İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولنا إن في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي الأذنين الدية ولأن عمر وعليا قضيا فيهما بالدية فإن قيل فقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قضى في الأذن بخمسة عشر بعيرا قلنا لم يثبت ذلك قاله ابن المنذر ولأن ما كان في البدن منه عضوان كان فيهما الدية كاليدين وفي إحداهما نصف الدية بغير خلاف بين القائلين بوجوب الدية فيهما ولأن كل عضوين وجبت الدية فيهما وجب في أحدهما نصفها كاليدين وإن قطع بعض إحداهما وجب بقدر ما قطع من ديتها وفي ربعها ربعها وعلى هذا الحساب سواء قطع من أعلى الأذن أو أسفلها أو اختلف في الجمال أو لم يختلف كما أن الأسنان والأصابع تختلف في الجمال والمنفعة ودياتها سواء وقد روي عن أحمد رحمه الله في شحمة الأذن ثلث الدية والمذهب الأول وتجب الدية في أذن الأصم لأن الصمم نقص في غير الأذن فلم يؤثر في ديتها كالعمى لا يؤثر في دية الأجفان وهذا قول الشافعي ولا أعلم فيه مخالفا فصل فإن جنى على أذنه فاستحشفت واستحشافها كشلل سائر الأعضاء ففيها حكومة وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر في ذلك ديتها لأن ما وجبت ديته بقطعه وجبت بشلله كاليد والرجل ولنا أن نفعها باق وبعد استحشافها وجمالها فإن نفعها جمع الصوت ومنع دخول الماء والهوام في صماخه وهذا باق بعد شللها فإن قطعها قاطع بعد استحشافها ففيها ديتها لأنه قطع أذنا فيها جمالها ونفعها فوجبت ديتها كالصحيحة وكما لو قلع عينا عمشاء أو حولاء مسألة قال ( وفي السمع إذا ذهب من الأذنين الدية ) لا خلاف في هذا قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن في السمع الدية روي ذلك عن عمر وبه قال مجاهد وقتادة والثوري والأوزاعي وأهل الشام وأهل العراق ومالك والشافعي وابن المنذر ولا أعلم عن غيرهم خلافا لهم وقد روي عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وفي السمع الدية وروى أبو المهلب عن أبي قلابة أن رجلا رمى رجلا بحجر في رأسه فذهب سمعه وعقله ولسانه ونكاحه فقضى عمر بأربع ديات والرجل حي ولأنها حاسة تختص بنفع فكان فيها الدية كالبصر وإن ذهب السمع من إحدى الأذنين وجب نصف الدية كما لو ذهب البصر من إحدى العينين وإن قطع أذنه فذهب سمعه وجبت ديتان لأن السمع في غيرهما فأشبه ما لو قلع أجفان عينيه فذهب بصره بخلاف العين إذا قلعت فذهب بصره فإن البصر في العين فأشبه البطش الذاهب بقطع اليد فصل وإن اختلفا في ذهاب سمعه فإنه يتغفل ويصاح به وينظر اضطرابه ويتأمل عند صوت الرعد والأصوات المزعجة فإن ظهر منه انزعاج أو التفات أو ما يدل على السمع فالقول قول الجاني مع يمينه لأن ظهور الأمارات يدل على أنه سميع فغلبت جنبة المدعي وحلف لجواز أن يكون ما ظهر منه اتفاقا وإن لم يوجد منه شيء من ذلك فالقول قوله مع يمينه لأن الظاهر أنه غير سميع وحلف لجواز أن يكون احترز وتصبر وإن ادعى ذلك في إحداهما سدت الأخرى وتغفل على ما ذكرنا فإن ادعى نقصان السمع فيهما فلا طريق لنا إلى معرفة ذلك إلا من جهته فيحلفه الحاكم ويوجب حكومة وإن ادعى نقصه في أحدهما سددنا العليلة وأطلقنا الصحيحة وأقمنا من يحدثه وهو يتباعد إلى حيث يقول إني لا أسمع فإذا قال إني لا أسمع غير عليه الصوت والكلام فإن بان أنه يسمع وإلا فقد كذب فإذا انتهى إلى آخر سماعه قدر المسافة وسد الصحيحة وأطلقت المريضة وحدثه وهو يتباعد حتى يقول إني لا أسمع فإذا قال ذلك غير عليه الكلام فإن تغيرت صفته لم يقبل قوله وإن لم تتغير صفته حلف وقبل قوله ومسحت المسافتان ونظر ما نقصت العليلة فوجب بقدره فإن قال إني أسمع العالي ولا أسمع الخفي فهذا لا يمكن تقديره فتجب فيه حكومة
فصل فإن قال أهل الخبرة إنه يرجى عود سمعه إلى مدة انتظر إليها وإن لم يكن لذلك غاية لم ينتظر ومتى عاد السمع فإن كان قبل أخذ الدية سقطت وإن كان بعده ردت على ما قلنا في البصر مسألة قال ( وفي قرع الرأس إذا لم ينبت الشعر الدية وفي شعر اللحية الدية إذا لم ينبت وفي الحاجبين الدية إذا لم تنبت ) هذه الشعور الثلاثة في كل واحد منها دية وذكر أصحابنا معها شعرا رابعا وهو أهداب العينين وقد ذكرناه قبل هذا ففي كل واحد منهما دية وهذا قول أبي حنيفة والثوري وممن أوجب في الحاجبين الدية سعيد بن المسيب وشريح والحسن وقتادة وروي عن علي وزيد بن ثابت أنهما قالا في الشعر فيه الدية وقال مالك والشافعي فيه حكومة واختاره ابن المنذر لأنه إتلاف جمال من غير منفعة فلم تجب في الدية كاليد الشلاء والعين القائمة ولنا أنه أذهب الجمال على الكمال فوجب فيه دية كاملة كأذن الأصم وأنف الأخشم وما ذكروه ممنوع فإن الحاجب يرد العرق عن العين ويفرقه وهدب العين يرد عنها ويصونها فجرى مجرى أجفانها وينتقض ما ذكروه بالأصل الذي قسنا عليه ويفارق اليد الشلاء فإنه ليس جمالها كاملا فصل وفي أحد الحاجبين نصف الدية لأن كل شيئين فيهما الدية ففي أحدهما نصفها كاليدين وفي بعض ذلك أو ذهاب شيء من الشعور المذكورة من الدية بقسطه من ديته يقدر بالمساحة كالأذنين ومارن الأنف ولا فرق في هذه الشعور بين كونها كثيفة أو خفيفة أو جميلة أو قبيحة أو كونها من صغير أو كبير لأن سائر ما فيه الدية من الأعضاء لا يفترق الحال فيه بذلك وإن أبقى من لحيته ما لا جمال فيه أو من الشعور ففيه وجهان أحدهما يؤخذ بالقسط لأنه محل يجب في بعضه بحصته فأشبه الأذن ومارن الأنف والثاني تجب الدية كاملة لأنه أذهب المقصود كله فأشبه ما لو أذهب ضوء العينين ولأن جنايته ربما أحوجت إلى إذهاب الباقي لزيادته في القبح على ذهاب الكل فتكون جنايته سببا لذهاب الكل فأوجبت ديته كما لو ذهب بسراية الفعل أو كما لو احتاج في دواء شجة الرأس إلى ما ذهب بضوء عينه فصل ولا تجب الدية في شيء من هذه الشعور إلا بذهابه على وجه لا يرجى عوده مثل أن يقلب على رأسه ماء حارا فتلف منبت الشعر فينقلع بالكلية بحيث لا يعود وإن رجي عوده إلى مدة انتظر إليها وإن عاد الشعر قبل أخذ الدية لم تجب فإن عاد بعد أخذها ردها والحكم فيه كالحكم في ذهاب السمع والبصر فيما يرجى عوده وفيما لا يرجى فصل ولا قصاص في شيء من هذه الشعور لأن إتلافها إنما يكون بالجناية على محلها وهو غير معلوم المقدار فلا تمكن المساواة فيه فلا يجب القصاص فيه مسألة قال ( وفي المشام الدية ) يعني الشم في إتلافه الدية لأنه حاسة تختص بمنفعة فكان فيها الدية كسائر الحواس ولا نعلم في هذا خلافا قال القاضي في كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وفي المشام الدية فإن ادعى ذهاب شمه اغتفلناه بالروائح الطيبة والنتنة فإن هش للطيب وتنكر للمنتن فالقول قول الجاني مع يمينه وإن لم يبن منه ذلك فالقول قول المجني عليه كقولهم في اختلافهم في السمع وإن ادعى المجني عليه نقص شمه فالقول قوله مع يمينه لأنه لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا من جهته فقبل قوله فيه كما يقبل قول المرأة في انقضاء عدتها بالإقراء ويجب له من الدية ما تخرجه الحكومة وإن ذهب شمه ثم عاد قبل أخذ الدية سقطت وإن كان بعد أخذها ردها لأنا تبينا أنه لم يكن ذهب وإن رجي عود شمه إلى مدة انتظر إليها وإن ذهب شمه من أحد منخريه ففيه نصف الدية كما لو ذهب بصره من إحدى عينيه فصل وفي الأنف الدية إذا كان قطع مارنه بغير خلاف بنيهم حكاه ابن عبد البر وابن المنذر عمن يحفظ عنه من أهل العلم
وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية وفي رواية مالك في الموطأ إذا أوعى جدعا يعني إذا استوعب واستؤصل ولأنه عضو فيه جمال ومنفعة ليس في البدن منه إلا شيء واحد فكانت فيه الدية كاللسان وإنما الدية في مارنه وهو ما لان منه هكذا قال الخليل وغيره لأنه يروي عن طاوس أنه قال كان في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الأنف إذا أوعب مارنه جدعا الدية ولأن الذي يقطع فيه ذلك فانصرف الخبر إليه فإن بعضه ففيه بقدره من الدية يمسح ويعرف قدر ذلك منه كما قلنا في الأذنين وقد روي هذا عن عمر بن عبد العزيز والشعبي والشافعي وإن قطع أحد المنخرين ففيه ثلث الدية وفي المنخرين ثلثاها وفي الحاجز بينهما الثلث قال أحمد في الوترة الثلث وفي الحرمة في كل واحد منهما الثلث وبهذا قال إسحاق وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن المارن يشتمل على ثلاثة أشياء من جنس فتوزعت الدية على عددها كسائر ما فيه عدد من جنس من اليدين والأصابع والأجفان الأربعة وحكى أبو الخطاب وجها آخر من المنخرين الدية وفي الحاجز بينهما حكومة لقول أحمد في كل زوجين من الإنسان الدية وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأن المنخرين ليس في البدن لهما ثالث فأشبها اليدين ولأنه بقطع المنخرين أذهب الجمال كله والمنعة فأشبه قطع اليدين فعلى هذا الوجه في قطع أحد المنخرين نصف الدية وإن قطع معه الحاجز ففيه حكومة وإن قطع نصف الحاجز أو أقل أو أكثر لم يزد على حكومة وعلى الأول في قطع أحد المنخرين ونصف الحاجز نصف الدية وفي قطع جميعه مع المنخر ثلثا الدية وفي قطع جزء من الحاجز أو أحد المنخرين بقدره من ثلث الدية يقدر بالمساحة فإن شق الحاجز بين المنخرين ففيه حكومة فإن بقي منفرجا فالحكومة فيه أكثر فصل وإن قطع المارن مع القصبة ففيه الدية في قياس المذهب وهذا مذهب مالك ويحتمل أن تجب الدية في المارن وحكومة في القصبة وهذا مذهب الشافعي لأن المارن وحده موجب للدية فوجبت الحكومة في الزائدة كما لو قطع القصبة وحدها مع قطع لسانه ولنا قوله عليه السلام في الأنف إذا أوعب جدعا الدية ولأنه عضو واحد فلم يجب به أكثر من دية كالذكر إذا قطع من أصله وما ذكروه يبطل بهذا ويفارق ما إذا قطع لسانه وقصبته لأنهما عضوان فلا تدخل دية أحدهما في الآخر وأما العضو الواحد فلا يبعد أن يجب في جميعه ما يجب في بعضه كالذكر يجب في حشفته الدية التي يجب في جميعه وأصابع اليد يجب فيها ما يجب في اليد من الكوع وكذلك أصابع الرجل وفي الثدي كله ما في حلمته فأما إن قطع الأنف وما حته من اللحم ففي اللحم حكومة لأنه ليس من الأنف فأشبه ما لو قطع الذكر واللحم الذي تحته فصل فإن ضرب أنفه فأشله ففيه حكومة وإن قطعه قاطع بعد ذلك ففيه ديته كما قلنا في الأذن وقول الشافعي ها هنا كقوله في الأذن على ما مضى شرحه وتبيانه وإن ضربه فعوجه أو غير لونه ففيه حكومة في قولهم جميعا وفي قطعه بعد ذلك دية كاملة وإن قطعه إلا جلدة بقي معلقا بها فلم يلتحم واحتيج إلى قطعه ففيه دية لأنه قطع جميعه بعضعه بالمباشرة وباقيه بالتسبب فأشبه ما لو سرى قطع بعضه إلى قطع جميعه وإن رده فالتحم ففيه حكومة لأنه لم يبن وإن أبانه فراده فالتحم فقال أبو بكر ليس فيه إلا حكومة كالتي قبلها وقال القاضي فيه دية وهذا مذهب الشافعي لأنه أبان أنفه فلزمته ديته كما لو لم يلتحم ولأن ما أبين قد نجس فلزمه أن يبينه بعد التحامه ومن قال بقول أبي بكر منع نجاسته ووجوب إبانته لأن أجزاء الآدمي كجملته بدليل سائر الحيوانات وجملته طاهرة وكذلك أجزاؤه
فصل وإن قطع أنفه فذهب شمه فعليه ديتان لأن الشم في غير الأنف فلا تدخل دية أحدهما في الآخر كالسمع مع الأذن والبصر مع أجفان العينين والنطق مع الشفتين وإن قطع أنف الأخشم وجبت ديته لأن ذلك عيب في غير الأنف فأشبه ما ذكرنا مسألة قال ( وفي الشفتين الدية ) لا خلاف بين أهل العلم أن في الشفيتين الدية وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الشفتين الدية ولأنهما عضوان ليس في البدن مثلهما فيهما جمال ظاهر ومنفعة كاملة فإنهمنا طبق على الفم تقيانه مايؤذيه ويستران الأسنان ويردان الرق وينفخ بهما ويتم بهما الكلام فإن فيهما بعض مخارج الحروف فتجب فيهما الدية كاليدين والرجلين وظاهر المذهب أن في كل واحدة منهما نصف الدية وروي هذا عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما وإليه ذهب أكثر الفقهاء وروي عن أحمد رحمه الله رواية أخرى أن في العليا ثلث الدية وفي السفلى الثلثين لأن هذا يروى عن زيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب والزهري ولأن المنفعة بهما أعظم لأنها التي تدور وتتحرك وتحفظ الريق والطعام والعليا ساكنة لا حركة فيها ولنا قول أبي بكر وعلي رضي الله عنهما ولأن كل شيئين وجبت فيهما الدية وجب في أحدهما نصفها كسائر الأعضاء ولأن كل ذي عدد وجبت فيه الدية سوي بين جميعه فيها كالأصابع والأسنان ولا اعتبار بزيادة النفع بدليل ما ذكرنا من الأصل فصل فإن ضربهما فأشلهما وجبت ديتهما لأنه أتلف منفعتهما فوجبت ديتهما كما لو أشل يديه وإن تقلستا فلم تنطبقا على الأسنان أو استرختا فصارتا لا تنفصلان عن الأسنان ففيهما الدية لأنه عطل منفعتهما وجمالهما وإن تقلستا بعض التقليس وجبت الحكومة لأن منافعهما لم تبطل بالكلية فصل حد الشفة السفلى من أسفل ما تجافى عن الأسنان واللثة مما ارتفع عن جلدة الذقن وحد العليا من فوق ما تجافى عن الأسنان واللثة إلى اتصاله بالمنخرين والحاجز وحدهما طولا طول الفم إلى حاشية الشدقين وليست حاشية الشدقين منهما مسألة قال ( وفي اللسان المتكلم به الدية ) أجمع أهل العلم على وجوب الدية في لسان الناطق وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وبه قال أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الرأي وأصحاب الحديث وغيرهم وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي اللسان الدية ولأن فيه جمالا ومنفعة فأشبه الأنف فأما الجمال فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجمال فقال في اللسان ويقال جمال الرجل في لسانه والمرء بأصغريه قلبه ولسانه ويقال ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة وأما النفع فإن به تبلغ الأغراض وتستخلص الحقوق وتدفع الآفات وتقضى به الحاجات وتتم العبادات في القراءة والذكر والشكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم والدلالة على الحق المبين والصراط المستقيم وبه يذوق الطعام ويستعين في مضغة وتقليبه وتنقية الفم وتنظيفه فهو أعظم الأعضاء نفعا وأتمها جمالا فإيجاب الدية في غيره تنبيه على إيجابها فيه وإنما تجب الدية في لسان الناطق فإن كان أخرس لم تجب فيه دية كاملة بغير خلاف لذهاب نفعه المقصود منه كاليد الشلاء والعين القائمة فصل وفي الكلام الدية فإذا جنى عليه فخرس وجبت ديته لأن كل ما تعلقت الدية بإتلافه تعلقت بإتلاف منفعته كاليد فأما إن جنى عليه فأذهب ذوقه
فقال أبو الخطاب فيه الدية لأن الذوق حاسة فأشبه الشم وقياس المذهب لأنه لا دية فيه فإنه لا يختلف في أن لسان الأخرس لا تجب فيه الدية وقد نص أحمد رحمه الله على أن فيه ثلث الدية ولو وجب في الذوق دية لوجبت في ذهابه مع ذهاب اللسان بطريق الأولى واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال قد نص الشافعي على وجوب الدية فيه ومنهم من قال لا نص له فيه ومنهم من قال قد نص على إن في لسان الأخرس حكومة وإن ذهب الذوق بذهابه والصحيح إن شاء الله أنه لا دية فيه لأن في إجماعهم على أن لسان الأخرس لا تكمل الدية فيه إجماعا على أنها لا تكمل في ذهاب الدوق بمفرده لأن كل عضو لا تكمل الدية فيه بمنفعته لا تكمل بمنفعته دونه كسائر الأعضاء ولا تفريع على هذا القول فأما على الأول فإذا ذهب ذوقه كله ففيه دية كاملة وإن نقص نقصا غير مقصدر بأن يحس المذاق كله إلا أنه لا يدركه على الكمال ففيه حكومة كما لو نقص بصره نقصا لا يتقدر وإن كان نقصا يتقدر بأن لا يدرك بأحد المذاق الخمس وهي الحلاوة والمرارة والحموضة والملوحة والعذوبة ويدرك بالباقي ففيه خمس الدية وفي اثنتين خمساها وفي ثلاث ثلاثة أخماسها وإن لم يدرك بواحدة ونقص الباقي فعليه خمس الدية وحكومة لنقص الباقي وإن قطع لسان أخرس فذهب ذوقه ففيه الدية لإتلافه الذوق وإن جنى على لسان ناطق فأذهب كلامه وذوقه ففيه ديتان وإن قطعه فذهب معا ففيه دية واحدة لأنهما يذهبان تبعا لذهابه فوجبت ديته دون ديتهما كما لو قتل إنسانا لم تجب إلا دية واحدة ولو ذهبت منافعه مع بقائه ففي كل منفعة دية فصل وإن ذهب بعض الكلام وجب من الدية بقدر ما ذهب يعتبر ذلك بحروف المعجم وهي ثمانية وعشرون حرفا سوى لا فإن مخرجها مخرج اللام والألف فما نقص من الحروف وجب من الدية بقدره لأن الكلام يتم بجميعها فالذاهب يجب أن يكون عوضه من الدية كقدره من الكلام ففي الحرف الواحد ربع سبع الدية وفي الحرفين نصف سبعها وفي الأربعة سبعها ولا فرق بين ما خف من الحروف على اللسان وما ثقل لأن كل ما وجب في المقدر لم يختلف لاختلاف قدره كالأصابع ويحتمل أن تقسم الدية على الحروف التي للسان فيها عمل دون الشفة وهي أربعة الباء والميم والفاء والواو دون حروف الحلق الستة الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين فهذه عشرة بقي ثمانية عشر حرفا للسان تنقسم ديته عليها لأن الدية تجب بقطع اللسان وذهاب هذه الحروف وحدها مع بقائه فإذا وجبت الدية ففيها بمفردها وجب في بعضها بقسطة منها ففي الواحد نصف تسع الدية وفي الاثنين تسعها وفي الثلاثة سدسها وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وإن جنى على شفته فذهب وجب فيه بقدره وكذلك إن ذهب بعض حروف الحلق بجنايته وينبغي أن تجب بقدره من الثمانية والعشرين وجها واحدا وإن ذهب حرف فعجز عن كلمة لم يجب غير أرش الحرف لأن الضمان إنما يجب لما تلف وإن ذهب حرف فأبدل مكانه حرفا آخر كأنه يقول درهم فصار يقول دلهم أو دعهم أو ديهم فعليه ضمان الحرف الذاهب لأن ما تبدل لا يقوم مقام الذاهب في القراءة ولا غيرها فإن جنى عليه فذهب البدل وجبت ديته أيضا لأنه أصل وإن لم يذهب شيء من الكلام لكن حصلت فيه عجلة أو تمتمة أو فأفأة فعليه حكومة لما حصل من النقص والشين ولم تجب الدية لأن المنفعة باقية وإن جنى عليه جان آخر فأذهب كلامه ففيه الدية كاملة كما لو جنى على عينه جان فعمشت ثم جنى عليها آخر فذهب ببصرها وإن أذهب الأول بعض الحروف وأذهب الثاني بقية الكلام فعلى كل واحد منهما بقسطه كما لو ذهب الأول ببصر إحدى العينين وذهب الآخر ببصر الأخرى وإن كان ألثغ من غير جناية عليه فذهب إنسان بكلامه كله فإن كان مأيوسا من زوال لثغته ففيه بقسط ما ذهب من الحروف وإن كان غير مأيوس من زوالها كالصبي ففيه الدية كاملة لأن الظاهر زوالها وكذلك الكبير إذا أمكن إزالة لثغته بالتعليم
فصل إذا قطع بعض لسانه فذهب بعض كلامه فإن استويا مثل أن يقطع ربع لسانه فيذهب ربع كلامه وجب ربع الدية بقدر الذاهب منهما كما لو قلع إحدى عينيه فذهب بصرها وإن ذهب من أحدهما أكثر من الآخر كأن قطع ربع لسانه فذهب نصف كلامه أو قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه وجب بقدر الأكثر وهو نصف الدية في الحالين لأن كل واحد من اللسان والكلام مضمون بالدية منفردا فإذا انفرد نصفه بالذهاب وجب النصف ألا ترى أنه لو ذهب نصف الكلام ولم يذهب من اللسان شيء وجب نصف الدية ولو ذهب نصف اللسان ولم يذهب من الكلام شيء وجب نصف الدية وإن قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام وجب نصف الدية فإن قطع آخر بقية اللسان فذهبت بقية الكلام ففيه ثلاثة أوجه أحدها عليه نصف الدية هذا قول القاضي وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن السالم نصف اللسان وباقيه أشل بدليل ذهاب نصف الكلام والثاني عليه نصف الدية وحكومة للربع الأشل لأنه لو كان جميعه أشل لكانت فيه حكومة أو ثلث الدية فإذا كان بعضه أشل ففي ذلك البعض حكومة أيضا الثالث عليه ثلاثة أرباع الدية وهذا الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأنه قطع ثلاثة أرباع لسانه فذهب ربع كلامه فوجبت عليه ثلاثة أرباع الدية كما لو قطعه أولا ولا يصح القول بأن بعضه أشل لأن العضو متى كان فيه بعض النفع لم يكن بعضه أشل كالعين إذا كان بصرها ضعيفا واليد إذا كان بطشها ناقصا وإن قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه فعليه نصف ديته فإن قطع الآخر بقيته فعليه ثلاثة أرباع الدية وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والآخر عليه نصف الدية لأنه لم يقطع إلا نصف لسانه ولنا إنه ذهب ثلاثة أرباع الكلام فلزمه ثلاثة أرباع ديته كما لو ذهب ثلاثة أرباع الكلام بقطع نصف اللسان الأول ولأنه لو أذهب ثلاثة أرباع الكلام مع بقاء اللسان لزمه ثلاثة أرباع الدية فلأن تجب بقطع نصف اللسان في الأول أولى ولو لم يقطع الثاني نصف اللسان لكن جنى عليه جناية أذهب بقية كلامه مع بقاء لسانه لكان عليه ثلاثة أرباع ديته لأنه ذهب بثلاثة أرباع ما فيه الدية فكان عليه ثلاثة أرباع الدية كما لو جنى على صحيح فذهب بثلاثة أرباع كلامه مع بقاء لسانه فصل وإذا قطع بعض لسانه عمدا فاقتص المجني عليه من مثل ما جنى عليه به فذهب من كلام الجاني مثل ما ذهب من كلام المجني عليه وأكثر فقد استوفى حقه ولا شيء في الزائد لأنه من سراية القود وسراية القود غير مضمونه وإن ذهب أقل فللمقتص دية ما بقي لأنه لم يستوف بدله فصل وإذا قطع لسان صغير لم يتكلم لطفوليته وجبت ديته وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تجب لأنه لسان لا كلام فيه فلم تجب فيه دية كلسان الأخرس ولنا إن ظاهره السلامة وإنما لم يتكلم لأنه لا يحسن الكلام فوجبت به الدية كالكبير ويخالف الأخرس فإنه علم أنه أشل ألا ترى أن أعضاءه لا يبطش بها وتجب فيها الدية وإن بلغ حدا يتكلم مثله فلم يتكلم فقطع لسانه لم تجب فيه الدية لأن الظاهر أنه لا يقدر على الكلام ويجب فيه ما يجب في لسان الأخرس وإن كبر فنطق ببعض الحروف وجب فيه بقدر ما ذهب من الحروف لأننا تبينا أنه كان ناطقا وإن كان قد بلغ إلى حد يتحرك بالبكاء وغيره فلم يتحرك فقطعه قاطع فلا دية فيه لأن الظاهر أنه لو كان صحيحا لتحرك وإن لم يبلغ إلى حد يتحرك ففيه الدية لأن الظاهر سلامته وإن قطع لسان كبير وادعى أنه كان أخرس ففيه مثل ما ذكرنا فيما إذا اختلفا في شلل العضو المقطوع على ما ذكرناه فيما مضى
فصل وإن جنى عليه فذهب كلامه أو ذوقه ثم عاد لم تجب الدية لأننا تبينا أنه لم يذهب ولو ذهب لم يعد وإن كان قد أخذ الدية ردها وإن قطع لسانه فعاد لم تجب الدية أيضا وإن كان قد أخذها ردها قاله أبو بكر وظاهر مذهب الشافعي أنه لا يرد الدية لأن العادة لم تجر بعوده واختصاص هذا بعوده يدل على أنه هبة مجددة ولنا إنه عاد ما وجبت فيه الدية فوجب رد الدية كالأسنان وسائر ما يعود وإن قطع إنسان نصف لسانه فذهب كلامه كله ثم قطع آخر بقيته فعاد كلامه لم يجب رد الدية لأن الكلام الذي كان باللسان قد ذهب ولم يعد إلى اللسان وإنما عاد في محل آخر بخلاف التي قبلها وإن قطع لسانه فذهب كلامه ثم عاد اللسان دون الكلام لم يرد الدية لأنه قد ذهب ما تجب الدية فيه بانفراده وإن عاد كلامه دون لسانه لم يردها أيضا لذلك فصل وإذا كان للسانه طرفان فقطع أحدهما فذهب كلامه ففيه الدية لأن ذهاب الكلام بمفرده يوجب الدية وإن ذهب بعض الكلام نظرت فإن كان الطرفان متساويين وكان ما قطعه بقدر ما ذهب من الكلام وجب وإن كان أحدهما أكبر وجب الأكثر على ما مضى وإن لم يذهب من الكلام شيء وجب بقدر ما ذهب من اللسان من الدية وإن كان أحدهما منحرفا عن سمت اللسان فهو خلقة زائدة وفيه حكومة وإن قطع جميع اللسان وجبت الدية من غير زيادة سواء كان الطرفان متساويين أو مختلفين وقال القاضي إن كانا متساويين ففيهما الدية وإن كان أحدهما منحرفا عن سمت اللسان وجبت الدية وحكومة في الخلقة ولنا إن هذه الزيادة عيب ونقص يرد بها المبيع وينقص من ثمنه فلم يجب فيها شيء كالسلعة في اليد وربما عاد القولان إلى شيء واحد لأن الحكومة لا يخرج بها شيء إذا كانت الزيادة عيبا مسألة قال ( وفي كل سن خمس من الإبل إذا قلعت ممن قد أثغر والأضراس والأنياب كالأسنان ) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية الأسنان خمس خمس في كل سن وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس ومعاوية وسعيد بن المسيب وعروة وعطاء وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم في السن خمس من الإبل رواه النسائي وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأسنان خمس خمس رواه أبو داود فأما الأضراس والأنياب فأكثر أهل العلم على أنها مثل الأسنان منهم عروة وطاوس وقتادة والزهري ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وروي ذلك عن ابن عباس ومعاوية وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قضى في الأضراس ببعير بعير وعن سعيد بن المسيب أنه قال لو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين فتلك الدية سواء وروى ذلك مالك في موطئه وعن عطاء نحوه حكي عن أحمد رواية أن في جميع الأسنان والأضراس الدية فيتعين حمل هذه الرواية على مثل قول سعيد للإجماع على أن في كل سن خمسا من الإبل وورد الحديث به فيكون في الأسنان ستون بعيرا لأن فيه اثني عشر سنا أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربعة أنياب فيها خمس وفيه عشرون ضرسا في كل جانب عشرة خمسة من فوق وخمسة من أسفل فيكون فيها أربعون بعيرا في كل ضرس بعيران فتكمل الدية وحجة من قال هذا أنه ذو عدد يجب فيه الدية فلم تزد ديته على دية الإنسان كالأصابع والأجفان وسائر ما في البدن ولأنها تشتمل على منفعة جنس فلم تزد ديتها على الدية كسائر منافع الجنس ولأن الأضراس تختص بالمنفعة دون الجمال والأسنان فيها منفعة وجمال فاختلفا في الأرش
ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء وهذا نص وقوله في الأحاديث المتقدمة في الأسنان خمس خمس ولم يفصل يدخل في عمومها الأضراس لأنها أسنان ولأن كل دية وجبت في جملة كانت مقسومة على العدد دون المنافع كالأصابع والأجفان والشفتين وقد أومأ ابن عباس إلى هذا فقال لا أعتبرها بالأصابع فأما ما ذكروه من المعنى فلا بد من مخالفة القياس فيه فمن ذهب إلى قولنا خالف المعنى الذي ذكروه ومن ذهب إلى قولهم خالف التسوية الثابتة بقياس سائر الأعضاء من جنس واحد فكان ما ذكرناه مع موافقة الأخبار وقول أكثر أهل العلم أولى وأما على قول عمر إن في كل ضرس بعيرا فيخالف القياسين جميعا والأخبار فإنه لا يوجب الدية الكاملة وإنما يوجب ثمانين بعيرا ويخالف بين الأعضاء المتجانسة وإنما يجب هذا الضمان في سن من قد ثغر وهو الذي أبدل أسنانه وبلغ حدا إذا قلعت سنه لم يعد بدلها ويقال ثغر وأثغر واثغر إذا كان كذلك فأما سن الصبي الذي لم يثغر فلا يجب بقلعها في الحال شيء هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا أعلم فيه خلافا وذلك لأن العادة عود سنه فلم يجب فيها في الحال شيء كنتف شعره لكن ينتظر عودها فإن مضت مدة ييأس من عودها وجبت ديتها قال أحمد يتوقف سنة لأنه الغالب في نباتها وقال القاضي إذا سقطت أخواتها ولم تعد هي أخذت الدية وإن نبت مكانها أخرى لم تجب ديتها كما لو نتف شعره فعاد مثله لكن إن عادت قصيرة أو مشوهة ففيها حكومة لأن الظاهر أن ذلك بسبب الجناية عليها فإن أمكن تقدير نقصها عن نظيرتها ففيها من ديتها بقدر ما نقص وكذلك إن كانت فيها ثلمة أمكن تقديرها ففيها بقدر ما ذهب منها كما لو كسر من سنه ذلك القدر وإن نبتت أكبر من أخواتها ففيها حكومة لأن ذلك عيب وقيل فيها وجه آخر لا شيء فيها لأن هذا زيادة والصحيح الأول لأن ذلك شين حصل بسبب الجناية فأشبه نقصها وإن نبتت مائلة عن صف الأسنان بحيث لا ينتفع بها ففيها ديتها لأن ذلك كذهابها وإن كانت ينتفع بها ففيها حكومة للشين الحاصل بها ونقص نفعها وإن نبتت صفراء أو حمراء أو متغيرة ففيها حكومة لنقص جمالها وإن نبتت سوداء أو خضراء ففيها روايتان حكاهما القاضي إحداهما فيها ديتها والثانية فيها حكومة كما لو سودها من غير قلعها وإن مات الصبي قبل اليأس من عود سنه ففيه وجهان أحدهما لا شيء له لأن الظاهر أنه لو عاش لعادت فلم يجب فيها شيء كما لو نتف شعره والثاني فيها الدية لأنه قلع سنا وأيس من عودها فوجبت ديتها كما لو مضى زمن تعود في مثله فلم تعد وإن قلع سن من قد ثغر وجبت ديتها في الحال لأن الظاهر أنها لا تعود فإن عادت لم يجب الدية وإن كان قد أخذها ردها وبهذا قال أصحاب الرأي وقال مالك لا يرد شيئا لأن العادة أنها لا تعود فمتى عادت كانت هبة من الله تعالى مجددة فلا يسقط بذلك ما وجب له بقلع سنه وعن الشافعي كالمذهبين ولنا إنه عاد له في مكانها مثل التي قلعت فلم يجب له شيء كالذي لم يثغر وإن عادت ناقصة أو مشوهة فحكمها حكم سن الصغير إذا عادت على ما ذكرنا ولو قلع سن من لم يثغر فمضت مدة ييأس من عودها وحكم بوجوب الدية فعادت بعد ذلك سقطت الدية وردت إن كانت أخذت كسن الكبير إذا عادت
فصل وتجب دية السن فيما ظهر منها من اللثة لأن ذلك هو المسمى سنا وما في اللثة منها يسمى سنخا فإذا كسر السن ثم جاء آخر فقلع السنخ ففي السن ديتها وفي السنخ حكومة كما لو قطع إنسان أصابع رجل ثم قطع آخر كفه وإن قلعها الآخر بسنخها لم يجب فيها أكثر من ديتها كما لو قطع اليد من كوعها وإن فعل ذلك في مرتين فكسر السن ثم عاد فقلع السنخ فعليه ديتها وحكومة لأن ديتها وجبت بالأول ثم وجب عليه بالثاني حكومة كما لو فعله غيره وكذلك لو قطع الأصابع ثم قطع الكف وإن كسر بعض الظاهر ففيه من دية السن بقدره وإن كان ذهب النصف وجب نصف الأرش وإن كان الذاهب الثلث وجب الثلث وإن جاء آخر فكسر بقيتها فعليه بقية الأرش فإن قلع الثاني بقيتها بسنخها نظرنا فإن كان الأول كسرها عرضا فليس على الثاني للسنخ شيء لأنه تابع لما قلعه من ظاهر السن فصار كما لو قطع الأول من كل إصبع من أصابعه أنملة ثم قطع الثاني يده من الكوع وإن كان الأول كسر نصف السن طولا دون سنخه فجاء الثاني فقطع الباقي بالسنخ كله فعليه دية النصف الباقي وحكومة لنصف السنخ الذي بقي لما كسره الأول كما لو قطع الأول إصبعين من يد ثم جاء الثاني فقطع الكف كله فإن اختلف الثاني والمجني عليه فيما قلعه الأول فالقول قول المجني عليه لأن الأصل سلامة السن وإن انكشفت اللثة عن بعض السن فالدية في قدر الظاهر عادة دون ما انكشف على خلاف العادة وإن اختلفا في قدر الظاهر اعتبر ذلك بأخواتها فإن لم يكن بها شيء يعتبر به ولم يمكن أن يعرف ذلك أهل الخبرة فالقول قول الجاني لأن الأصل براءة ذمته فصل وإن قلع سنا مضطربة لكبر أو مرض وكانت منافعها باقية من المضغ وضغط الطعام والريق وجبت ديتها وكذلك إن ذهب بعض منافعها وبقي بعضها لأن جمالها وبعض منافعها باق فكمل ديتها كاليد المريضة ويد الكبير وإن ذهبت منافعها كلها فهي كاليد الشلاء على ما سنذكرها إن شاء الله تعالى وإن قلع سنا فيها داء أو آكلة فإن لم يذهب شيء من أجزائها وجب فيها دية السن الصحيحة لأنها كاليد المريضة وإن سقط من أجزائها شيء سقط من ديتها بقدر الذاهب منها ووجب الباقي وإن كان إحدى ثنيتيه قصيرة نقص من ديته بقدر نقصها كما لو نقصت بكسرها فصل فإن جنى على سنه جان فاضطربت وطالت على الأسنان وقيل إنها تعود إلى مدة إلى ما كانت عليه انتظرت إليها فإن ذهبت وسقطت وجبت ديتها وإن عادت كما كانت فلا شيء فيها كما لو جنى على يده فمرضت ثم برأت وإن بقي فيها اضطراب ففيها حكومة وإن قلعها قالع فعليه ديتها كاملة كما ذكرنا في الفصل الذي قبله وعلى الأول حكومة لجنايته وإن مضت المدة ولم تعد إلى ما كانت عليه ففيها حكومة وإن قلعها قالع فعليه ديتها كما ذكرنا وإن قالوا يرجى عودها من غير تقدير مدة وجبت الحكومة فيها لئلا يفضي إلى إهدار الجناية فإن عادت سقطت الحكومة لما ذكرنا في غيرها
فصل فإن قلع قالع سنه فردها صاحبها فنبتت في موضعها لم تجب ديتها نص عليها أحمد في رواية جعفر بن محمد وهذا قول أبي بكر وعلى قول القاضي تجب ديتها وهو مذهب الشافعي وقد ذكرنا توجيههما فيما إذا قطع أنفه فرده فالتحم فعلى قول أبي بكر يجب فيها حكومة لنقصها إن نقصت أو ضعفها إن ضعفت وإن قلعها قالع بعد ذلك وجبت ديتها لأنها سن ذات جمال ومنفعة فوجبت ديتها كما لو لم تنقلع وعلى قول القاضي ينبني حكمها على وجوب قلعها فإن قلنا يجب قلعها فلا شيء على قالعها لأنه قد أحسن بقلعه ما يجب قلعه وإن قلنا لا يجب قلعها احتمل أن يؤخذ بديتها لما ذكرنا واحتمل أن لا يؤخذ بديتها لأنه قد وجبت له ديتها مرة فلا تجب ثانية ولكن فيها حكومة فأما إن جعل مكانها سنا أخرى أو سن حيوان أو عظما فنبتت وجب ديتها وجها واحدا لأن سنه ذهبت بالكلية فوجبت ديتها كما لو لم يجعل مكانها شيئا وإن قلعت هذه الثانية لم تجب ديتها لأنها ليست سنا له ولا هي من بدنه ولكن يجب فيها حكومة لأنها جناية أزالت جماله ومنفعته فأشبه ما لو خاط جرحه بخيط فالتحم فقلع أسنان الخيط فانفتح الجرح وزال التحامه ويحتمل أن لا يجب شيء لأنه أزال ما ليس من بدنه أشبه ما لو قلع الأنف الذهب الذي جعله المجدوع مكان أنفه فصل وإن جنى على سنه فسودها فحكي عن أحمد رحمه الله في ذلك روايتان إحداهما تجب ديتها كاملة وهو ظاهر كلام الخرقي ويروى هذا عن زيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وشريح والزهري وعبد الملك بن مروان والنخعي ومالك والليث وعبد العزيز بن أبي سلمة والثوري وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي والرواية الثانية عن أحمد أنه إن أذهب منفعتها من المضغ عليها ونحوه ففيها ديتها وإن لم يذهب نفعها ففيها حكومة وهذا قول القاضي والقول الثاني للشافعي وهو المختار عند أصحابه لأنه لم يذهب بمنفعتها فلم تكمل ديتها كما لو اصفرت ولنا إنه قول زيد بن ثابت ولم يعرف له مخالف في الصحابة فكان إجماعا ولأنه أذهب الجمال على الكمال فكملت ديتها كما لو قطع أذن الأصمن أنف الأخشم فأما إن اصفرت أو احمرت لم تكمل ديتها لأنه لم يذهب الجمال على الكمال وفيها حكومة وإن اخضرت احتمل أن يكون كتسويدها لأنه يذهب لجمالها واحتمل أن لا يجب فيها إلا حكومة لأن ذهاب جمالها بتسويدها أكثر فلم يلحق به غيره كما لو حمرها فعلى قول من أوجب ديتها متى قلعت بعد تسويدها ففيها ثلث ديتها أو حكومة على ما سنذكره فيما بعد وعلى قول من لم يوجب فيها إلا حكومة يجب في قلعها ديتها كما لو صفرها فصل وإن جنى على سنه فذهبت حدتها وكلت ففي ذلك حكومة وعلى قالعها بعد ذلك دية كاملة لأنها سن صحيحة كاملة فكملت ديتها كالمضطربة وإن ذهب منها جزء ففي الذاهب بقدره وإن قلعها قالع نقص من ديتها بقدر ما ذهب كما لو كسر منها جزء فصل وفي اللحيين الدية وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلى لأن فيهما نفعا وجمالا وليس في البدن مثلهما فكانت فيهما الدية كسائر ما في البدن منه شيئان وفي أحدهما نصفها كالواحد مما في البدن منه شيئان وإن قلعهما بما عليهما من الأسنان وجبت عليه ديتهما ودية الأسنان ولم تدخل دية الأسنان في ديتهما كما تدخل دية الأصابع في دية الوجه لوجوه ثلاثة أحدها أن الأسنان مغروزة في اللحيين غير متصلة بهما بخلاف الأصابع والثاني أن كل واحد من اللحيين والأسنان ينفرد باسمه ولا يدخل أحدهما في اسم الآخر بخلاف الأصابع والكف فإن اسم اليد يشملهما والثالث أن اللحيين توجدان قبل وجود الأسنان في الخلقة وتبقيان بعد ذهابها في حق الكبير ومن تقلعت أسنانه عادت بخلاف الأصابع والكف مسألة قال ( وفي اليدين الدية )
أجمع أهل العلم على وجوب الدية في اليدين ووجوب نصفها في إحداهما وروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وفي اليدين الدينة وفي الرجلين الدية وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي اليد خمسون من الإبل ولأن فيها جمالا ظاهرا ومنفعة كاملة وليس في البدن من جنسهما غيرهما فكان فيهما الدية كالعينين واليد التي تجب فيها الدية من الكوع لأن اسم اليد عند الإطلاق ينصرف إليها بدليل أن الله تعالى لما قال والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38 كان الواجب قطعهما من الكوع وكذلك التيمم يجب فيه مسح اليدين إلى الكوعين فإن قطع يده من فوق الكوع مثل أن يقطعها من المرفق أو نصف الساعد فليس عليه إلا دية اليد نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وهذا قول عطاء وقتادة والنخعي وابن أبي ليلى ومالك وهو قول بعض أصحاب الشافعي وظاهر مذهبه عند أصحابه أنه يجب مع دية اليد حكومة لما زاد لأن اسم اليد لها إلى الكوع ولأن المنفعة المقصودة في اليد من البطش والأخذ والدفع فالكف وما زاد تابع للكف والدية تجب في قطعها من الكوع بغير خلاف فتجب في الزائد حكومة كما لو قطعه بعد قطع الكف قال أبو الخطاب وهذا قول القاضي ولنا إن اليد اسم للجميع إلى المنكب بدليل قوله تعالى وأيديكم إلى المرافق المائدة 6 ولما نزلت آية التيمم مسحت الصحابة إلى المناكب وقال ثعلب اليد إلى المنكب وفي عرف الناس أن جميع ذلك يسمى يدا فإذا قطعها من فوق الكوع فما قطع إلا يدا فلا يلزمه أكثر من ديتها فأما قطعها في السرقة فلأن المقصود يحصل به وقطع بعض الشيء يسمى قطعا له كما يقال قطع ثوبه إذا قطع جانبا منه وقولهم إن الدية تجب في قطعها من الكوع قلنا وكذلك تجب بقطع الأصابع منفردة ولا يجب بقطعها من الكوع أكثر مما يجب في قطع الأصابع والذكر يجب في قطعه من أصله مثل ما يجب بقطع حشفته فأما إذا قطع اليد من الكوع ثم قطعها ثم قطعها من المرفق وجب في المقطوع ثانيا حكومة لأنه وجبت عليه دية اليد بالقطع الأول فوجبت بالثاني حكومة كما لو قطع الأصابع ثم قطع الكف أو قطع حشفة الذكر ثم قطع بقيته أو كما لو فعل ذلك اثنان فصل فإن جنى عليها فأشلها وجبت عليه ديتها لأنه فوت منفعتها فلزمته ديتها كما لو أعمى عينه مع بقائها أو أخرس لسانه وإن جنى على يده فعوجها أو نقص قوتها أو شانها فعليه حكومة لنقصها وإن كسرها ثم انجبرت مستقيمة وجبت حكومة لشينها إن شانها ذلك وإن عادت معوجة فالحكومة أكثر لأن شينها أكثر وإن قال الجاني أنا أكسرها ثم أجبرها مستقيمة لم يمكن من ذلك لأنها جناية ثانية فإن كسرها تعديا ثم جبرها فاستقامت لم يسقط ما وجب من الحكومة في اعوجاجها لأن ذلك استقر حين انجبرت عوجاء وهذه جنابة ثانية والجبر الثاني لها دون الأولى ولا يشبه هذا ما إذا ذهب ضوء عينه ثم عاد لأننا تبينا أن الضوء لم يذهب وإنما حال دونه حائل وها هنا بخلافه وتجب الحكومة في الكسر الثاني لأنها جناية ثانية ويحتمل أن لا يتجب لأنه أزال ضرر العوج منها فكان نفعا فأشبه ما لو جنى عليه بقطع سلعة أزالها عنه فصل فإن كان له كفان في ذراع أو يدان على عضد وإحداهما باطشة دون الأخرى أو إحداهما أكثر بطشا أو في سمت الذراع والأخرى منحرفة عنه أو إحداهما تامة والأخرى ناقصة فالأولى هي الأصلية والأخرى زائدة ففي الأصلية ديتها القصاص بقطعها عمدا والأخرى زائدة فيها حكومة سواء قطعها مفردة أو قطعها مع الأصلية
وعلى قول ابن حامد لا شيء فيها لأنها عيب فهي كالسلعة في اليد وإن استويا من كل الوجوه فإن كانتا غير باطشتين فيهما ثلث دية اليد أو حكومة ولا تجب دية اليد كاملة لأنهما لا نفع له فيهما فهما كاليد الشلاء وإن كانتا باطشتين ففيهما جميعا دية اليد وهل تجب حكومة ذلك على وجهين بناء على الزائدة هل فيها حكومة أم لا وإن قطع إحداهما فلا قود لاحتمال أن تكون هي الزائدة فلا تقطع الأصلية بها وفيها نصف ما فيهما إذا قطعتا لتساويهما وإن قطع إصبعا من إحداهما وجب أرش نصف أصبع وفي الحكومة وجهان وإن قطع ذو اليد التي لها طرفان يدا مفردة وجب القصاص فيهما على قول ابن حامد لأن هذا نقص لا يمنع القصاص كالسلعة في اليد وعلى قول غيره لا يجب لئلا يأخذ يدين بيد واحدة ولا تقطع إحداهما لأنا لا نعرف الأصلية فنأخذها ولا نأخذ زائدة بأصلية فأما إن كان له قدمان في رجل واحدة فالحكم على ما ذكرناه في اليدين فإن كانت إحدى القدمين أطول من الأخرى وكان الطويل مساويا للرجل الأخرى فهو الأصلي وإن كان زائدا عنها والآخر مساو للرجل الأخرى فهو الأصلي وإن كان له في كل رجل قدمان يمكنه المشي على الطويلتين مشيا مستقيما فهما الأصليان وإن لم يمكنه فقطعا وأمكنه المشي على القصيرتين فهما الأصليان والآخران زائدان وإن أشل الطويلتين ففيهما الدية لأن الظاهر أنهما الأصليان فإن قطعهما قاطع فأمكنه المشي على القصيرتين تبين أنهما الأصليان وإن لم يمكنه فالطويلان هما الأصليان مسألة قال ( وفي الثديين الدية سواء كان من رجل أو امرأة ) أما ثديا المرأة ففيهما ديتهما لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا وفي الواحد منهما نصف الدية قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن في ثدي المرأة نصف الدية وفي الثديين الدية وممن حفظنا ذلك عن الحسن والشعبي والزهري ومكحول وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولأن فيهما جمالا ومنفعة فأشبها اليدين والرجلين وفي أحدهما نصف الدية لأن كل عضوين وجبت الدية فيهما وجب في أحدهما نصفها كاليدين وفي قطع حلمتي الثديين ديتهما نص عليه أحمد رحمه الله وروى نحو هذا الشعبي والنخعي والشافعي وقال مالك والثوري إن ذهب اللبن وجبت ديتهما وإلا وجبت حكومة بقدر شينه ونحوه قال قتادة إذا ذهب الرضاع بقطعهما ففيهما الدية ولنا إنه ذهب منهما ما تذهب المنفعة بذهابه فوجبت ديتهما كالأصابع مع الكف وحشفة الذكر وبيان ذهاب المنفعة أن بهما يشرب الصبي ويرتضع فهما كالأصابع في الكف وإن قطع الثديين كلهما فليس فيهما إلا دية كما لو قطع الذكر كله وإن حصل مع قطعهما جائفة وجب فيهما ثلث الدية مع ديتهما وإن حصل جائفتان وجبت دية وثلثان وإن ضربهما فأشلهما ففيهما الدية كما لو أشل يديه وإن جنى عليهما فأذهب لبنهما من غير أن يشلهما فقال أصحابنا فيهما حكومة وهذا قول أصحاب الشافعي ويحتمل أن تجب ديتهما لأنه ذهب بنفعهما فأشبه ما لو أشلهما وهذا ظاهر قول مالك والثوري وقتادة وإن جنى عليهما من صغيرة ثم ولدت فلم ينزل لها لبن سئل أهل الخبرة فإن قالوا إن الجناية سبب قطع اللبن فعليه ما على من ذهب باللبن بعد وجوده وإن قالوا ينقطع بغير الجناية لم يجب عليه أرشه لأن الأصل براءة ذمته فلا يجب فيها شيء بالشك وإن جنى عليهما فنقص لبنهما أو جنى على ثديين ناهدين فكسرهما أو صار بهما مرض ففيه حكومة لنقصه الذي نقصهما فصل فأما ثديا الرجل وهما الثندوتان ففيهما الدية وبهذا قال إسحاق وحكي ذلك قولا للشافعي وقال النخعي ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر فيهما حكومة وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه ذهب بالجمال من غير منفعة فلم تجب الدية كما لو أتلف العين القائمة واليد الشلاء وقال الزهري في حلمة الرجل خمس من الإبل وعن زيد بن ثابت فيه ثمن الدية
ولنا إن ما وجب فيه الدية من المرأة وجب فيه من الرجل كاليدين وسائر الأعضاء ولأنهما عضوان في البدن يحصل بهما الجمال ليس في البدن غيرهما من جنسهما فوجبت فيهما الدية كاليدين ولأنه أذهب الجمال فوجبت الدية كالشعور الأربعة عند أبي حنيفة وكأذني الأصم وأنف الأخشم عند الجميع ويفارق العين القائمة لأنه ليس فيها جمال كامل ولأنها عضو قد ذهب منه ما تجب فيه الدية فلم تكمل ديته كاليدين إذا شلتا بخلاف مسألتنا مسألة قال ( وفي الأليتين الدية ) قال ابن المنذر كل من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون في الأليتين الدية وفي كل واحدة منهما نصفها منهم عمرو بن شعيب والنخعي والشافعي وأصحاب الرأي ولأنهما عضوان من جنس فيهما جمال ظاهر ومنفعة كاملة فإنه يجلس عليهما كالوسادتين فوجب فيهما الدية وفي إحداهما نصفها كاليدين والأليتان هما ما علا وأشرف من الظهر عن استواء الفخذين وفيهما الدية إذا أخذتا إلى العظم الذي تحتهما وفي ذهاب بعضهما بقدره لأن ما وجب الدية فيه وجب في بعضه بقدره فإن جهل المقدار وجبت حكومة لأنه نقص لم يعرف قدره فصل وفي الصلب الدية إذا كسر فلم ينجبر لما روي في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي الصلب الدية وعن سعيد بن المسيب أنه قال مضت السنة أن في الصلب الدية وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وممن قال بذلك زيد بن ثابت وعطاء والحسن والزهري ومالك وقال القاضي وأصحاب الشافعي ليس في كسر الصلب دية إلا أن يذهب مشيه أو جماعه فتجب الدية لتلك المنفعة لأنه عضو لم تذهب منفعته فلم تجب فيه دية كاملة كسائر الأعضاء ولنا الخبر ولأنه عضو ليس في البدن مثله فيه جمال ومنفعة فوجبت الدية فيه بمفرده كالأنف وإن ذهب مشيه بكسر صلبه ففيه الدية في قول الجميع ولا يجب أكثر من دية لأنها منفعة تلزم كسر الصلب غالبا فأشبه ما لو قطع رجليه وإن لم يذهب مشيه لكن ذهب جماعه فيه الدية أيضا روي ذلك عن علي رضي الله عنه لأنه نفع مقصود فأشبه ذهاب مشيه وإن ذهب جماعه ومشيه وجبت ديتان في ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية ابنه عبد الله لأنهما منفعتان تجب الدية بذهاب كل واحدة منهما منفردة فإذا اجتمعتا وجبت ديتان كالسمع والبصر وعن أحمد فيهما دية واحدة لأنهما نفع عضو واحد فلم يجب فيها أكثر من دية واحدة كما لو قطع لسانه فذهب كلامه وذوقه وإن جبر صلبه فعادت إحدى المنفعتين دون الأخرى لم يجب إلا دية إلا أن تنقص الأخرى فتجب حكومة لنقصها أو تنقص من جهة أخرى فيكون فيه حكومة لذلك وإن ادعى ذهاب جماعه وقال رجلان من أهل الخبرة إن مثل هذه الجناية يذهب بالجماع فالقول قول المجني عليه مع يمينه لأنه لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا من جهته وإن كسر صلبه فشل ذكره اقتضى كلامه أحمد وجوب ديتين لكسر الصلب واحدة وللذكر أخرى وفي قول القاضي ومذهب الشافعي يجب في الذكر دية وحكومة لكسر الصلب وإن أشل رجليه ففيهما دية أيضا وإن أذهب ماءه دون جماعه احتمل وجوب الدية وهذا يروى عن مجاهد قال بعض أصحاب الشافعي هو الذي يقتضيه مذهب الشافعي لأنه ذهب بمنفعة مقصودة فوجبت الدية كما لو ذهب بجماعة أو كما لو قطع أنثييه أو رضهما ويحتمل أن لا تجب الدية كاملة لأنه لم يذهب بالمنفعة كلها مسألة قال ( وفي الذكر الدية ) أحمع أهل العلم على أن في الذكر الدية وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي الذكر الدية ولأنه عضو واحد فيه الجمال والمنفعة فكملت فيه الدية كالأنف واللسان وفي شلله ديته لأنه ذهب بنفعه أشبه ما لو أشل لسانه وتجب الدية في ذكر الصغير والكبير والشيخ والشاب سواء قدر على الجماع أو لم يقدر
فأما ذكر العنين فأكثر أهل العلم على وجوب الدية لعموم الحديث ولأنه غير مأيوس من جماعه وهو عضو سليم في نفسه فكملت ديته كذكر الشيخ وذكر القاضي فيه عن أحمد روايتين إحداهما تجب فيه الدية لذلك لوالثانية لا تكمل ديته وهو مذهب قتادة لأن منفعته الإنزال والإحبال والجماع وقد عدم ذلك منه في حال الكمال فلم تكمل ديته كالأشل وبهذا فارق ذكر الصبي والشيخ واختلفت الرواية في ذكر الخصي فعنه فيه دية كاملة وهو قول سعيد بن عبد العزيز والشافعي وابن المنذر للخبر ولأن منفعة الذكر الجماع وهو باق فيه والثانية لا تجب فيه وهو قول مالك والثوري وأصحاب الرأي وقتادة وإسحاق لما ذكرنا في ذكر العنين ولأن المقصود منه تحصيل النسل ولا يوجد ذلك منه لم يكمل ديته كالأشل والجماع يذهب في الغالب بدليل أن البهائم يذهب جماعها بخصائها والفرق بين ذكر العنين وذكر الخصي أن الجماع في ذكر العنين أبعد منه في ذكر الخصي واليأس من الإنزال متحقق في ذكر الخصي دون ذكر العنين فعلى قولنا لا تكمل الدية في ذكر الخصي إن قطع الذكر والأنثيين دفعة واحدة أو قطع الذكر ثم قطع الأنثيين لزمته ديتان فإن قطع الأنثيين ثم قطع الذكر لم يلزمه إلا دية واحدة من الأنثيين وفي الذكر حكومة لأنه ذكر خصي قال القاضي ونص أحمد على هذا وإن قطع نصف الذكر بالطول ففيه نصف الدية ذكره أصحابنا والأولى أن تجب الدية كاملة لأنه ذهب بمنفعة الجماع به فكملت ديته كما لو أشله أو كسر صلبه فذهب جماعه وأن قطع قطعة منه مما دون الحشفة وكان البول يخرج على ما كان عليه وجب بقدر القطعة من جميع الذكر من الدية وإن خرج البول من موضع القطع وجب الأكثر من حصة القطعة من الدية أو الحكومة وإن ثقب ذكره فيما دون الحشفة فصار البول يخرج من الثقب ففيه حكومة لذلك مسألة قال ( وفي الأنثيين الدية ) لا نعلم في هذا خلافا وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي البيضتين الدية ولأن فيهما الجمال والمنفعة فإن النسل يكون بهما فكانت فيهما الدية كاليدين وورى الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال مضت السنة أنه في الصلب الدية وفي الأنثيين الدية وفي إحداهما نصف الدية في قول أكثر أهل العلم وحكي عن سعيد بن المسيب أن في اليسرى ثلثي الدية وفي الثانية ثلثها لأن نفع اليسرى أكثر لأن النسل يكون بها ولنا إن ما وجبت الدية في شيئين منه وجب في أحدهما نصفها كاليدين وسائر الأعضاء ولأنهما ذو عدد تجب فيه الدية فاستوت ديتهما كالأصابع وما ذكروه ينتقض بالأصابع والأجفان تستوي دياتها مع اختلاف نفعها ثم يحتاج إلى إثبات ذلك الذي ذكره وإن رض أنثييه أو أشلهما كملت ديتهما كما لو أشل يديه أو ذكره فإن قطع أنثييه فذهب نسله لم يجب أكثر من دية لأن ذلك نفعهما فلم تزدد الدية بذهابه معهما كالبصر مع ذهاب العينين والبطش مع ذهاب الرجلين وإن قطع إحداهما فذهب النسل لم يجب أكثر من نصف الدية لأن ذهابه غير متحقق مسألة قال ( وفي الرجلين الدية ) أجمع أهل العلم على أن في الرجلين الدية وفي إحداهما نصفها روي ذلك عن عمر وعلي وبه قال قتادة ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقد ذكرنا الحديث والمعنى فيما تقدم وفي تفصيلها مثل ما ذكرنا من التفصيل في اليدين سواء ومفصل الكعبين ها هنا مثل مفصل الكوعين في اليدين فصل وفي قدم الأعرج ويد الأعسم الدية لأن العرج لمعنى في غير القدم والعسم الاعوجاج في الرسغ وليس ذلك عيبا في قدم ولا كف فلم يمنع ذلك كمال الدية فلهما وذكر أبو بكر أن في كل واحد منهما ثلث الدية كاليد الشلاء ولا يصح لأن هذين لم تبطل منفعتهما فلم تنقص ديتهما بخلاف اليد الشلاء
مسألة قال ( وفي كل أصبع من اليدين والرجلين عشر من الإبل وفي كل أنملة منها ثلث عقلها إلا الإبهام فإنها مفصلان ففي كل مفصل منها خمس من الإبل ) هذا قول عامة أهل العلم منهم عمر وعلي وابن عباس وبه قال مسروق وعروة ومكحول والشعبي وعبد الله بن معقل والثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وأصحاب الحديث ولا نعلم فيه مخالفا إلا رواية عن عمر أنه قضى في الإبهام بثلث غرة وفي التي تليها باثنتي عشرة وفي الوسطى بعشر وفي التي تليها بتسع وفي الخنصر بست وروي عنه أنه لما أخبر بكتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لآل حزم وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل أخذ به وترك قوله الأول وعن مجاهد في الإبهام خمس عشرة وفي التي تليها ثلاث عشرة وفي التي تليها عشر وفي التي تليها ثمان وفي التي تليها سبع ولنا ما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل أصبع أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح رواه أبو داود عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه وهذه سواء يعني الإبهام والخنصر أخرجه البخاري وأبو داود وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي كل إصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل ولأنه جنس ذو عدد تجب فيه الدية فكان سواء من الدية كالأسنان والأجفان وسائر الأعضاء ودية كل أصبع مقسومة على أناملها وفي كل أصبع ثلاث أنامل إلا الإبهام فإنها أنملتان ففي كل أنملة من غير الإبهام ثلث عقل الإبهام ثلاثة أبعرة وثلث وفي كل أنملة من الإبهام خمس من الإبل نصف ديتها وحكي عن مالك أنه قال الإبهام أيضا ثلاث أنامل إحداها باطنة وليس هذا بصحيح فإن الاعتبار بالظاهر فإن قوله عليه السلام في كل أصبع عشر من الإبل يقتضي وجوب العشر في الظاهر لأنها هي الأصبع التي يقع عليها الاسم دون ما بطن منها كما أن السن التي يتعلق بها وجوب ديتها هي الظاهرة من لحم اللثة دون سنخها والحكم في أصابع اليدين والرجلين سواء لعموم الخبر فيهما وحصول الاتفاق عليهما فصل وفي الأصبع الزائدة حكومة وبذلك قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وعن زيد بن ثابت أن فيها ثلث دية الأصبع وذكر القاضي أنه قياس المذهب على رواية إيجاب الثلث في اليد الشلاء والأول أصح لأن للتقدير لا يصار إليه بالتوقيف أو بمماثلته لما فيه توقيف وليس ذلك ها هنا لأن اليد الشلاء يحصل بها الجمال والأصبع الزائدة لا جمال فيها في الغالب ولأن جمال اليد الشلاء لا يكاد يختلف والأصبع الزائد تختلف باختلاف محالها وصفتها وحستها وقبحها فكيف يصح قياسها على اليد مسألة قال ( وفي البطن إذا ضرب فلم يستمسك الغائط الدية وفي المثانة إذا لم يستمسك البول الدية ) وبهذا قال ابن جريج وأبو ثور وأبو حنيفة ولم أعلم فيه مخالفا إلا أن ابن أبي موسى ذكر في المثانة رواية أخرى فيها ثلث الدية والصحيح الأول كل واحد من هذين المحلين عضو فيه منفعة كبيرة ليس في البدن مثله فوجب في تفويت منفعته دية كاملة كسائر الأعضاء المذكورة فإن نفع المثانة حبس البول وحبس البطن الغائط منفعة مثلها والنفع بهما كثير والضرر بفواتهما عظيم فكان في كل واحدة منهما الدية كالسمع والبصر وإن فاتت المنفعتان بجناية واحدة وجب على الجانني ديتان كما لو ذهب سمعه وبصره بجناية واحدة مسألة قال ( وفي ذهاب العقل الدية )
لا نعلم في هذا خلافا وقد روي عن عمر وزيد رضي الله عنهما وإليه ذهب من بلغنا قوله من الفقهاء وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي العقل الدية ولأنه أكبر المعاني قدرا وأعظم الحواس نفعا فإن به يتميز من البهيمة ويعرف به حقائق المعلومات ويهتدي إلى مصالحه ويتقي ما يضره ويدخل به في التكليف وهو شرط في ثبوت الولايات وصحة التصرفات وأداء العبادات فكان بإيجاب الدية أحق من بقية الحواس فإن نقص عقله نقصا معلوما مثل أن صار يجن يوما ويفيق يوما فعليه من الدية بقدر ذلك لأن ما وجبت فيه الدية وجب بعضها في بعضه بقدره كالأصابع وإن لم يعلم مثل أن صار مدهوشا أو يفزع مما لا يفزع منه ويستوحش إذا خلا فهذا لا يمكن تقديره فتجب فيه حكومة فصل فإن أذهب عقله بجناية لا توجب أرشا كاللطمة والتخوف ونحو ذلك ففيه الدية لا غير وإن أذهبه بجناية توجب أرشا كالجراح أو قطع عضو وجبت الدية وأرش الجرح وبهذا قال مالك والشافعي في الجديد وقال أبو حنيفة والشافعي في القديم يدخل الأقل منهما في الأكثر فإن كانت الدية أكثر من أرش الجرح وجبت وحدها وإن كان أرش الجرح أكثر كأن قطع يديه ورجليه فذهب عقله وجبت دية الجرح ودخلت دية العقل فيه لأن ذهاب العقل تختل معه منافع الأعضاء فدخل أرشها فيه كالموت ولنا إن هذه جناية أذهبت منفعة من غير محلها مع بقاء النفس فلم يتداخل الأرشان كما لو أوضحه فذهب بصره أو سمعه ولأنه لو جنى على أذنه أو أنفه فذهب سمعه أو شمه لم يدخل أرشهما في دية الأنف والأذن مع قربهما منها فها هنا أولى وما ذكروه لا يصح لأنه لو دخل أرش الجرح في دية العقل لم يجب أرشه إذا زاد على دية العقل كما أن دية الأعضاء كلها مع القتل لا يجب أكثر من دية النفس ولا يصح قولهم إن منافع الأعضاء تبطل بذهاب العقل فإن المجنون تضمن منافعه وأعضاؤه بعد ذهاب عقله بما تضمن به منافع الصحيح وأعضاؤه ولو ذهبت منافعه وأعضاؤه لم تضمن كما لا تضمن منافع الميت وأعضاؤه وإذا جاز أن تضمن بالجناية عليها بعد الجناية عليه جاز ضمانها مع الجانية عليه كما لو جنى عليه فأذهب سمعه وبصره بجراحة في غير محلها فصل فإن جنى عليه فأذهب عقله وسمعه وبصره وكلامه وجب أربع ديات مع أرش الجرح قال أبو قلابة رمى رجل رجلا بحجر فذهب عقله وبصره وسمعه ولسانه فقضى فيه عمر بأربع ديات وهو حي ولأنه أذهب منافع في كل واحد منها دية فوجب عليه دياتها كما لو أذهبها بجنايات فإن مات من الجناية لم يجب إلا دية واحدة لأن ديات المنافع كلها تدخل في دية النفس كديات الأعضاء مسألة قال ( وفي الصغر الدية والصعر أن يضربه فيصير وجهه في جانب ) أصل الصعر داء يأخذ البعير في عنقه فيلتوي عنقه وقول الله تعالى ولا تصعر خدك للناس لقمان 18 أي لا تعرض عنهم بوجهك تكبرا كإمالة وجه البعير الذي به الصغر فمن جنى على إنسان جناية فعوج عنقه حتى صار وجهه في جانب فعليه دية كاملة روي ذلك عن زيد بن ثابت وقال الشافعي ليس فيه إلا حكومة لأنه إذهاب جمال من غير منفعة ولنا ما روى مكحول عن زيد بن ثابت أنه قال وفي الصعر الدية ولم يعرف له في الصحابة مخالف فكان إجماعا ولأنه أذهب الجمال والمنفعة فوجبت فهي دية كاملة كسائر المنافع وقولهم لم يذهب بمنفعته غير صحيح فإنه لا يقدر على النظر أمامه واتقاء ما يحذره إذا مشى وإذا نابه أمر أو دهمه عدو لم يمكنه العلم به ولا اتقاؤه ولا يمكنه لي عنقه ليعرف ما يريد نظره ويتعرف ما ينفعه ويضره
فصل فإن جنى عليه فصار الالتفات عليه شاقا أو ابتلاع الماء أو غيره ففيه حكومة لأنه لم يذهب بالمنفعة كلها ولا يمكن تقديرها وإن صار بحيث لا يمكنه ازدراد ريقه فهذا لا يكاد يبقى فإن بقي مع ذلك ففيه الدية لأنه تفويت منفعة ليس لها مثل في البدن مسألة قال ( وفي اليد الشلاء ثلث ديتها وكذلك العين القائمة والسن السوداء ) اليد الشلاء التي ذهب منها منفعة البطش والعين القائمة التي ذهب بصرها وصورتها باقية كصورة صحيحة واختلفت الرواية عن أحمد وفي السن السوداء فعنه في كل واحدة ثلث ديتها وروي هذا عن ابن الخطاب ومجاهد وبه قال إسحاق وعن زيد بن ثابت في العين القائمة مائة دينار والرواية الثالثة عن أحمد في كل واحدة حكومة وهذا قول مسروق والزهري ومالك والشافعي وأبي ثور والنعمان وابن المنذر لأنه لا يمكن إيجاب دية كاملة لكونها قد ذهبت منفعتها ولا مقدر فيها فتجب الحكومة فيها كاليد الزائدة ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية وفي اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها وفي السن السوداء إذا قلعت ثلث ديتها رواه النسائي وأخرجه أبو داود في العين وحدها مختصرا وقول عمر رضي الله عنه رواه قتادة عن خلاس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قضى في العين القائمة إذا خسفت واليد الشلاء إذا قطعت والسن السوداء إذا كسرت ثلث دية كل واحدة منهن ولأنها كاملة الصورة فكان فيها مقدر كالصحيحة وقولهم لا يمكن إيجاب مقدر ممنوع فإنا قد ذكرنا التقدير وبيناه فصل قال القاضي قول أحمد رحمه الله السن السوداء ثلث ديتها محمول على سن ذهبت منفعتها بحيث لا يمكنه أن يعض بها الأشياء أو كانت تفتت فأما إن كانت منفعتها باقية ولم يذهب منها إلا لونها ففيها كمال ديتها سواء قلت منفعتها بأن عجز عن عض الأشياء الصلبة بها أو لم يعجز لأنها باقية المنفعة فكملت ديتها كسائر الأعضاء وليس على من سودها إلا حكومة وهذا مذهب الشافعي والصحيح من مذهب أحمد ما يوافق ظاهر كلامه لظاهر الأخبار وقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقول أكثر أهل العلم ولأنه ذهب جمالها بتسويدها فكملت ديتها على من سودها كما لو سود وجهه ولم يجب على متلفها أكثر من ثلث ديتها كاليد الشلاء وكالسن إذا كانت بيضاء فانقلعت ونبت مكانها سوداء لمرض فيها فإن القاضي وأصحاب الشافعي سلموا أنها لا تكمل ديتها فصل فإن نبتت أسنان صبي سوداء ثم ثغر ثم عادت سوداء فديتها تامة لأن هذا جنس خلق على هذه الصورة فأشبه من خلق أسود الجسم والوجه جميعا وإن نبتت أولا بيضاء ثم ثغر ثم عادت سوداء سئل أهل الخبرة فإن قالوا ليس السواد لعلة ولا مرض ففيها أيضا كمال ديتها وإن قالوا ذلك لمرض فيها فعلى قالعها ثلث ديتها أو حكومة وقد سلم القاضي وأصحاب الشافعي الحكم في هذه الصورة وهو حجة عليهم فيما خالفوا فيه ويحتمل أن يكون الحكم فيما كانت سوداء من ابتداء الخلقة هكذا لأن المرض قد يكون في فيه من ابتداء خلقته فيثبت حكمه في بعض ديتها كما لو كان طارئا فصل وفي لسان الأخرس روايتان أيضا كالروايتين في اليد الشلاء وكذلك كل عضو ذهبت منفعته وبقيت صورته كالرجل الشلاء والأصبع والذكر إذا كان أشل وذكر الخصي والعنين إذا قلنا لا تكمل ديتهما وأشباه هذا فكله يخرج على الروايتين إحداهما فيه ثلث ديته والأخرى حكومة
فصل فأما اليد أو الرجل أو الأصبع أو السن الزوائد ونحو ذلك فليس فيه إلا حكومة وقال القاضي هذا في معنى اليد الشلاء فتكون على قياسها يخرج على الروايتين والذي ذكرناه أصح لأنه لا تقدير في هذا ولا هو في معنى المقدر ولا يصح قياس هذا على العضو الذي ذهبت منفعته وبقي جماله لأن هذه الزوائد لا جمال فيها إنما هي شين في الخلقة وعيب يرد به المبيع وتنقص به القيمة فكيف يصح قياسه على ما يحصل به الجمال ثم لو حصل به جمال ما لكنه يخالف جمال العضو الذي يحصل به تمام الخلقة ويختلف في نفسه اختلافا كثيرا فوجبت فيه الحكومة ويحتمل أن لا يجب فيه شيء لما ذكرنا فصل واختلفت الرواية في قطع الذكر بعد حشفته وقطع الكف بعد أصابعه فروى أبو طالب عن أحمد فيه ثلث ديته وكذلك شحمة الأذن وعن أحمد في ذلك كله حكومة والصحيح في هذا أن فيه حكومة لعدم التقدير فيه وامتناع قياسه على ما فيه تقدير لأن الأشل بقيت صورته وهذا لم تبق صورته إنما بقي بعض ما فيه الدية أو أصل ما فيه الدية فأما قطع الذراع بعد قطع الكف والساق بعد قطع القدم فينبغي أن تجب الحكومة فيه وجها واحدا لأن إيجاب ثلث دية اليد فيه يفضي إلى أن يكون الواجب فيه مع بقاء الكف والقدم وذهابهما واحدا مع تفاوتهما وعدم النص فيهما والله أعلم مسألة قال ( وفي إسكتي المرأة الدية ) الإسكتان هما اللحم المحيط بالفرج من جانبيه إحاطة الشفتين بالفم وأهل اللغة يقولون الشفران حاشيتا الإسكتين كما أن أشفار العين أهدابها وفيهما دية المرأة إذا قطعتا وبهذا قال الشافعي وقال الثوري إذا لم يقدر على جماعها وقضى به محمد بن سفيان إذا بلغ العظم لأن فيهما جمالا ومنفعة وليس في البدن غيرهما من جنسها فوجبت فيهما الدية كسائر ما فيه منه شيئان وفي إحداهما نصف الدية كما ذكرنا في غيرهما وإن جنى عليهما فأشلهما وجبت ديتهما كما لو جنى على شفتيه فأشلهما ولا فرق بين كونهما غليظتين أو دقيقتين قصيرتين أو طويلتين من بكر أو ثيب أو صغيرة أو كبيرة مخفوضة أو غير مخفوضة لأنهما عضوان فيهما الدية فاستوى فيهما جميع ما ذكرنا كسائر أعضائها ولا فرق بين الرتقاء وغيرها لأن الرتق عيب في غيرهما فلم ينقص ديتهما كما أن الصمم لم ينقص دية الأذنين والخفض هو الختان في حق المرأة فصل وفي ركب المرأة حكومة وهو عانة المرأة وكذلك في عانة الرجل لأنه لا مقدر فيه ولا هو نظير لما قدر فيه فإن أخذ منه شيء مع فرج المرأة أو ذكر الرجل ففيه الحكومة مع الدية كما لو أخذ مع الأنف والشفتين شيء من اللحم الذي حولهما مسألة قال ( وفي موضحة الحر خمس من الإبل سواء كان من رجل أو امرأة والموضحة في الرأس والوجه سواء وهي التي تبرز العظم ) هذه من شجاج الرأس أو الوجه وليس في الشجاج ما فيه قصاص سواها ولا يجب المقدر في أقل منها وهي التي تصل إلى العظم سميت موضحة لأنها أبدت وضح العظم وهو بياضه وأجمع أهل العلم على أن أرشها مقدر قاله ابن المنذر وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي الموضحة خمس من الإبل رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن وقول الخرقي في موضحة الحر يحترز به من موضحة العبد وقوله سواء كان من رجل أو امرأة يعني أنهما لا يختلفان في أرش الموضحة لأنها دون ثلث الدية وهما يستويان فيما دون الثلث ويختلفان فيما زاد وعند الشافعي أن موضحة المرأة على النصف موضحة الرجل بناء على أن جراح المرأة على النصف من جراح الرجل في الكثير والقليل وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى
وعموم الحديث الذي رويناه ها هنا حجة عليه وفهي كفاية وأكثر أهل العلم على أن الموضحة في الرأس والوجه سواء روي ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وبه قال شريح ومكحول والشعبي والنخعي والزهري وربيعة وعبيد الله بن الحسن وأبو حنيفة الشافعي وإسحاق وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال تضعف موضحة الوجه على موضحة الرأس فيجب في موضحة الوجه عشر من الإبل لأنه شينها أكثر وذكره القاضي رواية عن أحمد وموضحة الرأس يسترها الشعر والعمامة وقال مالك إذا كانت في الأنف أو في اللحي الأسفل ففيها حكومة لأنها تبعد عن الدماغ فأشبهت موضحة سائر البدن ولنا عموم الأحاديث وقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما الموضحة في الرأس والوجه سواء ولأنها موضحة فكان أرشها خمسا من الإبل كغيرها مما سلموه ولا عبرة بكثر الشين بدليل التسوية بين الصغيرة والكبيرة وما ذكروه لمالك لا يصح فإن الموضحة في الصدر أكثر ضررا وأقرب إلى القلب ولا مقدر فيها وقد روي عن أحمد رحمه الله أنه قال موضحة الوجه أحرى أن يزاد في ديتها وليس معنى هذا أنه يجب فيها أكثر والله أعلم وإنما معناه أنها أولى بإيجاب الدية فإنه إذا وجب في موضحة الرأس مع قلة شينها واستتارها بالشعر وغطاء الرأس خمس من الإبل فلأن يجب ذلك في الوجه الظاهر الذي هو مجمع المحاسن وعنوان الجمال أولى وجعل كلام أحمد على هذا أولى من حمله على ما يخالف الخبر والأثر وقول أكثر أهل العلم ومصيره إلى التقدير بغير توقيف ولا قياس صحيح فصل وبجب أرش الموضحة في الصغيرة والكبيرة والبارزة والمستورة بالشعر لأن اسم الموضحة يشمل الجميع وحد الموضحة ما أفضى إلى العظم ولو بقدر إبرة ذكره ابن القاسم والقاضي فإن شجه في رأسه شجة بعضها موضحة وبعضها دون الموضحة لم يلزمه أكثر من أرش موضحة لأنه لو أوضح الجميع لم يلزمه أكثر من أرش موضحة فلأنه لا يلزمه في الإيضاح في البعض أكثر من ذلك أولى وهكذا لو شجه شجة بعضها هاشمة وباقيها دونها لم يلزمه أكثر من أرش هاشمة وإن كانت منقلة وما دونها أو مأمومة وما دونها فعليه أرش منقلة أو مأمومة لما ذكرنا فصل وليس في موضحة غير الرأس والوجه مقدر في قول أكثر أهل العلم منهم أمامنا مالك والثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر قال ابن عبد البر ولا يكون في البدن موضحة يعني ليس فيها مقدر قال وعلى ذلك جماعة العلماء إلا الليث بن سعد قال الموضحة تكون في الجسد أيضا وقال الأوزاعي في جراحة الجسد على النصف من جراحة الرأس وحكي نحو ذلك عن عطاء الخراساني قال في الموضحة في سائر الجسد خمسة وعشرون دينارا ولنا إن اسم الموضحة إنما يطلق على الجراحة المخصوصة في الوجه والرأس وقول الخليفتين الراشدين الموضحة في الوجه والرأس سواء يدل على أن باقي الجسد بخلافه ولأن الشين فيما في الرأس والوجه أكثر وأخطر مما في سائر البدن فلا يلحق به ثم إيجاب ذلك في سائر البدن يفضي إلى أن يجب في موضحة العضو أكثر من ديته مثل أن يوضح أنملة ديتها ثلاثة وثلث ودية الموضحة خمس وأما قول الأوزاعي وعطاء والخراساني فتحكم لا نص فيه ولا قياس يقتضيه فيجب إطراحه فصل وإن أوضحه في رأسه وجر السكين إلى قفاه فعليه أرش موضحة وحكومة لجرح القفا لأن القفا ليس بموقع للموضحة وإن أوضحه في رأسه ومدها إلى وجهه فعلى وجهين أحدهما أنها موضحة واحدة لأن الوجه والرأس سواء في الموضحة فصار كالعضو الواحد والثاني هما موضحتان لأنه أوضحه في عضوين فكان لكل واحد منهما حكم نفسه كما لو أوضحه في رأس ونزل إلى القفا
فصل وإن أوضحه في رأسه موضحتين بينهما حاجز فعليه أرش موضحتين لأنهما موضحتان فإن أزال الحاجز الذي بينهما وجب أرش موضحة واحدة لأنه صار الجميع بفعله موضحة فصار كما لو أوضح الكل من غير حاجز يبقى بينهما وإن اندملتا ثم أزال الحاجز بينهما فعليه أرش ثلاث مواضح لأنه استقر عليه أرش الأوليين بالاندمال ثم لزمته دية الثالثة وإن تأكل ما بينهما قبل اندمالهما فزال لم يلزمه أكثر من أرش واحدة لأن سراية فعله كفعله وإن اندملت إحداهما وزال الحاجز بفعله أو سراية الأخرى فعليه أرش موضحتين وإن أزال الحاجز أجنبي فعلى الأول أرش موضحتين وعلى الثاني أرش موضحة لأن فعل أحدهما لا ينبني على فعل الآخر فانفرذ كل واحد منهما بحكم جنايته وإن أزاله المجني عليه وجب على الأول أرش موضحتين لأن ما وجب بجنايته لا يسقط بفعل غيره فإن اختلفا فقال الجاني أنا شققت ما بينهما وقال المجني عليه بل أنا أو أزالها آخر سواك فالقول قول المجني عليه لأن سبب أرش موضحتين قد وجد والجاني يدعي زواله والمجني عليه ينكره والقول قول المنكر والأصل معه وإن أوضح موضحتين ثم قطع اللحم الذي بينهما في الباطن وترك الجلد الذي فوقهما وجهان أحدهما يلزمه أرش موضحتين لانفصالهما والثاني أرش موضحة لاتصالهما في الباطن وإن جرحه جراحا واحدة وأوضحه في طرفيها وباقيها دون الموضحة ففيه أرش موضحتين لأن ما بينهما ليس بموضحة مسألة قال ( وفي الهاشمة عشر من الإبل وهي التي توضح العظم وتهشمه ) الهاشمة هي التي تتجاوز الموضحة فتهشم العظم سميت هاشمة لهشمها العظم ولم يبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها تقدير وأكثر من بلغنا قوله من أهل العلم على أن أرشها مقدر بعشر من الإبل روى ذلك قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت وبه قال قتادة والشافعي والعنبري ونحوه قال الثوري وأصحاب الرأي إلا أنهم قدروها بعشر الدية من الدراهم وذلك على قولهم ألف درهم وكان الحسن لا يوقت فيها شيئا وحكي عن مالك أنه قال لا أعرف الهاشمة لكن في الإيضاح خمس وفي الهشم حكومة قال ابن المنذر النظر يدل على قول الحسن إذ لا سنة فيها ولا إجماع ولأنه لم ينقل فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم تقدير فوجبت فيها الحكومة كما دون الموضحة ولنا قول زيد ومثل ذلك الظاهر أنه توقيف ولأنه لم نعرف له مخالفا في عصره فكان إجماعا ولأنها شجة فوق الموضحة تختص باسم فكان فيها مقدر كالمأمومة فصل والهاشمة في الرأس والوجه خاصة على ما ذكرنا في الموضحة وإن هشمه هاشمتين بينهما حاجز ففيهما عشرون من الإبل على ما ذكرنا في الموضحة من التفصيل وتستوي الهاشمة الصغيرة والكبيرة وإن شجة شجة بعضها موضحة وبعضها هاشمة وبعضها سمحاق وبعضها متلاحمة وجب أرش الهاشمة لأنه لو كان جميعها هاشمة أجزأ أرشها ولو انفرد القدر المهشوم وجب أرشها فلا ينقص ذلك بما إذا زاد من الأرش في غيرها وإن ضرب رأسه فهشم العظم ولم يوضحه لم تجب دية الهاشمة بغير خلاف لأن الأرش المقدر وجب في هاشمة يكون معها موضحة وفي الواجب فيها وجهان أحدهما فيها خمس من الإبل لأنه لو أوضح وكسر لوجبت عشر خمس في الإيضاح وخمس في الكسر فإذا وجد الكسر دون الإيضاح وجب خمس والثاني تجب حكومة لأنه كسر عظم لا جرح معه فأشبه كسر قصبة الأنف فصل فإن أوضحه موضحتين هشم العظم في كل واحدة منهما واتصل الهشم في الباطن فهما هاشمتان لأن الهشم إنما يكون تبعا للإيضاح فإذا كانتا موضحتين كان الهشم هاشمتين بخلاف الموضحة فإنها ليست تبعا لغيرها فافترقا مسألة قال ( وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وهي التي توضح وتهشم وتسطو حتى تنقل عظامها )