Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V05/P122–V05/P123

والذي هو أولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأه: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] لأن ذلك الجمع المعروف لما كان من اسم على فعل، كما يقال حبل وحبال، وكعب وكعاب، ونحو ذلك من الأسماء، فأما جمع الفعل على الفعل أو الفعل فشاذ قليل إنما جاء في أحرف يسيرة، وقيل: سقف وسقف وسقف، وقلب وقلب وقلب من قلب النخل، وجد وجد، للجد الذي هو بمعنى الحظ، وأما ما جاء من جمع «فعل» على فعل فثط وثط، وورد وورد، وخود وخود، وإنما دعا الذي قرأ ذلك: (فرهن مقبوضة) إلى قراءته فيما أظن كذلك مع شذوذه في جمع فعل، أنه وجد الرهان مستعملة في رهان الخيل، فأحب صرف ذلك عن اللفظ الملتبس برهان الخيل، الذي هو بغير معنى الرهان، الذي هو جمع رهن، ووجد الرهن مقولا في جمع رهن، كما قال قعنب: [+البحر البسيط] بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قلبك الرهن 05P124

قسم V05/P123–V05/P126

[البقرة: 283] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه} [البقرة: 283] يعني بذلك جل ثناؤه: فإن كان المدين أمينا عند رب المال والدين فلم يرتهن منه في سفره رهنا بدينه لأمانته عنده على ماله وثقته، فليتق الله المدين ربه، يقول: فليخف الله ربه في الذي عليه من دين صاحبه أن يجحده، أو يلط دونه، أو يحاول الذهاب به، فيتعرض من عقوبة الله ما لا قبل له به، وليؤد دينه الذي ائتمنه عليه إليه. 05P125 وقد ذكرنا قول من قال: هذا الحكم من الله عز وجل ناسخ الأحكام التي في الآية قبلها من أمر الله عز وجل بالشهود والكتاب، وقد دللنا على أولى ذلك بالصواب من القول فيه فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع وقد: حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] «إنما يعني بذلك في السفر، فأما الحضر فلا وهو واجد كاتبا، فليس له أن يرتهن ولا يأمن بعضهم بعضا» وهذا الذي قاله الضحاك من أنه ليس لرب الدين ائتمان المدين وهو واجد إلى الكاتب والكتاب والإشهاد عليه سبيلا وإن كانا في سفر، فكما قال لما قد دللنا على صحته فيما مضى قبل. وأما ما قاله من الأمر في الرهن أيضا كذلك مثل الائتمان في أنه ليس لرب الحق الارتهان بماله إذا وجد إلى الكاتب والشهيد سبيلا في حضر أو سفر، فإنه قول لا معنى له؛ لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اشترى طعاما نساء، ورهن به درعا له، فجائز للرجل أن يرهن بما عليه، ويرتهن بماله من حق في السفر والحضر؛ لصحة الخبر بما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن معلوما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حين رهن من ذكرنا غير واجد كاتبا ولا شهيدا؛ لأنه لم يكن متعذرا عليه بمدينته في وقت من الأوقات الكاتب والشاهد غير أنهما إذا تبايعا برهن، فالواجب عليهما إذا وجدا سبيلا إلى كاتب وشهيد، وكان البيع أو الدين إلى أجل مسمى أن يكتبا ذلك ويشهدا على المال والرهن، وإنما يجوز ترك الكاتب والإشهاد في ذلك حيث لا يكون لهما إلى ذلك سبيل 05P126 [البقرة: 283] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم} [البقرة: 283] وهذا خطاب من الله عز وجل للشهود الذين أمر المستدين ورب المال بإشهادهم، فقال لهم: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا، ولا تكتموا أيها الشهود بعد ما شهدتم شهادتكم عند الحكام، كما شهدتم على ما شهدتم عليه، ولكن أجيبوا من شهدتم له إذا دعاكم لإقامة شهادتكم على خصمه على حقه عند الحاكم الذي يأخذ له بحقه، ثم أخبر الشاهد جل ثناؤه ما عليه في كتمان شهادته وإبائه من أدائها والقيام بها عند حاجة المستشهد إلى قيامه بها عند حاكم، أو ذي سلطان، فقال: {ومن يكتمها} [البقرة: 283] يعني ومن يكتم شهادته، {فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] يقول: فاجر قلبه، مكتسب بكتمانه إياها معصية الله كما: حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] «فلا يحل لأحد أن يكتم شهادة هي عنده، وإن كانت على نفسه والوالدين، ومن يكتمها فقد ركب إثما عظيما» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] يقول: «فاجر قلبه» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: " أكبر الكبائر الإشراك بالله؛ لأن الله يقول: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} [المائدة: 72] ، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله عز وجل يقول: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] " وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول: على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد ويخبر بها حيث استخبر حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن مسلم، قال: أخبرنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال : " إذا كانت عندك شهادة فسألك عنها، فأخبره بها، ولا تقل: أخبر بها عند الأمير، أخبره بها لعله يراجع أو يرعوي وأما قوله: {والله بما تعملون عليم} [البقرة: 283] فإنه يعني بما تعملون في شهادتكم من إقامتها والقيام بها أو كتمانكم إياها عند حاجة من استشهدكم إليها، وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها، {عليم} [البقرة: 283] يحصيه عليكم ليجزيكم بذلك كله جزاءكم، إما خيرا، وإما شرا على قدر استحقاقكم " 05P127

قسم V05/P126–V05/P130

[البقرة: 284] القول في تأويل قوله تعالى: {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284] يعني جل ثناؤه بقوله: {لله ما في السموات وما في الأرض} لله ملك كل ما في السموات وما في الأرض من صغير وكبير، وإليه تدبير جميعه، وبيده صرفه وتقليبه، لا يخفى عليه منه شيء؛ لأنه مدبره ومالكه ومصرفه، وإنما عنى بذلك جل ثناؤه كتمان الشهود الشهادة، يقول: لا تكتموا الشهادة أيها الشهود، ومن يكتمها يفجر قلبه، ولن يخفى علي كتمانه، وذلك لأني بكل شيء عليم، وبيدي صرف كل شيء في السماوات والأرض وملكه، أعلمه خفي ذلك وجليه، فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادة. وعيدا من الله بذلك من كتمها وتخويفا منه له به، ثم أخبرهم عما هو فاعل بهم في آخرتهم وبمن كان من نظرائهم ممن انطوى كشحا على معصية فأضمرها، أو أظهر موبقة فأبداها من نفسه من المحاسبة عليها، فقال: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] يقول: وإن تظهروا فيما عندكم من الشهادة على حق رب المال الجحود والإنكار، أو تخفوا ذلك فتضمروه في أنفسكم وغير ذلك من سيئ أعمالكم، {يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] يعني بذلك: يحتسب به عليكم من أعماله، فيجازي من شاء منكم من المسيئين بسوء عمله، وغافر لمن شاء منكم من المسيئين ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] فقال بعضهم بما قلنا من أنه عنى به الشهود في كتمانهم الشهادة، وأنه لاحق بهم كل من كان من نظرائهم ممن أضمر معصية أو أبداها ذكر من قال ذلك: حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا أبو نفيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] يقول: «يعني في الشهادة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] قال: «في الشهادة» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: سئل داود عن قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] فحدثنا عن عكرمة، قال: «هي الشهادة إذا كتمتها» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو وأبي سعيد أنه سمع عكرمة يقول في هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] قال: «في الشهادة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن الشعبي، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] قال: «في الشهادة» حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: «نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها» حدثني يحيى بن أبي طالب قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن عكرمة في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] «يعني كتمان الشهادة وإقامتها على وجهها» وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية إعلاما من الله تبارك وتعالى عباده أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وحدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه، ثم اختلف متأولو ذلك كذلك، فقال بعضهم: ثم نسخ الله ذلك بقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، عن مصعب بن ثابت، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت: {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} اشتد ذلك على القوم، فقالوا: يا رسول الله، إنا لمؤاخذون بما نحدث به أنفسنا؟

قسم V05/P130–V05/P131

هلكنا، فأنزل الله عز وجل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] الآية، إلى قوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله: نعم " {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] إلى آخر الآية، قال أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: نعم " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، مولى خالد بن خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سمعنا وأطعنا وسلمنا» قال: فألقى الله عز وجل الإيمان في قلوبهم، قال: فأنزل الله عز وجل: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: 285] قال أبو كريب: فقرأ: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: فقال: «قد فعلت» {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] قال: «قد فعلت» {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] قال: «قد فعلت» {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] قال: «قد فعلت» حدثني أبو الرداد المصري عبد الله بن عبد السلام، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، عن حيوة بن شريح، قال: سمعت يزيد بن أبي حبيب، يقول: قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن مرجانة، قال: جئت عبد الله بن عمر، فتلا هذه الآية : {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] ثم قال ابن عمر: لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكن ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه، قال: ثم جئت عبد الله بن العباس، فقلت: يا أبا عباس، إني جئت ابن عمر فتلا هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] الآية، ثم قال: لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى حتى سالت دموعه، فقال ابن عباس: «يغفر الله لعبد الله بن عمر لقد فرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها كما فرق ابن عمر منها» فأنزل الله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] فنسخ الله الوسوسة، وأثبت القول والفعل حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة يحدث: أنه بينا هو جالس سمع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية: {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية، فقال: والله لئن أخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، فقال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس: «يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر» فأنزل الله بعدها: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] إلى آخر السورة.

قسم V05/P131

قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال: سمعت الزهري، يقول في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] قال: قرأها ابن عمر، فبكى وقال: إنا لمؤاخذون بما نحدث به أنفسنا، فبكى حتى سمع نشيجه، فقام رجل من عنده، فأتى ابن عباس، فذكر ذلك له، فقال: " رحم الله ابن عمر لقد وجد المسلمون نحوا مما وجد، حتى نزلت: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: كنت عند ابن عمر فقال: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] الآية، فبكى، فدخلت على ابن عباس، فذكرت له ذلك، فضحك ابن عباس فقال: " يرحم الله ابن عمر، أوما يدري فيم أنزلت؟ إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غما شديدا، وقالوا: يا رسول الله هلكنا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا سمعنا وأطعنا» ، فنسختها: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] إلى قوله: {وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] فتجوز لهم من حديث النفس، وأخذوا بالأعمال " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه، قرأ: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] فدمعت عينه. فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: " يرحم 05P134 الله أبا عبد الرحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] " حدثنا محمد بن بشار، قال أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: " نسخت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد ، قال: ثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] قالوا: " أنؤاخذ بما حدثنا به أنفسنا ولم تعمل به جوارحنا؟

قسم V05/P131

قال: فنزلت هذه الآية: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: ويقول: «قد فعلت» ، قال: فأعطيت هذه الأمة خواتيم سورة البقرة، لم تعطها الأمم قبلها " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل، عن عامر: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من 05P135 يشاء} [البقرة: 284] قال: «فنسختها الآية بعدها قوله» : {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: «نسختها الآية التي بعدها» : {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] وقوله: {وإن تبدوا} [البقرة: 284] قال: «يحاسب بما أبدى من سر أو أخفى من سر، فنسختها التي بعدها» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا سيار، عن الشعبي، قال: " لما نزلت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] قال: «فكان فيها شدة حتى نزلت هذه الآية التي بعدها» : {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] قال: «فنسخت ما كان قبلها» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، قال: ذكروا عند الشعبي: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] حتى بلغ: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] قال: فقال الشعبي: «إلى هذا صار، رجعت إلى آخر الآية» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] قال: قال ابن مسعود: «كانت المحاسبة قبل أن تنزل» : {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] «فلما 05P136 نزلت نسخت الآية التي كانت قبلها» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يذكر عن ابن مسعود، نحوه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي، قال: " نسخت {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] ، {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، وسفيان، عن جابر، عن مجاهد، وعن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قالوا: " نسخت هذه الآية: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] الآية " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، وعامر، بمثله حدثنا المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد بن حميد، عن الحسن، في قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] إلى آخر الآية، قال: " محتها: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما 05P137 اكتسبت} [البقرة: 286] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أنه قال: " نسخت هذه الآية، يعني قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] الآية التي كانت قبلها: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: " نسختها قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد، قال: " لما نزلت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] إلى آخر الآية، اشتدت على المسلمين، وشقت مشقة شديدة، فقالوا: يا رسول الله، لو وقع في أنفسنا شيء لم نعمل به وأخذنا الله به؟

قسم V05/P131–V05/P138

قال: " فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا "، قالوا: بل سمعنا وأطعنا يا رسول الله، قال : فنزل القرآن يفرجها عنهم ": {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285] إلى قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] قال: «فصيره إلى الأعمال، وترك ما يقع في القلوب» حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا هشيم، عن سيار أبي الحكم، عن الشعبي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: «نسخت هذه الآية التي بعدها» : {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: " يوم نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وسوست به أنفسهم وما عملوا، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن عمل أحدنا وإن لم يعمل أخذنا به، والله ما نملك الوسوسة، فنسخها الله بهذه الآية التي بعدها بقوله ": {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] «فكان حديث النفس مما لم تطيقوا» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، أن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها قالت: " نسختها قوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] " وقال آخرون ممن قال معنى ذلك: الإعلام من الله عز وجل عباده أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وعملته جوارحهم، وبما حدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه، هذه الآية محكمة غير منسوخة، والله عز وجل محاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما أصروه في أنفسهم ونووه وأرادوه، فيغفره للمؤمنين، ويؤاخذ به أهل الكفر والنفاق ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] " فإنها لم تنسخ، ولكن الله عز وجل إذا جمع الخلائق يوم القيامة، يقول الله عز وجل: «إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله» : {يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] يقول: «يخبركم، وأما أهل الشك والريب، فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله» : {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] وهو قوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] «من الشك والنفاق» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] " فذلك سر عملكم وعلانيته، يحاسبكم به الله، فليس من عبد مؤمن يسر في نفسه خيرا ليعمل به، فإن عمل به كتبت له به عشر حسنات، وإن هو لم يقدر له أن يعمل به كتبت له به حسنة من أجل أنه مؤمن، والله يرضى سر المؤمنين وعلانيتهم، وإن كان سوءا حدث به نفسه اطلع الله عليه وأخبره به يوم تبلى السرائر، وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به، فإن هو عمل به تجاوز الله عنه، كما قال: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم} [الأحقاف: 16] " حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] الآية، قال: قال ابن عباس: " إن الله يقول يوم القيامة: إن كتابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها، فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليوم، فأغفر لمن شئت، وأعذب من شئت " حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا علي بن عاصم، قال: أخبرنا بيان، عن بشر، عن قيس بن أبي حازم، قال: إذا كان يوم القيامة، قال الله عز وجل يسمع الخلائق: «إنما كان كتابي يكتبون عليكم ما ظهر منكم، فأما ما أسررتم فلم يكونوا يكتبونه، ولا يعلمونه، أنا الله أعلم بذلك كله منكم، فأغفر لمن شئت، وأعذب من شئت » حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] كان ابن عباس يقول: " إذا دعي الناس للحساب، أخبرهم الله بما كانوا يسرون في أنفسهم مما لم يعملوه، فيقول: إنه كان لا يعزب عني شيء، وإني مخبركم بما كنتم تسرون من السوء، ولم تكن حفظتكم عليكم مطلعين عليه، فهذه المحاسبة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس، نحوه حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: «هي محكمة لم ينسخها شيء» ، يقول: " يحاسبكم به الله، يقول: يعرفه الله 05P141 يوم القيامة أنك أخفيت في صدرك كذا وكذا لا يؤاخذه " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، قال: «هي محكمة لم تنسخ» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: «من الشك واليقين» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] يقول: «في اليقين والشك» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله فتأويل هذه الآية على قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة: {وإن تبدوا ما في أنفسكم} [البقرة: 284] من شيء من الأعمال، فتظهروه بأبدانكم وجوارحكم، أو تخفوه فتسروه في أنفسكم، فلم يطلع عليه أحد من خلقي، أحاسبكم به، فأغفر كل ذلك لأهل الإيمان، وأعذب أهل الشرك والنفاق في ديني.

قسم V05/P138–V05/P141

05P142 وأما على الرواية التي رواها عنه الضحاك من رواية عبيد بن سليمان عنه، وعلى ما قاله الربيع بن أنس، فإن تأويلها: إن تظهروا ما في أنفسكم فتعملوه من المعاصي، أو تضمروا إرادته في أنفسكم، فتخفوه، يعلمكم به الله يوم القيامة، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء. وأما قول مجاهد فشبيه معناه بمعنى قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة. وقال آخرون ممن قال: هذه الآية محكمة وهي غير منسوخة ووافقوا الذين قالوا: معنى ذلك أن الله عز وجل أعلم عباده ما هو فاعل بهم فيما أبدوا وأخفوا من أعمالهم، معناها أن الله محاسب جميع خلقه بجميع ما أبدوا من سيئ أعمالهم، وجميع ما أسروه، ومعاقبهم عليه، غير أن عقوبته إياهم على ما أخفوه مما لم يعملوه ما يحدث لهم في الدنيا من المصائب، والأمور التي يحزنون عليها ويألمون منها ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] الآية، قال: كانت عائشة رضي الله عنها تقول: «من هم بسيئة فلم يعملها أرسل الله عليه من الهم والحزن مثل الذي هم به من السيئة فلم يعملها، فكانت كفارته» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: كانت عائشة تقول: «كل عبد يهم بمعصية، أو يحدث بها نفسه، حاسبه الله بها في الدنيا، يخاف ويحزن ويهتم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو تميلة، عن عبيد، عن الضحاك، قال: قالت عائشة في ذلك: «كل عبد هم بسوء ومعصية، وحدث نفسه به، حاسبه الله في الدنيا، يخاف ويحزن ويشتد همه، لا يناله من ذلك شيء، كما هم بالسوء ولم يعمل منه شيئا» حدثنا الربيع، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمه، أنها سألت عائشة عن هذه الآية : {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] و {من يعمل سوءا يجز} [النساء: 123] به فقالت: ما سألني عنها أحد مذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا عائشة، هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها، فيجدها في ضبنه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير» وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: إنها محكمة 05P144 وليست بمنسوخة، وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا ينفيه بآخر له ناف من كل وجوهه، وليس في قوله جل وعز: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] نفي الحكم الذي أعلم عباده بقوله: {أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبة، ولا مؤاخذة بما حوسب عليه العبد من ذنوبه، وقد أخبر الله عز وجل عن المجرمين أنهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة، يقولون: {يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} فأخبر أن كتبهم محصية عليهم صغائر أعمالهم وكبائرها، فلم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذنوب وكبائرها بموجب إحصاؤها على أهل الإيمان بالله ورسوله وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبين؛ لأن الله عز وجل وعدهم العفو عن الصغائر باجتنابهم الكبائر، فقال في تنزيله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] ، فدل أن محاسبة الله عباده المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة، بل محاسبته إياهم إن شاء الله عليها ليعرفهم تفضله عليهم بعفوه لهم عنها كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي: حدثني به، أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن ابن عمر، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " يدني الله عبده المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بسيئاته يقول: هل تعرف؟

قسم V05/P141

فيقول: نعم، فيقول: سترتها في الدنيا وأغفرها اليوم، ثم يظهر له حسناته، فيقول: هاؤم اقرءوا كتابيه أو كما قال: وأما الكافر، فإنه ينادي به على 05P145 رءوس الأشهاد " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، وهشام، وحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا هشام، قالا جميعا في حديثهما، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: " بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف إذ عرض له رجل، فقال: يا ابن عمر أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب اغفر مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم "، قال: " فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما الكفار والمنافقون، فينادي بهم على رءوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين " إن الله يفعل بعبده المؤمن من تعريفه إياه سيئات أعماله حتى يعرفه تفضله عليه بعفوه له عنها، فكذلك فعله تعالى ذكره في محاسبته إياه بما أبداه من نفسه، وبما أخفاه من ذلك، ثم يغفر له كل ذلك بعد 05P146 تعريفه تفضله وتكرمه عليه، فيستره عليه، وذلك هو المغفرة التي وعد الله عباده المؤمنين، فقال: يغفر لمن يشاء. فإن قال قائل: فإن قوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] ينبئ عن أن جميع الخلق غير مؤاخذين إلا بما كسبته أنفسهم من ذنب، ولا مثابين إلا بما كسبته من خير، قيل: إن ذلك كذلك، وغير مؤاخذ العبد بشيء من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله، أو ترك ما أمر بفعله. فإن قال: فإذا كان ذلك كذلك، فما معنى وعيد الله عز وجل إيانا على ما أخفته أنفسنا بقوله: {ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] إن كان {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا من هم بذنب، أو إرادة لمعصية، لم تكتسبه جوارحنا؟ قيل له: إن الله جل ثناؤه قد وعد المؤمنين أن يعفو لهم عما هو أعظم مما هم به أحدهم من المعاصي فلم يفعله وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها، وإنما الوعيد من الله عز وجل بقوله: {ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله، والمرية في وحدانيته، أو في نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، أو في المعاد والبعث من المنافقين، على نحو ما قال ابن عباس ومجاهد، ومن قال بمثل قولهما أن تأويل قوله: {أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] على الشك واليقين. غير أنا نقول: إن المتوعد بقوله: {ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] هو من كان إخفاء نفسه ما تخفيه الشك والمرية في الله، وفيما يكون الشك فيه بالله كفرا، والموعود الغفران بقوله: {فيغفر لمن يشاء} [البقرة: 284] هو الذي أخفى، وما يخفيه الهمة 05P147 بالتقدم على بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التي كان جائزا ابتداء تحليله وإباحته، فحرمه على خلقه جل ثناؤه، أو على ترك بعض ما أمر الله بفعله مما كان جائزا ابتداء إباحة تركه، فأوجب فعله على خلقه، فإن الذي يهم بذلك من المؤمنين إذا هو لم يصحح همه بما يهم به، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بالتقدم عليه لم يكن مأخوذا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه» فهذا الذي وصفنا هو الذي يحاسب الله به مؤمني عباده ثم لا يعاقبهم عليه.

قسم V05/P141

فأما من كان ما أخفته نفسه شكا في الله وارتيابا في نبوة أنبيائه، فذلك هو الهالك المخلد في النار، الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الأليم بقوله: {ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] فتأويل الآية إذا: {وإن تبدوا ما في أنفسكم} [البقرة: 284] أيها الناس، فتظهروه {أو تخفوه} [البقرة: 284] فتنطوي عليه نفوسكم، {يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] فيعرف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه، ومغفرته له، فيغفره له، ويعذب منافقكم على الشك الذي انطوت عليه نفسه في وحدانية خالقه ونبوة أنبيائه 05P145

قسم V05/P141–V05/P148

[البقرة: 284] القول في تأويل قوله تعالى: {والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284] يعني بذلك جل ثناؤه: والله عز وجل على العفو عما أخفته نفس هذا المؤمن من الهمة بالخطيئة وعلى عقاب هذا الكافر على ما أخفته نفسه من الشك في توحيد 05P148 الله عز وجل، ونبوة أنبيائه، ومجازاة كل واحد منهما على كل ما كان منه، وعلى غير ذلك من الأمور قادر 05P147 [البقرة: 285] القول في تأويل قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285] يعني بذلك جل ثناؤه: صدق الرسول، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقر {بما أنزل إليه} [البقرة: 285] يعني بما أوحي إليه من ربه من الكتاب، وما فيه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من سائر ما فيه من المعاني التي حواها وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية عليه قال: «يحق له» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: 285] وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال: «ويحق له أن يؤمن» وقد قيل: إنها نزلت بعد قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284] لأن المؤمنين برسول الله من أصحابه، شق عليهم ما توعدهم الله به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعلكم تقولون سمعنا وعصينا كما قالت بنو إسرائيل» فقالوا: بل نقول: سمعنا وأطعنا، فأنزل الله لذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه 05P149 : {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285] يقول: وصدق المؤمنون أيضا مع نبيهم بالله وملائكته وكتبه ورسله الآيتين، وقد ذكرنا قائلي ذلك قبل. واختلف القراء في قراءة قوله: {وكتبه} [البقرة: 285] ، فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض قراء أهل العراق: {وكتبه} [البقرة: 285] على وجه جمع الكتاب على معنى: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وجميع كتبه التي أنزلها على أنبيائه ورسوله وقرأ ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة: «وكتابه» بمعنى: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته، وبالقرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك «وكتابه» ويقول: الكتاب أكثر من الكتب، وكان ابن عباس يوجه تأويل ذلك إلى نحو قوله: {والعصر إن الإنسان لفي خسر} [العصر: 2] بمعنى جنس الناس وجنس الكتاب، كما يقال: ما أكثر درهم فلان وديناره، ويراد به جنس الدراهم والدنانير، وذلك وإن كان مذهبا من المذاهب معروفا، فإن الذي هو أعجب إلي من القراءة في ذلك أن يقرأ بلفظ الجمع؛ لأن الذي قبله جمع، والذي بعده كذلك، أعني بذلك: {وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285] ، فإلحاق الكتب في الجمع لفظا به أعجب إلي من توحيده وإخراجه في اللفظ به بلفظ الواحد، ليكون لاحقا في اللفظ والمعنى بلفظ ما قبله وما بعده، وبمعناه 05P148

قسم V05/P148–V05/P151

[البقرة: 285] القول في تأويل قوله تعالى: {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] وأما قوله: {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] فإنه أخبر جل ثناؤه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك. ففي الكلام في قراءة من قرأ: {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] بالنون متروك قد استغنى بدلالة ما ذكر عنه، وذلك المتروك هو «يقولون» . وتأويل الكلام: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله، وترك ذكر «يقولون» لدلالة الكلام عليه، كما ترك ذكره في قوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم} [الرعد: 24] بمعنى: يقولون سلام. وقد قرأ ذلك جماعة من المتقدمين: «لا يفرق بين أحد من رسله» بالياء، بمعنى: والمؤمنون كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا يفرق الكل منهم بين أحد من رسله، فيؤمن ببعض، ويكفر ببعض، ولكنهم يصدقون بجميعهم، ويقرون أن ما جاءوا به كان من عند الله، وأنهم دعوا إلى الله وإلى طاعته، ويخالفون في فعلهم ذلك اليهود الذين أقروا بموسى وكذبوا عيسى، والنصارى الذين أقروا بموسى وعيسى وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجحدوا نبوته، ومن أشبههم من الأمم الذين كذبوا بعض رسل الله، وأقروا ببعضه كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] كما صنع القوم، يعني بني إسرائيل، قالوا: فلان نبي، وفلان ليس نبيا، وفلان نؤمن به، وفلان لا نؤمن به " 05P151 والقراءة التي لا نستجيز غيرها في ذلك عندنا بالنون: {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] لأنها القراءة التي قامت حجة بالنقل المستفيض الذي يمتنع مع التشاعر والتواطؤ والسهو والغلط، يعني ما وصفنا من يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله، ولا يعترض بشاذ من القراءة على ما جاءت به الحجة نقلا ورواية 05P150 [البقرة: 285] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285] يعني بذلك جل ثناؤه: وقال الكل من المؤمنين: {سمعنا} [البقرة: 93] قول ربنا، وأمره إيانا بما أمرنا به، ونهيه عما نهانا عنه، {وأطعنا} [البقرة: 285] يعني أطعنا ربنا فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلمنا له: وقوله: {غفرانك ربنا} [البقرة: 285] يعني: وقالوا: غفرانك ربنا، بمعنى: اغفر لنا ربنا غفرانك، كما يقال: سبحانك، بمعنى نسبحك سبحانك. وقد بينا فيما مضى أن الغفران والمغفرة: الستر من الله على ذنوب من غفر له، وصفحه له عن هتك ستره بها في الدنيا والآخرة، وعفوه عن العقوبة عليه، وأما قوله: {وإليك المصير} [البقرة: 285] فإنه يعني جل ثناؤه أنهم قالوا: وإليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا فاغفر لنا ذنوبنا. فإن قال لنا قائل: فما الذي نصب قوله: {غفرانك} [البقرة: 285] ؟ قيل له: وقوعه وهو مصدر موقع الأمر، وكذلك تفعل العرب بالمصادر والأسماء إذا حلت محل الأمر، وأدت عن معنى الأمر نصبتها، فيقولون: شكرا لله يا فلان، وحمدا له، بمعنى: أشكر الله وأحمده، والصلاة الصلاة: بمعنى صلوا. ويقولون في الأسماء: الله الله يا قوم، ولو رفع بمعنى هو الله، أو هذا الله ووجه إلى الخبر وفيه تأويل الآمر كان جائزا، كما قال الشاعر: [+البحر الخفيف] إن قوما منهم عمير وأشبا ه عمير ومنهم السفاح لجديرون بالوفاء إذا قا ل أخو النجدة السلاح السلاح ولو كان قوله: {غفرانك ربنا} [البقرة: 285] جاء رفعا في القراءة لم يكن خطأ، بل كان صوابا على ما وصفنا. وقد ذكر أن هذه الآية لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثناء من الله عليه وعلى أمته، قال له جبريل صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل قد أحسن عليك وعلى أمتك الثناء، فسل ربك» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن بيان، عن حكيم بن جابر، قال: " لما أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285] قال جبريل: إن الله عز وجل قد أحسن الثناء عليك، وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] إلى آخر السورة " 05P152

قسم V05/P151–V05/P154

[البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] 05P153 يعني بذلك جل ثناؤه: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] فيتعبدها إلا بما يسعها، فلا يضيق عليها، ولا يجهدها، وقد بينا فيما مضى قبل أن الوسع اسم من قول القائل: وسعني هذا الأمر مثل: الجهد والوجد من جهدني هذا الأمر ووجدت منه كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] قال: " هم المؤمنون وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ، وقال: {اتقوا الله ما استطعتم} " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الله بن عباس، قال: " لما نزلت ضج المؤمنون منها ضجة وقالوا: يا رسول الله هذا، نتوب من عمل اليد والرجل واللسان، كيف نتوب من الوسوسة؟ كيف نمتنع منها؟ فجاء جبريل صلى الله عليه وسلم بهذه الآية {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] " وسعها: طاقتها، وكان حديث النفس مما لا يطيقون " 05P153 [البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] يعني بقوله جل ثناؤه لها: للنفس التي أخبر أنه لا يكلفها إلا وسعها، يقول: لكل نفس ما اجترحت وعملت من خير؛ وعليها: يعني وعلى كل نفس ما اكتسبت: ما عملت من شر كما: حدثنا بشر بن يزيد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت} [البقرة: 286] «أي من خير» {وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] " أي من شر، أو قال: من سوء " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال ثنا أسباط، عن السدي، {لها ما كسبت} [البقرة: 286] يقول: «ما عملت من خير» {وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286] يقول: «وعليها ما عملت من شر» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الله بن عباس: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] «عمل اليد والرجل واللسان» فتأويل الآية إذا: لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها، فلا يجهدها، ولا يضيق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمة إن همت، ولا بوسوسة إن عرضت لها، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها 05P154

قسم V05/P154–V05/P155

[البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] وهذا تعليم من الله عز وجل عباده المؤمنين دعاءه كيف يدعونه، وما يقولون في دعائهم إياه، ومعناه: قولوا: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا شيئا فرضت علينا عمله فلم نعمله، أو أخطأنا في فعل شيء نهيتنا عن فعله ففعلناه، على غير قصد منا إلى معصيتك، ولكن على جهالة منا به وخطأ كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] «إن نسينا شيئا مما افترضته علينا، أو أخطأنا شيئا مما حرمته علينا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل تجاوز لهذه الأمة على نسيانها وما حدثت به أنفسها» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، قال: زعم السدي أن هذه، الآية حين نزلت: " {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال له جبريل صلى الله عليه وسلم فقل ذلك يا محمد " إن قال لنا قائل: وهل يحوز أن يؤاخذ الله عز وجل عباده بما نسوا أو أخطئوا فيسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك؟ 05P156 قيل: إن النسيان على وجهين: أحدهما: على وجه التضرع من العبد والتفريط؛ والآخر: على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ ، ووكل به وضعف عقله عن احتماله، فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط، فهو ترك منه لما أمر بفعله، فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عز وجل في تركه مؤاخذته به، وهو النسيان الذي عاقب الله عز وجل به آدم صلوات الله عليه، فأخرجه من الجنة، فقال في ذلك: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} [طه: 115] وهو النسيان الذي قال جل ثناؤه: {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} [الأعراف: 51] فرغبة العبد إلى الله عز وجل بقوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطا منه فيه وتضييعا، كفرا بالله عز وجل فإن ذلك إذا كان كفرا بالله فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة؛ لأن الله عز وجل قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله خطأ، وإنما يكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه، وعن قراءته ومثل نسيانه صلاة أو صياما، باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما، وأما الذي العبد به غير مؤاخذ لعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ما وكل بمراعاته، فإن ذلك من العبد غير معصية، وهو به غير آثم، فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له؛ لأنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب، وذلك مثل الأمر يغلب عليه، وهو حريص على تذكره وحفظه، كالرجل يحرص على حفظ 05P157 القرآن بجد منه، فيقرؤه، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه، ولكن بعجز بنيته عن حفظه وقلة احتمال عقله ذكر ما أودع قلبه منه، وما أشبه ذلك من النسيان، فإن ذلك مما لا يجوز مسألة الرب مغفرته، لأنه لا ذنب للعبد فيه، فيغفر له باكتسابه، وكذلك للخطأ وجهان أحدهما من وجه ما نهي عنه العبد فيأتيه بقصد منه وإرادة، فذلك خطأ منه وهو به مأخوذ، يقال منه: خطئ فلان وأخطأ فيما أتى من الفعل، وأثم إذا أتى ما يتأثم فيه وركبه، ومنه قول الشاعر: [+البحر الكامل] الناس يلحون الأمير إذا هم خطئوا الصواب ولا يلام المرشد يعني: أخطئوا الصواب، وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه، إلا ما كان من ذلك كفرا، والآخر منهما ما كان عنه على وجه الجهل به والظن منه بأن له فعله كالذي في شهر رمضان ليلا وهو يحسب أن الفجر لم يطلع، أو يؤخر صلاة في يوم غيم وهو ينتظر بتأخيره إياها دخول وقتها فيخرج وقتها وهو يرى أن وقتها لم يدخل فإن ذلك من الخطأ الموضوع عن العبد الذي وضع الله عز وجل عن عباده الإثم فيه، فلا وجه لمسألة العبد ربه أن يؤاخذه به، وقد زعم قوم أن مسألة العبد ربه أن لا يؤاخذه بما نسي أو أخطأ، إنما هو فعل منه لما أمره به ربه تبارك وتعالى، أو لما ندبه إليه من التذلل له والخضوع بالمسألة، فأما على وجه مسألته الصفح، فما لا وجه له عندهم وللبيان عن هؤلاء كتاب سنأتي فيه إن شاء الله على ما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه 05P155

قسم V05/P155–V05/P160

[البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] يعني بذلك جل ثناؤه: قولوا: ربنا لا تحمل علينا إصرا: يعني بالإصر العهد، كما قال جل ثناؤه: {قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري} [آل عمران: 81] وإنما عنى بقوله: {ولا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] ولا تحمل علينا عهدا فنعجز عن القيام به ولا نستطيعه {كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] يعني على اليهود والنصارى الذين كلفوا أعمالا وأخذت عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم يقوموا بها، فعوجلوا بالعقوبة، فعلم الله عز وجل أمة محمد صلى الله عليه وسلم الرغبة إليه بمسألته أن لا يحملهم من عهوده ومواثيقه على أعمال أن ضيعوها أو أخطئوا فيها أو نسوها مثل الذي حمل من قبلهم، فيحل بهم بخطئهم فيه وتضييعهم إياه مثل الذي أحل بمن قبلهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {لا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] قال: «لا تحمل علينا عهدا وميثاقا» ، {كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] يقول: «كما غلظ على من قبلنا» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن قيس الحضرمي، عن مجاهد، في قوله: {ولا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] قال: «عهدا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إصرا} [البقرة: 286] قال: «عهدا» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {إصرا} [البقرة: 286] يقول: «عهدا» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] «والإصر العهد الذي كان على من قبلنا من اليهود» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {ولا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] قال: «عهدا لا نطيقه، ولا نستطيع القيام به» {كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] «اليهود والنصارى فلم يقوموا به فأهلكتهم» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: {إصرا} [البقرة: 286] قال: «المواثيق» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " الإصر: العهد " {وأخذتم على ذلكم إصري} [آل عمران: 81] قال: «عهدي» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وأخذتم على ذلكم إصري} [آل عمران: 81] قال: «عهدي» وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تحمل علينا ذنوبا وإثما كما حملت ذلك على من قبلنا من الأمم، فتمسخنا قردة وخنازير كما مسختهم ذكر من قال ذلك: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن علي بن هارون، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، في قوله: {ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] قال: «لا تمسخنا قردة وخنازير» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] «لا تحمل علينا ذنبا ليس فيه توبة ولا كفارة» وقال آخرون: معنى الإصر بكسر الألف: الثقل ذكر من قال ذلك حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من 05P161 قبلنا} [البقرة: 286] يقول: «التشديد الذي شددته على من قبلنا من أهل الكتاب» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألته، يعني مالكا، عن قوله: {ولا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] قال: " الإصر: الأمر الغليظ " فأما الأصر بفتح الألف: فهو ما عطف الرجل على غيره من رحم أو قرابة، يقال: أصرتني رحم بيني وبين فلان عليه، بمعنى: عطفتني عليه، وما يأصرني عليه: أي ما يعطفني عليه، وبيني وبينه أصر رحم يأصرني عليه أصرا: يعني به عاطفة رحم تعطفني عليه 05P161

قسم V05/P160–V05/P164

[البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] يعني بذلك جل ثناؤه: وقولوا أيضا: ربنا لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به لثقل حمله علينا. وكذلك كانت جماعة أهل التأويل يتأولونه ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] «تشديد يشدد به كما شدد على من كان قبلكم» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قوله: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] قال: «لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] «لا تفترض علينا من الدين ما لا طاقة لنا به، فنعجز عنه» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] «مسخ القردة والخنازير» حدثني سلام بن سالم الخزاعي، قال: ثنا أبو حفص عمر بن سعيد التنوخي، قال: ثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن سالم بن شابور، في قوله: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] قال: «الغلمة» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] «من التغليظ والأغلال التي كانت عليهم من التحريم» وإنما قلنا: إن تأويل ذلك: ولا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به على نحو الذي قلنا في ذلك؛ لأنه عقيب مسألة المؤمنين ربهم أن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، وأن لا يحمل عليهم إصرا كما حمله على الذين من قبلهم، 05P163 فكان إلحاق ذلك بمعنى ما قبله من مسألتهم التيسير في الدين أولى مما خالف ذلك المعنى 05P162 [البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {واعف عنا واغفر لنا} [البقرة: 286] وفي هذا أيضا من قول الله عز وجل خبر عن المؤمنين من مسألتهم إياه ذلك الدلالة الواضحة أنهم سألوه تيسير فرائضه عليهم بقوله: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] لأنهم عقبوا ذلك بقولهم: {واعف عنا} [البقرة: 286] مسألة منهم ربهم أن يعفو لهم عن تقصير إن كان منهم في بعض ما أمرهم به من فرائضه، فيصفح لهم عنه، ولا يعاقبهم عليه وإن خف ما كلفهم من فرائضه على أبدانهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {واعف عنا} [البقرة: 286] قال: «اعف عنا إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به» وكذلك قوله: {واغفر لنا} [البقرة: 286] يعني: «واستر علينا زلة إن أتيناها فيما بيننا وبينك، فلا تكشفها ولا تفضحنا بإظهارها، وقد دللنا على معنى المغفرة فيما مضى قبل» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {واغفر لنا} [البقرة: 286] «إن انتهكنا شيئا مما نهيتنا عنه» 05P164 [البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {وارحمنا} [البقرة: 286] يعني بذلك جل ثناؤه: تغمدنا منك برحمة تنجينا بها من عقابك، فإنه ليس 05P165 بناج من عقابك أحد إلا برحمتك إياه دون عمله، وليست أعمالنا منجيتنا إن أنت لم ترحمنا، فوفقنا لما يرضيك عنا كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وارحمنا} [البقرة: 286] قال: يقول: " لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا نترك ما نهيتنا عنه إلا برحمتك، قال: ولم ينج أحد إلا برحمتك " 05P165

قسم V05/P164

[البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] يعني بقوله جل ثناؤه: {أنت مولانا} [البقرة: 286] أنت ولينا بنصرك دون من عاداك وكفر بك، لأنا مؤمنون بك ومطيعوك فيما أمرتنا ونهيتنا، فأنت وفي من أطاعك، وعدو من كفر بك فعصاك، فانصرنا لأنا حزبك، على القوم الكافرين الذي جحدوا وحدانيتك، وعبدوا الآلهة والأنداد دونك، وأطاعوا في معصيتك الشيطان والمولى في هذا الموضع المفعل من ولي فلان أمر فلان فهو يليه ولاية، وهو وليه ومولاه، وإنما صارت الياء من ولي ألفا لانفتاح اللام قبلها التي هي عين الاسم. وقد ذكروا أن الله عز وجل لما أنزل هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، استجاب الله له في ذلك كله. ذكر الأخبار التي جاءت بذلك: حدثني المثنى بن إبراهيم، ومحمد بن خلف، قالا: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن 05P166 عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: 285] قال: قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى إلى قوله: {غفرانك ربنا} [البقرة: 285] قال الله عز وجل: «قد غفرت لكم» ، فلما قرأ: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال الله عز وجل: «لا أحملكم» فلما قرأ: {واغفر لنا} [البقرة: 286] قال الله تبارك وتعالى: «قد غفرت لكم» ، فلما قرأ: {وارحمنا} [البقرة: 286] قال الله عز وجل: «قد رحمتكم» ، فلما قرأ: {فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] قال الله عز وجل: «قد نصرتكم عليهم» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: " أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد قل: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] فقالها، فقال جبريل: قد فعل، وقال له جبريل: قل {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] فقالها، فقال جبريل: قد فعل، فقال: قل {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] فقالها: فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: قد فعل، فقال: قل {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] فقالها، فقال جبريل: قد فعل " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، قال: 05P167 زعم السدي " أن هذه الآية حين نزلت: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] فقال له جبريل: فعل ذلك يا محمد {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] فقال له جبريل في كل ذلك: فعل ذلك يا محمد " حدثنا أبو كريب، قال ثنا وكيع، وحدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن آدم بن سليمان، مولى خالد، قال سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " أنزل الله عز وجل {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: 285] إلى قوله {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] فقرأ: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: فقال: قد فعلت، {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] فقال: قد فعلت، {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] قال: قد فعلت، {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] قال: قد فعلت " حدثنا أبو كريب، قال ثنا إسحاق بن سليمان، عن مصعب بن ثابت، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: " أنزل الله عز وجل {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: نعم " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو حميد، عن سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: " يقول: قد فعلت " {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] قال: «ويقول قد فعلت» فأعطيت هذه الأمة خواتيم سورة البقرة، ولم تعطها الأمم قبلها حدثنا علي بن حرب الموصلي، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قول الله عز وجل {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: 285] إلى قوله.

قسم V05/P164–V05/P169

{غفرانك ربنا} [البقرة: 285] قال: «قد غفرت لكم» {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] إلى قوله {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: «لا أؤاخذكم» {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] قال: «لا أحمل عليكم» إلى قوله {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا} [البقرة: 286] إلى آخر السورة، قال: «قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم، ونصرتكم على القوم الكافرين» وروي عن الضحاك بن مزاحم أن إجابة الله للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال سمعت الضحاك، يقول في قوله {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو 05P169 أخطأنا} [البقرة: 286] " كان جبريل عليه السلام يقول له: سلها، فسألها نبي الله ربه جل ثناؤه، فأعطاه إياها ، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، أن معاذا، كان إذا فرغ من هذه السورة: {فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] قال: «آمين»

قسم V05/P169

[003] سورة آل عمران مدنية وآياتها مائتان بسم الله الرحمن الرحيم 05P170

قسم V05/P169–V05/P171

[آل عمران: 1_2] القول في تأويل قوله تعالى: {آلم} ، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [آل عمران: 1_2] قال أبو جعفر: قد أتينا على البيان عن معنى قوله: {الم} [آل عمران: 1] فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وكذلك البيان عن قوله: {الله} [آل عمران: 2] وأما معنى قوله: {لا إله إلا هو} [آل عمران: 2] ، فإنه خبر من الله جل وعز، أخبر عباده أن الألوهية خاصة به دون ما سواه من الآلهة والأنداد، وأن العبادة لا تصلح ولا تجوز إلا له لانفراده بالربوبية، وتوحده بالألوهية، وأن كل ما دونه فملكه، وأن كل ما سواه فخلقه، لا شريك له في سلطانه وملكه ; احتجاجا منه تعالى ذكره عليهم بأن ذلك إذ كان كذلك، فغير جائزة لهم عبادة غيره، ولا إشراك أحد معه في سلطانه، إذ كان كل معبود سواه فملكه، وكل معظم غيره فخلقه، وعلى المملوك إفراد الطاعة لمالكه، وصرف خدمته إلى مولاه ورازقه. ومعرفا من كان من خلقه يوم أنزل ذلك إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بتنزيله ذلك إليه، وإرساله به إليهم على لسانه صلوات الله عليه وسلامه، مقيما على عبادة وثن أو صنم أو شمس أو قمر أو إنسي أو ملك أو غير ذلك من الأشياء التي كانت بنو آدم مقيمة على عبادته وإلاهته، ومتخذته دون مالكه وخالقه إلها وربا، أنه مقيم على ضلالة، ومنعزل عن المحجة، وراكب غير السبيل المستقيمة بصرفه العبادة إلى غيره، ولا أحد له الألوهية غيره. وقد ذكر أن هذه السورة ابتدأ الله بتنزيله فاتحتها بالذي ابتدأ به من نفي الألوهية أن يكون لغيره، ووصفه نفسه بالذي وصفها به ابتداءها؛ احتجاجا منه بذلك على طائفة من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، فحاجوه في عيسى صلوات الله عليه، وألحدوا في الله، فأنزل الله عز وجل في أمرهم وأمر عيسى من هذه السورة نيفا وثلاثين آية من أولها، احتجاجا عليهم وعلى من كان على مثل مقالتهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فأبوا إلا المقام على ضلالتهم وكفرهم، فدعاهم إلى المباهلة، فأبوا ذلك وسألوا قبول الجزية منهم ، فقبلها صلى الله عليه وسلم منهم، وانصرفوا إلى بلادهم. غير أن الأمر وإن كان كذلك وإياهم قصد بالحجاج، فإن من كان معناه من سائر الخلق معناهم في الكفر بالله، واتخاذ ما سوى الله ربا وإلها ومعبودا، معمومون بالحجة التي حج الله تبارك وتعالى بها من نزلت من هذه الآيات فيه، ومحجوجون في الفرقان الذي فرق به لرسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم. ذكر الرواية عمن ذكرنا قوله في نزول افتتاح هذه السورة أنه نزل في الذين وصفنا صفتهم من النصارى: أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري رضي الله عنه حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح. والسيد ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم. وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم. وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينه. قال ابن إسحاق: قال محمد بن جعفر بن الزبير: قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلوا عليه في مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في بلحارث بن كعب. قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم.

الأسئلة