Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Sección V10/P117–V10/P118

وروى عبد الله بن عمر قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه أبو هريرة وزاد في الحكم ورواه أبو بكر في زاد المسافر وزاد والرائش وهو السفير بينهما ولأن المرتشي إنما يرتشي ليحكم بغير الحق أو ليوقف الحكم عنه وذلك من أعظم الظلم قال مسروق سألت ابن مسعود عن السحت أهو الرشوة في الحكم قال لا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون و الفاسقون المائدة 44 47 ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمة فيهدي لك فلا تقبل وقال قتادة قال كعب الرشوة تسفه الحليم وتعمي عين الحكيم فأما الراشي فإن رشاه ليحكم له بباطل أو يدفع عنه حقا فهو ملعون وإن رشاه ليدفع ظلمه ويجزيه على واجبه فقد قال عطاء وجابر بن زيد والحسن لا بأس أن يصانع عن نفسه قال جابر بن زيد ما رأينا في زمن زياد أنفع لنا من الرشا ولأنه يستنفذ ماله كما يستنفذ الرجل أسيره فإن ارتشى الحاكم أو قبل هدية ليس له قبولها فعليه ردها إلى أربابها لأنه أخذها بغير حق فأشبه المأخوذ بعقد فاسد ويحتمل أن يجعلها في بيت المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن اللتبية بردها على أربابها وقد قال أحمد إذا أهدى البطريق لصاحب الجيش عينا أو فضة لم تكن له دون سائر الجيش قال أبو بكر يكونون فيه سواء فصل ولا ينبغي للقاضي أن يتولى البيع والشراء بنفسه لما روى أبو الأسود المالكي عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما عدل وال اتجر في رعيته أبدا ولأنه يعرف فيحابي فيكون كالهدية ولأن ذلك يشغله عن النظر في أمور الناس وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لما بويع أخذ الذراع وقصد السوق فقالوا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسعك أن تشتغل عن أمور المسلمين قال فإني لا أدع عيالي يضيعون قالوا فنحن نفرض لك ما يكفيك ففرضوا له كل يوم درهمين فإن باع واشترى صح البيع لأن البيع تم بشروطه وأركانه وإن احتاج إلى مباشرته ولم يكن له من يكفيه جاز ذلك ولم يكره لأن أبا بكر رضي الله عنه قصد السوق ليتجر فيه حتى فرضوا له ما يكفيه ولأن القيام بعياله فرض عين فلا يتركه لوهم مضرة وأما إذا استغنى عن مباشرته ووجد من يكفيه ذلك كره له لما ذكرناه من المعنيين وينبغي أن يوكل في ذلك من لا يعرف أنه وكيله لئلا يحابي وهذا مذهب الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أنه قال لا يكره له البيع والشراء وتوكيل من يعرف لما ذكرنا من قضية أبي بكر رضي الله عنه ولنا ما ذكرناه وروي عن شريح أنه قال شرط علي عمر حين ولاني القضاء أن لا أبيع ولا أبتاع ولا أرتشي ولا أقضي وأنا غضبان وقضية أبي بكر حجة لنا فإن الصحابة أنكروا عليه فاعتذر بحفظ عياله عن الضياع فلما أغنوه عن البيع والشراء بما فرضوا له قبل قولهم وترك التجارة فحصل الإتفاق منهم على تركها عند الغني عنها فصل ويجوز للحاكم حضور الولائم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحضرها ويأمر بحضورها وقال من لم يجب فقد عصى الله ورسوله فإن كثرت وازدحمت تركها ولم يجب أحدا لأن ذلك يشغله عن الحكم الذي قد تعين عليه لكنه يعتذر إليهم ويسألهم التحليل ولا يجيب بعضا دون بعض لأن في ذلك كسرا لقلب من لم يجبه إلا أن يختص بعضها بعذر يمنعه دون بعض مثل أن يكون في إحداهما منكر أو تكون في مكان بعيد أو يشتغل بها زمنا طويلا والأخرى بخلاف ذلك فله الإجابة إليها دون الأولى لأن عذره ظاهر في التخلف عن الأولى

Sección V10/P118–V10/P119

فصل وله عيادة المرضى وشهود الجنائز وإتيان مقدم الغائب وزيارة إخوانه والصالحين من الناس لأنه قربة وطاعة وإن كثر ذلك فليس له الاشتغال به عن الحكم لأن هذا تبرع فلا يشتغل به عن الغرض وله حضور البعض دون البعض لأن هذا يفعله لنفع نفسه لتحصيل الأجر والقربة له والولائم يراعى فيها حق الداعي فينكسر قلب من لم يجبه إذا أجاب غيره مسألة قال ( ويعدل بين الخصمين في الدخول عليه والمجلس والخطاب ) وجملته أن على القاضي العدل بين الخصمين في كل شيء من المجلس والخطاب واللحظ واللفظ والدخول عليه والإنصات إليهما والاستماع منهما وهذا قول شريح وأبي حنيفة والشافعي ولا أعلم فيه مخالفا وقد روى عمر بن شبة في كتاب قضاة البصرة بإسناده عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من يلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر وفي رواية فليسو بينهم في النظر والمجلس والإشارة وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي سو بين الناس في مجلسك وعدلك حتى لا ييأس الضعيف من عدلك ولا يطمع شريف في حيفك وقال سعيد ثناهشيم ثنا سيار ثنا الشعبي قال كان بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبي بن كعب بدار في شيء فجعلا بينهما زيد بن ثابت فأتياه في منزله فقال له عمر أتيناك لتحكم بيننا في بينة تؤتي الحاكم فوسع له زيد عن صدر فراشه فقال ها هنا يا أمير المؤمنين فقال له عمر جرت في أول القضاء ولكن أجلس مع خصمي فجلسا بين يديه فادعى أبي وأنكر عمر فقال زيد لأبي اعف أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره فحلف عمر ثم أقسم لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء ورواه عمر بن شبة وفيه فلما أتيا باب زيد خرج فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي لأتيتك قال في بيته يؤتى الحكم فلما دخلا عليه قال ها هنا يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي لأتيتك قال في بيته يؤتى الحكم فلما دخلا عليه قال ها هنا يا أمير المؤمنين قال بل أجلس مع خصمي فادعى أبي وأنكر عمر ولم تكن لأبي بينة فقال زيد اعف أمير المؤمنين من اليمين فقال عمر تالله إن زلت ظالما السلام عليك يا أمير المؤمنين ها هنا اعف أمير المؤمنين ولم يعفى أمير المؤمنين إن كان لي حق استحققته بيميني وإلا تركته والله الذي لا إله إلا هو إن النخل لنخلي وما لأبي فيها حق ثم أقسم عمر لا يصيب زيد وجه القضاء حتى يكون عمر وغيره من الناس عنده سواء فلما خرجا وهب النخل لأبي فقيل له يا أمير المؤمنين فهلا كان هذا قبل أن تحلف قال خفت أن أترك اليمين فتصير سنة فلا يحلف الناس على حقوقهم وقال إبراهيم جاء رجل إلى شريح وعنده السري بن وقاص فقال الرجل لشريح أعدني على هذا الجالس عندك فقال شريح للسري قم فاجلس مع خصمك قال إني أسمعك من مكاني قال لا قم فاجلس مع خصمك فأبى أن يسمع منه حتى أجلسه مع خصمه وفي رواية قال إن مجلسك يريبه وإني لا أدع النصرة وأنا عليها قادر ولما تحاكم علي رضي الله عنه واليهودي إلى شريح قال علي إن خصمي لو كان مسلما لجلست معه بين يديك ولأن الحاكم إذا ميز أحد الخصمين على الآخر حصر وانكسر قلبه وربما لم تقم حجته فأدى ذلك إلى ظلمه وإن أذن أحد الخصمين للحاحكم في رفع الخصم الآخر عليه في المجلس جاز لأن الحق له ولا ينكسر قلبه إذا كان هو الذي رفعه

Sección V10/P119–V10/P121

والسنة أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم رواه أبو داود وقال علي رضي الله عنه لو أن خصمي مسلم لجلست معه بين يديك ولأن ذلك أمكن للحاكم في العدل بينهما والإقبال عليهما والنظر في خصومتهما وإن كان الخصمان ذميين سوى بينهما أيضا لاستوائهما في دينهما وإن كان أحدهما مسلما والآخر ذميا جاز رفع المسلم عليه لما روى إبراهيم التيمي قال وجد علي كرم الله وجهه درعه مع يهودي فقال درعي سقطت وقت كذا فقال اليهودي درعي وفي يدي بيني وبينك قاضي المسلمين فارتفعا إلى شريح فلما رآه شريح قام من مجلسه وأجلسه في موضعه وجلس مع اليهودي بين يديه فقال علي إن خصمي لو كان مسلما لجلست معه بين يديك ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تساووهم في المجالس ذكره أبو نعيم في الحلية ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون صاحبه إما أن يضيفهما معا أو يدعهما وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه نزل به رجل فقال له إنك خصم قال نعم قال تحول عنا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تضيفوا أحد الخصمين إلا ومعه خصمه ولأن ذلك يوهم الخصم ميل الحاكم إلى من أضافه ولا يلقن أحدهما حجته ولا ما فيه ضرر على خصمه مثل أن يريد أحدهما الإقرار فيلقنه الإنكار أو اليمين فيلقنه النكول أو النكول فيجزئه على اليمين أو يحس من الشاهد بالتوقف فيجسره على الشهادة أو يكون مقدما على الشهادة فيوقفه عنها أو يقول لأحدهما وحده تكلم ونحو هذا مما فيه إضرار بخصمه لأن عليه العدل بينهما فإن قيل فقد لقن النبي صلى الله عليه وسلم السارق فقال ما إخالك سرقت وقال عمر لزياد أرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا لا يرد هذا الإلزام ها هنا فإن هذا في حقوق الله وحدوده ولا خصم للمقر ولا للمشهود عليه فليس في تلقينه حيف على أحد الخصمين ولا ترك للعدل في أحد الجانبين والذي قلنا في المختلفين في حق من حقوق الآدميين ولا ينبغي أن يعنت الشاهد ولا يداخله في كلامه ويعنفه في ألفاظه فصل وإذا حضر القاضي خصوم كثيرة قدم الأول فالأول وينبغي أن يبعث من يكتب من جاء الأول فالأول فيقدمه قال ابن المنذر الأحسن أن يتخذ خيطا ممدودا طرفه يلي مجلس الحاكم والطرف الآخر يلي مجلس الخصوم فكل من جاء كتب اسمه في رقعة وثقبها وأدخلها في الخيط مما يلي مجلس الخصوم حتى يأتي على آخرهم فإذا جلس القاضي مد يده إلى الطرف الذي يليه فأخذ الرقعة التي تليه ثم التي بعدها كذلك حتى يأتي على آخرها فإن بقي منها شيء وزال الوقت الذي يقضي فيه عرف الطرف الذي يليه حين يجلس فيتناول في المجلس الثاني الرقاع كفعله بالأمس والاعتبار بسبق المدعي لأن الحق له ومتى قدم رجلا لسبقه فحكم بينه وبين خصمه فقال لي دعوى أخرى لم يسمع منه لأنه قد قدمه بسبقه في خصومة فلا يقدمه بأخر ويقول له اجلس حتى إذا لم يبق أحد من الحاضرين نظرت في دعواك الأخرى إن أمكن فإذا فرغ الكل فقال الأخير بعد فصل خصومته لي دعوى أخرى لم يسمع منه حتى يسمع دعوى الأول الثانية ثم يسمع دعواه وإن ادعى المدعى عليه على المدعي حكم بينهما لأننا إنما نعتبر الأول فالأول في الدعوى لا في المدعى عليه وإذا تقدم الثاني فادعى على المدعي الأول أو المدعى عليه الأول حكم بينهما وإن حضر اثنان أو جماعة دفعة واحدة أقرع بينهم فقدم من خرجت له القرعة لتساوي حقوقهم وإن كثر عددهم كتب أسماءهم في رقاع وتركها بين يديه ومد يده فأخذ رقعة رقعة واحدة بعد أخرى ويقدم صاحبها حسب ما يتفق

Sección V10/P121–V10/P122

فصل فإن حضر مسافرون ومقيمون فكان المسافرون قليلا بحيث لا يضر تقديمهم على المقيمين قدمهم لأنهم على جناح السفر ويشتغلون بما يصلح للرحيل وقد خفف الله عنهم الصوم وشطر الصلاة تخفيفا عنهم وفي تأخيرهم ضرر بهم فإن شاء أفرد لهم يوما يفرغ من حوائجهم فيه وإن شاء قدمهم من غير إفراد يوم لهم فإن كانوا كثيرا بحيث يضر تقديمهم فهم والمقيمون سواء لأن تقديمهم مع القلة إنما كان لدفع الضرر المختص بهم فإذا آل دفع الضرر عنهم إلى الضرر بغيرهم تساووا ولا خلاف في أكثر هذه الآداب وأنها ليست شرطا في صحة القضاء فلو قدم المسبوق أو قدم الحاضرين أو نحوه كان قضاؤه صحيحا فصل وإذا تقدم إليه خصمان فإن شاء قال من المدعي منكما لأنهما حضرا لذلك وإن شاء سكت ويقول القائم على رأسه من المدعي منكما إن سكتا جميعا ولا يقول الحاكم ولا صاحبه لأحدهما تكلم لأن في إفراده بذلك تفضيلا له وتركا للإنصاف قال عمر بن قيس شهدت شريحا إذا جلس إليه الخصمان ورجل قائم على رأسه يقول أيكما المدعي فليتكلم وإن ذهب الآخر يشغب غمزه حتى يفرغ المدعي ثم يقول تكلم فإن بدأ أحدهما فادعى فقال خصمه أنا المدعي لم يلتفت الحاكم إليه وقال أجب عن دعواه ثم ادع بعدما شئت فإن ادعيا معا فقياس المذهب أن يقرع بينهما وهو قياس قول الشافعي لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر وقد تعذر الجمع بينهما فيقرع بينهما كالمرأتين إذا زفتا في ليلة واحدة واستحسن ابن المنذر أن يسمع منهما جميعا وقيل يرجىء أمرهما حتى يتبين المدعي منهما وما ذكرناه أولى لأنه لا يمكن الجمع بين الحكم في القضيتين معا وإرجاء أمرهما إضرار بهما وفيما ذكرنا دفع الضرر بحسب الإمكان وله نظير في مواضع من الشرع فكان أولى فصل ولا يسمع الحاكم الدعوى إلا محررة إلا في الوصية والإقرار لأن الحاكم يسأل المدعى عليه عما ادعاه فإن اعترف به لزمه ولا يمكنه أن تلزمه مجهولة ويفارق الإقرار فإن الحق عليه فلا يسقط بتركه إثباته وإنما صحت الدعوى في الوصية مجهولة لأنها تصح مجهولة فإنه لو وصى له بشيء أو سهم صح فلا يمكنه أن يدعيها إلا مجهولة كما ثبت وكذلك الإقرار لما صح أن يقر بمجهول صح لخصمه أن يدعي عليه أنه أقر له بمجهول إذا ثبت هذا فإن كان المدعي أثمانا فلا بد من ذكر ثلاثة أشياء الجنس والنوع والقدر فيقول عشرة دنانير بصرية وإن اختلفت بالصحاح والمكسرة قال صحاح أو قال مكسرة وإن كانت الدعوى في غير الأثمان وكانت عينا تنضبط بالصفات كالحبوب والثياب والحيوان احتاج أن يذكر الصفات التي تشترط في السلم وإن ذكر القيمة كان آكد إلا أن الصفة تغني فيه كما تغني في العقد وإن كانت جواهر ونحوها مما لا ينضبط بالصفة فلا بد من ذكر قيمتها لأنها لا تنضبط إلا بها وإن كان المدعى تالفا وهو مما له مثل كالمكيل والموزون ادعى مثله وضبطه بصفته وإن كان مما لا مثل له كالنبات والحيوان ادعى قيمته لأنها تجب بتلفه وإن كان التالف شيئا محلى بفضة أو بذهب قومه بغير جنس حليته وإن كان محلى بذهب وفضة قومه بما شاء منهما لأنه موضع حاجة وإن كان المدعى عقارا فلا بد من بيان وضعه وحدوده فيدعي أن هذه الدار بحدودها وحقوقها لي وأنها في يده ظلما وأنا أطالبه بردها علي

Sección V10/P122–V10/P123

وإن ادعى عليه أن هذه الدار لي وأنه يمنعني منها صحت الدعوى وإن لم يقل إنها في يده لأنه يجوز أن ينازعه ويمنعه وإن لم تكن في يده وإن ادعى جراحة لها أرش معلوم كالموضحة من الحر جاز أن يدعي الجراحة ولا يذكر أرشها لأنه معلوم وإن كانت من عبد أو كانت من حر لا مقدر فيها فلا بد من ذكر أرشها وإن ادعى على أبيه دينا لم تسمع الدعوى حتى يدعي أن أباه مات وترك في يده مالا لأن الولد لا يلزمه قضاء دين والده ما لم يكن كذلك ويحتاج أن يذكر تركة أبيه ويحررها ويذكر قدرها كما يصنع في قدر الدين هكذا ذكره القاضي والصحيح أنه يحتاج إلى ذكر ثلاثة أشياء تحرير دينه وموت أبيه وأنه وصل إليه من تركة أبيه ما فيه وفاء لدينه وإن قال ما فيه وفاء لبعض دينه احتاج أن يذكر ذلك القدر والقول قول المدعى عليه في نفي تركة الأب مع يمينه وإن أنكر موت أبيه فالقول قوله مع يمينه ويكفيه أن يحلف على نفي العلم لأنه على نفي فعل الغير وقد يموت ولا يعلم به ابنه ويكفيه أن يحلف أن ما وصل إليه من تركة أبيه ما فيه وفاء حقه ولا شيء منه ولا يلزمه أن يحلف أن أباه لم يخلف شيئا لأنه قد يخلف تركة فلا تصل إليه فلا يلزمه الإيفاء منه فإن لم يحسن المدعي تحرير الدعوى فهل للحاكم أن يلقنه تحريرها يحتمل وجهين أحدهما يجوز لأنه لا ضرر على صاحبه في ذلك والثاني لا يجوز لأن فيه إعانة أحد الخصمين في حكومته فصل إذا حرر المدعي دعواه فللحاكم أن يسأل خصمه الجواب قبل أن يطلب منه المدعي ذلك لأن شاهد الحال يدل عليه لأن إحضاره والدعوى إنما يراد ليسأل الحاكم المدعى عليه فقد أغنى ذلك عن سؤاله فيقول لخصمه ما تقول فيما يدعيه فإن أقر لزمه وليس للحاكم أن يحكم عليه إلا بمسألة المقر له لأن الحكم عليه حق له فلا يستوفيه إلا بمسألة مستحقة هكذا ذكر أصحابنا ويحتمل أن يجوز له الحكم عليه قبل مسألة المدعي لأن الحال تدل على إرادته ذلك فاكتفي بها كما أكتفي بها في مسألة المدعي الجواب ولأن كثيرا من الناس لا يعرف مطالبة الحاكم بذلك فيترك مطالبته به لجهله فيضيع حقه فعلى هذا يجوز له الحكم قبل مسألته وعلى القول الأول إن سأله الخصم فقال احكم لي حكم عليه والحكم أن يقول قد ألزمتك ذلك أو قضيت عليك له أو يقول اخرج له منه فمتى قال له أحد هذه الثلاثة كان حكما بالحق وإن أنكر فقال لا حق لك قبلي فهذا موضع البينة قال الحاكم ألك بينة لما روى أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم حضرمي وكندي فقال الحضرمي يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي فقال الكندي للحضرمي ألك بينة قال لا قال فلك يمينه وهو حديث حسن صحيح وإن كان المدعي عارفا بأنه موضع البينة فالحاكم مخير بين أن يقول ألك بينة وبين أن يسكت فإذا قال له ألك بينة وذكر أن له بينة حاضرة لم يقل له الحاكم أحضرها لأن ذلك حق له فله أن يفعل ما يرى وإذا أحضرها لم يسألها الحاكم عما عندها حتى يسأله المدعي ذلك لأنه حق له فلا يسأله ولا يتصرف فيه من غير إذنه فإذا سأله المدعي سؤالها قال من كانت عنده شهادة فليذكرها إن شاء ولا يقول لهما اشهدا لأنه أمر وكانشريح يقول للشاهدين ما أنا دعوتكما ولا أنهاكما أن ترجعا وما يقضي على هذا المسلم غيركما وإني بكما أقضي اليوم وبكما أتقي يوم القيامة وإن رأى الحاكم عليهما ما يوجب رد شهادتهما ردها كما روي عن شريح أنه شهد عنده شاهد وعليه قباء مخروط الكمين فقال له شريح أتحسن أن توضأ قال نعم قال فاحسر عن ذراعيك فذهب يحسر عنهما فلم يستطع فقال له شريح قم فلا شهادة لك

Sección V10/P123–V10/P124

وإن أديا الشهادة على غير وجهها مثل أن يقولا بلغنا أن عليه ألفا أو سمعنا ذلك ردت شهادتهما وشهد رجل عند شريح فقال أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه حتى مات فقال شريح أتشهد أنه قتله قال أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه حتى مات قال أتشهد أنه قتله قال أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه حتى مات قال قم لا شهادة لك وإن كانت شهادة صحيحة عرف الحاكم عدالتهم قال للمشهود عليه قد شهدا عليك فإن كان عندك ما يقدح في شهادتهما فبينه عندي فإن سأل الإنظار أنظره اليومين والثلاثة فإن لم يجرح حكم عليه لأن الحق قد وضح على وجه لا إشكال فيه وإن ارتاب بشهادتهم فرقهم فسأل كل واحد عن شهادته وصفتها فيقول كنت أول من شهد أو كتبت أو لم تكتب وفي أي مكان شهدت وفي أي شهر وأي يوم وهل كنت وحدك أو معك غيرك فإن اختلفوا سقطت شهادتهم وإن اتفقوا بحث عن عدالتهم ويقال أو لمن فعل هذا دانيال ويقال فعله سليمان وهو صغير وروي عن علي رضي الله عنه أن سبعة نفر خرجوا ففقد واحد منهم فأتت زوجته عليا فدعا الستة فسألهم عنه فأنكروا ففرقهم وأقام كل واحد عند سارية ووكل به من يحفظه ودعا واحدا منهم فسأله فأنكر فقال الله أكبر فظن الباقون أنه قد اعترف فدعاهم فاعترفوا فقال للأول قد شهدوا عليك وأنا قاتلك فاعترف فقتلهم وإن لم يعرف عدالتهما بحث عنها فإن لم تثبت عدالتهما قال للمدعي زدني شهودا وإن تكن له بينة عرفه الحاكم أن لك يمينه وليس للحاكم أن يستحلفه قبل مسألة المدعي لأن اليمين حق له فلم يجز استيفاؤها من غير مطالبة مستحقها كنفس الحق فإن استحلفه من غير مسألة أو بادر المنكر فحلف لم يعتد بيمينه لأنه أتى بها في غير وقتها وإذا سألها المدعي أعادها له لأن الأولى لم تكن يمينه وإن أمسك المدعي عن إحلاف المدعى عليه ثم أراد إحلافه بالدعوى المتقدمة جاز لأنه لم يسقط حقه منها وإنما أخرها وإن قال أبرأتك من هذه اليمين سقط حقه منها في هذه الدعوى وله أن يستأنف الدعوى لأن حقه لا يسقط بالإبراء من اليمين فإن استأنف الدعوى فأنكر المدعى عليه فله أن يحلفه لأن هذه الدعوى غير الدعوى التي أبرأه فيها من اليمين فإن حلف سقطت الدعوى ولم يكن للمدعي أن يحلفه يمينا أخرى لا في هذا المجلس ولا في غيره وإن كان الحق لجماعة فرضوا بيمين واحد جاز وسقطت دعواهم باليمين لأنها حقهم ولأنه لما جاز ثبوت الحق ببينة واحدة لجماعة جاز سقوطه بيمين واحدة قال القاضي ويحتمل أن لا يصح حتى يحلف لكل واحد يمينا وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن اليمين حجة في حق الواحد فإذا رضي بها اثنان صارت الحجة في حق كل واحد منهما ناقصة والحجة الناقصة لا تكمل برضى الخصم كما لو رضي أن يحكم عليه بشاهد واحد والصحيح الأول لأن الحق لهما فإذا رضيا به جاز ولا يلزم من رضاهما بيمين واحدة أن يكون لكل واحد بعض اليمين كما أن الحقوق إذا قامت بها بينة واحدة لا يكون لكل حق بعض البينة فأما إن حلفه لجميعهم يمينا واحدة بغير رضاهم لم تصح يمينه بلا خلاف نعلمه وقد حكى الاصطخري أن إسماعيل بن إسحاق القاضي حلف رجلا بحق لرجلين يمينا واحدة فخطأه أهل عصره وإن قال المدعي لي بينة غائبة قال له الحاكم لك يمينه فإن شئت واحدة أن يكون لكل حق بعض البينة فأما إن حلفه لجميعهم يمينا واحدة بغير رضاهم لم تصح يمينه بلا خلاف نعلمه وقد حكى الاصطخري أن إسماعيل بن إسحاق القاضي حلف رجلا بحق لرجلين يمينا واحدة فخطأه أهل عصره

Sección V10/P124–V10/P125

وإن قال المدعي لي بينة غائبة قال له الحاكم لك يمينه فإن شئت فاستحلفه وإن شئت أخرته إلى أن تحضر بينتك وليس لك مطالبته بكفيل ولا ملازمته حتى تحضر البينة نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك فإن أحلفه ثم حضرت بينته حكم بها ولم تكن مزيلة للحق لأن اليمين إنما يصار إليها عند عدم البينة فإذا وجدت البينة بطلت اليمين وتبين كذبها وإن قال لي بينة حاضرة وأريد يمينه ثم أقيم بينتي لم يملك ذلك وقال أبو يوسف يستحلفه وإن نكل قضى عليه لأن في الاستحلاف فائدة وهو أنه ربما نكل فقضى عليه فأغنى عن البينة ولنا قوله عليه السلام شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك وأو للتخيير بين شيئين فلا يكون له الجمع بينهما ولأنه أمكن لفصل الخصومة بالبينة فلم يشرع غيرها مع إرادة المدعي إقامتها وحضروها كما لو لم يطلب يمينه ولأن اليمين بدل فلم يجب الجمع بينها وبين مبدلها كسائر الأبدال مع مبادلاتها وإن قال المدعي لا أريد إقامتها وإنما أريد يمينه أكتفي بها استحلف لأن البينة حقه فإذا رضي بإسقاطها وترك إقامتها فله ذلك كنفس الحق فإن حلف المدعى عليه ثم أراد المدعي إقامة بينته فهل يملك ذلك يحتمل وجهين أحدهما له ذلك لأن البينة لا تبطل بالاستحلاف كما لو كانت غائبة والثاني ليس له ذلك لأنه قد أسقط حقه من إقامتها ولأن تجويز إقامتها يفتح باب الحيلة لأنه يقول لا أريد إقامتها ليحلف خصمه ثم يقيمها فإن كان له شاهد واحد في الأموال عرفه الحاكم أن له أن يحلف مع شاهده ويستحق فإن قال لا أحلف أنا وأرضى بيمينه استحلف له فإذا حلف سقط الحق عنه فإن عاد المدعي بعدها فقال أنا أحلف مع شاهدي لم يستحلف ولم يسمع منه ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن اليمين فعله وهو قادر عليها فأمكنه أن يسقطها بخلاف البينة وإن عاد قبل أن يحلف المدعى عليه فبذل اليمين فقال القاضي ليس له ذلك في هذا المجلس وكل موضع قلنا يستحلف المدعى عليه فإن الحاكم يقول له إن حلفت وإلا جعلتك ناكلا وقضيت عليك ثلاثا فإن حلف وإلا حكم عليه بنكوله إذا سأله المدعي ذلك فإن سكت عن جواب الدعوى فلم يقر ولم ينكر حبسه الحاكم حتى يجيب ولا يجعله بذلك ناكلا ذكره القاضي في المجرد وقالأبو الخطاب يقول له الحاكم إن أجبت وإلا جعلتك ناكلا وحكمت عليك ويكرر ذلك عليه فإن أجاب وإلا جعله ناكلا وحكم عليه لأنه ناكل عما توجه عليه الجواب فيه فيحكم عليه بالنكول عنه كاليمين مسألة قال ( وإذا حكم على رجل في عمل غيره فكتب بإنفاذ القضاء عليه إلى قاضي ذلك البلد قبل كتابه وأخذ المحكوم عليه بذلك الحق ) ثم الأصل في كتاب القاضي إلى القاضي والأمير إلى الأمير الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين النمل 29 31 وأما السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وملوك الأطراف وكان يكتب إلى ولاته ويكتب لعماله وسعاته وكان في كتابه إلى قيصر بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى قيصر عظيم الروم أما بعد فأسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرا عظيما فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم وروى الضحاك بن سفيان قال كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها وأجمعت الأمة على كتاب القاضي إلى القاضي ولأن الحاجة إلى قبوله داعية فإن من له حق في غير بلده ولا يمكنه إتيانه والمطالبة به إلا بكتاب القاضي فوجب قبوله

Sección V10/P125–V10/P126

وإذا ثبت هذا فإن كتاب القاضي يقبل في الأموال وما يقصد به المال ولا يقبل في الحدود كحق الله تعالى وهل يقبل فيما عدا هذا على وجهين وبهذا قال أصحاب الرأي وقال أصحاب الشافعي يقبل في كل حق لآدمي من الجراح وغيرها وهل يقبل في الحدود التي لله تعالى على قولين وتمام الكلام في هذا الفصل يذكر في الشهادة على الشهادة إن شاء الله تعالى والكتاب على ضربين أحدهما أن يكتب بما حكم به وذلك مثل أن يحكم على رجل بحق فيغيب قبل إيفائه أو يدعي حقا على غائب ويقيم به بينة ويسأل الحاكم الحكم عليه فيحكم عليه ويسأله أن يكتب له كتابا يحمله إلى قاضي البلد الذي فيه الغائب فيكتب له إليه أو تقوم البينة على حاضر فيهرب قبل الحكم عليه فيسأل صاحب الحق الحاكم الحكم عليه وأن يكتب له كتابا بحكمه ففي هذه الصور الثلاث يلزم الحاكم إجابته إلى الكتابة ويلزم المكتوب إليه قبوله سواء كانت بينهما مسافة بعيدة أو قريبة حتى لو كانا في جانبي بلد أو مجلس لزمه قبوله وإمضاؤه سواء كان حكما على حاضر أو غائب لا نعلم في هذا خلافا لأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حاكم الضرب الثاني أن يكتب بعلمه بشهادة شاهدين عنده بحق لفلان مثل أن تقوم البينة عنده بحق لرجل على آخر ولم يحكم به فيسأله صاحب الحق أن يكتب له كتابا بما حصل عنده فإنه يكتب له أيضا قال القاضي ويكون في كتابه شهد عندي فلان وفلان بكذا وكذا ليكون المكتوب إليه هو الذي يقضي به ولا يكتب ثبت عندي لأن قوله ثبت عندي حكم بشهادتهما فهذا لا يقبله المكتوب إليه إلا في المسافة البعيدة التي هي مسافة القصر ولا يقبله فيما دونها لأنه نقل شهادة فاعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة على الشهادة ونحو هذا قول الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد يجوز أن يقبله في بلده وحكي عن أبي حنيفة مثل هذا وقال بعض المتأخرين من أصحابه الذي يقتضيه مذهبه أنه لا يجوز ذلك في الشهادة على الهشادة واحتج من أجازه بأنه كتاب الحاكم بما ثبت عنده فجاز قبوله مع القرب ككتابه بحكمه ولنا أن ذلك نقل الشهادة إلى المكتوب إليه فلم يجز مع القرب كالشهادة على الشهادة ويفارق كتابه بالحكم فإن ذلك ليس بنقل وإنما هو خبر وكل موضع يلزمه قبول الكتاب فإنه يأخذ المحكوم عليه بالحق الذي حكم عليه به فيبعث إليه فيستدعيه فإن اعترف بالحق أمره بأدائه وألزمه إياه وإن قال لست المسمى في هذا الكتاب فالقول قوله مع يمينه إلا أن يقيم المدعي بينة أنه المسمى في الكتاب إن اعترف أن هذا الاسم اسمه والنسب نسبه والصفة صفته إلا أن الحق ليس هو عليه إنما هو على الآخر يشاركه في الاسم والنسب والصفة فالقول قول المدعي في نفي ذلك لأن الظاهر عدم المشاركة في هذا كله فإن أقام المدعى عليه بينة بما ادعاه من وجود مشارك له في هذا كله أحضره الحاكم وسأله وكتب إلى الحاكم الكاتب يعلمه الحال وما وقع من الإشكال حتى يحضر الشاهدين فيشهدا عنده بما يتميز به المشهود عليه منهما وإن ادعى المسمى أنه كان في البلد من يشاركه في الاسم والصفة وقد مات نظرنا فإن كان موته قبل وقوع المعاملة التي وقع الحكم بها أو كان ممن لم يعاصره المحكوم عليه أو المحكوم له لم يقع إشكال وكان وجوده كعدمه وإن كان موته بعد الحكم أو بعد المعاملة وكان ممن أمكن أن تجري بينه وبين المحكوم له معاملة فقد وقع الإشكال كما لو كان حيا لجواز أن يكون الحق على الذي مات

Sección V10/P126–V10/P128

فصل وإذا كتب الحاكم بثبوت بينة أو إقرار بدين جاز وحكم به المكتوب إليه أخذ المحكوم عليه به وإن كان ذلك عينا كعقار محدود أو عين مشهودة لا تشتبه بغيرها كعبد معروف مشهود أو دابة كذلك حكم به المكتوب إليه أيضا وألزم تسليمه إلى المحكوم له به وإن كان عينا لا تتميز إلا بالصفة كعبد غير مشهود أو غيره من الأعيان التي لا تتميز إلا بالوصف ففيه وجهان أحدهما لا يقبل كتابه وبه قالأبو حنيفة وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن الوصف لا يكفي بدليل أنه لا يصح أن يشهد لرجل بالوصف والتحلية كذلك المشهود به والثاني يجوز لأنه ثبت في الذمة بالعقد على هذه الصفة فأشبه الدين ويخالف المشهود له فإنه لا حاجة إلى ذلك فيه فإن الشهادة له لا تثبت إلا بعد دعواه ولأن المشهود عليه يثبت بالصفة والتلحية فكذلك المشهود به فعلى هذا الوجه ينفذ العين مختومة وإن كان عبد أو أمة ختم في عنقه وبعثه إلى القاضي الكاتب ليشهد الشاهدان على عينه فإن شهدا عليه دفع إلى المشهود له به وإن لم يشهدا على عينه أو قال المشهود به غير هذا وجب على آخذه رده إلى صاحبه ويكون حكمه حكم المغصوب في ضمانه وضمان نقصه ومنفعته فيلزمه أجره إن كان له أجر من يوم أخذه إلى أن يصل إلى صاحبه لأنه أخذه من صاحبه قهرا بغير حق فصل ومن استوفى الحق من المحكوم عليه فقال للحاكم عليه اكتب لي محضرا بما جرى لئلا يلقاني خصمي في موضع آخر فيطالبني به مرة أخرى ففيه وجهان أحدهما تلزمه إجابته ليخلص من المحذور الذي يخافه والثاني لا تلزمه لأن الحاكم إنما يكتب بما ثبت عنده أو حكم به فأما استئناف ابتداء فيكفيه فيه الإشهاد فيطالبه أن يشهد على نفسه بقبض الحق لأن الحق ثبت عليه بالشهادة والأول أصح لأنه قد حكم عليه بهذا الحق ويخاف الضرر بدون المحضر فأشبه ما حكم به ابتداء وإن طالب المحكوم له بدفع الكتاب الذي ثبت به الحق لم يلزمه دفعه إليه لأنه ملكه فلا يجب عليه دفعه إلى غيره وكذلك كل من له كتاب بدين فاستوفاه أو عقار فباعه لا يلزمه دفع الكتاب لأنه ملكه ولأنه يجوز أن يخرج ما قبضه مستحقا فيعود إلى ماله فصل ويقبل الكتاب من قاضي مصر إلى قاضي مصر وإلى قاضي قرية ومن قاضي قرية إلى قاضي قرية وقاضي مصر ومن القاضي إلى خليفته ومن خليفته إليه لأنه كتاب من قاض إلى قاض فأشبه ما لو استويا ويجوز أن يكتب إلى قاض معين وإلى من وصله كتابي من قضاة المسلمين وحكامهم من غير تعيين ويلزم من وصله قبوله وبهذا قال أبو ثور واستحسنه أبو يوسف وقال أبو حنيفة لا يجوز أن يكتب إلى غير معين ولنا أنه كتاب حاكم من ولايته وصل إلى حاكم فلزمه قبوله كما لو كان الكتاب إليه بعينه فصل فصل وصفة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم سبب هذا الكتاب أطال الله بقاء من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم أنه ثبت عندي في مجلس حكمي وقضائي الذي أتولاه بمكان كذا وإن كان نائبا قال الذي أنوب فيه عن القاضي فلان بمحضر من خصمين مدع ومدعى عليه جاز استماع الدعوى منهما وقبول البينة من أحدهما على الآخر بشهادة فلان وفلان وهما من الشهود المعدلين عندي وعرفتهما وقبلت شهادتهما بما رأيت معه قبولها معرفة فلان بن فلان الفلاني بعينه واسمه ونسبه فإن كان في إثبات أسر أسير قال وإن الفرنج خذلهم الله أسروه بمكان كذا في وقت كذا وأخذوه إلى مكان كذا وهو مقيم تحت موطنهم أبادهم الله وأنه رجل فقير من فقراء المسلمين ليس له شيء من الدنيا ولا يقدر على فكاك نفسه ولا على شيء منه وأنه مستحق للصدقة على ما يقتضيه كتاب المحضر المشار إليه المتصل أوله بآخر كتابي هذا المؤرخ بكذا

Sección V10/P128–V10/P129

وإن كان في إثبات دين كتب وأنه استحق في ذمة فلان بن فلان الفلاني ويرفع في نسبه ويصفه بما يتميز به من الدين وكذا وكذا دينا عليه حالا وحقا واجبا لازما وأنه يستحق مطالبته واستيفاءه منه وإن كان في إثبات عين كتب وأنه مالك لما في يدي فلان من الشيء الفلاني ويصفه صفة يتميز بها مستحق لأخذه وتسليمه على ما يقتضيه كتاب المحضر المتصل بآخر كتابي هذا المؤرخ بتاريخ كذا وقال الشاهدان المذكوران أنهما بما شهدا به عالمان وله محققان وأنهما لا يعلمان خلاف ما شهدا به إلى حين أقاما الشهادة عندي فأمضيت ما ثبت عندي من ذلك وحكمت بموجبه بسؤال من جازت مسألته وسألني من جاز سؤاله وسوغت الشريعة المطهرة إجابته المكاتبة بذلك إلى القضاة والحكام فأوجبته إلى ملتمسه لجوازه له شرعا وتقدمت بهذا الكتاب فكتب وبإلصاق المحضر المشار إليه فألصق فمن وقف عليهم منهم وتأمل ما ذكرته وتصفح ما سطرته واعتمد في إنفاذه والعمل بموجب الشرع المطهر أحرز من الأجر أجزله وكتب من مجلس الحكم المحروس من مكان كذا في وقت كذا ولا يشترط أن يذكر القاضي اسمه في العنوان ولا ذكر اسم المكتوب إليه في باطنه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا لم يذكر اسمه فلا يقبل لأن الكتاب ليس إليه ولا يكفي ذكر اسمه في العنوان دون باطنه لأن ذلك لم يقع على وجه المخاطبة ولنا إن المعول فيه على شهادة الشاهدين على القاضي الكاتب بالحكم وذلك لا يقدح فيها ولو ضاع الكتاب أو امتحي سمعت شهادتهما وحكم بها مسألة قال ( ولا يقبل الكتاب إلا بشهادة عدلين يقولان قرأه علينا أو قرىء عليه بحضرتنا فقال اشهدا علي أنه كتابي إلى فلان ) وجملته أنه يشترط لقبول كتاب القاضي شروط ثلاثة أحدها أن يشهد به شاهدان عدلان ولا يكفي معرفة المكتوب إليه خط الكاتب وختمه ولا يجوز له قبوله بذلك في قول أئمة الفتوى وحكي عن الحسن وسوار والعنبري أنهم قالوا إذا كان يعرف خطه وختمه قبله وهو قول أبي ثور والاصطخري ويتخرج لنا مثله بناء على قوله في الوصية إذا وجدت بخطه لأن ذلك تحصل به غلبة الظن فأشبه شهادة الشاهدين ولنا أن ما أمكن إثباته بالشهادة لم يجز الإقتصار فيه على الظاهر كإثبات العقود ولأن الخط يشبه الخط والختم يمكن التزوير عليه ويمكن الرجوع إلى الشهادة فلم يعول على الخط كالشاهد لا يعول في الشهادة على الخط وفي هذا انفصال عما ذكروه إذا ثبت هذا فإن القاضي إذا كتب الكتاب دعا رجلين يخرجان إلى البلد الذي فيه القاضي المكتوب إليه فيقرأ عليهما الكتاب أو يقرؤه غيره عليهما والأحوط أن ينظرا معه فيما يقرؤه فإن لم ينظرا جاز لأنه لا يستقرأ إلا ثقة فإذا قرىء عليهما قال اشهدا على أن هذا كتابي إلى فلان وإن قال اشهدا علي بما فيه كان أولى وإن اقتصر على قوله هذا كتابي إلى فلان فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزىء لأنه يحملهما الشهادة فاعتبر فيه أن يقول اشهدا علي كالشهادة على الشهادة وقال القاضي يجزىء وهو مذهب الشافعي ثم إن كان ما في الكتاب قليلا اعتمد على حفظه وإن كثر فلم يقدرا على حفظه كتب كل واحد منهما مضمونه وقابل بها لتكون معه يذكر بها ما يشهد به ويقبضان الكتاب قبل أن يغيبا لئلا يدفع إليهما غيره فإذا وصل الكتاب معهما إليه قرأه الحاكم أو غيره عليهما فإذا سمعاه قالا نشهد أن هذا كتاب فلان القاضي إليك أشهدنا على نفسه بما فيه لأنه قد يكون كتابه غير الذي أشهدهما عليه قال أبو الخطالب ولا يقبل إلا أن يقولا نشهد أن هذا كتاب فلان لأنها أداء شهادة فلا بد فيها من لفظ الشهادة ويجب أن يقولا من عمله لأن الكتاب لا يقبل إلا إذا وصل من مجلس عمله وسواء وصل الكتاب مختوما أو غير مختوم مقبولا أو غير مقبول لأن الاعتماد على شهادتهما لا على الخط والختم

Sección V10/P129–V10/P130

فإن امتحي الكتاب وكانا يحفظان ما فيه جاز لهما أن يشهدا بذلك وإن لم يحفظا ما فيه لم تمكنهما الشهادة وقالأبو حنيفة وأبو ثور لا يقبل الكتاب حتى يشهد شاهدان على ختم القاضي ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابا إلى قيصر ولم يختمه فقيل له إنه لا يقرأ كتابا غير مختوم فاتخذ الخاتم واقتصاره على الكتاب دون الختم دليل على أن الختم ليس بشرط في القبول وإنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ليقرؤوا كتابه ولأنهما شهدا بما في الكتاب وعرفا ما فيه فوجب قبوله كما لو وصل مختوما وشهدا بالختم إذا ثبت هذا فإنه إنما يعتبر ضبطهما لمعنى الكتاب وما يتعلق به الحكم قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن قوم شهدوا على صحيفة وبعضهم ينظر فيها وبعضهم لا ينظر قال إذا حفظ فليشهد قيل كيف يحفظ وهو كلام كثير قال يحفظ ما كان عليه الكلام والوضع قلت يحفظ المعنى قال نعم قيل له والحدود والثمن وأشباه ذلك قال نعم ولو أدرج الكتاب وختمه قال هذا كتابي اشهدا علي بما فيه أو قد أشهدتكما على نفسي بما فيه لم يصح هذا التحمل وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو يوسف إذا ختمه بختمه وعنوانه جاز أن يتحملا الشهادة عليه مدرجا فإذا وصل الكتاب شهدا عنده أنه كتاب فلان ويتخرج لنا مثل هذا لأنهما شهدا بما في الكتاب فجاز وإن لم يعلما تفصيله كما لو شهدا لرجل بما في هذا الكيس من الدراهم جازت الشهادة وإن لم يعرفا قدرها ولنا إنهما شهدا بمجهول لا يعلمانه فلم تصح شهادتهما كما لو شهدا أن لفلان على فلان مالا وفارق ما ذكره فإن تعيينه الدراهم التي في الكيس أغنى عن معرفة قدرها وها هنا الشهادة على ما في الكتاب دون الكتاب وهما لا يعرفانه الشرط الثاني أن يكتبه القاضي من موضع ولايته وحكمه فإن كتبه من غير ولايته لم يسغ قبوله لأنه لا يسوغ له في غير ولايته حكم فهو فيه كالعامي الشرط الثالث أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه في موضع ولايته فإن وصله في غيره لم يكن له قبوله حتى يصير إلى موضع ولايته ولو ترافع إليه خصمان في غير موضع ولايته لم يكن له الحكم بينهما بحكم ولايته إلا أن يتراضيا به فيكون حكمه حكم غير القاضي إذا تراضيا به وسواء كان الخصمان من أهل عمله أو لم يكونا ولو ترافع إليه خصمان وهو في موضع ولايته من غير أهل ولايته كان له الحكم بينهما لأن الاعتبار بموضعهما إلا أن يأذن الإمام لقاض أن يحكم بين أهل ولايته حيث كانوا ويمنعه من الحكم بين غير أهل ولايته حيثما كان فيكون الأمر على ما أذن فيه ومنع منه لأن الولاية بتوليته فيكون الحكم على وفقها فصل في تغيير حال القاضي ولا يخلو من أن يتغير حال الكاتب أو المكتوب إليه أو حالهما معا فإن تغيرت حال الكاتب بموت أو عزل بعد أن كتب الكتاب وأشهد على نفسه لم يقدح في كتابه وكان على من وصله الكتاب قبوله والعمل به سواء تغيرت حاله قبل خروج الكتاب من يده أو بعده وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يعمل به في الحالين وقالأبو يوسف إن مات قبل خروجه من يده لم يعمل به وإن مات بعد خروجه من يده عمل به لأن كتاب الحاكم بمنزلة الشهادة على الشهادة لأنه ينقل شهادة شاهدي الأصل فإذا مات قبل وصول الكتاب صار بمنزلة موت شاهدي الفرع قبل أداء شهادتهما

Sección V10/P130–V10/P132

ولنا أن المعول في الكتاب على الشاهدين اللذين يشهدان على الحاكم وهما حيان فيجب أن يقبل كتابه كما لو لم يمت ولأن كتابه إن كان فيما حكم به فحكمه لا يبطل بموته وعزله وإن كان فيما ثبت عنده بشهادة فهو أصل واللذان شهدا عليه فرع ولا تبطل شهادة الفرع بموت شاهد الأصل وما ذكروه حجة عليهم لأن الحاكم قد أشهد على نفسه وإنما يشهد عند المكتوب إليه شاهدان عليه وهما حيان وهما شاهدا الفرع وليس موته مانعا من شهادتهما فلا يمنع قبولها كموت شاهدي الأصل وإن تغيرت حاله بفسق قبل الحكم بكتابته لم يجز الحكم به لأن حكمه بعد فسقه لا يصح فكذلك لا يجوز الحكم بكتابه ولأن بقاء عدالة شاهدي الأصل شرط في صحة الحكم بشاهدي الفرع فكذلك بقاء عدالة الحاكم لأنه بمنزلة شاهدي الأصل فإن فسق بعد الحكم بكتابه لم يتغير كما لو حكم بشيء ثم بان فسقه فإنه لا ينقض ما مضى من أحكامه كهذا هنا وأما إن تغيرت حال المكتوب إليه بأي حال كان من موت أو عزل أو فسق فلمن وصل إليه الكتاب ممن قام مقامه قبول الكتاب والعمل به وبه قال الحسن حكي عنه أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس بن معاوية قاضي البصرة كتب كتابا فوصل وقد عزل وولي الحسن فعمل به وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يعمل به لأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة عند المكتوب إليه وإذا شهد شاهدان عند قاض لم يحكم بشهادتهما غيره ولنا إن المعول على شهادة الشاهدين بحكم الأول أو ثبوت الشهادة عنده وقد شهدا عند الثاني فوجب أن يقبل كالأول وقولهم إنه شهادة عند الذي مات ليس بصحيح فإن الحاكم الكاتب ليس بفرع ولو كان فرعا لم يقبل وحده وإنما الفرع الشاهدان اللذان شهدا عليه وقد أديا الشهادة عند المتجدد ولو ضاع الكتاب فشهدا بذلك عند الحاكم المكتوب إليه قبل فدل ذلك على أن الاعتبار بشهادتهما دون الكتاب وقياس ما ذكرناه أن الشاهدين لو حملا الكتاب إلى غير المكتوب إليه في حال حياته وشهدا عنده عمل به لما بيناه وإن كان المكتوب إليه خليفة للكاتب فمات الكاتب أو عزل انعزل المكتوب إليه لأن نائب عنه فينعزل بعزله وموته كولائه وقال بعض أصحاب الشافعي لا ينعزل خليفته كما لا ينعزل القاضي الأصلي بموت الإمام ولا عزله ولنا ما ذكرناه ويفارق الإمام لأن الإمام يعقد القضاء والإمارة للمسلمين فلم يبطل ما عقده لغيره كما لو مات الولي في النكاح لم يبطل النكاح ولهذا ليس للإمام أن يعزل القاضي من غير تغير حاله ولا ينعزل إذا عزله بخلاف نائب الحاكم فإنه تنعقد ولايته لنفسه نائبا عنه فملك عزله ولأن القاضي لو انعزل بموت الإمام لدخل الضرر على المسلمين لأنه يفضي إلى عزل القضاة في جميع بلاد المسلمين وتتعطل الأحكام وإذا ثبت أنه لا ينعزل فليس له قبول الكتاب لأنه حينئذ ليس بقاض مسألة قال ( ولا تقبل الترجمة عن أعجمي تحاكم إليه إذا لم يعرف لسانه إلا من عدلين يعرفان لسانه ) وجملته أنه إذا تحاكم إلى القاضي العربي أعجميان لا يعرف لسانهما أو أعجمي وعربي فلا بد من مترجم عنهما ولا تقبل الترجمة إلا من اثنين عدلين وبهذا قالالشافعي وعن أحمد رواية أخرى أنها تقبل من واحد وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز وابن المنذر وقول أبي حنيفة وقال ابن المنذر في حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب يهود قال فكنت أكتب له إذا كتب إليهم وأقرأ له إذا كتبوا ولأنه مما لا يفتقر إلى لفظ الشهادة فأجزأ فيه الواحد كأخبار الديانات ولنا إنه نقل ما خفي على الحاكم إليه فيما يتعلق بالمتخاصمين فوجب فيه العدد كالشهادة ويفارق أخبار الديانات فإنها لا تتعلق بالمتخاصمين ولا نسلم أنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة ولأن ما لا يفهمه الحاكم وجوده عنده كعدم يتعلق بالمتخاصمين كنقل الإقرار إليه من غير مجلسه ولا يقبل ذلك إلا من شاهدين

Sección V10/P132–V10/P133

كذا ها هنا فعلى هذه الرواية تكون الترجمة شهادة تفتقر إلى العدد والعدالة ويعتبر فيها من الشروط ما يعتبر في الشهادة على الإقرار بذلك الحق فإن كان مما يتعلق بالحدود والقصاص اعتبر فيه الحرية ولم يكف إلا شاهدان ذكران وإن كان مما لا يتعلق بها كفى فيه ترجمة رجل وامرأتين ولم تعتبر الحرية فيه وإن كان في حد زنا خرج في الترجمة فيه وجهان أحدهما لا يكفي فيه أقل من أربعة رجال أحرار عدول والثاني يكفي فيه اثنان بناء على الروايتين في الشهادة على الإقرار به ويعتبر فيه لفظ الشهادة لأنه شهادة وإن قلنا يكفي فيه واحد فلا بد من عدالته ولا تقبل من كافر ولا فاسق وتقبل من العبد لأنه من أهل الشهادة والرواية وقال أبو حنيفة لا تقبل من العبد لأنه ليس من أهل الشهادة ولنا إنه خبر يكفي فيه قول الواحد فيقبل فيه خبر العبد كأخبار الديانات ولا نسلم أن هذه شهادة ولا أن العبد ليس من أهل الشهادة ولا يعتبر فيه لفظ الشهادة كالرواية وعلى هذا الأصل ينبغي أن تقبل ترجمة المرأة إذا كانت من أهل العدالة لأن روايتها مقبولة فصل والحكم في التعريف والرسالة والجرح والتعديل كالحكم في الترجمة وفيها من الخلاف ما فيها ذكره الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب وقد ذكرنا الجرح والتعديل فيما مضى مسألة قال ( وإذا عزل فقال كنت حكمت في ولايتي لفلان على فلان بحق قبل قوله وأمضى ذلك الحق ) وبهذا قال إسحاق قال أبو الخطاب ويحتمل أن لا يقبل قوله وقول القاضي في فروع هذه المسألة يقتضي أن لا يقبل قوله ها هنا وهو قول أكثر الفقهاء لأن من لا يملك الحكم لا يملك الإقرار به كمن أقر بعتق عبد بعد بيعه ثم اختلفوا فقال الأوزاعي وابن المنذر وابن أبي ليلى هو بمنزلة الشاهد إذا كان معه شاهد آخر قبل وقال أصحاب الرأي لا يقبل إلا شاهدان سواه يشهدان بذلك وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن شهادته على فعل نفسه لا تقبل ولنا إنه لو كتب إلى غيره ثم عزل ووصل الكتاب بعد عزله لزم المكتوب إليه قبول كتابه بعد عزل كاتبه فكذلك ها هنا ولأنه أخبر بما حكم به وهو غير متهم فيجب قبوله كحال ولايته فصل فأما إن قال في ولايته كنت حكمت لفلان بكذا قبل قوله سواء قال قضيت عليه بشاهدين عدلين أو قال سمعت بينته وعرفت عدالتهم أو قال قضيت عليه بنكوله أو قال أقر عندي فلان لفلان بحق فحكمت به وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وحكي عن محمد بن الحسن أنه لا يقبل حتى يشهد معه رجل عادل لأن فيه إخبارا بحق على غيره فلم يقبل قول واحد كالشهادة ولنا إنه يملك كالحكم فملك الإقرار به كالزوج إذا أخبر بالطلاق والسيد إذا أخبر بالعتق ولأنه لو أخبر أنه أخبر أنه رأى كذا وكذا فحكم به قبل كذا ها هنا وفارق الشهادة فإن الشاهد لا يملك إثبات ما أخبر به فأما إن قال حكمت بعلمي أو بالنكول أو بشاهد يمين في الأموال فإنه يقبل أيضا وقال الشافعي لا يقبل قوله في القضاء بالنكول وينبني قوله حكمت بعلمي على القولين في جواز القضاء بعلمه لأنه لا يملك الحكم بذلك فلا يملك الإقرار به ولنا إنه أخبر بحكمه فيما لو حكم به لنفذ حكمه فوجب قبوله كالصور التي تقدمت ولأنه حاكم أخبر بحكمه في ولايته فوجب قبوله كالذي سلمه ولأن الحاكم إذا حكم في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد لم يسغ نقض حكمه ولزم غيره إمضاؤه والعمل به فصار بمنزلة الحكم بالبينة العادلة ولا نسلم ما ذكره وإن قال حكمت لفلان على فلان بكذا ولم يضف حكمه إلى بينة ولا غيرها وجب قبوله وهو ظاهر مسألة الخرقي فإنه لم يذكر ما ثبت به الحكم وذلك لأن الحاكم متى ما حكم بحكم يسوغ فيه الاجتهاد وجب قبوله وصار بمنزلة ما أجمع عليه

Sección V10/P133–V10/P134

فصل وإذا أخبر القاضي بحكمه في غير موضع ولايته فظاهر كلام الخرقي أن قوله مقبول وخبره نافذ لأنه إذا قبل قوله بحكمه بعد العزل وزوال ولايته بالكلية فلأن يقبل مع بقائها في غير موضع ولايته أولى وقال القاضي لا يقبل قوله وقال لو اجتمع قاضيان في غير ولايتهما كقاضي دمشق وقاضي مصر اجتمعا في بيت المقدس فأخبر أحدهما الآخر بحكم حكم به أو شهادة ثبتت عنده لم يقبل أحدهما قول صاحبه ويكونان كشاهدين أخبر أحدهما الآخر بما عنده وليس له أن يحكم به إذا رجع إلى عمله لأنه خبر من ليس بقاض في موضعه وإن كانا جميعا في عمل أحدهما كأنهما اجتمعا جميعا في دمشق فإن قاضي دمشق لا يعمل بما أخبره به قاضي مصر لأنه يخبره به في غيره غمله وهل يعمل قاضي مصر بما أخبره به قاضي دمشق إذا رجع إلى مصر فيه وجهان بناء على القاضي هل له أن يقضي بعلمه على روايتين لأن قاضي دمشق أخبره به في عمله ومذهب الشافعي في هذا كقول القاضي ها هنا فصل إذا ولى الإمام قاضيا ثم مات لم ينعزل لأن الخلفاء رضي الله عنهم ولوا حكاما في زمنهم فلم ينعزلوا بموتهم ولأن في عزله بموت الإمام ضررا على المسلمين فإن البلدان تتعطل من الحكام وتقف أحكام الناس إلى أن يولي الإمام الثاني حاكما وفيه ضرر عظيم وكذلك لا ينعزل القاضي إذا عزل الإمام لما ذكرنا فأما إن عزله الإمام الذي ولاه أو غيره ففيه وجهان أحدهما لا ينعزل وهو مذهب الشافعي لأنه عقده لمصلحة المسلمين فلم يملك عزله مع سداد حاله كما لو عقد النكاح على موليته لم يكن له فسخه والثاني له عزله لما روي عنعمر رضي الله عنه أنه قال لأعزلن أبا مريم وأولين رجلا إذا رآه الفاجر فرقه فعزله عن قضاء البصرة وولي كعب بن سوار مكانه وولي علي رضي الله عنه أبا الأسود ثم عزله فقال لم عزلتني وما خنت ولا جنيت فقال إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين ولأنه يملك عزل أمرائه وولاته على البلدان فكذلك قضاته وقد كان عمر رضي الله عنه يولي ويعزل فعزل شرحبيل بن حسنة عن ولايته في الشام وولى معاوية فقال له شرحبيل أمن جبن عزلتني أو خيانة قال من كل لا ولكن أردت رجلا أقوى من رجل وعزل خالد بن الوليد وولى أبا عبيدة وقد كان يولي بعض الولاة الحكم مع الإمارة فولي أبا موسى البصرة قضاءها وإمرتها ثم كان يعزلهم هو ومن لم يعزله عزله عثمان بعده إلا القليل منهم فعزل القاضي أولى ويفارق عزله بموت من ولاه أو عزله لأن فيه ضررا وها هنا لا ضرر فيه لأنه لا يعزل قاضيا حتى يولي آخر مكانه ولهذا لا ينعزل الوالي بموت الإمام وينعزل بعزله وقد ذكر أبو الخطاب في عزله بالموت أيضا وجهين والأولى إن شاء الله تعالى ما ذكرناه فأما إن تغيرت حال القاضي بفسق أو زوال عقل أو مرض يمنعه من القضاء أو اختل فيه بعض شروطه فإنه ينعزل بذلك ويتعين على الإمام عزله وجها واحدا فصل وللإمام تولية القضاء في بلده وغيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولى عمر بن الخطاب القضاء وولي عليا ومعاذا وقال عثمان بن عفان لابن عمر إن أباك قد كان يقضي وهو خير منك قال إن أبي قد كان يقضي وإن أشكل عليه شيء سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث رواه عمر بن شبة في كتاب قضاة البصرة

Sección V10/P134–V10/P135

وروى سعيد في سننه عن عمرو بن العاص قال جاء خصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي يا عمرو اقض بينهما قلت أنت أولى بذلك مني يا رسول الله قال إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة وعن عقبة بن عامر مثله ولأن الإمام يشتغل بأشياء كثيرة من مصالح المسلمين فلا يتفرغ للقضاء بينهم فإذا ولي قاضيا استحب أن يجعل له أن يستخلف لأنه قد يحتاج إلى ذلك فإذا أذن له في الإستخلاف جاز له بلا خلاف نعلمه وإن نهاه عنه لم يكن له أن يستخلف لأن ولايته بإذنه فلم يكن له ما نهاه عنه كالوكيل وإن أطلق فله الاستخلاف ويحتمل أن لا يكون له ذلك ولأنه يتصرف بالإذن فلم يكن له ما لم يأذن فيه كالوكيل ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان ووجه الأول أن الغرض من القضاء الفصل بين المتخاصمين فإذا فعله بنفسه أو بغيره جاز كما لو أذن له ويفارق التوكيل لأن الإمام يولي القضاء للمسلمين لا لنفسه بخلاف التوكيل فإن استخلف في موضع ليس له الاستخلاف فحكمه حكم من لم يول فصل ويجوز أن يولي قاضيا عموم النظر في خصوص العمل فيقلده النظر في جميع الأحكام في بلد بعينه فينفذ حكمه فيمن سكنه ومن أتى إليه من غير سكانه ويجوز أن يقلده خصوص النظر في عموم العمل فيقول جعلت إليك الحكم في المداينات خاصة في جميع ولايتي ويجوز أن يجعل حكمه في قدر من المال نحو أن يقول احكم في المائة فما دونها فلا ينفذ حكمه في أكثر منها ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل وخصوص النظر في خصوص العمل ويجوز أن يولي قاضيين وثلاثة في بلد واحد يجعل لكل واحد عملا فيولي أحدهم عقود الأنكحة والآخر الحكم في المداينات وآخر النظر في العقار ويجوز أن يولي كل واحد منهم عموم النظر في ناحية من نواحي البلد فإن قلد قاضيين أو أكثر عملا واحدا في مكان واحد ففيه وجهان أحدهما لا يجوز اختاره أبو الخطاب وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه يؤدي إلى إيقاف الحكم والخصومات لأنهما يختلفان في الاجتهاد ويرى أحدهما ما لا يرى الآخر والآخر يجوز ذلك وهو قول أصحاب أبي حنيفة وهو أصح إن شاء الله تعالى لأنه يجوز أن يستخلف في البلدة التي هو فيها فيكون فيها قاضيان فجاز أن يكون فيها قاضيان أصليان ولأن الغرض فصل الخصومات وإيصال الحق إلى مستحقه وهذا يحصل فأشبه القاضي ولأنه يجوز للقاضي أن يستخلف خليفتين في موضع واحد فالإمام أولى لأن توليته أقوى وقولهم يفضي إلى إيقاف الحكومات غير صحيح فإن كل حاكم يحكم باجتهاده بين المتخاصمين إليه وليس للآخر الاعتراض عليه ولا نقض حكمه فيما خالف اجتهاده فصل وإذا قال الإمام من نظر في الحكم من فلان وفلان فقد وليته لم تنعقد الولاية لمن نظر لأنه علقها على شرط ولم يعين بالولاية أحدا منهم ويحتمل أن تنعقد الولاية لمن نظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أميركم زيد فإن قتل فأميركم جعفر فإن قتل فأميركم عبد الله بن رواحة فعلق ولاية الإمارة على شرط فكذلك ولاية الحكم وإن قال وليت فلانا وفلانا فأيهما نظر فهو خليفتي انعقدت الولاية لمن نظر منهم لأنه عقد الولاية لهما جميعا فصل ولا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا لأن الله تعالى قال فاحكم بين الناس بالحق ص 26 والحق لا يتعين في مذهب وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط وفي فساد التولية وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع

Sección V10/P135–V10/P136

فصل وإن فوض الإمام إلى إنسان تولية القضاء جاز لأنه يجوز أن يتولى ذلك فجاز له التوكيل فيه كالبيع وإن فوض إليه اختيار قاض جاز ولا يجوز له اختيار نفسه ولا والده ولا ولده كما لو وكله في الصدقة بما لم يجز له أخذه ولا دفعه إلى هذين ويحتمل أنه يجوز له اختيارهما إذا كانا صالحين للولاية لأنهما يدخلان في عموم من أذن له في الاختيار منه مع أهليتهما فأشبها الأجانب فصل وليس للحاكم أن يحكم لنفسه كما لا يجوز أن يشهد لنفسه فإن عرضت له حكومة مع بعض الناس جاز أن يحاكمه إلى بعض خلفائه أو بعض رعيته فإن عمر حاكم أبيا إلى زيد وحاكم رجلا عراقيا إلى شريح وحاكم علي اليهودي إلى شريح وحاكم عثمان طلحة إلى جبير بن مطعم فإن عرضت حكومة لوالديه أو ولده أو من لا تقبل شهادته له ففيه وجهان أحدهما لا يجوز له الحكم فيها بنفسه وإن حكم له لم ينفذ حكمه وهذا قول أبي حنيفة والشافعي لأنه لا تقبل شهادته له فلم ينفذ حكمه له كنفسه والثاني ينفذ حكمه اختاره أبو بكر وهو قول أبي يوسف وابن المنذر وأبي ثور لأنه حكم لغيره أشبه الأجانب وعلى القول الأول متى عرضت لهؤلاء حكومة حكم بينهم الإمام أو حاكم آخر أو بعض خلفائه فإن كانت الخصومة بين والديه أو ولديه أو والده وولده لم يجز له الحكم بينهما على أحد الوجهين لأنه لا تقبل شهادته لأحدهما على الآخر فلم يجز الحكم بينهما كما لو كان خصمه أجنبيا وفي الآخر يجوز وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنها سواء عنده فارتفعت تهمة الميل فأشبها الأجنبيين فصل وإذا تحاكم رجلان إلى رجل حكماه بينهما ورضياه وكان ممن يصلح للقضاء فحكم بينهما جاز ذلك ونفذ حكمه عليهما وبهذا قال أبو حنيفة وللشافعي قولان أحدهما لا يلزمهما حكمه إلا بتراضيهما لأن حكمه إنما يلزم بالرضا به ولا يكون الرضا إلا بعد المعرفة بحكمه ولنا ما روى أبو شريح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له إن الله هو الحكم فلم تكنى أبا الحكم قال إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم ورضي علي الفريقان قال ما أحسن هذا فمن أكبر ولدك قال شريح قال فأنت أبو شريح أخرجه النسائي وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حكم بين اثنين تراضيا به لم يعدل بينهما فهو ملعون ولولا أن حكمه يلزمهما لما لحقه هذا الذم ولأن عمروأبيا تحاكما إلى زيد وحاكم عمر أعرابيا إلى شريح قبل أن يوليه وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير مطعم ولم يكونوا قضاة فإن قيل فعمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردا الحكم إلى رجل صار قاضيا قلنا لم ينقل عنهما إلا الرضا بتحكيمه خاصة وبهذا لا يصير قاضيا وما ذكروه يبطل بما إذا رضي بتصرف وكيله فإنه يلزمه قبل المعرفة به إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز نقض حكمه فيما لا ينقض به حكم من له ولاية وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة للحاكم نقضه إذا خالف رأيه لأن هذا عقد في حق الحاكم فملك فسخه كالعقد الموقوف في حقه ولنا أن هذا حكم صحيح لازم فلم يجز فسخه لمخالفته رأيه كحكم من له ولاية وما ذكروه غير صحيح فإن حكمه لازم للخصمين فكيف يكون موقوفا ولو كان كذلك لملك فسخه وإن لم يخالف رأيه ولا نسلم الوقوف في العقود إذا ثبت هذا فإن لكل واحد من الخصمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروعه في الحكم لأنه لا يثبت إلا برضاه فأشبه ما لو رجع عن التوكيل قبل التصرف وإن رجع بعد شروعه ففيه وجهان أحدهما له ذلك لأن الحكم لم يتم أشبه قبل الشروع والثاني ليس له ذلك لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحكم ما لا يوافقه رجع فبطل المقصود به

Sección V10/P136–V10/P138

فصل قال القاضي وينفذ حكم من حكماه في جميع الأحكام إلى أربعة أشياء النكاح واللعان والقذف والقصاص لأن لهذه الأحكام مزية على غيرها فاختص الإمام بالنظر فيها ونائبه يقوم مقامه وقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد أنه ينفذ حكمه فيها ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين وإذا كتب هذا القاضي بما حكم به كتابا إلى قاض من قضاة المسلمين لزمه قبوله وتنفيذ كتابه لأنه حاكم نافذ الأحكام فلزم قبول كتابه كحاكم الإمام مسألة قال ( ويحكم على الغائب إذا صح الحق عليه ) وجملته أن من ادعى حقا على غائب في بلد آخر وطلب من الحاكم سماع البينة والحكم بها عليه فعلى الحاكم إجابته إذا كملت الشرائط وبهذا قال شبرمة ومالك والأوزاعي والليث وسوار وأبو عبيد وإسحاق وابن المنذر فكان شريح لا يرى القضاء على الغائب وعن أحمد مثله وبه قال ابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وروي ذلك عن القاسم والشعبي إلا أن أبا حنيفة قال إذا كان له خصم حاضر من وكيل أو شفيع جاز الحكم عليه واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فإنك تدري بما تقضي قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده فلم يجز كما لو كان الآخر في البلد ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة ويقدح فيها فلم يجز الحكم عليه ولنا أن هندا قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحسح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه فقضى لها ولم يكن حاضرا ولأن هذا له بينة مسموعة عادلة فجاز الحكم بها كما لو كان الخصم حاضرا وقد وافقنا أبو حنيفة في سماع البينة ولأن ما تأخر عن سؤال المدعي إذا كان حاضرا يقدم عليه إذا كان غائبا كسماع البينة وأما حديثهم فنقول به إذا تقاضى إليه رجلان لم يجز الحكم قبل سماع كلامهما وهذا يقتضي أن يكونا حاضرين ويفارق الحاضر الغائب فإن البينة لا تسمع على حاضر إلا بحضرته والغائب بخلافه وقد ناقض أبو حنيفة أصله فقال إذا جاءت امرأة فادعت أن لها زوجا غائبا وله مال في يد رجل وتحتاج إلى النفقة فاعترف لها بذلك فإن الحاكم يقضي عليه بالنفقة ولو ادعى رجل على حاضر أنه اشترى من غائب ما فيه شفعة وأقام بينة بذلك حكم له بالبيع والأخذ بالشفعة ولو مات المدعى عليه فحضر بعض ورثته أو حضر وكيل الغائب وأقام المدعي بينة بذلك حكم له بما ادعاه إذا ثبت هذا فإنه إن قدم الغائب قبل الحكم وقف الحكم على حضوره فإن خرج الشهود لم يحكم عليه وإن استنظر الحاكم أجله ثلاثا فإن جرحهم وإلا حكم عليه وإن ادعى القضاء أو الإبراء فكانت له بينة برىء وإلا حلف المدعي وحكم له وإن قدم بعد الحكم فجرح الشهود بأمر كان قبل الشهادة بطل الحكم وإن جرحهم بأمر بعد أداء الشهادة أو مطلقا لم يبطل الحكم ولم يقبله الحاكم لأنه يجوز أن يكون بعد الحكم فلا يقدح فيه وإن طلب التأجيل أجل ثلاثا فإن جرحهم وإلا نفذ الحكم وإن ادعى القضاء أو الإبراء فكانت له به بينة وإلا حلف الآخر ونفذ الحكم فصل لا يقضي على الغائب إلا في حقوق الآدميين فأما في الحدود التي لله تعالى فلا يقضي بها عليه لأن مبناها على المساهلة والإسقاط فإن قامت بينة على غائب بسرقة مال حكم بالمال دون القطع فصل وإذا قامت البينة على غائب أو غير مكلف كالصبي والمجنون لم يستحلف المدعي مع بينته في أشهر الروايتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ولأنها بينة عادلة فلم تجب اليمين معها كما لو كانت على حاضر

Sección V10/P138–V10/P139

والرواية الثانية يستحلف معها وهو قول الشافعي لأنه يجوز أن يكون استوفى ما قامت به البينة أو ملكه العين التي قامت بها البينة ولو كان حاضرا فادعى ذلك لوجبت اليمين فإذا تعذر ذلك منه لغيبته أو عدم تكليفه يجب أن يقوم الحاكم مقامه فيما يمكن دعواه ولأن الحاكم مأمور بالاحتياط في حق الصبي والمجنون والغائب لأن كل واحد منهم لا يعبر عن نفسه وهذا من الاحتياط فصل ظاهر كلام الخرقي أنه إذا قضى على الغائب بعين سلمت إلى المدعي وإن قضى عليه بدين ووجد له مال وفي منه فإنه قال في رواية حرب في رجل أقام بينة أن له سهما من ضيعة في أيدي قوم فتواروا عنه يقسم عليهم شهدوا أو غابوا ويدفع إلى هذا حقه لأنه يثبت حقه بالبينة فيسلم إليه كما لو كان خصمه حاضرا ويحتمل أن لا يدفع إليه شيء حتى يقيم كفيلا أنه متى حضر خصمه وأبطل دعواه فعليه ضمان ما أخذه لئلا يأخذ المدعي ما حكم له به ثم يأتي خصمه فيبطل حجته أو يقيم بينة بالقضاء والإبراء أو يملك التي قامت بها البينة بعد ذهاب المدعي وغيبته أو موته فيضيع مال المدعى عليه وظاهر كلام أحمد الأول فإنه قال في رجل عنده دابة مسروقة فقال هي عندي وديعة إذا أقيمت البينة أنها له تدفع إلى الذي أقام البينة حتى يجيء صاحب الوديعة فيثبت فصل فأما الحاضر في البلد أو قريب منه إذا لم يمنع من الحضور فلا يقضي عليه قبل حضوره في قول أكثر أهل العلم وقال أصحاب الشافعي في وجه لهم إنه يقضي عليه في غيبته لأنه غائب أشبه الغائب عن البلد ولنا أنه أمكن سؤاله فلم يجز الحكم عليه قبل سؤاله كحاضر مجلس الحاكم ويفارق الغائب البعيد فإنه لا يمكن سؤاله فإن امتنع من الحضور أو توارى فظاهر كلام أحمد جواز القضاء عليه لما ذكرنا عنه في رواية حرب وروى عنه أبو طالب في رجل وجد غلامه عند رجل فأقام البينة أنه غلامه فقال الذي عنده الغلام أودعني هذا رجل فقال أحمد أهل المدينة يقضون على الغائب يقولون إنه لهذا الذي أقام البينة وهو مذهب حسن وأهل البصرة يقضون على غائب يسمونه الأعذار وهو إذا ادعى على رجل ألفا وأقام البينة فاختفى المدعى عليه يرسل إلى بابه فينادي الرسول ثلاثا فإن جاء وإلا قد أعذروا إليه فهذا يقوي قول أهل المدينة وهو معنى حسن وقد ذكر الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب أنه يقضي على الغائب الممتنع وهو قول الشافعي لأنه تعذر حضوره وسؤاله فجاز القضاء عليه كالغائب البعيد بل هذا أولى لأن البعيد معذور وهذا لا عذر له وقد ذكرنا فيما تقدم شيئا من هذا كتاب القسمة الأصل في القسمة قول الله تعالى ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر القمر 28 وقوله تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى النساء 8 وقول النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة وقسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر على ثمانية عشر سهما وكان يقسم الغنائم وأجمعت الأمة على جواز القسمة ولأن بالناس حاجة إلى القسمة ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف على إيثاره ويتخلص من سوء المشاركة وكثرة الأيدي مسألة قال ( وإذا أتاه شريكان في ربع أو نحوه فسألاه أن يقسمه بينهما قسمه وأثبت في القضية بذلك أن قسمه إياه بينهما كان على إقرارهما لا عن بينة شهدت لهما بملكهما ) إذا ثبت هذا فإن الشريكين في أي شيء كان ربعا أو غيره والربع هو العقار من الدور ونحوها إذا طلبا من الحاكم أن يقسمه بينهما أجابهما إليه وإن لم يثبت عنده ملكهما وبهذا قال أبو يوسف ومحمد

Sección V10/P139–V10/P140

وقالأبو حنيفة إن كان عقارا نسبوه إلى ميراث لم يقسمه حتى يثبت الموت والورثة لأن الميراث باق على حكم ملك الميت فلا يقسمه احتياطا للميت وأما ما عدا العقار يقسمه وإن كان ميراثا لأنه يبور ويهلك وقسمته تحفظه وكذا العقار الذي لا ينسب إلى الميراث وظاهر قول الشافعي أنه لا يقسم عقارا كان أو غيره ما لم يثبت ملكهما لأن قسمه بقولهم لو رفع بعد ذلك إلى حاكم آخر يستسهله أن يجعله حكما لهم ولعله يكون لغيرهم ولنا أن اليد تدل على الملك ولا منازع لهم فيثبت لهم من طريق الظاهر ولهذا يجوز لهم التصرف ويجوز شراؤه منهم واتهابه واستئجاره وما ذكره الشافعي يندفع إذا ثبت في القضية أني قسمته بينهم بإقرارهم لا عن بينة شهدت لهم بملكهم وكل ذي حجة على حجته وما ذكره أبو حنيفة لا يصح لأن الظاهر ملكهم ولا حق للميت فيه إلا أن يظهر عليه دين وما ظهر والأصل عدمه ولهذا اكتفينا به في غير العقار وفيما لم ينسبوه إلى الميراث فصل وتجوز قسمة المكيلات والموزونات من المطعومات وغيرها لأن جواز قسمة الأرض مع اختلافها يدل على جواز قسمة ما لا يختلف بطريق التنبيه وسواء في ذلك الحبوب والثمار والنورة والأشنان والحديد والرصاص ونحوها من الجمادات والعصير والخل واللبن والعسل والسمن والدبس والزيت والرب ونحوها من المائعات وسواء قلنا إن القسمة بيع أو إفراز حق لأن بيعه جائز وإفرازه جائز فإن كان فيها أنواع كحنطة وشعير وتمر وزبيب فطلب أحدهما قسمها كل نوع على حدته أجبر الممتنع وإن طلب قسمها أعيانا بالقيمة لم يجبر الممتنع لأن هذا بيع نوع بنوع آخر فليس بقسمة فلم يجبر عليه كغير الشريك فإن تراضيا عليه جاز وكان بيعا يعتبر فيه التقابض قبل التفرق فيما يعتبر التقابض فيه وسائر شروط البيع فصل فإن كان بينهما ثياب أو حيوان أو أواني أو خشب أو عمد أو أحجار فاتفق على قسمتها جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم يوم بدر ويوم حنين ويوم خيبر وهي تشتمل على أجناس من المال وساء اتفقا على قسمة كل جنس بينهما أو على قسمتها أعيانا بالقيمة وإن طلب أحدهما قسمة كل نوع على حدته وطلب الآخر قسمته أعيانا بالقيمة قدم قول من طلب قسمة كل نوع على حدته إذا أمكن وإن طلب أحدهما القسمة وأبى الآخر وكان مما لا يمكن قسمته إلا بأخذ عوض عنه من غير جنسه أو قطع ثوب في قطعه نقص أو كسر إناء أو رد عوض لم يجبر الممتنع وإن أمكن قسمة كل نوع على حدته من غير ضرر ولا رد عوض فقال القاضي يجبر الممتنع وهو ظاهر مذهب الشافعي وهو قول أبي الخطاب لا أعرف في هذا عن إمامنا رواية ويحتمل أن لا يجبر الممتنع وهو قول ابن خيران من أصحاب الشافعي لأن هذا إنما يقسم أعيانا بالقيمة فلم يجبر الممتنع عليه كما لا يجبر على قسمة الدور بأن يأخذ هذا دارا وهذا دارا وكالجنسين المختلفين ووجه الأول أن الجنس الواحد كالدار الواحدة وليس اختلاف الجنس الواحد في القيمة بأكثر من اختلاف قيمة الدار الكبيرة والقرية العظيمة فإن أرض القرية تختلف سيما إذا كانت ذات أشجار مختلفة وأراض متنوعة والدار ذات بيوت واسعة وضيقة وحديثة وقديمة ثم هذا الاختلاف لم يمنع الإجبار على القسمة كذلك الجنس الواحد وفارق الدور فإنه أمكن قسمة كل دار على حدتها وها هنا لا يمكن قسمة كل ثوم منها أو إناء على حدته وإن كانت الثياب أنواعا كالحرير والقطن والكتان فهي كالأجناس وكذلك سائر الأموال والحيوان كغيره من الأموال ويقسم النوع الواحد منه وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يقسم الرقيق قسمة إجبار لأنه تختلف منافعه ويقصد منه العقل والدين والفطنة وذلك لا يقع فيه التعديل

Sección V10/P140–V10/P142

ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم جزأ العبيد الذين أعتقهم الأنصاري في مرضه ثلاثة أجزاء ولأنه نوع حيوان يدخله التقويم فجازت قسمته كسائر الحيوان وما ذكره غير صحيح لأن القيمة تجمع ذلك وتعد له كسائر الأشياء المختلفة فصل والقسمة إفراز حق وتمييز أحد النصيبين من الآخر وليست بيعا وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر هي بيع وحكي عن أبي عبد الله بن بطة لأنه يبدل نصيبه من أحد السهمين بنصيب صاحبه من السهم الآخر وهذا حقيقة البيع ولنا أنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك ولا تجب فيها الشفعة ويدخلها الإجبار وتلزم بإخراج القرعة ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر والبيع لا يجوز فيه شيء من ذلك ولأنها تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها فلم تكن بيعا كسائر العقود وفائدة الخلاف أنها إذا لم تكن بيعا جازت قسمة الثمار خرصا والمكيل وزنا والموزون كيلا والتفرق قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض في البيع ولا يحنث إذا حلف لا يبيع بها وإذا كان العقار أو نصفه وقفا جازت القسمة وإن قلنا هي بيع انعكست هذه الأحكام هذا إذا خلت من الرد فإن كان فيها رد عوض فهي بيع لأن صاحب الرد يبذل المال عوضا عما حصل له من مال شريكه وهذا هو البيع فإن فعلا ذلك في وقف لم يجز لأن بيعه غير جائز وإن كان بعضه وقفا وبعضه طلقا والرد من صاحب الطلق لم يجز لأنه يشتري بعض الوقف فإن كان من أهل الوقف جاز لأنهم يشترون بعض الطلق وذلك جائز فصل وتقبل شهادة القاسم بالقسمة إذا كان متبرعا ولا تقبل إذا كان بأجرة وبهذا قال الاصطخري وقالأبو حنيفة تقبل وإن كان بأجرة لأنه لا يلحقه تهمة فقبل قوله كالمرضعة وقال الشافعي لا تقبل لأنه شهد على فعل نفسه الذي يوجب تعديله فلم تقبل كشهادة القاضي المعزول على حكمه ولنا أنه شهد بما لا نفع له فيه فقبل كالأجنبي وإذا كان بأجرة لم يقبل لأنه متهم لكونه يوجب الأجرة لنفسه وهذا نفع فتكون شهادته لنفسه وقول الشافعي أنه يوجب تعديله ممنوع ولا نسلم لهم ما ذكروه في الحكم مسألة قال ( ولو سأل أحدهما شريكه مقاسمته فامتنع أجبره الحاكم على ذلك إذا أثبت عنده ملكها وكان مثله ينقسم وينتفعان به مقسوما ) أما إذا طلب أحدهما القسمة فامتنع الآخر لم يخل من حالين أحدهما يجبر الممتنع على القسمة وذلك إذا اجتمع ثلاثة شروط أحدها أن يثبت عند الحاكم ملكهما ببينة لأن في الإجبار على القسمة حكما على الممتنع منهما فلا يثبت إلا بما يثبت به الملك لخصمه بخلاف حالة الرضى فإنه لا يحكم على أحدهما إنما يقسم بقولهما ورضاهما الشرط الثاني أن لا يكون فيها ضرر فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار رواه ابن ماجه ورواه مالك في موطئه مرسلا وفي لفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار الشرط الثالث أن يمكن تعديل السهام من غير شيء يجعل معها فإن لم يمكن ذلك لم يجبر الممتنع لأنها تصير بيعا والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين ومثال ذلك أرض قيمتها مائة فيها شجرة أو بئر تساوي مائتين فإذ جعلت الأرض سهما كان الثلث فيحتاج أن يجعل معها خمسين يردها عليها من لم يخرج له البئر أو الشجرة ليكونا نصفين متساويين فهذه فيها بيع ألا ترى أن آخذ الأرض قد باع نصيبه من الشجرة أو البئر بالثمن الذي أخذه والبيع لا يجبر عليه لقول الله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء 29 فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة أجبر الممتنع منهما على القسمة لأنها تتضمن إزالة ضرر الشركة عنهما وحصول النفع لهما لأن نصيب كل واحد منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره ويتمكن من إحداث الغراس والبناء والزرع والساقية والإجارة والعارية ولا يمكنه ذلك مع الاشتراك فوجب أن يجبر الآخر عليه لقوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار

Preguntas