Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
الأولى التقدم في الذهن والخارج وهي خاصة حقيقية لا تصدق على شيء من العوارض الثانية الاستغناء عن الواسطة في التصديق بمعنى وجوب الثبوت وامتناع السلب بمجرد إخطار الجزء والماهية بالبال بل بمجرد تصور الماهية وهذه خاصة إضافية لا حقيقية لصدقها على اللوازم البينة بالمعنى الأعم إن اشترط أخطارهما والأخص إن اكتفى بتصور الماهية
والثالثة الاستغناء عن الوسط في الثبوت وهي أيضا إضافية لصدقها على الأعراض الأولوية أعني اللاحقة للشيء لذاته من غير واسطة سواء كان الجزم بثبوتها للموضوع محتاجا إلى وسط كتساوي الزوايا الثلاث للقائمتين بالنسبة إلى المثلث فإنه لازم له لذاته ويفتقر بيانه إلى وسائط أو غير محتاج كالانقسام بالمتساويين للأربعة والبياض لسطح الجسم الأبيض فالاستغناء عن الوسط يجعل القضية أولية والاستغناء عن الواسطة يجعل محمولها أوليا وبينهما عموم من وجه لتصادقهما في انقسام الأربعة وبياض السطح وصدق الأولى بدون الثانية في بياض الجسم وبالعكس في تساوي زوايا المثلث للقائمتين فإن قيل إن أريد بالخاصة الأولى التقدم في الوجودين جميعا على ما هو ظاهر عبارة القوم فباطل لأن الجزء الذهني كالجنس والفصل لا يتقدم في الوجود العيني وإلا امتنع الحمل وإن أريد أن الجزء الذهني متقدم بالوجود الذهني والعيني على ما ذكر فالعلة الفاعلية للشيء متقدمة عليه في الخارج إن كانت علة له في الخارج وفي الذهن إن كانت في الذهن فهذه الخاصة أيضا تكون إضافية لا حقيقية قلنا الظاهر أن مرادهم الأول على ما صرح به الإمام ومبناه على ما تقرر عندهم من وجود الكلي الطبيعي لكونه جزأ من الأشخاص وإذ قد بينا بطلان ذلك فالأول ابتناؤها على ما ذكرنا من أن الجزء أي ما يعرض له الجزئية متقدم بالوجودين أما بالوجود العيني فباعتبار كونه مادة لكونه مأخوذا بشرط لا وأما بالوجود الذهني فباعتبار كونه جنسا أو فصلا لكونه مأخوذا لا بشرط فتكون الخاصة حقيقية غير صادقة على العلة الفاعلية غاية الأمر أنها لا تكون شاملة بناء على أن من الأجزاء مالا تقدم له في الخارج كلونية السواد أو في الذهن كالهيولي والصورة أو الأجزاء التي لا تتجزى إذا جوزنا تعقل حقيقة الجسم بدون ذلك قال والتركيب قد يكون حقيقيا بأن يحصل من اجتماع عدة أشياء حقيقة واحدة بالذات مختصة باللوازم والآثار واحتياج بعض أجزائه إلى البعض ضروري للقطع بأنه لا يحصل من الحجر الموضوع بجنب الإنسان حقيقة واحدة والاحتياج فيما بين الجزئين قد يكون من جانب واحد كالمركب من البسائط العنصرية ومما يقوم بها من الصورة المعدنية أو النباتية أو الحيوانية فإن الصورة تحتاج إلى تلك المواد من غير عكس وكالمركب من الجنس والفصل فإن الجنس محتاج إلى الفصل من جهة أنه أمر مبهم لا يتحصل معقولا مطابقا لما في الأعيان من الأنواع الحقيقية إلا إذا اقترن به فصل لأنه الذي يحصل طبيعة الجنس ويقررها ويعينها ويقومها نوعا وهذا معنى علية الفصل للجنس وحاصله أنه الذي به يتخصص الجنس أي يصير حصة ولذا نقل الإمام عن أبي علي أن الفصل علة لحصة النوع من الجنس وإن كان صريح عبارته أنه علة لطبيعة الجنس بمعنى أن الصورة الجنسية ليست متحصلة بنفسها بل مبهمة محتملة لأن تقال على أشياء مختلفة الحقائق وإذا انضافت إليها الصورة الفصلية تحصلت وصارت بعينها أحد تلك الأشياء فالفصل بالحقيقة علة لتحصلها بهذا المعنى وارتفاع إبهامها لا بحصولها في العقل لظهور أن المعنى الجنسي يعقل من غير فصل ولا لحصولها في الخارج لأنه لا تمايز بينهمافي الخارج وإلا امتنع حمل أحدهما على الآخر بالمواطأة ومن البين أن ليس في السواد أمر محقق هو اللون وآخر هو قابضية البصر يجتمعان فيتحصل منهما السواد بل التحقيق أن ليس في الخارج إلا الأشخاص وإنما الجنس والفصل والنوع صور متمايزة عند العقل يحصلها من الشخص بحسب الاستعدادات تعرض للعقل واعتبارات يتعقلها من جزئيات أقل أو أكثر مختلفة في التباين والاشتراك فتدرك من زيد تارة صورة شخصية لا يشاركه فيها غيره وأخرى صورة يشاركه فيها عمرو وبكر وأخرى صورة يشاركه فيها الفرس وغيره وعلى هذا القياس فإن قيل هذا إنما هو في النوع البسيط كالسواد لظهور أن ليس في الخارج لونية وشيء آخر به امتاز السواد عن سائر الألوان ولهذا لا يصح أن يقال جعل لونا فجعل سوادا بل جعلاهما واحد وأما في غيره فالذاتيات المتمايزة في العقل متمايزة في الخارج وليس جعلاهما واحدا كالحيوان فإنه يشارك النبات في كونه جسما ويمتاز عنه بالنفس الحيوانية وجعل الجسم غير جعل النفس حتى إذا زالت عنه النفس بقي ذلك الجسم بعينه موجودا كالفرس الذي يموت وجسميته باقية ولهذا يصح أن يقال جعل جسما فجعل حيوانا قلنا الجسم المأخوذ على وجه كونه مادة غير المأخوذ على وجه كونه جنسا ولا كلام في تميز الأول عن الكل بالوجود الخارجي وإنما الكلام في الثاني لأنه الجزء المحمول المسمى بالذاتي وقد سبق تحقيق ذلك والحاصل أن الذاتيات المتمايزة بحسب العقل فقط قد يكون لها مبادي متمايزة بحسب الخارج كالحيوان من الجسم والنفس الحيوانية والإنسان من البدن والنفس الناطقة وقد لا يكون كالسواد من اللون وقابضية البصر وكالسطح من الكم وقابلية القسمة في الطول والعرض جميعا وهو المسمى بالنوع البسيط ومن ههنا جوز بعض المحققين كون الفصل عدميا فإن المعنى الجنسي من الكم المتصل يتحصل بما له طول وعرض فقط فيكون سطحا وبما له طول فقط فيكون خطا قال وكالهيولي والصورة يعني أن الاحتياج فيما بين الجزئين قد يكون من الجانبين لكن لا باعتبار واحد وإلا يلزم الدور وذلك كالهيولي والصورة للجسم فإن تشخص الصورة يكون بالمادة المعينة ومن حيث هي قابلة لتشخصها وتشخص المادة بالصورة المطلقة ومن حيث هي فاعلة لتشخصها وسيجيء بيان ذلك ( قال وقد يكون اعتباريا ) بأن يكون هناك عدة أمور يعتبرها العقل أمرا واحدا وإن لم يكن أمرا واحدا في الحقيقة وربما يضع بإزائه اسما كالعشرة من الآحاد والعسكر من الأفراد ولا يلزم فيه احتياج بعض الأجزاء إلى البعض فإن قيل إن أريد عدم الاحتياج أصلا فباطل لأن احتياج الهيئة الاجتماعية إلى الأجزاء المادية لازم قطعا وإن أريد الاحتياج فيما بين الأجزاء المادية فذلك ليس بلازم في المركب الحقيقي أيضا كالبسايط العنصرية للمركبات المعدنية مثلا قلنا المراد الأول والصورة الاجتماعية في المركبات الاعتبارية محض اعتبار العقل لا تحقق لها في الخارج إذ ليس من العسكر في الخارج إلا تلك الأفراد بخلاف المركبات الحقيقية فإن هناك صورا تفيض على المواد في نفس الأمر وستعرفها وأما في مثل الترياق والسلنجبين فهل يحدث صورة جوهرية هي مبدأ الآثار أو هو مجرد المزاج المخصوص الذي هو من قبيل الأعراض وأن التركيب الحقيقي هل يكون من الجوهر والعرض ففيه تردد قال والأجزاء قد تتداخل أجزاء المركب تنقسم إلى متداخلة ومتباينة أما المتداخلة فهي التي يكون بينها تصادق في الجملة إما على الوجه الكلي من الجانبين بأن يصدق كل من الجزئين على كل ما يصدق عليه الآخر فيكونان متساويين كالمركب من المغتذي والنامي أو من جانب واحد بأن يصدق أحدهما على كل ما يصدق عليه الآخر من غير عكس فيكون بينهما عموم وخصوص مطلقا كالمركب من الحيوان والناطق وإما لا على الوجه الكلي بأن يصدق كل منهما على بعض ما يصدق عليه الآخر فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه كالمركب من الحيوان والأبيض وأما المتباينة فإما متماثلة كما في العشرة من الآحاد وإما متخالفة محسوسة كما في البلقة من السواد والبياض أو معقولة كما في الجسم من الهيولي والصورة أو مختلفة كما في الإنسان من البدن المحسوس والنفس المعقولة وقد تقسم المتخالفة إلى ما تكون للشيء مع ما عرض له من الإضافة إلى الفاعل كالعطاء لفائدة من المعطي أو إلى القابل كالفسطوسة لتقعير في الأنف أو إلى الصورة كالأفطس لأنف فيه تقعير أو إلى الغاية كالخاتم لحلقة يتزين بها الأصبع وإلى ما يكون للشيء مع إضافة له إلى المعلول كالخالق والرازق وإلى مالا يكون فيما بين العلة والمعلول وهو ظاهر وباعتبارآخر الأجزاء إما وجودية كالنفس والبدن للإنسان أو عدمية كسلب ضرورة الوجود والعدم للامكان أو مختلطة من الوجودي والعدمي كالسابقية وعدم المسبوقية للأولية وأيضا إما حقيقية كما في الإنسان من النفس والبدن أو إضافية كما في الأقرب من القرب وزيادته أو ممتزجة بعضها حقيقي وبعضها إضافي كما في السرير من الأجزاء الخشبية والترتيب النسبي ( قال المبحث الرابع ) بعد الاتفاق على أن وجود الممكن بالفاعل اختلفوا في ماهيته فذهب المتكلمون إلى أنها بجعل الجاعل مطلقا أي بسيطة كانت أو مركبة وذهب جمهور الفلاسفة والمعتزلة إلى أنها ليست بجعل الجاعل مطلقا بمعنى أن شيئا منها ليس بمجعول وذهب بعضهم إلى أن المركبات المجعولة دون البسائط استدل المتكلمون بوجوه
الأول أن كلا من المركبة والبسيطة ممكن لأن الكلام فيه وكل ممكن محتاج إلى الفاعل لما سيأتي من أن علة الاحتياج هي الإمكان ولما اعترض بأن الإمكان نسبة تقتضي الإثنيئية فتنافي البساطة أشار إلى الجواب بأنه ليس نسبة بين أجزاء الماهية حتى تختص بالمركبة بل بين الماهية ووجودها لكونه عبارة عن عدم ضرورة الوجود والعدم فمع قطع النظر عن الوجود لا يعقل عروض الإمكان للماهية بسيطة كانت أو مركبة ومعنى كونه ذاتيا لها أنها في نفسها بحيث إذا نسبها العقل إلى الوجود يعقل بينهما نسبة هي الإمكان وهذا المعنى كاف في الاحتياج إلى الفاعل وقد يجاب بأنه لو لم تكن البسيطة مجعولة لم تكن المركبة مجعولة لأنه إذا تقرر في الخارج جميع بسائط المركب حتى الجزء الصوري من غير جاعل تقرر المركب ضرورة لا يقال يجوز أن يكون لكل جزء تقرر ويتوقف تقرر المركب على تقرر المجموع كما سبق في مجموع التصورات وتصورالمجموع لأنا نقول الفرق بين مجموع التقررات وتقرر المجموع بحسب الخارج غير معقول وإنما ذلك بحسب العقل بأن يتعلق بالأمور المتعددة تارة تصورات متعددة وتارة تصور واحد من غير ملاحظة التفاصيل الثاني أن الفاعل لا بد أن يؤثر في الماهية ويجعلها تلك الماهية في الخارج حتى يتحقق الوجود لأن ذات المعلول عند إقنائها الوجود من الفاعل لا يجوز أن يكون حاصلة في الخارج بكمالها بل لا بد أن يبقى شيء منها يحصله الفاعل ولو هيئة اجتماعية وإلا لكان المعلول متحققا سواء تحقق الفاعل أو لا فلا يكون للفاعل تأثير فيه ولا له احتياج إلى الفاعل الثالث أنه لا تقرر للماهية في الخارج بذاتها لما سبق في بحث العدم فيكون بالفاعل ضرورة ولا معنى لمجعولية الماهية سوى هذا والجواب عن الأول أن معنى احتياج الممكن أن وجوده ليس من ذاته بل من الفاعل وعن الثاني أنه لا يدل إلا على أن ماهية المعلول لا تكون حاصلة متحققة بدون الفاعل والحصول والتحقق هو الوجود وهذا لا ينافي كونها متقررة في نفسها من غير احتياج لها إلى الفاعل ولا تأثير له فيها وعن الثالث أنه إن أريد بالتقرر التحقق والثبوت فهو الوجود وإن أريد كون الماهية في نفسها تلك الماهية في الخارج فلم يسبق ما يدل على أن ذلك بالفاعل فالوجوه الثلاثة على تقدير تمامها لا تفيد إلا كون الوجود بالفاعل
الرابع أنه لا نزاع في أن للعلة جعلا وتأثيرا في الممكن فالمجعول إما الماهية أو الوجود أو اتصاف الماهية بالوجود أو انضمام الأجزاء بعضها إلى بعض في المركب خاصة وكل من الأمور الأربعة ماهية من الماهيات فيكون المجعول هو الماهية والجواب أن النزاع في الماهيات التي هي حقائق الأشياء لا فيما صدقت هي عليه من الأفراد فيجوز أن يكون المجعول ذلك المشخص الذي هو من أفراد ماهية الإنسان مثلا أو الوجود الخاص الذي هو من أفراد ماهية الوجود وكذا الاتصاف والانضمام قال قالوا احتج القائلون بعدم مجعولية الماهية بأن كون الإنسان إنسانا لو كان بالفاعل لارتفع بارتفاعه فيلزم أن لا يكون الإنسان إنسانا على تقدير عدم الفاعل وهو محال والجواب أنه إن أريد أنه يلزم أن يكون الإنسان ليس بإنسان بطريق السلب ولا نسلم استحالته فإن عند ارتفاع الفاعل يرتفع الوجود وتبقى الماهية معدومة فيكذب الإيجاب فيصدق السلب وإن أريد بطريق العدول بأن يتقرر الإنسان في نفسه بحسب الخارج ويكون لا إنسانا فلا نسلم لزومه فإن عند ارتفاع الفاعل لا يبقى الإنسان حتى يصلح موضوعا للإيجاب قال فإن قيل يريد التنبيه على ما يصلح محلا للخلاف في هذه المسئلة فإنه معلوم أن ليس للفاعل تأثير وجعل بالنسبة إلى ماهية الممكن وآخر بالنسبة إلى وجوده حتى تكون الماهية مجعولة كالوجود وأن ليس للماهية تقرر في الخارج بدون الفاعل حتى يكون المجعول هو الوجود فقط بل أثر الفاعل مجعولية الماهية بمعنى صيرورتها موجودة وما ذكره الإمام من أن المراد أن الماهية من حيث هي هي ليست بمجعولة كما أنها ليست بموجودة ولا معدومة ولا واحدة ولا كثيرة إلى غير ذلك من العوارض بمعنى أن شيئا منها ليس نفسها ولا داخلا فيها ليس مما يتصور فيه نزاع أو يتعلق بتخصيصه بالذكر فائدة والأقرب ما ذكره صاحب المواقف وهو أن المجعولية قد يراد بها الاحتياج إلى الفاعل وقد يراد بها الاحتياج إلى الغير على ما يعم الجزء وكلاهما بالنسبة إلى الممكن من العوارض والعوارض منها ما يكون من لوازم الماهية كزوجية الأربعة حتى لو تصورنا أربعة ليست بزوج لم تكن أربعة ومنها ما يكون من لوازم الهوية كتناهي الجسم وحدوثه حتى لو تصورنا جسما ليس بمتناه أو حادث كان مجسما ولا خفاء في أن احتياج الممكن إلى الفاعل في المركب والبسيط جميعا من لوازم الهوية دون الماهية وأن الاحتياج إلى الغير من لوازم الماهية المركب دون البسيط إذ لا يعقل مركب لا يحتاج إلى الجزء فمن قال بمجعولية الماهية مطلقا أي بسيطة كانت أو مركبة أراد أن المجعولية تعرض للماهية في الجملة أعني الماهية بشرط شيء وهي الماهية المخلوطة ومرجعها إلى الهوية وإن لم تعرض للماهية من حيث هي ويحتمل أن يراد أنه يعرض للماهية من حيث هي المجعولية في الجملة أي بمعنى الاحتياج إلى الغير وإن لم تكن بمعنى الاحتياج إلى الفاعل ومن قال بعدم مجعولية الماهية أصلا أراد أن الاحتياج إلى الفاعل ليس من عوارض الماهية بل من عوارض الهوية ومن فرق بين المركبة والبسيطة أراد أن الاحتياج إلى الغير من لوازم ماهية المركب دون البسيط وإن اشتركا في الاحتياج إلى الفاعل بالنظر إلى الهوية هذا ولكن لم يتحقق نزاع في المعنى قال الفصل الثالث في لواحق الوجود والماهية جعل صاحب التجريد الوجوب والإمكان والامتناع وكذا القدم والحدوث في فصل الوجود وجعل التعين وكذا الوحدة والكثرة في فصل الماهية وجعل العلة والمعلول فصلا على حدة وصاحب المواقف جعل التعيين في فصل الماهية والوجوب ومقابليه فصلا على حدة وكذا الوحدة والكثرة وكذا العلة والمعلول وذكر القدم والحدوث في فصل الوجوب ومقابليه وصاحب الصحايف جعل الوجوب ومقابليه والعلة والمعلول من لواحق الموجود والبواقي من لواحق الوجود فأطلقنا القول بكون الكل من لواحق الوجود والماهية ليصح على جميع التقادير قال المبحث الأول تعين الشيء وتشخصه الذي به يمتاز عن جميع ما عداه غير ماهيته ووجوده وحدوثه لكون كل من هذه الأمور مشتركا بينه وبين غيره بخلاف التعين ولذا يصدق قولنا الكلي ماهية وموجود وواحد ولا يصدق قولنا أنه متعين وإن كان التعين أو المتعين مفهوما كليا صادقا على الكثرة وبين التعين والتميز عموم من وجه لتصادقهما على تشخصات الأفراد إذا اعتبر مشاركتها في الماهية مثلا فإن كلا منها متشخص في نفسه ومتميز عن غيره ويصدق التعين دون التميز حيث لا تعتبر المشاركة وبالعكس حيث تتميز الكليات كالأنواع المعتبرة اشتراكها في الجنس قال المبحث الثاني التعين أمراعتباري لا تحقق له في الأعيان لوجهين الأول أنه لو كان موجودا في الخارج لكان له تعين ضرورة وينقل الكلام إليه ويتسلسل فإن قيل لا نسلم أنه لو كان موجودا لكان له تعين وإنما يلزم ذلك لو كانت التعينات متشاركة في الماهية ليحتاج في التمايز إلى تعين وهو ممنوع بل هي متخالفة بالماهية متمايزة بالذات وإنما يتشارك في لفظ التعين أو في عرضي لها هو مفهوم التعين قلنا ضروري أن لكل موجود ماهية كلية في العقل وإن امتنع تعدد أفرادها بحسب الخارج وهذا في حق الواجب محل نظر فلذا خص الدعوى بالتعين وإن كانت المناقشة باقية فإن قيل لم لا يجوز أن يكون تعين التعين نفسه لا زائدا عليه ليتسلسل قلنا لأن ماهية التعين كلية وإنما التمايز بالخصوصيات العارضة التي لا تقبل الاشتراك وتغاير المعروض والعارض في الأمور الموجودة في الخارج ضروري وإنما يصح الاتحاد وبحسب الواقع في الأمور الاعتبارية كقدم القدم وحدوث الحدوث قال الثاني وقد يستدل أي على كون التعين اعتباريا بأنه لو وجد في الخارج لتوقف عروضه لحصة هذا الشخص من النوع دون الحصة الأخرى منه على وجودها وتميزها فإن كان تميزها بهذا التعين فدور أو بتعين آخر فيتسلسل وهذا هو المراد بقولهم لو وجد لتوقف انضمامه إلى الماهية على تميزها فلا يرد ما قيل أن تميز الماهية بذاتها وبما لها من الفصول لا بهذا التعين فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المعروض هو الحصة المتميزة بهذا التعين لا يتعين سابق ليلزم المحال كما أن معروض البياض هو الجسم الأبيض به لا بياض آخر وحاصله أن ذلك دور معية فإن الماهية إذا وجدت وجدت متخصصة متميزة بما عرضت له من التعينات كحصص الأنواع من الجنس تتمايز بالفصول ولا يتوقف اختصاص كل فصل بحصة على تميز لها سابق قلنا وجود المعروض متقدم على العارض بالضرورة فكذا تميزه لكونه مقارنا للوجود السابق وهذا بخلاف الفصول وحصص الأنواع من الجنس فإن التمايز هناك عقلي لا غير وفيه نظر لأن تقدم معروض التعين عليه إنما هو بالذات دون الزمان وهو لا يستلزم تقدم ما معه بالزمان لجواز أن يكون الشيء محتاجا إليه ولا يكون مقارنه كذلك فإن قيل المعروض المتقدم هو هذه الحصة فيلزم تقدم الهذية وهو التعين والتميز قلنا نعم بمعنى أنه معروض الهذية فلا يمتنع أن يكون هذيتها بهذا التعين قال احتج المخالف أي القائل بكون التعين وجوديا بوجوه
الأول أنه جزء المتعين لكونه عبارة عن الماهية مع التعين وهو موجود وجزء الموجود موجود بالضرورة وأجيب بأنه إن أريد بالمتعين الموصوف بالتعين فظاهر أن التعين عارض له لا جزء منه وإن أريد المجموع المركب منهما فلا نسلم أنه موجود فإن الوصف إذا كان من الأعراض المحسوسة كما في الجسم الأبيض لم يكن المجموع إلا مركبا اعتباريا فكيف إذا كان مما وجوده نفس المتنازع واعترض صاحب المواقف بأن المراد بالمتعين هو ذلك الشخص المعلوم وجوده بالضرورة كزيد مثلا وليس مفهومه مجرد مفهوم الإنسان وإلا لصدق على عمرو بل الإنسان مع شيء آخر يسميه التعين فيكون جزأ من زيد الموجود فيكون موجودا والجواب أنا سلمنا أن ليس مفهومه مفهوم الإنسان الكلي الصادق على عمرو لكن لم لا يجوز أن يكون هو الإنسان المقيد بالعوارض المخصوصة المشخصة الذي لا تصدق على غيره دون المجموع ولو سلم فجزء المفهوم لا يلزم أن يكون موجودا في الخارج ولو سلم فذلك الشيء هو ما يخصه من الكم والكيف والابن ونحو ذلك مما يعلم وجوده بالضرورة من غير نزاع لكون أكثرها من المحسوسات وهم لا يسمونها التعين بل ما به التعين الثاني أن الطبيعة النوعية كالإنسان مثلا لا تتكثر بنفسها لما سبق من أن الماهية من حيث هي لا تقتضي الوحدة والكثرة وإنما تتكثر بما ينضاف إليهما من العوارض الموجودة المخصوصة التي ربما تكون محسوسة وهو المراد بالتشخص الثالث أن التعين لو كان عدميا لما كان متعينا في نفسه إذ لا هوية للمعدوم فلم يكن معينا لغيره ضرورة أن مالا ثبوت له لا يصلح سببا لتميز الشيء عما عداه بحسب الخارج والجواب عنهما أن ما ينضاف إلى الطبيعة ويعينها ويكثرها هي العوارض المشخصة ولا نزاع في وجودها على ما سبق الرابع أن التعين لو كان عدميا وليس عدما مطلقا لكان عدما للاتعين مطلقا أو لتعين إذ لا مخرج عن النقيضين وذلك التعين إما عدمي أو ثبوتي وعلى التقادير يلزم كونه وجوديا أما على الأولين فلأن نقيض العدمي وجودي وأما على الثالث فلأن حكم الأمثال واحد والجواب أنا لانم أن العدمي يلزم أن يكون عدما لأمر ما بل يكون معدوما في الخارج على ما ادعينا من أنه اعتباري ولو سلم فلا نسلم أن نقيض العدمي وجودي كالعمى واللاعمى ولو سلم فإن أريد بالتعين واللا تعين مفهوما هما فلا حصر لجواز أن يكون التعين عدما لمفهوم آخر وإن أريد ما صدق عليه فلانم أن كل ما يصدق عليه اللاتعين فهو عدمي ليكون نقيضه ثبوتيا كيف واللاتعين صادق على جميع الحقائق ولو سلم فلانم تماثل التعينات لم لا يجوز أن تكون متخالفة متشاركة في عارض هو مفهوم التعين
الخامس أن التعين لو كان عدميا لكان عدما لما ينافيه ضرورة كالإطلاق والكلية والعموم وما يجري مجرى ذلك فإن كان عدما للإطلاق أو لما يساويه كالكلية والعموم وبالجملة مالا ينفك عدمه عن عدم الإطلاق كان التعين مشتركا بين الأفراد كعدم الإطلاق لأن التقدير أنه عدم لأمر لا ينفك عدمه عن عدم الإطلاق وعدم الإطلاق متحقق في جميع الأفراد فكذا التعين فلا يكون متميزا فلا يكون تعينا وإن لم يكن التعين عدما للإطلاق ولا عدما لما لا ينفك عدمه عن عدم الإطلاق لزم جواز الانفكاك بين عدم الإطلاق وبين ذلك العدم الذي هو التعين وذلك إما بأن يتحقق عدم الإطلاق بدون التعين فيلزم كون الشيء لا مطلقا ولا متعينا وفيه رفع للنقيضين وإما بأن يتحقق التعين بدون عدم الإطلاق فيلزم كون الشيء مطلقا ومتعينا وفيه جمع للنقيضين والجواب أنه إن أريد بالتعين الذي يجعله عدم الإطلاق مطلق التعين فلانم امتناع اشتراكه بين الأفراد كعدم الإطلاق وإنما يمتنع لو لم يكن تمايز الأفراد بالتعينات الخاصة المعروضة لمطلق التعين وإن أريد التعين الخاص فنختار أنه ليس عدما للإطلاق ولا لما لا ينفك عدمه عن عدم الإطلاق بل لأمر يوجد عدم الإطلاق بدون عدمه الذي هو ذلك التعين وهو لا يستلزم إلا كون الشيء لا مطلقا ولا معينا بذلك التعين ولا استحالة في ذلك لجواز أن يكون معينا بتعين آخر قال خاتمة تصور الشيء بوجه ما وإن كان كافيا في الحكم عليه في الجملة لكن خصوصيات الأحكام ربما تستدعي تصورات مخصوصة لا بد منها في صحة الحكم فلا بد في تحقيق أن التعين وجودي أو عدمي اعتباري أو غير اعتباري من بيان ما هو المراد من هذه الألفاظ فنقول الحقيقة النوعية المتحصلة بنفسها أو بما لها من الذاتيات قد يلحقها كثرة بحسب ما يعرض لها من الكميات والكيفيات والأوضاع والإضافات واختلاف المواد وغير ذلك وربما تنتهي العوارض إلى ما يفيد الهذية وامتناع الشركة كهذا الإنسان وذاك وتسمى العوارض المشخصة فلا بد في تحصيل موضوع القضية المطلوبة من بيان أن المراد بالتشخص هو تلك العوارض أو ما يحصل عندها من الهذية أو عدم قبول الشركة أو كون الحصة من النوع بهذه الحيثية أو نحو ذلك ثم لا بد لتحصيل معنى المحمول من بيان المراد بالوجودي والعدمي والاعتباري فقيل العدمي المعدوم وقيل ما يكون عدما مطلقا أو مضافا متركبا مع وجودي كعدم البصر عما من شأنه أو غير متركب كعدم قبول الشركة وقيل ما يدخل في مفهومه العدم ككون الشيء بحيث لا يقبل الشركة والوجودي بخلافه فهو الموجود أو الوجود مطلقا أو مضافا أو ما لا يدخل في مفهومه العدم والعبرة بالمعنى دون اللفظ حتى أن العمى عدمي واللاعدم وجودي وفي المواقف أن الوجودي ما يكون ثبوته لموصوفه بوجوده له أي بحسب الخارج نحو السواد لا أن يكون ذلك باعتبار وجودهما في العقل واتصاف موصوفه به فيه أي في العقل دون الخارج كالإمكان وهو أعم من الموجود لجواز وجودي لا يعرض له الوجود أبدا لكنه بحيث إذا ثبت للموصوف كان ذلك بوجوده له وهذا ما قال القاضي الأرموي إذا قلنا لشيء أنه وجودي لا نعني أنه دائم الوجود بل نعني أنه مفهوم يصح أن يعرض له الوجود الخارجي عند قيامه بموجود وعند قيامه بمعدوم لا يكون له وجود وكأنه يريد الأعم من وجه وإلا فمن الموجود مالا يسمى وجوديا كالإنسان وغيره من المفهومات المستقلة وأما الاعتباري فهو ما لا تحقق له إلا بحسب فرض العقل وإن كان موصوفه متصفا به في نفس الأمر كالإمكان فإن الإنسان متصف به في نفس الأمر بمعنى أنه بحيث إذا نسبه العقل إلى الوجود يعقل له وصفا هو الإمكان ويقابله الحقيقي إذا تقرر هذا فلا خفاء في أن العوارض المشخصة وجودية والهذية اعتبارية وتميز الفرد عما عداه وعدم قبوله الشركة وكونه ليس غيره أو لا يقبل الشركة عدمية قال المبحث الثالث لا بد في التعين من كون المفهوم بحيث لا يمكن للعقل فرض صدقه على كثيرين وهذا معنى امتناع الشركة ذهنا ومعلوم أنه لا يحصل بانضمام الكلي إلى الكلي لأن كلا من المنضم والمنضم إليه والانضمام لكونه كليا يمكن للعقل فرض صدقه على كثيرين بل على مالا يتناهى من الأفراد وإن كان بحسب الخارج ربما لا يوجد منه الأفراد بل يمتنع تعدده كمفهوم الواجب فإن قيل حكم الكلي قد يخالف حكم كل واحد فيجوز أن يكون كل من المنضم والمنضم إليه كليا والمجموع جزئيا قلنا لا معنى للانضمام ههنا سوى أن العقل يعتبر مفهوما كليا كالإنسان ثم يعتبر له وصفا كليا كالفاضل ومعلوم بالضرورة أن الكلي الموصوف بالأوصاف الكلية لا ينتهي إلى حد الهذية حتى لو كان ذلك الوصف هو مفهوم الجزئية والتشخص وامتناع قبول الشركة كانت الكلية بحالها وقد يجاب بأن المراد أن انضمام الكلي إلى الكلي وتقيده به لا يستلزم الجزئية والتشخص وإن كان قد يفيدها فيكون حاصل الكلام أن المركبات العقلية مثل الجوهر المتحيز والجسم النامي والحيوان الناطق والإنسان الفاضل لا يلزم أن يكون جزئية بل قد يكون كلية وهذا من الوضوح بحيث لا ينبغي أن يخبر به فضلا عن أن يجعل من المطالب العلمية فإن قيل فعلى ما ذكرتم يلزم أن يكون ما ينضم إلى الكلي وتفيده الجزئية جزئيا وله لا محالة مفهوم كلي يفتقر إلى ما ينضم إليه ويجعله جزئيا ويتسلسل قلنا ليس هناك موجود هو الكلي وآخر ينضم إليه ويجعله جزئيا بل الموجود الأشخاص والعقل ينتزع منها الصور الكلية بحسب الاستعدادات والاعتبارات المختلفة والمقصود أن المعنى الذي بسببه امتنع للعقل فرض صدق المفهوم على الكثيرين لا يصلح أن يكون انضمام الكلي إلى الكلي بل التشخص يستند عندنا إلى القادر المختار كسائر الممكنات بمعنى أنه الموجد لكل فرد على ما شاء من التشخص وعند بعضهم إلى تحقق الماهية في الخارج للقطع بأنها إذا تحققت لم يكن إلا فردا مخصوصا لا تعدد فيه ولا اشتراك وإنما قبول التعدد والاشتراك في المفهوم الحاصل في العقل فإن قيل فيلزم أن لا يتعدد التعين لأن الوجود أمر واحد قلنا هو وإن كان واحدا بحسب المفهوم لكن تتعدد أفراده بحسب الأزمنة والأمكنة والمواد وسائر الأسباب فتتعدد التعينات وأعترض بأن الدور أن لا يفيد العلية فيجوز أن يكون الوجود ما معه التعين لا ما به التعين فإن قيل نحن نقطع بالتعين عند الوجود الخارجي مع قطع النظر عن جميع ما عداه قلنا قطع النظر عن الشيء لا يوجب انتفائه فعند الوجود لا بد من ماهية وأسباب فاعلية أو مادية وبالجملة أمر يستند إليه الوجود فيجوز أن يستند التشخص أيضا إليه ولو سلم فالوجود لا يقتضي إلا تعينا ما والكلام في التعينات المخصوصة فلا يثبت المط مالم يتبين أن وجود كل فرد يقتضي تعينه الخاص وذهبت الفلاسفة إلى أن التعين قد يستند إلى الماهية بنفسها أو بلوازمها كما في الواجب فينحصر في شخص والألزم تخلف المعلول عن علته لتحقق الماهية في كل فرد مع عدم تشخص الآخر وقد يستند إلى غيرها ولا يجوز أن يكون أمرا منفصلا عن الشخص لأن نسبته إلى كل الأفراد والتعينات على السواء ولا حالا فيه لأن الحال في الشخص لافتقاره إليه يكون متأخرا عنه ولكونه علة لتشخصه المتقدم عليه ضرورة أنه لا يصير هذا الشخص إلا بهذا التشخص يكون متقدما عليه وهو محال فتعين أن يكون محلا له وما ذكرنا من نسبة الحال والمحل إلى الشخص دون الماهية أو التشخص أقرب وأوفق بكلامهم والمراد بمحل الشخص معروضه في الأعراض ومادته في الأجسام ومتعلقه في النفوس على ما ذكروا من حدوث النفس بعد البدن وتعينها به فالعقول المجردة تستند تعيناتها إلى ماهياتها فينحصر كل في شخص لا إلى مجرد الإضافة كعقل الفلك الأول مثلا على ما قيل لأن هذه الإضافة متأخرة عن وجود الفلك المتأخر عن وجود العقل وتعينه والاستناد إلى المادة أعم من أن يكون بنفسها أو بواسطة ما فيها من الأعراض فلا يرد ما قيل أن غير المنفصل لا ينحصر فيما يكون حالا في الشخص أو محلا له لجواز أن يكون حالا في محله ولما اعترض بأن المادة التي يستند إليها الشخص تكون متشخصة لا محالة فتشخصها إما لماهيتها فلا تتعدد أفرادها أو للتشخص المعلول فيدور أو لمادة أخرى فيتسلسل أجيب بأنه لما فيها من الكميات والكيفيات والأوضاع وغير ذلك من الأعراض التي تتعاقب عليها بتعاقب الاستعدادات حتى لو ذهبت إلى غير النهاية لم يمتنع على ما هو رأيهم فيما لا يجتمع في الوجود كالحركات والأوضاع الفلكية وإذا استند التشخص إلى المادة تكثرت أفراد الماهية بتكثر المواد والمادة قابلة للتكثر بذاتها فلا تفتقر إلى قابل آخر وإنما تفتقر إلى فاعل يكثرها واعترض على ما ذكروا بعد تسليم مقدماته بأن تعين الأعراض الحالة التي في المادة إنما هو بتعين المادة على ما سيجيء فلو تعينت المادة بها كان دورا وأجيب بأن تعين المادة إنما هو بنفس الأعراض الحالة في المادة المعينة بتعين مالا بتعيناتها الحاصلة بتعين المادة وحاصله أن تعيناتها بتعينها وتعينها مع تعيناتها فلا يلزم الدور ولا حصول التشخص من انضمام الكلي إلى الكلي إلا أنه يرد عليه أنه إذا جاز ذلك فلم لا يجوز تكثر الماهية وتعين أفرادها بما لها من الصفات المتكثرة العارضة لها من غير لزوم مادة قال المنهج الثاني في الوجوب والامتناع والإمكان جعل الامتناع من لواحق الوجود والماهية نظرا إلى أن ضرورة سلب الوجود عن الماهية حال لهما أو إلى أنه من أوصاف الماهية المعقولة أو لكونه في مقابلة الإمكان أو لأن المراد بلواحقهما ما جرت العادة بالبحث عنه بعد البحث عنهما المبحث الأول قد تقرر في موضعه أن هل إما بسيطة يطلب بها وجود الشيء في نفسه أو مركبة يطلب بها وجود شيء لشيء فإذا نسب المفهوم إلى وجوده في نفسه أو وجوده لأمر حصل في العقل معان هي الوجوب والامتناع والإمكان لأن حمل الوجود على الشيء أو ربط الشيء بالشيء بواسطته قد يجب كما في قولنا الباري تعالى موجود والأربعة يوجد لها لزوجية وقد يمتنع كما في قولنا اجتماع النقيضين موجود والأربعة يوجد لها الفردية وقد يمكن كما في قولنا الإنسان موجود أو يوجد له الكتابة ولا خفاء في حصولها عند حمل العدم أو الربط بواسطته لكنه مندرج فيما ذكرنا من حمل الوجود أو الربط بواسطته لكونه أعم من الإيجابي والسلبي وتصورات هذه المعاني ضرورية حاصلة لمن لم يمارس طرق الاكتساب إلا أنها قد تعرف تعريفات لفظية كالوجود والعدم فيقال الوجوب ضرورة الوجود أو اقتضاؤه أو استحالة العدم والامتناع ضرورة العدم أو اقتضاؤه أو استحالة الوجود والإمكان جواز الوجود والعدم أو عدم ضرورتهما أو عدم اقتضاء شيء منهما ولهذا لا يتحاشى عن أن يقال الواجب ما يمتنع عدمه أو ما لا يمكن عدمه والممتنع ما يجب عدمه أو مالا يمكن وجوده والممكن مالا يجب وجوده ولا عدمه أو ما لا يمتنع وجوده ولا عدمه ولو كان القصد إلى إفادة تصور هذه المعاني لكان دورا ظهر أو ظهر هذه المفهومات الوجود لكونه تأكد الوجود الذي هو أعرف من العدم لما أنه يعرف بذاته والعدم يعرف بوجه ما بالوجود والنزاع في أن مفهوم الوجوب والإمكان وجودي أو عدمي مبني على اختلاف مفهومات الخواص التي باعتبارها يطلقان على الواجب والممكن وأما في الواجب فكاقتضاء الوجود بحسب الذات والاستغناء عن الغير وعدم التوقف عليه وما به يمتاز الواجب عن الممكن والممتنع وأما في الممكن فكالاحتياج إلى الغير والتوقف عليه وعدم الاستغناء عنه وعدم اقتضاء الوجود أو العدم أو ما به يمتاز الممكن عن الواجب والممتنع قال المبحث الثاني كل من الوجوب والامتناع قد يكون بالذات وقد يكون بالغير لأن ضرورة وجود الشيء أو لا وجوده في نفسه أو ضرورة وجود شيء لشيء آخر أو لا وجوده له إن كانت بالنظر إلى ذاته كوجود الباري وعدم اجتماع النقيضين ووجود الزوجية للأربعة وعدم الفردية لها فذاتي وإلا فغيري وهو وإن لم ينفك عن علة لكن قد ينظر إلى خصوص العلة كوجوب الحركة للحجر المرمي وامتناع السكون له وقد ينظر إلى وصف لذات الموضوع كوجوب حركة الأصابع للكاتب وامتناع سكونها له وقد ينظرإلى وقت له كوجوب الانخساف للقمر في وقت المقابلة المخصوصة وامتناعه في وقت التربيع وقد ينظر إلى ثبوت المحمول له كوجود الحركة للجسم المأخوذ بشرط كونه متحركا وامتناع السكون له حينئذ قال والموصوف بالذاتي يعني إذا أخذ الوجود محمولا فالموصوف بالوجوب الذاتي يكون واجب الوجود لذاته كالباري تعالى وبالامتناع الذاتي يكون ممتنع الوجود لذاته كاجتماع النقيضين وإذا أخذ رابطة بين الموضوع والمحمول فالموصوف بالوجوب الذاتي يكون واجب الوجود لموضوعه نظرا إلى ذات الموضوع كالزوجية للأربعة وبالامتناع الذاتي يكون ممتنع الوجود له نظرا إليه كالفردية للأربعة فلازم الماهية كالزوجية مثلا واجب الوجود لذاتها أي واجب الثبوت للماهية نظرا إلى نفسها لا واجب الوجود لذاته بمعنى اقتضائه الوجود بالذات ليلزم الحال وبهذا يسقط ما ذكر في المواقف من أن الوجوب والإمكان والامتناع المبحوث عنها ههنا غير الوجوب والإمكان والامتناع التي هي جهات القضايا وموادها وإلا لكانت لوازم الماهيات واجبة لذاتها وذلك لأنه إن أراد كونها واجبة لذات اللوازم فالملازمة ممنوعة أو لذات الماهيات فبطلان التالي ممنوع فإن معناه أنها واجبة الثبوت للماهية نظرا إلى ذاتها من غير احتياج إلى أمر آخر وكأنه يجعل بعض القضايا خلوا عن كون الوجود فيه محمولا أو رابطة كقولنا الإنسان كاتب ويمتنع أن يكون معناه أنه يوجد كاتبا أو توجد له الكتابة بل معناه أن ما صدق عليه هذا يصدق عليه ذاك أو يحمل والمحققون على أنه لا فرق بين قولنا يوجد له ذاك ويثبت ويصدق عليه ويحمل ونحو ذلك إلا بحسب العبارة وما ذكرنا هو الموافق لكلام المحقق في التجريد قال والإمكان ذاتي لا غير إذ لو كان غيريا لكان الشيء في نفسه واجبا أو ممتنعا أي ضروري الوجود أو العدم بالذات ثم يصير لا ضروري الوجود والعدم بالغير فيرتفع ما بالذات وهو محال بالضرورة وهذا معنى الانقلاب قال وقد يؤخذ بمعنى سلب ضرورة الوجود الإمكان بمعنى سلب ضرورة الوجود والعدم هو الإمكان الخاص المقابل للوجوب والامتناع بالذات وقد يؤخذ بمعنى سلب ضرورة الوجود فيقابل الوجوب ويعم الإمكان الخاص والامتناع فيصدق على الممتنع أنه ممكن العدم وقد يؤخذ بمعنى سلب ضرورة العدم فيقابل الامتناع ويعم الإمكان الخاص والوجوب فيصدق على الواجب أنه ممكن الوجود وهذا هو الموافق للغة والعرف ولهذا سمي بالإمكان العامي فإن العامة تفهم منه نفي الامتناع فمن إمكان الوجود نفي امتناع الوجود ومن إمكان العدم نفي امتناع العدم وقد سبق إلى كثير من الأوهام أن للإمكان العام مفهوما واحدا يعم الإمكان الخاص والوجوب والامتناع هو سلب ضرورة أحد الطرفين أعني الوجود والعدم وهو بعيد جدا إذ لا يفهم هذا المعنى من إمكان الشيء على الإطلاق بل إنما يفهم من إمكان وجوده نفي الامتناع ومن إمكان عدمه نفي الوجوب ولهذا يقع الممكن العام مقابلا للممتنع شاملا للواجب كما في تقسيم الكلي إلى الممتنع وإلى الممكن الذي أحد أقسامه أن يوجد منه فرد واحد مع امتناع غيره كالواجب وبهذا ينحل ما يقال على قاعدة كون نقيض الأعم أخص من نقيض الأخص من أنه لو صح هذا لصدق قولنا كل ما ليس بممكن عام ليس بممكن خاص لكنه باطل لأن كل ما ليس بممكن عام ليس بممكن خاص لكنه باطل لأن كل ما ليس بممكن خاص فهو إما واجب أو ممتنع وكل منهما ممكن عام فيلزم أن كل ما ليس بممكن عام فهو ممكن عام قال وقد يعتبر بالنظر إلى الاستقبال بمعنى جواز وجود الشيء في المستقبل من غير نظر إلى الماضي والحال وذلك لأن الإمكان في مقابلة الضرورة وكلما كان الشيء أخلى عن الضرورة كان أحق باسم الممكن وذلك في المستقبل إذ لا يعلم فيه حال الشيء من الوجود والعدم بخلاف الماضي والحال فإنه قد تحقق فيهما وجود الشيء أو عدمه ومنهم من اشترط في الممكن الاستقبال العدم في الحال لأن الوجود ضرورة فيجب الخلو عنه ورد بأن العدم أيضا ضرورة فيجب الخلو عنه أيضا وتحقيقه أنه ممكن في جانبي الوجود والعدم وكما أن الوجود يخرجه إلى جانب الوجود ويشترط الخلو عنه كذلك العدم يخرجه إلى جانب الامتناع فيلزم اشتراط الخلو عنه أيضا فيلزم ارتفاع النقيضين بل اجتماعهما والظاهر أن من اشترط ذلك أراد بالإمكان الاستقبالي إمكان حدوث الوجود وطريانه في المستقبل وهو إنما يستلزم إمكان عدم الحدوث لا إمكان حدوث العدم ليلزم اشتراط الوجود في الحال بل لو اعتبر الإمكان الاستقبالي في جانب العدم بمعنى إمكان طريان العدم وحدوثه يشترط الوجود في الحال من غير لزوم محال قال وقد يعتبر إشارة إلى الإمكان الاستعدادي وهو تهيؤ المادة لما يحصل لها من الصور والأعراض بتحقق بعض الأسباب والشرائط بحيث لا ينتهي إلى حد الوجوب الحاصل عند تمام العلة ويتفاوت شدة وضعفا بحسب القرب من الحصول والبعد عنه بناء على حصول الكثير مما لا بد منه أو القليل كاستعداد الإنسانية الحاصل للنطفة ثم للعلقة ثم للمضغة وكاستعداد الكتابة الحاصل للجنين ثم للطفل وهكذا إلى أن يتعلم وهذا الإمكان ليس لازما للماهية كالإمكان الذاتي بل يوجد بعد العدم بحدوث بعض الأسباب والشرائط ويعدم بعد الوجود لحصول الشيء بالفعل قال وعروض الإمكان يعني أن الماهية إذا أخذت مع وجودها أو وجود علتها كانت واجبة بالغير وإذا أخذت مع عدمها أو عدم علتها كانت ممتنعة بالغير وإنما يعرض لها الإمكان الصرف إذا أخذت لا مع وجودها أو عدمها أو وجود علتها أو عدمها بل اعتبرت من حيث هي هي واعتبرت نسبتها إلى الوجود فحينئذ يحصل من هذه المقايسة معقول هو الإمكان فالإمكان ينفك عن الوجوب بالغير والامتناع بالغير بحسب التعقل بأن لا يلاحظ للماهية ولا لعلتها وجود أو عدم لا بحسب التحقق في نفس الأمر لأن كل ممكن فهو إما موجود فيكون واجبا بالغير أو معدوم فيكون ممتنعا بالغير اللهم إلا على رأي من يثبت الواسطة قال والغيريان يعني أن الوجوب بالغير والامتناع بالغير يتشاركان في اسم الضرورة إلا أن الأول ضرورة الوجود والثاني ضرورة العدم وهذا معنى تقابل المضاف إليه وإذا أخذ الوجوب والامتناع متقابلي المضاف إليه بأن يضاف أحدهما إلى الوجود والآخر إلى العدم صدق كل منهما على ما صدق عليه الآخر بطريق الاشتقاق بمعنى أن كل ما يجب وجوده بالغير يمتنع عدمه بالغير وبالعكس وكل ما يجب عدمه بالغير يمتنع وجوده بالغير وبالعكس وإذا أضيف كل منهما إلى الوجود أو إلى العدم امتنع صدق أحدهما على الآخر إذ لا شيء مما يجب وجوده يمتنع وجوده ولا شيء مما يجب عدمه يمتنع عدمه وهو ظاهر فبينهما لمنع الجمع دون الخلو إذ لا يصدق شيء منهما على الواجب بالذات أو الممتنع بالذات لكن جزء هذه المنفصلة المانعة الجمع أعني قولنا إما أن يكون الشيء واجبا بالغير أو ممتنعا بالغير مما يجوز انقلاب أحدهما إلى الآخر بأن ينعدم الموجود الواجب بالغير لانتفاء علته فيصير ممتنعا بالغير ويوجد الممتنع المعدوم بالغير لحصول علته فيصير واجبا بالغير بخلاف الوجوب الذاتي والامتناع الذاتي فإن بينهما أيضا منع الجمع ضرورة امتناع كون الشيء واجبا وممتنعا بالذات دون الخلو لارتفاعهما عن الممكن لكن يمتنع انقلاب أحدهما إلى الآخر لأن ما بالذات لا يزول وكذا بين الوجوب بالذات والوجوب بالغير وبين الامتناع بالذات والامتناع بالغير منع الجمع دون الخلو مع امتناع الانقلاب أما منع الجمع فلأن الواجب بالغير أو الممتنع بالغير لا يكون إلا ممكنا وهو ينافي الواجب بالذات أو الممتنع بالذات ولأنهما لو اجتمعا لزم توارد العلتين المستقلتين أعني الذات والغير على معلول واحد هو الوجود أو العدم وأما عدم منع الخلو فلارتفاع الوجوب بالذات والوجوب بالغير عن الممتنع بالذات أو بالغير وارتفاع الامتناع بالذات والامتناع بالغير عن الواجب بالذات أو بالغير وأما امتناع الانقلاب فظاهر وقد يستدل على امتناع كون الواجب بالذات واجبا بالغير بأنه لو كان كذلك لارتفع بارتفاع الغير فلم يكن واجبا بالذات وفيه نظر لأنا لا نسلم أنه لو كان واجبا بالغير لارتفع بارتفاعه وإنما يلزم لو لم يكن واجبا بالذات وهو ظاهر وبين الإمكان والوجوب الذاتي والامتناع الذاتي انفصال حقيقي بمعنى أن كل مفهوم فهو إما واجب أو ممتنع أو ممكن لأنه إما أن يكون ضروري الوجود أو لا والثاني إما أن يكون ضروري العدم أو لا فالثلاثة لا تجتمع ولا ترتفع وهذان في التحقيق منفصلتان كل منهما مركبة من الشيء ونقيضه وكذا كل منفصلة تكون من أكثر من جزئين فهي متعددة على ما تقرر في موضعه والاعتراض بضروري الوجود والعدم ليس بشيء لأنه مفهوم إذا لاحظه العقل لم يكن إلا ضروري العدم وهذا كما يقال على قولنا كل مفهوم إما ثابت أو منفي يفرض مفهوما هو ثابت ومنفي فيجتمعان أو ليس بثابت ولا منفي فيرتفعان فنقول هذا المفهوم منفي لا غير وفيما بين الواجب والممتنع والممكن الانقلاب محال لأن ما بالذات لا يزول فإن قيل لم لا يجوز أن يخلتف مقتضى الذات بحسب الأوقات قلنا لأنه حينئذ لا يكون مقتضى الذات بل مع دخل للأوقات فإن قيل الحادث ممتنع في الأزل لأن الأزلية تنافي الحدوث ثم ينقلب ممكنا فيما لا يزال وكون الحادث مقدورا ممكن قبل وجوده ثم ينقلب بعد وجوده ممتنعا ضرورة امتناع القدرة على تحصيل الحاصل أجيب عن الأول بأن قولكم في الأزل إن كان قيدا للحادث فلا نسلم أنه يصير ممكنا فيما لا يزال بل الحادث في الأزل ممتنع أزلا وأبدا وإن كان قيدا للممتنع فلا نسلم أن الحادث ممتنع في الأزل بل هو ممكن أزلا وأبدا فأزلية الإمكان ثابتة للحادث وإمكان الأزلية منتف عنه دائما ولا انقلاب أصلا وعن الثاني بأنا لا نسلم أن مقدورية الشيء بعد وجوده تصير ممتنعة بالذات بل إنما تمتنع بالغير لمانع هو الحصول حتى لو ارتفع لبقي مقدورا كما كان قال المبحث الثالث إذا جعل الوجود رابطة بين الموضوع والمحمول فالكيفية الحاصلة لتلك النسبة من الوجوب والامتناع والإمكان كما في قولنا الإنسان حيوان أو حجر أو كاتب من حيث أنها الثابتة في نفس الأمر تسمى مادة القضية ومن حيث أنها تتعقل أو تتلفظ تسمى جهة القضية سواء طابقت المادة بأن تكون نفسها كقولنا الإنسان حيوان بالوجوب وحينئذ تصدق القضية أو لم تطابقها بأن تكون أعم منها أو أخص أو مباينا وح قد تصدق القضية كقولنا الإنسان حيوان بالإمكان العام وقد تكذب كقولنا الإنسان حيوان بالإمكان الخاص وإنما لم يقتصروا على المواد بل تجاوزوا إلى الجهات بما لها من التفاصيل لأن الغرض من معرفة القضايا تركيب الأقيسة لاستخراج النتائج وهي لا تحصل من المقدمات بحسب موادها الثابتة في نفس الأمر بل بحسب جهاتها المعتبرة عند العقل ثم كلامهم متردد في أن المعتبر في المادة هو الربط الإيجابي حتى تكون مادة نسبة الحيوان إلى الإنسان هو الوجوب سواء قلنا الإنسان حيوان أو ليس بحيوان أو أعم من الإيجابي والسلبي حتى تكون المادة في قولنا الإنسان حيوان هو الوجوب وفي قولنا الإنسان ليس بحيوان هو الامتناع والأظهر الأول ثم المحققون على أن في كل قضية الوجود واللاوجود رابطة والوجوب والامتناع والإمكان جهة سواء صرح بها أو لم يصرح وسواء كان المحمول أحد هذه الأمور أو غيرها حتى أن قولنا الباري تعالى واجب وموجود في معنى يوجد واجبا ويوجد موجودا وقولنا اجتماع النقيضين ممتنع ومعدوم في معنى يوجد ممتنعا ومعدوما أو لا يوجد ممكنا وموجودا وقولنا الإنسان ممكن وموجود في معنى يوجد ممكنا وموجودا فإذا كان المحمول أحد هذه الأمور تتعدد الاعتبارات أي يعتبر وجود هو المحمول وآخر هو الرابطة ووجوب أو امتناع أو إمكان هو المحمول وآخر هو الجهة وتكون نسبة كل من الوجوب والامتناع والإمكان إلى موضوعاتها بالوجوب إذا أخذت ذاتية وإذا أخذ الوجوب والامتناع غير بين فبالإمكان وممكن الوجود لغيره يجب أن يكون ممكن الوجود في نفسه وممكن الوجود في نفسه قد يجب وجوده للغير كلوازم الماهية وقد يمتنع كالذوات المستقلة وقد يمكن كسواد الجسم وهذا معنى قولنا كل ممكن الوجود لغيره ممكن الوجود في نفسه من غير عكس قال المبحث الرابع لا خفاء في أن امتناع اعتبار عقلي وكذاالوجوب والإمكان عند المحققين لأن الوجوب مثلا لو كان موجودا لكان واجبا ضرورة أنه لو كان ممكنا لكان جائز الزوال نظرا إلى ذاته فلم يبق الواجب واجبا وهو محال لما سبق من امتناع الانقلاب والواجب ما له الوجوب فينقل الكلام إلى وجوبه ويلزم التسلسل في الأمور المرتبة الموجودة معا وهو محال وكذا الإمكان ولما كان هذا الدليل بعينه جاريا في الوجود والبقاء والقدم والحدوث والوحدة والكثرة والتعين والموصوفية واللزوم ونحو ذلك جعله صاحب التلويحات قانونا في ذلك فقال كل ما يكون نوعه متسلسلا ومترادفا أي كل ما يتكرر نوعه بحيث يكون أي فرد يفرض منه موصوفا بذلك النوع فيكون مفهومه تارة تمام حقيقته محمولا عليه بالمواطأة وتارة وصفا عارضا به محمولا عليه بالاشتقاق يلزم أن يكون اعتباريا لئلا يلزم التسلسل في الأمور الموجودة ولهذا لم تكن الأمور الموجودة متصفة بمفهوماتها فلم يكن السواد أسود والعلم عالما والطول طويلا ونحو ذلك فإن قيل لم لا يجوز أن يكون وجوب الوجوب مثلا عينه ونفس ماهيته لا أمرا زائدا عليه قائما به كبياض الجسم ليلزم التسلسل وكذا البواقي قلنا لأنه لو كان كذلك لكان محمولا عليه بالمواطاة ضرورة واللازم باطل لأن الوجوب إذا كان واجبا كان حمل الوجوب عليه بالاشتقاق دون المواطأة لأنه لا معنى للواجب إلا ما له الوجوب وأما إذا أريد أن الوجود موجود بمعنى أنه وجود والوجوب واجب بمعنى أنه وجوب والإمكان ممكن بمعنى أنه إمكان إلى غير ذلك فلم يكن له فائدة ولم يتصور فيه نزاع نعم يصح ذلك في الأمور الاعتبارية بأن يعتبر العقل له أوصافا متعددة تنقطع بانقطاع الاعتبار من غير تعدد في الخارج وقدره في المطارحات بوجه آخر يندفع عنه هذا المنع وهو أن الوجوب والإمكان والوجود والوحدة والكثرة والتعين ونحو ذلك حالها واحد في أنها أمور موجودة عندكم اعتبارية عندنا وكل موجود فله وحدة وتعين ووجوب أو إمكان وقدم أو حدوث فلو كان الإمكان مثلا موجودا لكان له وحدة موجودة لها إمكان موجود له وحدة موجودة وهلم جرا فيلزم التسلسل في وحدات الإمكان وإمكانات الوحدة التي هي أمور مترتبة مجتمعة في الوجود مع القطع بأن ليست الوحدة نفس الإمكان وكذا يلزم سلسلة من وجودات الإمكان وإمكانات الوجود وأخرى من تعينات الإمكان وإمكانات التعين وعلى هذا فقس ولما كان ههنا مظنة إشكال وهو أنا قاطعون بأن الباري تعالى موجود وواجب ومتعين وواحد وقديم وباق في الخارج لا في الذهن فقط وكذا إمكان الإنسان وحدوثه وكثرته ونحو ذلك أشار إلى الجواب بأن هذا لا يقتضي كون الوجوب والإمكان وغيرهما أمورا متحققة في الخارج لها صور عينية قائمة بالموضوعات كبياض الجسم لأن معنى قولنا الباري تعالى واجب في الخارج أنه بحيث إذا نسبه العقل إلى الوجود حصل له معقول هو الوجوب ومعنى قولنا الإنسان ممكن أنه إذا نسبه إلى الوجود حصل له معقول هو الإمكان ومعنى قولنا الشيء متعين أو واحد أو كثير أو قديم أو حادث في الخارج أنه بحيث إذا نسبه العقل إلى هذه المفهومات كانت النسبة بينهما الإيجاب لا السلب وهذا ما يقال أن انتفاء مبدأ المحمول في الخارج لا يوجب انتفاء الحمل في الخارج كما في قولنا زيد أعمى ( قال وقد يستدل ) كون الامتناع وصفا اعتباريا لا تحقق له في الأعيان مما لا نزاع فيه ولا حاجة إلى الاستدلال وأما الوجوب والإمكان فقد استدل على كونهما اعتباريين بوجوه
الأول أنهما لو كانا موجودين لما صدقا على المعدوم ضرورة امتناع قيام الصفة الموجودة بالمعدوم واللازم باطل لأن الممتنع واجب العدم والمعدوم الممكن ممكن الوجود والعدم ومبناه على أن كلا من الوجوب والإمكان مفهوم واحد يضاف تارة إلى الوجود وأخرى إلى العدم ومع ذلك فقد اعترض بأن انتفاء بعض جزئيات المفهوم لا ينافي كونه وجوديا يوجد منه بعض الجزئيات كسائر الكليات الثاني لو كان الوجوب موجودا لزم إمكان الواجب وهو محال بالضرورة بيان اللزوم من وجهين أحدهما أن الوجوب إذا كان وصفا قائما موجودا بالواجب كان محتاجا إلى موصوفه ضرورة وكل محتاج إلى الغير فهو ممكن وكل ممكن فهو جائز الزوال نظرا إلى نفسه وإن كان لازم الوجود نظرا إلى غيره وزوال الوجوب عن الموجود يستلزم إمكانه ضرورة وثاينهما أن واجبية الواجب تكون للوجوب الممكن في نفسه ضرورة احتياجه إلى الموصوف وما يكون واجبيته لأمر ممكن لا يكون واجبا لذاته بل ممكنا بطريق الأولى لأن المحتاج إلى الواجب ممكن فكيف إلى الممكن والجواب أنا لا نسلم أن الوجوب ما به الواجبية بل نفسها وأن الوجوب على تقدير إمكانه يكون جائز الزوال في نفسه وإنما يكون كذلك لو لم يكن مقتضى ذات الواجب كالوجود ولا معنى للواجب إلا ما يكون وجوده ووجوبه وسائر صفاته لذاته وإن سميت كلا منها ممكنا في نفسه وأما الجواب بأن وجوب الواجب نفسه لا وصف له فضعيف لأن المتنازع هو الوجوب بمعنى ضرورة الوجود واقتضائه ولا خفاء في أنه إذا كان أمرا محققا موجودا كان زائدا في الذهن والخارج جميعا الثالث أن الوجوب لو كان موجودا لكان ممكنا لما مر فيحتاج إلى سبب متقدم عليه بالوجود والوجوب ضرورة أن الشيء مالم يكن موجودا واجبا بالذات أو بالغير لم يصلح سببا لوجود شيء آخر فذلك الوجوب إن كان نفس هذاالوجوب لزم تقدم الشيء على نفسه وإن كان غيره ينقل الكلام إليه ويتسلسل وفي هذاالتقرير دفع لما يقال أن وجوب الواجب بذات الواجب لا بوجوبه الرابع لو كان الإمكان موجودا وهو وصف عارض للممكن لزم تقدم وجود الممكن على الإمكان ضرورة تقدم المعروض على العارض ولو بالذات واللازم باطل للقطع بصحة قولنا أمكن فوجد دون العكس والجواب بأنه من عوارض الماهية دون الوجود فلا يلزم إلا تقدم الماهية بمعنى الاحتياج إليها مدفوع بأن المتنازع هو الإمكان الذي هو نسبة بين الممكن ووجوده فيكون متأخرا عنهما الخامس أن الإمكان لو كان موجودا لزم قيامه بالمعدوم أو بغير ما هو موصوف بالإمكان واللازم ضروري البطلان وجه اللزوم أن إمكان الشيء من أوصافه الذاتية ولا بد للوصف من محل يقوم به فقبل وجود الممكن يكون قيامه إما بالممكن المعدوم وهو الأمر الأول أو بغيره وهو الثاني والجواب أن الوصف الذاتي ما يكون مقتضى الذات ولا يلزم من كونها موجودة أن يوجد قبل الذات السادس أن الإمكان نسبة بين الممكن ووجوده فيكون متأخرا عنهما فقبل تحققه يكون الممكن إما واجبا أو ممتنعا وبعده يصير ممكنا وهو معنى الانقلاب فإن قيل فعلى تقدير كونه اعتباريا أيضا يكون متأخرا ويلزم المحال قلنا إذا لم يكن له تحقق في الخارج لم يكن بينه وبين الماهية تقدم وتأخر إلا بحسب العقل بمعنى أنه إذا لاحظ العقل الماهية والوجود والنسبة بينهما حصل له معقول عارض للماهية هو الإمكان من غير لزوم انقلاب لأن الماهية دائما بهذه الحيثية قال احتج المخالف قد سبقت إشارة إلى الفرق بين الموجود والوجودي والاعتباري والعدمي والتمسكات السابقة إنما دلت على أن ليس الوجوب والإمكان أمرين موجودين في الخارج من غير دلالة على كونهما وجوديين أو عدميين وتمسكات المخالف إنما تدل على أنهما ليسا عدميين من غير دلالة على كونهما موجوديين أو اعتباريين فالظاهر أنهما لم يتواردا على محل واحد إلا أنا اقتفينا أثر القوم
فالوجه الأول من تمسكات المخالف وهو مختص بالوجوب أنه لو كان عدميا لزم كون العدم مؤكدا للوجود ومقتضيا لثباته ضرورة أن الوجوب تأكد الوجود واقتضاؤه واللازم باطل لأن العدم مناف للوجود فكيف يؤكده والجواب أنه ليس عدما محضا ليس له شائبة الوجود بل هو أمر اعتباري مفهومه ضرورة الوجود واقتضاؤه فيصلح مؤكدا له الثاني أن الوجوب والإمكان لو كانا عدميين لزم ارتفاع النقيضين لأن نقيضيهما أعني اللاوجوب واللاإمكان أيضا عدميان لصدقهما على الممتنع مع القطع بأن الوجودي لا يصدق على المعدوم وكون النقيضين عدميين هو معنى ارتفاعهما والجواب أن صدق الشيء على المعدوم لا ينافي كونه مفهوما يوجد بعض أفراده كاللاإنسان الصادق على الممتنع وعلى الفرس ونحن لا نعنى بالموجود والوجودي ما يكون جميع أفراده الممكنة موجودة البتة ولو سلم فلا نسلم استحالة كون النقيضين عدميين كيف وهو واقع كالامتناع واللاامتناع والعمى واللاعمى وما ذكر من أنه ارتفاع النقيضين ممنوع بل معنى ارتفاع النقيضين في المفردات أن لا يصدقا على شيء حتى لو لم يصدق الوجوب واللاوجوب على شيء بل كانا مسلوبين عنه كان ذلك ارتفاعا للنقيضين وليس معناه خلو النقيضين عن الوجود والثبوت في نفسهما بأن يكون الامتناع معدوما وكذا اللاامتناع لصدقه على المعدوم الممكن فإن استحالة ذلك ممنوعة نعم ارتفاع النقيضين في القضايا هو أن لا تصدق القضيتان المتناقضتان في أنفسهما ولا يثبت مدلولاهما بأن يكذب قولنا هذا ممكن وهذا ليس بممكن وهذا كسائر النسب من المساواة والعموم والخصوص والمباينة فإنها في المفردات تكون باعتبار صدقها على الشيء وفي القضايا باعتبار صدقها في نفسها وثبوت مدلولاتها مثلا إذا قلنا الإنسان أخص من الحيوان فمعناه أن كل ما صدق عليه الإنسان صدق عليه الحيوان من غير عكس وإذا قلنا الضرورية أخص من الدائمة فمعناه أنه كلما صدقت الضرورية في نفس الأمر صدقت الدائمة من غير عكس بمعنى أن كل موضوع ومحمول يصدق بينهما الإيجاب الضروري يصدق بينهما الإيجاب الدائمي وليس كل موضوع ومحمول يصدق بينهما الإيجاب الدائمي يصدق بينهما الإيجاب الضروري الثالث لو كان الوجوب والإمكان عدميين لا تحقق لهما إلا بحسب العقل لزم أن لا يكون الواجب واجبا والممكن ممكنا إلا عند فرض العقل واعتباره وصفي الوجود والإمكان لأن ما لا تحقق له إلا باعتبار العقل لا يقع وصفا للشيء إلا باعتباره واللازم باطل للقطع بأن الواجب واجب والممكن ممكن سواء وجد فرض العقل أو لم يوجد والجواب أنا لا نسلم الملازمة لجواز أن يكون المحمول مما لا تحقق له إلا في العقل ويكون صدقه على الموضوع دائما بل ضروريا في نفس الأمر كقولنا اجتماع النقيضين معدوم وممتنع فإن هذا الحكم ضروري صادق في نفس الأمر مع أنه لا تحقق للعدم والامتناع إلا بحسب العقل فكذا ههنا الوجوب والإمكان عدميان والحكم بأن الشيء واجب أو ممكن ضروري بمعنى أنه في نفس الأمر بحيث إذا نسبه العقل إلى الوجود حصل معقول هو الوجوب أو الإمكان
الرابع أنهما لو كانا عدميين لزم سلب الوجوب عن الواجب والإمكان عن الممكن بحسب الخارج سواء وجد اعتبار العقل أو لم يوجد لأن العدم في نفسه عدم بالنسبة إلى كل شيء وهذا معنى قولهم إمكانه لا في معنى لا إمكان له والجواب المنع فإن معنى قولنا إمكانه لا أن ذلك الوصف الصادق على الموضوع عدمي ومعنى لا إمكان له أنه لا يصدق عليه ذلك الوصف كما صدق العدم والامتناع فإن بنى ذلك على أنه لا تمايز في الإعدام أجيب بأن التمايز العقلي ضروري وهو كاف فإن قيل ثبوت الشيء للشيء فرع ثبوته في نفسه فما لا يكون ثابتا في نفسه لا يكون ثابتا لغيره قلنا نعم بمعنى حصوله للشيء في الخارج كبياض الجسم وأما بمعنى الحمل على الشيء والصدق عليه كما في قولنا زيد أعمى والعنقاء لا موجود واجتماع النقيضين ممتنع فلا فإن الأوصاف الصادقة على الشيء بعضها ثبوتية وبعضها سلبية قال المبحث الخامس من خواص الممكن أنه يحتاج في وجوده وعدمه إلى سبب وأنه لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح ولتلازم هذين المعنيين بل لتقارب مفهوميهما جدا قد يجعل الثاني تفسيرا للأول والجمهور على أن هذا الحكم ضروري بعد تلخيص معنى الموضوع والمحمول من غير أن يفتقر إلى برهان فإن معنى الممكن مالا يقتضي ذاته وجوده ولا عدمه ومعنى الاحتياج أن كلا من وجوده وعدمه يكون لا لذاته بل لأمر خارج فإن قيل يحتمل أن لا يكون لذاته ولا لأمر خارج بل لمجرد الاتفاق قلنا هذا مما يظهر بطلانه بأدنى التفات ولهذا يحكم به من لا يتأتى منه النظر والاستدلال ثم اختلاف البعض في نفس الحكم أو في بداهته والتفاوت بينه وبين قولنا الواحد نصف الاثنين لا ينافي البداهة على ما سبق وأما ما ذهب إليه الكثيرون من أن الله تعالى خلق العالم في وقت دون سائرالأوقات من غير مرجح وخصص أفعال المكلفين بأحكام مخصوصة من غير أن يكون فيها ما يقتضي ذلك وأن قدرة القادر قد تتعلق بالفعل أو الترك من غير مرجح فليس من ترجح الممكن بلا مرجح بل من ترجيح المختار أحد المتساويين من غير مرجح ونحن لا نقول بامتناعه فضلا عن أن يكون ضروريا وإلى هذا يستند عندنا اختلاف حركات الكواكب ومواضعها وأوضاعها وأما الفلاسفة القائلون بالإيجاب دون الاختيار فلا يلتزمون وقوع تلك الاختلافات والاختصاصات بلا سبب بل يعترفون باستنادها إلى أسباب فاعلية لا اطلاع على تفاصيلها ففي الجملة لم يقل أحد ممن يعتد به بوقوع الممكن بلا سبب قال والاستدلال القائلون بأن الحكم بامتناع الترجح بلا مرجح كسبي استدلوا عليه بوجهين الأول أن الإمكان يستلزم تساوي الوجود والعدم بالنسبة إلى ذات الممكن وهذا معنى اقتضاء ماهية الممكن لتساوي الطرفين ووقوع أحدهما بلا مرجح يستلزم رجحانه وهما متنافيان والجواب أن التساوي بالنظر إلى الذات إنما ينافي الرجحان بحسب الذات وهو غير لازم فإن قيل الترجح إذا لم يكن بالغير كان بالذات ضرورة أنه لا ثالث قلنا نفس المتنازع لجواز أن يقع بحسب الاتفاق من غير سبب
الثاني أن الممكن مالم يترجح لم يوجد وترجحه أمر حدث بعد أن لم يكن فيكون وجوديا ولا بد له من محل وليس هو الأثر لتأخره عن الترجح فيكون هو المؤثر لعدم الثالث فلا بد منه والجواب أن الترجح مع الوجود لا قبله إذ لا يتصور رجحان الوجود مع كون الواقع هو العدم ولو سلم فقيام ترجح وجود الممكن أو عدمه بالمؤثر ضروري البطلان والمذكور في كلام الإمام مكان الترجح الوجوب وهما متلازمان بناء على أن أحد الطرفين يمتنع وقوعه مع التساوي فكيف مع المرجوحية فالراجح لا يكون إلا واجبا وهذا الوجوب متقدم على الوجود على ما سيجيء من أن وجود الممكن محفوف بوجوبين سابق ولاحق وهو نسبة بين المؤثر والأثر يسمى من حيث الإضافة إلى المؤثر إيجابا وإلى الأثر وجوبا فمنع سبقه على الوجود وكونه وصفا للمؤثر ليس بسديد سيما وقد قال الإمام في المباحث المشرقية أنه على تقدير كونه ثبوتيا فمعنى عروضه للمؤثر أنه يصير محكوما عليه بوجوب أن يصدر عنه ذلك الأثر فالأولى منع كونه أمرا محققا مفتقرا إلى ما يقوم به في الخارج بل هو أمر عقلي قائم بالمتصور من الممكن عند الحكم بحدوثه قال ومن أقوى شبه المنكرين ذكر الإمام من جانب المنكرين لامتناع وقوع الممكن بلا سبب كذيمقراطيس وأتباعه القائلين بأن وجود السموات بطريق الاتفاق شبها منها أنه لو احتاج الممكن إلى مؤثر فتأثيره فيه إما أن يكون حال وجوده وهو إيجاد للموجود وتحصيل للحاصل أو حال عدمه وهو جمع بين النقيضين أعني العدم الذي كان والوجود الذي حصل وما ذكر في المواقف من أن كون التأثير حال العدم باطل لأنه جمع بين النقيضين ولأن العدم نفي صرف فلا يصلح أثرا ولأنه مستمر فلا يستند إلى مؤثر الوجود ليس على ما ينبغي لأن الكلام في التأثير بمعنى الإيجاد وإلا لما صح أن التأثير حال الوجود إيجاد الموجود وحال العدم جمع النقيضين على أن الوجه الثالث ليس بتام لأن العدم ربما يكون حادثا لا مستمرا لا يقال في الكلام اختصار والمراد أن التأثير أعم من الإيجاد والأعدام إما حال الوجود وهو باطل لأنه إيجاد الموجود ولأن العدم نفي محض وأما حال العدم وهو باطل لأنه جمع النقيضين ولأن العدم نفي محض لأنا نقول لو أريد ذلك لم يكن لقوله فلا يستند معنى الوجود إلى مؤثر لأن العدم على تقدير كونه أثرا إنما يستند إلى مؤثر العدم لا الوجود وبهذا تبين أن ليس قوله ولأنه نفي محض أو قوله ولأنه مستمر ابتداء شبهة على نفي التأثير بمعنى أن الممكن لو احتاج إلى مؤثر في وجوده لاحتاج إليه في عدمه وهو باطل لأنه نفي محض ولأنه مستمر كيف وقد أورد بعد ذلك هذه الشبهة بعينها والمذكور في كلام الإمام أن التأثير حال العدم باطل لأنه لا أثر حينئذ فلا تأثير لأنه إما عين الأثر أو ملزومه بناء على كون المعلول متأخرا عن العلة مع العلة بحسب الزمان والجواب أنا نختار أن التأثير حال الوجود فإن أريد بإيجاد الموجود الموجود بالوجود الحاصل بهذا الإيجاد فلانم استحالته كما في القابل فإن السواد قائم بالجسم الأسود بهذا السواد وإن أريد بوجود آخر سابق فلانم لزومه فإن الوجود الحاصل بالتأثير مقارن له وقد يختار أن التأثير حال العدم ولا جمع بين النقيضين لأن الأثر عقيب آن التأثير بناء على أن المؤثر سابق على الأثر بالزمان أيضا ومعنى امتناع التخلف أنه لا يتخللهما آن وكان هذا مراد من أجاب بأن وجود المؤثر يستتبع وجود الأثر على معنى أن وجود الأثر يحصل عقيب وجود المؤثر بصفة المؤثرية وهو معنى التأثير فيكون في آن عدم الأثر ويكون معنى تأثيره في الممكن إخراجه من العدم إلى الوجود ومنها أنه لو امتنع وقوع الممكن بلا مؤثر وترجحه بلا مرجح لما وقع واللازم باطل بحكم الضرورة في مثل العطشان يشرب أحد المائين والجائع يأكل أحد الرغيفين والهارب من السبع يسلك أحد الطريقين مع فرض التساوي وعدم المرجح والجواب بعد تسليم عدم المرجح عند العقل أصلا أن هذا ليس من وقوع الممكن بلا سبب وترجح أحد طرفيه بلا مرجح بل من ترجيح المختار أحد الأمرين المتساويين من غير مرجح ومخصص وهو غير المتنازع فإن قيل هذا الاختيار والترجيح أمر ممكن وقع بلا سبب وفيه المطلوب قلنا ممنوع بل إنما وقع بالإرادة التي من شأنها الترجيح والتخصيص ومنها أنه لو احتاج الممكن في وجوده إلى المؤثر لاحتاج إليه في عدمه لتساويهما واللازم باطل لأن العدم نفي محض لا يصلح أثرا والجواب أن العدم إن لم يصلح أثرا منعنا الملازمة لجواز أن يتساوى الوجود والعدم بالنظر إلى ذات الممكن لكن لا يحتاج العدم إلى المؤثر لعدم صلوحه لذلك بخلاف الوجود فإن المقتضى فيه سالم عن المانع وإن صلح أثرا منعنا بطلان اللازم وهو ظاهر وتحقيقه أنه وإن كان نفيا صرفا بمعنى أنه ليس له شائبة الوجود العيني لكن ليس نفيا صرفا بمعنى أن لا يضاف إلى ما يتصف بالوجود بل هو عدم مضاف إلى الممكن الوجود فيستند إلى عدم علة وجوده بمعنى احتياجه إليه عند العقل حيث يحكم بأنه إنما بقي على عدمه الأصلي أو اتصف بعدمه الطاري بناء على عدم علة وجوده مستمرا أو طارئا فإن قيل العدم لا يصلح علة لأن العلة وجودية لكونها نقيض اللاعلية العدمية فيفتقر إلى موصوف وجودي ولأنه لا تمايز في الأعدام فلا يصلح بعضها علة وبعضها معلولا قلنا مجرد صورة السلب أو الصدق على المعدوم في الجملة لا يقتضي كون المفهوم الكلي عدميا بجميع جزئياته ولو سلم فنقيض العدمي لا يلزم أن يكون وجوديا وقد سبق مثل ذلك وعدم تمايز الأعدام ممنوع والتحقيق أن تساوي طرفي الممكن ليس إلا في العقل فالمرجح لا يكون إلا عقليا وعدم العلة أو عدم الممكن ليس نفيا صرفا بل كل منهما ثابت في العقل ممتاز عن الآخر فيصلح أحدهما علة للآخر في حكم العقل ولا يلزم منه صلوح عليته للوجود ليلزم انسداد باب إثبات الصانع لأن ذلك إنما يكون بحسب الخارج ومنها أن الممكن لو احتاج إلى مؤثر فتأثيره إما في ماهية الممكن أو وجوده أو موصوفيته بالوجود إذ لا يعقل غير ذلك والكل باطل لما مر في نفي شيئية المعدوم ومجعولية الماهية من أن الماهية ماهية والوجود وجود والموصوفية موصوفية سواء وجد الغير أو لم يوجد وأن الوجود حال لا تأثير فيه وأن الموصوفية أمر اعتباري لا تحقق له في الأعيان والجواب أن التأثير في الماهية بأن يجعلها متحققة لا بأن يجعلها ماهية أو في الوجود الخاص بأن يحصله للماهية لا بأن يجعله وجودا ومنها أنه لو وجدت مؤثرية المؤثر في الممكن أو احتياج الممكن إليه لكان كل منهما أمرا ممكنا له مؤثر واحتياج ويتسلسل ولا يندفع بأن مؤثرية المؤثر في الممكن واحتياج الاحتياج عينه لأن ذلك يمتنع في الأمور التي بها تحقق في الأعيان والجواب أن كون المؤثرية أو الاحتياج اعتباريا لا ينافي كون المؤثر مؤثرا والممكن محتاجا على ما سبق غير مرة وما يقال من أنه لو حصل في العقل دون الخارج كان جهلا لانتفاء المطابقة وأن كلا منهما صفة قبل الأذهان فيستحيل قيامها بالذهن فجوابه أن عدم المطابقة للخارج إنما يكون جهلا إذا حكم العقل بالثبوت في الخارج ولم يثبت وأن الحاصل قبل الأذهان هو كون الشيء بحيث إذا تعقله الذهن حصل فيه معقول هو المؤثرية أو الحاجة قال المبحث السادس قد سبق أن الممكن محتاج إلى السبب إلا أن ذلك عند الفلاسفة وبعض المتكلمين لإمكانه وعند قدماء المتكلمين لحدوثه وقيل لإمكانه مع الحدوث وقيل بشرط الحدوث احتجت الفلاسفة على دعواهم بأن العقل إذا لاحظ كون الشيء غير مقتضي الوجود أو العدم بالنظر إلى ذاته حكم بأن وجوده أو عدمه لا يكون إلا بسبب خارج وهو معنى الاحتياج سواء لاحظ كونه مسبوقا بالعدم أو لم يلاحظ واحتجوا على إبطال مذهب المخالف بأن الحدوث وصف للوجود ومتأخر عنه لكونه عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم والوجود متأخر عن تأثير المؤثر وهو عن الاحتياج إليه وهو عن علة الاحتياج وجزئها وشرطها فلو كان الحدوث علة للاحتياج أو جزءها أو شرطها لزم تأخر الشيء عن نفسه بمراتب وعارضهم بعض المتكلمين فقالوا سبب الاحتياج هو الحدوث لأن الفعل إذا لاحظ كون الشيء مما يوجد بعد العدم حكم باحتياجه إلى علة تخرجه من العدم إلى الوجود وإن لم يلاحظ كونه غير ضروري الوجود والعدم ولا يجوز أن يكون هو الإمكان لأنه كيفية لنسبة الوجود إلى الماهية فيتأخر عن الوجود المتأخر عن التأثير المتأخر عن الاحتياج إلى المؤثر والحق أن هذه العلة إنما هي بحسب العقل بمعنى أنه يلاحظ الإمكان أو الحدوث فيحكم بالاحتياج كما يقال علة الحصول في الحيز هو التحيز لا بحسب الخارج بأن يتحقق الإمكان أو الحدوث فيوجد الاحتياج وبهذا يظهر أن كلام الفريقين في الإبطال مغالطة وأما في الإثبات فكلام المتأخرين أظهر وبالقبول أجدر واعترض بأنه لو كان علة الاحتياج إلى المؤثر هو الإمكان أو الحدوث وهما لازمان للممكن والحادث لزم احتياجهما حالة البقاء لدوام المعلول بدوام العلة واللازم باطل لأن التأثير حينئذ إما في الوجود وقد حصل بمجرد وجود المؤثر فيلزم تحصيل الحاصل بحصول سابق وإما في البقاء أو في أمر آخر متجدد وهو تأثير في غير الباقي أعني الممكن والحادث فيلزم استغناؤهما عن المؤثر وفي كون الإمكان علة الاحتياج فساد آخر وهو احتياج الممكن إلى المؤثر حال عدمه السابق مع أنه نفي محض أزلي لا يعقل له مؤثر والجواب أن معنى احتياج الممكن أو الحادث إلى المؤثر توقف حصول الوجود له أو العدم أو استمرارهما على تحقق أمر أو انتفائه بمعنى امتناعه بدون ذلك وهو معنى دوام الأثر بدوام المؤثر وإذا تحققت فاستمرار الوجود أعني البقاء ليس إلا وجودا مأخوذا بالإضافة إلى الزمان الثاني وصحة قولنا وجد فلم يبق ولم يستمر لا يدل إلا على مغايرة ا لبقاء لمطلق الوجود ولا نزاع في ذلك قال المبحث السابع الجمهور على أن وجود الممكن وعدمه بالنظر إلى ذاته على السواء لا أولوية لأحدهما عن الآخر وقيل العدم أولى بالممكن جوهرا كان أو عرضا زايلا أو باقيا لتحققه بدون تحقق سبب مؤثر ولحصوله بانتفاء شيء من أجزاء العلة التامة للوجود المفتقر إلى تحقق جميعها ورد بأن الممكن كما يستند وجوده إلى وجود العلة يستند عدمه إلى عدمها ولا معنى لعدم المركب سوى أن لا يتحقق جميع أجزائه سواء تحقق البعض أو لم يتحقق وهذا القدر لا يقتضي أولوية العدم بالنظر إلى ذات الممكن بمعنى أن يكون له نوع اقتضاء للعدم وقيل العدم أولى بالأعراض السيالة كالحركة والزمان والصوت وصفاتها بدليل امتناع البقاء عليها والذي يقتضيه النظر الصائب أنه إن أريد بأولوية الوجود أوالعدم ترجحه بالنظر إلى ذات الممكن بحيث يقع بلا سبب خارج فبطلانه ضروري لأنه حينئذ يكون واجبا أو ممتنعا لا ممكنا فإن قيل هذا إنما يلزم لو لم يكن وقوع الطرف الآخر بمرجح خارجي قلنا فيتوقف وقوع الطرف الأولي إلى عدم المرجح الخارجي وإن أريد بالأولوية كونه أقرب إلى الوقوع لقلة شروطه وموانعه وكثرة اتفاق أسبابه فهذه أولوية بالغير لا بالذات وهو ظاهر وإن أريد أن الممكن قد يكون بحيث إذا لاحظه العقل وجد فيه نوع اقتضاء للوجود أو العدم لا إلى حد الوجوب ليلزم كونه واجبا أو ممتنعا فلا يظهر امتناعه واستدل الجمهور على امتناعه بوجوه
الأول أنه لو كان أحد الطرفين أولى بالممكن نظر إلى ذاته فمع تلك الأولوية إما أن يمتنع وقوع الطرف الآخر فيكون الطرف الأولي واجبا لذات الممكن فلا يكون ممكنا بل واجبا أو ممتنعا هذا خلف وإما أن يمكن وحينئذ فوقوعه إما أن يكون بلا سبب يرجحه فيلزم ترجح المرجوح أعني الطرف الغير الأولي أو يكون بسبب يفيد رجحانه فيكون وقوع الطرف الأولي متوقفا على عدم ذلك السبب فلا يكون أولى بالنظر إلى ذات الممكن بل مع عدم ذلك السبب هذا خلف والجواب أنه لا يلزم من توقف الوقوع على أمر توقف الأولوية عليه حتى يلزم كونها غير ذاتية وذلك لأن التقدير أن المراد بها رجحان ما لا إلى حد الوجوب الثاني أن الممكن يقتضي تساوي الوجود والعدم بالنظر إلى ذاته لما أن كلا منهما لا يكون إلا بالغير فلو اقتضى أحدهما لذاته لزم اجتماع المتنافيين أعني اقتضاء التساوي ولا اقتضاءه والجواب أنا لانم أن الممكن يقتضي تساوي الطرفين بل لا يقتضي وقوع أحدهما وهو لا ينافي اقتضاء أحدهما لا إلى حد الوجوب والوقوع على ما هو المراد بالأولوية
الثالث أنه لو كان أحد الطرفين أولى لذات الممكن فإما أن يمكن زوال تلك الأولوية بسبب أو لا فإن أمكن لم تكن الأولوية ذاتية لتوقفها على عدم ذلك السبب ولأن ما بالذات لا يزول بالغير وإن لم يمكن كان الطرف الأولي ضروريا لذات الممكن فلم يكن ممكنا بل واجبا إن كان هو الوجود وممتنعا إن كان هو العدم والجواب أنه لا يلزم من امتناع زوال أولوية الوجود أو العدم بالمعنى الذي ذكرنا وقوعه فضلا عن كونه ضروريا ليلزم وجوب الممكن أو امتناعه وذلك لأنه يجوز أن يقتضي ذات الممكن الوجود اقتضاء مالا إلى حد الوجوب والوقوع ويقع العدم باقتضاء أسباب خارجية تنتهي إلى حد الوجوب والوقوع أو بالعكس وتكون ا لأولوية الذاتية بحالها باقية غير زائلة قال إذ لا بد من ذلك يعني أنه لا يكفي في الوقوع مجرد الأولوية بل لا بد من انتهائها إلى حد الوجوب بأن يصير الطرف الآخر ممتنعا بالغير إذ لو جاز وقوعه أيضا لكان وقوع الطرف الأول تارة ولا وقوعه أخرى مع استواء الحالين حيث لم يوجد إلا مجرد الأولوية ترجحا بلا مرجح فالممكن يجب صدوره عن العلة ثم يوجد وهذا وجوب سابق وبعدما وجد يمتنع عدمه ضرورة امتناع الوجود والعدم وهذا وجوب لاحق يسمى الضرورة بشرط المحمول فإن قيل سبق الوجوب على الوجود غير معقول أما بالزمان فظاهر وأما بالذات بمعنى الاحتياج إليه فلأنه إما أن يراد الاحتياج في الوجود العيني وهو باطل لأن الوجوب والوجود ليسا أمرين متميزين في الخارج يتوقف أحدهما على الآخر ولو كان فالوجوب صفة للوجود فيكون متأخرا عنه لا متقدما أو في الوجود الذهني وهو أيضا باطل لظهور أنه لا يتوقف تعقل الوجود على تعقل الوجوب بل ربما يكون بالعكس قلنا المراد السبق بمعنى الاحتياج في اعتبار العقل عند ملاحظة هذه المعاني واعتبار الترتيب فيما بينهما فإنه يحكم قطعا بأنه مالم يتحقق علة الممكن لم يجب هو وما لم يجب لم يوجد فإن قيل حكم العقل بهذا الترتيب باطل لأنه لا وجوب بالنسبة إلى العلة الناقصة بل التامة والوجوب إذا كان مما يتوقف عليه الوجود كان جزأ من العلة التامة فيكون متقدما عليها لا متأخرا قلنا جزء العلة التامة ما يتوقف عليه المعلول في الخارج لا في اعتبار العقل ولو سلم فالوجوب يعتبر بالنسبة إلى علة ناقصة هي جميع ما يتوقف عليه الوجود سوى الوجوب فإن قيل ما ذكرتم من كون وجود الممكن مسبوقا بالوجوب لا يصح فيما يصدر عن الفاعل بالاختيار لأن الوجوب ينافي الاختيار وحينئذ ينتقض دليلكم قلنا إذا كان الاختيار من تمام العلة لم يتحقق الوجوب إلا بعد تحقق الاختيار وكون المعلول واجبا بالاختيار لا ينافي كونه مختارا بل يحققه قال المنهج الثالث في القدم والحدوث والمتصف بها حقيقة هو الوجود وأما الموجود فباعتباره وقد يتصف بهما العدم فيقال للعدم الغير المسبوق بالوجود قديم وللمسبوق حادث ثم كل من القدم والحدوث قد يوجد حقيقيا وقد يوجد إضافيا أما الحقيقي فقد يراد بالقدم عدم المسبوقية بالغير وبالحدوث المسبوقية به ويسمى ذاتيا وقد يخص الغير بالعدم فيراد بالقدم عدم المسبوقية بالعدم وبالحدوث المسبوقية به وهو معنى الخروج من العدم إلى الوجود ويسمى زمانيا وهذا هو المتعارف عند الجمهور وأما الإضافي فيراد بالقدم كون ما مضى من زمان وجود الشيء أكثر وبالحدوث كونه أقل فالقدم الذاتي أخص من الزماني والزماني من الإضافي بمعنى أن كل ما ليس مسبوقا بالغير أصلا ليس مسبوقا بالعدم ولا عكس كما في صفات الواجب وكل ما ليس مسبوقا بالعدم فما مضى من زمان وجوده يكون أكثر بالنسبة إلى ما حدث بعده ولا عكس كالأب فإنه أقدم من الابن وليس قديما بالزمان والحدوث الإضافي أخص من الزماني والزماني من الذاتي بمعنى أن كل ما يكون زمان وجوده الماضي أقل فهو مسبوق بالعدم ولا عكس وكل ما هو مسبوق بالعدم فهو مسبوق بالغير ولا عكس قال لا قديم بالذات سوى الله تعالى لما سيأتي من أدلة توحيد الواجب وما وقع في عبارة بعضهم أن صفات الله تعالى واجبة أو قديمة بالذات فمعناه بذات الواجب بمعنى أنها لا تفتقر إلى غير الذات وأما القديم بالزمان فجعله الفلاسفة شاملا لكثير من الممكنات كالمجردات والأفلاك وغير ذلك على ما سيأتي والمتكلمون منا لصفات الله تعالى فقط حيث يبنوا أن ما سوى ذات الله تعالى وصفاته حادث بالزمان وأما المعتزلة فقد بالغوا في التوحيد فنفوا القدم الزماني أيضا عما سوى ذات الله تعالى ولم يقولوا بالصفات الزائدة القديمة إلا أن القائلين منهم بالحال اثبتوا لله تعالى أحوالا أربعة هي العالمية والقادرية والحيية والموجودية وزعموا أنها ثابتة في الأزل مع الذات وزاد أبو هاشم حالة خامسة علة للأربعة مميزة للذات هي الإلهية فلزمهم القول بتعدد القدماء وهذا تفصيل ما قال الإمام في المحصل أن المعتزلة وإن بالغوا في إنكار ثبوت القدماء لكنهم قالوا به في المعنى لأنهم قاولا الأحوال الخمسة المذكورة ثابتة في الأزل مع الذات فالثابت في الأزل على هذا القول أمور قديمة ولا معنى للقديم إلا ذلك واعترض عليه الحكيم المحقق بأنهم يفرقون بين الوجود والثبوت ولا يجعلون الأحوال موجودة بل ثابتة فلا تدخل فيما ذكره الإمام من تفسير القديم بما لا أول لوجوده إلا أن يغير التفسير ويقول القديم مالا أول لثبوته وكان في قول الإمام ولا معنى للقديم إلا ذلك دفعا لهذا االاعتراض أي لا نعني بالوجود إلا ما عنوا بالثبوت فلا فرق في المعنى بين قولنا لا أول لوجوده ولا أول لثبوته حتى لو نوقش في اللفظ غيرنا الوجود إلى الثبوت وما نقل في المواقف عن الإمام أن الأحوال الأربعة هي الوجود والحياة والعلم والقدرة فلا يخلو عن تسامح ( قال والقديم بالزمان يمتنع استناده إلى المختار ) يعني أن أثر المؤثر المختار لا يكون إلا حادثا مسبوقا بالعدم لأن القصد إنما يتوجه إلى تحصيل ما ليس بحاصل وهذا متفق بين الفلاسفة والمتكلمين والنزاع فيه مكابرة وما نقل في المواقف عن الآمدي أنه قال سبق الإيجاد قصدا كسبق الإيجاد إيجابا في جواز كونهما بالذات دون الزمان وفي جواز كون أثرهما قديما فلا يوجد في كتاب الأبكار إلا ما قال على سبيل الاعتراض من أنه لا يمتنع أن يكون وجود العالم أزليا مستندا إلى الواجب تعالى ويكونان معا في الوجود لا تقدم إلا بالذات كما في حركة اليد والخاتم وهو لا يشعر بابتنائه على كون الواجب مختارا لا موجبا ولذا مثل بحركة اليد والخاتم واقتصر في الجواب على دفع السند قائلا لا نسلم استناد حركة الخاتم إلى حركة اليد بل هما معلولان لأمر خارج نعم صرح في شرح الإشارات بأن الفلاسفة لم يذهبوا إلى أن القديم يمتنع أن يكون فعلا لفاعل مختار ولا إلى أن المبدأ الأول ليس بقادر مختار بل إلى أن قدرته واختياره لا يوجبان كثرة في ذاته وأن فاعليته ليست كفاعلية المختارين من الحيوان ولا كفاعلية المجبورين من ذوي الطبائع الجسمانية وإلى أنه أزلي تام في الفاعلية وأن العالم أزلي مستند إليه وأنت خبير بأن هذا احتراز عن شناعة نفي القدرة والاختيار عن الصانع وإلا فكونه عندهم موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار أشهر من أن يمنع قال دون الموجب أي لو أمكن مؤثر قديم موجب بالذات على ما يدعيه الفلاسفة لم يمتنع استناد الأثرالقديم إليه بل وجب أن يكون معلوله الأول وسائر ما يصدر عنه بالذات أو بالوسائط القديمة قديما وإلا لكان وجوده بعد ذلك ترجحا بلا مرجح حيث لم يوجد في الأزل ووجد فيما لا يزال مع استواء الحالين نظراإلى تمام العلة واستدل الإمام على امتناع استناد القديم إلى الموجب أيضا بأن تأثيره في شيء يمتنع أن يكون حال بقائه وإلا يلزم إيجاد الموجود فتعين أن يكون حال حدوثه أو عدمه فيكون حادثا لا قديما وجوابه ما سبق أن الممتنع إيجاد الموجود بوجود حاصل بغير هذا الإيجاد وهو غير لازم وأن معنى تأثيرالمؤثر في الشيء وإيجاده إياه حال بقائه هو أن وجوده يفتقر إلى وجود المؤثر ويدوم بدوامه من غير أن يكون هناك تحصيل مالم يكن حاصلا ليلزم حدوثه ( قال فالقديم يمتنع عدمه ) لما امتنع استناد القديم إلى الفاعل بالاختيار فما ثبت قدمه يمتنع عدمه لأنه إما واجب لذاته وامتناع عدمه ظاهر وإما ممكن مستند إلى الواجب بطريق الإيجاب إما بلا واسطة كمعلوله الأول أو بوسائط قديمة كالثاني والثالث لما سيأتي من امتناع التسلسل وأيا ما كان يمتنع عدمه لأنه لما كان من مقتضيات ذات الواجب ولوازمه بوسط أو بغير وسط لزم من إمكان عدمه إمكان عدم الواجب وهو محال فإن قيل لم لا يجوز أن يتوقف صدوره عن الموجب على شرط حادث قلنا لأنه حينئذ يكون حادثا والكلام في القديم فإن قيل فالقديم إذا امتنع عدمه كان واجبا لا ممكنا قلنا امتناع عدم الشيء لا ينافي إمكانه الذاتي لجواز أن لا يكون ذلك لذاته بل لتمام علته الموجبة فعندنا لما كان الواجب فاعلا بالاختيار لا موجبا بالذات لم يكن شيء من معلولاته قديما ممتنع العدم وإنما ذلك على رأي الفلاسفة فإن قيل صفات الواجب عندكم موجودات قديمة فيمتنع استناده إليه بطريق الاختيار ويتعين الإيجاب قلنا علة الاحتياج إلى المؤثر عندنا الحدوث لا الإمكان وصفات الواجب وإن كانت مفتقرة إلى ذاته لا تكون آثارا له وإنما يمتنع عدمها لكونها من لوازم الذات ولو سلم فالتأثير والتأثر إنما يكونان بين المتغايرين ولا تغاير ههنا وسيجيء لهذا زيادة بيان قال زعمت الفلاسفة أن كل حادث أي موجود بعدم العدم مسبوق بمادة ومدة وعنوا بالمادة ما يكون موضوعا للحادث إن كان عرضا أو هيولاه إن كان صورة أو متعلقة إن كان نفسا وبالمدة الزمان وبنوا على ذلك قدم المادة والزمان لا بمعنى أن محل هذا السواد وبدن هذه النفس مثلا قديم لظهور استحالته ولا بمعنى أن قبل كل مادة مادة لا إلى بداية كما في الحركة والزمان لأنه يستلزم اجتماع المواد الغير المتناهية في الوجود ضرورة أن كلا منها جزء مما يتركب عنها وهو محال لما سيأتي بخلاف الحركة والزمان فإنهما على التجدد والانقضاء بل بمعنى أنه لا بد أن يكون للمركب مادة بسيطة قديمة هي الحاصل للصور والأعراض الحادثة إذ لو كانت حادثة لكانت لها مادة أخرى وتسلسل واحتجوا على ثبوت المادة بأن الحادث قبل وجوده ممكن لامتناع الانقلاب وكل ممكن فله إمكان وهو وجودي لما سبق من الأدلة وليس بجوهر لكونه إضافيا بحقيقته فيكون عرضا فيستدعي محلا موجودا ليس هو نفس ذلك الحادث لامتناع تقدم الشيء على نفسه ولا أمرا منفصلا عنه لأنه لا معنى لقيام إمكان الشيء بالأمر المنفصل عنه بل متعلقا به وهو المعنى بالمادة وما توهم من أن إمكان الشيء هو اقتدار الفاعل عليه فيكون قائما بالفاعل فاسد لأنه معلل بالإمكان وعدمه بعدمه فيقال هذا مقدور لكونه ممكنا وذاك غير مقدور لكونه ممتنعا ولأنه لا يكون إلا بالقياس إلى القادر بخلاف الإمكان فإن قيل الدليل منقوض بالممكن القديم كالمواد والمجردات فإنها ممكنة ولا مادة لها قلنا إمكاناتها قائمة بها إذ ليس للقديم حالة ما قبل الوجود حتى يكون هناك إمكان يستدعي محلا غيره فإن قيل إمكان الشيء صفة له فلا يقوم إلا به ولو سلم قيامه بمحله كما في الصور والأعراض لم يكن ذلك إلا حال وجودهما والكلام فيما قبل الوجود قلنا سنورد من كلامهم ما يدفع هذا الإشكال والجواب أنه إن أريد بالإمكان الإمكان الذاتي اللازم لماهية الممكن فلا نسلم أنه وجودي بمعنى كونه أمرا محققا يستدعي محلا موجودا في الخارج وقد مر بيان ضعف أدلتهم على ذلك وإن أريد الإمكان الاستعدادي فلا نسلم أن كل حادث فهو قبل وجوده ممكن بالإمكان الاستعدادي لجواز أن يحدث من غير أن يكون هناك مادة وأمور معدة لها إلى وجود ذلك الحادث ولا يكون هذا من الانقلاب في شيء لأن المقابل للوجوب والامتناع هو الإمكان الذاتي لا الاستعدادي وفي قوله المخالف له إشارة إلى التغاير بين الإمكانين وذلك من وجوه
أحدها أن الذاتي لا يقتضي رجحان الوجود أو العدم بل كلاهما بالنظر إليه على السواء والاستعدادي يقتضيه لأنه حالة مقربة للمادة إلى تأثير المؤثر فيها وإيجاد الحادث وثانيها أن الاستعدادي يتفاوت بالقرب والبعد فإن استعداد المضغة للإنسانية أقرب من استعداد العلقة وهو من النطفة وهو من المادة النباتية وهو من المعدنية وهو من العنصرية وهكذا حتى أن الهيولي الأولي أبعد الكل ولا كذلك الإمكان الذاتي فإنه لا يتصور تفاوت واختلاف في إمكان وجود الإنسان لماهيته وما يتوهم من تفاوته عند اعتبار التعلق بأمر خارج كإمكان وجود الإنسان لماهيته بالنظر إلى العلقة والمضغة مثلا فعائد إلى الاستعدادي
وثالثها أن الذاتي اعتبار عقلي لا تحقق له في الأعيان بخلاف الاستعدادي فإنه كيفية حاصلة للشيء مهيئة إياه لإفاضة الفاعل وجود الحادث فيه كالصورة والعرض أو معه كالنفس مختلفة بالقرب والبعد والشدة والضعف بحسب حدوث شرط شرط وارتفاع مانع مانع مسماة بالقوة عند عدم الحادث زائلة عند وجوده ككون الجسم في أوساط الحيز عند الوصول إلى نهايته وهل ذلك الزوال بواجب فيه تردد قال فإن قيل اعلم أن للفلاسفة في التقصي عن هذاالإشكال وجهين أحدهما أن المراد الإمكان الذاتي ومعنى كون إمكان الحادث قبل وجوده وجوديا تعلقه بموضوع موجود في الخارج وتقريره أن الإمكان لا محالة يكون بالقياس إلى وجود والوجود إما بالذات كوجود البياض في نفسه وإما بالعرض كوجود الجسم أبيض أما الإمكان بالقياس إلى وجود بالعرض وهو إمكان أن يوجد شيء شيئا آخر أو يوجد له شيء آخر كالبياض للجسم والصورة للمادة والنفس للبدن ولا خفاء في احتياجه إلى وجود شيء حتى يوجد له شيء آخر وأما الإمكان بالقياس إلى وجود بالذات وهو إمكان وجود الشيء في نفسه فذلك الشيء إن كان مما يتعلق وجوده بالغير أي يكون بحيث إذا وجد كان موجودا في غيره كالعرض والصورة أو مع غيره كالنفس فهو كالأول في الاحتياج إلى موضوع يقوم به إمكان ذلك الشيء قبل وجوده بمعنى كون ذلك الشيء في ذلك الموضوع أو معه بالقوة فهو صفة للموضوع من حيث هو فيه كعرض في موضوع وصفة للشيء من حيث هو بالقياس إليه كإضافة المضاف إليه وإن لم يكن ذلك الشيء مما يتعلق وجوده بالغير بل يكون قائما بنفسه من غير تعلق بموضوع أو مادة فمثله لا يجوز أن يكون حادثا وإلا لكان إمكانه قبل حدوثه قائما بنفسه إذ لا علاقة له بشيء من الموضوعات ليقوم به وهو محال لأنه عرض لا جوهر وضعف هذا الوجه ظاهر لأن الإشكال عائد ولأنه لو ثبت أن إمكان الحادث عرض يستدعي محلا أو استدل على ذلك استدلالا فاسدا بأنه لو لم يكن إمكان الحادث أمرا موجودا لم يكن للحادث إمكان وجود فلم يكن ممكن الوجود على ما في الشفاء لم يحتج إلى ما ذكر من التفاصيل وثانيهما أن المراد الإمكان الاستعدادي والدليل قائم على ثبوته لكل حادث وتقريره أن العلة التامة للحادث لا يجوز أن تكون ذات القديم وحده أو مع شرط قديم وإلا لزم قدم الحادث لأن المعلول دائم بدوام علته التامة بالضرورة لما في التخلف من الترجح بلا مرجح بل لا بد من شرط حادث وحدوثه يتوقف على شرط آخر حادث وهكذا إلى غير النهاية ويمتنع توقف الحادث على تلك الحوادث جملة لامتناع التسلسل ولأن مجموعها بحدوثه يفتقر إلى شرط آخر حادث فيكون داخلا خارجا وهو محال بل لا بد من حوادث متعاقبة يكون كل سابق منها معدا للاحق من غير اجتماع في الوجود كالحركات والأوضاع الفلكية ويحصل بحسبها للحادث حالات مقربة إلى الفيضان عن العلة هي استعداداته المتفاوتة في القرب والبعد المفتقرة إلى محل ليس هو نفس الحادث ولا أمرا منفصلا عنه لما تقدم بل متعلقا به هو المعنى بالمادة وهذا أيضا ضعيف لابتنائه على كون الصانع القديم موجبا بالذات إذ الفاعل بالاختيار يوجد الحادث متى تعلق به إرادته القديمة التي من شأنها الترجيح والتخصيص من غير توقف على شرط حادث قال وأما المدة احتجوا على كون الحادث مسبوقا بالزمان بوجهين أحدهما أنه لا بد له من سبق حوادث متعاقبة بمعنى حصول هذا بعد حصول ذاك بحيث لا يجتمع المتقدم والمتأخر وما ذاك إلا بالزمان وثانيهما أنه لا معنى للحادث إلا ما يكون وجوده مسبوقا بالعدم وظاهر أن سبق عدم الشيء على وجوده لا يعقل إلا بالزمان وهذا التقرير لا يبتني على أن التقدم أمر وجودي وأنه هو الزمان حتى يرد الاعتراض بأنا لا نسلم أنه وجودي بل اعتباري يعرض للعدم أيضا والحاكم بثبوته الوهم وحكمه مردود كما في تحيز الباري حيث يحكم به الوهم بناء على أن ما يشاهد من الموجودات متحيزة وإنما يبتني على صحة الحكم بأن هذا متقدم على ذاك كقدم الحادث على وجوده ولا خفاء في أنه حكم عقلي ضروري والزمان معروض التقدم لا نفسه والجواب أن مبنى الأول على افتقار كل حادث إلى سبق حوادث متعاقبة وقد مر ما فيه ومبنى الثاني على ما ذهب إليه الفلاسفة من أن أقسام التقدم والتأخر والمعية منحصرة بحكم الاستقراء في خمسة بمعنى أن كلا منها يكون إما بالعلية كتقدم حركة اليد على حركة المفتاح وإما بالطبع كتقدم الجزء على الكل وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن وإما بالشرف كتقدم المعلم على المتعلم وإما بالرتبة وهي قد تكون حسية بأن يكون الحكم بالترتيب وتقدم البعض على البعض مأخوذا من الحس لكونه في الأمور المحسوسة وقد تكون عقلية بأن يكون ذلك بحكم العقل لكونه في الأمور المعقولة وكل منهما قد يكون بحسب الطبع وقد يكون بحسب الوضع وذلك كتقدم الرأس على الرقبة وتقدم الإمام على المأموم وتقدم الجنس على النوع وتقدم بعض مسائل العلم على البعض ومعلوم أن تقدم عدم الحادث على وجوده ليس إلا بالزمان والمتكلمون منعوا الحصر وتمام الاستقراء ونقضوه بتقدم بعض أجزاء الزمان على البعض كتقدم الأمس على اليوم فإنه كما ليس بالعلية والطبع والرتبة والشرف ليس بالزمان لأن كلا من الأمس واليوم زمان لا أمر يقع في الزمان وما يقال في بيان الحصر من أن المتقدم والمتأخر إن لم يجتمعا في الوجود فهو بالزمان وإن اجتمعا فإن كان بينهما ترتيب بحسب الاعتبار فهو بالرتبة وإلا فإن لم يحتج المتأخر إلى المتقدم فبالشرف وإن احتاج فإن كان المتقدم مؤثرا في المتأخر فبالعلية وإلا فبالطبع أو أن المتقدم إن توقف وجود المتأخر عليه فبالعلية أو بالطبع كما ذكرنا وإن لم يتوقف فالتقدم إن كان بالنظر إلى كمال للمتقدم فبالشرف وإلا فإن كان بالنظر إلى مبدأ محدود فبالرتبة وإلا فبالزمان أو أن التقدم إما حقيقي يكون بحسب الأمر نفسه فلا يتبدل باعتبار المعتبر وإما اعتباري يقابله والأول إن كان بالنظر إلى الذات فبالطبع وإن كان بالنظر إلى الوجود فإن كان وجود المتأخر مشروطا بانقضاء وجود المتقدم فبالزمان وإلا فبالعلية والثاني يفتقر لا محالة إلى مبدأية الاعتبار فإن كان كمالا في المتقدم فبالشرف وإلا فبالرتبة فلا خفاء في أنه ليس إلا وجه ضبط مع أن التقدم بالطبع قد يكون بالنظر إلى الوجود كما في الشرط وأن التقدم بالزمان قد يكون للعدم دون الوجود وبعد تمام الوجود فالزماني بالمعنى الذي ذكر فيها شامل للتقدم الذي بين أجزاء الزمان والذي بين الأب والابن بواسطة الزمان فيكون من التقدم بغيرالعلية والطبع والرتبة والشرف تقدم لا يفتقر إلى زمان يقع فيه المتقدم والمتأخر فيجوز أن يكون تقدم عدم الحادث على وجوده من هذا القبيل فلا يثبت كون كل حادث مسبوقا بالزمان ولا يضرنا في استغنائه عن الزمان تسمية مثل هذا التقدم زمانيا على ما قال بعضهم أن التقدم الزماني على وجهين أحدهما أن يكون المتقدم حاصلا في زمان قبل زمان المتأخر كما بين الأب والابن وثانيهما أن يكون تحقق المتقدم قبل تحقق المتأخر من غير أن يكونا في زمان كما بين الأمس واليوم وقال بعضهم أن التقدم الزماني بالحقيقة هو الذي بين أجزاء الزمامان وإنما يعرض الغير بواسطته إذ لا معنى لتقدم الأب على الابن إلا تقدم زمانه على زمانه حتى لو أريد بالتقدم الحقيقي ما يستغنى عن الواسطة لم يتناول هذا القسم وحصر بعضهم التقدم في الذي بالعلية والذي بالطبع ذاهبا إلى أن التقدم بالرتبة والتقدم بالشرف راجعان إلى الزمان لأن معنى تقدم مكان على آخر أن زمان الوصول إليه قبل زمان الوصول إلى الآخر ومعنى تقدم الجنس على النوع أن زمان الأخذ والشروع في ملاحظته قبل زمان الأخذ في النوع ومعنى تقدم المعلم على المتعلم أن فيه صفة توجب تقدمه في المجلس أو في الشروع في الأمور فيعود إلى الزماني بوسط أو لا بوسط وأن التقدم الزماني راجع إلى التقدم بالطبع لأن السابق من الأجزاء المفروضة للزمان معد لوجود اللاحق وشرطا له كالحركة فالتقدم الحقيقي هو الذي بالعلية أو بالطبع والمعنى المشترك بينهما كون المتأخر محتاجا في تحققه إلى المتقدم من غير احتياج للمتقدم إليه إلا ان المتقدم في الذي بالعلية هو المفيد لوجود المتأخر ولا كذلك في الذي بالطبع والمعتبر هو العلة التامة أم الفاعلية فيه تردد فعلى الأول يكون المتقدم والمتأخر بالعلية متلازمين وجودا وعدما وعلى الثاني قد توجد ذات المتقدم بدون ذات المتأخر بأن ينتفي بعض شروط التأثر والمتقدم بالطبع لا يستلزم المتأخر وجودا بل عدما والمتأخر يستلزمه وجودا لا عدما وأما بالنظر إلى وصفي التقدم والتأخر فبين كل متقدم ومتأخر تلازم وجودا وعدما لكونها متضايفين لكن إذا اعتبرا من قسم واحد فإن تضايف المتقدم بالطبع مثلا إنما هو مع المتأخر بالطبع لا بالعلية أو الزمان أو الرتبة أو الشرف وعلى هذا قياس سائر الأقسام والمعنى المشترك بين التقدم بالعلية والتقدم بالطبع قد يقال له التقدم بالذات وقد يقال له التقدم بالطبع ويخص ما بالعلية باسم الذاتي وقد يسمى القدم بالطبع تقدما بالذات بمعنى أن المتقدم مقوم محتاج إليه باعتبار الذات والحقيقة دون مجرد الوجود كما في العلية فإن ذات الاثنين لا يتم ولا يعقل بدون الواحد ولا خفاء في أن هذا إنما هو في الجزء دون الشرط فالحكم ليس بكلي على ما يشعر به ظاهر عبارة المواقف قال ومن ههنا ترددوا قد اختلفت العبارات في أن مقولية التقدم والتأخر والمعية على الأقسام الخمسة أو الستة بحسب الاشتراك اللفظي بأن يكون موضوعا لكل على حدة أو بحسب التشكيك بأن يكون موضوعا بمعنى مشترك بين الكل لا على السواء لكونه في التقدم بالعلية أقدم وفي التقدم بالطبع أولى حيث يكون بالنظر إلى الذات وفي التقدم بالرتبة الحسية أشد منه في العقلية وكائن هذا مبني على أن الكل عائد إلى التقدم بالعلية وبالطبع وبالزمان أو إلى الأولين فقط واللفظ موضوع بإزاء معنى مشترك هو كون الشيء محتاجا إليه وإلا فليس للفظ مفهوم مشترك بين الكل لا يقال الكل مشترك في معنى واحد وهو أن للمتقدم أمرا زائدا لا يوجد للمتأخر كالتأثير في الذي بالعلية وكونه مقوما أو شرطا في الذي بالطبع وكونه مضى له زمان أكثر في الذي بالزمان وزيادة الكمال في الذي بالشرف وقرب الوصول إليه من مبدأ معين في الذي بالرتبة لأنا نقول ليس هذا مفهوم لفظ التقدم ولا لصدق على كل شيء ينسب إلى آخر ضرورة أنه يشتمل على أمر لا يوجد في الآخر وإن أريد اشتماله على أمر زائد هو أحد الأمور المذكورة فمثله يتأتى في كل مشترك لفظي بأن يقال لفظ العين مثلا موضوع بإزاء معنى مشترك بين الكل هو مفهوم أحد المعاني قال المنهج الرابع في الوحدة والكثرة والحق أنهما من الاعتبارات العقلية التي لا وجود لها في الأعيان بمثل ما سبق في الوجوب والإمكان وأن تصورهما بديهي لحصوله لمن لم يمارس طرق الاكتساب فلا يعرفان إلا لفظا كما يقال الوحدة عدم الانقسام والكثرة هي الانقسام وقد يقال الوحدة عدم الانقسام إلى أمور متشابهة والكثرة هو الانقسام إليها ولا خفاء في انتفاضهما طردا وعكسا بالمجتمع من الأمور المتخالفة وأما ما يقال أن الوحدة عدم الكثرة والكثرة هي المجتمع من الوحدات فمبناه على أن الوحدة أعرف عند العقل والكثرة عند الخيال لما أن الوحدة مبدأ الكثرة والعقل إنما يعرف المبدأ قبل ذي المبدأ والكثرة ترتسم صورها في الخيال فينتزع العقل منها أمرا واحدا فيكون تفسير الوحدة بالكثرة عند الخيال وتفسير الكثرة بالوحدة عند العقل تفسيرا بالأعرف لا بالمساوي في المعرفة والجهالة ( قال والقطع ) لما كانت الوحدة مساوقة للوجود بمعنى أن كل ما له وحدة فله وجود ما وكل ما له وجود فله وحدة بوجه ما توهم بعضهم أن الوحدة هي الوجود وهو باطل لأن الكثير من حيث هو كثير موجود وليس بواحد فحاول التنبيه على أن كلا من الوحدة والكثرة مغاير لكل من الوجود والماهية وذلك بوجهين أحدهما لنا أن نتعقل ماهية الشيء ووجوده من غير أن نتعقل وحدته أو كثرته بل مع التردد فيه كما نقطع بوجود الصانع ثم نثبت بالبرهان وحدته ونقطع بوجود الفلك وماهيته ثم نثبت كثرته وثانيهما أنا إذا جمعنا مياه أوان كثيرة في إناء واحد حتى صار ماء واحدا أو فرقنا ماء إناء واحد في أوان كثيرة حتى صارت مياها كثيرة فقد زالت الوحدة والكثرة مع أن الوجود والماهية بحالهما من غير زوال وتبدل قطعا فلو كانت الوحدة أو الكثرة نفس الوجود أو الماهية لما كان كذلك ( قال وقد يستدل ) نقل خلاف بين الفلاسفة والمتكلمين في أن الوحدة والكثرة وجوديتان أو عدميتان وتمسكات من الطرفين يشعر بعضها بأن المراد بالوجودي الموجود وبالعدمي المعدوم وبعضها بأن المراد بالعدمي ما يدخل في مفهومه العدم وبالوجودي مالا يدخل فمن تمسكات الفلاسفة أن الوحدة جزء هذا الواحد الموجود وأنها نقيض اللاوحدة العدمية لصدقها على الممتنع وأنها لو لم تكن موجودة لما كان شيء ما واحدا لعدم الفرق بين قولنا وحدته لا وقولنا لا وحدة له والكل ظاهر الفساد ومنها ما أورده الإمام من أن الوحدة لو كانت عدمية لكانت عدم الكثرة لأنها المقابل لها والكثرة إما أن يكون أمرا عدميا ويلزم منه كون الوحدة وجودية لكونها عبارة عن عدم العدم هذا خلف وإما أن يكون أمرا وجوديا وهي عبارة عن مجموع الوحدات فيلزم كون مجموع العدمات أمرا وجوديا وهو محال أو نقول والوحدة جزء منها فتكون وجودية هذا خلف ولما بطل كون الوحدة عدمية ثبت كونها وجودية ولزم منه كون الكثرة وجودية لكونها عبارة عن مجموع الوحدات ورد بأن سلب العدمي قد يكون عدميا كالامتناع واللاامتناع ومن تمسكات المتكلمين أن الوحدة لو كانت موجودة لكانت واحدة لكون الوجود مساوقا للوحدة ولكانت الوحدات مشاركة في الوحدة ومتمايزة بالخصوصيات لتكون للوحدة وحدة ويتسلسل والجواب بأنه ينقطع بانقطاع الاعتبار أو بأن وحدة الوحدة عينها اعتراف بأنها من الاعتبارات العقلية التي لا تحقق لها في الأعيان لما مر في الوجوب وإلا لكان ومنها أنه لا يعقل من الوحدة إلا عدم الانقسام ومن الكثرة إلا التألف من الوحدات ورد بأن هذا عين الدعوى قال معروض الوحدة قد سبق أن الوحدة قد تعرض لنفس الوحدة كما يقال وحدة واحدة ووحدات كثيرة ولغيرها فهذا بيان لأقسامها باعتبار المعروض تنبيها على بعض الاصطلاحات وعلى اختلاف معناها بحسب الأفراد فموضوع الوحدة إما أن يكون معروضا للكثرة بأن يصدق على كثيرين أو لا فإن لم يكن فإما أن يكون له مفهوم سوى عدم الانقسام أو لا فإن لم يمكن له مفهوم سوى عدم الانقسام كما في قولنا وحدة واحدة فهو الوحدة على الإطلاق وإن كان له مفهوم سوى ذلك فإما أن يكون ذلك المفهوم قابلا للانقسام أو لا فإن لم يكن فإما أن يكون بحيث يمكن أن يشار إليه إشارة حسية أو لا فالأول النقطة والثاني المفارق وإن كان قابلا للقسمة فقبوله القسمة إما بالذات وهو الكم أو بالعرض وهو الجسم فإن كان بسيطا متشابه الأقسام فهو الواحد بالاتصال وإن كان مركبا مختلف الأقسام فهو الواحد بالاجتماع والكم أيضا من قبيل الواحد بالاتصال وقد يقال الواحد بالاتصال بمقدارين يلتقيان عند حد مشترك كضلعي الزاوية وكجسمين يتلازم طرفاهما بحيث يتحرك أحدهما بحركة الآخر سواء كان الالتئام طبيعيا كاللحم مع العظم أو لا كأجزاء السلسلة قال الإمام الأجسام المتشابهة إن اعتبر حالها قبل حصول الانقسام فهو الواحد بالاتصال لأن صورته وهيولاه واحدة وإن أمكن أن يعرض فيه أجزاء تتلاقى عند حد مشترك وإن اعتبر حالها عند حصول القسمة فإنه لا بد أن تكون تلك الأجزاء من شأنها أن تتحد موضوعاتها بالفعل لا كأشخاص الناس فإنه ليس من شأنها الاتحاد فهذا القسم مع أنه واحد بالنوع واحد بالموضوع يعني أن المياه المتكثرة بالشخص واحدة بالنوع لكونها متماثلة متفقة الحقيقة وبالموضوع أيضا أعني المادة التي هي محل للصور والأعراض لأنها وإن تعددت موادها بالشخص لكن تعود عند الاجتماع في إناء واحدة مادة واحدة وذلك عند من يقول بالمادة وإلا فالجواهر الفردة لا تصير واحدة قط ثم الواحد بالاجتماع قد تكون وحدته بحسب الطبيعة كالشجر الواحد وقد تكون بحسب الصناعة كالبيت الواحد وقد تكون بحسب الوضع والاصطلاح كالدرهم الواحد فإنه عبارة عن مقدار مخصوص من الموزونات مجتمع من ستة أسداس يسمونها درهما واحدا سواء كانت متصلة أو منفصلة والخمسة منها لا تسمى واحدا وإن كانت متصلة ولا فرق في ذلك بين أن يكون من الأجسام المتشابهة الأجزاء أو غيرها إلا أن ما ذكرنا من الأقسام الثلثة إنما يجري في المركبات فلذا خص بالواحد بالاجتماع وفي عبارة الإمام هي أقسام للواحد التام وهو الذي يشتمل على جميع ما يمكن له كخط الدائرة بخلاف الخط المستقيم فإن الزيادة عليه ممكن أبدا والمراد جميع ما يمكن له من الكثرة والأجزاء لا من الأوصاف والكمالات على ما قد يتوهم وما لا يكون تاما في عبارة بعض المتأخرين من الفلاسفة مسمى بالناقص وفي الطوالع بغير التام وفي كتب الإمام بالكثير هذا إذا لم يكن معروض الوحدة معروضا للكثرة وإن كان فلا بد فيه من جهة وحدة وجهه كثرة لامتناع أن يكون الشيء الواحد باعتبار واحد واحدا وكثيرا فجهة الوحدة إما أن تكون مقوما للكثيرين بمعنى كونه ذاتيا غير عرضي وإما أن يكون عارضا وإما أن لا يكون هذا ولا ذاك بأن يكون خارجا غير محمول فالأول إما أن يكون نفس ماهيتها وهو الواحد بالنوع كوحدة زيد وعمرو في الإنسانية أو جزأ مقولا في جواب ما هو على الكثرة المختلفة الحقيقة وهو الواحد بالجنس كوحدة الإنسان والفرس في الحيوانية أو في جواب أي شيء هو في جوهره وهو الواحد بالفصل وإنما تغاير الواحد بالنوع بحسب الاعتبار دون الذات والثاني إما أن تكون الكثرة موضوعات لمحمول واحد كالقطن والثلج للبياض أو محمولات لموضوع كالكاتب والضاحك للإنسان والثالث كوحدة نسبة النفس إلى البدن ونسبة الملك إلى المدينة في التدبير الذي ليس عارضا للنسبتين بل للنفس والملك ولا خفاء في أن التدبير محمول على النسبتين وإن قلنا النفس كالملك في التدبير فالتدبير محمول عارض لهما فهو كالبياض للقطن والثلج وبالجملة جهة الوحدة هو ما به اشتراك وهو لا يكون إلا بحيث يحمل بالمواطأة أو الاشتقاق قال وبعض هذه الأقسام أولى بالوحدة يعني أن الواحد مقول بالتشكيك دون الاشتراك أو التواطئ لكونه مفهوما واحدا متفاوتا بالأولوية فإن الواحد بالشخص أولى بالوحدة من الواحد بالنوع وهو من الواحد بالجنس وهو من الواحد بالعرض وفي الواحد بالشخص مالا ينقسم أصلا أولى بالوحدة مما ينقسم إلى أجزاء متشابهة وهو مما ينقسم إلى أجزاء متخالفة ولم يقل أحد بالتفاوت في الأشدية والأقدمية لكونه غير معقول قال وكذا الكثرة يشير إلى أحكام منها أن الكثرة مقول بالتشكيك لكونها في كل عدد أشد منها فيما دونه ومنها أن أول مراتب العدد الإثنينية بمعنى أن الاثنين عدد والواحد ليس بعدد لصدق الحد وهو الكم المنفصل عليهما دونه وما قيل أن الفرد الأول أعني الواحد ليس بعدد فكذا الزوج الأول ليس بشيء ومنها أن الأعداد أنواع مختلفة لاختلاف لوازمها من الزوجية والفردية والأصمية والمنطقية ومنها أنها متألفة من الآحاد فأجزاء العشرة واحد عشر مرات لا خمسة وخمسة أو ستة وأربعة أو سبعة وثلاثة إذ لا رجحان لشيء من ذلك بخلاف الواحد فإنه يترجح بأنه لا أقل منه وأن الاثنين إنما يتألف منه ولأن مجرد زيادة الواحد يوجب حصول نوع آخر من العدد ومنها أنها غير متناهية لأن كل عدد فرض فإنه يمكن زيادة الواحد عليه ومنها أنها أمور اعتبارية متحصلة في العقل دون الخارج لأنا إذا اعتبرنا انضمام واحد في المشرق إلى واحد في المغرب حكم العقل بحصول الإثنينية لهما من غير أن يحصل لهما أمر بحسب الخارج ولأن أجزاءها أمور اعتبارية هي الوحدات ولأنها لو تحققت في الخارج فإذا قلنا لزيد وعمرو مثلا هما اثنان فقيام الإثنينية إما بأحدهما أو بكل منهما وهو ظاهر الاستحالة أو بمجموعهما فيلزم في كل منهما شيء منها وليس سوى الوحدة الاعتبارية ( قال المبحث الثالث يمتنع اتحاد الإثنين ) بأن يكون هناك شيئان فيصير شيئا واحدا لا بطريق الوحدة الاتصالية كما إذا جمع الماآن في إناء واحد أو الاجتماعية كما إذا امتزج الماء والتراب فصار طينا أو الكون والفساد كالماء والهواء صارا بالغليان هواء واحدا أو الاستحالة كلون الجسم كان سواد وبياضا فصار سوادا بل بأن يصير أحدهما الآخر الصائر بعينه إياه وذلك لوجهين
الأول أن الاثنين سواء كانا ماهيتين أو فردين منهما أو من ماهية واحدة فالاختلاف بينهما ذاتي لا يعقل زواله إذ لكل شيء خصوصية ما هو بها هو فمتى زالت الخصوصية لم يبق ذلك لشيء واعترض بأنه إن كان استدلالا فنفس المتنازع وإن كان تنبيها فليس أوضح من الدعوى إذ ربما يقع الاشتباه في كون الاختلاف ذاتيا ممتنع الزوال دون اتحاد الاثنين
الثاني أن الاثنين بعد الاتحاد إن كانا باقيين فهما اثنان لا واحد وإلا فإن بقي أحدهما فقط كان هذا فناء لأحدهما وبقاء للآخر وإن لم يبق شيء منهما كان هذا فناء لهما وحدوث أمر ثالث وأيا ما كان فلا اتحاد واعترض بأنا لانم أنهما لو بقيا كانا اثنين لا واحدا وإنما يلزم ذلك لو لم يتحدا فعدل إلى تقرير آخر وهو أنهما بعد الاتحاد إن كانا موجودين كانا اثنين لا محالة وإلا فإما أن يكون أحدهما فقط موجودا أو لا يكون شيء منهما موجودا فكان هذا فناء لأحدهما وبقاء للآخر أو فناء لهما وحدوث ثالث فاعترض بأنا لانم أنهما لو كانا موجودين كانا اثنين لا واحدا وإنما يلزم لو لم يكونا موجودين لوجود واحد فدفع هذا الاعتراض بأنهما لو كانا موجودين فإما بوجودين فيكونان اثنين لا واحدا وإما بوجود واحد فذلك إما أحد الوجودين الأولين فيكون فناء لأحدهما وبقاء للآخر أو غيرهما فيكون فناء لهما وحدوث ثالث فأجيب عن هذا الدفع بأنهما موجودان بوجود واحد هو نفس الوجودين الأولين صارا واحدا فلم يمكن التفصي عن هذا المنع إلا بأن الحكم بامتناع اتحاد الاثنين ضروري والمذكور في معرض الاستدلال تنبيه بزيادة بيان وتفصيل وأنت خبير بحال دعوى الضرورة في محل النزاع وبأن امتناع اتحاد الوجودين ليس بأوضح من امتناع اتحاد الاثنين على الإطلاق قال المبحث الرابع من خواص الكثرة التغاير فإنه لا يتصور إلا بين متعدد وإنما الخلاف في عكسه وهو أن التعدد هل يستلزم التغاير فعند المتقدمين من أهل السنة لا ولذا قالوا الغيران موجودان جاز انفكاكهما فخرج المعدومان وكذا المعدوم والموجود ومبناه على أن التغاير عندهم وجودي كالاختلاف والتضاد فلا يتصف به المعدوم وأما التعليل بأنه لا تمايز بين الأعدام فيخص المعدومين وخرج الجزء مع الكل وكذا الموصوف مع الصفة لامتناع الانفكاك ودخل الجسمان وإن فرضنا كونهما قديمين لأنهما ينفكان بأن يوجد هذا في حيز لا يوجد فيه الآخر وكذا الصفة المفارقة مع موصوفها سواء كان قديما أو حادثا لأنهما ينفكان بأن يوجد الموصوف وتنعدم الصفة فجواز الانفكاك أعم من أن يكون بحسب التحيز أو بحسب الوجود والعدم فلا حاجة إلى التقييد بقولنا في حيز أو عدم على ما ذكره الشيخ وهذا التقرير مشعر بأنه يكفي في التغاير الانفكاك من جانب وأن الصفة التي ليست عين الموصوف ولا غيرها هي الصفة اللازمة النفسية وقيل بل الصفة القديمة كعلم الصانع وقدرته بخلاف مثل سواد الجسم وبياضه إلا أن عمدتم الوثقى في التمسك وهو أن قولنا ليس في الدار أعضاء زيد وصفاته وفي اليد آحاد العشرة واوصاف الدراهم لا يفرق بين الصفات المفارقة واللازمة ويقتضي أن لا يكون ثياب زيد بل سائر ما في الدار من الأمتعة غير زيد وفساده بين وكيف يخفى على أحد أن المراد بهذا الكلام نفي إنسان آخر غير زيد وعدد آخر فوق العشرة واعترض على تعريف المتغايرين بأنه ليس بجامع لأن العالم والصانع متغايران ولا يجوز انفكاكهما لامتناع وجود العالم بدون الصانع وأجاب الآمدي بأنه يكفي الانفكاك من جانب واحد وقد أمكن عدم العالم مع وجود الصانع ورد بأنه ح لا يكون مانعا لأنه يدخل فيه الجزء مع الكل والموصوف مع الصفة إذ يمكن وجود الجزء والموصوف مع عدم الكل والصفة وإن امتنع عكسه وأجاب بعضهم بأن المراد جواز الانفكاك من الجانبين لكن بحسب التعقل دون الخارج وكما يمكن أن يعقل وجود الصانع دون العالم كذلك يمكن أن يعقل وجود العالم ولا يعقل وجود الصانع بل يطلب بالبرهان وهذه العناية توافق ما نقل عن بعض المعتزلة أن الغيرين هما اللذان يصح أن يعلم أحدهما ويجهل الآخر ولفظ أحدهما لإبهامه كثيرا ما يقع موقع كل واحد منهما وما قيل أن الشيء قد يعلم من جهة دون جهة كالسواد يعلم أنه لون ويجهل أنه مستحيل البقاء فلو تغايرت الجهتان لزم كون العرض الواحد الغير المتجزي شيئين متغايرين ليس بشيء لأن تغاير جهتي الشيء لا يستلزم تغايره في نفسه فإن قيل العالم من حيث أنه معلول ومصنوع للصانع لا يمكن أن يعقل بدونه فيلزم أن لا يكونا متغايرين قلنا المعتبر في التغاير هو الانفكاك بحسب الذات والحقيقة ولا عبرة بالإضافات والاعتبارات والعالم باعتبار كونه معلولا للصانع من قبيل المضاف وقد أورد على القائلين بأن الغيرين موجودان يجوز انفكاكهما أنه لا انفكاك بين المتضايفين لا بحسب الخارج ولا بحسب التعقل فيلزم أن لا يكونا متغايرين فالتزموا ذلك وقالوا أنهما من حيث أنهما متضايفان ليسا بموجودين والغيران لا بد أن يكونا موجودين فإن قيل تغاير مثل الأب والابن والعلة والمعلول وسائر المتضايفات كالأخوين ضروري لا يمكن إنكاره قلنا الضروري هو التغاير بين الذاتين وأما مع وصف الإضافة فليسا بموجودين والتغاير عندهم من خواص الموجود وبمثل هذا يندفع ما يقال أن تعريف الغيرين لا يشمل الجوهر مع العرض ولا الاستطاعة مع الفعل لعدم الانفكاك وذلك لأنهما باعتبار الذات ممكن الانفكاك في التعقل بل في الخارج أيضا بأن يوجد هذا الجوهر بدون هذا العرض وبالعكس سيما عند من يقول بعدم بقاء الأعراض وأن يحصل هذا الفعل بخلق الله تعالى ضرورة من غير استطاعة العبد وأن يحصل بهذه الاستطاعة غير هذا الفعل سيما عند من يقول بأن الاستطاعة تصلح للضدين واعلم أن تقرير الاعتراض بالباري تعالى مع العالم والجواب بأن المراد الانفكاك تعقلا ورد جواب الآمدي ظاهر على ما ذكرناه وأما على ما نقل في المواقف من تقييد جواز الانفكاك بكونه في حيز أو عدم فينبغي أن يكون تقرير الاعتراض هو أنه يمتنع انفكاك الباري تعالى عن العالم في حيز أو عدم لامتناع تحيزه وعدمه وجواب الآمدي أنه وإن امتنع ذلك لكن لا يمتنع انفكاك العالم عنه لجواز تحيزه وعدمه دون الباري تعالى ورده أنه لا يكفي هذا القدر وإلا لزم تغاير الجزء والكل وكذا الموصوف والصفة لجواز أن ينعدم الكل دون الجزء والصفة دون الموصوف ولا يتأتى الجواب بأن المراد جواز الانفكاك تعقلا مالم يحذف قيد في حيز أو عدم لأن الباري تعالى لا ينفك عن العالم في حيز أو عدم بحسب التعقل أيضا لامتناع تحيزه وعدمه اللهم إلا أن يؤخذ التعقل أعم من المطابق وغيره وحينئذ يلزم تغاير الذات والصفة لجواز أن يعقل عدم كل بدون الآخر فما ذكر في المواقف من أنه يرد الباري مع العالم لامتناع انفكاك العالم عن الباري تعالى لا يقال يجوز انفكاك الباري عن العالم في الوجود والعالم عن الباري تعالى في الحيز لأنا نقول لو كفى الانفكاك من طرف لجاز انفكاك الموصوف عن الصفة والجزء عن الكل في الوجود فقيل المراد جواز الانفكاك تعقلا ومنهم من صرح به ولا يمتنع تعقل العالم بدون الباري تعالى ليس على ما ينبغي ثم ههنا بحث آخر وهو أن جواز انفكاك الموصوف عن الصفة في الوجود إنما يصح في الأوصاف المفارقة كالبياض مثلا وفي كلامهم ما يشعر بأن النزاع إنما هو في الصفة اللازمة قال والجمهور على أن الغيرية نقيض الهوية هو بمعنى أن الشيء بالنسبة إلى الشيء إن صدق أنه هو هو فعينه وإن لم يصدق فغيره إن كان بحسب المفهوم كما في نسبة الإنسان إلى البشر والناطق فبحسب المفهوم وإن كان بحسب الذات والهوية كما في نسبة الإنسان إلى الكاتب والحجر فبحسب الذات والهوية وما ذهبوا إليه من الجزء بالنسبة إلى الكل والصفة بالنسبة إلى الموصوف ليس عينه ولا غيره ليس بمعقول لكونه ارتفاعا للنقيضين نعم في الغيرية إضافة بها يصير أخص من النقيض بحسب المفهوم لأن الغيرين هما الاثنان من حيث أن أحدهما ليس هو الآخر إلا أنها حيثية لازمة في نفس الأمر ربما يشعر بها مفهوم النقيض أيضا فلذا أطلقوا القول بأن الغيرية نقيض هو هو وبأن الغيرين هما الاثنان أو الشيئان واعتذر الإمام الرازي عما ذكره المتكلمون من أن الشيء بالنسبة إلى الشيء قد يكون لا عينه ولا غيره بأنه اصطلاح على تخصيص لفظ الغيرين بما يجوز انفكاكهما كما خص العرف لفظ الدابة بذوات الأربع وصاحب المواقف بأن معناه أنه لا هو بحسب المفهوم ولا غيره بحسب الهوية كما هو الواجب في الحمل إذ لو كان المحمول غير الموضوع بحسب الهوية لم يصح الحمل ولو كان عينه بحسب المفهوم لم يفد بل لم يصح أيضا لامتناع النسبة بدون الإثنينية فمن قال بالوجود الذهني صرح بأنهما متحدان في الخارج متغايران في الذهن ومن لم يقل به لم يصرح بل قال لا عين ولا غير لأن المعلوم قطعا هو أنه لا بد بينهما من اتحاد من وجه واختلاف من وجه وأما أن ذلك في الخارج وهذا في الذهن فلا وكلا الاعتذارين فاسد أما الأول فلأن منهم من حاول إثبات ذلك بالدليل فقال لو كان الجزء غير الكل لكان غير نفسه لأن العشرة مثلا اسم لجميع الأفراد متناول كل فرد مع أغياره فلو كان الواحد غير العشرة لصار غير نفسه لأنه من العشرة وأن يكون العشرة بدونه وكذا اليد من زيد وبطلان هذا الكلام ظاهر لأن مغايرة الشيء للشيء لا يقتضي مغايرته لكل من أجزائه حتى يلزم مغايرته لنفسه وزعم هذا القائل أن هذا الدليل قطعي وأن القول بكون الواحد غير العشرة فاسد لم يقل به إلا جعفر بن حرث من المعتزلة وعد هذا من جهالاته وأما الثاني فلأن الكلام في الأجزاء والصفات الغير المحمولة كالواحد من العشرة واليد من زيد والعلم مع الذات والقدرة مع الذات ونحو ذلك مما لا يتصور اتحادهما بحسب الوجود والهوية ( قال وبعضهم ) قد سبق أنه لا يكفي في التغاير الانفكاك من جانب وإلا انتقض بالجزء مع الكل والموصوف مع الصفة وزعم بعضهم أنه كاف حتى أن عدم تغاير الشيئين إنما يتحقق إذا كان كل منهما بحيث يمتنع بدون الآخر والنقض غير وارد أما الموصوف مع الصفة فلأن عدم التغاير إنما هو في الصفات التي يمتنع الذات بدونها كما تمتنع هي بدون الذات كصفات القديم لامتناع العدم على القديم وكذا الصفات بعضها مع البعض بخلاف مثل البياض مع الجسم فإنهما غيران وأما الجزء مع الكل فلأنه كما يمتنع العشرة بدون الواحد كذلك الواحد من العشرة يمتنع بدونها إذ لو وجد بدونها لم يكن واحدا من العشرة وحاصله أن الجزء بوصف الجزئية يمتنع بدون الكل وحينئذ يرد سائر الأمور الإضافية كالأب مع الابن والأخ مع الأخ والصانع مع المصنوع ويلزم أن لا يكونا غيرين ويلزم أن لا يكون الغيران بل الضدان غيرين لأن التغاير والتضاد من الإضافات فإن التزموا ذلك بناء على أن الإضافة عدمية ولا تمايز بين الأعدام أجيب بأن الكلام في معروض الإضافة من حيث أنه معروض لا في المجموع المركب من المعروض والعارض قال واعلم يريد أن مشايخنا لما قالوا بوجود الصفات القديمة لزمهم القول بتعدد القدماء وبإثبات قديم غير الله تعالى فحاولوا التفصي عن ذلك بنفي المغايرة بين الصفات وكذا بين الصفة والذات والظاهر أن هذا إنما يدفع قدم غير الله تعالى لا تعدد القدماء وتكثرها لأن الذات مع الصفة وكذا الصفات بعضها مع البعض وإن لم تكن متغايرة لكنها متعددة متكثرة قطعا إذ التعدد إنما يقابل الوحدة ولذا صرحوا بأن الصفات سبعة أو ثمانية وبأن الجزء مع الكل اثنان وشيئان وموجودان وإن لم يكونا غيرين ( قال ومنها ) أي ومن خواص الكثرة التماثل وهو الاشتراك في الصفات النفسية ومرادهم بالصفة النفسية صفة ثبوتية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها ككون الجوهر جوهرا أو ذاتا وشيئا وموجود أو تقابله المعنوية وهي صفة ثبوتية دالة على معنى زائد على الذات ككون الجوهر حادثا ومتحيزا وقابلا للأعراض ومن لوازم الاشتراك في الصفات النفسية أمران
أحدهما الاشتراك فيما يجب ويمتنع ويجوز
وثانيهما أن يسد كل منهما مسد الآخر وينوب منابه فمن ههنا يقال المثلان موجودان يشتركان فيما تجب ويجوز ويمتنع أو موجودان يسد كل منهما مسد الآخر والمتماثلان وإن اشتركا في الصفات النفسية لكن لا بد من اختلافهما بجهة أخرى ليتحقق التعدد والتميز فيصح التماثل ونسب إلى الشيخ أنه يشترط في التماثل التساوي من كل وجه واعترض بأنه لا تعدد حينئذ فلا تماثل وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا زيد مثل عمرو وفي الفقه إذا كان يساويه فيه ويسد مسده وإن اختلفا في كثير من الأوصاف ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم الحنطة بالحنطة مثل بمثل وأراد به الاستواء في الكيل دون الوزن وعدد الحبات وأوصافها والجواب أن المراد التساوي في الجهة التي بها التماثل حتى أن زيدا وعمرا لو اشتركا في الفقه وكان بينهما مساواة في ذلك بحيث ينوب أحدهما مناب الآخر صح القول بأنهما مثلان في الفقه وإلا فلا ( قال وأما اشتراط التغاير فمختلف فيه ) قال الآمدي وأما الصفات فقد اختلفت أصحابنا فيها فمنهم من قال ليست متماثلة ولا متخالفة لأن التماثل والاختلاف بين الشيئين يستدعي مغايرة بينهما وصفات الله تعالى غير متغايرة وقال القاضي أبو بكر بالاختلاف نظرا إلى ما اختص به كل صفة من الصفات النفسية من غير التفات إلى وصف الغيرية وهذا ظاهر في أن القاضي لا يشترط في التخالف الغيرية ففي التماثل أولى وقد يتوهم من ظاهر عبارة المواقف أن التغاير شرط في التماثل والاختلاف البتة فمن يصف الصفات به يصفها بهما ومن لا فلا قال ويمتنع اجتماع المثلين يعني أن المثلين إذا كانا من قبيل الأعراض يمتنع اجتماعهما في محل واحد خلافا للمعتزلة لنا أن العرضين إذا اشتركا في الماهية والصفات النفسية لم يعقل بينهما تمايز إلا بحسب المحل لأن قيامهما به ووجودهما تبع لوجوده فإذا اتحدت الماهية وما يتبعه الهوية ارتفعت الإثنينية ورد بالمنع لجواز أن يختص كل بعوارض مستندة إلى أسباب مفارقة وبهذا يمنع ما ذكر في المحصل من أن نسبة العوارض إلى كل منهما على السوية فلا تعرض لأحدهما خاصة بل لكل منهما وحينئذ لا يبقى الامتياز البتة ويلزم الاتحاد وأما الاعتراض بأن عدم الامتياز لا يدل على الاتحاد بل غايته عدم العلم بالإثنينية فليس بشيء لأن ما ذكر على تقدير تمامه يفيد عدم الامتياز في نفس الأمر لا عند العقل فقط وقد يستدل بأنه لو جاز اجتماع المثلين لجاز لمن له علم نظري بشيء أن ينظر لتحصيل العلم به إذ لا مانع سوى امتناع اجتماع المثلين وبأنه لو جاز لما حصل القطع باتحاد شيء من الأعراض لجواز أن يكون أمثالا مجتمعة واللازم باطل للقطع بذلك في كثير من الأعراض وبأنه لو جاز اجتماعهما لجاز افتراقهما بزوال أحد المثلين ضرورة أنه ليس بواجب وزواله ليس إلا بطريان ضده الذي هو ضد للمثل الآخر الباقي فيلزم اجتماع الضدين ورد الأولان بمنع الملازمة لجواز مانع آخر فانتفاء شرط النظر وهو عدم العلم بالمطلوب ولجواز القطع بانتفاء الممكن ضرورة أو استدلالا والثالث بمنع المقدمات تمسكت المعتزلة بالوقوع فإن الجسم يعرض له سواد ثم آخر وآخر إلى أن يبلغ غاية السواد وأجيب بأنا لا نسلم ذلك بل السوادات المتفاوتة بالشدة والضعف أنواع من اللون متخالفة بالحقيقة متشاركة في عارض مقول عليها بالتشكيك هو مطلق السواد يعرض للجسم الذي يشتد سواده على التدريج في كل آن نوع آخر ( قال ومنها ) أي من خواص الكثرة التضاد وهو كون المعنيين بحيث يستحيل لذاتيهما اجتماعهما في محل واحد من جهة واحدة والمراد بالمعنى ما يقابل العين أي مالا يكون قيامه بنفسه وذكر الاجتماع مغن عن وحدة الزمان والتقييد بالمعنيين يخرج العينين والعين مع المعنى والعدمين والعدم مع الوجود ولهذا قالوا بعدم التضاد في الأحكام وسائر الإضافات لكونها اعتبارية لا تحقق لها في الأعيان ولا يخرج القديم والحادث إذا كانا معنيين كعلم الله تعالى وعلم زيد بل ظاهر التعريف متناول له إذ لا إشعار فيه باشتراط التوارد على محل واحد وقد يقال أن معنى امتناع الاجتماع أنهما يتواردان على محل ولا يكونان معا ليخرج مثل ذلك لأن محل القديم قديم فلا يتصف بالحادث وبالعكس ولأن القديم لا يزول عن المحل حتى يرد عليه المقابل واحترز بقيد استحالة الاجتماع عن مثل السواد والحلاوة مما يمكن اجتماعهما في محل واحد وبقيد لذاتيهما عن مثل العلم بحركة الشيء وسكونه معا أي العلم بأن هذا الشيء متحرك والعلم بأن هذا ساكن في آن واحد فإنهما لا يجتمعان لكن لا لذاتيهما بل لامتناع اجتماع الحركة والسكون وأما تصور حركة الشيء وسكونه معا فممكن ولذا يصح الحكم باستحالتهما وبقيد من جهة واحدة عن مثل الصغر والكبر والقرب والبعد على الإطلاق فإنهما لا يتضادان وإن امتنع اجتماعهما في الجملة وإنما يتضادان إذا اعتبر إضافتهما إلى معين ككون الشيء صغيرا وكبيرا بالنسبة إلى زيد ولا خفاء في أنه لا حاجة إلى هذا القيد حينئذ لأن مطلق الصغر والكبر لا يمتنع اجتماعهما وعند اتحاد الجهة يمتنع فالأقرب أن القيد احتراز عن خروج مثل ذلك وربما يعترض على تعريف المتضادين بالمتماثلين في سوادين عند من يقول بامتناع اجتماعهما ويجاب بأن اتحاد المحل شرط في التضاد ولا تماثل إلا عند اختلاف المحل ( قال وعند الفلاسفة ) ما سبق من أقسام الكثرة وأحكامها على رأي المتكلمين وأما على رأي الفلاسفة فالكثرة تستلزم التغاير بمعنى أن كل اثنين فهما غيران فإن كانت الإثنينية بالحقيقة فبالحقيقة أو بالعارض فبالعارض أو بالاعتبار فبالاعتبار ثم الغيران إما أن يشتركا في تمام الماهية كزيد وعمرو في الإنسانية أو لا فالأول المثلان والثاني المتخالفان سواء اشتركا في ذاتي أو عرضي أو لم يشتركا أصلا ثم المتخالفان قد يكونان متقابلين كالسواد والبياض وقد لا يتقابلان كالسواد والحلاوة والمتقابلان هما المتخالفان اللذان يمتنع اجتماعهما في محل واحد في زمان واحد من جهة واحدة فخرج بقيد المتخالف المثلان وإن امتنع اجتماعهما وبقيد امتناع الاجتماع في محل مثل السواد والحلاوة مما يمكن اجتماعهما وربما يفهم من امتناع الاجتماع في محل تواردهما على المحل فيخرج مثل الإنسان والفرس ومثل الإنسان والسواد وفيه بحث سيجيء وأما قيد وحدة الزمان فمستدرك على ما مر وكذا قيد وحدة الجهة إذا قصد به الاحتراز عن مثل الصغر مع الكبر والأبوة مع البنوة على الإطلاق والحق أنه احتراز عن خروج مثل ذلك فإنهما متقابلان ولا يمتنع اجتماعهما إلا عند اعتبار وحدة الجهة وأما التقييد بوحدة المحل فلأن المتقابلين قد يجتمعان في الوجود وفي الجسم على الإطلاق كبياض الرومي وسواد الحبشي قال فإن كانا وجوديين يريد حصر أقسام التقابل في الأربعة ومبناه على أن المتقابلين يكونان وجوديين أو وجوديا وعدميا فإن كانا وجوديين فإن كان تعقل كل منهما بالقياس إلى تعقل الآخر فمتضايفان كالابوة والبنوة وإلا فمتضادان كالسواد والبياض وإن كان أحدهما عدميا والآخر وجوديا فإن اعتبر في العدمي كون الموضوع قابلا للوجودي بحسب شخصه كعدم اللحية عن الأمرد أو نوعه كعدم اللحية عن المرأة أو جنسه القريب كعدم اللحية عن الفرس أو جنسه البعيد كعدم اللحية عن الشجر فهما متقابلان تقابل الملكة والعدم وإن لم يعتبر ذلك كالسواد واللاسواد فتقابل الإيجاب والسلب إلا أنه لا دليل على امتناع أن يكون المتقابلان عدميين كيف وقد أطبق المتأخرون على أن نقيض العدمي قد يكون عدميا كالامتناع واللاامتناع والعمى واللاعمى بمعنى رفع العمى وسلبه أعم من أن يكون باعتبار الاتصاف بالبصر أو باعتبار عدم القابلية له فما يقال أن اللاعمى إما عبارة عن البصر فيكون وجوديا وإما عن عدم قابلية المحل للبصر فيكون سلبا لأمر وجودي ليس بشيء وإذا جاز أن يكونا عدميين فالأولى أن يبين الحصر بوجه يشملهما كما يقال المتقابلان إن كان أحدهما سلبا للآخر فإن اعتبر في السلب استعداد المحل في الجملة لما أضيف إليه السلب فتقابلهما تقابل الملكة والعدم وإلا فتقابل الإيجاب والسلب وإن لم يكن أحدهما سلبا للآخر فإن كان تعقل كل منهما بالقياس إلى الآخر فتقابلهما التضايف وإلا فالتضاد وقد يستدل على لزوم كون أحد المتقابلين وجوديا بأنه لا تقابل بين العدم المطلق والمضاف ضرورة صدق المطلق على المقيد ولا بين العدمين المضافين لوجهين
أحدهما أنهما يجتمعان في غير ما وقع الإضافة إليه إما بطريق الصدق فلأنه يصدق على الأحمر أنه لا أسود ولا أبيض وإما بطريق الوجود فلأنه قد وجد فيه الحمرة التي هي لا سواد ولا بياض وثانيهما أن من شرط المتقابلين أن يكونا متواردين على موضوع واحد كما أشرنا إليه وقد صرح به بعض المتأخرين وموضوع العدمين المضافين كاللاسواد واللابياض متعدد ضرورة أنهما لو أضيفا إلى واحد لم يكونا عدمين وبهذا يخرج التفصي عن إشكالين أحدهما أن مثل الإنسانية مع الفرسية داخل في حد المتقابلين ضرورة امتناع اجتماعهما مع أنه ليس أحد أقسام الأربعة أما غير التضاد فظاهر وأما التضاد فللإطباق على أنه لا تضاد بين الجواهر لامتناع ورودها على الموضوع وثانيهما أن الملزوم وعدم اللازم كالسواد واللالون متقابلان ضرورة امتناع اجتماعهما وليسا أحد الأقسام أما السلب والإيجاب فلاجتماعهما على الكذب كما في البياض وأما غيرهما فظاهر ووجه التفصي أن مثل هذا ليس من التقابل لانتفاء التوارد على موضوع واحد وفي هذا الكلام نظر أما أو لا فلأن ما ذكر من اجتماع العدمين إنما يكون إذا لم يعتبر إضافة أحدهما إلى الآخر كما في اللاسواد واللابياض بخلاف مثل العمى واللاعمى والامتناع واللاامتناع وأما ثانيا فلأن الموضوع في التقابل ليس بمعنى المحل المقوم للحال حتى يلزم أن يكون المتقابلان من قبيل الأعراض البتة للقطع بتقابل الإيجاب والسلب في الجواهر مثل الفرسية واللافرسية بل صرح ابن سينا بالتضاد بين الصور اعتبارا بالورود على المحل الذي هو الهيولي وأما ثالثا فلتصريح ابن سينا وغيره بأن موضوع المتقابلين قد يكون واحدا شخصيا كزيد للعدل والجور أو نوعيا كالإنسان للرجولية والمرئية أو جنسيا كالحيوان للذكورة والأنوثة أو أعم من ذلك كالشيء للخير والشر وأما رابعا فلأن الكلام في اللاسواد واللابياض لا في العدم المضاف إلى السواد والعدم المضاف إلى البياض ألا ترى أنك لا تقول باختلاف الموضوع في البياض واللابياض نظرا إلى أن اللابياض عدم مضاف إلى البياض فيكون موضوعه البياض فإن قيل من التقابل ما يجري في القضايا كالتناقض والتضاد فإن قولنا كل حيوان إنسان نقيض لقولنا بعض الحيوان ليس بإنسان وضد لقولنا لا شيء من الحيوان بإنسان مع أنه لا يتصور اعتبار ورود القضايا على محل فالجواب من وجهين أحدهما أن ذلك بحسب اشتراك الاسم كسائر النسب من العموم والخصوص والمباينة والمساواة فإنها تكون في المفردات باعتبار الصدق أعني صدقها على شيء وفي القضايا باعتبار الوجود أعني صدقها في أنفسها فالمعتبر في التناقض والتضاد بين المفردين امتناع الاجتماع في المحلا وبين القضيتين امتناع لا اجتماع في الوجود
وثانيهما أن يجعل تقابل الإيجاب والسلب أعم مما في المفردات والقضايا ويعتبر موضوع القضية موردا ومحلا لثبوت المحمول له وعدم الثبوت على ما قال المحققون من الحكماء أن المتقابلين بالإيجاب والسلب إن لم يحتمل الصدق والكذب فبسيط كالفرسية واللافرسية وإلا فمركب كقولنا زيد فرس وزيد ليس بفرس فإن إطلاق هذين المعنيين على موضوع واحد في زمان واحد مح وقال ابن سينا أن من التقابل الإيجاب والسلب ومعنى الإيجاب وجود أي معنى كان سواء كان باعتبار وجوده في نفسه أو وجوده لغيره ومعنى السلب لا وجود أي معنى كان سواء كان لا وجوده في ذاته أو لاوجوده في غيره قال وقد يعتبر في التضاد ما مر من تفسير التضاد وتفسير الملكة والعدم هو الذي أورده قدماء الفلاسفة في أوائل المنطق وأما في مباحث الفلسفة فقد اعتبروا في كل منهما قيدا آخر وهو في المتضادين أن يكون بينهما غاية الخلاف كالسواد والبياض بخلاف البياض والصفرة وفي الملكة والعدم أن يكون العدم سلب الوجودي عما هو من شأنه في ذلك الوقت كعدم اللحية عن الكوسج بخلافه عن الأمرد وكل من التضاد والملكة والعدم بالمعنى الأول أعم منه بالمعنى الثاني ضرورة أن المطلق أعم من المقيد إلا أن المطلق من التضاد يسمى بالمشهوري لكونه المشهور فيما بين عوام الفلسفة والمقيد بالحقيقي لكونه المعتبر في علومهم الحقيقية والملكة والعدم بالعكس حيث يسمون المطلق بالحقيقي والمقيد بالمشهوري ولما كان تقابل مثل البياض مع الصفرة والسواد مع الحمرة ونحو ذلك مما ليس بينهما غاية الخلاف وكذا الالتحاء والمرودة وتقابل البصر وعدمه عن العقرب أو الشجر قادحا في حصر التقابل في الأقسام الأربعة لكونه خارجا عن التضاد وعن الملكة والعدم بالمعنى الأخص أجاب المتأخرون بأن الحصر إنما هو باعتبار المعنى الأعم أعني المشهوري من التضاد والحقيقي من الملكة والعدم ليدخل أمثال ذلك وفيه نظر أما أولا فلأن الضدين في التضاد والمشهوري لا يلزم أن يكونا وجوديين بل قد يكون أحدهما عدما للآخر كالسكون للحركة والظلمة للنور والمرض للصحة والعجمة للنطق والأنوثة للذكورة والفردية للزوجية صرح بذلك ابن سينا وغيره فهو لا يكون قسيما لتقابل الملكة والعدم وتقابل الإيجاب والسلب بل وفي كلامهم أنه اسم يقع التضاد الحقيقي وعلى بعض أقسام الملكة والعدم أعني ما يمكن فيه انتقال الموضوع من العدم إلى الملكة كالسكون والحركة بخلاف العمى والبصر والحق أنه أعم من ذلك إذ لا يمكن الانتقال في النطق والعجمة وفي الذكورة والأنوثة وفي الزوجية والفردية على أن تقابل الزوجية والفردية عند التحقيق راجع إلى الإيجاب والسلب فإن الزوج عدد ينقسم بمتساويين والفرد عدد لا ينقسم بمتساويين فالأول اسم للموضوع أعني العدد مع الإيجاب والثاني اسم له مع السلب كذا ذكره ابن سينا