İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وذلك لأن التحمل لا تعتبر فيه العدالة ولا البلوغ ولا الإسلام لأنه لا تهمة في ذلك وإنما يعتبر ذلك في الأداء فإذا رأى الفاسق شيئا أو سمعه ثم عدل وشهد به قبلت شهادته بغير خلاف نعلمه وهكذا الصبي والكافر إذا شهد بعد الإسلام والبلوغ قبلت وكذلك الرواية ولذلك كان الصبيان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يروون عنه بعد أن كبروا كالحسن والحسين وابن عباس والنعمان بن بشير وابن الزبير وابن جعفر والشهادة في معنى الرواية ولذلك اعتبرت لها العدالة وغيرها من الشروط المعتبرة للشهادة مسألة قال ( ولو شهد وهو عدل فلم يحكم بشهادته حتى حدث منه ما لا تجوز شهادته معه لم يحكم بها ) وجملة ذلك أن الشاهدين إذا شهدا عند الحاكم وهما ممن تقبل شهادته ولم يحكم بها حتى فسقا أو كفرا لم يحكم بشهادتهما وبهذا قال أبو يوسف والشافعي وقالأبو ثور والمزني يحكم بها لأن بقاء أهلية الشهادة ليس شرطا في الحكم بدليل ما لو ماتا ولأن فسقهما تجدد بعد أداء الشهادة فأشبه ما لو تجدد بعد الحكم بها ووجه ذلك من طريقين أحدهما أن عدالة الشاهد شرط للحكم فيعتبر دوامها إلى حين الحكم لأن الشروط لا بد من وجودها في المشروط وإذا فسق انتفى الشرط فلم يجز الحكم والثاني أن ظهور فسقه وكفره يدل على تقدمه لأن العادة أن الإنسان يسر الفسق ويظهر العدالة والزنديق يسر كفره ويظهر إسلامه فلا نأمن كونه كافرا أو فاسقا حين أداء الشهادة فلم يجز الحكم بها مع الشك فيها فأما إن حدث هذا منه بعد الحكم بشهادة لم ينقض لأن الحكم وقع صحيحا لاستمرار شرطه إلى انتهائه ولأنه قد وجد مقرونا بشرطه ظاهرا فلا ينقض بالشك كما لو رجع عن الشهادة وكما لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء لكن إن كان ذلك قبل الاستيفاء وكان حدا لله تعالى لم يجز استيفاؤه بالشبهات لأنه يدرأ وهذا شبهة فيه فأشبه ما لو رجع عن الإقرار به قبل استيفائه وإن كان مالا استوفي لأن الحكم قد تم وثبت الاستحقاق بأمر ظاهر الصحة فلا يبطل بأمر محتمل ولذلك لم يبطل رجوعه عن إقراره وإن كان حد قذف أو قصاصا احتمل وجهين أحدهما يستوفي وهذا قول أبي حنيفة لأنه حق آدمي مطالب به أشبه المال والثاني لا يستوفي وهو قول محمد لأنه عقوبة على البدن تدرأ بالشبهات أشبه الحد وللشافعي وجهان كهذين وأما ما حدث بعد الاستيفاء فلا يؤثر في حد ولا حق لأن الحق استوفى بما ظاهره الصحة وسوغ الشرع استيفاءه فلم يؤثر فيه ما طرأ بعده كما لو لم يظهر شيء فصل فأما إن أديا الشهادة وهما من أهلها ثم ماتا قبل الحكم بها حكم الحاكم بشهادتهما سواء ثبتت عدالتهما في حياتهما أو بعد موتهما وسواء كان المشهود به حدا أو غيره وكذلك إن جنوا أو أغمي عليهم وبهذا قال الشافعي لأن الموت لا يؤثر في شهادته ولا يدل على الكذب فيها ولا يحتمل أن يكون موجودا حال أداء الشهادة والجنون والإغماء في معناه بخلاف الفسق والكفر مسألة قال ( وشهادة العدل على شهادة العدل جائزة في كل شيء إلا في الحدود إذا كان الشاهد الأول ميتا أو غائبا ) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة أحدها في جوازها والثاني في موضعها والثالث في شرطها أما الأول فإن الشهادة على الشهادة جائزة بإجماع العلماء وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي قال أبو عبيد أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة في الأموال ولأن الحاجة داعية إليها فإنها لو لم تقبل لبطلت الشهادة على الوقف وما يتأخر إثباته عند الحاكم ثم يموت شهوده وفي ذلك ضرر على الناس ومشقة شديدة فوجب أن تقبل كشهادة الأصل
الفصل الثاني أنها تقبل في الأموال وما يقصد به المال بإجماع كما ذكر أبو عبيد ولا تقبل في حد وهذا قول النخعي والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه وقال مالك والشافعي في قول وأبو ثور تقبل في الحدود وكل حق لأن ذلك فيثبت بشهادة الأصل فيبت بالشهادة على الشهادة كالمال ولنا إن الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهات والإسقاط بالرجوع عن الإقرار والشهادة على الشهادة فيها شبهة فإنها يتطرق إليها احتمال الغلط والسهو والكذب في شهود الفرع مع احتمال ذلك في جهود الأصل وهذا احتمال زائد لا يوجد في شهادة الأصل وهو معتبر بدليل أنها لا تقبل مع القدرة على شهود الأصل فوجب أن لا تقبل فيما يندرىء بالشبهات ولأنها إنما تقبل للحاجة ولا حاجة إليها في الحد لأن ستر صاحبه أولى من الشهادة عليه ولأنه لا نص فيها ولا يصح قياسها على الأموال لما بينهما من الفرق في الحاجة والتساهل فيها ولا يصح قياسها على شهادة الأصل لما ذكرنا من الفرق فبطل إثباتها وظاهر كلام أحمد أنها لا تقبل في القصاص أيضا ولا حد القذف لأنه قال إنما تجوز في الحقوق أما الدماء والحد فلا وهذا قول أبي حنيفة وقال مالك والشافعي وأبو ثور وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله في كل شيء إلا في الحدود لأنه حق آدمي لا يسقط بالرجوع عن الإقرار به ولا يستحب ستره فأشبه الأموال وذكر أصحابنا هذا رواية عن أحمد لأن ابن منصور نقل أن سفيان قال شهادة رجل مكان رجل في الطلاق جائزة قال أحمد ما أحسن ما قال فجعله أصحابنا رواية في القصاص وليس هذا برواية فإن الطلاق لا يشبه القصاص والمذهب أنها لا تقبل فيه لأنه عقوبة بدنية تدرأ بالشبهات وتبنى على الإسقاط فأشبهت الحدود فأما ما عدا الحدود والقصاص والأموال كالنكاح والطلاق وسائر ما لا يثبت إلا بشاهدين فنص أحمد على قبولها في الطلاق والحقوق فيدل على قبولها في جميع هذه الحقوق وهو قولالخرقي وقال ابن حامد لا تقبل في النكاح ونحوه قول أبي بكر فعلى قولهما لا تقبل إلا في المال وما يقصد به المال وهو قول أبي عبيد لأنه حق لا يثبت إلا بشاهدين فأشبه حد القذف ووجه الأول أنه حق لا يدرأ بالشبهات فيثبت بالشهادة كالمال وبهذا فارق الحدود الفصل الثالث في شروطها ولها أربعة شروط أحدها أن تتعذر شهادة الأصل لموت أو غيبة أو مرض أو حبس أو خوف من سلطان أو غيره وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وحكي عن أبي يوسف ومحمد جوازها مع القدرة على شهادة الأصل قياسا على الرواية وأخبار الديانات وروي عن الشعبي أنها لا تقبل إلا أن يموت شاهد الأصل لأنهما إذا كانا حيين رجي حضورهما فكانا كالحاضرين وعن أحمد مثل هذا إلا أن القاضي تأوله على الموت وما في معناه من الغيبة البعيدة ونحوها ويمكن تأويل قول الشعبي على هذا فيزول هذا الخلاف ولنا على اشتراط تعذر شهادة شاهد الأصل أنه إذا أمكن الحاكم أن يسمع شهادة شاهدي الأصل استغنى عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع وكان أحوط للشهادة فإن سماعه منهما معلوم وصدق شاهدي الفرع مظنون والعمل باليقين مع إمكانه أولى من اتباع الظن ولأن شهادة الأصل تثبت نفس الحق وهذه إنما تثبت الشهادة عليه ولأن في شهادة الفرع ضعفا لأنه يتطرق إليها احتمالان احتمال غلظ شاهدي الأصل واحتمال غلط شاهدي الفرع فيكون ذلك وهنا فيها ولذلك لم تنتهض لإثبات الحدود والقصاص فينبغي أن لا تثبت إلا عند عدم شاهدي الأصل كسائر الأبدال ولا يصح قياسها على أخبار الديانات لأنه خفف فيها ولهذا لا يتعبر فيها العدد ولا الذكورية ولا الحرية ولا اللفظ والحاجة داعية إليها في حق عموم الناس بخلاف مسألتنا ولنا على قبولها عند تعذرها بغير الموت أنه تعذرت شهادة الأصل فتقبل شهادة الفرع كما لو مات شاهدي الأصل ويخالف الحاضرين فإن سماع شهادتهما ممكن فلم يجز غير ذلك
إذا ثبت هذا فذكر القاضي أن الغيبة المشترطة لسماع شهادة الفرع أن يكون شاهد الأصل بموضع لا يمكنه أن يشهد ثم يرجع من يومه وهذا قاله أبو يوسف وأبو حامد من أصحاب الشافعي لأن الشاهد تشق عليه المطالبة بمثل هذا السفر وقد قال الله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد البقرة 282 وإذا لم يكلف الحضور تعذر سماع شهادته فاحتيج إلى سماع شهادة الفرع وقال أبو الخطاب تعتبر مسافة القصر وهو قول أبي حنيفة وأبي الطيب الطبري مع اختلافهم في مسافة القصر كل على أصله لأن ما دون ذلك في حكم الحاضر في الترخص وغيره بخلاف مسافة القصر ويعتبر دوام هذا الشرط إلى الحكم فلو شهد شاهدا الفرع فلم يحكم بشهادتهما حتى حضر شاهدا الأصل وقف الحكم على سماع شهادتهما لأنه قدر على الأصل قبل العمل بالبدل فلم يجز العمل به كالمتيمم يقدر على الماء قبل الصلاة ولأن حضورهما لو وجد قبل أداء شهادة الفرع منع فإذا طرأ قبل الحكم منع منه كالفسق الشرط الثاني أن يتحقق شروط الشهادة من العدالة وغيرها في كل واحد من شهود الأصل والفرع على الوجه الذي ذكرناه لأن الحكم ينبني على الشهادتين جميعا فاعتبرت الشروط في كل واحد منهما ولا خلاف في هذا نعلمه فإن عدل شهود الفرع شهود الأصل فشهدا بعدالتهما وعلى شهادتهما جاز بغير خلاف نعلمه وإن لم يشهدا بعدالتهما جاز ويتولى الحاكم ذلك فإن علم عدالتهما حكم وإن لم يعرفها بحث عنها وبهذا قال الشافعي وقالالثوري وأبو يوسف إن لم يعدل شاهدا الفرع شاهدي الأصل لم يسمع الحاكم شهادتهما لأن ترك تعديله يرتاب به الحاكم وليس بصحيح لأنه يجوز أن لا يعرفا ذلك فيرجع فيه إلى بحث الحاكم ويجوز أن يعرفا عدالتهما ويتركاها اكتفاء بما يثبت عند الحاكم من عدالتهما ولا بد من استمرار هذا الشرط ووجود العدالة في الجميع إلى انقضاء الحكم لما ذكرنا في شاهد الأصل قبل هذا وإن مات شهود الأصل والفرع لم يمنع الحكم وكذلك لو مات شهود الأصل قبل أداء الفروع شهادتهم لم يمنع من أدائها والحكم بها لأن موتهم من شرط سماع شهادة الفروع والحكم فلا يجوز جعله مانعا وكذلك إن جنوا لأن جنونهم بمنزلة موتهم الشرط الثالث أن يعينا شاهدي الأصل ويسمياهما وقال ابن جرير إذا قالا ذكرين حرين عدلين جاز وإن لم يسميا لأن الغرض معرفة الصفات دون العين وليس بصحيح لجواز أن يكونا عدلين عندهما مجروحين عند غيرهما ولأن المشهود عليه ربما أمكنه جرح الشهود فإذا لم يعرف أعيانهما تعذر عليه ذلك الشرط الرابع أن يسترعيه شاهد الأصل الشهادة فيقول أشهد على شهادتي أني أشهد أن لفلان على فلان كذا أو أقر عندي بكذا أو سمع شاهدا يسترعي آخر شهادة يشهده عليها فيجوز لهذا السامع أن يشهد بها لحصول الاسترعاء ويحتمل أن لا يجوز له أن يشهد إلا أن يسترعيه بعينه وهو قول أبي حنيفة قال أحمد لا تكون شهادة إلا أن يشهدك فأما إذا سمعته يتحدث فإنما ذلك حديث وبما ذكرناه قال الشافعي وأصحاب الرأي وأبو عبيد فأما إن سمع شاهدا يشهد عند الحاكم بحق أو سمعه يشهد بحق يعزيه إلى سبب نحو أن يقول أشهد أن لفلان على فلان ألفا من ثمن مبيع فهل يشهد به قال أبو الخطاب فيه روايتان وذكر القاضي أن له الشهادة به وهو مذهب الشافعي لأنه بالشهادة عند الحاكم ونسبته للحق إلى سببه يزول الاحتمال ويرتفع الأشكال فتجوز له الشهادة على شهادته كما لو استرعاه والرواية الأخرى لا يجوز أن يشهد على شهادته وهو قول أبي حنيفة وأبي عبيد لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة فلا ينوب عنه إلا بإذنه ومن نصر الأول قال هذا ينقل شهادته ولا ينوب عنه لأنه لا يشهد مثل شهادته وإنما يشهد على شهادته فأما إن قال أشهد أني أشهد على فلان بكذا فالأشبه أن يجوز أن يشهد على شهادته وهذا قول أبي يوسف لأن معنى ذلك أشهد على شهادتي
وقال أبو حنيفة لا يجوز إلا أن يقول أشهد على شهادتي أني أشهد لأنه إذا قال أشهد فقد أمره بالشهادة ولم يسترعه وما عدا هذه المواضع لا يجوز أن يشهد فيها على الشهادة فإذا سمعه يقول أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم لم يجز أن يشهد على شهادته لأنه لم يسترعه الشهادة فيحتمل أن يكون وعده بها وقد يوصف الوعد بالوجوب مجازا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال العدة دين ويحتمل أن يريد بالشهادة العلم فلم يجز لسامعه الشهادة به فإن قيل فلو سمع رجلا يقول لفلان علي ألف درهم جاز أن يشهد بذلك فكذا هذا قلنا الفرق بينهما من وجهين أحدهما أن الشهادة تحتمل العلم ولا تحتمل الإقرار الثاني أن الإقرار أوسع في لزومه من الشهادة بدليل صحته في المجهول وأنه لا يراعي فيه العدد بخلاف الشهادة ولأن الإقرار قول الإنسان على نفسه وهو غير متهم عليها فيكون أقوى منها ولهذا لا تسمع الشهادة في حق المقر ولا يحكم بها ولو قال شاهد الأصل أنا أشهد أن لفلان على فلان ألفا فاشهد به أنت عليه لم يجز أن يشهد على شهادته لأنه ما استرعاه شهادته فيشهد عليها ولا هو شاهد بالحق لأنه ما سمع الاعتراف به ممن هو عليه ولا شاهد سببه فصل فأما كيفية الأداء إذا كان قد استرعاه الشهادة فإنه يقول أشهد أن فلان بن فلان وقد عرفته بعينه واسمه ونسبه وعدالته أشهدني أنه يشهد أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا أو أن فلانا أقر عندي بكذا وإن لم يعرف عدالته لم يذكرها وإن سمعه يشهد غيره قال أشهد أن فلان بن فلان أشهد على شهادته أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا وإن كان سمعه يشهد عند الحاكم قال أشهد أن فلان بن فلان شهد على فلان بن فلان عند الحاكم بكذا وإن كان نسب الحق إلى سببه قال أشهد أن فلان بن فلان قال أشهد أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا من جهة كذا وكذا وإذا أراد الحاكم أن يكتب ذلك كتبه على ما ذكرنا في الأداء فصل واختلفت الرواية في شرط خامس وهو الذكورية في شهود الفرع فعن أحمد أنها شرط فلا يقبل في شهود الفرع نساء بحال سواء كان الحق مما تقبل فيه شهادة النساء أو لا وهذا قول مالك والثوري والشافعي لأنهم يثبتون بشهادتهم شهادة شهود الأصل دون الحق وليس ذلك بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال فأشبه القصاص والحد والثانية للنساء مدخل فيما لو كان المشهود به يثبت بشهادتهن في الأصل قال حرب قيل لأحمد فشهادة امرأتين على شهادة امرأتين تجوز قال نعم يعني إذا كان معهما رجل وذكر الأوزاعي ذلك لك قال سمعت نمير بن أوس يجيز شهادة المرأة على المرأة ووجهه أن المقصود بشهادة الفروع إثبات الحق الذي يشهد به شهود الأصل فقبلت فيه شهادتهن كالبيع ويفارق الحد والقصاص فإنه ليس القصد من الشهادة به إثبات مال بحال فأما شهود الأصل فيدخل النساء فيه فيجوز أن يشهد رجلان على شهادة رجل وامرأتين في كل حق يثبت بشهادتهن مع الرجل في قول أكثر أهل العلم وذكر أبو الخطاب في المنع منه رواية أخرى لأن في الشهادة على الشهادة ضعفا لما ذكرنا من قبل فلا مدخل للنساء فيها لأنها تزداد بشهادتهن ضعفا ولنا إن شهود الفرع إن كانوا يثبتون شهادة الأصل فهي تثبت بشهادتهم وإن كانوا يثبتون نفس الحق فهي تثبت بشهادتهم ولأن النساء شهدن بالمال أو ما يقصد به المال فيثبت بشهادتهن كما لو أدينها عند الحاكم وما ذكر للرواية الأخرى لا أصل له فصل ويجوز أن يشهد كل واحد من شاهدي الأصل شاهد فرع فيشهد شاهدا فرع على شاهدي أصل
قال القاضي لا يختلف كلام أحمد في هذا وهو قول شريح والشعبي والحسن وابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وإسحاق والبتي والعنبري ونمير بن أوس وقال إسحاق لم يزل أهل العلم على هذا حتى جاء هؤلاء وقال أحمد وشاهد على شاهد يجوز لم يزل الناس على ذا شريح فمن دونه إلا أن أبا حنيفة أنكره وذهب أبو عبد الله بن بطة إلى أنه لا يقبل على كل شاهد أصل إلا شاهدا فرع وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لأن شاهدي الفرع يثبتان شهادة شاهدي الأصل فلا تثبت شهادة كل واحد منهما بأقل من شاهدين كما لا يثبت إقرار مقرين بشهادة اثنين يشهد على كل واحد منهما واحد ولنا إن هذا يثبت بشاهدين وقد شهد اثنان بما يثبته فيثبت كما لو شهدا بنفس الحق ولأن شاهدي الفرع بدل من شهود الأصل فيكفي في عددها ما يكفي شهادة الأصل ولأن هذا إجماع على ما ذكره أحمد وإسحاق ولأن شاهدي الفرع لا ينقلان عن شاهدي الأصل حقا عليهما فوجب أن يقبل فيه قول واحد كأخبار الديانات فإنهم إنما ينقلون الشهادة وليست حقا عليهم ولهذا لو أنكراها لم يعد الحاكم عليهما ولم يطلب منهما وهذا الجواب عما ذكروه فإذا ثبت هذا فمن اعتبر لكل شاهد أصل شاهدي فرع أجاز أن يشهد شاهدان على كل واحد من شاهدي الأصل وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي وقال الشافعي ورأيت كثيرا من الحكام والمفتين يجيزه وخرجه على قولين أحدهما جوازه والآخر لا يجوز حتى يكون شهود الفرع أربعة على كل شاهد أصل شاهدا فرع واختاره المزني لأن من يثبت به أحد طرفي الشهادة لا يثبت به الطرف الآخر كما لو شهد أصل مع شاهد ثم شهد مع آخر على شهادة شاهد الأصل الآخر ولنا إنهما شهدا على قولين فوجب أن يقبل كما لو شهدا بإقرارين بحقين أو بإقرار اثنين وإنما لم يجز أن يشهد شاهد الأصل فرعا لأنه يؤدي إلى أن يكون بدل أصلا في شهادة بحق وذلك لا يجوز ولأنهم يثبتون بشهادتهم شهادة الأصل وليست شهادة أحدهم ظرفا لشهادة الآخر فعلى قول الشافعي أن يثبت الحق بشهادة رجل وامرأتين وجب أن يكون شهود الفرع ستة وإن كان حق يثبت بأربع نسوة فوجب أن يكون شهود الفرع ثمانية وإن كان المشهود به زنا خرج فيه خمسة أقوال أحدها لا مدخل لشهادة الفرع في إثباته والثاني يجوز ويجب أن يكون شهود الفرع ستة عشر فيشهد على شهادة كل واحد من شهود الأصل أربعة الثالث يكفي ثمانية والرابع يكونون أربعة يشهدون على كل واحد والخامس يكفي شاهدان يشهدان على كل واحد من شهود الأصل وهذا إثبات لحد الزنا بشاهدين وهو بعيد فصل وإن شهد بالحق شاهدا أصل وشاهدا فرع يشهدان على شهادة أصل آخر جاز وإن شهد شاهد أصل وشاهد فرع خرج فيه من الخلاف ما ذكرنا من قبل وإن شهد شاهد أصل ثم شهد هو وآخر فرعا على شاهد أصل آخر لم تفد شهادته الفرعية شيئا وكان حكم ذلك حكم ما لو شهد على شهادته شاهد واحد مسألة قال ( ويشهد على من سمعه يقر بحق وإن لم يقل للشاهد اشهد علي ) اختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة فالمذهب ما ذكره الخرقي وبه قال الشعبي والشافعي وعن أحمد رواية ثانية لا يشهد حتى يقول له المقر اشهد علي كما أنه لا يجوز أن يشهد على شهادة رجل حتى يسترعيه إياها ويقول له اشهد على شهادتي وعن رواية ثالثة إذا سمعه يقر بقرض لا يشهد وإذا سمعه يقر بدين يشهد لأن المقر بالدين معترف أنه عليه والمقر بالقرض لا يعترف بذلك لجواز أن يكون اقترض منه ثم وفاه وعنه رواية رابعة إذا سمع شيئا فدعي إلى الشهادة فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد قال ولكن يجب عليه إذا أشهد أن يشهد إذا دعي ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا البقرة 282 قال إذا أشهدوا
وقال ابن أبي موسى إذا سمع رجلا يقر لرجل بحق ولم يقل اشهد علي بذلك وسمع الشاهد فله أن يشهد عليه فيقول أشهد أني حضرت إقرار فلان بكذا ولا يقول أشهد على إقراره وإن سمعه يقول اقترضت من فلان أو قبضت من فلان لم يجز أن يشهد به والصحيح الأول لأن الشاهد يشهد بما علمه وقد حصل له العلم بسماعه فجاز أن يشهد به كما يجوز أن يشهد بما رآه من الأفعال وذكر القاضي أن في الأفعال روايتين أحدهما لا يشهد به حتى يقول المشهود عليه اشهد وهذا إن أراد به العموم في جميع الأفعال فلا يصح لأن ذلك يؤدي إلى منع الشهادة عليها بالكلية فإن الغاصب لا يقول لأحد اشهد علي أني أغصب ولا السارق ولا الزاني ولا القاتل وأشباه هؤلاء وقد شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة بالزنا لم يقل عمر هل أشهدكم أو لا ولم يقل هذا أحد من الصحابة ولا من غيرهم ولا قاله الذين شهدوا على قدامة بشرب الخمر ولا قاله عمر للذين شهدوا على الوليد بن عقبة وإن أراد به الأفعال التي تكون بالتراضي كالقرض والقبض فيه وفي الرهن والبيع والافتراق ونحو ذلك جاز فصل ولو حضر شاهدان حسابا بين اثنين شرطا عليهما أن لا يحفظا عليهما شيئا كان لشاهدين أن يشهدا بما سمعاه منهما ولم يسقط ذلك شرطهما لأن للشاهد أن يشهد بما سمعه أو علمه وذلك قد حصل له سواء أشهده أو سمعه وكذلك يشهدان على العقود بحضورها وعلى الجنايات بمشاهدتها ولا يحتاجان إلى إشهاد وبهذا قال ابن سيرين ومالك والثوري والشافعي فصل والحقوق على ضربين أحدهما حق لآدمي معين كالحقوق المالية والنكاح وغيره من العقود والعقوبات كالقصاص وحد القذف والوقف على آدمي معين فلا تسمع الشهادة فيه إلا بعد الدعوى لأن الشهادة فيه حق لآدمي فلا تستوفى إلا بعد مطالبته وإذنه ولأنها حجة على الدعوى ودليل لها فلا يجوز تقدمها عليها الضرب الثاني ما كان حقا لآدمي غير معين كالوقف على الفقراء والمساكين أو جميع المسلمين أو على مسجد أو سقاية أو مقبرة مسبلة أو الوصية لشيء من ذلك ونحو هذا أو ما كان حقا لله تعالى كالحدود الخالصة لله تعالى أو الزكاة أو الكفارة فلا تفتقر الشهادة به إلى تقدم الدعوى لأن ذلك ليس له مستحق معين من الآدميين يدعيه ويطالب به ولذلك شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر وشهد الذين شهدوا على الوليد بن عقبة بشرب الخمر أيضا من غير تقدم دعوى فأجيزت شهادتهم ولذلك لم يعتبر في ابتداء الوقف قبول من أحد ولا رضى منه وكذلك ما لا يتعلق به حق أحد الغريمين كتحريم الزوجة بالطلاق أو الظهار أو إعتاق الرقيق تجوز الحسبة به ولا تعتبر فيه دعوى ولو شهد شاهدان بعتق عبد أو أمة ابتداء ثبت ذلك سواء صدقهما المشهود بعتقه أو لم يصدقهما وبهذا قال الشافعي وبه قالأبو حنيفة في الأمة وقال في العبد لا يثبت ما لم يصدق العبد به ويدعيه لأن العتق حقه فأشبه سائر حقوقه ولنا إنها شهادة بعتق فلا تفتقر إلى تقدم الدعوى كعتق الأمة ويخالف سائر الحقوق لأنه حق لله تعالى ولهذا لا يفتقر إلى قبول العتق ودليل ذلك الأمة وما ذكروه يبطل بعتق الأمة فإن قيل الأمة يتعلق بإعتاقها تحريم الوطء قلنا هذا لا أثر له فإن المنع يوجب تحريمها عليه ولا تسمع الشهادة به إلا بعد الدعوى
فصل ومن كانت عنده شهادة لآدمي لم يخل إما أن يكون عالما بها أو غير عالم فإن كان عالما بها لم يجز للشاهد أداؤها حتى يسأله ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون ويشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون رواه البخاري ولأن أداءها حق للمشهود له فلا يستوفى إلا برضاه كسائر حقوقه وإن كان المشهود له غير عالم بها جاز للشاهد أداؤها قبل طلبها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها رواه مسلم وأبو داود ومالك وقال مالك هو الذي يأتي بشهادته ولا يعلم بها الذي هي له وهذا الحديث وإن كان مطلقا فإنه يتعين حمله على هذه الصور جمعا بين الحديثين ولأنه إذا لم يكن عالما بها فتركه طلبها لا يدل على أنه لا يريد إقامتها بخلاف العالم بها وهذا مذهب الشافعي فصل ويعتبر لفظ الشهادة في أدائها فيقول أشهد أنه أقر بكذا ونحوه ولو قال أعلم أو أحق وأتيقن أو أعرف لم يعتد به لأن الشهادة مصدر شهد يشهد شهادة فلا بد من الإتيان بفعلها المشتق منها ولأن فيها معنى لا يحصل في غيرها من اللفظات بدليل أنها تستعمل في اليمين فيقال أشهد بالله ولهذا تستعمل في اللعان ولا يحصل ذلك من غيرها وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا مسألة قال ( وتجوز شهادة المستخفي إذا كان عدلا ) المستخفي هو الذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليسمع إقراره ولا يعلم به مثل من يجحد الحق علانية ويقر به سرا فيختبىء شاهدان في موضع لا يعلم بهما ليسمعا إقراره به ثم يشهدا به فشهادتهما مقبولة على الرواية الصحيحة وبهذا قال عمرو بن حريث وقال كذلك يفعل بالخائن والفاجر وروي مثل ذلك عن شريح وهو قولالشافعي وروي عن أحمد رواية أخرى لا تسمع شهادته وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى وروي ذلك عن شريح والشعبي لأن الله تعالى قال ولا تجسسوا وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حدث بحديث ثم التفت فهي أمانة يعني أنه لا يجوز لسامعه ذكره عنه لالتفاته وحذره وقال مالك إن كان المشهود عليه ضعيفا ينخدع لم يقبلا عليه وإن لم يكن كذلك قبلت ولنا إنهما شهدا بما سمعاه يقينا فقبلت شهادتهما كما لو علم بها كتاب الأقضية مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( وإذا هلك رجل وخلف ولدين ومائتي درهم فأقر أحدهما بمائة درهم دينا على أبيه لأجنبي دفع إلى المقر له نصف ما في يده من إرثه عن أبيه إلا أن يكون المقر عدلا فيشاء الغريم أن يحلف مع شهادة الابن ويأخذ مائة وتكون المائة الباقية بين الابنين ) هذه المسألة في الإقرار من بعض الورثة وقد ذكرناها في باب الإقرار وأنه إنما يلزم المقر من الدين بقدر ميراثه منه وميراثه ها هنا النصف فيكون عليه نصف الدين وهو نصف المائة ونصفها الباقي يشهد به على أخيه فإن كان عدلا فشاء الغريم حلف مع شهادته واستحق الباقي لأنه لا تهمة في حق الابن المقر فإنه لا يجر إلى نفسه بهذه الشهادة نفعا ولا يدفع بها ضرا وإن شهد أجنبي مع الوارث المقر كملت الشهادة وحكم للمدعي بما شهدا به له إذا كانا عدلين وأديا الشهادة بلفظ الشهادة ولا يكتفى بلفظ الإقرار في الشهادة لما ذكرنا من قبل وإن كان الإقرار من اثنين من الورثة عدلين مثل أن يخلف ثلاثة بنين فيقر اثنان منهم بالدين ويشهدان به فإن شهادتهما تقبل ويثبت باقي الدين في حق المنكر وبهذا كله قال الحسن والشعبي والشافعي وابن المنذر وقال حماد وأصحاب الرأي المقر به كله في نصيب المقر وهو قول الشعبي وعلى هذا ينبغي أن لا تقبل شهادة المقر بالدين لأنه يجر بشهادته نفعا إلى نفسه وهو إسقاط بعض ما أقر به عن نفسه والإقرار بوصية تخرج من الثلث كالإقرار بالدين فيما ذكرناه
فصل ولو ثبت لرجل على رجل دين ببينة لم يمنع ذلك قبول شهادته عليه بدين أو وصية في قول عامة أهل العلم إلا ابن أبي ليلى قال لا تقبل شهادته على غريمه الميت بذلك فيحتمل أنه منع من ذلك لئلا يواطىء من يشهد بدين فيحاص الغرماء بما شهد له به ثم يقلسمه ولنا إنه عدل غير مهتم فتقبل شهادته له كغيره وذلك لأنه لم يجر بشهادته إلى نفسه نفعا ولا يدفع به ضرا بل يضر نفسه بها لكون المشهود له يزاحمه في الاستيفاء وينقص ما يأخذه فهو أقرب إلى الصدق وأحرى أن تقبل شهادته وما ذكرناه له من الاحتمال يوجد في الأجنبي فلم يمنع قبول شهادته مسألة قال ( ول هلك رجل عن ابنين وله حق بشاهد وعليه من الدين ما يستغرق ميراثه فأبى الوارثان أن يحلفا مع الشاهد لم يكن للغريم أن يحلف مع شاهد الميت ويستحق فإن حلف الوارثان مع الشاهد حكم بالدين فدفع إلى الغريم ) وجملته أن الرجل إذا مات مفلسا زادعى ورثته ذينا له على رجل فأنكر فأقاموا شاهدا عدلا وحلفوا معه حكم بالدين للميت ثم تقضى منه ديونه ثم تنفذ وصاياه من الثلث إلا أن يجيز الورثة فإن أبى الورثة أن يحلفوا لم يكن للغريم أن يحلف مع شاهد الميت وبهذا قال إسحاق وأبو ثور والشافعي في الجديد وقال في القديم للغريم أن يحلف ويستحق وهذا قول مالك لأن حقه متعلق به بدليل أنه لو ثبت المال قدم حقه على الورثة وكانت له اليمين كالوارث ولنا إن الدين للورثة دون العريم فلم يكن له أن يحاف عليه كما لو لم يستغرق الدين ميراثه والدليل على أنه للوارث أن يكتغي بيمينه ولو كان لغيره لما اكتفي بها ولأن حف الغريم في ذمة الميت والدين للميت ولهذا يشهد الشاهد بأن الدين للميت والذي يحلف معه إنما يحلف على هذا ولا يجوز للغريم أن يحلف لي في ذمة المدعى عليه دينا بالأتفاق فلم يجز أن يحلف على دين غيره الذي لا فعل له فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل اليمين للمالك ولا يلزم على هذا الوكيل لأنه يحلف على فعل نفسه ولأن الغريم لو حلف مع الشاهد ثم أبرأ الميت من الدين لرجع الدين إلى الورثة ولو كان قد ثبت له بيمينه لم يرجع إليهم وهكذا لو وصى الميت لأنسان ثم لم يحلف الورثة لم يكن للموصى له أن يحلف لما ذكرناه فإن حلف أحد الابنين مع الشاهد لم يثبت من الدين إلا قدر حصته وهكذا إذا ادعى الورثة وصية لأبيهم أو دينا وأقاموا شاهدا لم يثبت جميعه إلا بأيمان جميعهم وإن حلف بعضهم ثبت من الدين والوصية بقدر حقه ولا يشاركه فيه باقي الورثة لأنه لا يثبت لهم حق بدون أيمانهم ولا يجوز أن يستحقوا بيمين غيرهم ويقضي من دين أبيه بقدر ما ثبت له فإن كان في الورثة صغير أو معتوه وقف حقه حتى يبلغ الصغير ويعقل المعتوه لأنه لا يمكن أن يحلف على حاله ولا يحلف وليه لكون اليمين لا تدخلها النيابة وإن كان فيهم أخرس مفهوم الإشارة حلف وأعطي حصته وإن لم تفهم إشارته وقف حقه أيضا فإن مات أو مات الصبي والمعتوه قام ورثتهم مقامهم في اليمين والاستحقاق فإن طالب أولياؤهما في حياتهما بحبس المدعى عليه حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون ويعقل الأخرس الإشارة أو بإقامة كفيل لم يجابوا إلى ذلك لأن الحبس عذاب لا يستحق على من لم يثبت عليه حق فصل وتركة الميت يثبت الملك فيها لورثته وسواء كان عليه دين أو لم يكن نص عليه أحمد فيمن أفلس ثم مات قال قد انتقل المبيع إلى الورثة وحصل ملكه لهم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن كان الدين يستغرق التركة منع نقلها إلى الورثة فإن كان لا يستغرقها لم يمنع انتقال شيء منها
وقال أبو سعيد الاصطخري يمنع بقدره وقد أومأ أحمد إلى مثل هذا فإنه قال في أربعة بنين ترك أبوهم دارا وعليه دين فقال أحد البنين أنا أعطي ودعوا لي الربع فقال أحمد هذه الدار للغرماء لا يرثون شيئا حتى يؤدوا الدين وهذا يدل على أنها لم تنتقل إليهم عنده لأنه يمنع الوارث من إمساك الربع بدفع قيمته لأن الدين لم يثبت في ذمم الورثة فيجب أن يتعلق بالتركة والمذهب الأول ولهذا قال إن الغريم لا يحلف على دين الميت وذلك أن الدين محله الذمة وإنما يتعلق بالتركة فيتخير الورثة بين قضاء الدين منها أو من غيرها كالرهن والجاني ولهذا لا يلزم للغرماء نفقة العبيد ولا يكون نماء التركة لهم ولأنه لا يخلو من أن تنتقل إلى الورثة أو إلى الغرماء أو تبقى للميت أو لا تكون لأحد لا يجوز أن تنتقل إلى الغرماء لأنها لو انتقلت إليهم لزمهم نفقة الحيوان وكان نماؤها لهم غير محسوب من دينهم ولا يجوز أن تبقى للميت لأنه لم يبق أهلا للملك ولا يجوز أن لا تكون لأحد لأنها مال مملوك فلا بد من مالك ولأنها لو بقيت بغير مالك لأبيحت لمن يتملكها كسائر المباحات فثبت أنها انتقلت إلى الورثة فعلى هذا إذا نمت التركة مثل أن غلت الدار وأثمرت النخيل ونتجت الماشية فهو للوارث ينفرد به لا يتعلق به حق الغرماء لأنه نماء ملكه فأشبه كسب الجاني ويحتمل أن يتعلق به حق الغرماء كنماء الرهن ومن اختار الأول قال تعلق الحق بالرهن آكد لأنه ثبت باختيار المالك ورضاه ولهذا منع التصرف فيه وهذا يثبت بغير رضى المالك ولم يمنع التصرف فكان أشبه بالجاني وعلى الرواية الأخرى يكون نماء التركة حكمه حكم التركة وما يحتاج إليه من المؤنة منها وإن تصرف الورثة في التركة ببيع أو هبة أو قسمة فعلى الرواية الأولى تصرفهم صحيح فإن قضوا الدين وإلا نقضت تصرفاتهم كما لو تصرف السيد في العبد الجاني ولم يقض دين الجناية وعلى الرواية الأخرى تصرفاتهم فاسدة لأنهم تصرفوا فيما لم يملكوه فصل إذا خلف ثلاثة بنين وأبوين فادعى البنون أن أباهم وقف داره عليهم في صحته وأقاموا بذلك شاهدا واحدا حلفوا معه وصارت وقفا عليهم وسقط حق الأبوين وإن لم يحلفوا معه ولم يكن على الميت دين ولا له وصية حلف الأبوان وكان نصيبهما طلقا لهما ونصيب البنين وقفا عليهم بإقرارهم لأنه ينفذ بإقرارهم وإن كان على الميت دين أو وصى بشيء قضي دينه ونفذت وصيته وما بقي بين الورثة فما حصل للبنين كان وقفا عليهم بإقرارهم وإن حلف واحد منهم كان ثلث الدار وقفا عليه والباقي يقضي منه الدين وما فضل يكون ميراثا فما حصل للابنين منه كان وقفا عليهما ولا يرث الخالف شيئا لأنه يعترف أنه لا يستحق منها شيئا سوى ما وقف عليه وإن حلفوا كلهم فثبت الوقف عليهم لم يخل من أن يكون الوقف مرتبا على بطن ثم على بطن بعد بطن أبدا أو مشتركا فإن كان مرتبا فإذا انقرض الأولاد الثلاثة انتقل الوقف إلى البطن الثاني بغير يمين لأنه قد ثبت كونه وقفا بالشاهدين ويمين الأولاد فلم يحتج من انتقل إليه إلى بينة كما لو ثبت بشاهدين وكالمال الموروث وكذلك إذا انقرض الأولاد ورجع إلى المساكين لم يحتاجوا في ثبوته لهم إلى يمين لما ذكرناه
وإن انقرض أحد الأولاد انتقل نصيبه منه إلى إخوته أو إلى من شرط الواقف انتقاله إليه بغير يمين لما ذكرنا فإن امتنع البطن الأول من اليمين فقد ذكرنا أن نصيبهم يكون وقفا عليهم بإقرارهم فإذا انقرضوا كان ذلك وقفا على حسب ما أقروا به فإن كان إقرارهم أنه وقف عليهم ثم على أولادهم فقال أولادهم نحن نحلف مع شاهدنا لتكون جميع الدار وقفا لنا فلهم ذلك لأنهم ينقلون الوقف من الواقف فلهم إثباته كالبطن الأول فأما إن حلف أحد البنين ونكل أخواه ثم مات الحالف ونظرت فإن مات بعد موت إخوته صرف نصيبه إلى أولاده وجها واحدا وإن مات في حياة إخوته ففيه ثلاثة أوجه أحدها ينصرف إلى إخوته لأنه لا يثبت للبطن الثاني شيء مع بقاء أحد من البطن الأول والثاني ينتقل إلى أولاده لأن أخويه أسقطا حقهما بنكولهما فصارا كالمعدومين والثالث يصرف إلى أقرب عصبة الواقف لأنه لم يمكن صرفه إلى الأخوين ولا إلى البطن الثاني لما ذكرنا فيصرف إلى أقرب عصبة الواقف إلى أن يموت الأخوان ثم يعود إلى البطن الثاني والأول أصح لأن الأخوين لم يسقطا حقوقهما وإنما امتنعا من إقامة الحجة عليه ولذلك لو اعترف لهما الأبوان ثبت الوقف من غير يمين وهاهنا قد حصل الاعتراف من البطن الثاني فوجب أن ينصرف إليهما لحصول الاتفاق من الجميع على استحقاقهما له فإن قيل فإذا كان البطن الثاني صغارا فما حصل الاعتراف منهم قلنا قد حصل الاعتراف من الحالف الذي ثبتت الحجة بيمينه وبالبينة التي ثبت بها الوقف وبها يستحق البطن الثاني فاكتفى بذلك في انتقاله إلى الأخوين كما يكتفى به في انتقاله إلى البطن الثاني بعد انقراض الأخوين ويدل على صحة هذا أننا اكتفينا بالبينة في أصل الوقف وفي كيفيته وصفته وترتيبه فيما عدا هذا المختلف فيه فيجب أن يكتفى به فيه فأما إن كان شرط الواقف أن من مات منهم عن ولد انتقل نصيبه إليه انتقل إلى أولاده وجها واحدا لأنه لا منازع لهم فيه وإن مات من غير ولد انتقل إلى أخويه على الوجه الصحيح ويخرج فيه الوجهان الآخران الحال الثاني إذا كان الوقف مشتركا وهو أن يدعو أن أباهم وقف داره على ولده وولد ولده ما تناسلوا فقد شرك بين البطون ففي هذه الحال إذا حلف أولاده الثلاثة مع شاهدهم ولم يكن أحد من أولادهم معهم موجودا ثبت الوقف على الثلاثة وإن كان من أولادهم أحد موجودا فهو شريكهم فإن كان كبيرا حلف واستحق وإن لم يحلف كان نصيبه ميراثا تقضى منه الديون وتنفذ الوصايا وباقيه للورثة لأنه يأخذ الوقف ابتداء من الواقف بغير واسطة فهو كأحد البنين وإن كان صغيرا أو حدث لأحد البنين ولد يشاركهم في الوقف أو كان أحد البنين صغيرا وقف نصيبه من الوقف عليه ولا يسلم إلى وليه حتى يبلغ فيحلف أو يمتنع لأنه يتلقى الوقف من غير واسطة
فإن قيل فلم لم يستحق بغير يمين لكون البنين المستحقين معترفين له بذلك فيكتفى باعترافهم كما لو كان في أيديهم دار فاعترفوا لصغير منها بشرك فإنه يسلم إلى وليه قلنا الفرق بينهما أن الدار التي في أيديهم لم يكن لهم فيها منازع ولا يوجب على أحد منهم فيها يمين وهذه ينازعهم فيها الأبوان وأصحاب الديون والوصايا وإنما يأخذونها بأيمانهم فإذا أقروا بمشارك لهم فقد اعترفوا بأنه كواحد منهم لا يستحق إلا بيمينه كما لا يستحق واحد منهم إلا باليمين ويفارق ما إذا كان الوقف مرتبا على بطن بعد بطن فإنه لا يشاركهم أحد من البطن الثاني فإذا بلغ الصغير الموقوف نصيبه فحلف كان له وإن امتنع نظرت فإن كان موجودا حين الدعوى أو قبل حلفهم كان نصيبه ميراثا كما لو كان له بالغا فامتنع من اليمين فإن حدث بعد أيمانهم وثبوت الوقف نماء كان له نصيبه أيضا لأن الوقف ثبت في جميع الدار بأيمان البنين فلا يبطل بامتناع من حدث إلا أنه إن أقر أنها ليست وقفا وكذب البنين في ذلك كان نصيبه من الغلة ميراثا حكمه حكم نماء الميراث وإن لم يكذبهم فنصيبه وقف له وقال القاضي إن امتنع من اليمين رد نصيبه إلى الأولاد الثلاثة ولم يفرق بين من كان موجودا حال الدعوى والحادث بعدها لأنه لا يجوز أن يستحق بغير يمينه ولا يجوز أن يبطل الوقف الثابت بأيمانهم فتعين رد نصيبه إليهم ولنا إنه إن كان موجودا حال الدعوى وحلفهم فهو شريكهم حين يثبت الوقف فلم يجز أن يثبت الوقف في نصيبه بغير يمينه كالبالغ وإن كان حادثا بعد ثبوت الوقف بأيمانهم فهم مقرون له بنصيبه وهو يصدقهم في إقرارهم فلم يجز لهم أخذ نصيبه كما لو أقروا له بمال ولأنهم يقرون بأنهم لا يستحقون أكثر من ثلاثة أرباع الوقف فلا يجوز لهم أخذ أكثر من ذلك وإن مات الصغير قبل بلوغه قام وارثه مقامه فيما ذكرنا وإن مات أحد البنين البالغين قبل بلوغ الصغير وقف أيضا نصيبه مما كان لعمه الميت وكان الحكم فيه كالحكم في نصيبه الأصلي وقال القاضي إن بلغ فامتنع من اليمين فالربع موقوف إلى حين موت الثالث ويقسم بين البالغين وورثة الميت لأنه كان بين الثلاثة ونصيبه من الميت للبالغين الحيين خاصة لأنهما مستحقا الوقف مسألة قال ( ومن ادعى دعوى وذكر أن بينته بالبعد منه فحلف المدعى عليه ثم أحضر المدعي بينته حكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق ) وجملته أن المدعي إذا ذكر أن بينته بعيدة منه أو لا يمكنه إحضارها أو لا يريد إقامتها فطلب اليمين من المدعى عليه أحلف له فإذا حلف ثم أحضر المدعي ببينة حكم له وبهذا قال شريح والشعبي ومالك والثوري والليث والشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وإسحاق وحكي عن ابن أبي ليلى وداود أن بينته لا تسمع لأن اليمين حجة المدعى عليه فلا تسمع بعدها حجة المدعي كما لا تسمع يمين المدعى عليه بعد بينة المدعي ولنا قول عمر رضي الله عنه البينة الصادقة أحب إلي من اليمين الفاجرة وظاهر هذه البينة الصدق ويلزم من صدقها فجوز اليمين المتقدمة فتكون أولى ولأن كل حالة يجب عليه الحق فيها بإقراره يجب عليه بالبينة كما قبل اليمين وما ذكروه لا يصح لأن البينة الأصل واليمين بدل عنها ولهذا لا تشرع إلا عند تعذرها والبدل يبطل بالقدرة على المبدل كبطلان التيمم بالقدرة على الماء ولا يبطل الأصل بالقدرة على البدل ويدل على الفرق بينهما أنهما حال اجتماعهما وإمكان سماعهما تسمع البينة ويحكم بها ولا تسمع اليمين ولا يسأل عنها
فصل فإن طلب المدعي حبس المدعى عليه أو إقامة كفيل به إلى أن تحضر بينته البعيدة لم يقبل منه ولم يكن له ملازمة خصمه نص عليه أحمد لأنه لم يثبت له قبله حق يحبس به ولا يقيم به كفيلا ولأن الحبس عذاب فلا يلزم معصوما لم يتوجه عليه حق ولأنه لو جاز ذلك لتمكن كل ظالم من حبس من شاء من الناس بغير حق وإن كانت بينته قريبة فله ملازمته حتى يحضرها لأن ذلك من ضرورة إقامتها فإنه لو لم يتمكن من ملازمته لذهب من مجلس الحاكم ولا تمكن إقامتها إلا بحضرته ولأنه لما تمكن من إحضاره مجلس الحاكم ليقيم البينة عليه تمكن من ملازمته فيه حتى تحضر البينة وتفارق البينة البعيدة أو من لا يمكن حضورها فإن إلزامه الإقامة إلى حين حضورها يحتاج إلى حبس أو ما يقوم مقامه ولا سبيل إليه فصل ولو أقام المدعي شاهدا واحدا ولم يحلف معه وطلب يمين المدعى عليه أحلف له ثم إن أحضر شاهدا آخر بعد ذلك كملت بينته وقضي بها لما ذكرنا في التي قبلها وإن قال المدعي لي بينة حاضرة وأريد إحلاف المدعى عليه ثم أقيم البينة عليه ففيه وجهان أحدهما له ذلك ويستحلف خصمه لأنه يملك استحلافه إذا كانت بينته بعيدة فكذلك إذا كانت قريبة ولأنه لو قال أريد إقامة بينتي القريبة ملك استحلافه فكذلك إذا أراد إقامتها الثاني لا يملك استحلافه لأن في البينة غنية عن اليمين فلم تشرع معها ولأن البينة أصل واليمين بدل فلا يجمع البدل والأصل كالتيمم مع الماء وفارق البعيدة فإنها في الحال كالمعدومة للعجز عنها وكذلك التي لا يريد إقامتها لأنه قد تكون عليه مشقة في إحضارها أو عليها في الحضور مشقة فسقط ذلك للمشقة بخلاف التي يريد إقامتها مسألة قال ( واليمين التي يبرأ بها المطلوب هي اليمين بالله وإن كان الحالف كافرا ) وجملته أن اليمين المشروعة في الحقوق التي يبرأ بها المطلوب هي اليمين بالله في قول عامة أهل العلم إلا أن مالكا أحب أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو وإن استحلف حاكم بالله أجزأ قال ابن المنذر هذا أحب إلي لأن ابن عباس روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلف رجلا فقال له قل والله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء رواه أبو داود وفي حديث عمر حين حلف لأبي قال والله الذي لا إله إلا هو إن النخل لنخلي وما لأبي فيها شيء وقالالشافعي إن كان المدعي قصاصا أو عتاقا أو حدا أو ما لا يبلغ نصابا غلظت اليمين فيحلف بالله لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية وقال في القسامة عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهذا اختيار أبي الخطاب وذكر القاضي أن هذا في أيمان القسامة خاصة وليس بشرط ولنا قول الله تعالى تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا المائدة 106 وقال تعالى فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما المائدة 107 وقال تعالى في اللعان فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين النور 6 وقال تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم الأنعام 109 قال بعض أهل التفسير من أقسم بالله فقد أقسم جهد اليمين واستحلف النبي صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد في الطلاق فقال آلله ما أردت إلا واحدة وفي حديث الحضرمي والكندي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألك بينة قال لا ولكن أحلفه والله ما يعلم أنها أرضي غصبنيها رواه أبو داود وقال عثمان لابن عمر تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه ولأن في الله كفاية فوجب أن يكتفي باسمه في اليمين كالموضع الذي سلموه فأما حديث ابن عباس وعمر فإنه يدل على جواز الاستحلاف كذلك وما ذكرناه يدل على الاكتفاء باسم الله وحده وما ذكره الباقون فتحكم لا نص فيه ولا قياس يقتضيه
إذا ثبت هذا فإن اليمين في حق المسلم والكافر جميعا بالله تعالى لا يحلف أحد بغيره لقول الله تعالى فيقسمان بالله المائدة 107 ولقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت فصل وتشرع اليمين في حق كل مدعى عليه سواء كان مسلما أو كافرا عدلا أو فاسقا امرأة أو رجلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم اليمين على المدعى عليه وروى شقيق عن الأشعث بن قيس قال قال كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لك بينة قلت لا قال لليهودي احلف قلت إذا يحلف فيذهب بمالي فأنزل الله عز وجل إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه وفي حديث الحضرمي قلت إنه رجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه قال ليس لك منه إلا ذلك مسألة قال ( إلا أنه إن كان يهوديا قيل له قل والله الذي أنزل التوراة على موسى وإن كان نصرانيا قيل له قل والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى وإن كان لهم مواضع يعظمونها ويتوقون أن يحلفوا فيها كاذبين حلفوا فيها ) ظاهر كلامالخرقي رحمه الله أن اليمين لا تغلظ إلا في حق أهل الذمة ولا تغلظ في حق المسلمين ونحو هذا قال أبو بكر ووجه تغليظها في حقهم ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني لليهود نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى رواه أبو داود وكذلك قال الخرقي تغلظ بالمكان فيحلف في المواضع التي يعظمها ويتوقى الكذب فيها ولم يذكر التغليظ بالزمان وقال أبو الخطاب إن رأى التغليظ في اليمين في اللفظ بالزمان والمكان فله ذلك قال وقد أومأ إليه أحمد في رواية الميموني وذكر التغليظ في حق المجوسي قال فيقال له قل والله الذي خلقني ورزقني وإن كان وثنيا حلفه بالله وحده وكذلك إن كان لا يعبد الله لأنه لا يجوز أن يحلف بغير الله لقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولأن هذا إن لم يكن يعتد هذه يمينا فإنه يزداد بها إثما وعقوبة وربما عجلت عقوبته فيتعظ بذلك ويعتبر به غيره وهذا كله ليس بشرط في اليمين وإنما للحاكم فعله إذا رأى وممن قال يستحلف أهل الكتاب بالله وحده مسروق وأبو عبيدة بن عبد الله وعطاء وشريح والحسن وإبراهيم بن كعب بن سور ومالك والثوري وأبو عبيد وممن قال لا يشرع التغليظ بالزمان والمكان في حق مسلم أبو حنيفة وصاحباه وقال مالك والشافعي تغلظ ثم اختلفا فقال مالك يحلف في المدينة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحلف قائما ولا يحلف قائما إلا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستحلفون في غير المدينة في مساجد الجماعات ولا يحلف عند المنبر إلا على ما يقطع فيه السارق فصاعدا وهو ثلاثة دراهم وقال الشافعي يستحلف المسلم بين الركن والمقام بمكة وفي المدينة عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سائر البلدان في الجوامع عند المنبر وعند الصخرة في بيت المقدس وتغلظ في الزمان في الاستحلاف بعد العصر ولا تغلظ في المال إلا في نصاب فصاعدا وتغلظ في الطلاق والعتاق والحد والقصاص وهذا اختيار أبي الخطاب
وقالابن جرير تغلظ في القليل والكثير واحتجوا بقول الله تعالى تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله المائدة 106 قيل أراد بعد العصر وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف على منبري هذا بيمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار فثبت أنه يتعلق بذلك تأكيد اليمين وروى مالك قال اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع في دار كانت بينهما إلى مروان بن الحكم فقال زيد أحلف له مكاني فقال مروان لا والله إلا عند مقاطع الحقوق قال فجعل زيد يحلف إن حقه لحق ويأبى أن يحلف عند المنبر فجعل مروان يعجب ولنا قول الله تعالى فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما المائدة 107 ولم يذكر مكانا ولا زمنا ولا زيادة في اللفظ واستحلف النبي صلى الله عليه وسلم ركانة في الطلاق فقال الله ما أردت إلا واحدة قال الله ما أردت إلا واحدة ولم يغلظ يمينه بزمن ولا مكان ولا زيادة لفظ وسائر ما ذكرنا في التي قبلها وحلف عمر لأبي حين تحاكما إلى زيد في مكانه وكانا في بيت زيد وقال عثمان لابن عمر تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه وفيما ذكروه تقييد لمطلق هذه النصوص ومخالفة الإجماع فإن ما ذكرنا عن الخليفتين عمر وعثمان مع من حضرهما لم ينكر وهو في محل الشهرة فكان إجماعا وقوله تعالى تحبسونهما من بعد الصلاة المائدة 106 وإنما كان في حق أهل الكتاب في الوصية في السفر وهي قضية خولف فيها القياس في مواضع منها قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين ومنها استحلاف الشاهدين ومنها استحلاف خصومهما عند العثور على استحقاقهما الإثم وهم لا يعلمون بها أصلا فكيف يحتجون بها ولما ذكر أيمان المسلمين أطلق اليمين ولم يقيدها والاحتجاج بهذا أولى من المصير إلى ما خولف فيه القياس وترك العمل به وأما حديثهم فليس فيه دليل على مشروعية اليمين عند المنبر إنما فيه تغليظ اليمين على الحالف عنده ولا يلزم من هذا الاستحلاف عنده وأما قصة مروان فمن العجب احتجاجهم بها وذهابهم إلى قول مروان في قضية خالفه زيد فيها وقول زيد فقيه الصحابة وقاضيهم وأفرضهم أحق أن يحتج به من قول مروان فإن قول مروان لو انفرد ما جاز الاحتجاج به فكيف يجوز الاحتجاج به على مخالفة إجماع الصحابة وقول أئمتهم وفقهائهم ومخالفته فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإطلاق كتاب الله تعالى وهذا ما لا يجوز وإنما ذكر الخرقي التغليظ بالمكان واللفظ في حق الذمي لاستحلاف النبي صلى الله عليه وسلم اليهود بقوله نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ولقول الله تعالى في حق الكتابين تحبسونهما من بعد الصلاة المائدة 106 ولأنه روي عن كعب بن سور في نصراني قال اذهبوا به إلى المذبح واجعلوا الإنجيل في حجره والتوراة على رأسه وقال الشعبي في نصراني اذهب به إلى البيعة فاستحلفه بما يستحلف به مثله وقالابن المنذر لا أعلم حجة توجب أن يستحلف في مكان بعينه ولا بيمين غير الذي يستحلف بها المسلمون وعلى كل حال فلا خلاف بين أهل العلم في أن التغليظ بالزمان والمكان والألفاظ غير واجب إلا أن ابن الصباغ ذكر أن في وجوب التغليظ بالمكان قولين للشافعي وخالفه ابن العاص فقال لا خلاف بين أهل العلم في أن القاضي حيث استحلف المدعى عليه في عمله وبلد قضائه جاز وإنما التغليظ بالمكان فيه اختيار فيكون التغليظ عند من رآه اختيارا واستحسانا فصل قال ابن المنذر ولم نجد أحدا يوجب اليمين بالمصحف وقال الشافعي رأيتهم يؤكدون بالمصحف ورأيت ابن مازن وهو قاض بصنعاء يغلظ اليمين بالمصحف قال أصحابه فيغلظ عليه بإحضار المصحف لأنه يشتمل على كلام الله تعالى وأسمائه وهذا زيادة على ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمين وفعله الخلفاء الراشدون وقضاتهم من غير دليل ولا حجة يستند إليها ولا يترك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لفعل ابن مازن ولا غيره
مسألة قال ( ويحلف الرجل فيما عليه على البت ويحلف الوارث على دين الميت على العلم ) معنى البت القطع أي يحلف بالله ما له علي شيء وجملة الأمر أن الأيمان كلها على البت والقطع إلا على نفي فعل الغير فإنها على نفي العلم وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال الشعبي والنخعي كلها على العلم وذكرابن أبي موسى رواية عن أحمد وذكر أحمد حديث الشيباني عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تضطروا الناس في أيمانهم أن يحلفوا على ما لا يعلمون ولأنه لا يكلف ما لا علم له به وقال ابن أبي ليلى كلها على البت كما يحلف على فعل نفسه ولنا حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم استحلف رجلا فقال له قل والله الذي لا إله إلا هو ما له عليك حق وروى الأشعث بن قيس أن رجلا من كندة ورجلا من حضرموت اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض من اليمن فقال الحضرمي يا رسول الله إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا وهي في يده قال هل لك بينة قال لا ولكن أحلفه والله العظيم ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه فتهيأ الكندي لليمين رواه أبو داود ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكروه لا يصح لأنه يمكنه الإحاطة بفعل نفسه ولا يمكنه ذلك في فعل غيره فافترقا في اليمين كما افترقت الشهادة فإنها تكون بالقطع فيما يمكن القطع فيه من العقود وعلى الظن فيما لا يمكن فيه القطع من الأملاك والأنساب وعلى نفي العلم فيما لا تمكن الإحاطة بانتفائه كالشهادة على أنه لا وارث له غير فلان وفلان وحديث القاسم بن عبد الرحمن محمول على اليمين على نفي فعل الغير إذا ثبت هذا فإنه يحلف فيما عليه على البت نفيا كان أو إثباتا وأما ما يتعلق بفعل غيره فإن كان إثباتا مثل أن يدعي أنه أقرض أو باع ويقيم شاهدا بذلك فإنه يحلف مع شاهده على البت والقطع وإن كان على نفي العلم مثل أن يدعى عليه دين أو غصب أو جناية فإنه يحلف على نفي العلم لا غير وإن حلف عليه على البت كفاه وكان التقدير فيه العلم كما في الشاهد إذا شهد بعدد الورثة وقال ليس له وارث غيرهم سمع ذلك وكان التقدير فيه علمه ولو ادعى عليه أن عبده جنى أو استدان فأنكر ذلك فيمينه على نفي العلم لأنها يمين على نفي فعل الغير فأشبهت اليمين الوارث على نفي الموروث فصل قالابن أبي موسى اختلف قول أحمد فيمن باع سلعة وظهر المشتري على عيب بها وأنكره البائع هل اليمين على البتات أو على علمه على روايتين ولو أبق عند المشتري فادعى على البائع أنه أبق عنده فأنكر هل يلزمه أن يحلف أنه لم يأبق قط أو على نفي علمه على روايتين إلا أن يكون ولده فيحلف أنه لم يأبق قط ووجه كون اليمين على علمه أنها على نفي فعل الغير فأشبه ما لو ادعى عليه أن عبده جنى ووجه الأخرى أنه إذا ادعى عليه أنه باعه معيبا يستحق به رده عليه فلزمته اليمين على البت كما لو كان إثباتا فصل ومن توجهت عليه يمين هو فيها صادق أو توجهت له أبيح له الحلف ولا شيء عليه من إثم ولا غيره لأن الله تعالى شرع اليمين ولا يشرع محرما
وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقسم على الحق في ثلاثة مواضع من كتابه وحلف عمر لأبي على نخيل ثم وهبه له وقال خفت إن لم أحلف أن يمتنع الناس من الحلف على حقوقهم فتصير سنة وقال حنبل بلي أبو عبد الله بنحو هذا جاء إليه ابن عمه فقال لي قبلك حق من ميراث أبي وأطالبك بالقاضي وأحلفك فقيل لأبي عبد الله ما ترى قال أحلف له إذا لم يكن له قبلي حق وأنا غير شاك في ذلك حلفت له وكيف لا أحلف وابن عمر قد حلف وأنا من أنا وعزم أبو عبد الله على اليمين فكفاه الله ذلك ورجع الغلام عن تلك المطالبة واختلف في الأولى فقال قوم الحلف أولى من افتداء يمينه لأن عمر حلف ولأن في الحلف فائدتين أحدهما حفظ ماله عن الضياع وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته والثانية تخليص أخيه الظالم من ظلمه وأكل المال بغير حقه وهذا من نصيحته ونصرته بكفه عن ظلمه وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم على رجل أن يحلف ويأخذ حقه وقال أصحابنا افتداء يمينه فإن عثمان افتدى يمينه وقال خفت أن تصادف قدرا فيقال حلف فعوقب أو هذا شؤم يمينه وروى الخلال بإسناده أن حذيفة عرف جملا سرق له فخاصم فيه إلى قاضي المسلمين فصارت اليمين على حذيفة فقال لك عشرة دراهم فأبى فقال لك عشرون فأبى فقال لك ثلاثون فأبى فقال لك أربعون فأبى فقال حذيفة أتراني أترك جملي فحلف بالله أنه ل ما باع ولا وهب ولأن في اليمين عند الحاكم تبدلا ولا يأمن أن يصادف قدرا فينسب إلى الكذب وأنه عوقب بحلفه كاذبا وفي ذهاب ماله له أجر وليس هذا تضييعا للمال فإن أخاه المسلم ينتفع به في الدنيا ويغرمه له في الآخرة وأماعمر فإنه خاف الاستنان به وترك الناس الحلف على حقوقهم فيدل على أنه لولا ذلك لما حلف وهذا أولى والله تعالى أعلم فصل فأما الحلف الكاذب ليقتطع به مال أخيه ففيه إثم كبير وقد قيل إنه من الكبائر لأن الله تعالى وعد عليه العذاب الأليم فقال سبحانه إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم آل عمران 77 قال الأشعث بن قيس نزلت هذه الآية كان لي بئر في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بينتك أو يمينه قلت إذا يحلف عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان أخرجه البخاري وروى ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان متفق عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الكندي لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض وهو حديث حسن صحيح وقد روي في حديث أن يمين الغموس تذر الديار بلاقع ويستحب للحاكم أن يخوف المدعى عليه من اليمين الفاجرة ويقرأ عليه الآية والأخبار فصل ومن ادعى عليه دين وهو معسر به لم يحل له أن يحلف أنه لا حق له علي وبهذا قال المزني وقال أبو ثور له ذلك لأن الله تعالى قال وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ( البقرة 280 ) ولأنه لا يستحق مطالبته به في الحال ولا يجب عليه أداؤه إليه ولنا أن الدين في ذمته وهو حق له عليه ولو لم يكن عليه حق لم يجب إنظاره به
فصل ويمين الحالف على حسب جوابه فإذا ادعى عليه أنه غصبه أو استودعه وديعة أو اقترض منه نظرنا في جواب المدعى عليه فإن قال ما غصبتك ولا استودعتني ولا أقرضتني كلف أن يحلف على ذلك فإن قال ما لك علي حق أو لا تستحق علي شيئا أو لا تستحق علي ما ادعيته ولا شيئا منه كان جوابا صحيحا ولا يكلف الجواب عن الغصب والوديعة والقرض لأنه يجوز أن يكون غصب منه ثم رده عليه فلو كلف جحد ذلك كان كاذبا وإن أقر به ثم ادعى الرد لم يقبل منه فإذا طلب منه اليمين حلف على حسب ما أجاب ولو ادعى أنني ابتعت منك الدار التي في يدك فأنكره وطلب يمينه نظرنا في جوابه فإن أجاب بأنك لا تستحقها حلف على ذلك ولم يلزمه أن يحلف أنه ما ابتاعها لأنه قد يبتاعها منه ثم يردها عليه وإن أجاب بأنك لم تبتعها مني حلف على ذلك وقالأحمد في رجل ادعى على رجل أنه أودعه فأنكره هل يحلف ما أودعتني قال إذا حلف ما لك عندي شيء ولا لك في يدي شيء فهو يأتي على ذلك وهذا يدل على أنه لا يلزمه الحلف على حسب الجواب وأنه متى حلف ما لك قبلي حق برىء بذلك ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فصل ولا تدخل اليمين النيابة ولا يحلف أحد عن غيره فلو كان المدعى عليه صغيرا أو مجنونا لم يحلف عنه ووقف الأمر حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون ولم يحلف عنه وليه ولو ادعى الأب لابنه الصغير حقا أو ادعاه الوصي أو الأمين له فأنكر المدعى عليه فالقول قوله مع يمينة فإن نكل قضي عليه ومن لم ير القضاء بالنكول ورأى رد اليمين على المدعي لم يحلف الولي عنهما ولكن تقف اليمين ويكتب الحاكم محضرا بنكول المدعى عليه وإن ادعى على العبد دعوى نظرت فإن كانت مما يقبل قول العبد فيها على نفسه كالقصاص والطلاق والقذف فالخصومة معه دون سيده فإن قلنا إن اليمين تشرع في هذا أحلف العبد دون سيده وإن نكل لم يحلف غيره وإن كان مما لا يقبل قول العبد كإتلاف مال أو جناية توجب المال فالخصم السيد واليمين عليه ولا يحلف العبد فيها بحال فصل وإذا نكل من توجهت عليه اليمين عنها وقال لي بينة أقيمها أو حساب استثبته لأحلف على ما أتيقن فذكر أبو الخطاب أنه لا يمهل وإن لم يحلف جعل ناكلا وقيل لا يكون ذلك نكولا ويمهل مدة قريبة وإن قال ما أريد أن أحلف أو سكت فلم يذكر شيئا نظرنا في المدعى فإن كان مالا أو المقصود منه المال قضي عليه بنكوله ولم ترد اليمين على المدعي نص عليه أحمد فقال أنا لا أرى رد اليمين إن حلف المدعى عليه وإلا دفع إليه حقه وبهذا قال أبو حنيفة واختار أبو الخطاب أن له رد اليمين على المدعي إن ردها حلف المدعي وحكم له بما ادعاه قال وقد صوبه أحمد فقال ما هو ببعيد يحلف ويستحق وقال هو قول أهل المدينة روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال شريح والشعبي والنخعي وابن سيرين ومالك في المال خاصة وقاله الشافعي في جميع الدعاوى لما روي عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق رواه الدارقطني ولأنه إذا نكل ظهر صدق المدعي وقوي جانبه فتشرع اليمين في حقه كالمدعى عليه قبل نكوله وكالمدعي إذا شهد له شاهد واحد ولأن النكول قد يكون لجهله بالحال وتورعه عن الحلف على ما لا يتحققه أو للخوف من عاقبة اليمين أو ترفعا عنها مع علمه بصدقه في إنكاره ولا يتعين بنكوله صدق المدعي فلا يجوز الحكم له من غير دليل فإذا حلف كانت يمينه دليلا عند عدم ما هو أقوى منها كما في موضع الوفاق وقال ابن أبي ليلى لا أدعه حتى يقر أو يحلف
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على جانب المدعى عليه فحصرها في جانب المدعى عليه وقوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه فجعل جنس اليمين في جنبة المدعى عليه كما جعل جنس البينة في جنبة المدعي وقال أحمد قدم ابن عمر إلى عثمان في عبد له فقال له احلف أنك ما بعته وبه عيب علمته فأبى ابن عمر أن يحلف فرد العبد عليه ولم يرد اليمين على المدعي ولأنها بينة في المال فحكم فيها بالنكول كما لو مات من لا وارث له فوجد الإمام في دفتره دينا له على إنسان فطالبه به فأنكره وطلب منه اليمين فأنكره فإنه لا خلاف أن اليمين لا ترد وقد ذكر أصحاب الشافعي في هذا أنه يقضي بالنكول في أحد الوجهين وفي الآخر يحبس المدعى عليه حتى يقر أو يحلف وكذلك لو ادعى رجل على ميت أنه وصى إليه بتفريق ثلثه وأنكر الورثة ونكلوا عن اليمين قضى عليهم والخبر لا تعرف صحته ومخالفة ابن عمر له في القصة التي ذكرناها تدل على ضعفه فإنه لم يرد اليمين على المدعي ولا ردها عثمان فعلى هذا إذا نكل عن اليمين قال له الحاكم إن حلفت وإلا قضيت عليك ثلاثا فإن حلف وإلا قضى عليه وعلى القول الآخر يقول له لك رد اليمين على المدعي الله تبارك وتعالى رضي الله عنهن الرب عز وجل فإن ردها حلف وقضى له وإن نكل عن اليمين سئل عن سبب نكوله فإن قال لي بينة أقيمها أو حساب أستئبته لا أحلف على ما أتيقنه أخرت الحكومة وإن قال ما أريد أن أحلف سقط حقه من اليمين فلو بذلها في ذلك المجلس بعد هذا لم تسمع منه إلى أن يعود في مجلس آخر فإن قيل فالمدعى عليه لو امتنع من اليمين ثم بذلها سمعت منه فلم منعتم سماعها ها هنا قلنا اليمين في حق المدعى عليه هي الأصل فمتى قدر عليها أو بذلها وجب قبولها والمصير إليها كالمبدلات مع إبدالها وأما يمين المدعي فهي بدل فإذا امتنع منها لم ينتقل الحق إلى غيره فإذا امتنع منها سقط حقه منها لضعفها وأما إذا خلف وقضى له فعاد المدعى عليه وبذل اليمين لم يسمع منه وهكذا لو بذلها بعد الحكم عليه بنكوله لم يسمع لأن الحكم قد تم فلا ينقض كما لو قامت به بينة فأما غير المال وما لا يقصد به المال فلا يقضي فيه بالنكول نص عليه أحمد في القصاص ونقل عنه في رجل ادعى على رجل أنه قذفه فقال استحلفوه فإن قال لا أحلف أقيم عليه قال أبو بكر هذا قول قديم والمذهب أنه لا يقضي في شيء من هذا بالنكول ولا فرق بين القصاص في النفس والقصاص في الطرف وبهذا قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يقضي بالنكول في القصاص فيما دون النفس وعن أحمد مثله والأول هو المذهب لأن هذا أحد نوعي القصاص فأشبه النوع الآخر فعلى هذا ما يصنع به فيه وجهان أحدهما يخلى سبيله لأنه لم يثبت عليه حجة وتكون فائدة شرعية اليمين الردع والزجر والثاني يحبس حتى يقر أو يحلف وأصل الوجهين المرأة إذا نكلت عن اللعان فصل وإذا حلف فقال إن شاء الله تعالى أعيدت عليه اليمين لأن الاستثناء يزيل حكم اليمين وكذلك إن وصل يمينه بشرط أو كلام غير مفهوم وإن حلف قبل أن يستحلفه الحاكم أعيدت عليه ولم يعتد بما حلف قبل الاستحلاف وكذلك إن استحلفه الحاكم قبل أن يسأله المدعي استحلافه لم يعتد بها فصل ولو ادعى على رجل دينا أو حقا فقال قد أبرأتني منه أو استوفيته مني فالقول قول من ينكر الإبراء والاستيفاء مع يمينه ويكفيه أن يحلف بالله أن هذا الحق ويسميه تسمية يصير بها معلوما ما برئت ذمتك منه ولا من شيء منه أو ما برئت ذمتك من ذلك الحق ولا من شيء منه وإن ادعى استيفاءه أو البراءة بجهة معلومة حلف على تلك الجهة وحدها وكفاه
فصل والحقوق على ضربين أحدهما ما هو حق لآدمي والثاني ما هو حق لله تعالى فحق الآدمي ينقسم قسمين أحدهما ما هو مال أو المقصود منه المال فهذا تشرع فيه اليمين بلا خلاف بين أهل العلم فإذا لم تكن للمدعي بينة حلف المدعى عليه وبرىء وقد ثبت هذا في قصة الحضرمي والكندي الذين اختلفا في الأرض وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه القسم الثاني ما ليس بمال ولا المقصود منه المال وهو كل ما لا يثبت إلا بشاهدين كالقصاص وحد القذف والنكاح والطلاق والرجعة والعتق والنسب والاستيلاد والولاء والرق ففيه روايتان أحدهما لا يستحلف المدعى عليه ولا تعرض عليه اليمين قال أحمد لم أسمع من مضى جوزوا الأيمان إلا في الأموال والعروض خاصة وهذا قول مالك ونحوه قولهأبي حنيفة فإنه قال لا يستحلف في النكاح وما يتعلق به من دعوى الرجعة والفيئة في الإيلاء ولا في الرق وما يتعلق به من الاستيلاد والولاء والنسب لأن هذه الأشياء لا يدخلها البدل وإنما تعرض اليمين فيما يدخله البدل فإن المدعى عليه مخير بين أن يحلف أو يسلم ولأن هذه الأشياء لا تثبت إلا بشاهدين ذكرين فلا تعرض فيها اليمين كالحدود والرواية الثانية يستحلف في الطلاق والقصاص والقذف وقال الخرقي إذا قال ارتجعتك فقالت انقضت عدتي قبل رجعتك فالقول قولها مع يمينها وإذا اختلف في مضي الأربعة أشهر فالقول قوله مع يمينه فيخرج من هذا أنه يستحلف في كل حق لآدمي وهذا قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد لقول النبي صلى الله عليه وسلم لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه أخرجه مسلم وهذا عام في كل مدعى عليه وهو ظاهر في دعوى الدماء لذكرها في الدعوى مع عموم الأحاديث ولأنها دعوى صحيحة في حق لآدمي فجاز أن يحلف فيها المدعى عليه كدعوى المال الضرب الثاني حقوق الله تعالى وهي نوعان أحدهما الحدود فلا تشرع فيها يمين ولا نعلم في هذا خلافا لأنه لو أقر ثم رجع عن إقراره قبل منه وخلي من غير يمين فلأن لا يستحلف مع عدم الإقرار أولى ولأنه يستحب ستره والتعويض للمقربة بالرجوع عن إقراره وللشهود بترك الشهادة والستر عليه قال النبي صلى الله عليه وسلم لهزال في قصة ماعز يا هزال لو سترته بثوبك لكان خيرا لك فلا تشرع فيه يمين بحال النوع الثاني الحقوق المالية كدعوى الساعي الزكاة على رب المال وأن الحول قد تم وكمل النصاب فقال أحمد القول قول رب المال من غير يمين ولا يستحلف الناس على صدقاتهم وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد يستحلف لأنها دعوى مسموعة أشبه حق الآدمي ولنا أنه حق لله تعالى أشبه الحد ولأن ذلك عبادة فلا يستحلف عليها كالصلاة ولو ادعى عليه أن عليه كفارة يمين أو ظهار أو نذر صدقة أو غيرها فالقول قوله في نفي ذلك من غير يمين ولا تسمع الدعوى في هذا ولا في حد لله تعالى لأنه لا حق للمدعي فيه ولا ولاية له عليه فلا تسمع منه دعواه حقا لغيره من غير إذنه ولا ولاية له عليه فإن تضمنت دعواه حقا له مثل أن يدعي سرقة ماله ليضمن السارق أو يأخذ منه ما سرقه أو يدعي عليه الزنا بجاريته ليأخذ مهرها منه سمعت دعواه ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمي دون حق الله تعالى مسألة قال ( وإذا شهد من الأربعة اثنان أن هذا زنى بها في هذا البيت وشهد الآخران أنه زنى بها في البيت الآخر فالأربعة قذفه وعليهم الحد )
وجملته أن من شرط صحة الشهادة على الزنا اجتماع الشهود الأربعة على فعل واحد فإن لم يجتمعوا لم تكمل الشهادة وكان الجميع قذفة وعليهم الحد فإذا شهد اثنان أنه زنى بها في هذا البيت واثنان أنه زنى بها في بيت آخر فما اجتمعوا على الشهادة بزنا واحد لأن الزنا في هذا البيت غير الزنا في الآخر فلم تكمل شهادتهم ويحدون حد القذف وبهذا قال مالك والشافعي في أحد قوليه وقال أبو بكر تكمل شهادتهم ويحد المشهود عليه واستبعده أبو الخطاب وقال هذا سهو من الناقل لأنه يخالف الأصول والإجماع والحد يدرأ بالشبهات فكيف يجب بها وقال النخعي وأصحاب الرأي وأبو ثور والشافعي في قول لا حد على الشهود لأنهم كملوا أربعة ولا على المشهود عليه لأنهم لم يشهدوا بزنا واحد يجب الحد به ولنا أنهم لم يشهدوا بزنا واحد فلزمهم الحد كما لو شهد اثنان أنه زنى بامرأة واثنان أنه زنى بغيرها ولأنه لا يخلو من أن تكون شهادتهم بزنا واحد أو باثنين فإن كان بفعل واحد مثل أن يعين الجميع وقتا واحدا لا يمكن زناه فيه في الموضعين فاثنان منهم كاذبان يقينا واثنان منهم لو خلوا عن المعارضة لشهادتهم لكانا قذفة فمع التعارض أولى وإن كانت شهادتهم بفعلين كانوا قذفة كما لو عينوا في شهادتهم أنه زنى مرة أخرى وما ذكروه يبطل بالأصل الذي ذكرناه فصل وكذلك كل شهادة على فعلين مثل أن يشهد اثنان أنه زنى بامرأة وآخران أنه زنى بأخرى أو يشهدان أنه زنى بها في يوم وآخران أنه زنى بها في آخر أو يشهدان أنه زنا بها ليلا وآخران أنه زنى بها نهارا أو يشهدان أنه زنى بها غدوة ويشهد آخران أنه زنى بها عشيا وأشباه هذا فإنهم قذفة في هذه المواضع وعليهم الحد لما ذكرناه فإن شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية بيت وشهد آخران أنه زنى بها في زاوية منه أخرى وكانتا متباعدتين فالحكم فيه كما ذكرنا وقال أبو حنيفة تقبل شهادتهم ويحد المشهود عليه استحسانا وهو قول أبي بكر ولنا أنهما مكانان لا يمكن وقوع الفعل الواحد فيهما ولا يصح نسبته إليهما فأشبها البيتين وأما إن كانتا متقاربتين تمكن نسبته إلى كل واحدة منهما لقربه منها كملت الشهادة لإمكان صدقهم في نسبته إلى الزاويتين جميعا فصل ومتى كانت الشهادة على فعل فاختلف الشاهدان في زمنه أو مكانه أو صفة له تدل على تغاير الفعلين لم تكمل شهادتهما مثل أن يشهد أحدهما أنه غصبه دينارا يوم السبت ويشهد الآخر أنه غصبه دينارا يوم الجمعة أو يشهد أحدهما أنه غصبه بدمشق ويشهد الآخر أنه غصبه بمصر أو يشهد أحدهما أنه غصبه دينارا ويشهد الآخر أنه غصبه ثوبا فلا تكمل الشهادة لأن كل فعل لم يشهد به شاهدان وهكذا إن اختلفا في زمن القتل أو مكانه أو صفته أو في شرب الخمر أو القذف لم تكمل الشهادة لأن ما شهد به أحد الشاهدين غير الذي شهد به الآخر فلم يشهد بكل واحد من الفعلين إلا شاهد واحد فلم يقبل إلا على قول أبي بكر فإن هذه الشهادة لم تكمل ويثبت المشهود به إذا اختلفا في الزمان والمكان فأما إن اختلفا في صفة الفعل فشهد أحدهما أنه سرق مع الزوال كيسا أبيض وشهد آخر أنه سرق مع الزوال كيسا أسود أو شهد أحدهما أنه سرق هذا الكيس غدوة وشهد الآخر أنه سرقه عشيا لم تكمل الشهادة ذكره ابن حامد وقال أبو بكر تكمل والأول أصح لأن كل فعل لم يشهد به إلا واحد على ما قدمناه