İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فعلى هذا إن كان للمجني عليه أيضا إصبع زائدة في محل الزائدة من الجاني وجب القصاص لاستوائهما وإن كانت في غير محلها أو لم يكن للمجني عليه إصبع زائدة لم تؤخذ يد الجاني وهل يملك قطع الأصابع ننظر فإن كانت الزائدة ملصقة بأحد الأصابع فليس له قطع تلك الأصابع لأن في قطعها إضرارا بالزائدة وهل له قطع الأصابع الأربع على وجهين وإن لم تكن ملصقة بواحدة منهن فهل له قطع الخمس على وجهين وإن كانت الزائدة ثابتة في أصبع في أنملتها العليا لم يجز قطعها وإن كانت نابتة في السفلى أو الوسطى فله قطع ما فوقها من الأنامل في أحد الوجهين ويأخذ أرش الأنملة التي تعذر قطعها في أحد الوجهين ويتبع ذلك خمس الكف فصل وإن قطع ذو يد لها أظفار يد من لا أظفار له لم يجز القصاص لأن الكاملة لا تؤخذ بالناقصة وإن كانت المقطوعة ذات أظفار إلا أنها خضراء أو مستحشفة أخذنا بها السليمة لأن ذلك علة ومرض والمرض لا يمنع القصاص بدليل أنا نأخذ الصحيح بالسقيم مسألة قال ( وإن كان القاطع أشل والمقطوعة سالمة فشاء المظلوم أخذها فذلك له ولا شيء له غيرها وإن شاء عفا وأخذ دية يده ) أما إذا اختار الدية فله دية يده لا نعلم فيه خلافا لأنه عجز عن استيفاء حقه على الكمال بالقصاص فكانت له الدية كما لو لم يكن للقاطع يد وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وإن اختار القصاص سئل أهل الخبرة فإن قالوا إنه قطع لم تنسد العروق ودخل الهواء إلى البدن فأفسده سقط القصاص لأنه لا يجوز أخذ نفس بطرف وإن أمن هذا فله القصاص لأنه رضي بدون حقه فكان له ذلك كما لو رضي المسلم بالقصاص من الذمي والرجل من المرأة والحر من العبد وليس له مع القصاص أرش لأن الشلاء كالصحيحة في الخلقة وإنما نقصت في الصفة فلم يكن له أرش كالصور التي ذكرناها وقال أبو الخطاب عندي له أرش مع القصاص على قياس قوله في عين الأعور والأول أصح فإن إلحاق هذا الفرع بالأصول المتفق عليها أولى من إلحاقه بفرع مختلف فيه خارج عن الأصول مخالف للقياس فصل وتؤخذ الشلاء بالشلاء إذا أمن في الاستيفاء الزيادة وقال أصحاب الشافعي لا تؤخذ بها في أحد الوجهين لأن الشلاء عليلة والعلل يختلف تأثيرها في البدن فلا تتحقق المماثلة بينهما ولنا إنهما متماثلان في ذات العضو وصفته فجاز أخذ إحداهما بالأخرى كالصحيحة بالصحيحة فصل وتؤخذ الناقصة بالناقصة إذا تساوتا فيه بأن يكون المقطوع من يد الجاني كالمقطوع من يد المجني عليه لأنهما تساوتا في الذات والصفة فأما إن اختلفا فكان المقطوع من يد أحدهما الإبهام ومن الأخرى أصبع غيرها لم يجز القصاص لأن فيه أخذ أصبع بغيرها وإن كانت يد أحدهما ناقصة أصبعا والأخرى ناقصة تلك الأصبع فأخرى جاز أخذ الناقصة أصبعين بالناقصة أصبعا وهل له أرش أصبعه الزائدة فيه وجهان ولا يجوز أخذ الأخرى بها لأن الكاملة لا تؤخذ بالناقصة فصل ويجوز أخذ الناقصة بالكاملة لأنها دون حقه وهل له أخذ دية الأصابع الناقصة على وجهين أحدهما له ذلك وهو قول الشافعي واختيار ابن حامد والثاني ليس له مع القصاص أرش وهو مذهب أبي حنيفة وقياس قول أبي بكر لئلا يفضي إلى الجمع بين القصاص ودية في عضو واحد وقال القاضي قياس قوله سقوط القصاص كقوله فيمن قطعت يده من نصف الذراع وليس كذلك لأنه يقتص من موضع الجناية ويضع الحديدة في موضع وضعها الجاني فملك ذلك كما لو جنى عليه فوق الموضحة أو كان رأس الشاج أصغر أو أخذ الشلاء بالصحيحة ويفارق القاطع من نصف الذراع لأنه لا يمكنه القصاص من موضع الجناية هكذا حكاه الشريف عن أبي بكر فصل وإن كانت يد القاطع والمجني عليه كاملتين في يد المجني عليه أصبع زائدة فعلى قول ابن حامد لا عبرة بالزائدة لأنها بمنزلة الخراج والسلعة
وعلى قول غيره له قطع يد الجاني وهل له حكومة في الزائدة على وجهين وإن قطع من له خمس أصابع أصلية كف من له أربع أصابع أصلية وأصبع زائدة أو قطع من له أربع أصابع وأصبع زائدة كف من له خمس أصابع أصلية فلا قصاص في الصورة الأولى لأن الأصلية لا تؤخذ بالزائدة وله القصاص في الصورة الثانية في قول ابن حامد لأن الزائدة لا عبرة بها وقال غيره إن لم تكن الزائدة في محل الأصلية فلا قصاص أيضا لأن الأصبعين مختلفان وإن كانت في محل الأصلية فقال القاضي يجري القصاص وهو مذهب الشافعي ولا شيء له لنقص الزائدة وهذا فيه نظر فإنها متى كانت في محل الأصلية كانت أصلية لأن الزائدة هي التي زادت عن عدد الأصابع أو كانت في غير محل الأصابع وهذا له خمس أصابع في محلها فكانت كلها أصلية فإن قالوا معنى كونها زائدة أنها ضعيفة مائلة عن سمت الأصابع قلنا ضعفها لا يوجب كونها زائدة كذكر العنين وأما ميلها عن الأصابع فإنها إن لم تكن نابتة في محل الأصبع المعدومة فسد قولهم إنها في محلها وإن كانت نابتة في موضعها وإنما مال رأسها واعوجت فهذا مرض لا يخرجها عن كونها أصلية فصل وإذا قطع أصبعه فأصابه من جرحها أكلة في يده وسقطت من مفصل ففيها القصاص وإن بادرها صاحبها فقطعها من الكوع لئلا تسري إلى سائر جسده ثم اندمل جرحه فعلى الجاني القصاص في الأصبع والحكومة فيما تأكل من الكف ولا شيء عليه فيما قطعه المجني عليه لأنه تلف بفعله وإن لم يندمل ومات من ذلك فالجاني شريك نفسه فيحتمل وجوب القصاص عليه ويحتمل أن لا يجب بحال لأن فعل المجني إنما قصد به المصلحة فهو عمد الخطأ وشريك الخاطىء لا قصاص عليه ويكون عليه نصف الدية وإن قطع المجني عليه موضع الأكلة نظرت فإن قطع لحما ميتا ثم سرت الجناية فالقصاص على الجاني لأنه سراية جرحه خاصة وإن كان في لحم حي فمات فالحكم فيه كما لو قطعها خوفا من سرايتها فصل وإذا قطع أنملة لها طرفان إحداهما زائدة والأخرى أصلية فإن كانت أنملة القاطع ذات طرفين أيضا أخذت بها وإن لم تكن ذات طرفين قطعت وعليه حكومة في الزائدة وإن كانت المقطوعة ذات طرف واحد وأنملة القاطع ذات طرفين أخذت بها في قول ابن حامد وعلى قول غيره لا قصاص فيها وله دية أنملته وإن ذهب الطرف الزائد فله الاستيفاء وإن قال أنا أصبر حتى يذهب الزائد ثم اقتص فله ذلك لأن القصاص حقه فلا يجبر على تعجيل استيفائه فصل ولو قطع أنملة رجل العليا ثم قطع أنملة آخر الوسطى ثم قطع السفلى من ثالث فللأول القصاص من العليا ثم للثاني أن يقتص من الوسطى ثم للثالث أن يقتص من السفلى سواء جاؤوا دفعة واحدة أو واحدا بعد واحد وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قصاص إلا في العليا لأنه لم يجب في غيرها حال الجناية لتعذر استيفائه فلم يجب بعد ذلك كما لو كان غير مكافىء حال الجناية ثم صار مكافئا بعده ولنا إن تعذر القصاص لإيصال محله بغيره لا يمنعه إذا زال الاتصال كما لو جنت الحامل ويفارق عدم التكافؤ لأنه تعذر لمعنى فيه وهاهنا تعذر لاتصال غيره به فأما إن جاء صاحب الوسطى أو السفلى يطلب القصاص قبل صاحب العليا لم يعطه لأن في استيفائه إتلاف أنملة لا يستحقها
وقيل لهما إما أن تصبرا حتى تعلما ما يكون من الأول فإن اقتص فلكما القصاص وإن عفا فلا قصاص لكما وإما أن ترضيا بالعقل فإذا جاء صاحب العليا فاقتص فللثاني الاقتصاص وحكم الثالث مع الثاني كحكم الثاني مع الأول وإن عفا فلهما العقل فإن قالا نحن نصبر وننظر بالقصاص أن تسقط العليا بمرض أو نحوه ثم نقتصر لم يمنعا من ذلك وإن قطع صاحب الوسطى الوسطى والعليا فعليه دية العليا تدفع إلى صاحب العليا وإن قطع الأصبع كلها فعليه القصاص في الأنملة الثالثة وعليه أرش العليا للأول وأرش السفلى على الجاني لصاحبها وإن عفا الجاني عن قصاصها وجب أرشها يدفعه إليه ليدفعه إلى المجني عليه فصل وإن قطع إنملة رجل العليا ثم قطع أنملتي آخر العليا والوسطى من تلك الأصبع فللأول قطع العليا لأن حقه أسبق ثم يقطع الثاني الوسطى ويأخذ أرش العليا منه فإن بادر الثاني فقطع الأنملتين فقد استوفى حقه وتعذر استيفاء القصاص للأول وله الأرش على الجاني وإن كان قطع الأنملتين أولا قدمنا صاحبهما فقطعهما في القصاص للأول وله الأرش على الجاني وإن بادر صاحبهما فقطعها فقد استوفى حقه وتقطع الوسطى للأول ويأخذ الأرش للعليا ولو قطع أنملة رجل العليا ولم يكن للقاطع عليا فاستوفى الجاني من الوسطى فإن عفا إلى الدية تقاصا وتساقطا لأن ديتهما واحدة وإن اختار الجاني القصاص فله ذلك ويدفع أرش العليا ويجيء على قول أبي بكر أن لا يجب القصاص لأن ديتهما واحدة واسم الأنملة يشملها فتساقطا كقوله في إحدى اليدين بدلا عن الأخرى مسألة قال ( وإذا قتل وله وليان بالغ وطفل أو غائب لم يقتل حتى يقدم الغائب ويبلغ الطفل ) وجملته أن ورثة القتيل إذا كانوا أكثر من واحد لم يجز لبعضهم استيفاء القود إلا بإذن الباقين فإن كان بعضهم غائبا انتظر قدومه ولم يجز للحاضر الاستقلال بالاستيفاء بغير خلاف علمناه وإن كان بعضهم صغيرا أو مجنونا فظاهر مذهب أحمد رحمه الله أنه ليس لغيرهما الاستيفاء حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون وبهذا قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى والشافعي وأبو يوسف وإسحاق ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله وعن أحمد رواية أخرى للكبار العقلاء استيفاؤه وبه قال حماد ومالك والأوزاعي والليث وأبو حنيفة لأن الحسن بن علي رضي الله عنهما قتل ابن ملجم قصاصا وفي الورثة صغار فلم ينكر ذلك ولأن ولاية القصاص هي استحقاق استيفائه وليس للصغير هذه الولاية ولنا إنه قصاص غير متحتم ثبت لجماعة معينين فلم يجز لأحدهم استيفاؤه استقلالا كما لو كان بين حاضر وغائب أو أحد بدلي النفس فلم ينفرد به بعضهم كالدية والدليل على أن للصغير والمجنون فيه حقا أربعة أمور أحدها أنه لو كان منفردا لاستحقه ولو نافاه الصغر مع غيره لنافاه منفردا كولاية النكاح والثاني أنه لو بلغ لاستحق ولو لم يكن مستحقا عند الموت لم يكن مستحقا بعده كالرقيق إذا عتق بعد موت أبيه والثالث أنه لو صار الأمر إلى المال لاستحق ولو لم يكن مستحقا للقصاص لما استحق بدله كالأجنبي والرابع أنه لو مات الصغير لاستحقه ورثته ولو لم يكن حقا لم يرثه كسائر ما لم يستحقه فأما ابن ملجم فقد قيل إنه قتله بكفره لأنه قتل عليا مستحلا لدمه معتقدا كفره متقربا بذلك إلى الله تعالى وقيل قتله لسعيه في الأرض بالفساد وإظهار السلاح فيكون كقاطع الطريق إذا قتل وقتله متحتم وهو إلى الإمام والحسن هو الإمام ولذلك لم ينتظر الغائبين من الورثة ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم وإن قدر أنه قتله قصاصا فقد اتفقنا على خلافه فكيف يحتج به بعضنا على بعض فصل وإن كان الوارث واحدا صغيرا كصبي قتلت أمه وليست زوجة لأبيه فالقصاص له وليس لأبيه ولا غيره استيفاؤه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك له استيفاؤه وكذلك الحكم في الوصي والحاكم في الطرف دون النفس وذكر أبو الخطاب في موضع في الأب روايتين وفي موضع وجهين أحدهما كقولنا لأن القصاص أحد بدلي النفس فكان للأب استيفاؤه كالدية
ولنا إنه لا يملك إيقاع الطلاق بزوجته فلا يملك استيفاء القصاص له كالوصي ولأن القصد التشفي ودرك الغيظ ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي ويخالف الدية فإن الغرض يحصل باستيفاء الأب له فافترقا ولأن الدية إنما يملك استيفاءها إذا تعينت والقصاص لا يتعين فإنه يجوز العفو إلى الدية والصلح على مال أكثر منها وأقل والدية بخلاف ذلك فصل وكل موضع وجب تأخير الاستيفاء فإن القاتل يحبس حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون ويقدم الغائب وقد حبس معاوية هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل في عصر الصحابة فلم ينكر ذلك وبذل الحسن والحسين وسعيد بن العاص لابن القتيل سبع ديات فلم يقبلها فإن قيل فلم لا يخلى سبيله كالمعسر بالدين قلنا لأن في تخليته تضييعا للحق فإنه لا يؤمن هربه والفرق بينه وبين المعسر من وجوه أحدهما أن قضاء الدين لا يجب مع الإعسار فلا يحبس بما لا يجب والقصاص هاهنا واجب وإنما تعذر المستوفى الثاني أن المعسر إذا حبسناه تعذر الكسب لقضاء الدين فلا يفيد بل يضر من الجانبين وهاهنا الحق نفسه يفوت بالتخلية لا بالحبس الثالث أنه قد استحق قتله وفيه تفويت نفسه ونفعه فإذا تعذر تفويت نفسه جاز تفويت نفعه لإمكانه فإن قيل فلم يحبس من أجل الغائب وليس للحاكم عليه ولاية إذا كان مكلفا رشيدا ولذلك لو وجد بعض ماله مغصوبا لم يملك انتزاعه قلنا لأن في القصاص حقا للميت وللحاكم عليه ولاية ولهذا تنفذ وصاياه من الدية وتقضى ديونه منها فنظيره أن يجد الحاكم من تركة الميت في يد إنسان شيئا غصبا والوارث غائب فإنه يأخذه ولو كان القصاص في لحى طرفه لم يتعرض لمن هو عليه فإن أقام القاتل كفيلا بنفسه ليخلي سبيله لم يجز لأن الكفالة لا تصح في القصاص فإن فائدتها استيفاء الحق من الكفيل إن تعذر إحضار المكفول به ولا يمكن استيفاؤه من غير القاتل فلم تصح الكفالة به كالحد ولأن فيه تغريرا بحق المولى عليه فإنه ربما خلى سبيله فهرب فضاع الحق فصل فإن قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين لم يجب عليه قصاص وبهذا قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي والقول الأخير عليه القصاص لأنه ممنوع من قتله وبعضه غير مستحق له وقد يجب القصاص بإتلاف بعض النفس بدليل ما لو اشترك الجماعة في قتل واحد ولنا إنه مشارك في استحقاق القتل فلم يجب عليه القصاص كما لو كان مشاركا في ملك الجارية ووطئها ولأنه محل يملك بعضه فلم تجب العقوبة المقدرة باستيفائه كالأصل ويفارق إذا قتل الجماعة واحدا فإنا لا نوجب القصاص بقتل بعض النفس وإنما نجعل كل واحد منهم قاتلا لجميعها وإن سلمنا وجوبه عليه لقتله بعض النفس فمن شرطه المشاركة لمن فعله كفعله في العمد والعدوان ولا يتحقق هاهنا إذا ثبت هذا فإن للولي الذي لم يقتل قسطه من الدية لأنه حقه من القصاص سقط بغير اختياره فأشبه ما لو مات القاتل أو عفا بعض الأولياء وهل يجب ذلك على قاتل الجاني أو في تركة الجاني فيه وجهان وللشافعي قولان أحدهما يرجع على قاتل الجاني لأنه أتلف محل حقه فكان الرجوع عليه بعوض نصيبه كما لو كانت له وديعة فأتلفها والثاني يرجع في تركة الجاني كما لو أتلفه أجنبي أو عفا شريكه عن القصاص وقولنا أتلف محل حقه يبطل بما إذا أتلف مستأجره أو غريمه أو امرأته أو كان المتلف أجنبيا ويفارق الوديعة فإنها مملوكة لهما فوجب عوض ملكه أما الجاني فليس بمملوك للمجني عليه وإنما له عليه حق فأشبه ما لو قتل غريمه فعلى هذا يرجع ورثة الجاني على قاتله بدية مورثهم إلا قدر حقه منها فعلى هذا لو كان الجاني أقل دية من قاتله مثل امرأة قتلت رجلا له ابنان فقتلها أحدهما بغير إذن الآخر فللآخر نصف دية أبيه في تركة المرأة التي قتلته ويرجع ورثتها بنصف ديتها على قاتلها وهو ربع دية الرجل
وعلى الوجه الأول يرجع الابن الذي لم يقتل على أخيه بنصف دية المرأة لأنه لم يفوت على أخيه إلا نصف المرأة ولا يمكن أن يرجع على ورثة المرأة بشيء لأن أخاه الذي قتلها أتلف جميع الحق وهذا يدل على ضعف هذا الوجه ومن فوائده أيضا صحة إبراء من حكمنا بالرجوع عليه وملك مطالبته فإن قلنا يرجع على ورثة الجاني صح إبراؤهم وملكوا الرجوع على قاتل موروثهم بقسط أخيه العافي وإن قلنا يرجع على تركة الجاني وله تركة فله الأخذ منها سواء أمكن ورثته أن يستوفوا من الشريك أو لم يمكنهم وإن قلنا يرجع على شريكه لم يكن له مطالبة ورثة الجاني سواء كان شريكه موسرا أو معسرا مسألة قال ( ومن عفا من ورثة المقتول عن القصاص لم يكن إلى القصاص سبيل وإن كان العافي زوجا أو زوجة ) أجمع أهل العلم على إجازة العفو عن القصاص وأنه أفضل والأصل فيه الكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى في سياق قوله كتب عليكم القصاص في القتلى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان البقرة 178 وقال تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس المائدة 45 إلى قوله والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له المائدة 45 قيل في تفسيره فهو كفارة للجاني يعفو صاحب الحق عنه وقيل فهو كفارة للعافي بصدقته وأما السنة فإن أنس بن مالك قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو رواه أبو داود وفي حديثه في قصة الربيع بنت النضر حين كسرت سن جارية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص فعفا القوم إذا ثبت هذا فالقصاص حق لجميع الورثة من ذوي الأنساب والأسباب والرجال والنساء والصغار والكبار فمن عفا منهم صح عفوه وسقط القصاص ولم يبق لأحد إليه سبيل وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والنخعي والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وروي معنى ذلك عن عمر وطاوس والشعبي وقال الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي ليس للنساء عفو والمشهور عن مالك أنه موروث للعصبات خاصة وهو وجه لأصحاب الشافعي لأنه ثبت لدفع العار فاختص به العصبات كولاية النكاح ولهم وجه ثالث أنه لذوي الأنساب دون الزوجين لقول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين بين أن يقتلوا أو يأخذوا العقل وأهله ذوو رحمة وذهب بعض أهل المدينة إلى أن القصاص لا يسقط بعفو بعض الشركاء وقيل هو رواية عن مالك لأن حق غير العافي لا يرضى بإسقاطه وقد تؤخذ النفس ببعض النفس بدليل قتل الجماعة بالواحد ولنا عموم قوله عليه السلام فأهله بين خيرتين وهذا عام في جميع أهله والمرأة من أهله بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم من يعذرني من رجل يبلغني أذاه في أهلي وما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي يريد عائشة وقال له أسامة يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا وروى زيد بن وهب أن عمر أتي برجل قتل قتيلا فجاء ورثة المقتول ليقتلوه فقالت امرأة المقتول وهي أخت القاتل قد عفوت عن حقي فقال عمر الله أكبر عتق القتيل رواه أبو داود وفي رواية عن زيد قال دخل رجل على امرأته فوجد عندها رجلا فقتلها فاستعدى إخوتها عمر فقال بعض إخوتها قد تصدقت فقضى لسائرهم بالدية
وروى قتادة أن عمر رفع إليه رجل قتل رجلا فجاء أولاد المقتول وقد عفا بعضهم فقال عمر لابن مسعود ما تقول قال إنه قد أحرز من القتل فضرب على كتفه وقال كيف ملىء علما والدليل على أن القصاص لجميع الورثة ما ذكرناه في مسألة القصاص بين الصغير والكبير ولأن من ورث الدية ورث القصاص كالعصبة فإذا عفا بعضهم صح عفوه كعفوه عن سائر حقوقه وزوال الزوجية لا يمنع استحقاق القصاص كما لم يمنع استحقاق الدية وسائر حقوقه الموروثة ومتى ثبت أنه حق مشترك بين جميعهم سقط بإسقاط من كان من أهل الإسقاط منهم لأن حقه منه له فينفذ تصرفه فيه فإذا سقط سقط جميعه لأنه مما لا يتبعض كالطلاق والعتاق ولأن القصاص حق مشترك بينهم لا يتبعض مبناه على الدرء والإسقاط فإذا أسقط بعضهم سرى إلى الباقي كالعتق والمرأة أحد المستحقين فسقط بإسقاطها كالرجل ومتى عفا أحدهم فللباقين حقهم من الدية سواء عفا مطلقا أو إلى الدية وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا أعلم لهما مخالفا ممن قال بسقوط القصاص وذلك لأن حقه من القصاص سقط بغير رضاه فثبت له البدل كما لو ورث القاتل بعض دمه أو مات ولما ذكرناه من خبر عمر رضي الله عنه فصل فإن قتله الشريك الذي لم يعف عالما بعفو شريكه وسقوط القصاص به فعليه القصاص سواء حكم به الحاكم أو لم يحكم وبهذا قال أبو حنيفة وأبو ثور وهو الظاهر من مذهب الشافعي وقيل له قول آخر لا يجب القصاص لأن له فيه شبهة لوقوع الخلاف ولنا إنه قتل معصوما مكافئا له عمدا يعلم أنه لا حق له فيه فوجب عليه القصاص كما لو حكم العفو حاكم والاختلاف لا يسقط القصاص فإنه لو قتل مسلما بكافر قتل مسلما بكافر قتلناه به مع الاختلاف في قتله وأما إن قتله قبل العلم بالعفو فلا قصاص عليه وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه عليه القصاص لأنه قتل عمد عدوان لمن لا حق له في قتله ولنا إنه قتله معتقدا ثبوت حقه فيه مع أن الأصل بقاؤه فلم يلزمه قصاص كالوكيل إذا قتل بعد عفو الموكل قبل علمه بعفوه ولا فرق بين أن يكون الحاكم قد حكم بالعفو أو لم يحكم به لأن الشبهة موجودة مع انتفاء العلم معدومة عند وجوده وقال الشافعي متى قتله بعد حكم الحاكم لزمه القصاص علم بالعفو أو لم يعلم وقد بينا الفرق بينهما ومتى حكمنا عليه بوجوب الدية إما لكونه معذورا وإما للعفو عن القصاص فإنه يسقط عنه منها ما قابل حقه على القاتل قصاصا ويجب عليه الباقي فإن كان الولي عفا إلى غير مال فالواجب لورثة القاتل ولا شيء عليهم وإن كان عفا إلى الدية فالواجب لورثة القاتل وعليهم نصيب العافي من الدية وقيل فيه إن حق العافي من الدية على القاتل لا يصح لأن الحق لم يبق متعلقا بعينه وإنما الدية واجبة في ذمته فلم تنتقل إلى القاتل كما لو قتل غريمه فصل فإن كان القاتل هو العافي فعليه القصاص سواء عفا مطلقا أو إلى مال وبهذا قال عكرمة والثوري ومالك والشافعي وابن المنذر وروي عن الحسن تؤخذ منه الدية ولا يقتل وقال عمر بن عبد العزيز الحكم فيه إلى السلطان ولنا قوله تعالى فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم البقرة 178 قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة في تفسيرها أي بعد أخذه الدية وعن الحسن عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية ولأنه قتل معصوما مكافئا فوجب عليه القصاص كما لو لم يكن قتل فصل وإذا عفا عن القاتل مطلقا صح ولم تلزمه عقوبة وبهذا قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر وأبو ثور وقال مالك والليث والأوزاعي يضرب ويحبس سنة ولنا إنه إنما كان عليه حق واحد وقد أسقطه مستحقه فلم يجب عليه شيء آخر كما لو أسقط الدية عن القاتل خطأ
فصل وإذا وكل من يستوفي القصاص صح توكيله نص عليه أحمد رحمه الله فإن وكله ثم غاب وعفا عن القصاص واستوفى الوكيل نظرنا فإن كان عفوه بعد القتل لم يصح لأن حقه قد استوفي وإن كان قتله وقد علم الوكيل به فقد قتله ظلما فعليه القود كما لو قتله ابتداء وإن قتله قبل العلم بعفو الموكل فقال أبو بكر لا ضمان على الوكيل لأنه لا تفريط منه فإن العفو حصل على وجه لا يمكن الوكيل استدراكه فلم يلزمه ضمان كما لو عفا بعد ما رماه وهل يلزم الموكل الضمان فيه قولان أحدهما لا ضمان عليه لأن عفوه غير صحيح لما ذكرنا من حصوله في حال لا يمكنه استدراك الفعل فوقع القتل مستحقا له فلم يلزمه ضمان ولأن العفو إحسان فلا يقتضي وجوب الضمان والثاني عليه الضمان لأن قتل المعفو عنه حصل بأمره وتسليطه على وجه لا ذنب للمباشر فيه فكان الضمان على الآمر كما لو أمر عبده الأعجمي بقتل معصوم وقال غير أبي بكر في صحة العفو وجهان بناء على الروايتين في الوكيل هل ينعزل بعزل الموكل أو لا وللشافعي قولان كالوجهين فإن قلنا لا يصح العفو فلا ضمان على أحد لأنه قتل من يجب قتله بأمر يستحقه وإن قلنا يصح العفو فلا قصاص فيه لأن الوكيل قتل من يعتقد إباحة قتله بسبب هو معذور فيه فأشبه ما لو قتل في دار الحرب من يعتقده حربيا وتجب الدية على الوكيل لأنه لو علم لوجب عليه القصاص فإذا لم يعلم تعلق به الضمان كما لو قتل مرتدا قد أسلم قبل علمه بإسلامه ويرجع بها على الموكل لأنه غره بتسليطه على القتل بتفريطه في ترك إعلامه بالعفو فيرجع عليه كالغار في النكاح بحرية أمة أو تزوج معيبة ويحتمل أن لا يرجع عليه لأن العفو إحسان منه فلا يقتضي الرجوع عليه فعلى هذا تكون الدية على عاقلة الوكيل وهذا اختيار أبي الخطاب لأن هذا جرى مجرى الخطأ فأشبه ما لو قتل في دار الحرب مسلما يعتقده حربيا وقال القاضي هو في مال الوكيل لأنه عن عمد محض وهذا لا يصح لأنه لو كان عمدا محضا لأوجب القصاص ولأنه يشترط في العمد المحض أن يكون عالما بحال المحل وكونه معصوما ولم يوجد هذا وإن قال هو عمد الخطأ فعمد الخطأ تحمله العاقلة ذكره الخرقي ودل عليه خبر المرأة التي قتلت جاريتها وجنينها بمسطح فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلتها واختلف أصحاب الشافعي على هذين الوجهين فعلى قول القاضي إن كان الموكل عفا إلى الدية فله الدية في تركة الجاني ولورثة الجاني مطالبة الوكيل بديته وليس للموكل مطالبة الوكيل بشيء فإن قيل فقد قلتم فيما إذا كان القصاص لأخوين فقتله أحدهما فعليه نصف الدية ولأخيه مطالبته به في وجه
قلنا ثم أتلف حقه فرجع ببدله عليه وهاهنا أتلفه بعد سقوط حق الموكل عنه فافترقا وإن قلنا إن الوكيل يرجع على الموكل احتمل أن تسقط الديتان لأنه لا فائدة في أن يأخذها الورثة من الوكيل ثم يدفعوها إلى الموكل ثم يردها الموكل إلى الوكيل فيكون تكليفا لكل واحد منهم بغير فائدة ويحتمل أن يجب ذلك لأن الدية الواجبة في ذمة الوكيل لغير من الوكيل الرجوع عليه وإنما تتساقط الديتان إذا كان لكل واحد من الغريمين على صاحبه مثل ما له عليه ولأنه قد تكون الديتان مختلفتين بأن يكون أحد المقتولين رجلا والآخر امرأة فعلى هذا يأخذ ورثة الجاني ديته من الوكيل ويدفعون إلى الموكل دية وليه ثم يرد الموكل إلى الوكيل قدر ما غرمه وإن أحال ورثة الجاني الموكل على الوكيل بدية وليهم صح فإن كان الجاني أقل دية مثل أن تكون امرأة قتلت رجلا فقتلها الوكيل فلورثتها إحالة الموكل بديتها لأنه القدر الواجب لهم على الوكيل فيسقط عن الوكيل والموكل جميعا ويرجع الموكل على ورثتها بنصف دية وليه وإن كان الجاني رجلا قتل امرأة فقتله الوكيل فلورثة الجاني إحالة الموكل بدية المرأة لأن الموكل لا يستحق عليهم أكثر من ديتها ويطالبون الوكيل بنصف دية الجاني ثم يرجع به على الموكل فصل وإذا جني على الإنسان فيما دون النفس جناية توجب القصاص فعفا عن القصاص ثم سرت الجناية إلى نفسه فمات لم يجب القصاص وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك أن القصاص واجب لأن الجناية صارت نفسا ولم يعف عنها ولنا إنه يتعذر استيفاء القصاص في النفس دون ما عفا عنه فسقط في النفس كما لو عفا بعض الأولياء ولأن الجناية إذا لم يكن فيها قصاص مع إمكانه لم يجب في سرايتها كما لو قطع يد مرتد ثم أسلم ثم مات منها نظرنا فإن كان عفا على مال فله الدية كاملة وإن عفا على غير مال وجبت الدية إلا أرش الجراح الذي عفا عنه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة تجب الدية كاملة لأن الجناية صارت نفسا وحقه في النفس لا فيما عفا عنه وإنما سقط القصاص للشبهة وإن قال عفوت عن الجناية لم يجب شيء لأن الجناية لا تختص بالقطع وقال القاضي فيما إذا عفا عن القطع ظاهر كلام أحمد أنه لا يجب شيء وبه قال أبو يوسف ومحمد لأنه قطع غير مضمون فكذلك سرايته ولنا إنها سراية جناية أوجبت الضمان فكانت مضمونة كما لو لم يعف وإنما سقطت ديتها بعفوه عنها فيختص السقوط بما عفا عنه دون غيره والمعفو عنه نصف الدية لأن الجناية أوجبت نصف الدية فإذا عفا سقط ما وجب دون ما لم يجب فإذا صارت نفسا وجب بالسراية نصف الدية ولم يسقط أرش الجرح فيما إذا لم يعف وإنما تكلمت الدية بالسراية فصل فإن كان الجرح لا قصاص فيه كالجائفة ونحوها فعفا عن القصاص فيه ثم سرى إلى النفس فلوليه القصاص لأن القصاص لم يجب في الجرح فلم يصح العفو عنه وإنما وجب القصاص بعد عفوه وله العفو عن القصاص وله كمال الدية
وإن عفا عن دية الجرح صح وله بعد السراية دية النفس إلا أرش الجرح ولا يمتنع وجوب القصاص في النفس مع أنه لا يجب كمال الدية بالعفو عنه كما لو قطع يدا فاندملت واقتص منها ثم انتقضت وسرت إلى النفس فله القصاص في النفس وليس له العفو إلا على نصف الدية وإن قطع يده من نصف الساعد فعفا عن القصاص ثم سرى فعلى قول أبي بكر لا يسقط القصاص في النفس لأن القصاص لم يجب فهو كالجائفة ومن جوز له القصاص من الكوع أسقط القصاص في النفس كما لو كان القطع من الكوع وقال المزني لا يصح العفو عن دية الجرح قبل اندماله فلو قطع يدا فعفا عن ديتها وقصاصها ثم اندملت لم تسقط ديتها وسقط قصاصها لأن القصاص قد وجب فيها فصح العفو عنه بخلاف الدية وليس بصحيح لأن دية الجرح إنما وجبت بالجناية إذ هي السبب ولهذا لو جنى على طرف عبد ثم باعه قبل موته كان أرش الطرف لبائعه لا لمشتريه وتأخير المطالبة به ويصح العفو عنه كذا هاهنا فصل فإن قطع يده فعفا عنه ثم عاد الجاني فقتله فلوليه القصاص وهذا ظاهر مذهب الشافعي قال بعضهم لا قصاص لأن العفو حصل عن بعضه فلا يقتل به كما لو سرى القطع إلى نفسه ولنا إن القتل انفرد عن القطع فعفوه عن القطع لا يمنع ما يلزم بالقتل كما لو كان القاطع غيره وإن اختار الدية فقال القاضي إن كان العفو عن الطرف إلى غير دية فله بالقتل نصف الدية وهو ظاهر مذهب الشافعي ولأن القتل إذا تعقب الجناية قبل الاندمال كان كالسراية ولذلك لو لم يعف لم يجب أكثر من دية والقطع يدخل في القتل في الدية دون القصاص ولذلك لو أراد القصاص كان له أن يقطع ثم يقتل ولو صار الأمر إلى الدية لم يجب إلا دية واحدة وقال أبو الخطاب له العفو إلى دية كاملة وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن القطع منفرد عن القطع فلم يدخل حكم أحدهما في الآخر كما لو اندمل ولأن القتل موجب للقتل فأوجب الدية كاملة كما لو لم يتقدمه عفو وفارق السراية فإنها لم توجب قتلا ولأن السراية عفي عن سببها والقتل لم يعف عن شيء منه ولا عن سببه وسواء فيما ذكرنا كان العافي عن الجرح أخذ دية طرفه أو لم يأخذها فصل وإن قطع أصبعا فعفا المجني عليه عن القصاص ثم سرت الجناية إلى الكف ثم اندمل الجرح لم يجب القصاص لما ذكرنا في النفس ولأن القصاص سقط في الأصبع بالعفو فصارت اليد ناقصة لا تؤخذ بها الكاملة ثم إن كان العفو إلى الدية وجبت الدية كلها وإن كان على غير مال خرج فيه من الخلاف ما ذكرنا فيما إذا قطع يدا فعفا المجني عليه ثم سرى إلى نفسه فعلى هذا تجب هاهنا دية الكف لا دية الأصبع ذكره أبو الخطاب وهو مذهب الشافعي وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أن لا يجب شيء وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن العفو عن الجناية عفو عما يحدث منها وقد قال القاضي إن القياس فيما إذا قطع اليد ثم سرى إلى النفس أن يجب نصف الدية فيلزمه أن يقول مثل ذلك هاهنا فصل فإن قال عفوت عن الجناية وما يحدث منها صح عفوه ولم يكن له في سرايتها قصاص ولا دية في ظاهر كلام أحمد وسواء عفا بلفظ العفو أو الوصية وممن قال بصحة عفو المجروح عن دمه مالك وطاوس والحسن وقتادة والأوزاعي وقال أصحاب الشافعي إذا قال عفوت عن الجناية وما يحدث منها ففيه قولان أحدهما أنه وصية فيبني على الوصية للقاتل وفيه قولان أحدهما لا يصح فتجب دية النفس إلا دية الجرح والثاني يصح فإن خرجت من الثلث سقط وإلا سقط منها ما خرج من الثلث ووجب الباقي والقول الثاني ليس بوصية لأنه إسقاط في الحياة فلا يصح وتلزمه دية النفس إلا دية الجرح
ولنا إنه أسقط حقه بعد انعقاد سببه فسقط كما لو أسقط الشفعة بعد البيع إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يخرج من الثلث أو لم يخرج لأن موجب العمد القود في إحدى الروايتين أو أحد شيئين في الرواية الأخرى فما تعينت الدية ولا تعينت الوصية بمال ولذلك صح العفو من المفلس إلى غير مال وأما جناية الخطأ فإذا عفا عنها وعما يحدث منها اعتبر خروجها من الثلث سواء عفا بلفظ العفو أو الوصية أو الإبراء أو غيرها فإن خرجت من الثلث صح عفوه في الجميع وإن لم تخرج من الثلث سقط عنه من ديتها ما احتمله الثلث وبهذا قال مالك والثوري وأصحاب الرأي ونحوه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي وإسحاق لأن الوصية هاهنا بمال فصل فإن اختلف الجاني والولي أو المجني عليه فقال الجاني عفوت مطلقا وقال المجني عليه بل عفوت إلى مال أو قال عفوت عن الجناية وما يحدث منها قال بل عفوت عنها دون ما يحدث منها فالقول قول المجني عليه أو وليه إن كان الخلاف معه لأن الأصل عدم العفو عن الجميع وقد ثبت العفو عن البعض بإقراره فيكون القول في عدم سقوطه قوله مسألة قال ( وإذا اشترك الجماعة في القتل فأحب الأولياء أن يقتلوا الجميع فلهم ذلك وإن أحبوا أن يقتلوا البعض ويعفوا عن البعض ويأخذوا الدية من الباقين فلهم ذلك ) أما قتلهم للجميع فقد ذكرنا فيما مضى وأما إن أحبوا قتل البعض فلهم ذلك لأن كل من لهم قتله فلهم العفو عنه كالمنفرد ولا يسقط القصاص عن البعض بعفو البعض لأنهما شخصان فلا يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر كما لو قتل كل واحد رجلا وأما إذا اختاروا أخذ الدية من القاتل أو من بعض القتلة فإن لهم هذا من غير رضا الجاني وبهذا قال سعيد بن المسيب وابن سيرين والشافعي وعطاء ومجاهد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال النخعي ومالك وأبو حنيفة ليس للأولياء إلا القتل إلا أن يصطلحا على الدية برضا الجاني وعن مالك رواية أخرى كقولنا واحتجوا بقوله تعالى كتب عليكم القصاص البقرة 178 والمكتوب لا يتخير فيه ولأنه متلف يجب به البدل فكان بدله معينا كسائر أبدال المتلفات ولنا قول الله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان البقرة 178 قال ابن عباس كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية فأنزل الله تعالى هذه الآية كتب عليكم القصاص في القتلى البقرة 178 فمن عفي له من أخيه شيء البقرة 178 فالعفو أن تقبل في العمد الدية فاتباع بالمعروف البقرة 178 يتبع الطالب بالمعروف ويؤدي إليه المغلوب بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كتب على من قبلكم رواه البخاري وروى أبو هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودى وإما يقاد متفق عليه وروى أبو شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية رواه أبو داود وغيره ولأن القتل المضمون إذا سقط فيه القصاص من غير إبراء ثبت المال كما لو عفا بعض الورثة ويخالف سائر المتلفات لأن بدلها يجب من جنسها وهاهنا يجب في الخطأ وعمد الخطأ من غير الجنس فإذا رضي في العمد ببدل الخطأ كان له ذلك لأنه أسقط بعض حقه ولأن القاتل أمكنه إحياء نفسه ببذل الدية فلزمه وينتقض ما ذكروه بما إذا كان رأس الشاج أصغر أو يد القاطع أنقص فإنهم سلموا فيهما
فصل واختلفت الرواية في موجب العمد فروي عن أحمد رحمه الله أن موجبه القصاص عينا لقوله عليه السلام من قتل عمدا فهو قود ولما ذكروه في دليلهم وروي أن موجبه أحد شيئين القصاص أو الدية لما ذكرناه قبل هذا ولأن الدية أحد بدلي النفس فكانت بدلا عنها لا عن بدلها كالقصاص وأما الخبر فالمراد به وجوب القود ونحن نقول به ويخالف القتل سائر المتلفات لأن بدلها لا يختلف بالقصد وعدمه والقتل بخلافه وللشافعي قولان كالروايتين فإذا قلنا موجبه القصاص عينا فله العفو إلى الدية والعفو مطلقا فإذا عفا مطلقا لم يجب شيء وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال بعضهم تجب الدية لئلا يطل الدم وليس بشيء لأنه لو عفا عن الدية بعد وجوبها صح عفوه وإن عفا عن القصاص بغير مال لم يجب شيء فأما إن عفا عن الدية لم يصح عفوه لأنها لم تجب وإن قلنا الواجب أحد شيئين لا بعينه فعفا عن القصاص مطلقا أو إلى الدية وجبت الدية لأن الواجب غير معين فإذا ترك أحدهما وجب الآخر وإن اختار الدية سقط القصاص وإن اختار القصاص تعين وهل له بعد ذلك العفو على الدية قال القاضي له ذلك لأن القصاص أعلى فكان له الانتقال إلى الأدنى ويكون بدلا عن القصاص وليست التي وجبت بالقتل كما قلنا في الرواية الأولى أن الواجب القصاص عينا وله العفو إلى الدية ويحتمل أنه ليس له ذلك لأنه أسقطها باختياره القود فلم يعد إليها فصل وإذا جنى عبد على حر جناية موجبة للقصاص فاشتراه المجني عليه بأرش الجناية سقط القصاص لأن عدوله إلى الشراء اختيار للمال ولا يصح الشراء لأنهما إن لم يعرفا قدر الأرش فالثمن مجهول وإن عرفا عدد الإبل وأسنانها فصفتها مجهولة والجهل بالصفة كالجهل بالذات في فساد البيع ولذلك لو باعه شيئا يحمل جذع غير معروف الصفة لم يصح وإن قدر الأرش بذهب أو فضة وباعه به صح فصل إذا وجب القصاص لصغير لم يجز لوليه العفو إلى غير مال لأنه لا يملك إسقاط حقه وإن أحب العفو إلى مال وللصبي كفاية من غيره لم يجز لأن فيه تفويت حقه من غير حاجة فإن كان فقيرا محتاجا ففيه وجهان أحدهما له ذلك لحاجته إلى المال لحفظه قال القاضي هذا أصح والثاني لا يجوز لأنه لا يملك إسقاط قصاصه وأما حاجته فإن نفقته في بيت المال والصحيح الأول فإن وجوب النفقة في بيت المال لا يغنيه إذا لم يحصل فأما إن كان مستحق القصاص مجنونا فقيرا فلوليه العفو على المال لأنه ليس حالة معتادة ينتظر فيها رجوع عقله فصل ويصح عفو المفلس والمحجور عليه لسفه عن القصاص لأنه ليس بمال وإن أراد المفلس القصاص لم يكن لغرمائه إجباره على تركه وإن أحب العفو عنه إلى مال فله ذلك لأن فيه حظا للغرماء وإن أراد العفو على مال انبنى على الروايتين إن قلنا الواجب القصاص فله ذلك لأنه لم يثبت له مال يتعلق به حق الغرماء وإن قلنا الواجب أحد شيئين لم يملك لأن المال يجب بقوله عفوت عن القصاص فقوله على غير مال إسقاط له بعد وجوبه وتعيينه ولا يملك ذلك وهكذا الحكم في السفيه ووارث المفلس وإن عفا المريض على غير مال فذكر القاضي في موضع أنه يصح سواء خرج من الثلث أو لم يخرج وذكر أن أحمد نص على هذا وقال في موضع يعتبر خروجه من ثلثه ولعله ينبني على الروايتين في موجب العمد على ما مضى فصل وإذا قتل من ولا وارث له فالأمر إلى السلطان فإن أحب القصاص فله ذلك وإن أحب العفو على مال فله ذلك وإن أحب العفو إلى غير مال لم يملكه لأن ذلك للمسلمين ولاحظ لهم في هذا وهذا قول أصحاب الرأي إلا أنهم لا يرون العفو على مال إلا برضا الجاني
فصل وإذا اشترك الجماعة في القتل فعفي عنهم إلى الدية فعليهم دية واحدة وإن عفا عن بعضهم فعلى المعفو عنه قسطه من الدية لأن الدية بدل المحل وهو واحد فتكون ديته واحدة سواء أتلفه واحد أو جماعة وقال ابن أبي موسى فيه رواية أخرى أن على كل واحدة دية كاملة لأن له قتل كل واحد منهم فكان على كل واحد منهم دية نفس كاملة كما لو قلع الأعور عين صحيح فإنه تجب عليه دية عينه وهو دية كاملة والصحيح الأول لأن الواجب بدل المتلف فلا يختلف المتلف ولذلك لو قتل عبد قيمته ألفان حرا لم يملك العفو على أكثر من الدية وأما القصاص فإنه عقوبة على الفعل فيتعدد بتعدده مسألة قال ( وإن قتل من للأولياء أن يقيدوا به فبذل القاتل أكثر من الدية على أن لا يقاد فللأولياء قبول ذلك ) وجملته أن من له القصاص له أن يصالح عنه بأكثر من الدية وبقدرها وأقل منها لا أعلم فيه خلافا لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل عمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا أخذوا الدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد القتل رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وروينا أن هدبة بن خشرم قتل قتيلا فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول سبع ديات ليعفو عنه فأبى ذلك وقتله ولأنه عوض عن غير مال فجاز الصلح عنه بما اتفقوا عليه كالصداق وعوض الخلع ولأنه صلح عما لا يجري فيه الربا فأشبه الصلح عن العروض مسألة قال ( وإذا أمسك رجلا وقتله آخر قتل القاتل وحبس الماسك حتى يموت ) يقال أمسك ومسك ومسك وقد جمع الخرقي بين اللغتين فقال إذا أمسك وحبس الماسك وهو اسم الفاعل من مسك مخففا ولا خلاف في أن القاتل يقتل لأنه قتل من يكافئه عمدا بغير حق وأما الممسك فإن لم يعلم أن القاتل يقتله فلا شيء عليه لأنه متسبب والقاتل مباشر فسقط حكم المتسبب به وإن أمسكه له ليقتله مثل أن ضبطه له حتى ذبحه له فاختلفت الرواية فيه عن أحمد فروي عنه أنه يحبس حتى يموت وهذا قول عطاء وربيعة وروي ذلك عن علي وروي عن أحمد أنه يقتل أيضا وهو قول مالك قال سليمان بن أبي موسى الاجتماع فينا أن يقتل لأنه لو لم يمسكه ما قدر على قتله وبإمساكه تمكن من قتله فالقتل حاصل بفعلهما فيكونان شريكين فيه فيجب عليهما القصاص كما لو جرحاه وقال أبو حينفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يعاقب ويأثم ولا يقتل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله والممسك غير قاتل ولأن الإمساك سبب غير ملجىء فإذا اجتمعت معه المباشرة كان الضمان على المباشر كما لو لم يعلم الممسك أنه يقتله ولنا ما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك ولأنه حبسه إلى الموت فيحبس الآخر إلى الموت كما لو حبسه عن الطعام والشراب حتى مات فإننا نفعل به ذلك حتى يموت فصل وإن اتبع رجلا ليقتله فهرب منه فأدركه آخر فقطع رجله ثم أدركه الثاني فقتله نظرت فإن كان قصد الأول حبسه بالقطع ليقتله الثاني فعليه القصاص في القطع وحكمه في القصاص في النفس حكم الممسك لأنه حبسه على القتل وإن لم يقصد حبسه فعليه القطع دون القتل كالذي أمسكه غير عالم وفيه وجه حر ليس عليه إلا القطع بكل حال والأول أصح لأنه الحابس له بفعله فأشبه الحابس بإمساكه
فإن قيل لم اعتبرتم قصد الإمساك هاهنا وأنتم لا تعتبرون إرادة القتل في الخارج قلنا إذا مات من الجرح فقد مات من سرايته وأثره فنعتبر قصد الجرح الذي هو السبب دون قصد الأثر وفي مسألتنا إنما كان موته بأمر غير السراية والفعل ممكن له عليه فاعتبر قصده لذلك الفعل كما لو أمسكه مسألة قال ( ومن أمر عبده أن يقتل رجلا وكان العبد أعجميا لا يعلم أن القتل محرم قتل السيد وإن كان يعلم خطر القتل قتل العبد وأدب السيد ) إنما ذكر الخرقي كونه أعجميا وهو الذي لا يفصح ليتحقق منه الجهل وإنما يكون الجهل في حق من نشأ في غير بلاد الإسلام فأما من أقام في بلاد الإسلام بين أهله فلا يخفى عليه تحريم القتل ولا يعذر في فعله ومتى كان العبد يعلم تحريم القتل فالقصاص عليه ويؤدب سيده لأمره بما أفضى إلى القتل بما يراه الإمام من الحبس والتعزير وإن كان غير عالم بخطره فالقصاص على سيده ويؤدب العبد قال أحمد يضرب ويؤدب ونقل عنه أبو طالب قال يقتل الولي ويحبس العبد حتى يموت لأن العبد سوط المولى وسيفه كذا قال علي وأبو هريرة وقال علي رضي الله عنه يستودع السجن وممن قال بهذه الجملة الشافعي وممن قال إن السيد يقتل علي وأبو هريرة وقال قتادة يقتلان جميعا وقال سليمان بن موسى لا يقتل الآمر ولكن يديه ويعاقب ويحبس لأنه لم يباشر القتل ولا ألجأ إليه فلم يجب عليه قصاص كما لو علم العبد خطر القتل ولنا إن العبد إذا كان غير عالم بخطر القتل فهو معتقد إباحته وذلك شبهة تمنع القصاص كما لو اعتقده صيدا فرماه فبان إنسانا ولأن حكمة القصاص الردع والزجر ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة وإذا لم يجب عليه وجب على السيد لأنه آلة له لا يمكن إيجاب القصاص عليه فوجب على المتسبب به كما لو أنهشه حية أو كلبا أو ألقاه في زبية أسد فأكله ويفارق هذا ما إذا علم خطر القتل فإن القصاص على العبد لإمكان إيجابه عليه وهو مباشر له فانقطع حكم الأمر كالدافع مع الحافر ويكون على السيد الأدب لتعديه بالتسبب إلى القتل فصل ولو أمر صبيا لا يميز أو مجنونا أو أعجميا لا يعلم خطر القتل فقتل فالحكم فيه كالحكم في العبد يقتل الآمر دون المباشر ولو أمره بزنا أو سرقة لم يجب الحد على الآمر لأن الحد لا يجب إلا على المباشر والقصاص يجب بالتسبب ولذلك وجب على المكره والشهود في القصاص فصل ولو أمر السلطان رجلا فقتل آخر فإن كان القاتل يعلم أنه لا يستحق قتله فالقصاص عليه دون الآمر لأنه غير معذور في فعله فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وعنه عليه السلام أنه قال من أمركم من الولاة بغير طاعة الله تعالى فلا تطيعوه فلزمه القصاص كما لو أمره غير السلطان فإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور لأن المأمور معذور لوجوب طاعة الإمام فيما ليس بمعصية والظاهر أنه لا يأمر إلا بالحق وإن أمره غير السلطان من الرعية بالقتل فقتل فالقود على المأمور بكل حال علم أو لم يعلم لأنه لا يلزمه طاعته وليس له القتل بحال بخلاف السلطان فإن إليه القتل للردة والزنا وقطع الطريق إذا قتل القاطع ويستوفي القصاص للناس وهذا ليس إليه شيء من ذلك وإن أكرهه السلطان على قتل أحد أو جلده بغير حق فمات فالقصاص عليهما وإن وجبت الدية كانت عليهما فإن كان الإمام يعتقد جواز القتل دون المأمور كمسلم قتل ذميا أو حر قتل عبدا فقتله فقال القاضي الضمان عليه دون الإمام لأن الإمام أمره بما أدى اجتهاده إليه والمأمور لا يعتقد جوازه فلم يكن له أن يقبل أمره
فإذا قتله لزمه الضمان لأنه قتل من لا يحل له قتله وينبغي أن يفرق بين العامي والمجتهد فإن كان مجتهدا فالحكم فيه على ما ذكره القاضي وإن كان مقلدا فلا ضمان عليه لأن له تقليد الإمام فيما رآه وإن كان الإمام يعتقد تحريمه والقاتل يعتقد حله فالضمان على الآمر كما لو أمر السيد الذي لا يعتقد تحريم القتل به والله أعلم كتاب الديات الأصل في وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا النساء 92 وأما السنة فروى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات وقال فيه وإن في النفس مائة من الإبل رواه النسائي في سننه ومالك في موطئه قال ابن عبد البر وهو كتاب مشهور عند أهل السير ومعروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه المتواتر في مجيئه في أحاديث كثيرة تأتي في مواضعها من الباب إن شاء الله وأجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( ودية الحر المسلم مائة من الإبل ) أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل في الدية وأن دية الحر المسلم مائة من الإبل وقد دلت عليه الأحاديث الواردة منها حديث عمرو بن حزم وحديث عبد الله بن عمر في دية خطأ العمد وحديث ابن مسعود في دية الخطأ وسنذكرها إن شاء الله وظاهر كلام الخرقي أن الأصل في الدية الإبل لا غير وهذا إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله ذكر ذلك أبو الخطاب وهو قول طاوس والشافعي وابن المنذر وقال القاضي لا يختلف المذهب أن أصول الدية الإبل والذهب والورق والبقر والغنم فهذه خمسة لا يختلف المذهب فيها وهذا قول عمر وعطاء وطاوس وفقهاء المدينة السبعة وبه قال الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد لأن عمرو بن حزم روى في كتابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن وأن في النفس المؤمنة مائة من الإبل وعلى أهل الورق ألف دينار رواه النسائي وروى ابن عباس أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم دينه اثني عشر ألفا رواه أبو داود وابن ماجة وروى الشعبي أن عمر جعل على أهل الذهب ألف دينار وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر قام خطيبا فقال ألا إن الإبل قد غلت فقوم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا وعلى أهل البقر مائتين بقرة وعلى أهل الشاة ألف شاة وعلى أهل الحلل مائتين حلة رواه أبو داود ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين دية العمد والخطأ فغلظ بعضها وخفف بعضها ولا يتحقق هذا في غير الإبل ولأنه بدل متلف حقا لآدمي فكان متعينا كعوض الأموال وحديث ابن عباس يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الورق بدلا عن الإبل والخلاف في كونها أصلا وحديث عمرو بن شعيب يدل على أن الأصل الإبل فإن إيجابه لهذه المذكورات على سبيل التقويم لغلاء الإبل ولو كانت أصولا بنفسها لم يكن إيجابها تقويما للإبل ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك ولا لذكره معنى وقد روي أنه كان يقوم الإبل قبل أن تغلو بثمانية آلاف درهم ولذلك قيل إن دية الذمي أربعة آلاف درهم وديته نصف الدية فكان ذلك أربعة آلاف حين كانت الدية ثمانية آلاف درهم
فصل فإذا قلنا هي خمسة أصول فإن قدرها من الذهب ألف مثقال ومن الورق اثنا عشر ألف درهم ومن البقر والحلل مائتان ومن الشاة ألفا ولم يختلف القائلون بهذه الأصول في قدرها من الذهب ولا من سائرها إلا الورق فإن الثوري وأبا حنيفة وصاحبيه قالوا قدرها عشرة آلاف من الورق وحكي ذلك عن ابن شبرمة لما روى الشعبي أن عمر جعل على أهل الورق عشرة آلاف ولأن الدينار معدول في الشرع بعشرة دراهم بدليل أن نصاب الذهب عشرون مثقالا ونصاب الفضة مائتان وبما ذكرناه قال الحسن وعروة ومالك والشافعي في قول وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس لما ذكرنا من حديث ابن عباس وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر ولأن الدينار معدول باثني عشر درهما بدليل أن عمر فرض الجزية على الغني أربعة دنانير أو ثمانية وأربعين درهما وعلى المتوسط دينارين أو أربعة وعشرون درهما وعلى الفقير دينارا أو اثنا عشر درهما وهذا أولى مما ذكروه في نصاب الزكاة ولأنه لا يلزم أن يكون نصاب أحدهما معدولا بنصاب الآخر كما أن السائمة من بهيمة الأنعام ليس نصاب شيء منها معدولا بنصاب غيره قال ابن عبد البر ليس مع من جعل الدية عشرة آلاف عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث مسند ولا مرسل وحديث الشعبي عن عمر يخالفه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عنه فصل وعلى هذا أي شيء أحضره من عليه الدية من القاتل أو العاقلة من هذه الأصول لزم الولي أخذه ولم يكن له المطالبة بغيره سواء كان من أهل ذلك النوع أو لم يكن لأنها أصول في قضاء الواجب يجزىء واحد منها فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه كخصال الكفارة وكشاتي الجبران في الزكاة مع الدراهم وإن قلنا الأصل الإبل خاصة فعليه تسليمها إليه سليمة من العيوب وأيهما أراد العدول عنها إلى غيرها فللآخر منعه لأن الحق متعين فيها فاستحقت كالمثل في المثليات المتلفة وإن أعوزت الإبل ولم توجد إلا بأكثر من ثمن المثل فله العدول إلى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم وهذا قول الشافعي القديم وقال في الجديد تجب قيمة الإبل بالغة ما بلغت لحديث عمرو بن شعيب عن عمر في تقويم الإبل ولأن ما ضمن بنوع من المال وجبت قيمته كذوات الأمثال ولأن الإبل إذا أجزأت إذا قلت قلت قيمتها ينبغي أن تجزىء وإن كثرت قيمتها كالدنانير إذا غلت أو رخصت وهكذا ينبغي أن تقول إذا غلت الإبل كلها فأما إن كانت الإبل موجودة بثمن مثلها إلا أن هذا لم يجدها لكونها في غير بلده نحو ذلك فإن قوم الدية من الدراهم اثني عشر ألفا وألف دينار فصل وظاهر كلام الخرقي أنه لا يعتبر قيمة الإبل بل متى وجدت على الصفة المشروطة وجب أخذها قلت قيمتها أو كثرت وهذا ظاهر مذهب الشافعي وذكر أصحابنا أن ظاهر مذهب أحمد أن تؤخذ مائة قيمة كل بعير منها مائة وعشرون درهما فإن لم يقدر على ذلك أدى اثني عشر ألف درهم أو ألفي دينار لأن عمر قوم الإبل على أهل الذهب ألف مثقال وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا فدل على أن ذلك قيمتها ولأن هذه إبدال محل واحد فيجب أن تتساوى في القيمة كالمثل والقيمة في بدل القرض والمتلف في المثليات
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في النفس المؤمنة مائة من الإبل وهذا مطلق فتقييده يخالف إطلاقه فلم يجز إلا بدليل ولأنها كانت تؤخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيمتها ثمانية آلاف وقول عمر في حديث إن الإبل قد غلت فقومها على أهل الورق اثني عشر ألفا دليل على أنها في حال رخصها أقل قيمة من ذلك وقد كانت تؤخذ في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من ولاية عمر مع رخصها وقلة قيمتها ونقصها عن مائة وعشرين فإيجاب ذلك فيها خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين دية الخطأ والعمد فغلظ دية العمد وخفف دية الخطأ وأجمع عليه أهل العلم واعتبارها بقيمة واحدة تسوية بينهما وجمع بين ما فرقه الشارع وإزالة للتخفيف والتغليظ جميعا بل هو تغليظ لدية الخطأ لأن اعتبار ابن مخاض بقيمة ثنية أو جذعة يشق جدا فيكون تغليظا للدية في الخطأ وتخفيفا لدية العمد وهذا خلاف ما قصده الشارع وورد به ولأن العادة نقص قيمة بنات المخاض عن قيمة الحقاق والجذعات فلو كانت تؤدى على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بقيمة واحدة ويعتبر ذلك فيها لنقل ولم يجز الإخلال به لأن ما ورد به الشرع مطلقا إنما يحمل على العرف والعادة فإذا أريد به ما يخالف العادة وجب بيانه وإيضاحه لئلا يكون تلبيسا في الشريعة وإيهامهم أن حكم الله خلاف ما هو حكمه على الحقيقة والنبي صلى الله عليه وسلم بعث للبيان قال الله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم النحل 44 فكيف يحمل قوله على الإلباس والإلغاز هذا مما لا يحل ثم لو حمل الأمر على ذلك لكن الأسنان عبثا غير مفيد فإن فائدة ذلك إنما هو كون اختلاف أسنانها مظنة اختلاف القيم فأقيم مقامه ولأن الإبل أصل في الدية فلا تعتبر قيمتها بغيرها كالذهب والورق ولأنها أصل في الوجوب فلا تعتبر قيمتها كالإبل في السلم وشاة الجبران وحديث عمرو بن شعيب حجة لنا فإن الإبل كانت تؤخذ قبل أن تغلو ويقومها عمر وقيمتها أقل من اثني عشر ألفا وقد قيل إن قيمتها كانت ثمانية ألاف ولذلك قال عمر دية الكتابي أربعة آلاف وقولهم إنها إبدال محل واحد فلنا أن نمنع ونقول البدل إنما هو الإبل وغيرها معتبر بها وإن سلمنا فهو منتقض بالذهب والورق فإنه لا يعتبر تساويهما وينتقض أيضا بشاة الجبران مع الدراهم وأما بدل القرض والمتلف فإنما هو المثل خاصة والقيمة بدل عنه لا تجب إلا عند العجز عنه بخلاف مسألتنا فإن قيل هذا حجة عليكم لقولكم إن الإبل هي الأصل وغيرها بدل عنها فيجب أن يساويها كالمثل والقيمة قلنا إذا ثبت لنا هذا ينبغي أن يقوم غيرها بها ولا تقوم هي بغيرها لأن البدل يتبع الأصل ولا يتبع الأصل البدل على أنا نقول إنما صير إلى التقدير بهذا لأن عمر رضي الله عنه قومها في وقته بذلك فوجب المصير إليه كي لا يؤدي إلى التنازع والاختلاف في قيمة الإبل الواجبة كما قدر لبن المصراة بصاع من التمر نفيا للتنازع في قيمته فلا يوجب هذا أن يرد الأصل إلى التقويم فيفضي إلى عكس حكمة الشرع ووقوع التنازع في قيمة الإبل مع وجوبها بعينها على أن المعتبر في بدلي القرض مساواة المحل المقرض فاعتبر مساواة كل واحد من بدليه له والدية غير معتبرة بقيمة المتلف ولهذا لا تعتبر صفاته وهكذا قول أصحابنا في تقويم البقرة والشاة والحلل يجب أن يكون مبلغ الواجب من كل صنف منها اثني عشر ألفا فتكون قيمة كل بقرة أو حلة ستين درهما وقيمة كل شاة ستة دراهم لتتساوى الأبدال كلها وكل حلة بردتان فيكون أربعمائة برد فصل ولا يقبل في الإبل معيب ولا أعجف ولا يعتبر فيها أن تكون من جنس إبله ولا إبل بلده
وقال القاضي وأصحاب الشافعي الواجب عليه من جنس إبله سواء كان القاتل أو العاقلة لأن وجوبها على سبيل المواساة فيجب كونها من جنس ما لهم كالزكاة فإذا كان عند بعض العاقلة عراب وعند بعضهم بخاتي أخذ من كل واحدة من جنس ما عنده وإن كان عند واحد صنفان ففيه وجهان أحدهما يؤخذ من كل صنف بقسطه والثاني يؤخذ من الأكثر فإن استويا دفع من أيهما شاء فإن دفع من غير إبله خيرا من إبله أو مثلها جاز كما لو أخرج في الزكاة خيرا من الواجب وإن كان أدون لم يقبل إلا أن يرضى المستحق وإن لم يكن له إبل فمن غالب إبل البلد فإن لم يكن في البلد إبل وجب من غالب إبل أقرب البلاد إليه فإن كانت إبله عجافا أو مراضا كلف تحصيل صحاح من جنس ما عنده لأنه بدل متلف فلا تؤخذ فيه معيبة كقيمة الثوب المتلف ونحو هذا قال أصحابنا في البقر والغنم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في النفس المؤمنة مائة من الإبل أطلق الإبل فمن قيدها احتاج إلى دليل ولأنها بدل المتلف فلم يختص بجنس ماله كبدل سائر المتلفات ولأنها حق ليس سببه المال فلم يعتبر كونه من جنس ماله كالمسلم فيه والقرض ولأن المقصود بالدية جبر المفوت والجبر لا يختص بجنس مال من وجب عليه وفارق الزكاة فإنها وجبت على سبيل المواساة ليشارك الفقراء الأغنياء فيما أنعم الله تعالى به عليهم فاقتضى كونه من جنس أموالهم وهذا بدل متلف فلا وجه لتخصيصه بماله وقولهم إنها مواساة غير صحيح وإنما وجبت جبرا للفائت كبدل المال المتلف وإنما العاقلة تواسي القاتل فيما وجب بجنايته ولهذا لا يجب من جنس أموالهم إذا لم يكونوا ذوي إبل والواجب بجنايته إبل مطلقة فتواسيه في تحملها ولأنها لو وجبت من جنس مالهم لوجبت المريضة من المراض والصغيرة من الصغار كالزكاة مسألة قال ( وإن كان القتل عمدا فهي في مال القاتل حالة أرباعا خمس وعشرون بنات مخاص وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون حقه وخمس وعشرون جذعة ) أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة وهذه قضية الأصل وهو أن بدل المتلف يجب على المتلف وأرش الجناية على الجاني قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يجني جان إلا على نفسه وقال لبعض أصحابه حين رأى معه ولده ابنك هذا قال نعم قال أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ولأن موجب الجناية أثر فعل الجاني فيجب أن يختص بضررها كما لا يختص بنفعها فإنه لو كسب كان كسبه له دون غيره وقد ثبت حكم ذلك في سائر الجنايات والإكساب وإنما خولف هذا الأصل في قتل المعذور فيه لكثرة الواجب وعجز الجاني في الغالب عن تحمله مع وجوب الكفارة عليه وقيام عذره تخفيفا عنه ورفقا به والعامد لا عذر له فلا يستحق التخفيف ولا يوجب فيه المعنى المقتضي للمواساة في الخطأ إذا ثبت هذا فإنها تجب حالة وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة تجب في ثلاثة سنين لأنها دية آدمي فكانت مؤجلة كدية شبه العمد
ولنا إن ما وجب بالعمد المحض كان حالا كالقصاص وأرش أطرف العبد ولا يشبه شبه العمد لأن القاتل معذور لكونه لم يقصد القتل وإنما أفضى إليه من غير اختيار منه فأشبه الخطأ ولهذا تحمله العاقلة ولأن القصد التخفيف على العاقلة الذين لم تصدر منهم جناية وحملوا أداء مال مواساة فالأرفق بحالهم التخفيف عنهم وهذا موجود في الخطأ وشبه العمد على السواء وأما العمد فإنما يحمله الجاني في غير حال العذر فوجب أن يكون ملحقا ببدل سائر المتلفات ويتصور الخلاف معه فيما إذا قتل ابنه أو قتل أجنبيا وتعذر استيفاء القصاص لعفو بعضهم أو غير ذلك واختلفت الرواية في مقدارها فروى جماعة عن أحمد أنها أرباع كما ذكر الخرقي وهو قول الزهري وربيعة ومالك وسليمان بن يسار وأبي حنيفة وروي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه وروى جماعة عن أحمد أنها ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها وبهذا قال عطاء ومحمد بن الحسن والشافعي وروي ذلك عن عمر وزيد وأبي موسى والمغيرة لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد القتل رواه الترمذي وقال هو حديث حسن غريب وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهم وعن عمرو بن شعيب أن رجلا يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فقتله فأخذ عمر منه الدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة رواه مالك في موطئه ووجه الأول ما روى الزهري عن السائل بن يزيد قال كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباعا خمسا وعشرين جذعة وخمسا وعشرين حقة وخمسا وعشرين بنت لبون وخمسا وعشرين بنت مخاض ولأنه قول ابن مسعود ولأنه حق يتعلق بجنس الحيوان فلا يعتبر فيه الحمل كالزكاة والأضحية فصل والخلفة الحامل وقول النبي صلى الله عليه وسلم في بطونها أولادها تأكيد وقلما تحمل إلا ثنية وهي التي لها خمس سنين ودخلت في السادسة وأي ناقة حملت فهي خلفة تجزىء في الدية وقد قيل لا تجزىء إلا ثنية لأن في بعض ألفاظ الحديث أربعون خلفة ما بين ثنية عامها إلى بازل ولأن سائر أنواع الإبل مقدرة السن فكذلك الخلفة والذي ذكره القاضي هو الأولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الخلفة والخلفة هي الحامل فيقتضي أن تجزىء كل حامل ولو أحضرها خلفة فأسقطت قبل قبضها فعليه بدلها فإن أسقطت بعد قبضها أجزأت لأنه برىء منها بدفعها فصل فإن اختلفا في حملها رجع إلى أهل الخبرة كما يرجع في حمل المرأة إلى القوابل وإن تسلمها الولي ثم قال لم تكن حوامل وقد ضمرت أجوافها وقال الجاني بل قد ولدت عندك نظرت فإن قبضها بقول أهل الخبرة فالقول قول الجاني لأن الظاهر إصابتهم وإن قبضها بغير قولهم فالقول قول الولي لأن الأصل عدم الحمل مسألة قال ( وإن كان القتل شبه عمد فكما وصفت في أسنانها إلا أنها على العاقلة في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها ) وجملته أن القول في أسنان دية شبه العمد كالقول في دية العمد سواء في اختلاف الروايتين فيها واختلاف العلماء فيها وقد سبق الكلام في ذلك إلا أنها تخالف العمد في أمرين أحدهما أنها على العاقلة في ظاهر المذهب وبه قال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال ابن سيرين والزهري والحارث العكلي وابن شبرمة وقتادة وأبو ثور هي على القاتل في ماله واختاره أبو بكر عبد العزيز لأنها موجب فعل قصده فلم تحمله العاقلة كالعمد المحض ولأنها دية مغلظة فأشبهت دية العمد وهكذا يجب أن يكون مذهب مالك لأن شبه العمد عنده من باب العمد
ولنا ما روى أبو هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها متفق عليه ولأنه نوع قتل لا يوجب قصاصا فوجبت ديته على العاقلة كالخطأ ويخالف العمد المحض لأنه يغلظ من كل وجه لقصده الفعل وإرادته القتل وعمد الخطأ يغلظ من وجه وهو قصده الفعل ويخفف من وجه وهو كونه لم يرد القتل فاقتضى تغليظها من وجه وهو الأسنان وتخفيفها من وجه وهو حمل العاقلة لها وتأجيلها ولا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافا بين أهل العلم وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة وأبو هاشم وعبد الله بن عمر ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقد حكي عن قوم من الخوارج أنهم قالوا الدية حالة لأنها بدل متلف ولم ينقل إلينا ذلك عمن يعد خلافه خلافا وتخالف الدية سائر المتلفات لأنها تجب على غير الجاني على سبيل المواساة له فاقتضت الحكمة تخفيفها عليهم وقد روي عن عمر وعلي أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين ولا مخالف لهما في عصرهما فكان إجماعا فصل ويجب في آخر كل حول ثلثها ويعتبر ابتداء السنة من حين وجوب الدية وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ابتداؤها من حين حكم الحاكم لأنها مدة مختلف فيها فكان ابتداؤها من حين حكم الحاكم كمدة العنة ولنا إنه مال مؤجل فكان ابتداء أجله من حين وجوبه كالدين المؤجل والسلم ولا نسلم الخلاف فيها فإن الخوارج لا يعتد بخلافهم إذا ثبت هذا فإن كان الواجب دية نفس فابتداء حولها من حين الموت سواء كان قتلا موجبا أو عن سراية جرح وإن كان الواجب دية جرح نظرت فإن كان عن جرح اندمل من غير سراية مثل أن قطع يده فبرأت بعد مدة فابتداء المدة من حين القطع لأن تلك حالة الوجوب ولهذا لو قطع يده وهو ذمي فأسلم ثم اندملت وجب نصف دية يهودي وأما إن كان الجرح ساريا مثل أن قطع أصبعه فسرى ذلك إلى كفه ثم اندمل فابتداء المدة من حين الاندمال لأنها إذا سرت فما استقر الأرش إلا عند الاندمال هكذا ذكر القاضي وأصحاب الشافعي وقال أبو الخطاب تعتبر المدة من حين الاندمال فيهما لأن الأرش لا يستقر إلا بالاندمال بينهما فصل وإذا كان الواجب دية فإنها تقسم في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها سواء كانت دية النفس أو دية الطرف كدية جدع الأنف أو الأذنين أو قطع الذكر أو الأنثيين وإن كان دون الدية نظرنا فإن كان ثلث الدية كدية المأمومة أو الجائفة وجب في آخر السنة الأولى ولم يجب منه شيء حالا وإن كان نصف الدية أو ثلثها كدية اليد أو دية المنخرين وجب الثلث في آخر السنة الأولى والباقي في آخر السنة الثانية وإن كان أكثر من الثلثين كدية ثمان أصابع وجب الثلثان في السنتين والباقي في آخر الثالثة وإن كان أكثر من دية مثل أن ذهب سمع إنسان ففي كل سنة ثلث لأن الواجب لو كان دون الدية لم ينقص في السنة عن الثلث فكذلك لا يزيد عليه إذا زاد على الثلث وإن كان الواجب بالجناية على اثنين وجب لكل واحد ثلث في كل سنة لأن كل واحد له دية فيستحق ثلثها كما لو انفرد حقه وإن كان الواجب دون ثلث الدية كدية الأصبع لم تحمله العاقلة لأنها لا تحمل ما دون الثلث ويجب حالا لأنه بدل متلف لا تحمله فكان حالا كالجناية على المال فصل وفي الدية الناقصة كدية المرأة والكتابي وجهان أحدهما تقسم في ثلاث سنين لأنها بدل النفس فأشبهت الدية الكاملة
والثاني يجب منها في العام الأول قدر ثلث الدية الكاملة وباقيها في العام الثاني لأن هذه تنقص عن الدية فلم تقسم في ثلاث سنين كأرش الطرف وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي كالوجهين وإن كانت الدية لا تبلغ ثلث الدية الكاملة كدية المجوسي وهو ثمانمائة درهم ودية الجنين وهي خمس من الإبل لم تحمله العاقلة لأنها لا تحمل ما دون الثلث فأشبه دية السن والموضحة إلا أن يقتل الجنين مع أمه فتحمله العاقلة لأنها جناية واحدة وتكون دية الأم على الوجهين بأن قلنا هي في عامين كانت دية الجنين واجبة مع ثلث دية الأم في العام الأول لأنها دية أخرى ويحتمل أن تجب مع باقي دية الأم في العام الثاني وإن قلنا دية الأم في ثلاث سنين فهل تجب دية الجنين في ثلاثة أعوام أو لا على وجهين فإذا قلنا بوجوبها في ثلاث سنين وجبت في السنين التي وجبت فيها دية الأم لأنهما ديتان لمستحقين فيجب في كل سنة ثلث ديتها وثلث ديته ويحتمل أن تجب في ثلاث سنين أخرى لأن تلفها موجب جناية واحدة مسألة قال ( وإن كان القتل خطأ كان على العاقلة مائة من الإبل تؤخذ في ثلاث سنين أخماسا عشرون بنات مخاض وعشرون بنو مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة ) لا يختلف المذهب في أن دية الخطأ أخماسا كما ذكر الخرقي وهذا قول ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري والليث وربيعة ومالك والشافعي هي أخماس إلا أنهم جعلوا مكان بني مخاض بني لبون وهكذا رواه سعيد في سننه عن النخعي عن ابن مسعود وقال الخطابي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ودعى الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض وروي عن علي والحسن والشعبي والحارث العكلي وإسحاق أنها أرباع كدية العمد سواء وعن زيد أنها ثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون بنت مخاض وقال طاوس ثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون وثلاثون بنت مخاض وعشرون بني لبون ذكور لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشر بني لبون ذكور رواه أبو داود وابن ماجة وقال أبو ثور الديات كلها أخماس كدية الخطأ لأنها بدل متلف فلا تختلف بالعمد والخطأ كسائر المتلفات وحكي عنه أن دية العمد مغلظة ودية شبه العمد والخطأ أخماس لأن شبه العمد تحمله العاقلة فكان أخماسا كدية الخطأ