Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V07/P263

قالوا: وقوله: {إلا قليلا} [البقرة: 83] خرج مخرج الاستثناء في اللفظ، وهو دليل على الجميع والإحاطة، وأنه لولا فضل الله عليهم ورحمته لم ينج أحد من الضلالة، فجعل قوله: {إلا قليلا} [البقرة: 83] دليلا على الإحاطة. واستشهدوا على ذلك بقول الطرماح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب: [+البحر الطويل] 07P265 أشم كثير يدي النوال قليل المثالب والقادحة قالوا: فظاهر هذا القول وصف الممدوح بأن فيه المثالب والمعايب، ومعلوم أن معناه: أنه لا مثالب فيه ولا معايب؛ لأن من وصف رجلا بأن فيه معايب وإن وصف الذي فيه المعايب بالقلة، فإنما ذمه ولم يمدحه، ولكن ذلك على ما وصفنا من نفي جميع المعايب عنه. قالوا: فكذلك قوله: {لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: 83] إنما معناه: لاتبعتم جميعكم الشيطان. وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: عنى باستثناء القليل من الإذاعة؛ وقال: معنى الكلام: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا ، ولو ردوه إلى الرسول. وإنما قلنا: إن ذلك أولى بالصواب لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا، وغير جائز أن يكون من قول: {لاتبعتم الشيطان} [النساء: 83] لأن من تفضل الله عليه بفضله ورحمته فغير جائز أن يكون من تباع الشيطان، وغير جائز أن نحمل معاني كتاب الله على غير الأغلب المفهوم بالظاهر من الخطاب في كلام العرب، ولنا إلى حمل ذلك على الأغلب من كلام العرب سبيل فنوجهه إلى المعنى الذي وجهه إليه القائلون: معنى ذلك: لاتبعتم الشيطان جميعا، ثم زعم أن قوله: {إلا قليلا} [البقرة: 83] دليل على الإحاطة بالجميع. هذا مع 07P266 خروجه من تأويل أهل التأويل لا وجه له، وكذلك لا وجه لتوجيه ذلك إلى الاستثناء من قوله: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] لأن علم ذلك إذا رد إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولو الأمر منهم بعد وضوحه لهم، استوى في علم ذلك كل مستنبط حقيقة ، فلا وجه لاستثناء بعض المستنبطين منهم وخصوص بعضهم بعلمه مع استواء جميعهم في علمه. وإذ كان لا قول في ذلك إلا ما قلنا، ودخل هذه الأقوال الثلاثة ما بينا من الخلل، فبين أن الصحيح من القول في ذلك هو الرابع، وهو القول الذي قضينا له بالصواب من الاستثناء من الإذاعة. 07P264

قسم V07/P263–V07/P269

[النساء: 84] القول في تأويل قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا} [النساء: 84] يعني بقوله جل ثناؤه: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} [النساء: 84] فجاهد يا محمد أعداء الله من أهل الشرك به في سبيل الله، يعني: في دينه الذي شرعه لك، وهو الإسلام، وقاتلهم فيه بنفسك. فأما قوله: {لا تكلف إلا نفسك} [النساء: 84] فإنه يعني: لا يكلفك الله فيما فرض عليك من جهاد عدوه وعدوك، إلا ما حملك من ذلك دون ما حمل غيرك منه: أي إنك إنما تتبع بما اكتسبته دون ما اكتسبه غيرك، وإنما عليك ما كلفته دون ما كلفه غيرك. ثم قال له: {وحرض المؤمنين} [النساء: 84] يعني: " وحضهم على قتال من أمرتك بقتالهم معك. {عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا} [النساء: 84] يقول: " لعل الله أن يكف قتال من كفر بالله وجحد وحدانيته، وأنكر رسالتك عنك وعنهم ونكايتهم وقد بينا فيما مضى أن عسى من الله واجبة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع {والله أشد بأسا وأشد تنكيلا} [النساء: 84] يقول: " والله أشد نكاية في عدوه من أهل الكفر به منهم فيك يا محمد وفي أصحابك، فلا تنكلن عن قتالهم، فإني راصدهم بالبأس والنكاية والتنكيل والعقوبة، لأوهن كيدهم وأضعف بأسهم وأعلي الحق عليهم. والتنكيل مصدر من قول القائل: نكلت بفلان ، فأنا أنكل به تنكيلا: إذا أوجعته عقوبة. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: {وأشد تنكيلا} [النساء: 84] أي عقوبة " 07P268 [النساء: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا} [النساء: 85] يعني بقوله جل ثناؤه: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} [النساء: 85] من يصر يا محمد شفعا لوتر أصحابك، فيشفعهم في جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله؛ وهو الشفاعة الحسنة {يكن له نصيب منها} [النساء: 85] يقوله: يكن له من شفاعته تلك نصيب، وهو الحظ من ثواب الله، وجزيل كرامته. {ومن يشفع شفاعة سيئة} [النساء: 85] يقول: " ومن يشفع وتر أهل الكفر بالله على المؤمنين به، فيقاتلهم معهم، وذلك هو الشفاعة السيئة. {يكن له كفل منها} [النساء: 85] يعني بالكفل: النصيب والحظ من الوزر والإثم. وهو مأخوذ من كفل البعير والمركب، وهو الكساء أو الشيء يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة ، يقال منه: جاء فلان مكتفلا: إذا جاء على مركب قد وطئ له على ما بينا لركوبه. وقد قيل: إنه عنى بقوله: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} [النساء: 85] الآية، شفاعة الناس بعضهم لبعض. وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكرنا، ثم عم بذلك كل شافع بخير أو شر. وإنما اخترنا ما قلنا من القول في ذلك لأنه في سياق الآية التي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها بحض المؤمنين على القتال، فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والوعيد لمن أبى إجابته أشبه منه من الحث على شفاعة الناس بعضهم لبعض التي لم يجر لها ذكر قبل ولا لها ذكر بعد. ذكر من قال ذلك في شفاعة الناس بعضهم لبعض: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قوله: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة} [النساء: 85] قال: «شفاعة بعض الناس لبعض» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثت عن ابن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، قال: من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجران، ولأن الله يقول: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} [النساء: 85] ولم يقل: يشفع " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، قال: «من يشفع شفاعة حسنة كتب له أجرها ما جرت منفعتها» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سئل ابن 07P270 زيد، عن قول الله: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} [النساء: 85] قال: " الشفاعة الصالحة التي يشفع فيها وعمل بها هي بينك وبينه هما فيها شريكان {من يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} [النساء: 85] قال: «هما شريكان فيها كما كان أهلها شريكين» ذكر من قال الكفل النصيب: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} [النساء: 85] أي حظ منها {من يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} [النساء: 85] والكفل: هو الإثم " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {يكن له كفل منها} [النساء: 85] أما الكفل: فالحظ " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : {يكن له كفل منها} [النساء: 85] قال: «حظ منها، فبئس الحظ» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " الكفل والنصيب واحد. وقرأ: {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] 07P270

قسم V07/P269–V07/P272

[النساء: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {وكان الله على كل شيء مقيتا} [النساء: 85] 07P271 اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وكان الله على كل شيء مقيتا} [النساء: 85] فقال بعضهم: تأويله: وكان الله على كل شيء حفيظا وشهيدا ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {وكان الله على كل شيء مقيتا} [النساء: 85] يقول: «حفيظا» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {مقيتا} [النساء: 85] شهيدا " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي ، عن سفيان، عن رجل اسمه مجاهد، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {مقيتا} [النساء: 85] قال: «شهيدا، حسيبا، حفيظا» حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: ثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: ثنا أبي، عن خصيف، عن مجاهد أبي الحجاج: {وكان الله على كل شيء مقيتا} [النساء: 85] قال: " المقيت: الحسيب " وقال آخرون: معنى ذلك: القائم على كل شيء بالتدبير ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عبد الله بن كثير: {وكان الله على كل شيء مقيتا} [النساء: 85] قال: " المقيت: الواصب " وقال آخرون: هو القدير ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وكان الله على كل شيء مقيتا} [النساء: 85] أما المقيت: فالقدير " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وكان الله على كل شيء مقيتا} [النساء: 85] قال: " على كل شيء قديرا. المقيت: القدير " قال أبو جعفر: والصواب من هذه الأقوال قول من قال: معنى المقيت: القدير، وذلك أن ذلك فيما يذكر كذلك بلغة قريش، وينشد للزبير بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: [+البحر الوافر] وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتا أي قديرا. وقد قيل: إن منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت في رواية من رواها: يقيت: يعني من هو تحت يديه في سلطانه من أهله وعياله، فيقدر له قوته. يقال منه: أقات فلان الشيء يقيته إقاتة، وقاته يقوته قياتة وقوتا، والقوت الاسم. وأما المقيت في بيت اليهودي الذي يقول فيه: [+البحر الخفيف] ليت شعري وأشعرن إذا ما قربوها منشورة ودعيت ألي الفضل أم علي إذا حو سبت إني على الحساب مقيت فإن معناه: فإني على الحساب موقوف، وهو من غير هذا المعنى 07P273

قسم V07/P272–V07/P275

[النساء: 86] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا} [النساء: 86] يعني جل ثناؤه بقوله: {وإذا حييتم بتحية} [النساء: 86] إذا دعي لكم بطول الحياة والبقاء والسلامة، {فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] يقول: " فادعوا لمن دعا لكم بذلك بأحسن مما دعا لكم، {أو ردوها} [النساء: 86] يقول: " أو ردوا التحية. ثم اختلف أهل التأويل في صفة التحية التي هي أحسن مما حيا به المحيي، والتي هي مثلها ، فقال بعضهم: التي هي أحسن منها أن يقول المسلم عليه إذا قيل: السلام عليكم: وعليكم السلام ورحمة الله، ويزيد على دعاء الداعي له؛ والرد أن يقول: السلام عليكم مثلها، كما قيل له، أو يقول: وعليكم السلام، فيدعو للداعي له مثل الذي دعا له ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] يقول: " إذا سلم عليك أحد، فقل أنت: وعليك السلام ورحمة الله ، أو تقطع إلى السلام عليك، كما قال لك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء ، قوله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] قال: «في أهل الإسلام» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج ، فيما قرئ عليه، عن عطاء، قال: «في أهل الإسلام» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن شريح: " أنه كان يرد: السلام عليكم، كما يسلم عليه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن عون، وإسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، " أنه كان يرد: السلام عليكم ورحمة الله " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عطية، عن ابن عمر، " أنه كان يرد: وعليكم " وقال آخرون: بل معنى ذلك: فحيوا بأحسن منها أهل الإسلام، أو ردوها على أهل الكفر ذكر من قال ذلك: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ، قال: " من سلم عليك من خلق الله، فاردد عليه وإن كان مجوسيا، فإن الله يقول: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سالم بن نوح، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة، في قوله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} [النساء: 86] للمسلمين {أو ردوها} [النساء: 86] على أهل الكتاب " حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: {وإذا حييتم 07P276 بتحية فحيوا بأحسن منها} [النساء: 86] للمسلمين {أو ردوها} [النساء: 86] على أهل الكتاب " حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} [النساء: 86] يقول: " حيوا أحسن منها: أي على المسلمين {أو ردوها} [النساء: 86] أي على أهل الكتاب " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] قال: " قال أبي: حق على كل مسلم حيي بتحية أن يحيي بأحسن منها، وإذا حياه غير أهل الإسلام أن يرد عليه مثل ما قال " قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية قول من قال ذلك في أهل الإسلام، ووجه معناه إلى أنه يرد السلام على المسلم إذا حياه تحية أحسن من تحيته أو مثلها.

قسم V07/P275–V07/P277

وذلك أن الصحاح من الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه واجب على كل مسلم رد تحية كل كافر أحسن من تحيته، وقد أمر الله برد الأحسن؛ والمثل في هذه الآية من غير تمييز منه بين المستوجب رد الأحسن من تحيته عليه والمردود عليه مثلها بدلالة يعلم بها صحة قول من قال: عنى برد الأحسن المسلم، وبرد المثل: أهل الكفر. والصواب إذ لم يكن في الآية دلالة على صحة ذلك ولا بصحته أثر لازم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، أن يكون الخيار في ذلك إلى المسلم عليه بين رد الأحسن أو المثل إلا في الموضع الذي خص شيئا من ذلك سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون مسلما لها. وقد خصت السنة أهل الكفر بالنهي عن رد الأحسن من تحيتهم عليهم أو مثلها، إلا بأن يقال: وعليكم، فلا ينبغي لأحد أن يتعدى ما حد في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما أهل الإسلام ، فإن لمن سلم عليه منهم في الرد من الخيار ما جعل الله له من ذلك. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأويل ذلك بنحو الذي قلنا خبر؛ وذلك ما: حدثني موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عبد الله بن السري الأنطاكي، قال: ثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله. فقال: «وعليك ورحمة الله» . ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله. فقال له رسول الله: «وعليك ورحمة الله وبركاته» ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فقال له: «وعليك» فقال له الرجل: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي؟ فقال: " إنك لم تدع لنا شيئا قال الله {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] فرددناها عليك " فإن قال قائل: أفواجب رد التحية على ما أمر الله به في كتابه؟ قيل: نعم، وبه كان يقول جماعة من المتقدمين ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ، يقول: ما رأيته إلا يوجبه قوله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، قال: " السلام: تطوع، والرد فريضة " 07P278

قسم V07/P277–V07/P279

[النساء: 86] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله كان على كل شيء حسيبا} [النساء: 86] يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله كان على كل شيء مما تعملون أيها الناس من الأعمال من طاعة ومعصية حفيظا عليكم، حتى يجازيكم بها جزاءه. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: حسيبا قال: حفيظا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة ، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله " وأصل الحسيب في هذا الموضع عندي فعيل من الحساب الذي هو في معنى الإحصاء، يقال منه: حاسبت فلانا على كذا وكذا، وفلان حاسبه على كذا وهو حسيبه، وذلك إذا كان صاحب حسابه. وقد زعم بعض أهل البصرة من أهل اللغة أن معنى الحسيب في هذا الموضع: الكافي، يقال منه: أحسبني الشيء يحسبني إحسابا ، بمعنى: كفاني، من قولهم: حسبي كذا وكذا. وهذا غلط من القول وخطأ، وذلك أنه لا يقال في أحسبت الشيء: أحسبت على الشيء فهو حسيب عليه، وإنما يقال: هو حسبه وحسيبه، والله يقول: {إن الله كان على كل شيء حسيبا} [النساء: 86] 07P279 [النساء: 87] القول في تأويل قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا} [النساء: 87] يعني جل ثناؤه بقوله: {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم} [النساء: 87] المعبود الذي لا تنبغي العبودية إلا له هو، الذي له عبادة كل شيء وطاعة كل طائع. وقوله: {ليجمعنكم إلى يوم القيامة} [النساء: 87] يقول: " ليبعثنكم من بعد مماتكم ، وليحشرنكم جميعا إلى موقف الحساب الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم، ويقضي فيه بين أهل طاعته ومعصيته وأهل الإيمان به والكفر. {لا ريب فيه} [البقرة: 2] يقول: " لا شك في حقيقة ما أقول لكم من ذلك وأخبركم من خبري: أني جامعكم إلى يوم القيامة بعد مماتكم. {ومن أصدق من الله حديثا} [النساء: 87] يعني بذلك: واعلموا حقيقة ما أخبركم من الخبر، فإني جامعكم إلى يوم القيامة للجزاء والعرض والحساب والثواب والعقاب يقينا، فلا تشكوا في صحته، ولا تمتروا في حقيته، فإن قولي الصدق الذي لا كذب فيه، ووعدي الصدق الذي لا خلف له. {ومن أصدق من الله حديثا} [النساء: 87] يقول: " وأي ناطق أصدق من الله حديثا؟ وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعا أو يدفع به عنها ضرا، والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع، فغير جائز أن يكون منه كذب ، لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع إلى نفسه، أو دفع ضر عنها سواه تعالى ذكره ، فيجوز أن يكون له في استحالة الكذب منه نظيرا، ومن أصدق من الله حديثا وخبرا 07P280

قسم V07/P279–V07/P282

[النساء: 88] القول في تأويل قوله تعالى: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} [النساء: 88] يعني جل ثناؤه بقوله: {فما لكم في المنافقين فئتين} [النساء: 88] فما شأنكم أيها المؤمنون في أهل النفاق فئتين مختلفتين {والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] يعني بذلك: والله ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم وسبي ذراريهم ، والإركاس: الرد، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [+البحر البسيط] فأركسوا في حميم النار إنهم كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا يقال منه: أركسهم وركسهم. وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله وأبي: والله ركسهم بغير ألف. واختلف أهل التأويل في الذين نزلت فيهم هذه الآية، فقال بعضهم: نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وانصرفوا إلى المدينة، وقالوا لرسول الله عليه الصلاة والسلام ولأصحابه: {لو نعلم قتالا لاتبعناكم} [آل عمران: 167] ذكر من قال ذلك: حدثني الفضل بن زياد الواسطي، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري، يحدث عن زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد، رجعت طائفة ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا. فنزلت هذه الآية: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا} [النساء: 88] الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة: «إنها طيبة وإنها تنفي خبثها كما تنفي النار خبث الفضة» حدثنا أبو كريب قال: ثنا أبو أسامة قال: ثنا شعبة ، عن عدي بن 07P282 ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه حدثني زريق بن السخت قال: ثنا شبابة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت قال: ذكروا المنافقين عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال فريق: نقتلهم، وقال فريق: لا نقتلهم فأنزل الله تبارك وتعالى: {فما لكم في المنافقين فئتين} [النساء: 88] إلى آخر الآية " وقال آخرون: بل نزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة، فأظهروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة وأظهروا لهم الشرك ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فما لكم في المنافقين فئتين} [النساء: 88] قال: " قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها. فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون. فبين الله نفاقهم، فأمر بقتالهم.

قسم V07/P282–V07/P284

فجاءوا ببضائعهم يريدون المدينة، فلقيهم هلال بن عويمر الأسلمي، 07P283 وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم حلف، وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه، فدفع عنهم بأنهم يؤمنون هلالا، وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله بنحوه، غير أنه قال: فبين الله نفاقهم ، وأمر بقتالهم فلم يقاتلوا يومئذ، فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف وقال آخرون: بل كان اختلافهم في قوم من أهل الشرك كانوا أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فما لكم في المنافقين فئتين} [النساء: 88] وذلك أن قوما كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين ، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، فليس علينا منهم بأس. وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله، أو كما قالوا، أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ من أجل أنهم لم يهاجروا 07P284 ويتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم لذلك. فكانوا كذلك فئتين، والرسول عليه الصلاة والسلام عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء؛ فنزلت: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله} [النساء: 88] الآية " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فما لكم في المنافقين فئتين} [النساء: 88] الآية، ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلما بالإسلام، ولم يهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فلقيهما ناس من أصحاب نبي الله وهما مقبلان إلى مكة، فقال بعضهم: إن دماءهما وأموالهما حلال، وقال بعضهم: لا تحل لكم. فتشاجروا فيهما، فأنزل الله في ذلك: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] حتى بلغ: {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم} [النساء: 90] " حدثنا القاسم، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر بن راشد، قال: بلغني أن ناسا، من أهل مكة كتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا ، وكان ذلك منهم كذبا. فلقوهم، فاختلف فيهم المسلمون، فقالت طائفة: دماؤهم حلال، وقالت طائفة: دماؤهم حرام؛ فأنزل الله: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد 07P285 بن سلمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فما لكم في المنافقين فئتين} [النساء: 88] هم ناس تخلفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وأقاموا بمكة، وأعلنوا الإيمان، ولم يهاجروا. فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ من ولايتهم آخرون، وقالوا: تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا. فسماهم الله منافقين، وبرأ المؤمنين من ولايتهم ، وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا " وقال آخرون: بل كان اختلافهم في قوم كانوا بالمدينة أرادوا الخروج عنها نفاقا ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] قال: " كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنا قد أصابنا أوجاع في المدينة واتخمناها ، فلعلنا أن نخرج إلى الظهر حتى نتماثل ثم نرجع، فإنا كنا أصحاب برية. فانطلقوا؛ واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة: أعداء الله المنافقون، وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم.

قسم V07/P284–V07/P286

وقالت طائفة: لا، بل إخواننا تخمتهم المدينة فاتخموها. فخرجوا إلى الظهر يتنزهون، فإذا برءوا رجعوا. فقال الله: {فما لكم في المنافقين فئتين} [النساء: 88] يقول: " ما لكم تكونون فيهم فئتين {والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] " وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر أهل الإفك ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] حتى بلغ: {فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله} [النساء: 89] قال: " هذا في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة بما تكلم. فقال سعد بن معاذ: فإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه. يريد عبد الله بن أبي ابن سلول " قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين: التأويل في أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر أنهم قوم كانوا من أهل المدينة، وفي قول الله تعالى ذكره: {فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا} [النساء: 89] أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرض هجرة؛ لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه. واختلف أهل العربية في نصب قوله: {فئتين} [النساء: 88] فقال بعضهم: هو منصوب على الحال، كما تقول: ما لك قائما، يعني ما لك في حال القيام. وهذا قول بعض البصريين؛ وقال بعض نحويي الكوفيين: هو منصوب على فعل ما لك قال : ولا يبالى كان المنصوب في ما لك معرفة أو نكرة. قال: ويجوز في الكلام أن يقول: ما لك السائر معنا، لأنه كالفعل الذي ينصب بكان وأظن وما أشبههما. قال: وكل موضع صلحت فيه فعل ويفعل من المنصوب جاز نصب المعرفة منه والنكرة، كما ينصب كان وأظن لأنهن نواقص في المعنى وإن ظننت أنهن تامات. وهذا القول أولى بالصواب في ذلك، لأن المطلوب في قول القائل: ما لك قائما، القيام، فهو في مذهب كان وأخواتها وأظن وصواحباتها 07P287

قسم V07/P286–V07/P289

[النساء: 88] القول في تأويل قوله عز وجل: {والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {والله أركسهم} [النساء: 88] فقال بعضهم: معناه: ردهم؛ كما قلنا ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: {والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] ردهم " وقال آخرون: معنى ذلك: والله أوقعهم ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثني عبد الله قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] يقول: «أوقعهم» وقال آخرون: معنى ذلك: أضلهم وأهلكهم ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان ، عن معمر، عن قتادة: {والله أركسهم} [النساء: 88] قال: «أهلكهم» حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة 07P289 : {والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] «أهلكهم بما عملوا» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] «أهلكهم» وقد أتينا على البيان عن معنى ذلك قبل بما أغنى عن إعادته 07P289 [النساء: 88] القول في تأويل قوله تعالى: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} [النساء: 88] يعني جل ثناؤه بقوله: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} [النساء: 88] أتريدون أيها المؤمنون أن تهدوا إلى الإسلام، فتوفقوا للإقرار به والدخول فيه من أضله الله عنه، يعني بذلك: من خذله الله عنه فلم يوفقه للإقرار به. وإنما هذا خطاب من الله تعالى ذكره للفئة التي دافعت عن هؤلاء المنافقين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية، يقول لهم جل ثناؤه: أتبغون هداية هؤلاء الذين أضلهم الله فخذلهم عن الحق واتباع الإسلام بمدافعتكم عن قتالهم من أراد قتالهم من المؤمنين؟ {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} [النساء: 88] يقوله: ومن خذله عن دينه واتباع ما أمره به من الإقرار به وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عنده، فأضله عنه، فلن تجد له يا محمد سبيلا، يقول: فلن تجد له طريقا تهديه فيها إلى إدراك ما خذله الله عنه، ولا منهجا يصل منه إلى الأمر الذي قد حرمه الوصول إليه 07P290 [النساء: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا} [النساء: 89] يعني جل ثناؤه بقوله: {ودوا لو تكفرون} [النساء: 89] تمنى هؤلاء المنافقون الذين أنتم أيها المؤمنون فيهم فئتان أن تكفروا فتجحدوا وحدانية ربكم وتصديق نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم {كما كفروا} [النساء: 89] يقول: " كما جحدوا هم ذلك {فتكونون سواء} [النساء: 89] يقول: " فتكونون كفارا مثلهم، وتستوون أنتم وهم في الشرك بالله {فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا} [النساء: 89] يقول: " حتى يخرجوا من دار الشرك ويفارقوا أهلها الذين هم بالله مشركون إلى دار الإسلام وأهلها {في سبيل الله} [البقرة: 154] يعني في ابتغاء دين الله، وهو سبيله، فيصيروا عند ذلك مثلكم، ويكون لهم حينئذ حكمكم. كما: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا} [النساء: 89] يقول: " حتى يصنعوا كما صنعتم، يعني: الهجرة 07P291 في سبيل الله " 07P290

قسم V07/P289–V07/P293

[النساء: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا} [النساء: 89] يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أدبر هؤلاء المنافقون عن الإقرار بالله ورسوله، وتولوا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام، ومن الكفر إلى الإسلام، فخذوهم أيها المؤمنون، واقتلوهم حيث وجدتموهم من بلادهم وغير بلادهم، أين أصبتموهم من أرض الله. {ولا تتخذوا منهم وليا} [النساء: 89] يقول: ولا تتخذوا منهم خليلا يواليكم على أموركم، ولا ناصرا ينصركم على أعدائكم، فإنهم كفار لا يألونكم خبالا، ودوا ما عنتم، وهذا الخبر من الله جل ثناؤه إبانة عن صحة نفاق الذين اختلف المؤمنون في أمرهم، وتحذير لمن دافع عنهم عن المدافعة عنهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس: {فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم} [النساء: 89] فإن تولوا عن الهجرة 07P292 فخذوهم واقتلوهم " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم} [النساء: 89] يقول: «إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم» 07P292 [النساء: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} [النساء: 90] يعني جل ثناؤه بقوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 90] فإن تولى هؤلاء المنافقون الذين اختلفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسوله، وأبوا الهجرة، فلم يهاجروا في سبيل الله، فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، سوى من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعة وعهد وميثاق، فدخلوا فيهم وصاروا منهم ورضوا بحكمهم، فإن لمن وصل إليهم فدخل فيهم من أهل الشرك راضيا بحكمهم في حقن دمائهم بدخوله فيهم، أن لا تسبى نساؤهم وذراريهم، ولا تغنم أموالهم. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 90] يقول: «إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم، فإن أحد منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه 07P293 مثل ما تجرون على أهل الذمة» حدثني يونس، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 90] يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاق من القوم، لهم من الأمان مثل ما لهؤلاء " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 90] قال: «نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف» وقد زعم بعض أهل العربية، أن معنى قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم} [النساء: 90] إلا الذين يتصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق؛ من قولهم: اتصل الرجل، بمعنى: انتمى وانتسب، كما قال الأعشى في صفة امرأة انتسبت إلى قوم: [+البحر الطويل] إذا اتصلت قالت أبكر بن وائل وبكر سبتها والأنوف رواغم يعني بقوله: اتصلت: انتسبت. ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع، لأن الانتساب إلى قوم من أهل الموادعة أو العهد لو كان يوجب للمنتسبين إليهم ما لهم إذا لم يكن لهم من العهد والأمان ما لهم، لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقاتل قريشا، وهم أنسباء السابقين الأولين. ولأهل الإيمان من الحق بإيمانهم أكثر مما لأهل العهد بعهدهم، وفي قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش بتركها الدخول فيما دخل فيه أهل الإيمان منهم، مع قرب أنسابهم من أنساب المؤمنين منهم، الدليل الواضح أن انتساب من لا عهد له إلى ذي العهد منهم، لم يكن موجبا له من العهد ما لذي العهد من انتسابه. فإن ظن ذو غفلة أن قتال النبي صلى الله عليه وسلم من قاتل من أنسباء المؤمنين من مشركي قريش إنما كان بعد ما نسخ قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 90] فإن أهل التأويل أجمعوا على أن ذلك نسخ قراءة نزلت بعد فتح مكة ودخول قريش في الإسلام 07P294

قسم V07/P293–V07/P295

[النساء: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم} يعني جل ثناؤه بقوله: {أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم} فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث 07P295 وجدتموهم، إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو: إلا الذين جاءوكم منهم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم. ويعني بقوله: {حصرت صدورهم} [النساء: 90] ضاقت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو أن يقاتلوا قومهم، والعرب تقول لكل من ضاقت نفسه عن شيء من فعل أو كلام قد حصر، ومنه الحصر في القراءة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {أو جاءوكم حصرت صدورهم} يقول: «ضاقت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم» وفي قوله: {أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم} متروك، ترك ذكره لدلالة الكلام عليه، وذلك أن معناه: أو جاءوكم قد حصرت صدورهم، فترك ذكر قد لأن من شأن العرب فعل مثل ذلك ، تقول: أتاني فلان ذهب عقله، بمعنى: قد ذهب عقله؛ ومسموع منهم: أصبحت نظرت إلى ذات التنانير، بمعنى: قد نظرت. ولإضمار قد مع الماضي جاز وضع الماضي من الأفعال في موضع الحال، لأن قد إذا دخلت معه أدنته من الحال وأشبه الأسماء. وعلى هذه القراءة، أعني: {حصرت} [النساء: 90] قرأ القراء في جميع الأمصار، وبها يقرأ لإجماع الحجة عليها. وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: «أو جاءوكم حصرت صدورهم» نصبا، وهي صحيحة في العربية فصيحة، غير أنه غير جائز القراءة بها عندي لشذوذها وخروجها عن قراءة قراء الإسلام 07P296

قسم V07/P295–V07/P298

[النساء: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} [النساء: 90] يعني جل ثناؤه: {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم} [النساء: 90] ولو شاء الله لسلط هؤلاء الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، فيدخلون في جوارهم وذمتهم، والذين يجيئونكم قد حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم عليكم أيها المؤمنون، فقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكن الله تعالى ذكره كفهم عنكم. يقول جل ثناؤه: فأطيعوا الذي أنعم عليكم بكفهم عنكم مع سائر ما أنعم به عليكم فيما أمركم به من الكف عنهم إذا وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو جاءوكم حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم. ثم قال جل ثناؤه: {فإن اعتزلوكم} [النساء: 90] يقول: " فإن اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عن قتالهم من المنافقين بدخولهم في أهل عهدكم أو مصيرهم إليكم. حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم ، فلم يقاتلوكم {وألقوا إليكم السلم} [النساء: 90] يقول: " وصالحوكم. والسلم: هو الاستسلام، وإنما هذا مثل كما يقول الرجل للرجل: أعطيتك قيادي وألقيت إليك خطامي، إذا استسلم له وانقاد لأمره، فكذلك قوله: {وألقوا إليكم السلم} [النساء: 90] إنما هو: ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لكم صلحا منهم لكم وسلما. ومن السلم قول الطرماح: [+البحر البسيط] وذاك أن تميما غادرت سلما للأسد كل حصان وعثة اللبد يعني بقوله سلما: استسلاما. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {فإن 07P298 اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم} [النساء: 90] قال: «الصلح» وأما قوله: {فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} [النساء: 90] فإنه يقول: إذا استسلم لكم هؤلاء المنافقون الذين وصف صفتهم صلحا منهم لكم، فما جعل الله لكم عليهم سبيلا: أي فلم يجعل الله لكم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم طريقا إلى قتل أو سباء أو غنيمة، بإباحة منه ذلك لكم ولا إذن ، فلا تعرضوا لهم في ذلك إلا سبيل خير. ثم نسخ الله جميع حكم هذه الآية والتي بعدها بقوله تعالى ذكره: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] إلى قوله: {فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} [التوبة: 5] ذكر من قال في ذلك مثل الذي قلنا: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين ، عن يزيد، عن عكرمة، والحسن، قالا: قال: {فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 90] إلى قوله: {وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا} [النساء: 91] وقال في الممتحنة {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} [الممتحنة: 8] وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين وقال فيها: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم} [الممتحنة: 9] إلى: {فأولئك هم الظالمون} [البقرة: 229] فنسخ هؤلاء الآيات الأربعة في شأن المشركين، فقال: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين} [التوبة: 1] فجعل لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، وأبطل ما كان قبل ذلك.

قسم V07/P298

وقال في التي تليها: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} [التوبة: 5] ثم نسخ واستثنى فقال: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} [التوبة: 5] إلى قوله: {ثم أبلغه مأمنه} [التوبة: 6] حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فإن اعتزلوكم} [النساء: 90] قال: " نسختها: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا همام بن يحيى ، قال: سمعت قتادة، يقول في قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 90] إلى قوله: {فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} [النساء: 90] ثم نسخ ذلك بعد في براءة، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتل المشركين بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم 07P300 كل مرصد} [التوبة: 5] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 90] الآية، قال: نسخ هذا كله أجمع، نسخه الجهاد، ضرب لهم أجل أربعة أشهر، إما أن يسلموا وإما أن يكون الجهاد " 07P300

قسم V07/P298–V07/P302

[النساء: 91] القول في تأويل قوله تعالى: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا} [النساء: 91] وهؤلاء فريق آخر من المنافقين كانوا يظهرون الإسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليأمنوا به عندهم من القتل والسباء وأخذ الأموال وهم كفار، يعلم ذلك منهم قومهم، إذا لقوهم كانوا معهم وعبدوا ما يعبدونه من دون الله ليأمنوهم على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم، يقول الله: {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} يعني: " كلما دعاهم إلى الشرك بالله ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: هم ناس كانوا من أهل مكة أسلموا على ما وصفهم الله به من التقية وهم كفار، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم، يقول الله: {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} يعني: «كلما دعاهم إلى الشرك بالله ارتدوا، فصاروا مشركين مثلهم ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء» ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يريدون أن يأمنوكم، ويأمنوا، قومهم} [النساء: 91] قال ناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا ، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} يقول: " كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها. وذلك أن الرجل كان يوجد قد تكلم بالإسلام، فيقرب إلى العود والحجر وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك المتكلم بالإسلام: قل هذا ربي ، للخنفساء والعقرب " وقال آخرون: بل هم قوم من أهل الشرك كانوا طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة، قوله: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم} [النساء: 91] قال: " حي كانوا بتهامة، قالوا: يا نبي الله لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرادوا أن يأمنوا نبي الله ويأمنوا قومهم. فأبى الله ذلك عليهم ، فقال: {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} يقول: «كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه» وقال آخرون: نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الأشجعي ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة} يقول: «إلى الشرك» وأما تأويل قوله: {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} فإنهم كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} قال: «كلما ابتلوا بها عموا فيها» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: «كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه» والقول في ذلك ما قد بينت قبل، وذلك أن الفتنة في كلام العرب: الاختبار، والإركاس: الرجوع فتأويل الكلام: كلما ردوا إلى الاختبار ليرجعوا إلى الكفر والشرك رجعوا إليه 07P303

قسم V07/P302–V07/P303

[النساء: 91] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا} [النساء: 91] يعني بذلك جل ثناؤه: فإن لم يعتزلوكم أيها المؤمنون هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، وهي كلما دعوا إلى الشرك أجابوا إليه، ويلقوا إليكم السلم، ولم يستسلموا إليكم فيعطوكم المقاد ويصالحوكم. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم} [النساء: 91] قال: " الصلح. {ويكفوا أيديهم} [النساء: 91] يقول: " ويكفوا أيديهم عن قتالكم {فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم} [النساء: 91] يقول جل ثناؤه: فإن لم يفعلوا فخذوهم أين أصبتموهم من الأرض ولقيتموهم فيها فاقتلوهم، فإن دماءهم لكم حينئذ حلال {وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا} [النساء: 91] يقول جل ثناؤه: وهؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم وهم على ما هم عليه من الكفر، إن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم، جعلنا لكم حجة في قتلهم أينما لقيتموهم، بمقامهم على كفرهم وتركهم هجرة دار الشرك {مبينا} [النساء: 20] يعني أنها تبين عن استحقاقهم ذلك منكم وإصابتكم الحق في قتلهم، وذلك قوله: {سلطانا مبينا} [النساء: 91]، والسلطان: هو الحجة. كما: " حدثني المثنى، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن رجل، عن عكرمة ، قال: «ما كان في القرآن من سلطان فهو حجة» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: قوله: {سلطانا مبينا} [النساء: 91] أما السلطان المبين: فهو الحجة " 07P304

قسم V07/P303–V07/P306

[النساء: 92] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما} [النساء: 92] يعني جل ثناؤه بقوله: {وما كان لمؤمن أن 07P305 يقتل مؤمنا إلا خطأ} وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنا. يقول: ما كان ذلك له فيما جعل له ربه وأذن له فيه من الأشياء البتة. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} يقول: «ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه» وأما قوله: {إلا خطأ} فإنه يقول: إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ، وليس له مما جعل له ربه فأباحه له. وهذا من الاستثناء الذي تسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع، كما قال جرير بن عطية: [+البحر الطويل] من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ على الأرض إلا ريط برد مرحل يعني: لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد، وليس ذيل البرد من الأرض، ثم أخبر جل ثناؤه عباده بحكم من قتل من المؤمنين خطأ، فقال: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة} يقول: فعليه تحرير رقبة مؤمنة من ماله ودية مسلمة يؤديها عاقلته إلى أهله {إلا أن يصدقوا} [النساء: 92] يقول: إلا أن يصدق أهل القتيل خطأ على من لزمته دية قتيلهم فيعفوا عنه ويتجاوزوا عن ذنبه، فيسقط عنه. وموضع أن من قوله {إلا أن يصدقوا} [النساء: 92] نصب لأن معناه: فعليه ذلك إلا أن يصدقوا، وذكر أن هذه الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وكان قد قتل رجلا مسلما بعد إسلامه وهو لا يعلم بإسلامه ذكر الآثار بذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} قال عياش بن أبي ربيعة: " قتل رجلا مؤمنا كان يعذبه مع أبي جهل، وهو أخوه لأمه، فاتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحسب أن ذلك الرجل كان كما هو وكان عياش هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا، فجاء أبو جهل وهو أخوه لأمه، فقال: إن أمك تناشدك رحمها وحقها أن ترجع إليها. وهي أسماء ابنة مخرمة. فأقبل معه، فربطه أبو جهل حتى قدم مكة؛ فلما رآه الكفار زادهم ذلك كفرا وافتتانا، وقالوا: إن أبا جهل ليقدر 07P307 من محمد على ما يشاء ويأخذ أصحابه " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال في حديثه: فاتبع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل وعياش يحسبه أنه كافر كما هو ، وكان عياش هاجر إلى المدينة مؤمنا، فجاءه أبو جهل وهو أخوه لأمه، فقال: إن أمك تنشدك برحمها وحقها إلا رجعت إليها. وقال أيضا: فيأخذ أصحابه فيربطهم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ، عن مجاهد، بنحوه قال ابن جريج، عن عكرمة، قال: كان الحارث بن يزيد بن نبيشة من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل. ثم خرج الحارث بن يزيد مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف حتى سكت ، وهو يحسب أنه كافر.

قسم V07/P306–V07/P309

ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، ونزلت: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} الآية، فقرأها عليه، ثم قال له: «قم فحرر» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} قال: " نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فكان أخا لأبي جهل بن هشام لأمه. وإنه أسلم وهاجر في المهاجرين الأولين قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبه أبو جهل والحارث بن هشام ومعهما رجل من بني عامر بن لؤي، فأتوه بالمدينة، وكان عياش أحب إخوته إلى أمه، فكلموه وقالوا: إن أمك قد حلفت أن لا يظلها بيت حتى تراك وهي مضطجعة في الشمس، فأتها لتنظر إليك ثم ارجع. وأعطوه موثقا من الله لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة. فأعطاه بعض أصحابه بعيرا له نجيبا ، وقال: إن خفت منهم شيئا فاقعد على النجيب. فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه، وجلده العامري، فحلف ليقتلن العامري. فلم يزل محبوسا بمكة حتى خرج يوم الفتح، فاستقبله العامري وقد أسلم ولا يعلم عياش بإسلامه، فضربه فقتله، فأنزل الله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} يقول: «وهو لا يعلم أنه مؤمن {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} فيتركوا الدية» وقال آخرون: نزلت هذه الآية في أبي الدرداء ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} الآية. قال: نزل هذا في رجل قتله أبو الدرداء كانوا في سرية، فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له ، فوجد رجلا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف، فقال: لا إله إلا الله قال: فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم. ثم وجد في نفسه شيئا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا شققت عن قلبه؟ » فقال: ما عسيت أجد. هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء؟ قال: «فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه» قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله؟ » قال: فكيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله» حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: ونزل القرآن: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} حتى بلغ: {إلا أن يصدقوا} [النساء: 92] قال: «إلا أن يضعوها» قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عرف عباده بهذه الآية ما على من قتل مؤمنا خطأ من كفارة ودية. وجائز أن تكون الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله، وفي أبي الدرداء وصاحبه.

قسم V07/P309–V07/P312

وأي ذلك كان فالذي عنى الله تعالى بالآية تعريف عباده ما ذكرنا، وقد عرف ذلك من عقل عنه من عباده تنزيله، وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه وأما الرقبة المؤمنة فإن أهل العلم مختلفون في صفتها، فقال بعضهم: لا تكون الرقبة مؤمنة حتى تكون قد اختارت الإيمان بعد بلوغها وصلت وصامت، ولا يستحق الطفل هذه الصفة ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي حيان، قال: سألت الشعبي عن قوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] قال: «قد صلت وعرفت الإيمان» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] يعني بالمؤمنة: من عقل الإيمان وصام وصلى " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: «ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزي إلا من صام وصلى، وما كان في القرآن من رقبة ليست مؤمنة، فالصبي يجزئ» حدثت عن يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن الحسن، قال: " كل شيء في كتاب الله {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] فمن صام وصلى وعقل، وإذا قال: «فتحرير رقبة» : فما شاء " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: " كل شيء في القرآن {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] فالذي قد صلى، وما لم تكن مؤمنة، فتحرير من لم يصل " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] والرقبة المؤمنة عند قتادة: من قد صلى. وكان يكره أن يعتق في هذا الطفل الذي لم يصل ولم يبلغ ذلك " حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن مغيرة، عن 07P312 إبراهيم، في قوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] قال: «إذا عقل دينه» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال في: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] لا يجزئ فيها صبي " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] يعني بالمؤمنة: من قد عقل الإيمان وصام وصلى، فإن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين ، وعليه دية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا بها عليه " وقال آخرون: إذا كان مولودا بين أبوين مسلمين فهو مؤمن وإن كان طفلا ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: «كل رقبة ولدت في الإسلام فهي تجزئ» قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك، قول من قال: لا يجزئ في قتل الخطأ من الرقاب إلا من قد آمن وهو يعقل الإيمان من الرجال والنساء إذا كان ممن كان أبواه على ملة من الملل سوى الإسلام وولد يتيما وهو كذلك، ثم لم يسلما ولا واحد منهما حتى أعتق في كفارة الخطأ. وأما من ولد بين أبوين مسلمين فقد أجمع الجميع من أهل العلم أنه وإن لم يبلغ حد الاختيار والتمييز ولم يدرك الحلم فمحكوم له بحكم أهل الإيمان في الموارثة والصلاة عليه إن مات، وما يجب عليه إن جنى، ويجب له إن جني عليه، وفي المناكحة. فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعا، فواجب أن يكون له من الحكم فيما يجزئ فيه من كفارة الخطأ إن أعتق فيها من حكم أهل الإيمان مثل الذي له من حكم الإيمان في سائر المعاني التي ذكرناها وغيرها. ومن أبى ذلك عكس عليه الأمر فيه، ثم سئل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس، فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في غيره مثله. وأما الدية المسلمة إلى أهل القتيل فهي المدفوعة إليهم على ما وجب لهم موفرة غير منتقصة حقوق أهلهم منها.

قسم V07/P312

وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول: «هي الموفرة» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: {ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] قال: «موفرة» وأما قوله: {إلا أن يصدقوا} [النساء: 92] فإنه يعني به: إلا أن يتصدقوا بالدية على القاتل أو على عاقلته؛ فأدغمت التاء من قوله: يتصدقوا في الصاد فصارتا صادا. 07P314 وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي: «إلا أن يتصدقوا» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بكر بن الشرود: في حرف أبي: «إلا أن يتصدقوا ،» 07P314

الأسئلة

Taberî — Câmiü'l-Beyân · 94 · Qur'an & Sunnah