقرة: 243] قال: «قرية كان نزل بها الطاعون، ثم اقتص قصتهم التي ذكرناها في موضعها عنه إلى أن بلغ » {فقال لهم الله موتوا} [البقرة: 243] «في المكان الذي ذهبوا يبتغون فيه الحياة، فماتوا ثم أحياهم الله» {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [البقرة: 243] قال: ومر بها رجل وهي عظام تلوح، فوقف ينظر، فقال {أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه} إلى قوله {لم يتسنه} [البقرة: 259] والصواب من القول في ذلك كالقول في اسم القائل: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] سواء لا يختلفان 04P584

قسم V04/P583–V04/P585

[البقرة: 259] القول في تأويل قوله تعالى: {وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] يعني تعالى ذكره بقوله: {وهي خاوية} [البقرة: 259] وهي خالية من أهلها وسكانها، يقال من ذلك: خوت الدار تخوي خواء وخويا، وقد يقال للقرية: خويت، والأول أعرب وأفصح، وأما في المرأة إذا كانت نفساء فإنه يقال: خويت تخوى خوى منقوصا، وقد يقال فيها: خوت تخوي، كما يقال في الدار، وكذلك خوى الجوف يخوى خواء شديدا، ولو قيل في الجوف ما قيل في الدار وفي الدار ما قيل في الجوف كان صوابا، غير أن الفصيح ما ذكرت، وأما العروش: فإنها الأبنية والبيوت، واحدها عرش، وجمع قليله أعرش، وكل بناء فإنه عرش، ويقال: عرش فلان دارا يعرش ويعرش، وعرش تعريشا ومنه قول الله تعالى ذكره: {وما كانوا يعرشون} [الأعراف: 137] يعني يبنون، ومنه قيل عريش مكة، يعني به: خيامها وأبنيتها، وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: " خاوية: خراب " قال ابن جريج: " بلغنا أن عزيرا، خرج فوقف على بيت المقدس وقد خربه بختنصر، فوقف فقال: «أبعد ما كان لك من القدس والمقاتلة والمال ما كان فحزن» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] قال: «هي خراب» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: «مر عليها عزير وقد خربها بختنصر» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] يقول: «ساقطة على سقفها» 04P586

الأسئلة