İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل ولا يضحى عما في البطن وروي ذلك عن ابن عمر وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر ولا نعلم مخالفا لهم وليس للعبد والمدبر والمكاتب وأم الولد أن يضحوا إلا بإذن سادتهم لأنهم ممنوعون من التصرف بغير إذنهم ألا المكاتب فإنه ممنوع من التبرع والأضحية تبرع وأما من نصفه حر إذا ملك بجزئه الحر شيئا فله أن يضحي بغير إذن سيده لأن له أن يتبرع بغير إذنه مسألة قال ( ويجوز أن يشترك السبعة فيضحوا بالبدنة والبقرة ) وجملته أنه يجوز أن يشترك في التضحية بالبدنة والبقرة وسبعة واجبا كان أو تطوعا سواء كانوا كلهم متقربين أو يريد بعضهم القربة وبعضهم اللحم وبهذا قال الشافعي وقال مالك لا يجوز الاشتراك في الهدي وقال أبو حنيفة يجوز للمتقربين ولا يجوز إذا كان بعضهم غير متقرب لأن الذبح واحد فلا يجوز أن تختل نية القربة فيه ولنا ما روى جابر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقرة كل سبعة منا في بدنة رواه مسلم ولنا على أبي حنيفة أن الجزء المجزىء لا ينقص بإرادلا الشريك غير القربة فجاز كما لو اختلفت جهات القرب فأراد بعضهم التضحية وبعضهم الفدية فصل ويجوز للمشتركين قسمة اللحم ومنع منه أصحاب الشافعي في وجه بناء على أن القسمة بيع وبيع لحم الهدي والأضحية غير جائز ولنا إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاشتراك مع أن سنة الهدي والأضحية الأكل منها دليل على تجويز القسمة إذ لا يتمكن واحد منهم من الأكل إلا بالقسمة وكذلك الصدقة والهدية ولا نسلم أن القسمة بيع هي إفراز حق على ما ذكرنا في باب القسمة مسألة قال ( والعقيقة سنة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ) العقيقة الذبيحة التي تذبح عن المولود وقيل هي الطعام الذي يصنع ويدعى إليه من أجل المولود قال أبو عبيد الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود وجمعها عقائق ومنها قول الشاعر أيا هند لا تنكحي بوهة عليه عقيقته أحسبا ثم إن العرب سمت الذبيحة عند حلق شعره عقيقة على عاداتهم في تسمية الشيء باسم سببه أو ما جاوره ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية وصارت الحقيقة مغمورة فيه فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة وقال ابن عبد البر أنكر أحمد هذا التفسير وقال إنما العقيقة الذبح نفسه ووجهه أن أصل العق القطع ومنه عق والديه إذا قطعهما والذبح قطع الحلقوم والمريء والودجين والعقيقة سنة في قول عامة أهل العلم منهم ابن عباس وابن عمر وعائشة وفقهاء التابعين وأئمة الأمصار ألا أصحاب الرأي قالوا ليست سنة وهي من أمر الجاهلية وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العقيقة فقال إن الله تعالى لا يحب العقوق فكأنه كره الاسم وقال ومن ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل رواه مالك في موطئه وقال الحسن وداود هي واجبة وروي عن بريدة أن الناس يعرضون عليها كما يعرضون على الصلوات الخمس لما روي سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قالكل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه وتحلق رأسه وعن أبي هريرة مثله قال أحمد إسناده جيد وروى حديث سمرة الأثرم وأبو داود وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة وظاهر الأمر الوجوب
ولنا على استحبابها هذه الأحاديث وعن أم كرز الكعيبة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة وفي عن الغلام شاتان مثلان وعن الجارية شاة رواه أبو داود وفي رواية قال العقيقة عن الغلام شاتان والإجماع قال أبو الزناد العقيقة من أمر الناس كانوا يكرهون تركه وقال أحمد العقيقة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عق عن الحسن والحسين وفعله وأصحابه وقال النبي صلى الله عليه وسلم الغلام مرتهن بعقيقته وهو إسناد جيد يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وجعلها أبو حنيفة من أمر الجاهلية وذلك لقلة علمه ومعرفته بالأخبار وأما بيان كونها غير واجبة فدليله ما احتج به أصحاب الرأي من الخبر وما رووه محمول على تأكيد الاستحباب جمعا بين الأخبار ولأنها ذبيحة لسرور حادث فلم تكن واجبة كالوليمة والنقيعة فصل والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمتها نص عليه أحمد وقال إذا لم يكن عنده ما يعق فاستقرض رجوت أن يخلف الله عليه إحياء سنة قال ابن المنذر صدق إحياء السنن واتباعها أفضل وقد ورد فيها من التأكيد في الأخبار التي رويناها ما لم يرد في غيرها ولأنها ذبيحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها فكانت أولى كالوليمة والأضحية مسألة قال ( عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ) هذا قول أكثر القائلين بها وبه قال ابن عباس وعائشة والشافعي وإسحاق وأبو ثور وكان ابن عمر شاة شاة عن الغلام والجارية لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عق عن الحسن شاة وعن الحسين شاة رواه أبو داود وكان الحسن وقتادة لا يريان عن الجارية عقيقة لأن العقيقة شكر للنعمة الحاصلة بالولد والجارية لا يحصل بها سرور فلا يشرع لها عقيقة ولنا حديث عائشة وأم كرز وهذا نص وما رووه محمول على الجواز إذا ثبت هذا فالمستحب أن تكون الشاتان متماثلتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم شاتان متكافئتان وفي رواية مثلان قال أحمد يعني متقاربتين أو متساويتين لما جاء من الحديث فيه ويجوز فيها الذكر والأنثى لما روي في حديث أم كرز أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة ولا بأس أن يكون ذكورا وإناثا رواه سعيد وأبو داود والذكر أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبش كبش وضحى بكبشين أقرنين والعقيقة تجري مجرى الأضحية والأفضل في لونها البياض على ما ذكرنا في الأضحية لأنها تشبهها ويستحب استسمانها واستعظامها واستحسانها كذلك وإن خالف ذلك أو عق بكبش واحد أجزأ لما روينا من حديث الحسن والحسين مسألة قال ( ويذبح يوم السابع )
قال أصحابنا السنة أن تذبح يوم السابع فإن فات ففي أربع عشرة فإن فات ففي إحدى وعشرين ويروى هذا عن عائشة وبه قال إسحاق وعن مالك في الرجل يريد أن يعق عن ولده فقال ما علمت هذا من أمر الناس وما يعجبني ولا نعلم خلافا بين أهل العلم القائلين بمشروعيتها في استحباب ذبحها يوم السابع والأصل فيه حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه وأما كونه في أربع عشرة ثم في إحدى وعشرين فالحجة فيه قول عائشة رضي الله عنها وهذا تقدير الظاهر أنها لا تقوله ألا توقيفا وإن ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأه لأن المقصود يحصل وإن تجاوز أحدا وعشرين احتمل أن يستحب في كل سابع فيجعله في ثمانية وعشرين فإن لم يكن ففي خمسة وثلاثين وعلى هذا قياسا على ما قبله واحتمل أن يجوز في كل وقت لأن هذا قضاء فائت فلم يتوقف كقضاء الأضحية وغيرها وإن لم يعق أصلا فبلغ الغلام وكسب فلا عقيقة عليه وسئل أحمد عن هذه المسألة فقال ذلك على الوالد يعني لا يعق عن نفسه لأن السنة في حق غيره وقال عطاء والحسن يعق عن نفسه لأنها مشروعة عنه ولأنه مرتهن بها فينبغي أن يشرع له فكاك نفسه ولنا أنها مشروعة في حق الوالد فلا يفعلها غيره كالأجنبي كصدقة الفطر فصل ويستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع ويسمى لحديث سمرة وإن تصدق بزنة شعره فضة فحسن لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة لما ولدت الحسن احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة على المساكين والأوفاض يعني أهل الصفة رواه الإمام أحمد وروى سعيد في سننه عن محمد بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبش كبش وأنه تصدق بوزن شعورهما ورقا وأن فاطمة كانت إذا ولدت ولدا حلقت شعره وتصدقت بوزنه ورقا وإن سماه قبل السابع جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولد الليلة لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم وسمى الغلام الذي جاءه به أنس بن مالك فحنكه وسماه عبدالله ويستحب أن يحسن اسمه لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم وقال عليه السلام أحب الأسماء إلي عبدالله وعبد الرحمن حديث صحيح وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال أحب الأسماء إلى الله تعالى أسماء الأنبياء وقال النبي صلى الله عليه وسلم تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي وفي رواية لا تجمعوا بين اسمي وبين كنيتي فصل ويكره أن يلطخ رأسه بدم كره ذلك أحمد والزهري ومالك الشافعي وابن المنذر وحكي عن الحسن وقتادة أنه مستحب لما روي في حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويدمى رواه همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا قال هذا إلا الحسن وقتادة وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مع الغلام عقيقته فهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى رواه أبو داود وهذا يقتضي أن لا يمس بدم لأنه أذى وروي يزيد بن عبد المزني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يعتق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم قال مهنا ذكرت هذا الحديث لأحمد فقال ما أظرفه ورواه ابن ماجة ولم يقل عن أبيه ولأن هذا تنجيس له فلا يشرع كلطخه بغيره من النجاسات
وقال بريدة كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ويلطخ رأسه بدمها فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران رواه أبو داود فأما رواية من روى ويدمى فقال أبو داود ويسمى هكذا قال سلام بن أبي مطيع عن قتادة وإياس بن دغفل عن الحسن ووهم همام فقال ويدمى قال أحمد قال فيه ابن أبي عروبة يسمى وقال همام ويدمى وما أراه إلا أخطأ وقد قيل هو تصحيف من الراوي مسألة قال ( ويجتنب فيها من العيب ما يجتنب في الأضحية ) وجملته أن حكم العقيقة حكم الأضحية في سنها وأنه يمنع فيها من العيب ما يمنع فيها ويستحب فيها من الصفة ما يستحب فيها وكانت عائشة تقول أتوني به أعين أقرن وقال عطاء الذكر أحب إلي من الألأنثى والضأم أحب من المعز فلا يجزىء فيها أقل من الجزع من الضأن والثني من المعز ولا تجوز فيها العوراء البين عورها والعرجاء البين ضلعها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنفي والعضباء التي ذهب أكثر من نصف أذنها أو قرنها وتكره فيها الشرقاء والخرفاء والمقابلة والمدابرة ويستحب استشراف العين والأذن كما ذكرنا في الأضحية سواء لأنها تشبهها فتقاس عليها مسألة قال ( وسبيلها في الأكل والهدية والصدقة سبيلها لا أنها تطبخ أجدالا ) وبهذا قال الشافعي وقال ابن سيرين اصنع بلحمها كيف شئت وقال ابن جريج تطبخ بماء وملح وتهدى الجيران والصديق ولا يتصدق منها بشيء وسئل أحمد عنها فحكى قول ابن سيرين وهذا يدل على أنه ذهب إليه وسئل هل يأكلها قال لم أقل يأكلها كلها ولا يتصدق منها بشيء والأشبه قياسها على الأضحية لأنها نسيكة مشروعة غير واجبة فأشبهت الأضحية ولأنها أشبهتها في صفاتها وسنها وقدرها وشروطها فأشبهتها في مصرفها وإن طبخها ودعا إخوانه فأكلوه فحسن ويستحب أن تفصل أعضاؤها ولا تكسر عظامها لما روي عن عائشة أنها قالت السنة شاتان مكافئتان عن الغلام وعن الجارية شاة تطبخ جدولا ولا يكسر عظم ويأكل ويطعم ويتصدق وذلك يوم السابع قال أبو عبيد الهروي في العقيقة تطبخ جدولا لا يكسر لها عظم أي عضوا عضوا وهو الجدال بالدال غير المعجمة والأرب والشلو والعضو والوصل كله واحد وإنما فعل بها ذلك لأنها أول ذبيحة ذبحت عن المولود فاستحب فيها ذلك تفاؤلا بالسلامة وكذلك قالت عائشة وروي أيضا عن عطاء وابن جريج وبه قال الشافعي فصل قال أحمد يباع الجلد والرأس والسقط ويتصدق به وقد نص في الأضحية على خلاف هذا وهو أقيس في مذهبه لأنها ذبيحة لله فلا يباع منها شيء كالهدي ولأنه تمكن الصدقة بذلك بعينه فلا حاجة إلى بيعه وقال أبو الخطاب يحتمل أن ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى فيخرج في المسألتين روايتان ويحتمل إن يفرق بينهما من حيث إن الأضحية ذبيحة شرعت يوم النحر فأشبهت الهدي والعقيقة شرعت عند سرور حادث وتجدد نعمة فأشبهت الذبيحة في الوليمة ولأن الذبيحة ها هنا لم تخرج عن ملكه فكان له أن يفعل بها ما شاء من بيع وغيره والصدقة بثمن ما بيع منها بمنزلة الصدقة به في فضلها وثوابها وحصول النفع به فكان له ذلك
فصل قال بعض أهل العلم يستحب للوالد أن يؤذن في أذن ابنه حين يولد لما روي عن عبدالله بن رافع عن أمه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة وعن عمر بن عبدالعزيز أنه كان إذا ولد له مولود أخذه في خرقة فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وسماه وروينا أن رجلا قال لرجل عند الحسن يهنئه بابن له ليهنك فارس فقال الحسن وما يدريك أنه فارس هو أو حمار فقال كيف نقول قال قل بورك في الموهوب وشكرت الواهب وبلغ أشده ورزقت بره وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحنك أولاد الأنصار بالتمر وروي أنس قال ذهبت بعبدالله بن أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد قال هل معك تمر فناولته تمرات فلاكهن ثم فغر فاه ثم مجه فيه فجعل يتلمظ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الأنصار التمر وسماه عبدالله فصل قال أصحابنا لا تسن الفرعة ولا العتيرة وهو قول علماء الأمصار سوى ابن سيرين فإنه كان يذبح العتيرة في رجب ويروي فيها شيئا والفرعة والفرع بفتح الراء أول ولد الناقة كانوا يذبحونه لآلهتهم في الجاهلية فنهوا عنها قال ذلك أبو عمرو الشيباني وقال أبو عبيد العتيرة وهي الرجبية كان أهل الجاهلية إذا طلب أحدهم أمرا نذر أن يذبح من غنمه شاة في رجب وهي العتائر والصحيح إن شاء الله تعالى أنهم كانوا يذبحونها في رجب من غير نذر جعلوا ذلك سنة فيما بينهم كالأضحية في الأضحى وكان منهم من ينذرها كما قد تنذر الأضحية بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم على كل أهل بيت أضحاة وعتيرة وهذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام تقرير لما كان في الجاهلية وهو يقتضي ثبوتها بغير نذر ثم نسخ ذلك بعد ولأن العتيرة لو كانت هي المنذورة لم تكن منسوخة فإن الإنسان لو نذر ذبح شاة في أي وقت كان لزمه الوفاء بنذره والله أعلم وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرعة من كل خمس واحدة قال ابن المنذر هذا حديث ثابت ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا فرع ولا عتيرة متفق عليه وهذا الحديث متأخر عن الأمر بها فيكون ناسخا ودليل تأخره أمران أحدهما أن راويه أبو هريرة وهو متأخر الإسلام فإن إسلامه في سنة فتح خيبر وهي السنة السابعة من الهجرة والثاني أن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمرا متقدما على الإسلام فاظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه واستمرار النسخ من غير رفع له ولو قدرنا تقدم النهي على الأمر بها لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها وهذا خلاف الظاهر إذا ثبت هذا فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة لا تحريم فعلها ولا كراهته فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك أو للصدقة به وإطعامه لم يكن ذلك مكروها والله تعالى أعلم كتاب السبق والرامي المسابقة جائزة بالسنة والإجماع وأما السنة فروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق متفق عليه قال موسى بن عقبة من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة أميال وقالسفيان من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة والمسابقة على ضربين مسابقة بغير عوض ومسابقة بعوض
فأما المسابقة بغير عوض فتجوز مطلقا من غير تقييد بشيء معين كالمسابقة على الأقدام والسفن والطيور والبغال والحمير والفيلة والمزاريق وتجوز المصارعة ورفع الحجر ليعرف الأشد وغير هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر مع عائشة فسابقته على رجلها فسبقته قالت فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال هذه بتلك رواه أبو داود وسابق سلمة بن الأكوع رجلا من الأنصار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في يوم ذي قرد و صارع النبي صلى الله عليه وسلم ركانة فصرعه رواه الترمذي ومر بقوم يربعون حجرا يعني يرفعونه ليعرفوا الأشد منهم فلم ينكر عليهم وسائر المسابقة يقاس على هذا وأما المسابقة بعوض فلا تجوز إلا بين الخيل والإبل والرمي لما سنذكره إن شاء الله تعالى واختصت هذه الثلاثة بتجويز العوض فيها لأنها من آلات الحرب المأمور بتعلمها وأحكامها والتفوق فيها وفي المسابقة بها مع العوض مبالغة في الاجتهاد في النهاية لها والأحكام لها وقد ورد الشرع بالأمر بها والترغيب في فعلها قال تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم الأنفال 60 وقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي وروى سعيد في سننه عن خالد بن زيد قال كنت رجلا راميا وكان عقبة بن عامر الجهني يمر بي فيقول يا خالد اخرج بنا نرم فلما كان ذات يوم أبطأت عنه فقال هلم أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة صانعه يحتسب في صنعه الخير والرامي به ومنبله ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا وليس من اللهو إلا ثلاث تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها وعن مجاهد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الملائكة لا تحضر من لهوكم إلا الرهان والنضال قال الأزهري النضال في الرمي والرهان في الخيل والسباق فيهما قال مجاهد ورأيت ابن عمر يشتد بين الهدفين إذا أصاب خصلة قال أنا بها وعن حذيفة مثله مسألة قال ( والسبق في النصل والحافر والخف لا غير ) السبق بسكون الباء المسابقة بفتحها الجعل المخرج في المسابقة والمراد بالنصل ها هنا السهم ذو النصل وبالحافر الفرس وبالخف البعير عبر عن كل واحد منها بجزء منه يختص به ومراد الخرقي أن المسابقة بعوض لا تجوز إلا في هذه الثلاثة وبهذا قال الزهري ومالك وقال أهل العراق يجوز ذلك في المسابقة على الأقدام والمصارعة لورود الأثر بهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم سابق عائشة وصارع ركانة ولأصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين ولهم في المسابقة في الطيور وجهان بناء على الوجهين في المسابقة على الأقدام والمصارعة ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر رواه أبو داود فنفي السبق في غير هذه الثلاثة ويحتمل أن يراد به نفي الجعل أي لا يجوز الجعل إلا في هذه الثلاثة ويحتمل أن يراد به نفي المسابقة بعوض فإنه يتعين حمل الخبر على أحد الأمرين للإجماع على جواز المسابقة بغير عوض في هذه الثلاثة وعلى كل تقدير فالحديث حجة لنا ولأن غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إليها فلم تجز المسابقة عليها بعوض كالرمي بالحجارة ورفعها إذا ثبت هذا فالمراد بالنصل السهام من النشاب والنبل دون غيرهما والحافر الخيل وحدها والخف الإبل وحدها وقال أصحاب الشافعي تجوز المسابقة بكل ما له نصل من المزاريق وفي الرمح والسيف وجهان وفي الفيل والبغال والحمير وجهان لأن للمزاريق والرماح والسيوف نصلا وللفيلة خف وللبغال والحمير حوافر فتدخل في عموم الخبر
ولنا إن هذه الحيوانات المختلف فيها لا تصلح للكر والفر ولا يقاتل عليها ولا يسهم لها والفيل لا يقاتل عليه أهل الإسلام والرماح والسيوف لا يرمى بها فلم تجز المسابقة عليها كالبقر والتراس والخبر ليس بعام فيما تجوز المسابقة به لأنه نكرة في إثبات وإنما هو عام في نفي ما لا تجوز المسابقة به بعوض لكونه نكرة في سياق النفي ثم لو كان عاما لحمل على ما عهدت المسابقة عليه وورد الشرع بالحث على تعلمه وهو ما ذكرناه مسألة قال ( وإذا أرادا أن يستبقا أخرج أحدهما ولم يخرج الآخر فإن سبق من أخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من المسبوق شيئا وإن سبق من لم يخرج أحرز سبق صاحبه ) وجملته أن المسابقة إذا كانت بين اثنين أو حزبين لم تخل إما أن يكون العوض منهما أو من غيرهما نظرت فإن كان من الإمام جاز سواء كان من ماله أو من بيت المال لأن في ذلك مصلحة وحثا على تعلم الجهاد ونفعا للمسلمين وإن كان غير إمام جاز له بدل العوض من ماله وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا يجوز بذل العوض من غير الإمام لأن هذا مما يحتاج إليه للجهاد فاختص به الإمام لتولية الولايات وتأمير الأمراء ولنا إنه بذل لماله فيما فيه مصلحة وقربة فجاز كما لو اشترى به خيلا وسلاحا فأما إن كان منهما اشترط كون الجعل من أحدهما دون الآخر فيقول إن سبقتني فلك عشرة وإن سبقتك فلا شيء عليك فهذا جائز وحكي عن مالك أنه لا يجوز لأنه قمار ولنا إن أحدهما يختص بالسبق فجاز كما لو أخرجه الإمام ولا يصح ما ذكره لأن القمار أن لا يخلو كل واحد منهما من أن يغنم أو يغرم وها هنا لا خطر على أحدهما فلا يكون قمارا فإذا سبق المخرج أحرز سبقه ولا شيء له على صاحبه وإن سبق الآخر أخذ سبق المخرج فملكه وكان كسائر ماله لأنه عوض في الجعالة فيملك فيها كالعوض المجهول في رد الضالة والآبق وإن كان العوض في الذمة فهو دين يقضى به عليه ويجبر على تسليمه إن كان موسرا وإن أفلس ضرب به مع الغرماء فصل والمسابقة عقد جائز ذكرهابن حامد وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر هو لازم إن كان العوض منهما وجائز إذا كان من أحدهما أو من غيرها وذكره القاضي احتمالا لأنه عقد من شرطه أن يكون العوض والمعوض معلومين فكان لازما كالإجارة ولنا إنه عقد على ما لا تتحقق القدرة على تسليمه فكان جائزا كرد الآبق فإنه عقد على الإصابة ولا يدخل تحت قدرته وبهذا فارق الإجارة فعل هذا لكل واحد من المتعاقدين الفسخ قبل الشروع في المسابقة وإن أراد أحدهما الزيادة فيها أو النقصان منها لم يلزم الآخر إجابته وأما بعدالشروع في المسابقة فإن كان لم يظهر لأحدهما فضل على الآخر جاز الفسخ لكل واحد منهما وإن ظهر لأحدهما فضل مثل أن يسبقه بفرسه في بعض المسابقة أو يصيب بسهامه أكثر منه فللفاضل الفسخ ولا يجوز للمفضول لأنه لو جاز له ذلك لفات غرض المسابقة لأنه متى بان له سبق صاحبه له فسخها وترك المسابقة فلا يحصل المقصود وقال أصحاب الشافعي إذا قلنا العقد جائز ففي جواز الفسخ من المفضول وجهان فصل ويشترط أن يكون العوض معلوما لأنه مال في عقد فكان معلوما كسائر العقود ويكون معلوما بالمشاهدة أو بالقدر والصفة على ما تقدم في غير موضع ويجوز أن يكون حالا ومؤجلا كالعوض في البيع ويجوز أن يكون بعضه خالا وبعضه مؤجلا فلو قال إن نضلتني فلك دينار حال وقفيز حنطة بعد شهر جاز وصح النضال لأن ما جاز أن يكون حالا ومؤجلا جاز أن يكون بعضه حالا وبعضه مؤجلا كالثمن غير أنه يحتاج إلى صفة الحنطة بما تصير به معلومة فصل فإن شرط أن يطعم السبق أصحابه فالشرط فاسد لأنه عوض على عمل فلا يستحقه غير العامل كالعوض في رد الآبق ولا يفسد العقد
وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يفسد ولنا إنه عقد لا تقف صحته على تسمية بدل فلم يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح وذكر القاضي أن الشروط الفاسدة في المسابقة تنقسم قسمين أحدهما ما يخل بشرط صحة العقد نحو أن يعود إلى جهالة العوض أو المسافة ونحوهما فيفسد العقد لأن العقد لا يصح مع فوات شرطه والثاني ما لا يخل بشرط العقد نحو أن يشترط أن يطعم السبق أصحابه أو غيرهم أو يشترط أنه إذا نضل لا يرمي أبدا أو لا يرمي شهرا أو شرطا أن لكل واحد منهما أو لأحدهما فسخ العقد متى شاء بعد الشروع في العمل وأشباه هذا فهذه شروط باطلة في نفسها وفي العقد المقترن بها وجهان أحدهما صحته لأن العقد تم بأركانه وشروطه فإذا حذف الزائد الفاسد بقي العقد صحيحا والثاني يبطل لأنه بذل العوض لهذا الغرض فإذا لم يحصل له غرضه لا يلزمه العوض وكل موضع فسدت المسابقة فإن كان السابق المخرج أمسك سبقه وإن كان الآخر فله أجر عمله لأنه عمل بعوض لم يسلم له فاستحق أجر المثل كالإجارة الفاسدة فصل وإذا كان المخرج غير المتسابقين فقال لهما أو لجماعة أيكم سبق فله عشرة جاز لأن كلا منهم يطلب أن يكون سابقا وأيهم سبق استحق العشرة وإن جاؤوا جميعا فلا شيء لواحد منهم لأنه لا سابق فيهم وإن قال لاثنين أيكما سبق فله عشرة وأيكما صلى فله عشرة لم يصح لأنه لا فائدة في طلب السبق فلا يحرص عليه لعدم فائدته فيه وإن قال ومن صلى فله خمسة صح لأن كل واحد يطلب السبق لفائدته فيه بزيادة الجعل وإن كانوا أكثر من اثنين فقال من سبق فله عشرة ومن صلى فله كذلك صح لأن كل واحد منهم يطلب أن يكون سابقا أو مصليا والمصلي هو الثاني لأن رأسه عند مصلي الآخر والصلوان هما العظمان الناتئان من جانبي الذنب وفي الأثر عن علي رضي الله عنه أنه قال سبق أبو بكر وصلى عمر وخبطتنا عشواء وقال الشاعر إن تبتدر غاية يوما لمكرمة تلق السوابق منا والمصلينا فإن قال للمجلي وهو الأول مائة وللمصلي وهو الثاني تسعون وللتالي وهو الثالث ثمانون وللنازع وهو الرابع سبعون وللمرتاح وهو الخامس ستون وللحظي وهو السادس خمسون وللعاطف وهو السابع أربعون وللمؤمل وهو الثامن ثلاثون وللطيم وهو التاسع عشرون وللسكيت وهو العاشر عشرة وللفسكل وهو الآخر خمسة صح لأن كل واحد يطلب السبق فإذا فاته طلب ما يلي السابق والفسكل اسم للآخر ثم يستعمل هذا في غير المسابقة بالخيل تجوزا كما روي أن أسماء ابنة عميس كانت تزوجت جعفر بن أبي طالب وولدت له عبد الله ومحمدا وعونا ثم تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر ثم تزوجها علي بن أبي طالب فقالت له إن ثلاثة أنت آخرهم لأخيار فقال لولدها فسكلتني أمكم وإن جعل للمصلي أكثر من السابق أو مثله أو جعل للتالي أكثر من المصلي أو مثله أو لم يجعل للمصلي شيئا ولم يجز لأن ذلك يفضي إلى أن لا يقصد السبق بل يقصد التأخر فيفوت المقصود فصل إذا قال لعشرة من سبق منكم فله عشرة صح فإن جاؤوا معا فلا شيء لهم لأنه لم يوجد الشرط الذي يستحق به الجعل في واحد منهم وإن سبقهم واحد فله العشرة لوجود الشرط فيه وإن سبق اثنان فلهما العشرة وإن سبق تسعة وتأخر واحد فالعشرة للتسعة
لأن الشرط وجد فيهم فكان الجعل بينهم كما لو قال من رد عبدي الآبق فله عشرة فرده تسعة ويحتمل أن يكون لكل واحد من السابقين عشرة لأن كل واحد منهم سابق فيستحق الجعل بكماله كما لو قال من رد عبدا لي فله عشرة فرد كل واحد عبدا وفارق ما لو قال من رد عبدي فرده تسعة لأن كل واحد منهم لم يرده إنما رده حصل من الكل ويصير هذا كما لو قال من قتل قتيلا فله سلبه فإن قتل كل واحد واحدا فلكل واحد سلب قتيله كاملا وإن قتل الجماعة واحدا فلجميعهم سلب واحد وها هنا كل واحد له سبق مفرد فكان له الجعل كاملا فعلى هذا لو قال من سبق فله عشرة ومن صلى فله خمسة فسبق خمسة وصلى خمسة فعلى الأول من الوجهين السابقين عشرة لكل واحد منهم درهمان وللمصلين خمسة لكل واحد منهم درهم وعلى الوجه الثاني لكل واحد من السابقين عشرة فيكون لهم خمسون ولكل واحد من المصلين خمسة فيكون لهم خمسة وعشرون ومن قال بالوجه الأول احتمل على قوله أن لا يصح العقد على هذا الوجه لأنه يحتمل أن يسبق تسعة فيكون لهم عشرة لكل واحد درهم وتسع ويصلي واحد فيكون له خمسة فيصير للمصلي من الجعل فوق ما للسابق فيفوت المقصود مسألة قال ( وإن أخرجا جميعا لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللا يكافي فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رميهما فإن سبقهما أحرز سبقيهما وإن كان السابق أحدهما أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه فكان كسائر ماله ولم يأخذ من المحلل شيئا ) السبق بالفتح الجعل الذي يسابق عليه ويسمى الخطر والندب والقرع والرهن ويقال سبق إذا أخذ وإذا أعطى ومن الأضداد ومتى استبق الاثنان والجعل بينهما فأخرج كل واحد منهما لم يجز وكان قمارا لأن كل واحد منهما لا يخلو من أن يغنم أو يغرم وسواء كان ما أخرجاه متساويا مثل أن يخرج كل واحد منهما عشرة أو متفاوتا مثل ان أخرج أحدهما عشرة والآخر خمسة ولو قال إن سبقتني فلك علي عشرة وإن سبقتك فلي عليك قفيز حنطة أو قال إن سبقتني فلك علي عشرة ولي عليك قفيز لم يجز لما ذكرناه فإن أدخلا بينهما محللا وهو ثالث لم يخرج شيئا جاز وبهذا قال سعيد بن المسيب والزهري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي وحكى أشهب عنمالك أنه قال في المحلل لا أحبه وعن جابر بن زيد أنه قيل له إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يرون بالدخيل بأسا قال هم أعف من ذلك ولنا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فليس بقمار ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار رواه أبو داود فجعله قمارا إذا أمن أن يسبق لأنه لا يخلو كل واحد منهما من أن يغنم أو يغرم وإذا لم يأمن أن يسبق لم يكن قمارا لأن كل واحد منهما يجوز أن يخلو عن ذلك يشترط أن يكون فرس المحلل مكافئا لفرسيهما أو بعيره مكافئا لبعيريهما ورميه لرمييهما فإن لم يكن مكافئا مثل أن يكون فرساهما جوادين وفرسه بطيء فهو قمار للخبر ولأنه مأمون سبقه فوجوده كعدمه وإن كان مكافئا لهما جاز فإن جاؤوا كلهم الغاية دفعة واحدة أحرز كل واحد منهما سبق نفسه ولا شيء للمحل لأنه لا سابق فيهم وكذلك إن سبق المستبقان المحلل وإن سبق المحلل وحده أحرز السبقين بالاتفاق وإن سبق أحد المستبقين وحده أحرز سبق نفسه وأخذ سبق صاحبه ولم يأخذ من المحلل شيئا وإن سبق أحد المستبقين والمحلل أحرز السابق مال نفسه ويكون سبق المسبوق بين السابق والمحلل نصفين وسواء كان المستبقون اثنين أو أكثر حتى لو كانوا مائة وبينهم محلل لا سبق منه جاز وكذلك لو كان المحلل جماعة جاز لأنه لا فرق بين الاثنين والجماعة وهذا كله مذهب الشافعي
فصل ويشترط في المسابقة بالحيوان تحديد المسافة وأن يكون لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيها لأن الغرض معرفة أسبقهما ولا يعلم ذلك إلا بتساويهما في الغاية ولأن أحدهما قد يكون مقصرا في أول عدوه سريعا في انتهائه وقد يكون بضد ذلك فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه ومن الخيل ما هو أصبر والقارح أصبر من غيره وقد روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية رواه أبو داود وسبق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع وذلك ستة أميال أو سبعة وبين التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وذلك ميل أو نحوه فإن استبقا بغير غاية لينظر أيهما يقف أولا لم يجز لأنه يؤدي إلى أن لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه ويتعذر الإشهاد على السبق فيه ويشترط في المسابقة إرسال الفرسين أو البعيرين دفعة واحدة فإن أرسل أحدهما قبل الآخر ليعلم هل يدركه الآخر أو لا لم يجز هذا في المسابقة بعوض لأنه قد لا يدركه مع كونه أسرع منه لبعد المسافة بينهما ويكون عند أول المسافة من يشاهد إرسالهما ويرتبهما وعند الغاية من يضبط السابق منهما لئلا يختلفا في ذلك ويحصل السبق في الخيل بالرأس إذا تماثلت الأعناق فإن اختلفا في طول العنق أو كان ذلك في الإبل اعتبر السبق بالكتف لأن الاعتبار بالرأس متعذر فإن طويل العنق قد يسبق رأسه لطول عنقه لا لسرعة عدوه وفى الإبل ما يرفع رأسه وفيها ما يمد عنقه فربما سبق رأسه لمد عنقه لا لسبقه فلذلك اعتبرنا الكتف فإن سبق رأس قصير العنق فهو سابق لأن من ضرورة ذلك كونه سابقا وإن سبق طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق فهو سابق لأن من ضرورة ذلك كونه سابقا وإن سبق طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق فقد سبق وإن كان بقدره لم يسبقه وإن كان أقل فالآخر السابق ونحو هذا كله قول الشافعي وقال الثوري إذا سبق أحدهما بالإذن كان سابقا ولا يصح لأن أحدهما قد يرفع رأسه ويمد الآخر عنقه فيكون سابقا بإذنه لذلك لا لسبقه وإن شرطا السبق بأقدام معلومة كثلاثة أو أكثر أو أقل لم يصح وقال بعض أصحاب الشافعي يصح ويتخاطان ذلك كما في الرمي وليس بصحيح لأن هذا لا ينضبط ولا يقف الفرسان عند الغاية بحيث يعرف مساحة ما بينهما وقد روى الدارقطني بإسناده عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي قد جعلت لك هذه السبقة بين الناس فخرج علي فدعا سراقة بن مالك فقال يا سراقة إني قد جعلت إليك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في عنقي من هذه السبقة في عنقك فإذا أتيت الميطان قال أبو عبد الرحمن الميطان مرسلها من الغاية فصف الخيل ثم ناد هل من مصلح للجام أو حامل لغلام أو طارح لجل فإذا لم يجبك أحد فكبر ثلاثا ثم خلها عند الثالثة فيسعد الله بسبفه من شاء من خلقه وكان علي يقعد على منتهى الغاية يخط خطا ويقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط طرفيه بين إبهامي أرجلهما وتمر الخيل بين الرجلين ويقول لهما إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه أو أذن أو عذار فاجعلا السبقة له فإن شككتما فاجعلوا سبقهما نصفين فإذا قرنتم ثنتين فاجعلا الغاية من غاية أصغر الثنتين ولا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام وهذا الأدب الذي ذكره في هذا الحديث في ابتداء الإرسال وانتهاء الغاية من أحسن ما قيل في هذا وهو مروي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في قضية أمره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوضها إليه فينبغي أن تتبع ويعمل بها
فصل ويشترط في الرهان أن تكون الدابتان من جنس واحد فإن كانتا من جنسين كالفرس والبعير لم يجز لأن البعير لا يكاد يسبق الفرس فلا يحصل الغرض من هذه المسابقة وإن كانتا من نوعين كالعربي والبرذون أو البختي والعرابي ففيه وجهان أحدهما لا يصح ذكره أبو الخطاب لأن التفاوت بينهما في الجري معلوم بحكم العادة فأشبها الجنسين والثاني يصح ذكره القاضي وهذا مذهب الشافعي لأنهما من جنس واحد وقد يسبق كل واحد منهما الآخر والضابط الجنس وقد وجد ويكفي في المظنة احتمال الحكمة ولو على بعد فصول في المناضلة وهي المسابقة في الرمي بالسهام والمناضلة مصدر ناضلته نضالا ومناضلة وسمي الرمي نضالا لأن السهم التام يسمى نضلا فالرمي به عمل بالنضل فسمي نضالا ومناضلة مثل قاتلته قتالا ومقاتلة وجادلته جدالا ومجادلة ويشترط لصحته ثمانية شروط أحدها أن يكون عدد الرشق معلوما والرشق بكسر الراء عدد الرمي وأهل اللغة يقولون هو عبارة عما بين العشرين والثلاثين والرشق بفتح الراء الرمي نفسه مصدر رشقت رشقا أي رميت رميا وإنما اشترط علمه لأنه لو كان مجهولا لأفضى إلى الخلاف لأن أحدهما يريد القطع والآخر يريد الزيادة فيختلفان والثاني أن يكون عدد الإصابة معلوما فيقولان الرشق عشرون والإصابة خمسة أو ستة أو ما يتفقان عليه منها إلا أنه لا يجوز اشتراط إصابة نادرة كإصابة جميع الرشق أو إصابة تسعة أعشاره ونحو هذا لأن الظاهر أن هذا لا يوجد فيفوت الغرض الثالث استواؤهما في عدد الرشق والإصابة وصفتها وسائر أحوال الرمي فإن جعلا رشق أحدهما عشرة والآخر عشرين أو شرطا أن يصيب أحدهما خمسة والآخر ثلاثة أو شرطا إصابة أحدهما خواسق والآخر خواصل أو شرطا أن يحط أحدهما من إصابته سهمين أو يحط سهمين من إصابته بسهم من إصابة صاحبه أو شرطا أن يرمي أحدهما من بعد والآخر من قرب أو أن يرمي أحدهما وبين أصابعه سهم والآخر بين أصابعه سهمان أو أن يرمي أحدهما وعلى رأسه شيء والآخر خال عن شاغل أو أن يحط عن أحدهما واحدا من خطئه لا له ولا عليه وأشبه هذا بما تفوت به المساواة لم يصح لأن موضوعها على المساواة والغرض معرفة الحذق وزيادة أحدهما على الآخر فيه ومع التفاضل لا يحصل فإنه ربما أصاب أحدهما لكثرة رميه لا لحذقه فاعتبرت المساواة كالمسابقة على الحيوان الرابع أن يصفا الإصابة فيقولان خواصل وهو المصيب للغرض كيفما كان قال الأزهري يقال خصلت مناضلي خصلة وخصلا ويسمى ذلك الفرع والقرطسة يقال قرطس إذا أصاب أو حوابي وهو ما وقع بين يدي الغرض ثم وثب إليه ومنه يقال حبا الصبي أو خواصر وهو ما وقع في أحد جانبي الغرض ومنه قيل الخاصرة لأنها في جانب الإنسان أو خوارق وهو ما خرق الغرض ثم وقع بين يديه أو خواسق وهو ما خرق الغرض وثبت فيه أو موارق وهو ما أنفذ الغرض ووقع من ورائه أو خوازم وهو ما خزم جانب الغرض وإن شرطا الخواسق والحوابي معا صح الخامس قدر الغرض والغرض هو ما يقصد إصابته من قرطاس أو ورق أو جلد أو خشب أو قرع أو غيره ويسمى غرضا لأنه يقصد ويسمى شارة وشنا قال الأزهري ما نصب في الهدف فهو القرطاس وما نصب في الهواء فهو الغرض ويجب أن يكون قدره معلوما بالمشاهدة أو بتقديره بشبر أو شبرين بحسب الاتفاق فإن الإصابة تختلف باختلاف سعته وضيقه السادس معرفة المسافة إما بالمشاهدة أو بالذراعان فيقول مائة ذراع أو مائتي ذراع لأن الإصابة تختلف بقربها وبعدها ومهما اتفقا عليه جاز إلا أن يجعلا مسافة بعيدة تتعذر الإصابة في مثلها وهو ما زاد على ثلاثمائة ذراع فلا يصح لأن الغرض يفوت بذلك وقد قيل إنه ما رمى إلى أربعمائة ذراع إلا عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه
السابع تعيين الرماة فلا يصح مع الإبهام لأن الغرض معرفة معرفة حذق الرمي بعينه لا معرفة حذق رام في الجملة ولو عقد اثنان نضالا على أربع مع كل واحد منهما ثلاثة لم يجز لذلك ولا يشترط تعيين القوس والسهام ولو عينها لم تتعين لأن القصد معرفة الحذق وهذا لا يختلف إلا بالرامي لا باختلاف القوس والسهام وفي الرهان يعتبر تعيين الحيوان الذي يسابق به ولا يعتبر الراكب لأن الغرض معرفة عدو الفرس لا حذق الراكب وكل ما يعتبر تعيينه إذا تلف انفسخ العقد ولم يقم غيره مقامه لأن العقد تعلق بعينه فانفسخ بتلف العين ولأن الغرض معرفة حذق الرامي أو عدو الفرس وقد فاتت معرفة ذلك بموته ولا يعرف حذقه من غيره وما لا يتعين يجوز إبداله لعذر وغيره فإذا تلف قام غيره مقامه فإن شرطا أن لا يرمي بغير هذا القوس ولا بغير هذا السهم أو لا يركب غير هذا الراكب فهذه شروط فاسدة لأنها تنافي مقتضى العقد أشبهت ما إذا شرط إصابة بإصابتين الثامن أن تكون المسابقة في الإصابة ولو قالا السبق لأبعدنا رميا لم يجز لأن الغرض من الرمي الإصابة لأبعد المسافة فإن المقصود من الرمي إما قتل العدو أو جرحه أو الصيد أو نحو ذلك وكل هذا إنما يحصل من الإصابة لا من الإبعاد فصل والمناضلة على ثلاثة أضرب أحدها تسمى المبادرة وهو أن يقولا من سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية فهو السابق فأيهما سبق إليها مع تساويهما في الرشق فقد سبق فإذا رميا عشرة عشرة فأصاب أحدهما خمسا ولم يصب الآخر خمسا فالمصيب خمسا هو السابق لأنه قد سبق إلى خمسة وسواء أصاب الآخر أربعا أو ما دونها أو لم يصب شيئا ولا حاجة إلى إتمام الرشق لأن السبق قد حصل بسبقه إلى ما شرط السبق إليه وإن أصاب كل واحد منهما من العشر خمسا فلا سابق فيهما ولا يكملان الرشق لأن جميع الإصابة المشروطة قد حصلت واستويا فيها فإن رمى أحدهما عشرا فأصاب خمسا ورمى الآخر تسعا فأصاب أربعا لم يحكم بالسبق ولا بعدمه حتى يرمي العاشر فإن أخطأ به فقد سبق الأول وإن أصاب به فلا سابق فيهما وإن لم يكن أصاب من التسعة إلا ثلاثا فقد سبقه الأول ولا يحتاج إلى رمي العاشر لأن أكثر ما يحتمل أنه يصيب به ولا يخرجه ذلك عن كونه مسبوقا الضرب الثاني أن يقول أينا فضل صاحبه بإصابة أو إصابتين أو ثلاث من عشرين رمية فقد سبق ويسمى مفاضلة ومحاطة لأن ما تساويا فيه من الإصابة محطوط غير معتد به ويلزم إكمال الرشق إذا كان في إتمامه فائدة فإذا قالا أينا فضل صاحبه بثلاث فهو سابق فرميا اثنتي عشرة رمية فأصابها أحدهما وأخطأها الآخر كلها لم يلزم إتمام الرشق لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب الآخر الثمانية الباقية ويحطها الأول ولا يخرج الأول بهذا عن كونه سابقا وإن كان الأول إنما أصاب من الاثنتي عشرة عشرا لزمهما أن يرميا الثالثة عشرة فإن أصاباها أو أخطأ أو أصابها الأول وحده فقد سبق ولا يحتاج إلى إتمام الرشق فإن أصابها الآخر وأخطأها الأول فعليهما أن يرميا الرابعة عشرة والحكم فيها وفيما بعدها كالحكم في الثالثة عشرة وأنه متى أصاباها أو أخطآ أو أصابها الأول فقد سبق ولا يرميان ما بعدها وإن أصابها الآخر وحده رميا ما بعدها وهكذا كل موضع كان في إتمام الرشق فائدة لأحدهما لزم إتمامه وإن يئس من الفائدة لم يلزم إتمامه فإذا بقي من العدد ما يمكن أن يسبق أحدهما به صاحبه أو يسقط أحدهما به سبق صاحبه لزم الإتمام وإلا فلا فإذا كان السبق يحصل بثلاث إصابات من عشرين فرميا ثماني عشرة فأخطآها أو أصاباها أو تساويا في الإصابة فيها لم يلزم إتمام الرشق لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما هاتين الرميتين ويخطئهما الآخر ولا يحصل السبق بذلك
وكذلك إن فضل أحدهما الآخر بخمس إصابات فما زاد لم يلزم الإتمام لأن إصابة الآخر بالسهمين الباقيين لا يخرج الآخر عن كونه فاضلا بثلاث إصابات وإن لم يفضله إلا بأربع رميا السهم الآخر فإن أصابه المفضول وحده فعليهما رمي الآخر فإن أصابه المفضول أيضا سقط سبق الأول وإن أخطآ في أحد السهمين أو أصاب الأول في أحدهما فهو سابق فصل الثالث أن يقولا أينا أصاب خمسا من عشرين فهو سابق فمتى أصاب أحدهما خمسا من العشرين ولم يصبها الآخر فالأول سابق وإن أصاب كل واحد منهما خمسا أو لم يصب واحد منهما خمسا فلا سابق فيهما وهذه في معنى المحاطة في أنه يلزم إتمام الرشق ما كان في إتمامه فائدة فإذا خلا عن الفائدة لم يلزم إتمامه ومتى أصاب كل واحد منهما خمسا لم يلزم إتمامه ولم يكن فيهما سابق فإن رميا ست عشرة رمية ولم يصب واحد منهما شيئا لم يلزم إتمامه ولا سابق فيهما لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما الأربعة كلها ولا يحصل السبق بذلك واختلف أصحابنا فقال أبو الخطاب لا بد من معرفة الرمي هل هو مبادرة أو محاطة أو مفاضلة لأن غرض الرماة يختلف فمنهم من تكثر إصابته في الابتداء دون الانتهاء ومنهم من هو بالعكس فوجب بيان ذلك ليعلم ما دخل فيه وظاهر كلام القاضي أنه لا يحتاج إلى اشتراط ذلك لأن مقتضى النضال المبادرة وأن من بادر إلى الإصابة فهو السابق فإنه إذا شرط أن السبق لمن أصاب خمسة من عشرين فسبق إليها واحد فقد وجد الشرط ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فصل فإن شرطا إصابة موضع من الهدف على أن يسقط ما قرب من إصابة أحدهما ما بعد من إصابة الآخر ففعل ثم فضل أحدهما الآخر بما شرطاه كان سابقا ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن هذا نوع من المحاطة فإذا أصاب أحدهما موضعا بينه وبين الغرض شبر وأصاب الآخر موضعا بينه وبين الغرض أقل من شبر أسقط الأول وإن أصاب الأول الغرض أسقط الثاني فإن أصاب الثاني الدائرة التي في الغرض لم يسقط به الأول لأن الغرض كله موضع للإصابة فلا يفضل أحدهما صاحبه إذا أصاباه جميعا إلا أن يشترط ذلك وإن شرطا أن يحسب كل واحد منهما خاسقة بإصابتين جاز لأن أحدهما لم يفضل صاحبه في شيء فقد استويا فصل والسنة أن يكون لهما غرضان يرميان أحدهما ثم يمضيان إليه فيأخذان السهام يرميان الآخر لأن هذا كان فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة وقال إبراهيم التيمي رأيت حذيفة يشتد بين الهدفين يقول أنا بها في قميص وعن ابن عمر مثل ذلك والهدف ما ينصب الغرض عليه إما تراب مجموع وإما حائط ويروى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض فإذا جاء الليل كانوا رهبانا فإن جعلوا غرضا واحدا جاز لأن المقصود يحصل به وهو عادة أهل عصرنا
ولا بد في المناضلة أن يبتدىء أحدهما بالرمي لأنهما لو رميا معا أفضى إلى الاختلاف ولم يعرف المصيب منهما فإن كان المخرج أجنبيا قدم من يختاره منهما فإن لم يختر وتشاحا أقرع بينهما وأيهما كان أحق بالتقديم فبدره الآخر فرمى لم يعتد له بسهمه أصاب أو أخطأ وإذا بدأ أحدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني تعديلا بينهما وإن شرطا البداءة لأحدهما في كل الوجوه لم يصح لأن موضوع المناضلة على المساواة وهذا تفاضل فإن فعل ذلك من غير شرط باتفاق منهما جاز لأن البداءة لا أثر لها في الإصابة ولا في تجريد الرمي وإن شرطا أن يبدأ كل واحد منهما من وجهين متواليين جاز لتساويهما ويحتمل أن يكون اشتراط البداءة في كل موضع ذكرنا غير لازم ولا يؤثر في العقد لأنه لا أثر له في تجويد رمي ولا كثرة إصابة وكثير من الرماة يختار التأخر على البداية فيكون وجود هذا الشرط كعدمه فإذا رمى البادىء بسهم رمى الثاني بسهم كذلك حتى يقضيا رميهما لأن إطلاق المناضلة يقتضي المراسلة ولأن ذلك أقرب إلى التساوي وأنجز للرمي لأن أحدهما يصلح قوسه ويعدل سهمه حتى يرمي الآخر وإن رميا بسهمين سهمين فحسن وهو العادة بين الرماة فيما رأينا وإن اشترطا أن يرمي أحدهما رشقا ثم يرمي الآخر أو يرمي أحدهما عددا ثم يرمي الآخر مثله جاز لأن هذا لا يؤثر في مقصود المناضلة وإن خالف مقتضى الإطلاق كما يجوز أن يشترط في البيع ما لا يقتضيه الإطلاق من النقود والخيار والأجل لما كان غير مانع من المقصود فصل وإن شرطا أن يرميا أرشاقا كثيرة جاز لأنه إذا جاز على القليل جاز على الكثير ولا بد أن تكون معلومة ثم إن شرطا أن يرميا منها كل يوم قدرا اتفقا عليه جاز لأن الغرض في هذا صحيح فإنهما أو أحدهما قد يضعف عن الرمي كله مع حذقه وإن أطلقا العقد جاز وحمل على التعجيل والحلول كسائر العقود فيرميان من أول النهار إلى آخره إلا أن يعرض عذر يمنع من مرض أو ريح أو تشوش السهام أو لحاجته إلى طعام أو شراب أو صلاة أو قضاء حاجة لأن هذه مستثناة بالعرف وكذلك المطر فإنه يرخي الوتر ويفسد الرشق فإذا جاء الليل تركاه لأن العادة ترك الرمي بالليل فحمل العقد عليه مع الإطلاق إلا أن يشترطا الرمي ليلا فيأخذ أحدهما صاحبه بذلك وإن كانت الليلة مقمرة منيرة اكتفي بذلك وإلا رميا في ضوء شمعة أو مشعل وإن عرض عارض يمنع الرمي كما ذكرنا أو كسر قوس أو قطع وتر أو انكسر سهم جاز إبداله فإن لم يمكن أخر الرمي حتى يزول العارض فصل فإن أراد أحدهما التطويل والتشاغل عن الرمي بما لا حاجة إليه من مسح القوس والوتر ونحو ذلك إرادة التطويل على صاحبه لعله ينسى القصد الذي أصاب به أو يفتر منع من ذلك وطولب بالرمي ولا يدهش بالاستعجال بالكلية بحيث يمنع من تحري الإصابة ويمنع كل واحد منهما من الكلام الذي يغبط به صاحبه مثل أن يرتجز ويفتخر ويتبجح بالإصابة ويعنف صاحبه على الخطأ أو يظهر له أنه يعلمه وهكذا الحاضر معهما مثل الأمير والشاهدين وغيرهم يكره لهم مدح المصيب وزهزهته وتعنيف المخطىء وزجره لأن فيه كسر قلب أحدهما وغيظه فصل وإذا تشاحا في موضع الوقوف فإن كان ما طلبه أحدهما أولى مثل أن يكون في أحد الموقفين يستقبل الشمس أو ريحا يؤذيه استقبالها ونحو ذلك والآخر يستدبرها قدم قول من طلب استدبارها لأنه العرف إلا أن يكون في شرطهما استقبال ذلك فالشرط أملك كما قلنا في الرمي ليلا وإن كان الموقفان سواء كان ذلك إلى الذي له البداءة فيتبعه الآخر فإذا كان في الوجه الثاني وقف حيث شاء ويتبعه الأول
فصل ويجوز عقد النضال على جماعة لأنه يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أصحاب له ينتضلون فقال ارموا وأنا مع ابن الأدرع فأمسك الآخرون وقالوا كيف نرمي وأنت مع ابن الأدرع قال ارموا وأنا معكم كلكم رواه البخاري ولأنه إذا جاز أن يكونا اثنين جاز أن يكونوا جماعتين لأن المقصود معرفة الحذق وهذا يحصل في الجماعتين فجاز كما في سباق الخيل وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل المضمرة وسبق بين الخيل التي لم تضمر وعلى هذا يكون كل حزب بمنزلة واحد فإن عقد النضال جماعة ليتناضلوا حزبين فذكر القاضي أنه يجوز وهو مذهب الشافعي ويحتمل أن لا يجوز لأن التعيين شرط وقبل التفاضل لم يتعين من في كل واحد من الحزبين فعلى هذا إذا تفاضلوا عقدوا النضال بعده وعلى قول القاضي يجوز العقد قبل التفاضل ولا يجوز أن يقسموا بالقرعة لأنها ربما وقعت على الحذق في أحد الحزبين وعلى الكوادان في الآخر فيبطل مقصود النضال بل يكون لكل حزب رئيس فيختار أحدهما واحدا ثم يختار الآخر واحدا كذلك حتى يتفاضلوا جميعا ولا يجوز أن يجعل الخيار إلى أحدهما في الجميع ولا أن يختار جميع حزبه أو لا لأنه يختار الحذاق كلهم في حزبه ولا يجوز أن يجعل رئيس الحزبين واحدا لأنه يميل إلى حزبه فتلحقه التهمة ولا يجوز أن يختار كل واحد من الرئيسين أكثر من واحد لأنه أبعد من التساوي وإذا اختلفا في المبتدىء بالخيار منهما أقرع بينهما ولو قال أحدهما أنا أختار أولا وأخرج السبق أو يخرجه أصحابي لم يجز لأن السبق إنما يستحق بالسبق لا في مقابلة تفضل أحدهما بشيء فصل وإذا خرج أحد الزعيمين السبق من عنده فسبق حزبه لم يكن على حزبه شيء لأنه جعله على نفسه دونهم وإن شرطه عليهم فهو عليهم بالسوية ويكون للحزب الآخر بالسوية من أصاب منهم ومن لم يصب في أحد الوجهين كما أنه على الحزب الآخر بالسوية وفي الوجه الآخر يقسم بينهم على قدر الإصابة وليس لمن لم يصب منهم شيء لأن استحقاقه بالإصابة فكان على قدرها واختص بمن وجدت منه بخلاف المسبوقين فإنه وجب عليهم لالتزامهم له وقد استووا في ذلك فصل ومتى كان النضال بين حزبين اشترط كون الرشق يمكن قسمه بينهمم بغير كسر ويتساوون فيه فإن كانوا ثلاثة وجب أن يكون له ثلث وإن كانوا أربعة وجب أن يكون له ربع وكذلك ما زاد لأنه إذا لم يكن كذلك بقي سهم أو أكثر لا يمكن الجماعة الاشتراك فيه فصل وإذا كانوا حزبين فدخل معهم رجل لا يعرفونه في أحد الحزبين وكان يحسن الرمي جاز وإن كان لا يحسنه بطل العقد فيه وأخرج من الحزب الآخر من جعل بإزائه لأن كل واحد يجعل في مقابلته آخر أو يختار أحد الزعيمين واحدا ويختار الآخر آخر في مقابلته وهل يبطل في الباقين عهلى وجهين بناء على تفريق الصفقة فإن قلنا لا يبطل فلكل حزب الخيار لتبعيض الصفقة في حقهم وإن بان راميا لكنه قليل الإصابة فقال حزبه ظنناه كثير الإصابة أو لم نعلم حاله أو بان كثير الإصابة فقال الحزب الآخر ظنناه قليل الإصابة لم يسمع ذلك منهم وكان كمن عرفوه لأن شرط دخوله أن يكون في العقد من أهل الصنعة دون الحذق كما لو اشترى عبدا على أنه كاتب فبان حاذقا أو ناقصا فيها لم يؤثر فصل ولا يجوز أن يقولوا نقرع فمن خرجت قرعته فهو السابق ولا أن من خرجت قرعته فالسبق عليه ولا أن يقولوا نرمي فأينا أصاب فالسبق على الآخر لأنه عوض في عقد فلا يستحق بالقرعة ولا بالإصابة وإن شرطوا أن يكون فلان مقدم حزب وفلان مقدم الآخر ثم فلان ثانيا من الحزب الأول وفلان ثانيا من الحزب الثاني كان فاسدا لأن تقديم كل واحد من الحزب يكون إلى زعيمه وليس للحزب الآخر مشاركته في ذلك فإذا شرطوه كان فاسدا فصل وإذا تناضل اثنان وأخرج أحدهما السبق
فقال أجنبي أنا شريكك في الغنم والغرم أن نضلك فنصف السبق علي وإن نضلته فنصفه لي لم يجز وكذلك لو كان المتناضلون ثلاثة فيهم محلل فقال رابع للمستبقين أنا شريككما في الغنم والغرم كان باطلا لأن الغنم والغرم إنما يكون من المناضل فأما من لا يرمي فلا يكون له غنم ولا غرم ولو شرطا في النضال أنه إذا جلس المسبق كان عليه السبق لم يجز لأن السبق على النضال وهذا الشرط يخالف مقتضى النضال فكان فاسدا فصل ولو فضل أحد المتناضلين صاحبه فقال المفضول اطرح فضلك وأعطيك دينارا لم يجز لأن المقصود معرفة الحذق وذلك يمنع منه وإن فسخا العقد وعقدا عقدا آخر جاز وإن لم يفسخاه ولكن رميا تمام الرشق فتمت الإصابة له مع ما أسقطه استحق السبق ورد الدينار إن كان أخذه فصل إذا كان شرطهما حواصل وهي الإصابة المطلقة اعتد بها كيفما وجدت بشرط أن يصيب بنصل السهم فإن أصاب بعرضه أو بفوقه نحو أن ينقلب السهم بين يدي الغرض فيصيب فوقه الغرض لم يعتد به لأن هذا من شيء الخطأ وإن انقطع السهم قطعيتن فأصابت القطعة الأخرى لم يحتسب به فإن كان الغرض جلدا خيط عليه شنبر كشنبر المنخل وجعلا له عرى وخيوطا تعلق به في العرى فأصاب الشنبر أو العرى نظرت في شرطهما فإن شرطا إصابة الغرض اعتد له لأن ذلك من الغرض فأما المعاليق وهي الخيوط فلا يعتد له بإصابتها على كلا الشرطين لأنها ليست من الجلدة ولا من الغرض فأشبه إصابة الهدف فصل وإن أطارت الريح الغرض فوقع السهم في موضعه فإن كان شرطهما خواصل احتسب لفه به لعلمنا أنه لو كان الغرض في موضعه أصابه وإن كان شرطهما خواسق فقال القاضي ينظر فإن كانت صلابة الهدف كصلابة الغرض فثبت في الهدف احتسب له به لأنه لو بقي مكانه لثبت فيه كثبوته في الهدف وإن لم يثبت فيه مع التساوي لم يحتسب وإن كان الهدف أصلب فلم يثبت فيه أو كان رخوا لم يحتسب السهم له ولا عليه لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو بقي مكانه أو لا وهذا مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب إن كان شرطهما خواسق لم يحتسب له بالسهم الذي وقع في موضعه ولا عليه لأننا لا ندري هل يثبت في الغرض لو كان موجودا أو لا وإن وقع السهم في غير موضع الغرض احتسب به على راميه لأنه خطأ ولو وقع في الغرض في الموضع الذي طار إليه حسب عليه أيضا لا له إلا أن يكونا اتفقا على رميه في الموضع الذي طار إليه وكذلك الحكم إذا ألقت الريح الغرض على وجهه فصل وإذا رمى فأخطأ لعارض من كسر قوس أو قطع وتر أو حيوان اعترض بين يديه أو ريح شديدة ترد السهم عرضا لم يحسب عليه بذلك السهم لأن خطأه للعارض لا لسوء رميه قال القاضي ولو أصاب لم يحتسب عليه لم يحتسب له لأنه إذا لم يحتسب ولأن الريح الشديدة كما يجوز أن تصرف الرمي الشديد فيخطىء يجوز أن تصرف السهم المخطىء عن خطئه فيقع مصيبا فتكون إصابته بالريح لا بحذق رميه فأما إن وقع السهم في حائل بينه وبين الغرض فمرقه وأصاب الغرض حسب له لأن إصابته لسداد رميه ومروقه لقوته فهو أولى من غيره وإن كانت الريح لينة خفيفة لا ترد السهم عادة لم يمنع لأن الجو لا يخلو من ريح ولأن الريح اللينة لا تؤثر إلا في الرمي الرخو الذي لا ينتفع به فصل وإن كان شرطهما خواسق والخاسق ما ثقب الغرض وثبت فيه فمتى أصاب الغرض بنصله وثبت فيه حسب له وإن خدشه ولم يثقبه لم يحتسب له وحسب به عليه وإن مرق منه احتسب له به لأن ذلك لقوة رميه فهو أبلغ من الخاسق وإن خرقه وهو أن يثقبه ويقع بين يديه ففيه وجهان أحدهما يحتسب له لأنه ثقب ثقبا يصلح للخسق وإنما لم يثبت السهم لسبب آخر من سعة الثقب أو غيره
والثاني لا يحتسب له لأن شرطهما الخواسق والخاسق ما ثبت وثبوته يكون بحذق الرامي وقصده برميه ما اتفقا عليه فإن كان امتناع السهم من الثبوت لمصادفته ما يمنع الثبوت من حصاة أو حجر أو عظم أو أرض غليظة ففيه الوجهان إلا أنه إذا لم يحتسب له لم يعد عليه لأن العارض منعه من الثبوت فأشبه ما لو منعه عارض من الإصابة وإن اختلفا في وجود العارض نظرت فإن علم موضع الثقب باتفاقهما أو ببينة نظر في الموضع فإن لم يكن فيه ما يمنع فالقول قول المنكر وإن كان فيه ما يمنع فالقول قول المدعي ولا يمين لأن الحال تشهد بصدق ما ادعاه وإن لم يعلما موضع الثقب إلا أنهما اتفقا على أنه خرق الغرض ولم يكن وراءه شيء يمنع فالقول قول المنكر بغير يمين أيضا لأنه لا مانع وإن كان وراءه ما يمنع وادعى المصاب عليه أنه لم يكن السهم في موضع وراءه ما يمنع فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم الإصابة مع احتمال ما يقوله المصيب وإن أنكر أن يكون خرق أيضا فالقول أيضا قوله مع يمينه لما ذكرناه فصل وإن شرطا خاسقا فوقع السهم في ثقب في الغرض أو موضع بال فنقبه وثبت في الهدف معلقا في الغرض نظرت فإن كان الهدف صليبا كصلابة الغرض فثبت فيه حسب له لأنه علم أن الغرض لو كان صحيحا لثبت فيه وإن كان الهدف ترابا أهيل لم يحتسب له ولا عليه لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو أصاب موضعا منه قويا أو لا وإن صادف السهم في ثقب في الغرض قد ثبت في الهدف مع قطعة من الغرض فقال الرامي خسفت وهذه الجلدة قطعها سهمي لشدة الرمية فأنكر صاحبه وقال بل هي كانت مقطوعة فإن علم أن الغرض كان صحيحا فالقول قول الرامي وإن اختلفا فذكرالقاضي أنها كالتي قبلها وإن كان الهدف رخوا لم يعتد به وإن كان قويا صلبا اعتد به وإن وقع سهمه في سهم ثابت في الغرض اعتد له به فإن كان شرطهما خواسق لم يحتسب له به ولا عليه لأننا لا نعلم يقينا أنه لولا فوق السهم الثابت لخسق فإن أصاب السهم ثم سبح عنه فخسق احتسب له به فصل إذا قال رجل لآخر ارم هذا السهم فإن أصبت به فلك درهم صح وكان جعالة لأنه بذل مالا له في فعل له فيه غرض صحيح ولم يكن هذا نضالا لأن النضال يكون بين اثنين أو جماعة على أن يرموا جميعا ويكون الجعل لبعضهم إذا كان سابقا وإن قال إن أصبت به فلك درهم وإن أخطأت فعليك درهم لم يصح لأنه قمار وإن قال ارم عشرة أسهم فإن كان صوابك أكثر من خطئك فلك درهم صح لأنه جعل الجعل في مقابلة الإصابة المعلومة فإن أكثر العشرة أقله ستة وليس ذلك بمجهول لأنه بالأقل يستحق الجعل وإن قال إن كان صوابك أكثر فلك بكل سهم أصبت به درهم صح وكذلك إن قال ارم عشرة ولك بكل سهم أصبت به منها درهم أو قال فلك بكل سهم زائد على النصف من المصيبات درهم لأن الجعل معلوم بتقديره بالإصابة فأشبه ما لو قال استق لي من هذا البئر ولك بكل دلو تمرة أو قال من رد عبدا من عبيدي فله بكل عبد درهم وإن قال إن كان خطؤك أكثر فعليك درهم أو نحو هذا لم يجز لأنه قمار وإن قال ارم عشرة فإن أخطأتها فعليك درهم أو نحو هذا لم يجز لأن الجعل يكون في مقابلة عمل ولم يوجد من المقابل عمل يستحق به شيئا ولو قال الرامي لأجنبي إن أخطأت فلك درهم لم يصح لذلك
فصل وإذا عقد النضال ولم يذكرا قوسا فظاهر كلام القاضي أنه يصح ويستويان في القوس إما العربية وإما العجمية وقال غيره لا يصح حتى يذكرا نوع القوس الذي يرميان عليه في الابتداء لأن إطلاقه ربما أفضى إلى الاختلاف وقد أمكن التحرز عنه بالتعيين للنوع فيجب ذلك وإن اتفقا على أنهما يرميان بالنشاب في الابتداء صح وينصرف إلى الرامي بالقوس الأعجمية لأن سهامها هو المسمى بالنشاب وسهام العربية يسمى نبلا فإن عين نوعا من القسي لم يجز العدول عنها إلى غيرها لأن أحدهما قد يكون أحذق بالرمي بأحد النوعين دون الآخر وإن عينا قوسا بينها لم تتعين لأنها قد تنكسر ويحتاج إلى إبدالها لأن الحذق لا يختلف باختلاف عين القوس بخلاف النوع وإن تناضلا على أن يرمي أحدهما بالعربية والآخر بالفارسية أو أحدهما بقوس الزنبور والآخر بقوس الجرخ أو قوس الحسبان وهو قوس سهامه قصار يجعل في مجرى مثل القصبة ثم يرمي بها ففيها وجهان أحدهما يصح وهو قول القاضي ومذهب الشافعي لأنهما نوعا جنس فصحت المسابقة مع اختلافهما كالخيل والإبل والثاني لا تصح المسابقة مع اختلافهما لأنهما يختلفان في الإصابة فجرى مجرى المسابقة بين جنسين وكذلك الحكم في المسابقة بين نوعي الخيل والإبل فصل وظاهر كلام أحمد إباحة الرمي بالقوس الفارسية ونص على جواز المسابقة بها وقال أبو بكر بن جعفر يكره لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى مع رجل قوسا فارسية فقال القها فإنها ملعونة ولكن عليكم بالقسي العربية وبرماح القنا فبها يؤيد الله الدين وبها يمكن الله لكم في الأرض رواه الأثرم ولنا انعقاد الإجماع على الرمي بها وإباحة حملها فإن ذلك جار في أكثر الأعصار وهي التي يحصل الجهاد بها في عصرنا وأكثر الأعصار المتقدمة وأما الخبر فيحتمل أنه لعنها لأن حملتها في ذلك العصر العجم ولم يكونوا أسلموا بعد ومنع العرب من حملها لعدم معرفتهم بها ولهذا أمر برماح القنا ولو حمل إنسان رمحا غيرها لم يكن مذموما وحكى أحمد أن قوما استدلوا على القسي الفارسية بقول الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الأنفال 60 يعني أن هذا مما استطاعه من القوة فيدخل في عموم الآية مسألة قال ولا يجوز إذا أرسل الفرسان أن يجنب أحدهما إلى فرسه فرسا يحرضه على العدو ولا يصيح به وقت سباقه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جنب ولا جلب معنى الجنب أن يجنب المسابق إلى فرسه فرسا لا راكب عليه يحرض الذي تحته على العدو ويحثه عليه وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي معناه أن يجنب فرسا يتحول عند الغاية عليه لكونها أقل كلالا وإعياء قال ابن المنذر كذا قيل ولا أحسب هذا يصح لأن الفرس التي يسابق عليها لا بد من تعيينها فإن كانت التي يتحول عنها فما حصل السبق بها وإن كانت التي يتحول إليها فما حصلت المسابقة بها في جميع الحلبة ومن شرط السباق ذلك ولأن هذا متى احتاج إلى التحول والاشتغال به فربما سبق باشتغاله لا سرعة غيره ولأن المقصود معرفة عدو الفرس في الحلبة كلها فمتى كان إنما يركبه في آخر الحلبة فما حصل المقصود وأما الجلب فهو أن يتبع الرجل فرسه يركض خلفه ويجلب عليه ويصيح وراءه يستحثه بذلك على العدو هكذا فسره مالك وقال قتادة الجلب والجنب في الرهان وروي عن أبي عبيد كقول مالك وحكي عنه أن معنى الجلب أن يحشر الساعي أهل الماشية ليصدقهم قال فلا يفعل ليأتهم على مياههم فيصدقهم والتفسير الأول هو الصحيح لما روى عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جلب ولا جنب في الرهان رواه أبو داود وفي حديث علي في السباق وفي آخره ولا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام ويروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا كتاب الايمان الأصل في مشروعيتها وثبوت حكمها الكتاب والسنة والإجماع
أما الكتاب فقول الله سبحانه لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان المائدة 89 الآية وقال تعالى ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها النحل 91 وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالحلف في ثلاثة مواضع فقال ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين يونس 53 وقال تعالى قل بلى وربي لتأتينكم سبأ 3 والثالث قل بلى وربي لتبعثن التغابن 7 وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها متفق عليه وكان أكثر قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومصرف القلوب ومقلب القلوب ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في آي وأخبار سوى هذين كثير وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها ووضعها في الأصل لتوكيد المحلوف عليه فصل وتصح من كل مكلف مختار قاصد إلى اليمين ولا تصح من غير مكلف كالصبي والمجنون والنائم لقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاث ولأنه قول يتعلق به وجوب حق فلم يصح من غير مكلف أو غير مكلف ولا تنعقد يمين مكره وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة تنعقد لأنها يمين مكلف فانعقدت كيمين المختار ولنا ما روى أبو أمامة وواثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس على مقهور يمين ولأنه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر فصل وتصح اليمين من الكافر وتلزمه الكفارة بالحنث سواء حنث في كفره أو بعد إسلامه وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إذا حنث بعد إسلامه وقال الثوري وأصحاب الرأي لا ينقعد يمينه لأنه ليس بمكلف ولنا إن عمر رضي الله عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بنذره ولأنه من أهل القسم بدليل قوله تعالى فيقسمان بالله المائدة 106 ولا نسلم أنه غير مكلف وإنما تسقط عنه العبادات بإسلامه لأن الإسلام يجب ما قبله فأما ما يلزمه بنذره أو يمينه فينبغي أن يبقى حكمه في حقه لأنه من جهته فصل ولا يجوز الحلف بغير الله وصفاته نحو أن يحلف بأبيه أو الكعبة أو صحابي أو إمام قال الشافعي أخشى أن يكون معصية قال ابن عبد البر وهذا أصل مجمع عليه وقيل يجوز ذلك لأن الله تعالى أقسم بمخلوقاته فقال والصافات صفا الصافات 1 والمرسلات عرفا المرسلات 1 والنازعات غرقا النازعات 1 وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي السائل عن الصلاة أفلح وأبيه إن صدق وقال في حديث أبي العشراء وأبيك لو طعنت في فخذها لأجزأك ولنا ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أدركه وهو يحلف بأبيه فقال إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت قال عمر فما حلفت بها بعد ذلك ذاكرا ولا آثرا متفق عليه يعني ولا حاكيا لها عن غيري وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف بغير الله فقد أشرك قال الترمذي هذا حديث حسن وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال متفق عليه وفي لفظ من أنه بريء من الإسلام فإن كان قد كذب فهو كما قال وإن كان صادقا لم يرجع إلى الإسلام سالما رواه أبو داود فأما قسم الله بمصنوعاته فإنما أقسم به دلالة على قدرته وعظمته ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه ولا وجه للقياس على إقسامه وقد قيل إن في إقسامه إضمار القسم برب هذه المخلوقات فقوله والضحى الضحى 1 أي ورب الضحى
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم أفلح وأبيه إن صدق فقال ابن عبد البر هذه اللفظة غير محفوظة من وجه صحيح فقد رواهمالك وغيره من الحفاظ فلم يقولوها فيه وحديث أبي العشراء قد قال أحمد لو كان يثبت يعني أنه لم يثبت ولهذا لم يعمل به الفقهاء في إباحة الذبح في الفخذ ثم لو ثبت فالظاهر أن النهي بعده لأن عمر قد كان يحلف بها كما حلف بها النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهى عن الحلف بها ولم يرد بعد لنهي إباحة ولذلك قال عمر وهو يروي الحديث بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فما حلفت بها ذاكرا ولا آثرا ثم إن لم يكن الحلف بغير الله محرما فهو مكروه فإن حلف فليستغفر الله تعالى أو ليذكر الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله لأن الحلف بغير الله سيئة والحسنة تمحو السيئة وقد قال تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات هود 114 وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها ولأن من حلف بغير الله فقد عظم غير الله تعظيما يشبه تعظيم الرب تبارك وتعالى ولهذا سمي شركا لكونه أشرك غير الله مع الله تعالى في تعظيمه بالقسم به فيقول لا إله إلا الله توحيدا لله تعالى وبراءة من الشرك وقال الشافعي من حلف بغير الله تعالى فليقل استغفر الله فصل ويكره الإفراط في الحلف بالله تعالى لقول الله تعالى ولا تطع كل حلاف مهين القلم 10 وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله فإن لم يخرج إلى حد الإفراط فليس بمكروه إلا أن يقترن به ما يوجب كراهته ومن الناس من قال الأيمان كلها مكروهة لقول الله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم البقرة 214 ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحلف كثيرا وقد كان يحلف في الحديث الواحد أيمانا كثيرة وربما كرر اليمين الواحدة ثلاثا فإنه قال في خطبة الكسوف والله يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولقيته امرأة من الأنصار معها أولادها فقال والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلي ثلاث مرات وقال والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ولو كان هذا مكروها لكان النبي صلى الله عليه وسلم أبعد الناس منه ولأن الحلف بالله تعظيم له وربما ضم إلى يمينه وصف الله تعالى بتعظيمه وتوحيده فيكون مثابا على ذلك وقد روي أن رجلا حلف على شيء فقال والله الذي لا إله إلا هو ما فعلت كذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما إنه قد كذب ولكن قد غفر له بتوحيده وأما الإفراط في الحلف فإنما كره لأنه لا يكاد يخلو من الكذب والله أعلم فأما قوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم البقرة 224 فمعناه لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس وهو أن يحلف بالله أن لا يفعل برا ولا تقوى ولا يصلح بين الناس ثم يمتنع من فعله ليبر في يمينه ولا يحنث فيها فنهوا عن المضي فيها