Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V06/P152–V06/P154

قالوا: نعم، قال: أما إنها قد كانت فيكم مثلة، ما أمرت بها، ولا نهيت عنها، ولا سرتني، ولا ساءتني، فذكر الله إشراف أبي سفيان عليهم، فقال: {فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم} [آل عمران: 153] الغم الأول: ما فاتهم من الغنيمة والفتح؛ والغم الثاني إشراف العدو عليهم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة، ولا ما أصابكم من القتل حين تذكرون، فشغلهم أبو سفيان " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني ابن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا فيما ذكروا من حديث أحد، قالوا: " كان المسلمون في ذلك اليوم لما أصابهم فيه من شدة البلاء أثلاثا: ثلث قتيل، 06P154 وثلث جريح، وثلث منهزم، وقد بلغته الحرب حتى ما يدري ما يصنع، وحتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدث بالحجارة حتى وقع لشقه، وأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه لواؤه حتى قتل، وكان الذي أصابه ابن قميئة الليثي، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدا " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " فكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة، وقول الناس: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم " كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني ابن شهاب الزهري، ثنا كعب بن مالك أخو بني سلمة، قال: " عرفت عينيه تزهران تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلي رسول الله أن أنصت، فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض نحو الشعب معه علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والحارث بن الصامت في رهط من المسلمين، قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب ومعه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا» فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين، حتى أهبطوهم عن 06P155 الجبل، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بدن، فظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض، فلم يستطع، جلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض حتى استوى عليها ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل أي أظهر دينك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: " قم فأجبه فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار " فلما أجاب عمر رضي الله عنه أبا سفيان، قال له أبو سفيان: هلم إلي يا عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائته فانظر ما شأنه» فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا؟

قسم V06/P154–V06/P157

فقال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، فقال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة، وأشار لقول ابن قميئة لهم: إني قتلت محمدا ثم نادى أبو سفيان، فقال: إنه قد كان في قتلاكم مثلة، والله ما رضيت، ولا سخطت، ولا نهيت، ولا أمرت حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق: {فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم} [آل عمران: 153] " أي كربا بعد كرب قتل من قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من 06P156 قول من قال: قتل نبيكم، فكان ذلك مما تتابع عليكم غما بغم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من ظهوركم على عدوكم بعد أن رأيتموه بأعينكم، ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم؛ حتى فرجت بذلك الكرب عنكم، والله خبير بما تعملون، وكان الذي فرج عنهم ما كانوا فيه من الكرب والغم الذي أصابهم أن الله عز وجل رد عنهم كذبة الشيطان بقتل نبيهم، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا بين أظهرهم هان عليهم ما فاتهم من القوم، فهان الظهور عليهم والمصيبة التي أصابتهم في إخوانهم، حين صرف الله القتل عن نبيهم صلى الله عليه وسلم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {فأثابكم غما بغم} [آل عمران: 153] قال ابن جريج: قال مجاهد: «أصاب الناس حزن وغم على ما أصابهم في أصحابهم الذين قتلوا، فلما تولجوا في الشعب يتصافون وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشعب، فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم أيضا، فأصابهم حزن في ذلك أيضا أنساهم حزنهم في أصحابهم» فذلك قوله: {فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} [آل عمران: 153] قال ابن جريج: قوله: {على ما فاتكم} [آل عمران: 153] يقول: «على ما فاتكم من غنائم القوم» {ولا ما أصابكم} [آل عمران: 153] «في أنفسكم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن عبيد بن عمير، قال: " جاء أبو سفيان بن حرب، ومن معه، حتى وقف بالشعب، ثم نادى: أفي القوم ابن أبي كبشة؟ فسكتوا، فقال أبو سفيان: قتل ورب الكعبة، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فسكتوا، فقال: قتل ورب الكعبة ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ فسكتوا، فقال: قتل ورب الكعبة ثم قال أبو سفيان: اعل هبل، يوم بيوم بدر، وحنظلة بحنظلة، وأنتم واجدون في القوم مثلا لم يكن عن رأي سراتنا وخيارنا، ولم نكرهه حين رأيناه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: " قم فناد فقل: الله أعلى وأجل، نعم هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا؛ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار " وقال آخرون في ذلك بما: حدثني به محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم} [آل عمران: 153] " فرجعوا فقالوا: والله لنأتينهم، ثم لنقتلنهم، قد خرجوا منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مهلا فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجل أنكم عصيتموني» .

قسم V06/P157

فبينما هم كذلك، إذ أتاهم القوم، قد أنسوا، وقد اخترطوا سيوفهم، فكان غم الهزيمة وغمهم حين أتوهم " {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} [آل عمران: 153] «من القتل» {ولا ما أصابكم} [آل عمران: 153] «من الجراحة» {فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا} [آل عمران: 153] الآية، «وهو يوم أحد» 06P158 وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: معنى قوله: {فأثابكم غما بغم} [آل عمران: 153] أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين، والظفر بهم، والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون بمعصيتكم ربكم، وخلافكم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم، غم ظنكم أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قتل، وميل العدو عليكم بعد فلولكم منهم. والذي يدل على أن ذلك أولى بتأويل الآية مما خالفه، قوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم} [آل عمران: 153] والفائت لا شك أنه هو ما كانوا رجوا الوصول إليه من غيرهم، إما من ظهور عليهم بغلبهم، وإما من غنيمة يحتازونها، وأن قوله: {ولا ما أصابكم} [آل عمران: 153] هو ما أصابهم إما في أبدانهم، وإما في إخوانهم، فإن كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الغم الثاني هو معنى غير هذين؛ لأن الله عز وجل أخبر عباده المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أثابهم غما بغم، لئلا يحزنهم ما نالهم من الغم الناشئ عما فاتهم من غيرهم، ولا ما أصابهم قبل ذلك في أنفسهم، وهو الغم الأول على ما قد بيناه قبل. وأما قوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم} [آل عمران: 153] فإن تأويله على ما قد بينت من أنه لكيلا تحزنوا على ما فاتكم فلم تدركوه مما كنتم ترجون إدراكه من عدوكم بالظفر عليهم والظهور وحيازة غنائمهم ، ولا ما أصابكم في أنفسكم من جرح من جرح وقتل من قتل من إخوانكم. وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه قبل على السبيل التي اختلفوا فيه كما: حدثنا يونس، قال: أخبرنا وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم} [آل عمران: 153] قال: «على ما فاتكم من الغنيمة التي كنتم ترجون» {ولا ما أصابكم} [آل عمران: 153] «من الهزيمة» وأما قوله: {والله خبير بما تعملون} [آل عمران: 153] فإنه يعني جل ثناؤه: والله بالذي تعملون أيها المؤمنون من إصعادكم في الوادي هربا من عدوكم، وانهزامكم منهم، وترككم نبيكم وهو يدعوكم في أخراكم، وحزنكم على ما فاتكم من عدوكم، وما أصابكم في أنفسكم ذو خبرة وعلم، وهو محص ذلك كله عليكم حتى يجازيكم به المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته، أو يعفو عنه 06P159

قسم V06/P157–V06/P160

[آل عمران: 154] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور} [آل عمران: 154] يعني بذلك جل ثناؤه: ثم أنزل الله أيها المؤمنون من بعد الغم الذي أثابكم ربكم بعد غم يقدمه قبله أمنة، وهي الأمان على أهل الإخلاص منكم واليقين، دون أهل النفاق والشك، ثم بين جل ثناؤه عن الأمنة التي أنزلها عليهم ما هي؟ فقال: نعاسا، بنصب النعاس على الإبدال من الأمنة. ثم اختلفت القراء في قراءة قوله: {يغشى} [آل عمران: 154] فقرأ ذلك عامة الحجاز والمدينة والبصرة وبعض الكوفيين بالتذكير بالياء: {يغشى} [آل عمران: 154] وقرأ جماعة من قراء الكوفيين بالتأنيث: (تغشى) بالتاء، وذهب الذين قرءوا ذلك بالتذكير إلى أن النعاس هو الذي يغشى الطائفة من المؤمنين دون الأمنة، فذكره بتذكير النعاس، وذهب الذين قرءوا ذلك بالتأنيث إلى أن الأمنة هي التي تغشاهم، فأنثوه لتأنيث الأمنة. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراء الأمصار غير مختلفتين في معنى ولا غيره؛ لأن الأمنة في هذا الموضع هي النعاس، والنعاس: هو الأمنة، وسواء ذلك، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الحق في قراءته، وكذلك جميع ما في القرآن من نظائره من نحو قوله: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون} [الدخان: 44] ، و {ألم يك نطفة من مني يمنى} [القيامة: 37] ، {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط} [مريم: 25] فإن قال قائل: وما كان السبب الذي من أجله افترقت الطائفتان اللتان ذكرهما الله عز وجل فيما افترقتا فيه من صفتهما، فآمنت إحداهما بنفسها حتى نعست، وأهمت الأخرى نفسها حتى ظنت بالله غير الحق ظن الجاهلية؟ قيل: كان سبب ذلك فيما ذكر لنا كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي " أن المشركين، انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين؛ فواعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بدرا من قابل، فقال لهم: «نعم» فتخوف المسلمون أن ينزلوا المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا، فقال: «انظر فإن رأيتهم قعدوا على أثقالهم وجنبوا خيولهم، فإن القوم ذاهبون، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجنبوا على أثقالهم، فإن القوم ينزلون المدينة، فاتقوا الله واصبروا» ووطنهم على القتال؛ فلما أبصرهم الرسول تعدوا على الأثقال سراعا عجالا، نادى بأعلى صوته بذهابهم؛ فلما رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبي الله صلى الله عليه وسلم، فناموا، وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم، فقال الله جل وعز يذكر حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم إن كانوا ركبوا الأثقال فإنهم منطلقون فناموا: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} [آل عمران: 154] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: «أمنهم يومئذ بنعاس غشاهم، وإنما ينعس من يأمن» {يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} [آل عمران: 154] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة، قال: «كنت فيمن أنزل عليه النعاس يوم أحد أمنة، حتى سقط من يدي مرارا» قال أبو جعفر: يعني سوطه، أو سيفه حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: «رفعت رأسي يوم أحد، فجعلت 06P162 ما أرى أحدا من القوم إلا تحت حجفته يميد من النعاس» حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا: ثنا أبو داود، قال: ثنا عمران، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال: «كنت فيمن صب عليه النعاس يوم أحد» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة: " أنه كان يومئذ ممن غشيه النعاس، قال: كان السيف يسقط من يدي ثم آخذه من النعاس " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ذكر لنا والله أعلم عن أنس، أن أبا طلحة، حدثهم " أنه، كان يومئذ ممن غشيه النعاس، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه ويسقط، والطائفة الأخرى: المنافقون، ليس لهم همة إلا أنفسهم {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} [آل عمران: 154] الآية كلها " حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: ثنا ضرار بن صرد، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه، قال: سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله، عز وجل: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} [آل عمران: 154] قال: «ألقي علينا النوم 06P163 يوم أحد» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} [آل عمران: 154] الآية، «وذاكم يوم أحد، كانوا يومئذ فريقين؛ فأما المؤمنون فغشاهم الله النعاس أمنة منه ورحمة» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، نحوه حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {أمنة نعاسا} [آل عمران: 154] قال: «ألقي عليهم النعاس، فكان ذلك أمنة لهم» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، قال: قال عبد الله: «النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} [آل عمران: 154] قال: «أنزل النعاس أمنة منه على أهل اليقين به، فهم نيام لا يخافون» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {أمنة نعاسا} [آل عمران: 154] قال: «ألقى الله عليهم النعاس، فكان أمنة لهم» وذكر أن أبا طلحة قال: ألقي علي النعاس يومئذ، فكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي حدثنا ابن بشار، قال: ثنا إسحاق بن إدريس، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة، وهشام، عن عروة، عن الزبير أنهما قالا: «لقد رفعنا رءوسنا يوم أحد، فجعلنا ننظر، فما منهم من أحد إلا وهو يميل بجنب حجفته» قال: وتلا هذه الآية: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} [آل عمران: 154] 06P164

قسم V06/P160–V06/P166

[آل عمران: 154] القول في تأويل قوله تعالى: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} [آل عمران: 154] يعني بذلك جل ثناؤه: وطائفة منكم أيها المؤمنون قد أهمتهم أنفسهم، يقول: هم المنافقون لا هم لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل 06P165 على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظن الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكا في أمر الله، وتكذيبا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومحسبة منهم أن الله خاذل نبيه، ومعل عليه أهل الكفر به، يقولون: هل لنا من الأمر شيء كالذي: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " والطائفة الأخرى: المنافقون، ليس لهم هم إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه، وأخذله للحق، يظنون بالله غير الحق ظنونا كاذبة، إنما هم أهل شك وريبة في أمر الله "، يقولون: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} [آل عمران: 154] حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " والطائفة الأخرى: المنافقون ليس لهم همة إلا أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يقولون: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} [آل عمران: 154] قال الله عز وجل: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} [آل عمران: 154] " الآية حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} [آل عمران: 154] قال: «أهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} [آل عمران: 154] " إلى آخر الآية، قال: «هؤلاء المنافقون» وأما قوله: {ظن الجاهلية} [آل عمران: 154] فإنه يعني أهل الشرك كالذي: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ظن الجاهلية} [آل عمران: 154] قال: «ظن أهل الشرك» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {ظن الجاهلية} [آل عمران: 154] قال: «ظن أهل الشرك» وفي رفع قوله: {وطائفة} [آل عمران: 154] وجهان: أحدهما أن تكون مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله: {قد أهمتهم} [آل عمران: 154] ، والآخر بقوله: {يظنون بالله غير الحق} [آل عمران: 154] ولو كانت منصوبة كان جائزا، وكانت الواو في قوله: {وطائفة} [آل عمران: 154] ظرفا للفعل، بمعنى: وأهمت طائفة أنفسهم، كما قال: {والسماء بنيناها بأيد} [الذاريات: 47] 06P166

قسم V06/P166–V06/P167

[آل عمران: 154] القول في تأويل قوله تعالى: {يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} [آل عمران: 154] يعني بذلك الطائفة المنافقة التي قد أهمتهم أنفسهم، يقولون: ليس لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله، ولو كان لنا من الأمر شيء ما خرجنا لقتال من 06P167 قاتلنا فقتلونا كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قيل لعبد الله بن أبي: قتل بنو الخزرج اليوم قال: «وهل لنا من الأمر من شيء؟ قل إن الأمر كله لله» وهذا أمر مبتدأ من الله عز وجل، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين إن الأمر كله لله، يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف يحب، ثم عاد إلى الخبر عن ذكر نفاق المنافقين، فقال: {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} [آل عمران: 154] يقول: يخفي يا محمد هؤلاء المنافقون الذين وصفت لك صفتهم في أنفسهم من الكفر والشك في الله ما لا يبدون لك، ثم أظهر نبيه صلى الله عليه وسلم على ما كانوا يخفونه بينهم من نفاقهم، والحسرة التي أصابتهم على حضورهم مع المسلمين مشهدهم بأحد، فقال مخبرا عن قيلهم الكفر، وإعلانهم النفاق بينهم، يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، يعني بذلك أن هؤلاء المنافقين يقولون: لو كان الخروج إلى حرب من خرجنا لحربه من المشركين إلينا، ما خرجنا إليهم، ولا قتل منا أحد في الموضع الذي قتلوا فيه بأحد وذكر أن ممن قال هذا القول معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف ذكر الخبر بذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: ثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، قال: " والله إني لأسمع قول معتب بن قشير أخي بني عمرو بن عوف، والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا " حدثني سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: ثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، بمثله. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق: {قل إن الأمر كله} [آل عمران: 154] بنصب الكل على وجه النعت للأمر والصفة له، وقرأه بعض قراء أهل البصرة: (قل إن الأمر كله لله) برفع الكل على توجيه الكل إلى أنه اسم، وقوله {لله} [آل عمران: 154] خبره، كقول القائل: إن الأمر بعضه لعبد الله، وقد يجوز أن يكون الكل في قراءة من قرأه بالنصب منصوبا على البدل، والقراءة التي هي القراءة عندنا النصب في الكل لإجماع أكثر القراء عليه، من غير أن تكون القراءة الأخرى خطأ في معنى أو عربية. ولو كانت القراءة بالرفع في ذلك مستفيضة في القراء، لكانت سواء عندي القراءة بأي ذلك قرئ لاتفاق معاني ذلك بأي وجهيه قرئ 06P168

قسم V06/P167–V06/P169

[آل عمران: 154] القول في تأويل قوله تعالى: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور} [آل عمران: 154] يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد للذين وصفت لك صفتهم من المنافقين: لو كنتم في بيوتكم لم تشهدوا مع المؤمنين مشهدهم، ولم تحضروا معهم حرب أعدائهم من المشركين، فيظهر للمؤمنين ما كنتم تخفونه من نفاقكم، وتكتمونه من شرككم في دينكم، {لبرز الذين كتب عليهم القتل} [آل عمران: 154] ، يقول: لظهر للموضع الذي كتب عليه مصرعه فيه من قد كتب عليه القتل منهم، ويخرج من بيته إليه، حتى يصرع في الموضع الذي كتب عليه أن يصرع فيه. وأما قوله: {وليبتلي الله ما في صدوركم} [آل عمران: 154] فإنه يعني به: وليبتلي الله ما في صدوركم أيها المنافقون كنتم تبرزون من بيوتكم إلى مضاجعكم، ويعني بقوله : {وليبتلي الله ما في صدوركم} [آل عمران: 154] وليختبر الله الذي في صدوركم من الشك، فيميزكم بما يظهره للمؤمنين من نفاقكم من المؤمنين. وقد دللنا فيما مضى على أن معاني نظائر قوله: {ليبتلي الله} [آل عمران: 154] {وليعلم الله} [آل عمران: 140] وما أشبه ذلك، وإن كان في ظاهر الكلام مضافا إلى الله الوصف به، فمراد به أولياؤه وأهل طاعته؛ وأن معنى ذلك: وليختبر أولياء الله وأهل طاعته الذي في صدوركم من الشك والمرض، فيعرفوكم من أهل الإخلاص واليقين {وليمحص ما في قلوبكم} [آل عمران: 154] يقول: وليتبينوا ما في قلوبكم من الاعتقاد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من العداوة أو الولاية. {والله عليم بذات الصدور} [آل عمران: 154] يقول: والله ذو علم بالذي في صدور خلقه من خير وشر وإيمان وكفر، لا يخفى عليه شيء من أمورهم، سرائرها وعلانيتها، وهو لجميع ذلك حافظ، حتى يجازي جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن إسحاق يقول حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " ذكر الله تلاومهم، يعني: تلاوم المنافقين وحسرتهم على ما أصابهم ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لو كنتم في بيوتكم لم تحضروا هذا الموضع الذي أظهر الله جل ثناؤه فيه منكم ما أظهر من سرائركم، لأخرج الذين كتب عليهم القتل إلى موطن غيره يصرعون فيه، حتى يبتلي به ما في صدوركم؛ وليمحص ما في قلوبكم، والله عليم بذات الصدور، أي لا يخفى عليه شيء مما في صدورهم مما استخفوا به منكم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا الحرث بن مسلم، عن بحر السقاء، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، قال: سئل عن قوله: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} [آل عمران: 154] قال: «كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله، وليس كل من يقاتل يقتل، ولكن يقتل من كتب الله عليه القتل» 06P171

قسم V06/P169–V06/P174

[آل عمران: 155] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} [آل عمران: 155] يعني بذلك جل ثناؤه: إن الذين ولوا عن المشركين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وانهزموا عنهم، وقوله: {تولوا} [البقرة: 115] تفعلوا، من قولهم: ولى فلان ظهره، وقوله: {يوم التقى الجمعان} [آل عمران: 155] يعني: يوم التقى جمع المشركين والمسلمين بأحد، {إنما استزلهم الشيطان} [آل عمران: 155] أي إنما دعاهم إلى الزلة الشيطان، وقوله استزل: استفعل، من الزلة، والزلة: هي الخطيئة {ببعض ما كسبوا} [آل عمران: 155] يعني: ببعض ما عملوا من الذنوب. ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها كل من ولى الدبر عن المشركين بأحد ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: خطب عمر يوم الجمعة، فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} [آل عمران: 155] قال: " لما كان يوم أحد هزمناهم، ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى، والناس يقولون: قتل محمد، فقلت: لا أجد أحدا يقول قتل محمد إلا قتلته. حتى اجتمعنا على الجبل، فنزلت: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} [آل عمران: 155] الآية كلها " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} [آل عمران: 155] الآية، «وذلك يوم أحد، ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبي الله يومئذ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنزل الله عز وجل ما تسمعون أنه قد تجاوز لهم عن ذلك، وعفا عنهم» 06P173 حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثني عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} [آل عمران: 155] الآية، فذكر نحو قول قتادة وقال آخرون: بل عني بذلك خاص ممن ولى الدبر يومئذ، قالوا: وإنما عني به الذين لحقوا بالمدينة منهم دون غيرهم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «لما انهزموا يومئذ تفرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، فذكر الله عز وجل الذين انهزموا، فدخلوا المدينة» فقال: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} [آل عمران: 155] الآية وقال آخرون: بل نزل ذلك في رجال بأعيانهم معروفين ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة، قوله: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} [آل عمران: 155] قال: «نزلت في رافع بن المعلى وغيره من الأنصار وأبي حذيفة بن عتبة، ورجل آخر» قال ابن جريج: وقوله: {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم} [آل عمران: 155] «إذ لم يعاقبهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " فر عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان - رجلان من الأنصار - حتى بلغوا الجلعب، جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص، فأقاموا به ثلاثا، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «لقد ذهبتم فيها عريضة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} [آل عمران: 155] الآية، " والذين استزلهم الشيطان: عثمان بن عفان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان الأنصاريان، ثم الزرقيان " وأما قوله: {ولقد عفا الله عنهم} [آل عمران: 155] فإن معناه: ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، أن يعاقبهم بتوليهم عن عدوهم كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قوله: {ولقد عفا الله عنهم} [آل عمران: 155] يقول: «ولقد عفا الله عنهم إذ لم يعاقبهم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله في توليهم يوم أحد: {ولقد عفا الله عنهم} [آل عمران: 155] «فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة، أم عفو عن المسلمين كلهم» {إن الله غفور} [آل عمران: 155] يعني به: مغط على ذنوب من آمن به واتبع رسوله بعفوه عن عقوبته إياهم عليها.

قسم V06/P174

{حليم} [آل عمران: 155] يعني: أنه ذو أناة، لا يعجل على من عصاه وخالف أمره بالنقمة. وقد بينا تأويل قوله: {إن الله غفور حليم} [آل عمران: 155] فيما مضى 06P175

قسم V06/P174–V06/P176

[آل عمران: 156] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير} [آل عمران: 156] يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاء به محمد من عند الله، لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله، فجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لإخوانه من أهل الكفر {إذا ضربوا في الأرض} [آل عمران: 156] فخرجوا من بلادهم سفرا في تجارة، {أو كانوا غزى} [آل عمران: 156] يقول: أو كان خروجهم من بلادهم غزاة، فهلكوا فماتوا في سفرهم، أو قتلوا في غزوهم، {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} [آل عمران: 156] يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار، أنهم يقولون لمن غزا منهم فقتل أو مات في سفر خرج فيه في طاعة الله أو تجارة: لو لم يكونوا خرجوا من عندنا، وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} [آل عمران: 156] يعني: أنهم يقولون ذلك، كي يجعل الله قولهم ذلك حزنا في قلوبهم وغما، ويجهلون أن ذلك إلى الله جل ثناؤه وبيده. وقد قيل: إن الذين نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتشبهوا بهم فيما نهاهم عنه من سوء اليقين بالله، هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم} [آل عمران: 156] الآية، قال: «هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى} [آل عمران: 156] «قول المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وقال آخرون في ذلك: هم جميع المنافقين ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مسلمة، عن ابن إسحاق: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم} [آل عمران: 156] الآية: " أي لا تكونوا كالمنافقين الذي ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله، والضرب في الأرض في طاعة الله، وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا، وما قتلوا " 06P177 وأما قوله: {إذا ضربوا في الأرض} [آل عمران: 156] فإنه اختلف في تأويله، فقال بعضهم: هو السفر في التجارة، والسير في الأرض لطلب المعيشة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {إذا ضربوا في الأرض} [آل عمران: 156] «وهي التجارة» وقال آخرون: بل هو السير في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إذا ضربوا في الأرض} [آل عمران: 156] «الضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله» وأصل الضرب في الأرض: الإبعاد فيها سيرا وأما قوله: {أو كانوا غزى} [آل عمران: 156] فإنه يعني: أو كانوا غزاة في سبيل الله، والغزى: جمع غاز، جمع على «فعل» كما يجمع شاهد: شهد، وقائل: قول وقد ينشد بيت رؤبة: [+البحر الرجز] فاليوم قد نهنهني تنهنهي 06P178 وأول حلم ليس بالمسفه وقول إلا ده فلا ده وينشد أيضا: وقولهم إلا ده فلا ده وإنما قيل: {لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى} [آل عمران: 156] بإصحاب ماضي الفعل الحرف الذي لا يصحب مع الماضي منه إلا المستقبل، فقيل: وقالوا لإخوانهم ثم قيل: إذا ضربوا، وإنما يقال في الكلام: أكرمتك إذ زرتني، ولا يقال: أكرمتك إذا زرتني؛ لأن القول الذي في قوله: {وقالوا لإخوانهم} [آل عمران: 156] وإن كان في لفظ الماضي فإنه بمعنى المستقبل، وذلك أن العرب تذهب بالذين مذهب الجزاء، وتعاملها في ذلك معاملة «من» و «ما» لتقارب معاني ذلك في كثير من الأشياء، وإن جمعهن أشياء مجهولات غير مؤقتات توقيت عمرو وزيد، فلما كان ذلك كذلك، وكان صحيحا في الكلام فصيحا أن يقال للرجال: أكرم من أكرمك، وأكرم كل رجل أكرمك، فيكون الكلام خارجا بلفظ الماضي مع من وكل مجهولا، 06P179 ومعناه الاستقبال، إذ كان الموصوف بالفعل غير موقت، وكان «الذين» في قوله: {لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض} [آل عمران: 156] غير موقتين، أجريت مجرى «من» و «ما» في ترجمتها التي تذهب مذهب الجزاء وإخراج صلاتها بألفاظ الماضي من الأفعال وهي بمعنى الاستقبال، كما قال الشاعر في «ما» : [+البحر الطويل] وإني لآتيكم تشكر ما مضى من الأمر واستيجاب ما كان في غد فقال: ما كان في غد، وهو يريد: ما يكون في غد، ولو كان أراد الماضي لقال: ما كان في أمس، ولم يجز له أن يقول: ما كان في غد، ولو كان الذي موقتا، لم يجز أن يقال: ذلك خطأ أن يقال لك: من هذا الذي أكرمك إذا زرته؟

قسم V06/P176–V06/P177

لأن الذي هاهنا موقت، فقد خرج من معنى الجزاء، ولو لم يكن في الكلام هذا، لكان جائزا فصيحا؛ لأن الذي يصير حينئذ مجهولا غير موقت، ومن ذلك قول الله عز وجل: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} [الحج: 25] فرد {يصدون} [الحج: 25] على {كفروا} [الحج: 25] ؛ لأن «الذين» غير موقتة، فقوله: {كفروا} [الحج: 25] وإن كان في لفظ ماض، فمعناه الاستقبال، وكذلك قوله: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} [مريم: 60] ، وقوله: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] معناه: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم، وإلا من يتوب ويؤمن، ونظائر ذلك في 06P180 القرآن والكلام كثير؛ والعلة في كل ذلك واحدة، وأما قوله: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} [آل عمران: 156] فإنه يعني بذلك: حزنا في قلوبهم كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {في قلوبهم} [آل عمران: 156] قال: «يحزنهم قولهم لا ينفعهم شيئا» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} [آل عمران: 156] «لقلة اليقين بربهم جل ثناؤه» 06P180

قسم V06/P177–V06/P181

[آل عمران: 156] القول في تأويل قوله تعالى: {والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير} [آل عمران: 156] يعني جل ثناؤه بقوله: {والله يحيي ويميت} [آل عمران: 156] والله المعجل الموت لمن يشاء من حيث يشاء، والمميت من يشاء كلما شاء دون غيره من سائر خلقه. وهذا من الله عز وجل ترغيب لعباده المؤمنين على جهاد عدوه، والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم، وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله، وإعلام منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحد ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له، ونهي منه لهم إذ كان كذلك أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين. ثم قال جل ثناؤه: {والله بما تعملون بصير} [البقرة: 265] يقول: إن الله يرى ما تعملون من خير وشر، فاتقوه أيها المؤمنون، فإنه محص ذلك كله، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {والله يحيي ويميت} [آل عمران: 156] «أي يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته» 06P181 [آل عمران: 157] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] يخاطب جل ثناؤه عباده المؤمنين يقول لهم: لا تكونوا أيها المؤمنون في شك من أن الأمور كلها بيد الله، وأن إليه الإحياء والإماتة، كما شك 06P182 المنافقون في ذلك، ولكن جاهدوا في سبيل الله، وقاتلوا أعداء الله على يقين منكم بأنه لا يقتل في حرب، ولا يموت في سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفاته، ثم وعدهم على جهادهم في سبيله المغفرة والرحمة، وأخبرهم أن موتا في سبيل الله وقتلا في الله خير لهم مما يجمعون في الدنيا من حطامها ورغيد عيشها الذي من أجله يتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله ويتأخرون عن لقاء العدو كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] «أي أن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله أو قتل خير لو علموا فأيقنوا مما يجمعون في الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد، تخوفا من الموت والقتل لما جمعوا من زهيد الدنيا وزهادة في الآخرة» وإنما قال الله عز وجل: {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] وابتدأ الكلام: {ولئن متم أو قتلتم} [آل عمران: 158] بحذف جزاء «لئن» لأن في قوله 06P183 : {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] معنى جواز للجزاء، وذلك أنه وعد خرج مخرج الخبر. فتأويل الكلام: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم، ليغفرن الله لكم وليرحمنكم، فدل على ذلك بقوله: {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] وجمع مع الدلالة به عليه الخبر عن فضل ذلك على ما يؤثرونه من الدنيا، وما يجمعون فيها. وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أنه إن قيل: كيف يكون: {لمغفرة من الله ورحمة} [آل عمران: 157] جوابا لقوله: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم} [آل عمران: 157] ؟ فإن القول فيه أن يقال فيه: كأنه قال: ولئن متم أو قتلتم، فذكر لهم رحمة من الله ومغفرة، إذ كان ذلك في السبيل، فقال: {لمغفرة من الله ورحمة} [آل عمران: 157] يقول: لذلك {خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] يعني لتلك المغفرة والرحمة خير مما تجمعون، ودخلت اللام في قوله: {لمغفرة من الله} [آل عمران: 157] لدخولها في قوله: «ولئن» ، كما قيل: {ولئن نصروهم ليولن الأدبار} [الحشر: 12] 06P182

قسم V06/P181–V06/P187

[آل عمران: 158] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون} [آل عمران: 158] يعني بذلك جل ثناؤه: ولئن متم أو قتلتم أيها المؤمنون، فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم، فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقربكم من الله، ويوجب لكم رضاه، 06P184 ويقربكم من الجنة، من الجهاد في سبيل الله، والعمل بطاعته على الركون إلى الدنيا، وما تجمعون فيها من حطامها الذي هو غير باق لكم، بل هو زائل عنكم، وعلى ترك طاعة الله والجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقربكم من النار. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ولئن متم أو قتلتم} [آل عمران: 158] «أي ذلك كان» {لإلى الله تحشرون} [آل عمران: 158] «أي أن إلى الله المرجع، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه آثر عندكم منها» وأدخلت اللام في قوله: {لإلى الله تحشرون} [آل عمران: 158] لدخولها في قوله {ولئن} [آل عمران: 158] ، ولو كانت اللام مؤخرة، إلى قوله: {تحشرون} [آل عمران: 158] ، لأحدثت النون الثقيلة فيه، كما تقول في الكلام: لئن أحسنت إلي لأحسنن إليك، بنون مثقلة، فكان كذلك قوله: «ولئن متم أو قتلتم لتحشرن إلى الله» ، ولكن لما حيز بين اللام وبين «تحشرون» بالصفة أدخلت في الصفة، وسلمت «تحشرون» ، فلم تدخلها النون الثقيلة، كما تقول في الكلام: لئن أحسنت إلي لإليك أحسن، 06P185 بغير نون مثقلة 06P184 [آل عمران: 159] القول في تأويل قوله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159] يعني جل ثناؤه بقوله: {فبما رحمة من الله} [آل عمران: 159] فبرحمة من الله و «ما» صلة، وقد بينت وجه دخولها في الكلام في قوله: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} [البقرة: 26] ، والعرب تجعل «ما» صلة في المعرفة والنكرة، كما قال: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] ، والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم. وهذا في المعرفة، وقال في النكرة: {عما قليل ليصبحن نادمين} [المؤمنون: 40] ، والمعنى: عن قليل، وربما جعلت اسما وهي في مذهب صلة، فيرفع ما بعدها أحيانا على وجه الصلة، ويخفض على إتباع الصلة ما قبلها، كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] فكفى بنا فضلا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا إذا جعلت غير صلة رفعت بإضمار هو، وإن خفضت أتبعت من فأعربته، فذلك حكمه على ما وصفنا مع النكرات، فأما إذا كانت الصلة معرفة، كان الفصيح من الكلام الإتباع، كما قيل: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] ، والرفع جائز في العربية. وبنحو ما قلنا في قوله: {فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] قال جماعة من أهل التأويل حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] يقول: «فبرحمة من الله لنت لهم» وأما قوله: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] فإنه يعني بالفظ الجافي، وبالغليظ القلب القاسي القلب غير ذي رحمة ولا رأفة، وكذلك صفته صلى الله عليه وسلم، كما وصفه الله: {بالمؤمنين رءوف رحيم} ، فتأويل الكلام: فبرحمة الله يا محمد ورأفته بك، وبمن آمن بك من أصحابك، لنت لهم لتباعك وأصحابك فسهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك، ولم يتبعك، ولا ما بعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولو كنت فظا 06P187 غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] " إي والله، لطهره الله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبا رحيما بالمؤمنين رءوفا. وذكر لنا أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة: «ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في قوله: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] قال: «ذكر لينه لهم، وصبره عليهم لضعفهم، وقلة صبرهم على الغلظة لو كانت منه في كل ما خالفوا فيه مما افترض عليهم من طاعة نبيهم» وأما قوله: {لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] فإنه يعني: لتفرقوا عنك كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: قوله: {لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] قال: «انصرفوا عنك» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] «أي لتركوك» 06P187

قسم V06/P187–V06/P190

[آل عمران: 159] القول في تأويل قوله تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159] يعني تعالى ذكره بقوله: {فاعف عنهم} [آل عمران: 159] فتجاوز يا محمد عن تباعك وأصحابك من المؤمنين بك، وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروه في نفسك {واستغفر لهم} [آل عمران: 159] وادع ربك لهم بالمغفرة لما أتوا من جرم، واستحقوا عليه عقوبة منه كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {فاعف عنهم} [آل عمران: 159] : «أي فتجاوز عنهم» {واستغفر لهم} [آل عمران: 159] «ذنوب من قارف من أهل الإيمان منهم» ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله أمر تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه؟ فقال بعضهم: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب وعند لقاء العدو، تطييبا منه بذلك أنفسهم، وتألفا لهم على دينهم، وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان الله عز وجل قد أغناه بتدبيره له أموره وسياسته إياه وتقويمه أسبابه عنهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159] «أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب لأنفس القوم، 06P189 وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا، وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على أرشده» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] قال: «أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه الوحي من السماء؛ لأنه أطيب لأنفسهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] «أي لتريهم أنك تسمع منهم وتستعين بهم وإن كنت عنهم غنيا، تؤلفهم بذلك على دينهم» وقال آخرون: بل أمره بذلك في ذلك، وإن كان له الرأي وأصوب الأمور في التدبير، لما علم في المشورة تعالى ذكره من الفضل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قوله: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] قال: «ما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشورة إلا لما علم فيها من الفضل» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن إياس بن دغفل، عن الحسن: «ما شاور قوم قط، إلا هدوا لأرشد أمورهم» وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فيما أمره بمشاورتهم فيه، مع إغنائه بتقويمه إياه، وتدبيره أسبابه عن آرائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده، فيما حز بهم من أمر دينهم، ويستنوا بسنته في ذلك، ويحتذوا المثال الذي رأوه يفعله في حياته من مشاورته في أموره مع المنزلة التي هو بها من الله أصحابه وتباعه في الأمر، ينزل بهم من أمر دينهم ودنياهم، فيتشاوروا بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم؛ لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك، لم يخلهم الله عز وجل من لطفه، وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه.

قسم V06/P190–V06/P191

قالوا: وذلك نظير قوله عز وجل الذي مدح به أهل الإيمان: {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38] ذكر من قال ذلك: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: قال سفيان بن عيينة في قوله: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] قال: «هي للمؤمنين أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثر» قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه، فيما حز به من أمر عدوه ومكايد حربه، تألفا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان، وتعريفا منه أمته ما في الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله، فأما النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك على تصادق وتأخ للحق وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى؛ فالله مسددهم وموفقهم. وأما قوله: {فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] فإنه يعني: فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أ‍مرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها، وتوكل فيما تأتي من أمورك وتدع وتحاول أو تزاول على ربك، فثق به في كل ذلك، وارض بقضائه في جميعه دون آراء سائر خلقه ومعونتهم، فإن الله يحب المتوكلين، وهم الراضون بقضائه، والمستسلمون لحكمه فيهم، وافق ذلك منهم هوى أو خالفه كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159] " فإذا عزمت: أي على أمر جاءك مني، أو أمر من دينك في جهاد عدوك، لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك، فامض على ما أمرت به على خلاف من خالفك، وموافقة من وافقك، وتوكل على الله: 06P192 أي ارض به من العباد، إن الله يحب المتوكلين " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] «أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، إذا عزم على أمر أن يمضي فيه، ويستقيم على أمر الله، ويتوكل على الله» حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] الآية، «أمره الله إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل عليه» 06P192

قسم V06/P191–V06/P193

[آل عمران: 160] القول في تأويل قوله تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 160] يعني تعالى ذكره بذلك إن ينصركم الله أيها المؤمنون بالله ورسوله، على من ناوأكم وعاداكم من أعدائه، والكافرين به، فلا غالب لكم من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم من بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم، وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره، واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر دونهم. {وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده} [آل عمران: 160] يعني إن يخذلكم ربكم، بخلافكم أمره، وترككم طاعته وطاعة رسوله، فيكلكم إلى أنفسكم، فمن ذا الذي ينصركم من بعده، يقول: فأيسوا من نصرة الناس، فإنكم لا تجدون أمرا من بعد خذلان الله إياكم إن خذلكم، يقول: فلا تتركوا أمري، وطاعتي وطاعة رسولي، فتهلكوا بخذلاني إياكم. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [آل عمران: 122] يعني: ولكن على ربكم أيها المؤمنون فتوكلوا دون سائر خلقه، وبه فارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فاستسلموا، وجاهدوا فيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويمددكم بنصره كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 160] " أي إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس، لن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك، فلن ينصرك الناس، فمن الذي ينصركم من بعده: أي لا تترك أمري للناس، وارفض أمر الناس لأمري {وعلى الله} [آل عمران: 159] «لا على الناس» {فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 159] " 06P193

قسم V06/P193–V06/P197

[آل عمران: 161] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [آل عمران: 161] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة من قراء الحجاز والعراق: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] بمعنى: أن يخون أصحابه فيما أفاء الله عليهم من أموال أعدائهم، 06P194 واحتج بعض قارئي هذه القراءة أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قطيفة فقدت من مغانم القوم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها. ورووا في ذلك روايات فمنها ما: حدثنا به محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال: ثنا مقسم، قال: ثني ابن عباس أن هذه الآية: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] " نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، قال: فقال بعض الناس: أخذها قال: فأكثروا في ذلك " فأنزل الله عز وجل: {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: سألت سعيد بن جبير: كيف تقرأ هذه الآية: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] أو يغل؟ قال: " لا، بل {يغل} [آل عمران: 161] ، فقد كان النبي والله يغل ويقتل " حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قال: " كان ذلك في قطيفة حمراء فقدت في غزوة بدر، فقال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فلعل النبي أخذها " فأنزل الله عز وجل: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قال سعيد: «بل والله إن النبي ليغل ويقتل» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خلاد، عن زهير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأنزل الله عز وجل: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا زهير، قال: ثنا خصيف، عن سعيد بن جبير، وعكرمة، في قوله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قالا: «يغل» ، قال: قال عكرمة أو غيره، عن ابن عباس، قال: " كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأنزل الله هذه الآية ": {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال 0 ثنا قزعة بن سويد الباهلي، عن حميد الأعرج، عن سعيد بن جبير، قال: نزلت هذه الآية: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] «في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنيمة» حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: ثنا معتمر، عن أبيه، عن سليمان الأعمش، قال: كان ابن مسعود يقرأ: {ما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] فقال ابن عباس: " بلى، ويقتل، قال: فذكر ابن عباس أنه إنما كانت في قطيفة، قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غلها يوم بدر، فأنزل الله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] " وقال آخرون ممن قرأ ذلك كذلك بفتح الياء وضم الغين: إنما نزلت هذه الآية 06P196 في طلائع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجههم في وجه، ثم غنم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عز وجل هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم، يعلمه فيها أن فعله الذي فعله خطأ، وأن الواجب عليه في الحكم أن يقسم للطلائع مثل ما قسم لغيرهم، ويعرفه الواجب عليه من الحكم فيما أفاء الله عليه من الغنائم، وأنه ليس له أن يخص بشيء منها أحدا ممن شهد الوقعة أو ممن كان ردءا لهم في غزوهم دون أحد ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] يقول: " ما كان للنبي أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القسم، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، ويحكم فيه بما أنزل الله، يقول: ما كان الله ليجعل نبيا يغل من أصحابه، فإذا فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، استنوا به " حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، أنه كان يقرأ: {ما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قال: «أن يعطي بعضا، ويترك بعضا، إذا أصاب مغنما» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع، فغنم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عز وجل: {وما 06P197 كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: {ما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] يقول: «ما كان لنبي أن يقسم لطائفة من أصحابه، ويترك طائفة، ولكن يعدل، ويأخذ في ذلك بأمر الله عز وجل، ويحكم فيه بما أنزل الله» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: {ما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قال: «ما كان له إذا أصاب مغنما أن يقسم لبعض أصحابه ويدع بعضا، ولكن يقسم بينهم بالسوية» وقال آخرون ممن قرأ ذلك بفتح الياء وضم الغين: إنما أنزل ذلك تعريفا للناس أن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يكتم من وحي الله شيئا ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [آل عمران: 161] «أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة، ومن يعمل ذلك يأت به يوم القيامة» فتأويل قراءة من قرأ ذلك كذلك: ما ينبغي لنبي أن يكون غالا، بمعنى: أنه 06P198 ليس من أفعال الأنبياء خيانة أممهم، يقال منه: غل الرجل فهو يغل، إذا خان، غلولا، ويقال أيضا منه: أغل الرجل فهو يغل إغلالا، كما قال شريح: ليس على المستعير غير المغل ضمان، يعني غير الخائن؛ ويقال منه: أغل الجازر: إذا سرق من اللحم شيئا مع الجلد.

قسم V06/P197–V06/P200

وبما قلنا في ذلك جاء تأويل أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] يقول: «ما كان ينبغي له أن يخون، فكما لا ينبغي له أن يخون فلا تخونوا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قال: «أن يخون» وقرأ ذلك آخرون: (وما كان لنبي أن يغل) بضم الياء وفتح الغين، وهي قراءة عظم قراء أهل المدينة والكوفة. واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما كان لنبي أن يغله أصحابه، ثم أسقط الأصحاب، فبقي الفعل غير مسمى فاعله؛ وتأويله: وما 06P199 كان لنبي أن يخان ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن، أنه كان يقرأ: (وما كان لنبي أن يغل) قال عوف: قال الحسن: «أن يخان» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وما كان لنبي أن يغل) يقول: «وما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه من المؤمنين، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (وما كان لنبي أن يغل) قال: «أن يغله أصحابه» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: (وما كان لنبي أن يغل) قال الربيع بن أنس، يقول: " ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه، قال: ذكر لنا والله أعلم أن هذه الآية أنزلت على نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه " وقال آخرون منهم: معنى ذلك: وما كان لنبي أن يتهم بالغلول فيخون ويسرق، وكأن متأولي ذلك كذلك وجهوا قوله: (وما كان لنبي أن يغل) إلى أنه مراد به «يغلل» ، ثم خففت الغين من «يفعل» فصارت «يفعل» ، كما قرأ من قرأ قوله: فإنهم لا يكذبونك بتأول {يكذبونك} [الأنعام: 33] . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] بمعنى: ما الغلول من صفات الأنبياء، ولا يكون نبيا من غل، وإنما اخترنا ذلك؛ لأن الله عز وجل أوعد عقيب قوله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] أهل الغلول، فقال: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] الآية، والتي بعدها، فكان في وعيده عقيب ذلك أهل الغلول، الدليل الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلول، لعقب ذلك بالوعيد على التهمة، وسوء الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالوعيد على الغلول، وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول بيان بين، أنه إنما عرف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتف من صفة الأنبياء وأخلاقهم؛ لأن ذلك جرم عظيم، والأنبياء لا تأتي مثله. فإن قال قائل ممن قرأ ذلك كذلك: فأولى منه: وما كان لنبي أن يخونه أصحابه إن كان ذلك كما ذكرت، ولم يعقب الله قوله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] إلا بالوعيد على الغلول، ولكنه إنما وجب الحكم بالصحة لقراءة من قرأ: (يغل) بضم الياء وفتح الغين؛ لأن معنى ذلك: وما كان للنبي أن يغله أصحابه، فيخونوه في الغنائم؛ قيل له: أفكان لهم أن يغلوا غير النبي صلى الله عليه وسلم فيخونوه، حتى خصوا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم؟

قسم V06/P200

فإن قالوا: نعم، خرجوا من قول أهل الإسلام؛ لأن الله لم يبح خيانة أحد في قول أحد من أهل الإسلام قط. إن قال قائل: لم يكن ذلك لهم في نبي ولا غيره، قيل: فما وجه خصوصهم إذا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم وغلوله وغلول بعض اليهود، بمنزلة فيما حرم الله على الغال من أموالهما، وما يلزم المؤتمن من أداء الأمانة إليهما، وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا من أن الله عز وجل نفى بذلك أن يكون الغلول والخيانة من صفات أنبيائه، ناهيا بذلك عباده عن الغلول، وآمرا لهم بالاستنان بمنهاج نبيهم، كما قال ابن عباس في الرواية التي ذكرناها من رواية عطية ثم عقب تعالى ذكره نهيهم عن الغلول بالوعيد عليه، فقال: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] الآيتين معا 06P201

قسم V06/P200–V06/P201

[آل عمران: 161] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] يعني بذلك تعالى ذكره: ومن يخن من غنائم المسلمين شيئا، وفيئهم، وغير ذلك يأت به يوم القيامة في المحشر كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد 06P202 أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام خطيبا، فوعظ وذكر، ثم قال: " ألا عسى رجل من منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته بقرة لها خوار، يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل هذا، زاد فيه: «على رقبته بعير له رغاء، لا ألفين أحدكم على رقبته نفس لها صياح» 06P203 حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أبو حيان، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا يوما، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، فقال: " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني " ثم ذكر نحو حديث أبي كريب، عن عبد الرحمن حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حفص بن بشر، عن يعقوب القمي، قال: ثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، ينادي: يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملا لا رغاء، يقول: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا له حمحمة، ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعا من 06P204 أدم ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أسباط بن محمد، قال: ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن ذكوان، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا فجاء بسواد كثير، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقبضه منه؛ فلما أتوه، جعل يقول: هذا لي، وهذا لكم؛ قال: فقالوا: من أين لك هذا؟ قال: أهدي إلي، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبروه بذلك، فخرج فخطب، فقال: " أيها الناس، ما بالي أبعث قوما إلى الصدقة، فيجيء أحدهم بالسواد الكثير، فإذا بعثت من يقبضه قال: هذا لي، وهذا لكم فإن كان صادقا أفلا أهدي له وهو في بيت أبيه، أو في بيت أمه؟

الأسئلة