İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل والتسمية على الذبيحة معتبرة حال الذبح أو قريبا منه كما تعتبر على الطهارة وإن سمى على شاة ثم أخذ أخرى فذبحها بتلك التسمية لم يجز سواء أرسل الأولى أو ذبحها لأنه لم يقصد الثانية بهذه التسمية وإن رأى قطيعا من الغنم فقال بسم الله ثم أخذ شاة فذبحها بغير تسمية لم يحل وإن جهل كون ذلك لا يجزىء لم يجر مجرى النسيان لأن النسيان يسقط المؤاخذة والجاهل مؤاخذ ولذلك يفطر الجاهل بالأكل في الصوم دون الناسي وإن أضجع شاة ليذبحها وسمى ثم ألقى السكين وأخذ أخرى أو رد سلاما أو كلم إنسانا أو استسقى ماء ونحو ذلك وذبح حل لأنه سمى على تلك الشاة بعينها ولم يفصل بينهما إلا بفصل يسير فأشبه ما لو لم يتكلم فصل وإن سمى الصائد على صيد فأصاب غيره حل وإن سمى على سهم ثم ألقاه وأخذ غيره فرمى به لم يبح ما صاده به لأنه لما لم يكن اعتبار التسمية على صيد بعينه اعتبرت على الآلة التي يصيد بها بخلاف الذبيحة ويحتمل أن يباح قياسا على ما لو سمى على سكين ثم ألقاها وأخذ غيرها وسقوط اعتبار تعيين الصيد لمشقته لا يقتضي اعتبار تعيين الآلة فلا يعتبر مسألة قال ( وإذا ند بعير فلم يقدر عليه فرماه بسهم أو نحوه مما يسيل به دمه فقتله أكل ) وكذلك إن تردى في بئر فلم يقدر على تذكيته فجرحه في أي موضع قدر عليه فقتله أكل إلا أن تكون رأسه في الماء فلا يؤكل لأن الماء يعين على قتله هذا قول أكثر الفقهاء روي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم وبه قال مسروق والأسود والحسن وعطاء وطاوس وإسحاق والشعبي والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وأبو ثور وقال مالك لا يجوز أكله إلا أن يذكى وهو قول ربيعة والليث قال أحمد لعل مالكا لم يسمع حديث رافع بن خديج واحتج لمالك بأن الحيوان الإنسي إذا توحش لم يثبت له حكم الوحشي بدليل أنه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله ولا يصير الحمار الأهلي مباحا إذا توحش ولنا ما روى رافع بن خديج قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فند بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا وفي لفظ فما ند عليكم فاصنعوا به هكذا متفق عليه وحرب ثور في بعض دور الأنصار فضربه رجل بالسيف وذكر اسم الله عليه فسئل عنه على فقال ذكاة وحية فأمرهم بأكله وتردى بعير في بئر فذكي من قبل شاكلته فبيع بعشرين درهما فأخذ ابن عمر عشرة بدرهمين ولأن الاعتبار في الذكاة بحال الحيوان وقت ذبحه لا بأصله بدليل الوحشي إذا قدر عليه وجبت تذكيته في الحلق واللبة وكذلك الأهلي إذا توحش يعتبر بحاله وبهذا فارق ما ذكروه فإذا تردى فلم يقدر على تذكيته فهو معجوز عن تذكيته فأشبه الوحشي فإما إن كان رأس المتردي في الماء لم يبح لأن الماء يعين على قتله فيحصل قتله بمبيح وحاظر فيحرم كما لو جرحه مسلم ومجوسي مسألة قال ( والمسلم والكتابي في كل ما وصفت سواء ) يعني في الاصطياد والذبح وأجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب لقول الله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم المائدة 5 يعني ذبائحهم قال البخاري قال ابن عباس طعامهم ذبائحهم وكذلك قال مجاهد وقتادة وروي معناه عن ابن مسعود وأكثر أهل العلم يرون إباحة صيدهم أيضا قال ذلك عطاء والليث والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم أحدا حرم صيد أهل الكتاب إلا مالكا أباح ذبائحهم وحرم صيدهم ولا يصح لأن صيدهم من طعامهم فيدخل في عموم الآية ولأن من حلت ذبيحته حل صيده كالمسلم
فصل ولا فرق بين العدل والفاسق من المسلمين وأهل الكتاب وعن ابن عباس رضي الله عنه و تؤكل ذبيحة الأقلف وعن أحمد مثله والصحيح إباحته فإنه مسلم فأشبه سائر المسلمين وإذا أبيحت القاذف والزاني وشارب الخمر مع تحقيق فسقه وذبيحة النصراني وهو كافر أقلف فالمسلم أولى فصل ولا فرق بين الحربي والذمي في إباحة ذبيحة الكتابي منهم وتحريم ذبيحة من سواه وسئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب فقال لا بأس بها حديث عبدالله بن مغفل في الشحم قال إسحاق أجاد وقال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم مجاهد والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا فرق بين الكتابي العربي وغيره إلا أن في نصارى العرب اختلافا ذكرناه في باب الجزية وسئل مكحول عن ذبائح العرب فقال أما بهرا وتنوخ وسليح فلا بأس وأما بنو تغلب فلا خير في ذبائحهم والصحيح إباحة ذبائح الجميع لعموم الآية فيهم فصل فإن كان أحد أبوي الكتابي ممن لا تحل ذبيحته والآخر ممن تحل ذبيحته فقال أصحابنا لا يحل صيده ولا ذبيحته وبه قال الشافعي إذا كان الأب غير كتابي وإن كان الأب كتابيا ففيه قولان أحدهما تباح وهو قول مالك وأبو ثور والثاني لا تباح لأنه وجد ما يقتضي التحريم والإباحة فغلب ما يقتضي التحريم كما لو جرحه مسلم ومجوسي وبيان وجود ما يقتضي التحريم إن كونه ابن مجوسي أو وثني يقتضي تحريم ذبيحته وقال أبو حنيفة تباح ذبيحته بكل حال لعموم النص ولأنه كتابي يقر على دينه فتحل ذبيحته كما لو كان ابن كتابين وأما إن كان ابن وثنيين أو مجوسيين فمقتضى مذهب الأئمة الثلاثة تحريمه ومقتضى مذهب أبي حنيفة حله لأن الاعتبار بدين الذابح لا بدين أبيه بدليل أن الاعتبار في قبول الجزية بذلك ولعموم النص والقياس فصل فأما ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم فننظر فيه فإن ذبحه لهم مسلم فهو مباح نص عليه وقال أحمد وسفيان الثوري في المجوسي يذبح لإلهه ويدفع الشاة إلى المسلم يذبحها فيسمي يجوز الأكل منها وقال اسماعيل بن سعيد سألت أحمد عما يقرب لآلهتهم يذبحه رجل مسلم قال لا بأس به وإن ذبحها الكتابي وسمى الله وحده حلت أيضا لأن شرط الحل وجد وإن علم أنه ذكر اسم غير الله عليها أو تر التسمية عمدا لم تحل قال حنبل سمعت أبا عبد الله قال أنه ذكر اسم غير الله عليها أو ترك التسمية عمدا لم تحل قال حنيل سمعت أبا عبدالله قال لا يؤكل يعني ما ذبح لأعيادهم وكنائسهم لأنه أهل لغير الله به وقال في موضع يدعون التسمية على عمد إنما يذبحون للمسيح فأما ما سوى ذلك فرويت عن أحمد الكراهة فيما ذبح لكنائسهم وأعيادهم مطلقا وهو قول ميمون بن مهران لأنه ذبح لغير الله وروي عن أحمد إباحته وسئل عنه العرباض بن سارية فقال كلوا وأطعموني وروي مثل ذلك عن أبي أمامة الباهلي وأبي مسلم الخولاني وأكله أبو الدرداء وجبير بن نفير ورخص فيه عمرو بن الأسود ومكحول وضمرة بن حبيب لقول الله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وهذا من طعامهم قال القاضي ما ذبحه الكتابي لعيده أو نجم أو صنم أو نبي فسماه على ذبيحته حرم لقوله تعالى وما أهل لغير الله به المائدة 3 وإن سمى الله وحده حل لقول الله تعالى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه الأنعام 118 لكنه يكره لقصده بقلبه الذبح لغير الله مسألة قال ( ولا يؤكل ما قتل بالبندق أو الحجر لأنه موقوذ ) يعني الحجر الذي لا حد له فأما المحدد كالصوان فهو كالمعراض إن قتل بحده أبيح وإن قتل بعرضه أو ثقله فهو وقيذ لا يباح وهذا قول عامة الفقهاء وقال ابن عمر في المقتولة بالبندق تلك الموقوذة وكره ذلك سالم والقاسم ومجاهد وعطاء والحسن وإبراهيم ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور ورخص فيما قتل بها ابن المسيب وروي أيضا عن عمار وعبد الرحمن بن أبي ليلى
ولنا قول الله تعالى والموقوذة المائدة 3 وروس سعيد بإسناده عن إبراهيم عن عدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت وقال في المعراض إذا أصيب بعرضه فقتل فإنه وقيذ وقال عمر ليتق أحدكم أن يحذف الأرنب بالعصا والحجر ثم قال وليذك لكم الأسل الرماح والنبل أذا ثبت هذا فسواء شدخه أو لم يشدخه حتى لو رماه ببندقة فقطعت حلقوم طائر ومريئه أو أطارت رأسه لم يحل وكذلك إن فعل ذلك بحجر غير محدد مسألة قال ( ولا يؤكل صيد المجوسي وذبيحته إلا ما كان من حوت فإنه لا ذكاة له ) أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسي وذبيحته إلا ما لا ذكاة له كالسمك والجراد فإنهم أجمعوا على إباحته غير أن مالكا والليث وأبا ثور شذوا على الجماعة وأفرطوا فأما مالك والليث فقال لا نرى أن يأكل الجراد إذا صاده المجوسي ورخصا في السمك وأبو ثور أباح صيده وذبيحته لقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولأنهم يقرون بالجزية فيباح صيدهم وذبائحهم كاليهود والنصارى واحتج برواية عن سعيد بن المسيب وهذا قول يخالف الإجماع فلا عبرة به قال إبراهيم الحربي خرق أبو ثور الإجماع قال أحمد ها هنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأسا ما أعجب هذا يعرض بأبي ثور وممن رويت عنه كراهية ذبائحهم ابن مسعود وابن عباس وعلي وجابر وأبو بردة وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن بن محمد وعطاء ومجاهد وعبدالرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير ومرة الهمذاني والزهري ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي قال أحمد ولا أعلم أحدا قال بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة ولأن الله تعالى قال وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم المائدة 5 فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكافر ولأنهم لا كتاب فهم فلم تحل ذبائحهم كأهل الأوثان وقد روى الإمام أحمد بإسناده عن قيس بن سكن الأسدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم نزلتم بفارس من النبط فإذا اشتريتم لحما فإن كان من يهودي أو نصراني فكلوا وإن كانت ذبيحة مجوسي فلا تأكلوا ولأن كفرهم مع كونهم غير أهل كتاب يقتضي تحريم ذبائحهم ونسائهم بدليل سائر الكافر من غير أهل الكتاب وإنما أخذت منهم الجزية لأن شبهة الكتاب تقتضي التحريم لدمائهم فلما غلبت في التحريم لدمائهم فيجب أن يغلب عدم الكتاب في تحريم الذبائح والنساء احتياطا للتحريم في الموضعين ولأنه إجماع فإنه قول من سمينا ولا مخالف لهم في عصرهم ولا فيمن بعدهم إلا رواية عن سعيد روي عنه خلافها ولا خلاف في إباحة ما صادوه من الحيتان حكي عن الحسن البصري أنه قال رأيت سبعين من الصحابة يأكلون صيد المجوسي من الحيتان لا يختلج في صدورهم شيء من ذلك رواه سعيد بن منصور والجراد كالحيتان في ذلك لأنه لا ذكاة له ولأنه تباح ميتته فلم يحرم بصيد المجوسي كالحوت فصل وحكم سائر الكفار من عبدة الأوثان والزنادقة وغيرهم وحكم المجوسي في تحريم ذبائحهم وصيدهم إلا الحيتان والجراد وسائر ما تباح ميتته فإن ما صادوه مباح لأنه لا يزيد بذلك عن موته بغير سبب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان السمك والجراد وقال في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته فصل قال أحمد وطعام المجوسي ليس به بأس أن يؤكل وإذا أهدي إليه أن يقبل إنما تكره ذبائحهم أو شيء فيه دسم يعني من اللحم ولم ير بالسمن والخبز بأسا وسئل عما يصنع المجوس لأمواتهم ويزمزمون عليهم أياما عشرا يقتسمون ذلك في الجيران قال لابأس بذلك وعن الشعبي كل مع المجوسي وإن زمزم وروى أحمد أن سعيد بن جبير كان يأكل من كواميخ المجوس وأعجبه ذلك وروى هشام عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بطعام المجوس في المصر ولا بشواريزهم ولا بكواميخهم مسألة قال ( وكذلك كل ما مات من الحيتان في الماء وإن طفا ) قوله طفا يعني ارتفع على وجه الماء
قال عبدالله بن رواحة وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وجملة ذلك أن السمك وغيره من ذوات الماء التي لا تعيش إلا فيه إذا ماتت فهي حلال وسواء ماتت بسبب أو غير سبب لقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته قال أحمد هذا خير من مائة حديث وأما ما مات بسبب مثل ان صاده إنسان أو نبذه البحر أو جزر عنه فإن العلماء أحمعوا على إباحته وكذلك ما حبس في الماء بحظيرة حتى يموت فلا خلاف أيضا في حله قال أحمد الطافي يؤكل وما جزر عنه الماء أجود والسمك الذي نبذه البحر لم يختلف الناس فيه وإنما اختلفوا في الطافي وليس به بأس وممن أباح الطافي من السمك أبو بكر الصديق وأبو أيوب رضي الله عنهما وبه قال الشافعي وممن أباح ما وجد من الحيتان عطاء ومكحول والثوري والنخعي وكره الطافي جابر وطاوس وابن سيرين وجابر بن زيد وأصحاب الرأي لأن جابرا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه رواه أبو داود ولنا قول الله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة المائدة 96 قال ابن عباس طعامه ما مات فيه وأيضا الحديث الذي قدمناه وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه الطافي حلال ولأنه لو مات في البر أبيح فإذا مات في البحر أبيح كالجراد فأما حديث جابر فإنما هو موقوف عليه كذلك قال أبو داود رواه الثقات فأوقفوه على جابر وقد أسند من وجه ضعيف وإن صح فنحمله على نهي الكراهة لأنه إذا مات رسب في أسفله فإذا أنتن طفا فكرهه لنتنه لا لتحريمه فصل يباح أكل الجراد بإجماع أهل العلم وقد قال عبدالله بن أبي أوفى غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد رواع البخاري وأبو داود ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب في قوله عامة أهل العلم منهم الشافعي وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي وابن المنذر وعن أحمد إنه إذا قتله البرد لم يؤكل وعنه لا يؤكل إذا مات بغير سبب وهو قول مالك ويروى أيضا عن سعيد بن المسيب ولنا عموم قوله عليه السلام أحلت لنا ميتتان ودمان فالميتتان السمك والجراد ولم يفصل ولأنه تباح ميتته فلم يعتبر له سبب كالسمك ولأنه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذبح وذابح وآلة كبهيمة الأنعام فصل ويباح أكل الجراد بما فيه وكذلك السمك يجوز أن يقلى من غير أن يشق بطنه وقال أصحاب الشافعي في السمك لا يجوز لأن رجيعه نجس ولنا عموم النص في إباحته وما ذكروه غير مسلم وإن بلع إنسان شيئا منه حيا كره لأن فيه تعذيبا له فصل وسئل أحمد عن السمك يلقى في النار فقال ما يعجبني والجراد فقال ما يعجبني والجراد أسهل فإن هذا له دم ولم يكره أكل السمك إذا ألقى في النار إنما كره تعذيبه بالنار وأما الجراد فسهل في إلقائه لأنه لا دم له ولأن السمك لا حاجة إلى إلقائه في النار لإمكانه تركه حتى يموت بسرعة والجراد لا يموت في الحال بل يبقى مدة طويلة وفي مسند الشافعي أن كعبا كان محرما فمرت به رجل من جراد فنسي وأخذ جرادتين فألقاهما في النار وشواهما وذكر ذلك لعمر فلم ينكر عمر تركهما في النار وذكر له حديث ابن عمر كان الجراد يقلى له فقال إنما يؤخذ الجراد فتقطع أجنحته ثم يلقى في الزيت وهو حي مسألة قال ( وذكاة المقدور عليه من الصيد والأنعام في الحلق واللبة )
قد ذكرنا حكم المعجوز عنه من الصيد والأنعام فأما المقدور عليه منهما فلا يباح إلا بالذكاة بلا خلاف بين أهل العلم وتفتقر الذكاة إلى خمسة أشياء ذابح وآلة ومحل وفعل وذكر أما الذابح فيعتبر له شرطان دينه وهو كونه مسلما أو كتابيا وعقله وهو أن يكون ذا عقل يعرف الذبح ليقصد فإن كان لا يعقل كالطفل الذي لا يميز والمجنون والسكران لم يحل ما ذبحه لأنه لا يصح منه القصد فأشبه ما لو ضرب إنسانا بالسيف فقطع عنق شاة وأما الآلهة فلها شرطان أحدهما أن تكون محددة تقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها والثاني أن لا تكون سنا ولا ظفرا فإذا اجتمع هذان الشرطان في شيء حل الذبح به سواء كان حديدا أو حجرا أو بلطة أو خشبا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا متفق عليه وعن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله أرأيت إن أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا فقال امرر الدم بما شئت واذكر اسم الله والمروة الصوان وعن رجل من بني حارثة أنه كان يرعى لقحة فأخذها الموت فلم يجد شيئا ينحرها به فأخذ وتدا فوجأها به في لبتها حتى أهريق دمها ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلها رواه أبو داود وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور ونحوه قول مالك وعمرو بن دينار وبه قال أبو حنيفة إلا في السن والظفر قال إذا كانا متصلين لم يجز الذبح بهما وإن كانا منفصلين جاز ولنا عموم حديث رافع ولأنه ما لم تجز الذكاة به متصلا لم تجز منفصلا كغير المحدد وأما العظم غير السن فمقتضى إطلاق قول أحمد والشافعي وأبي ثور إباحة الذبح به وهو قول مالك وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي وقال ابن جريج يذكى بعظم الحمار ولا يذكى بعظم القرد لأنك تصلي على الحمار وتسقيه في جفنتك وعن أحمد لا يذكى بعظم ولا ظفر وقال النخعي لا يذكى بالعظم والقرن ووجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة فعلله بكونه عظما فكل عظم فقد وجدت فيه العلة الأول أصح إن شاء الله تعالى لأن العظيم دخل في عموم اللفظ المبيح ثم استثنى السن والظفر خاصة فيبقى سائر العظام داخلا فيما يباح الذبح به والمنطوق مقدم على التعليل ولهذا علل الظفر بكونه من مدى الحبشة ولا يحرم الذبح بالسكين وإن كانت مدية لهم ولأن العظام يتناولها سائر الأحاديث العامة يحصل بها المقصود فأشبهت سائر الآلات وأما المحل فالحلق واللبة وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالإجماع وقد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الذكاة في الحلق واللبة قال أحمد الذكاة في الحلق واللغة واحتج بحديث عمر وهو ما روى سعيد والأثرم بإسنادهما عن الفرافصة قال كنا عند عمر فنادى أن النحر في اللبة والحلق لمن قدر وإنما نرى أن الذكاة اختصت بهذا المحل لأنه مجمع العروق فتنفسخ بالذبح فيه الدماء السيالة ويسرع زهوق النفس فيكون أطيب للحم وأخف على الحيوان قال أحمد لو كان حديث أبي العشراء حديثا يعني ما روى أبو العشراء عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك قال أحمد أبو العشراء هذا ليس بمعروف وأما الذكر فالتسمية وقد مر ذكرها وما الفعل فيعتبر قطع الحلقوم والمريء وبهذا قال الشافعي
وعن أحمد رواية أخرى أنه يعتبر مع هذا قطع الودجين وبه قال مالك وأبو يوسف لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج ثم تترك حتى تموت رواه أبو داود وقال أبو حنيفة يعتبر قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين ولا خلاف في أن الأكمل قطع الأربعة الحلقوم والمريء والودجين فالحلقوم مجرى النفس والمريء وهو مجرى الطعام والشراب والودجان وهما عرقان محيطان بالحلقوم لأنه أسرع لخروج روح الحيوان فيخف عليه ويخرج من الخلاف فيكون أولى والأول يجزىء لأنه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه فأشبه ما لو قطع الأربعة مسألة قال ( ويستحب أن ينحر البعير ويذبح ما سواه ) لا خلاف بين أهل العلم في أن المستحب نحر الإبل وذبح ما سواها قال الله تعالى فصل لربك وانحر الكوثر 2 وقال الله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة البقرة 67 قال مجاهد أمرنا بالنحر وأمر بنو اسرائيل بالذبح فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في قوم ماشيتهم الإبل فسن النحر وكانت بنو اسرائيل ماشيتهم البقر فأمروا بالذبح وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر بدنة وضحى بكبشين أقرنين ذبحهما بيده متفق عليه ومعنى النحر أن يضربها بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين أصل عنقها وصدرها فصل ويسن الذبح بسكين حاد لما روى أبو داود عن شداد بن أوس قال خصلتان سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ويكره أن يسن السكين والحيوان يبصره ورأى رجلا قد وضع رجله على شاة وهو يحد السكين فضربه حتى أفلت الشاة ويكره أن يذبح شاة والأخرى تنظر إليه ويستحب أن يستقبل بها القبلة واستحب ذلك ابن عمر وابن سيرين وعطاء والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وكره ابن عمر وابن سيرين أكل ما ذبح لغير القبلة وقال سائرهم ليس ذلك مكروها لأن أهل الكتاب يذبحون لغير القبلة وقد أحل الله ذبلئحهم فصل قال أحمد ولا تؤكل المصبورة ولا المجثمة وبه قال إسحاق والمجثمة هي الطائر أو الأرنب يجعل غرضا ثم يرمى حتى يقتل والمصبورة مثله إلا أن المجثمة لا تكون إلا في الطائر والأرنب وأشباهها والمبصورة كل حيوان وأصل الصبر الحبس والأصل في تحريمه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صبر البهائم وقال ? < نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مجثمة > ? وبإسناده عن مجاهد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المجثمة وعن أكلها ونهى عن المصبورة وعن أكلها ولأنه حيوان مقدور عليه فلم يبح بغير الذكاة كالبعير والبقرة مسألة قال ( فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح فجائز ) هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والزهري وقتادة ومالك والليث والثوري وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وأبو ثور وحكي عن داود أن الإبل لا تباح إلا بالنحر ولا يباح غيرها إلا بالذبح لأن الله تعالى قال إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة البقرة 67 والأمر يقتضي الوجوب وقال تعالى فصل لربك وانحر الكوثر 2 ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر البدن وذبح الغنم وإنما تؤخذ الأحكام من جهته وحكي عن مالك أنه لا يجزىء في الإبل إلا النحر لأن أعناقها طويلة فإذا ذبح تعذب بخروج روحه قال ابن المنذر إنما كرهه ولم يحرمه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم امرر الدم بما شئت وقالت أسماء نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه ونحن بالمدينة وعن عائشة قالت نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بقرة واحدة ولأنه ذكاة في محل فجاز أكله كالحيوان الآخر مسألة قال ( وإذا ذبح فأبى على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء أو وطىء عليها شيء لم تؤكل )
يعني أذا وطىء عليها شيء يقتلها غالبا وهذا الذي ذكره الخرقي نص عليه أحمد وقال أكثر أصحابنا المتأخرين لا يحرم بهدا وهو قول أكثر الفقهاء لأنها إذا ذبحت فقد صارت في حكم الميت وكذلك لو أبين رأسها بعد الذبح لم تحرم نص عليه أحمد ولو ذبح إنسان ثم ضرب آخر عنقه أو غرقه لم يلزمه قصاص ولا دية ووجه قول الخرقي قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم وإن وقعت في الماء فلا تأكل وقال ابن مسعود من رمى طائرا فوقع في الماء فغرق فيه فلا تأكله لأنه الغرق سبب يقتل فإذا اجتمع مع الذبح فقد اجتمع ما يبيح ويحرم فيغلب الحظر ولأنه لا يؤمن أن يعين على خروج الروح فتكون قد خرجت بفعلين مبيح ومحرم فأشبه ما لو وجد الأمران في حال واحدة أو رماه مسلم ومجوسي فمات مسألة قال ( وإذا ذبحها من قفاها وهو مخطىء فأتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة أكلت ) قال القاضي معنى الخطأ أن تلتوي الذبيحة عليه فتأتي السكين على القفا لأنها مع التوائها معجوز عن ذبحها فسقط اعتبار المحل كالمتردية في بئر فأما مع عدم التوائها فلا تباح بذلك لأن الجرح في القفا سبب للزهوق وهو في غير محل الذبح فإذا اجتمع مع الذبح منع حله كما لو بقر بطنها وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا المعنى فإن الفضل بن زياد قال سألت أبا عبدالله عمن ذبح في القفا قال عامدا أو غير عامد قلت عامدا قال لا تؤكل فإذا كان غير عامد كأن التوى عليه فلا بأس فصل فإن ذبحها من قفاها اختيارا فقد ذكرنا عن أحمد أنها لا تؤكل وهو مفهوم كلام الخرقي وحكي هذا عن علي وسعيد بن المسيب ومالك وإسحاق قال إبراهيم النخعي تسمى هذه الذبيحة القفينة وقال القاضي إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء حلت وإلا فلا ويعتبر ذلك بالحركة القوية وهذا مذهب الشافعي وهذا أصح لأن الذبح إذا أتى على ما فيه حياة مستقرة أحله كأكيلة السبع والمتردية والنطيحة ولو ضرب عنقها بالسيف فأطار رأسها حلت بذلك نص عليه أحمد فقال لو أن رجلا ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف يريد بذلك الذبيحة كان له أن يأكله وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال تلك ذكاة وحية وأفتى بأكلها عمران بن حصين وبه قال الشعبي وأبو حنيفة والثوري وقال أبو بكر لأبي عبدالله فيها قولان والصحيح أنها مباحة لأنه اجتمع قطع ما تبقى الحياة معه مع الذبح فأبيح كما ذكرنا مع قول من ذكرنا قوله من الصحابة من غير مخالف فصل فإن ذبحها من قفاها فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء أو لا نظرت فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القتل فالأولى إباحته لأنه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف وإن كانت الآلة كالة وأبطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح لأنه مشكوك في وجود ما يحله فيحرم كما لو أرسل كلبه على الصيد فوجد معه كلبا آخر لا يعرفه مسألة قال ( وذكاتها ذكاة جنينها أشعر أو لم يشعر ) يعني أذا خرج الجنين ميتا من بطن أمه بعد ذبحها أو وجده ميتا في بطنها أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح فهو حلال روي هذا عن عمر وعلي وبه قال سعيد بن المسيب والنخعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال ابن عمر ذكاته ذكاة أمه إذا أشعر وروي ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وقتادة ومالك والليث والحسن بن صالح وإبي ثور لأن عبدالله بن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وهذا إشارة إلى جميعهم فكان إجماعا وقال أبو حنيفة لا يحل إلا أن يخرج حيا فيذكى لأنه حيوان ينفرد بحياته فلا يتذكى بذكاة غيره كما بعد الوضع
قال ابن المنذر كان الناس على إباحته لا نعلم أحدا منهم خالف ما قالوا إلى أن جاء النعمان فقال لا يحل لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين ولنا ما روي أبو سعيد قال قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحدنا ينحر الناقة ويذبح البقرة والشاة فيجد في بطنها الجنين أنأكله أم نلقيه قال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذكاة الجنين ذكاة أمه رواهما أبو داود ولأن هذا إجماع من الصحابة ومن بعدهم فلا يعول على ما خالفه ولأن الجنين متصل بها اتصال خلقة يتغذى بغذائها فتكون ذكاته ذكاتها كأعضائها ولأن الذكاة في الحيوان تختلف على حسب الإمكان فيه والقدرة بدليل الصيد الممتنع والمقدور عليه والمتردية والجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه فيكون ذكاة له فصل واستحب أبو عبدالله أن يذبحه وإن حرج ميتا ليخرج الدم في جوفه ولأن ابن عمر كان يعجبه أن يريقوا من دمه وإن كان ميتا فصل وإن خرج حيا حياة مستقرة يمكن أن يذكى فلم يذكه حتى مات فليس بذكي قال أحمد إن خرج حيا فلا بد من ذكاته لأنه نفس أخرج مسألة قال ( ولا يقطع عضو مما ذكي حتى تزهق نفسه ) كره ذلك أهل العلم منهم عطاء وعمرو بن دينار ومالك والشافعي ولا نعلم لهم مخالفا وقد قال عمر رضي الله عنه لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق فإن قطع عضو قبل زهوق النفس وبعد الذبح فالظاهر إباحته فإن أحمد سئل عن رجل ذبح دجاجة فأبان رأسها قال يأكلها قيل والذي بان منها أيضا قال نعم قال البخاري قال ابن عمر وابن عباس إذا قطع الرأس فلا بأس به وبه قال عطاء والحسن والنخعي والشعبي والزهري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وذلك لأن قطع ذلك العضو بعد حصول الذكاة فأشبه ما لو قطعه بعد الموت فصل ويكره سلخ الحيوان قبل أن يبرد لأن فيه تعذيبا للحيوان فهو كقطع العضو ويكره النفخ في اللحم الذي يريده للبيع لما فيه من الغش فصل وإن قطع من الحيوان شيء وفيه حياة مستقرة فهو ميتة لما روى أبو واقد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة رواه أبو داود ولأن إباحته إنما تكون بالذبح وليس هذا بذبح مسألة قال ( وذبيحة من أطاق الذبح من المسلمين وأهل الكتاب حلال إذا سموا أو نسوا التسمية ) وجملة ذلك أن كل من أمكنه الذبح من المسلمين وأهل الكتاب إذا ذبح حل أكل ذبيحته رجلا كان أو امرأة بالغا أو صبيا حرا كان أو عبدا لا نعلم في هذا خلافا قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي وقد روي أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال كلوها متفق عليه وفي هذا الحديث فوائد سبع إحداها إباحة ذبيحة المرأة والثانية إباحة ذبيحة الأمة والثالثة إباحة ذبيحة الحائض لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل والرابعة إباحة الذبح بالحجر والخامسة إباحة ذبح ما خيف عليه الموت والسادسة حل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه السابعة إباحة ذبحه لغير مالكه عند الخوف عليه ويشترط أن يكون عاقلا فإن كان طفلا أو مجنونا أو سكران لا يعقل لم يصح منه الذبح وبهذا قال مالك وقال الشافعي لا يعتبر العقل وله فيما إذا أرسل المجنون الكلب على صيد وجهان
ولنا إن الذكاة يعتبر لها القصد فيعتبر لها العقل كالعبادة فإن من لا عقل له لا يصح منه القصد فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق شاة فذبحتها وقوله إذا سموا أو نسوا التسمية فالتسمية مشترطة في كل ذابح مع العمد سواء كان مسلما أو كتابيا فإن ترك الكتابي التسمية عن عمد أو ذكر اسم غير الله لم تحل ذبيحته روي ذلك عن علي وبه قال النخعي والشافعي وحماد وإسحاق وأصحاب الرأي وقال عطاء ومجاهد ومكحول إذا ذبح النصراني باسم المسيح حل فإن الله تعالى أحل لنا ذبيحته وقد علم أنه سيقول ذلك ولنا قول الله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الأنعام 121 وقوله وما أهل لغير الله النحل 115 والآية أريد بها ما ذبحوه بشرطه كالمسلم فإن لم يعلم الذابح أم لا أو ذكر اسم غير الله أم لا فذبيحته حلال لأن الله تعالى أباح لنا أكل ما ذبحه المسلم والكتابي وقد علم أننا لا نقف على كل ذابح وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنهم قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قوما حديثو عهد بشرك يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أو لم يذكروا قال سموا أنتم وكلوا أخرجه البخاري فصل وإذا ذبح الكتابي ما حرم الله عليه مثل كل ذي ظفر قال قتادة هي الإبل والنعام والبط وما ليس بمشقوق الأصابع أو ذبح دابة لها شحم محرم عليه فظاهر كلام أحمد والخرقي إباحته فإن أحمد حكى عن مالك في اليهودي يذبح الشاة قال لا يأكل من شحمها قال أحمد هذا مذهب دقيق وظاهر هذا أنه لم يره صحيحا وهذا اختيار ابن حامد وأبي الخطاب وذهب أبو الحسن التميمي والقاضي إلى تحريمها وحكاه التميمي عن الضحاك ومجاهد وسوار وهو قول مالك لأن الله تعالى قال وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم المائدة 5 وليس هذا من طعامهم ولأنه جزء من البهيمة لم يبح لذابحها فلم يبح لغيره كالدم ولنا ما روى عبدالله بن مغفل قال دلي جراب من شحم من قصر خيبر فدنوت لآخذه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم إلي متفق عليه ولأنها ذكاة أباحت اللحم والجلد فأباحت الشحم كذكاة المسلم والآية حجة لنا فإن معنى طعامهم ذبائحهم كذلك فسره العلماء وقياسهم ينتقض بما ذبحه الغاصب فصل وإن ذبح شيئا يزعم أنه محرم عليه ولم يثبت أنه محرم عليه فهو حلال لعموم الآية وقوله إنه حرام غير مقبول مسألة قال ( فإن كان أخرس أومأ إلى السماء ) قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة الأخرس منهم الليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وهو قول الشعبي وقتادة والحسن بن صالح إذا ثبت هذا فإنه يشير إلى السماء لأن إشارته تقوم مقام نطق الناطق وإشارته إلى السماء تدل على قصده تسمية الذي في السماء ونحو هذا قال الشعبي وقد دل على هذا حديث أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله فأشارت إلى السماء فقال من أنا فأشارت بأصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها فإنها مؤمنة رواه الإمام أحمد والقاضي البرتي في مسنديهما فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإيمانها بإشارتها إلى السماء تريد أن الله سبحانه فيها أن يكتفي بذلك علما على التسمية ولو أنه أشار إشارة تدل على التسمية وعلم ذلك كان كافيا مسألة قال ( وإن كان جنبا جاز أن يسمي ويذبح )
وذلك أن الجنب تجوز له التسمية ولا يمنع منها لأنه إنما يمنع من القرآن لا من الذكر ولهذا تشرع له التسمية عند اغتساله وليست الجنابة أعظم من الكفر والكافر يسمي ويذبح وممن رخص في ذبح الجنب الحسن والحكم والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي قال ابن المنذر ولا أعلم أحدا منع من ذلك وتباح ذبيحة الحائض لأنها في معنى الجنب فصل والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع وما أصابها مرض فماتت به محرمة إلا أن تدرك ذكاتها لقول الله تعالى إلا ما ذكيتم المائدة 3 وفي حديث جارية كعب أنها أصيبت شاة من غنمها فأدركتها فذبحتها بحجر فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال كلوها فإن كانت لم يبق من حياتها إلا مثل حركة المذبوح لم تبح بالذكاة لأنه لو ذبح ما ذبحه المجوسي لم يبح وإن أدركها وفيها حياة مستقرة بحيث يمكنه ذبحها حلت لعموم الآية والخبر وسواء كانت قد انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش لعموم الآية والخبر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل ولم يستفصل وقد قال ابن عباس في ذئب عدا على شاة فعقرها فوقع قصبها بالأرض فأدركها فذبحها بحجر قال يلقي ما أصاب الأرض ويأكل سائرها وقال أحمد في بهيمة عقرت بهيمة حتى تبين فيها آثار الموت إلا أن فيها الروح يعني فذبحت قال إذا مصعت بذنبها وطرفت بعينها وسال الدم فأرحو إن شاء الله تعالى أن لا يكون بأكلها بأس وروي ذلك بإسناده عن عقيل بن عمير وطاوس وقالا تحركت ولم يقولا سالم الدم وهذا على مذهب أبي حنيفة وقال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن شاة مريضة خافوا عليها الموت فذبحوها فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها أو حركت يدها أو رجلها أو ذنبها بضعف فنهر الدم قال فلا بأس به وقال ابن أبي موسى إذا انتهت إلى حد لا تعيش معه لم تبح بالذكاة ونص عليه أحمد فقال إذا شق الذئب بطنها فخرج قصبها قدبحها لا تأكل وقال إن كان يعلم أنها تموت من عقر السبع فلا تؤكل وإن ذكاها وقد يخاف على الشاة الموت من العلة والشيء يصيبها فيبادرها وفيذبحها فيأكلها وليس هذا مثل هذه لا يدري لعلها تعيش والتي قد خرجت أمعاؤها يعلم أنها لا تعيش وهذا قول أبي يوسف والأول أصح لأن عمر رضي الله عنه انتهى به الجرح إلى حد علم أنه لا يعيش معه فوصى فقبلت وصاياه ووجبت العبادة عليه وفيما ذكرنا من عموم الآية والخبر وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل في حديث جارية كعب ما يرد هذا وتحمل نصوص أحمد على شاة خرجت أمعاؤها وبانت منها فتلك لا تحل بالذكاة لأنها في حكم الميت ولا تبقى حركتها إلا كحركة المذبوح فأما ما خرجت أمعاؤها ولم تبن منها فهي في حكم الحياة تباح بالذبح ولهذا قال الخرقي فيمن شق بطن رجل فأخرج حشوته فقطعها فأبانها ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الأول ولو شق بطن رجل وضرب عنقه آخر فالقاتل هو الثاني وقال بعض أصحابنا إذا كانت تعيش معظم اليوم حلت بالذكاة وهذا التحديد بعيد يخالف ظواهر المنصوص ولا سبيل إلى معرفته وقوله في حديث جارية كعب فأدركتها فذكتها بحجر يدل على أنها بادرتها بالذكاة حين خافت موتها في ساعتها والصحيح أنها إذا كانت تعيش زمنا يكون الموت بالذبح أسرع منه حلت بالذبح وأنها متى كانت مما لا يتيقن موتها كالمريضة أنها متى تحركت وسال دمها حلت والله أعلم مسألة قال ( والمحرم من الحيوان ما نص الله تعالى عليه في كتابه وما كانت العرب تسميه طيبا فهو حلال وما كانت تسميه خبيئا فهو محرم لقول الله تعالى ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 157 يعين بقوله ما سمى الله تعالى في كتابه قوله سبحانه حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به المائدة 3 وما عدا هذا فما استطابته العرب فهو حلال لقول الله تعالى ويحل لهم الطيبات الأعراف 157
يعني ما يستطيبونه دون الحلال بدليل قوله في الآية الأخرى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات المائدة 4 ولو أراد الحلال لم يكن ذلك جوابا لهم وما استخبثته العرب فهو محرم لقول الله تعالى ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 157 والذين تعتبر استطابتهم واستخباثهم هم أهل الحجاز من أهل الأمصار لأنهم الذين نزل عليهم الكتاب وخوطبوا به وبالسنة فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون غيرهم ولم يعتبر ولم يعتبر أهل البوادي لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا ولهذا سأل بعضهمعما يأكلون فقال ما دب ودرج إلا أم حيين فقال تهن أم حيين العافية وما وجد في أمصار المسلمين مما لا يعرفه أهل الحجاز رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز فإن لم يشبه شيئا منها فهو مباح لدخوله في عموم قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الأنعام 145 ولقول النبي صلى الله عليه وسلم وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه إذا ثبت هذا فمن المستخبثات الحشرات كالديدان والجعلان وبنات وردان والخنافس والفأر والأوزاغ والحرباء والعضاة والجراذين والعقارب والحيات وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ورخص مالك وابن أبي ليلى والأوزاعي في هذا كله إلا الأوزاغ فإن ابن عبد البر قال هو مجمع على تحريمه وقال مالك الحية حلال إذا ذكيت واحتجوا بعموم الآية المبيحة ولنا قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 157 وقول النبي صلى الله عليه وسلم خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم العقرب والفأرة والغراب والحدأة والكلب العقور وفي حديث الحية مكان الفأرة ولو كانت من الصيد المباح لم يبح قتلها ولأن الله تعالى قال لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم المائدة 95 وقال وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما المائدة 96 ولأنها مستخبثة فحرمت كالوزغ أو مأمور بقتلها فأشبهت الوزغ فصل والقنفذ حرام قال أبو هريرة هو حرام وكرهه مالك وأبو حنيفة ورخص فيه الشافعي والليث وأبو ثور ولنا إن أبا هريرة قال ذكر القنفذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو خبيث من الخبائث وراه أبو داود ولأنه يشبه المحرمات ويأكل الحشرات فأشبه الجرذ مسألة قال ( وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمر الأهلية ) أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية قال أحمد خمسة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كرهوها قال ابن عبد البر لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها وحكي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما أنهما كانا يقولان بظاهر قوله سبحانه قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير الأنعام 145 وتلاها ابن عباس وقال ما خلا هذا فهو حلال وسئلت عائشة رضي الله عنها عن الفأرة فقالت ما هي بحرام وتلت هذه الآية ولم ير عكرمة وأبو وائل بأكل الحمر بأسا وقد روي عن غالب بن الحر قال أصابتنا سنة فقلت يا رسول الله أصابتنا سنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر وأنك حرمت لحوم الحمر الأهلية فقال أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل حوالي القرية ولنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل متفق عليه قال ابن عبد البر وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الحمر الأهلية علي وعبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو وجابر والبراء وعبدالله بن أبي أوفى وأنس وزاهر الأسلمي بأسانيد صحاح حسان وحديث غالب بن الحر لا يعرج على مثله مع ما عارضه ويحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لهم في مجاعتهم وبين علة تحريمها المطلق لكونها لا تأكل العذرات فقال عبدالله بن أبي أوفى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم البتة من أجل أنها تأكل العذرة متفق عليه
فصل والبغال حرام عند كل من حرم الحمر الأهلية لأنها متولدة منها والمتولد من الشيء له حكمه في التحريم وهكذا إن تولد من بين الأنسي والوحشي ولد فهو محرم تغليبا للتحريم والسمع المتولد من بين الذئب والضبع محرم قال قتادة ما البغل إلا شيء من الحمار وعن جابر قال ذبحنا يوم خيبر والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل فصل وألبان الحمر محرمة في قول أكثرهم ورخص فيها عطاء وطاوس والزهري والأول أصح لأن حكم الألبان حكم اللحمان مسألة قال ( وكل ذي ناب من السباع وهي التي تضرب بأنيابها الشيء وتفرس ) أكثر أهل العلم يرون تحريم كل ذي ناب قوي من السباع يعدو به ويكسر إلا الضبع منهم مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الحديث وأبو حنيفة وأصحابه وقال الشعبي وسعيد بن جبير وبعض أصحاب مالك هو مباح لعموم قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الأنعام 145 وقوله سبحانه إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به النحل 115 ولنا ما روى أبو ثعلبة الخشني قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع متفق عليه وقال أبو هريرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أكل كل ذي ناب من السباع حرام قال ابن عبد البر هذا حديث ثابت صحيح مجمع على صحته وهذا نص صريح يخص عموم الآيات فيدخل في هذا الأسد والنمر والفهد والذئب والكلب والخنزير وقد روي عن الشعبي أنه سئل عن رجل يتداوى بلحم الكلب فقال لا شفاه الله وهذا يدل على أنه رأى تحريمه فصل ولا يباح أكل القرد وكرهه عمر وعطاء ومكحول والحسن ولم يجيزوا بيعه وقال ابن عبدالبر لا أعلم بين علماء المسلمين خلافا أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه وروي عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحم القرد ولأنه سبع فيدخل في عموم الخبر وهو مسخ أيضا فيكون من الخبائث المحرمة فصل وابن آوى والنمس وابن عرس حرام سئل أحمد عن ابن آوى وابن عرس فقال كل شيء ينهش بأنيابه من السباع وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه وقال الشافعي ابن عرس مباح لأنه ليس له ناب قوي فأشبه الضب ولأصحابه في ابن آوى وجهان ولنا إنها من السباع فتدخل في عموم النهي ولأنها مستخبثة غير مستطابة فإن ابن آوى يشبه الكلب ورائحته كريهة فيدخل في عموم قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 157 فصل واختلفت الرواية في الثعلب فأكثر الروايات عن أحمد تحريمه وهذا قول أبي هريرة ومالك وأبي حنيفة لأنه سبع فيدخل في عموم النهي ونقل عن أحمد إباحته اختاره الشريف أبو جعفر ورخص فيه عطاء وطاوس وقتادة والليث وسفيان بن عيينة والشافعي لأنه يفدى في الإحرام والحرم وقال أحمد وعطاء كل ما يودى إذا أصابه المحرم فإنه يؤكل واختلفت الرواية عن أحمد في سنور البر كاختلافها في الثعلب والقول فيه كالقول في الثعلب وللشافعي في سنور البر وجهان فأما الأهلي فمحرم في قول إمامنا مالك وأبي حنيفة والشافعي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل الهر فصل والفيل محرم قال أحمد ليس هو من أطعمة المسلمين وقال الحسن هو مسخ وكرهه أبو حنيفة والشافعي ورخص في أكله الشعبي ولنا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وهو من أعظمها نابا ولأنه مستخبث فيدخل في عموم الآية المحرمة فصل فأما الدب فينظر فيه فإن كان ذا ناب يفرس به فهو محرم وإلا فهو مباح قال أحمد إن لم يكن له ناب فلا بأس به وقال أصحاب أبي حنيفة هو سبع لأنه أشبه شيء بالسباع فلا يؤكل
ولنا إن الأصل الإباحة ولم يتحقق وجود المحرم فيبقى على الأصل وشبهه بالسباع إنما يعتبر في وجود العلة المحرمة وهو كونه ذا ناب يصيد به ويفرس فإذا لم يوجد ذلك كان داخلا في عموم النصوص المبيحة والله أعلم مسألة قال ( وكل ذي مخلب من الطير وهي التي تعلق بمخالبها الشيء وتصيد بها ) هذا قول أكثر أهل العلم وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال مالك والليث والأوزاعي ويحيى بن سعيد لا يحرم من الطير شيء قال مالك لم أر أحدا من أهل العلم يكره سباع الطير واحتجوا بعموم الآيات المبيحة وقول أبي الدرداء وابن عباس ما سكت الله عنه هو مما عفا عنه ولنا ما روى ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وعن خالد بن الوليد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام عليكم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير رواهما أبو داود وهذا يخص عموم الآيات ويقدم على ما ذكروه فيدخل في هذا كل ما له مخلب يعدو به كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة والبومة وأشباهها فصل ويحرم منها ما يأكل الجيف كالنسور والرخم وغراب البين وهو أكبر الغربان والأبقع قال عروة ومن يأكل الغراب وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا والله ما هو من الطيبات ولعله يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم والغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور فهذه الخمس محرمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح قتلها في الحرم ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم ولأن ما يؤكل لا يحل قتله إذا قدر عليه وإنما يذبح ويؤكل وسئل أحمد عن العقعق فقال إن لم يكن يأكل الجيف فلا بأس به قال بعض أصحابنا هو يأكل الجيف فيكون على هذا محرما فصل ويحرم الخطاف والخشاف والخفاش وهو الوطواط قال الشاعر مثل النهار يزيد أبصار الورى نورا ويعمي أعين الخفاش قال أحمد ومن يأكل الخشاف وسئل عن الخطاف فقال لا أدري وقال النخعي كل الطير حلال إلا الخفاش وإنما حرمت هذه لأنها مستخبثة لا تستطيبها العرب ولا تأكلها ويحرم الزنابير واليعاسيب والنحل وأشباهها لأنها مستخبثة غير مستطابة فصل وما عدا ما ذكرنا فهو مباح لعموم النصوص الدالة على الإباحة ومن ذلك بيهمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم قال الله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام المائدة 1 ومن الصيود الظباء وحمر الوحش وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة وأصحابه بأكل الحمار الذي صاده وكذلك بقر الوحش كلها مباحة على اختلاف أنواعها من الإبل والتيتل والوعل والمها وغيرها من الصيود كلها مباحة وتفدى في الإحرام ويباح النعام وقد قضى الصحابة رضي الله عنهم في النعامة ببدنة وهذا كله مجمع عليه لا نعلم فيه خلافا إلا ما يروى عن طلحة بن مصرف قال إن الحمار الوحشي إذا أنس واعتلف فهو بمنزلة الأهلي قال أحمد وما ظننت أنه روي في هذا شيء وليس الأمر عندي كما قال وأهل العلم على خلافه لأن الظباء إذا تأنست لم تحرم والأهلي إذا توحش لم يحل ولا يتغير منها شيء عن أصله وما كان عليه قال عطاء في حمار الوحش إذا تناسل في البيوت لا تزول عنه أسماء الوحش وسألوا أحمد عن الزرافة تؤكل قال نعم وهي دابة تشبه البعير ألا أن عنقها أطول وجمسها ألطف من جسمه وأعلى منه ويداها أطول من رجليها فصل وتباح لحوم الخيل كلها عرابها وبراذينها نص عليه أحمد وبه قال ابن سيرين وروي ذلك عن ابن الزبير والحسن وعطاء والأسود بن يزيد وبه قال حماد بن زيد والليث وابن المبارك والشافعي وأبو ثور قال سعيد بن جبير ما أكلت شيئا أطيب من معرفة برذون وحرمها أبو حنيفة وكرهه مالك والأوزاعي وأبو عبيد لقول الله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها النحل 8
وعن خالد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام عليكم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها ولأنه ذو حافر فأشبه الحمار ولنا قول جابر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل وقالت أسماء نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه ونحن بالمدينة متفق عليهما ولأنه حيوان طاهر مستطاب ليس بذي ناب ولا مخلب فيحل كبهيمة الأنعام ولأنه دخل في عموم الآيات والأخبار المبيحة وأما الآية فإنما يتعلقون بدليل خطابها وهم لا يقولون به وحديث خالد ليس له إسناد جيد قاله أحمد قال وفيه رجلان لا يعرفان يرويه ثور عن رجل ليس بمعروف وقال لا ندع أحاديثنا لمثل هذا الحديث المنكر فصل والأرانب مباحة أكلها سعد بن أبي وقاص ورخص فيها أبو سعيد وعطاء وابن المسيب والليث ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ولا نعلم أحدا قائلا بتحريمها إلا شيئا روي عن عمرو بن العاص وقد صح عن أنس أنه قال أنفجنا أرنبا فسعى القوم فلعبوا فأخذتها فجئت بها إلى أبي طلحة فذبحها وبعث بوركها أو قال فخذها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبله متفق عليه وعن محمد بن صفوان أو صفوان بن محمد أنه قال صدت أرنبين فذبحتهما بمروة فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني بأكلهما رواه أبو داود ولأنها حيوان مستطاب ليس بذي ناب أشبه الظبي فصل ويباح الوبر وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي وابن المنذر وأبو يوسف وقال القاضي هو محرم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف ولنا أنه يفدى في الإحرام والحرم وهو مثل الأرنب يعتلف النبات والبقول فكان مباحا كالأرنب ولأن الأصل الإباحة وعموم النصوص يقتضيها ولم يرد فيه تحريم فتجب إباحته فصل وسئل أحمد عن اليربوع فرخص فيه وهذا قول عروة وعطاء الخراساني والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة هو محرم وروي ذلك عن أحمد أيضا وعن ابن سيرين والحكم وحماد وأصحاب الرأي لأنه يشبه الفأر ولنا إن عمر حكم فيه بحفرة ولأن الأصل الإباحة ما يرد فيه تحريم وأما السنجاب فقال القاضي هو محرم لأنه ينهش فأشبه الجرذ ويحتمل أنه مباح لأنه يشبه اليربوع ومتى تردد بين الإباحة والتحريم غلبت الإباحة لأنها الأصل وعموم النصوص يقتضيها فصل ويباح من الطيور ما لم نذكره في المحرمات من ذلك الدجاح قال أبو موسى رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الدجاج والحبارى لما روى سفينة قال أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم لحم حبارى رواه أبو داود ويباح الزاغ وبذلك قال الحكم وحماد ومحمد بن الحسن والشافعي في أحد قوليه ويباح غراب الزرع وهو الأسود الكبير الذي يأكل الزرع ويطير مع الزاغ لأن مرعاهما الزرع والحبوب فأشبها الحجل وتباح العصافير كلها قال عبدالله بن عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا سأل الله عنها قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حقها قال يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها فيرمي بها رواه النسائي ويباح الحمام كله على اختلاف أنواعه من الجوازل والفواخت والرقاطي والقطا والحجل وغيرها وتباح الكراكي والاوز وطير الماء كله والغرانيق والطواويس وأشباه ذلك لا نعلم فيه خلافا واختلف عن أحمد في الهدهد والصرد فعنه أنهما حلال لأنهما ليسا من ذوات المخلب ولا يستخبثان وعنه تحريمهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الهدهد والصرد والنملة والنحلة وكل ما كان لا يصيد بمخلبه ولا يأكل الجيف ولا يستخبث فهو حلال فصل قال أحمد أكره لحوم الجلالة وألبانها قال القاضي في المجرد هي التي تأكل القذر فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها وفي بيضها روايتان وإن كان أكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها وتحديد الجلالة يكون أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد ولا هو ظاهر كلامه لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرا في مأكولها ويعفى عن اليسير
وقال الليث إنما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها ألا الرجيع وما أشبهه وقال ابن أبي موسى في الجلالة روايتان إحداهما أنها محرمة والثانية أنها مكروهة غير محرمة وهذا قول الشافعي وكره أبو حنيفة لحومها والعمل عليها حتى تحبس ورخص الحسن في لحومها وألبانها لأن الحيوانات لا تنجس بأكل النجاسات بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجاسا ولو نجس لما طهر الإسلام ولا الاغتسال ولو نجست الجلالة لما طهرت بالحبس ولنا ما روى ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها رواه أبو داود وروي عبدالله بن عمرو بن العاص قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها ولا يحمل عليها إلا الأدم ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة رواه الخلال بإسناده ولأن لحمها يتولد من النجاسة فيكون نجسا كرماد النجاسة وأما شارب الخمر فليس ذلك أكثر غذائه وإنما يتغذى الطاهرات وكذلك الكافر في الغالب فصل وتزول الكراهة بحبسها إنفاقا واختلف في قدره فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثا سواء كانت طائرا أو بهيمة وكان ابن عمر إذا أراد أكلها وهذا قول أبي ثور لأن ما طهر حيوانا طهر الآخر نجس ظاهره ( والأخرى ) تحبس الدجاجة ثلاثا والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين وهذا قول عطاء في الناقة والبقرة لحديث عبدالله بن عمرو لأنهما أعظم جسما وبقاء علفهما فيهما أكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير والله أعلم فصل ويكره ركوب الجلالة وهو قول عمر وابنه وأصحاب الرأي لحديث عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوبها ولأنها ربما عرقت فتلوث بعرقها فصل وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات أو سمدت بها وقال ابن عقيل يحتمل أن يكره ذلك ولا يحرم ولا يحكم يتنجيسها لأن النجاسة تستحيل في باطنها فتظهر بالاستحالة كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحما ويصير لبنا وهذا قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة والشافعي وكان سعد بن أبي وقاص يدمل أرضع بالعرة ويقول مكتل عرة مكتل بر والعرة عذرة الناس ولنا ما روي عن ابن عباس قال كنا نكري أراضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط عليهم أن لا يدملوها بعذرة الناس ولأنها تتغذى بالنجاسات تترقى فيها أجزاؤها والاستحالة لا تطهر فعلى هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات مسألة قال ( ومن اضطر إلى الميتة فلا يأكل منها إلا ما يؤمن معه الموت ) أجمع العلماء على تحريم الميتة حال الاختيار وعلى إباحة الأكل منها في الاضطرار وكذلك سائر المحرمات والأصل في هذا قول الله تعالى إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه البقرة 173 ويباح له أكل ما يسد الرمق ويأمن معه الموت بالإجماع ويحرم ما زاد على الشبع بالإجماع أيضا وفي الشبع روايتان أظهرهما لا يباح وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وأحد القولين للشافعي قال الحسن يأكل قدر ما يقيمه لأن الآية دلت على تحريم الميتة واستثنى ما اضطر إليه فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل كحالة الابتداء ولأنه بعد سد الرمق غير مضطر فلم يحل له الأكل للآية يحققه أنه بعد سد رمقه كهو قبل أن يضطر وثم لم يبح له الأكل كذا ها هنا
والثانية يباح له الشبع اختارها أبو بكر لما روى جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة فقالت له امرأته اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله فقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال هل عندك غنى يغنيك قال لا قال فكلوها ولم يفرق رواه أبو داود ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز الشبع لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ويفضي إلى ضعف بدنه وربما أدى ذلك إلى تلفه بخلاف التي ليست مستمرة فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل له والله أعلم إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها أن ترك الأكل قال أحمد إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من جوع أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك ولا يتقيد ذلك بزمن محصور فصل وهل يجب الأكل من المتية على المضطر فيه وجهان أحدهما يجب وهو قول مسروق وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي قال الأثرم سئل أبو عبدالله عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل فذكر قول مسروق من اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات دخل النار وهذا اختيار ابن حامد وذلك لقول الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة البقرة 195 وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة وقال الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما النساء 29 ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له فلزمه كما لو كان معه طعام حلال والثاني لا يلزمه لما روي عن عبدالله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرا ممزوجا بماء ولحم خنزير مشوي ثلاثة إيام فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته فأخرجوه فقال قد كان الله أحله لي لأني مضطر ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص ولأن له غرضا في اجتناب النجاسة والأخذ بالعزيمة وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه فصل وتباح المحرمات عند الاضطرار إليها في الحضر والسفر جميعا لأن الآية مطلقة غير مقيدة بإحدى الحالتين وقوله فمن اضطر البقرة 173 لفظ عام في حق كل مضطر ولأن الاضطرار يكون في الحضر في سنة المجاعة وسبب الإباحة الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك لكون هذه المصلحة أعظم من مصلحة اجتناب النجاسات والصيانة عن تناول المستخبثات وهذا المعنى عام في الحالتين وظاهر كلام أحمد أن الميتة لا تحل لمن يقدر على دفع ضرورته بالمسألة وروي عن أحمد أنه قال آكل الميتة إنما يكون في السفر يعني أنه في الحضر يمكنه السؤال وهذا من أحمد خرج مخرج الغالب فإن الغالب أن الحضر يوجد فيه الطعام الحلال ويمكن دفع الضرورة بالسؤال ولكن الضرورة أمر معتبر بوجود حقيقته لا يكتفى فيه المظنة بل متى وجدت الضرورة أباحت سواء وجدت المظنة أو لم توجد ومتى انتفت لم يبح الأكل لوجود مظنتها بحال فصل قال أصحابنا ليس للمضطر في سفر المعصية أكل من الميتة كقاطع الطريق والآبق لقول الله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه البقرة 173 قال مجاهد غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم وقال سعيد بن جبير إذا خرج يقطع الطريق فلا رخصة له فإن تاب وأقلع عن معصيته حل له الأكل فصل وهل للمضطر التزود من الميتة على روايتين أصحهما له ذلك وهو قول مالك لأنه لا ضرر في استصحابها ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته ولا يأكل منها إلا عند ضرورته
والثانية لا يجوز لأنه توسع فيما لم يبح للضرورة فإن استصحبها فلقيه مضطر آخر لم يجز له بيعها إياه لأنه إنما أبيح له منها ما يدفع به الضرورة ولا ضرورة إلى البيع ولأنه لا يملكه ويلزمه إعطاء الآخر بغير عوض إذا لم يكن هو مضطرا في الحال إلى ما معه لأن ضرورة الذي لقيه موجودة وحاملها يخاف الضرر في ثاني الحال مسألة قال ( ومن مر بثمرة فله أن يأكلها منها ولا يحمل ) هذا يحتمل أنه أراد في حال الجوع والحاجة لأن ذكره عقيب مسألة المضطر قال أحمد إذا لم يكن عليها حائط يأكل إذا كان جائعا وإذا لم يكن جائعا فلا يأكل قال وقد فعله غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن إذا كان عليه حائط لم يأكل لأنه قد صار شبه الحريم وقال في موضع إنما الرخصة للمسافر إلا أنه لم يعتبرها ها هنا حقيقة الاضطرار لأن الاضطرار يبيح ما وراء الحائط ورويت عنه الرخصة في الأكل من غير المحوطة مطلقا من غير اعتبار جوع ولا غيره وروي عن أبي زينب التيمي قال سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي بردة فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون في أفواههم وهو قول عمر وابن عباس وأبي بردة قال عمر يأكل ولا يتخذ خبنة وروي عن أحمد أنه قال يأكل مما تحت الشجر وإذا لم يكن تحت الشجر فلا يأكل ثمار الناس وهو غني عنه ولا يضرب بحجر ولا يرمى لأن هذا يفسد وقد روي عن رافع بن عمر قال كنت أرمي نخل الأنصار فأخذوني فذهبوا بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رافع لم ترمي نخلهم قلت يا رسول الله الجوع قال لا ترم وكل ما وقع أشبعك والله وأرواك أخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وقال أكثر الفقهاء لا يباح الأكل في الضرورة لما روى العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم أخرجه أبو داود وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا متفق عليه ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال ما أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن أخرج منه شيئا فعليه غرامة مثليه والعقوبة قال الترمذي هذا حديث حسن وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أتيت على حائط بستان فناد صاحب البستان ثلاثا فإن أجابك وإلا فكل من غير أن تفسد وروى سعيد بإسناده عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولأنه قول من سمينا من الصحابة من غير مخالف فيكون إجماعا فإن قيل فقد أبى سعيد أن يأكل قلنا امتناع سعيد من أكله ليس بمخالف لهم لأن الإنسان قد يترك المباح غنى أو تورعا أو تقذرا كترك النبي صلى الله عليه وسلم أكل الضب فأما أحاديثهم فهي مخصوصة بما رويناه من الحديث والإجماع فإن كانت محوطة لم يجز الدخول إليها لقول ابن عباس إن كان عليها حائط فهو حريم فلا تأكل وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس ولأن إحرازه بالحائط يدل على شح صاحبه به وعدم المسامحة فيه قال بعض أصحابنا إذا كان عليها ناطور فهو بمنزلة المحوط في أنه لا يدخل إليه ولا يأكل منه ألا في الضرورة فصل وعن أحمد في الأكل من الزرع روايتان أحداهما قال لا يأكل إنما رخص في الثمار ليس الزرع وقال ما سمعنا في الزرع أن يمس منه ووجهه أن الثمار خلقها الله تعالى للأكل رطبة والنفوس تتوق والزرع بخلافها والثانية قال يأكل من الفريك لأن العادة جارية بأكله رطبا أشبه الثمر وكذلك الحكم في الباقلا والحمص وشبهه مما يؤكل رطبا
فأما الشعير وما لم تجر العادة بأكله فلا يجوز الأكل منه والأولى في الثمار وغيرها أن لا يأكل منها إلا بإذن لما فيه من الخلاف والأخبار الدالة على التحريم فصل وعن أحمد في حلب لبن الماشية روايتان إحداهما يجوز له أن يحلب ويشرب ولا يحمل لما روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن فليحلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجابه أحد فليستأذنه وإن لم يجبه أحد فليحلب وليشرب ولا يحمل رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح والعمل عليه عند بعض أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق والرواية الثانية لا يجوز له أن يحلب ولا يشرب لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينقل طعامه فإنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه وفي لفظ فإن ما في ضروع مواشيهم مثل ما في مشاربهم متفق عليه مسألة قال ( ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه أكل الميتة ) وبهذا قال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وقال مالك أن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر وشرب اللبن وإن خاف أن تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة ولأصحاب الشافعي وجهان أحدهما يأكل الطعام وهو قول عبدالله بن دينار لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو بذله له صاحبه ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه والعدول إلى المنصوص عليه أولى ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته وحق الله لا عوض له فصل إذا وجد المضطر من يطعمه ويسقيه لم يحل له الامتناع من الأكل والشرب ولا العدول إلى أكل الميتة إلا أن يخاف أن يسمه فيه أو يكون الطعام الذي يطعمه مما يضره ويخاف أن يهلكه أو يمرضه فصل وإن وجد طعاما مع صاحبه فامتنع من بذله له أو بيعه ووجد ثمنه لم يجز له مكابرته عليه وأخذه منه وعدل إلى الميتة سواء كان قويا يخاف من مكابرته التلف أو لم يخف فإن بذلك له بثمن مثله وقدر على الثمن لم يحل له أكل الميتة لأنه قادر على طعام حلال وإن بذله بزيادة على ثمن المثل لا يجحف بماله لزمه شراؤه أيضا لما ذكرناه وإن كان عاجزا عن الثمن فهو في حكم العادم وإن امتنع من بذله إلا بأكثر من ثمن مثله فاشتراه المضطر بذلك لم يلزمه من ثمن مثله لأن الزيادة أحوج إلى بدلها بغير حق فلم يلزمه كالمكره فصل وإن وجد المحرم ميتة وصيدا أكل الميتة وبه قال الحسن ومالك وأبو حنيفة وأصحابه وقال الشافعي في أحد قوليه يأكل الصيد ويفديه وهو قول الشعبي لأن الضرورة تبيحه ومع القدرة عليه لا تحل المتية لغناه عنها ولنا إن إباحة الميتة منصوص عليها إباحة الصيد مجتهد فيها وتقديم المنصوص عليه أولى فإن لم يجد ميتة ذبح الصيد وأكله نص عليه أحمد لأنه مضطر إليه عينا وقد قيل إن في الصيد تحريمات ثلاثا قتله وأكله وتحريم الميتة لأن ما ذبحه المحرم من الصيد يكون ميتة فقد ساوى الميتة في هذا وفضل عليها بتحريم القتل والأكل ولكن يقال على هذا إن الشارع إذا أباح له ذبحه لم يصر ميتة ولهذا لو لم يجد الميتة فذبحه كان ذكيا طاهرا وليس بنجس ولا ميتة ولهذا يتعين عليه ذبحه في محل الذبح وتعتبر شروط الذكاة فيه ولا يجوز قتله ولو كان ميتة لم يتعين ذلك عليه فصل وإذا ذبح المحرم الصيد عند الضرورة جاز له أن يشبع منه لأنه لحم ذكي لا حق فيه لآدمي سواه فأبيح له الشبع منه كما لو ذبحه حلال من أجله
فصل فإن لم يجد المضطر شيئا لم يبح له أكل بعض أعضائه وقال بعض أصحاب الشافعي له ذلك لأن له أن يحفظ الجملة بقطع عضو كما لو وقعت فيه الأكلة ولنا إن أكله من نفسه ربما قتله فيكون قاتلا لنفسه ولا يتيقن حصول البقاء بأكله أما قطع الأكلة فإنه يخاف الهلاك بذلك العضو فأبيح له إبعاده ودفع ضرره المتوجه منه بتركه كما أبيح قتل الصائل عليه ولم يبح له قتله ليأكله فصل وإن لم يجد إلا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله إجماعا ولا إتلاف عضو منه مسلما كان أو كافرا لأنه مثله فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه وهذا لا خلاف فيه وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي أن له قتله وأكله لأن قتله مباح وهكذا قال أصحاب الشافعي لأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع وإن وجده ميتا أبيح أكله لأن أكله مباح بعد قتله فكذلك بعد موته وإن وجد معصوما ميتا لم يبح أكله في قول أصحابنا وقال الشافعي وبعض الحنفية يباح وهو أولى لأن حرمة الحي أعظم وقال أبو بكر بن داود أباح الشافعي أكل لحوم الأنبياء واحتج أصحابنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم كسر عظم الميت ككسر عظم الحيواختار أبو الخطاب أن له أكله وقال لا حجة في الحديث ها هنا لأن الأكل من اللحم لا من العظم والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة لا في مقدارها بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت مسألة قال ( فإن لم يصب إلا طعاما لم يبعه مالكه أخذه قهلا ليحيي به نفسه وأعطاه ثمنه ألا أن يكون بصاحبه مثل ضرورته ) وجملته أذا اضطر فلم يجد إلا طعاما لغيره نظرنا فإن كان صاحبه مضطرا إليه فهو أحق به ولم يجز لأحد أخذه منه لأنه ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة وإن أخذه منه أحد فمات لزمه ضمانه لأنه قتله بغير حق وإن لم يكن صاحبه مضطرا إليه لزمه بذله للمضطر لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم فلزمه بذله له كما يلزمه بذل منافعه في إنجائه من الغرق والحريق فإن لم يفعل فللمضطر أخذه منه لأنه مستحق له دون مالكه فجاز له أخذه كغير ماله فإن احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه وإن آل أخذه إلى قتل صاحبه فهو هدر لأنه ظالم بقتاله فأشبه الصائل إلا إن يمكن أخذه بشراء أو استرضاء فليس له المقاتلة عليه لإمكان الوصول إليه دونها فإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمن مثله فذكر القاضي أن له قتاله والأولى أن لا يجوز له ذلك لأمكان الوصول إليه بدونها وإن اشتراه بأكثر من ثمن مثله لم يلزمه إلا بثمن مثله لأنه صار مستحقا له بقيمته ويلزمه عوضه في كل موضع أخذه فإن كان معه في الحال وإلا لزمه في ذمته ولا يباح للمضطر من مال أخيه إلا ما يباح من الميتة قال أبو هريرة قلنا يا رسول الله ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه قال يأكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل فصل وإذا اشتدت المخمصة في سنة المجاعة وأصابت الضرورة خلقا كثيرا وكان عند بعض الناس قدر كفايته وكفاية عياله لم يلزمه بذلك للمضطرين وليس لهم أخذه منه لأن ذلك يفضي إلى وقوع الضرورة به ولا يدفعها عنهم وكذلك إن كانوا في سفر ومعه قدر كفايته من غير فضلة لم يلزمه بذل ما معه للمضطرين ولم يفرق أصحابنا بين هذه الحال وبين كونه لا يتضرر بدفع ما معه إليهم في أن ذلك واجب عليه لكونه غير مضطر في الحال والآخر مضطر فوجب تقديم حاجة المضطر ولنا إن هذا مفض به إلى هلاك نفسه وهلاك عياله فلم يلزمه كما لو أمكنه إنجاء الغريق بتغريق نفسه ولأن في بذله إلقاء بيده إلى التهلكة وقد نهى الله عن ذلك مسألة قال ( ولا بأس بأكل الضب والضبع )
أما الضب فإنه مباح في قول أكثر أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو سعيد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي عنهم قال أبو سعيد كنا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لأن يهدى إلى أحدنا ضب أحب إليه من دجاجة فقال عمر ما يسرني أن مكان كل ضب دجاجة سمينة ولوددت أن في كل جحر ضب ضبين وبهذا قال مالك والليث والشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة هو حرام وبهذا قال الثوري لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه نهى عن أكل لحم الضب وروي نحوه عن علي ولأنه ينهش فأشبه ابن عرس ولنا ما روي ابن عباس قال دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فقيل هو ضب يا رسول الله فرفع يده فقلت أحرام هويا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال خالد فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر متفق عليه قال ابن عباس ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الضب تقذرا وأكل على مائدته ولو كان حراما ما أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم الضب ولكنه قذره ولو كان عندي لأكلته ولأن الأصل الحل ولم يوجد المحرم فبقي على الإباحة ولم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي ولا تحريم ولأن الإباحة قول من سمينا من الصحابة ولم يثبت عنهم خلافه فيكون إجماعا فصل فأما الضبع فرويت الرخصة فيها عن سعد وابن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة وإسحاق وقال عروة ما زالت العرب تأكل الضبع ولا ترى بأكلها بأسا وقال أبو حنيفة والثوري ومالك هو حرام وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب لأنها من السباع وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل ذي ناب من السباع وهي من السباع فتدخل في عموم النهي وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الضبع فقال ومن يأكل الضبع ولنا ما روى جابر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل الضبع قلت صيد هي قال نعم احتج به أحمد وفي لفظ قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم رواه أبو داود قال ابن عبد البر هذا لا يعارض حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع لأنه أقوى منه قلنا هذا تخصيص لا معارض ولا يعتبر في التخصيص كون المخصص في رتبة مخصص بدليل تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد فأما الخبر الذي فيه ومن يأكل الضبع فحديث طويل يرويه عبد الكريم بن أبي المخارق ينفرد به وهو متروك الحديث ولأن الضبع قد قيل إنها ليس لها ناب وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفحة نعل الفرس فعلى هذا لا تدخل في عموم النهي والله أعلم مسألة قال ( ولا يؤكل الترياق لأنه يقع فيه لحوم الحيات ) الترياق دواء يتعالج به من السم ويجعل فيه من لحوم الحيات فلا يباح أكله ولا شربه لأن لحم الحية حرام وممن كرهه الحسن وابن سيرين ورخص فيه الشعبي ومالك لأنه يرى باحة لحوم ويقتضيه مذهب الشافعي لإباحته التداوي ببعض المحرمات ولنا إن لحم الحيات حرام بما قد ذكرناه فيما مضى ولا يجوز التداوي بمحرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها فصل ولا يجوز التداوي بمحرم ولا شيء فيه محرم مثل ألبان الأتن ولحم شيء من المحرمات ولا شرب الخمر للتداوي به لما ذكرنا من الخبر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له النبيذ يصنع للدواء فقال إنه ليس بدواء ولكنه داء