İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولكن يخفون ذلك في أنفسهم وإنما لم يكره أحمد ذلك كما كره القراءة خلف الإمام لأنه يسير لا يمنع الإنصات فجرى مجرى التأمين قال لأحمد فإن رفعوا أصواتهم بهذا قال أكرهه قيل فينهاهم الإمام قال لا ينهاهم قال القاضي إنما لم ينههم لأن قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الجهر بمثل ذلك في صلاة الإخفاء فإنه كان يسمعهم الآية أحيانا فصل قيل لأحمد رحمه الله إذا قرأ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى هل يقول ( سبحان ربي الأعلى ) قال إن شاء قاله فيما بينه وبين نفسه ولا يجهر به في المكتوبة وغيرها وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قرأ في الصلاة سبح اسم ربك الأعلى فقال سبحان ربي الأعلى وعن ابن عباس أنه قرأ في الصلاة أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى فقال سبحانك وبلى وعن موسى بن أبي عائشة قال كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى قال سبحانك فبلى فسألوه عن ذلك فقال سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود ولأنه ذكر ورد الشرع به فجاز التسبيح في موضعه النوع الثالث أن يقرأ القرآن يقصد به تبيه الآدمي مثل أن يقول ادخلوها بسلام يريد الاذن أو يقول رجل اسمه يحيى يا يحيى خذ الكتاب بقوة أو يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فقد روي عن أحمد أن صلاته تبطل بذلك وهو مذهب أبي حنيفة لأنه خطاب آدمي فأشبه ما لو كمله وروي عنه ما يدل على أنها لا تبطل لأنه قال فيمن قيل له مات أبوك فقال إنا لله وإنا إليه راجعون لا يعيد الصلاة واحتج بحديث علي حينى قال للخارجي فاصبر إن وعد الله حق وروي نحو هذا فقلنا كيف صنعت فقال استأذنا على عبد الله بن مسعود وهو يصلي فقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ولأنه قرأ القرآن فلم تفسد صلاته كما لو لم يقصد به التنبيه وقال القاضي إن قصد التلاوه دون التنبيه لم تفسد صلاته وإن قصد التنبيه دون التلاوه فسدت صلاته لأنه خاطب آدميا وإن قصدهما جميعا ففيه وجهان أحدهما لا تفسد صلاته وهو مذهب الشافعي لما ذكرنا من الآثار والمعنى والثاني تفسد صلاته لأنه خاطب آدميا أشبه ما لو لم يقصد التلاوه فأما إن أتى بما لا يتميز به القرآن من غيره كقوله لرجل اسمه إبراهيم يا إبراهيم أو لعيسى يا عيسى ونحو ذلك فسدت صلاته لأن هذا كلام الناس ولم يتميز عن كلامهم بما يتميز به القرآن فأشبه ما لو جمع بين كلمات متفرقة في القرآن فقال يا إبراهيم خذ الكتاب الكبير فصل يكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى أو على من ليس في صلاة لأن ذلك يشغله عن صلاته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن في الصلاة لشغلا وقد سئل أحمد عن رجل جالس بين يديه المصلي يقرأ فإذا أخطأ فتح عليه المصلي فقال كيف يفتح إذا أخطأ هذا ويتعجب من هذه المسألة فإن فعل لم تبطل صلاته لأنه قرآن وإنما قصد قراءته دون خطاب الآدمي بغيره ولا بأس أن يفتح على المصلي من ليس معه في الصلاة وقد روى النجاد بإسناده قال كنت قاعدا بمكة فإذا رجل عند المقام يصلي وإذا رجل قاعد خلفه يلقنه فإذا هو عثمان رضي الله عنه فصل إذا سلم على المصلي لم يكن له رد السلام بالكلام فإن فعل بطلت صلاته روي نحو ذلك عن أبي ذر وعطاء والنخعي وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وكان سعيد بن المسيب والحسن وقتادة لا يرون به بأسا وروي عن أبي هريرة أنه أمر بذلك وقال إسحاق إن فعله متأولا جازت صلاته ولنا ما روى جابر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فرجعت وهو يصلي على راحلته ووجهه إلى غير القبلة فسلمت عليه فلم يرد علي
فلما انصرف قال أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت إصلي وقول ابن مسسعود قلنا يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا قال إن في الصلاة لشغلا رواهما مسلم ولأنه كلامك آدمي فأشبه تشميت العاطس إذا ثبت هذا فإنه يرد السلام بالإشارة وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور وعن ابن عباس أنه سلم عليه موسى بن جميل وهو يصلي فقبض ابن عباس على ذراعه فكان ذلك ردا من ابن عباس عليه وإن رد عليه بعد فراغه من الصلاة فحسن روي هذا عن أبي ذر وعطاء والنخعي وداود لما روي عن ابن مسعود قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد السلام فأخذني ما قدم وما حدث فلما قض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة فرد علي السلام وقد روى صهيب قال مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه وكلمته فرد إشارة قال بعض الرواة ولا أعلمه إلا قال إشارة بأصبعه وعن ابن عمر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء فصلى فيه قال فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي قال فقلت لبلال كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي قال يعقوب هكذا وبسط يعني كفه وجعل بطنه أسفل وظهره إلى فوق قال الترمذي كلا الحديثين صحيح رواهما أبو داود والأثرم وقد ذكرنا ذلك فيما مضى فصل وإذا دخل قوم على قوم وهم يصلون فسئل أحمد عن الرجل يدخل على القوم وهم يصلون أيسلم عليهم قال نعم وروى ابن المنذر عن أحمد أنه سلم على مصل فعل ذلك ابن عمر وكرهه عطاء وأبو مجلز والشعبي وإسحاق لأنه ربما غلط المصلي فرد عليه السلام وقد روى مالك في موطئه أن ابن عمر سلم على رجل وهو يصلي فرد عليه السلام فرجع إليه ابن عمر فنهاه عن ذلك ومن ذهب إلى تجويزه احتج بقول الله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم أي على أهل دينكم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حين سلم أصحابه عليه رد عليهم إشارة ولم ينكر ذلك عليهم فصل إذا أكل أو شرب في الفريضة عامدا بطلت صلاته رواية واحدة ولا نعلم فيه خلافا قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن المصلي ممنوع من الأكل والشرب وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من أكل أو شرب في صلاة الفرض عامدا أن عليه الإعادة وأن ذلك يفسد الصوم الذي لا يفسد بالأفعال فالصلاة أولى فإن فعل ذلك في التطوع أبطله في الصحيح من المذهب وهو قول أكثر الفقهاء لأن ما أبطل الفرض أبطل التطوع كسائر مبطلاته وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يبطلها ويروى عنابن الزبير وسعيد بن جبير أنهما شربا في التطوع وعن طاوس أنه لا بأس به وكذلك قال اسحاق لأنه عمل يسير فأشبه غير الأكل فأما إن كثر فلا خلاف في أنه يفسدها لأن غير الأكل من الأعمال يفسد إذا كثر فالأكل والشرب أولى وإن أكل أو شرب في فريضة أو تطوع ناسيا لم يفسد وبهذا قال عطاء والشافعي وقال الأوزاعي تفسد صلاته لأنه فعل مبطل من غير جنس الصلاة فاستوى عمده وسهوه كالعمل الكثير ولنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطاء والنسيان ولأنه يسوي بين قليله وكثيره حال العمد ويعفى عنه في الصلاة كالعمل من جنسها ويشرع لذلك سجود السهو وهذا قول الشافعي فإن ما يبطل عمده الصلاة إذا عفي عنه لأجل السهو شرع له السجود كالزيادة من جنس الصلاة ومتى كثر ذلك أبطل الصلاة بغير خلاف لأن الأفعال المعفو عن يسيرها إذا كثرت أبطلت فهذا أولى فصل إذا ترك في فيه ما يذوب كالسكر فذاب منه شيء فابتلعه أفسد صلاته
لأنه أكل وإن بقي بين أسنانه أو في فيه من بقايا الطعام يسير يجري به الريق فابتلعه لم تفسد صلاته لأنه لا يمكن الاحتراز منه وإن ترك في فيه لقمة ولم يبتلعها كره لأنه يشتغله عن خشوع الصلاة والذكر والقراءة فيها ولا يبطلها لأن عمل يسير فأشبه ما لو أمسك شيئا في يده والله أعلم باب الصلاة بالنجاسة وغير ذلك مسألة قال ( وإذا لم تكن ثيابه طاهرة وموضع صلاته طاهرا أعاد ) وجملة ذلك أن الطهارة من النجاسة في بدن المصلي وثوبه شرط لصحة الصلاة في قول أكثر أهل العلم منهم ابن عباس وسعيد بن المسيب وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ويروى عن ابن عباس أنه قال ليس على ثوب جنابة ونحوه عن أبي مجلز وسعيد بن جبير والنخعي وقال الحارث العكلي وابن أبي ليلى ليس في ثوب إعادة ورأى طاوس دما كثيرا في ثوبه وهو في الصلاة فلم يباله وسئل سعيد بن جبير عن الرجل يرى في ثوبه الأذى وقد صلى فقال اقرأ علي الآية التي فيها غسل الثياب ولنا قول الله تعالى وثيابك فطهر قال ابن سيرين هو الغسل بالماء وعن أسماء ابنة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب قال اقرصيه وصل فيه وفي لفظ قالت سمعت امرأة تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر أتصلي فيه قال تنظر فيه فإن رأت فيه دما فلتقرصه بشيء من ماء وتنضح ما لم تر ولتصل فيه رواه أبو داود وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنهما يعذبان وما يعذبان في كثير أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله متفق عليه وفي رواية لا يستنزه من بوله ولأنها إحدى الطهارتين فكانت شرطا للصلاة كالطهارة من الحدث فصل وطهارة موضع الصلاة شرط أيضا وهو الموضع الذي تقع عليه أعضاءه وتلاقيه ثيابه التي عليه فلو كان على رأسه طرف عمامة وطرفها الآخر يسقط على نجاسة لم تصح صلاته وذكر ابن عقيل احتمالا فيما تقع عليه ثيابه خاصة أنه لا يشترط طهارته لأنه يباشرها بما هو منفصل عن ذاته أشبه ما لو صلى إلى جانبه إنسان نجس الثوب فالتصق ثوبه به والأول المذهب لأن سترته تابعة له فهي كأعضاء سجوده فأما إذا كان ثوبه يمس شيئا نجسا كثوب من يصلي إلى جانبه أو حائط لا يستند إليه فقال ابن عقيل لا تفسد صلاته بذلك لأنه ليس بمحل لبدنه ولا سترته ويحتمل أن يفسد لأن سترته ملاقية لنجاسة أشبه ما لو وقعت عليها وإن كانت النجاسة محاذية لجسمه في حال سجوده بحيث لا يلتصق بها شيء من بدنه ولا أعضائه لم يمنع صحة صلاته لأنه لم يباشر النجاسة فأشبه ما لو خرجت عن محازته فصل وإذا صلى ثم رأى عليه نجاسة في بدنه أو ثيابه لا يعلم هل كانت عليه في الصلاة أو لا فصلاته صحيحة لأن الأصل عدمها في الصلاة وإن علم أنها كانت في الصلاة لكن جهلها حتى فرغ من الصلاة ففيه روايتان إحداهما لا تفسد صلاته هذا قول ابن عمر وعطاء وسعيد بن المسيب وسالم ومجاهد والشعبي والنخعي والزهري ويحيى والأنصاري وإسحاق وابن المنذر والثانية يعيد وهو قول أبي قلابة والشافعي لأنها طهارة مشترطة للصلاة فلم تسقط بجهلها كطهارة الحدث وقالربيعة ومالك يعيد ما كان في الوقت ولا يعيد بعده ووجه الرواية الأولى ما روى أبو سعيد قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فخلع الناس نعالهم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال ما حملكم على إلقائكم نعالكم قالوا رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا قال إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا رواه أبو داود ولو كانت الطهارة شرطا مع عدم العلم بها لزمه استئناف الصلاة وتفارق طهارة الحدث
لأنها آكد لأنها لا يعفى عن يسيرها وتخص البدن وإن كان قد علم بالنجاسة ثم نسيها وصلى فقالالقاضي حكى أصحابنا في المسألتين روايتين وذكر هو في مسألة النسيان أن الصلاة باطلة لأنه منسوب إلى التفريط بخلاف الجاهل بها قال الآمدي يعيد إذا كان قد توانى رواية واحدة الصحيح التسوية بينهما لأن ما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان بل النسيان أولى لورود النص بالعفو فيه بقول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وإن علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فإن قلنا لا يعذر بالجهل والنسيان فصلاته باطلة ويلزمه استئنافها وإن قلنا يعذر فصلاته صحيحة ثم إن أمكنه طرح النجاسة من غير زمن طويل ولا عمل كثير ألقاها وبنى كما خلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه حين أخبره جبريل بالقذر فيهما وإن احتاج إلى أحد هذين بطلت صلاته لأنه يفضي إلى أحد أمرين إما استصحاب النجاسة مع العلم بها زمنا طويلا أو يعمل في الصلاة عملا كثيرا فتبطل به الصلاة فصار كالعريان يجد السترة بعيدة منه فصل وإذا سقطت عليه نجاسة ثم زالت عنه أو أزالها في الحال لم تبطل صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم بالنجاسة في نعليه خلعهما وأتم صلاته ولأن النجاسة يعفى عن يسيرها فعفى عن يسير زمنها ككشف العورة وهذا مذهب الشافعي فصل وإذا صلى على منديل طرفه نجس أو كان تحت قدمه حبل مشدود في نجاسة وما يصلي عليه طاهر فصلاته صحيحة سواء تحرك النجس بحركته أو لم يتحرك لأنه ليس بحامل للنجاسة ولا بمصل عليها وإنما اتصل مصلاه بها أشبه ما لو صلى على أرض طاهرة متصلة بأرض نجسة وقال بعض أصحابنا إذا كان النجس يتحرك بحركته لم تصح صلاته والمعول على ما ذكرنا فأمان إن كان الحبل أو المنديل متعلقا به بحيث ينجو معه إذا مشى لم تصح صلاته لأنه مستتبع لها فهو كحاملها ولو كان في يده أو وسطه حبل مشدود في نجاسة أو حيوان نجس أو سفينة صغيرة فيها نجاسة تنجر معه إذا مشى لم تصح صلاته لأنه مستتبع لها فهو كحاملها وإن كانت السفينة كبيرة لا يمكنه جرها أو الحيوان كبيرا لا يقدر على جره إذا استعصى عليه لم تفسد صلاته لأنه ليس بمستتبع لها قالالقاضي هذا إذا كان الشد في موضع طاهر فإن كان مشدودا في موضع نجس فسدت صلاته لأنه حامل لما هو ملاق للنجاسة والأولى أن صلاته لا تفسد لأنه لا يقدر على استتباع ما هو ملاق للنجاسة فأشبه ما لو أمسك سفينة عظيمة فيها نجاسة أو غصنا من شجرة عليها نجاسة فصل وإذا حمل في الصلاة حيوانا طاهرا أو صبيا لم تبطل صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل أمامه ابنة أبي العاص متفق عليه وركب الحسن والحسين على ظهره وهو ساجد ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدته فهي كالنجاسة في معدة المصلي ولو حمل قارورة فيها نجاسة مسدودة لم تصح صلاته وقال بعض أصحاب الشافعي لا تفسد صلاته لأن النجاسة لا تجرج منها فهي كالحيون وليس بصحيح لأنه حامل لنجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فأشبه ما لو حملها في كمه مسألة قال ( وكذلك إن صلى في المقبرة أو الحش أو الحمام أو في أعطان الإبل أعاد ) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الصلاة في هذه المواضع فروي أن الصلاة لا تصح فيها بحال وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر وممن رأى أن يصلي في مرابط الغنم ولا يصلي في مبارك الإبل ابن عمر وجابر بن سمرة والحسن ومالك وإسحاق وأبو ثور وعن أحمد رواية أخرى أن الصلاة في هذه صحيحة ما لم تكن نجسة
وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي لقوله عليه السلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وفي لفظ فحيثما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد وفي لفظ أينما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد متفق عليها ولأنه موضع طاهر فصحت الصلاة فيه كالصحراء ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة رواه أبو داود وهذا خاص مقدم على عموم ما رووه وعن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصلي في مرابض الغنم قال قال نعم أنصلي في مبارك الإبل قال لا رواه مسلم وعن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين رواه أبو داود وعن أسيد بن حضير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في مبارك الإبل رواه الإمام أحمد في مسنده والنهي يقتضي التحريم وهذا خاص يقدم على عموم ما رووه وروي هذا الحديث عن ابن عمر وأبي هريرة وعبدالله بن مغفل رواهن الأثرم فأما الحش فإن الحكم يثبت فيه بالتنبيه لأنه إذا منع من الصلاة في هذه المواضع لكونها مظان للنجاسة فالحش معد للنجاسة ومقصود لها فهو أولى بالمنع فيه وقال بعض أصحابنا إن كان المصلي عالما بالنهي في هذه المواضع لم تصح صلاته فيها لأنه عاص بصلاته فيها والمعصية لا تكون قربه ولا طاعة وإن لم يكن عالما فيها فهل تصح صلاته على روايتين إحداهما لا تصح لأنه صلى فيما لا تصح الصلاة فيه مع العلم فلا تصح مع الجهل كالصلاة في محل نجس والثانية تصح لأنه معذور فصل وذكر بعض أصحابنا مع هذه المواضع المزبلة والمجزرة ومحجة الطريق وظهر بيت الله الحرام والمواضع المغصوب لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة ظهر بيت الله والمقبرة والمزبلة والمجزرة والحمام وعطن الإبن ومحجة الطريق رواه ابن ماجة وعن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى في سبعة مواطن وذكرها وقال وقارعة الطريق ومعاطن الإبل وفوق الكعبة وقال الحكم في هذه المواضع السبعة كالحكم في الأربعة سواء ولأن هذه المواضع مظنة النجاسات فعلق الحكم عليها دون حقيقتها كما يثبت حكم نقض الطهارة بالنوم ووجوب الغسل بالتقاء الختانين فصل قال القاضي المنع من هذه المواضع تعبدي لا لعلة معقولة فعلى هذا يتناول النهي كل ما وقع عليه الاسم فلا فرق في المقبرة بين القديمة والحديثة وما تقلبت أتربتها أو لم تتقلب لتناول الاسم لها فإن كان في الموضع قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها لأنها لا يتناولها اسم المقبرة وإن نقلت القبور منها جازت الصلاة فيها لأن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت فيه قبور المشركين فنبشت متفق عليه ولا فرق في الحمام بين مكان الغسل وصب الماء وبين بيت المسلخ الذي ينزع فيه الثياب والأتون وكل ما يغلق عليه باب الحمام لتناول الاسم له وأما المعاطن فقال أحمد هي التي تقيم فيها الإبل وتأوي إليها وقيل هي المواضع التي تناخ فيها إذا وردت والأول أجود لأنه جعلها مقابلة مراح الغنم والحش المكان الذي يتخذ للغائط والبول فيمنع من الصلاة فيما هو داخل بابه ولا أعلم في منع الصلاة فيه إلا أنه قد منع من ذكر الله تعالى فيه والكلام فمنع الصلاة فيه أولى ولأنه إذا منع الصلاة في هذه المواضع لكونها مظان للنجاسات فهذا أولى فإنه بني لها ويحتمل أن المنع في هذه المواضع معلل بأنها مظان للنجاسات فإن المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي فيه صديد الموتى ودماؤهم ولحومهم ومعاطن الإبل يبال فيها فإن البعير البارك كالجدار يمكن أن يستتر به ويبول كما روي عن ابن عمر أنه أناخ بعيره مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليه ولا يتحقق هذا في حيوان سواها لأنه في حال ربضه لا يستر وفي حال قيامه لا يثبت ولا يستر
والحمام موضع الأوساخ والبول فنهي عن الصلاة فيها لذلك وتعلق الحكم بها وإن كانت طاهرة لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة فيها ومتى أمكن تعليل الحكم تعين تعليله وكان أولى من قهر التعبد ومرارة التحكم يدل على صحة هذا تعدية الحكم إلى الحش المسكوت عنه بالتنبيه من وجود معنى المنطوق فيه وإلا لم يكن ذلك تنبيها فعلى هذا يمكن قصر الحكم على ما هو مظنة منها فلا يثبت حكم المنع في موضع المسلخ من الحمام ولا وسطه لعدم المظنة فيه وكذلك ما أشبه والله أعلم فصل وزاد أصحابنا المجزرة والمزبلة ومحجة الطريق وظهر الكعبة لأنها في خبر عمر وابنه وقالوا لا يجوز فيها الصلاة ولم يذكرها الخرقي فيحتمل أنه جوز الصلاة فيها وهو قول أكثر أهل العلم لعموم قوله عليه الصلاة والسلام جعلت لي الأرض مسجدا وهو صحيح متفق عليه واستثنى منه المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صحيحة خاصة ففيما عدا ذلك يبقى على العموم وحديث عمر وابنه يرويهما العمري وزيد بن جبير وقد تكلم فيهما من قبل حفظهما فلا يترك الحديث الصحيح بحديثهما وهذا أصح وأكثر أصحابنا فيما علمت عملوا بخبر عمر وابنه في المنع من الصلاة في المواضع السبعة ومعنى محجة الطريق الجادة المسلوكة التي تسلكها السابلة وقارعة الطريق يعني التي تقرعها الأقدام فاعلة بمعنى مفعولة مثل الأسواق والمشارع والجادة للسفر ولا بأس بالصلاة فيما علا منها يمنة ويسرة ولم يكثر قرع الأقدام فيه وكذلك لا بأس بالصلاة في الطريق التي يقل سالكوها كطريق الأبيات اليسيرة والمجزرة الموضع الذي يذبح القصابون فيه البهائم وشبههم معروف بذلك معدا والمزبلة الموضع الذي يجمع فيه الزبل ولا فرق في هذه المواضع بين ما كان منها طاهرا أو نجسا ولا بين كون الطريق فيها سالكا أو لم يكن ولا في المعاطن بين أن يكون فيها إبل في الوقت أو لم يكن وأما المواضع التي تبيت فيها الإبل في مسيرها أو تناخ فيها لعلفها ووردها فلا تمنع الصلاة فيها قال الأثرم سمعت أبا عبدالله يسأل عن موضع فيه أبعار الإبل يصلى فيه فرخص فيه ثم قال إذا لم يكن من معاطن الإبل التي نهي عن الصلاة فيها التي تأوي إليها الإبل فصل ويكره أن يصلى إلى هذه المواضع فإن فعل صحت صلاته نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة إلى المقبرة والحمام والحش قال لا ينبغي أن يكون في القبلة قبر ولا حش ولا حمام فإن كان يجزئه وقال أبو بكر يتوجه في الإعادة قولان أحدهما يعيد لموضع النهي وبه أقول والثاني يصح لأنه لم يصل في شيء من المواضع المنهي عنها وقال أبو عبدالله بن حامد إن صلى إلى المقبرة والحش فحكمه حكم المصلي فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل لما روى أبو مرثد الغنوي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها متفق عليه وقالالأثرم ذكر أحمد حديث أبي مرثد ثم قال إسناده جيد وقال أنس رآني عمر وأنا أصلي إلى قبر فجعل يسير إلي القبر القبر قال القاضي وفي هذا تنبيه على نظائره من المواضع التي نهى عن الصلاة فيها والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة لآن قوله صلى الله عليه وسلم جعلت الأرض مسجدا يتناول الموضع الذي يصلي فيه من هي في قبلته وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح لأن النهي إن كان تعبدا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه وإن كان لمعنى مختص بها وهو اتخاذ القبور مسجدا والتشبه بمن يعظمها ويصلي إليها فلا يتعداها الحكم لعدم وجود المعنى في غيرها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجدا إني أنهاكم عن ذلك وقال لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
يحذر ما صنعوا متفق عليهما فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور للنهي عنها ويصح إلى غيرها لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد النهي فيه والله أعلم فصل وإن صلى على سطح الحش أو الحمام أو عطن الإبل أو غيرها فذكر القاضي أن حكمه حكم المصلى فيها لأن الهواء تابع للقرار فيثبت فيه حكمه ولذلك لو حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث ولو خرج المعتكف إلى سطح المسجد كان له ذلك لأن حكمه حكم المسجد والصحيح إن شاء الله قصر النهي على ما تناوله ولأنه لا يعدى إلى غيره لأن الحكم إن كان تعبديا فالقياس فيه ممتنع وإن علل فإنما يعلل بكونه للنجاسة ولا يتخيل هذا في سطحها فأما إن بنى على طريق ساباطا أو أخرج عليه خروجا فعلى قول القاضي حكمه حكم الطريق لما ذكره فيما تقدم وعلى قولنا إن كان الساباط مباحا له مثل أن يكون في درب غير نافذ بإذن أهله أو مستحقا له أو حدث الطريق بعده فلا بأس بالصلاة عليه وإن كان على طريق نافذ فليس ذلك له فيكون المصلى فيه كالمصلي في الموضع المغصوب على ما سنذكره إن شاء الله تعالى وإن كان الساباط على نهر تجري فيه السفن فهو كالساباط على الطريق في القولين جميعا وهذا مما يدل على ما ذكرناه لأنه لو كانت العلة كونه تابعا للقرار لجارت الصلاة ها هنا لكون القرار غير ممنوع من الصلاة فيه بدليل ما لو صلى عليه في سفينة أو لو جمد ماؤه فصلى عليه صح ولأنه لو كانت العلة ما ذكره لصحت صلاة على ما حاذى ميمنة الطريق وميسرتها وما لا تقرعه الأقدام منها وهذا فيما إذا كان السطح جاريا على موضع النهي فإن كان المسجد سابقا وجعل تحته طريق أو عطن أو غيرها من مواضع النهي أو كان في غير مقبرة فحدثت المقبرة حوله لم تمتنع الصلاة فيه بغير خلاف لأنه لم يتبع ما حدث بعده والله أعلم فصل وإن بنى مسجدا في المقبرة فحكمه حكمها لأنه لا يخرج بذلك عن أن يكون في المقبرة وقد روى قتادة أن أنسا مر على مقبرة وهم يبنون فيها مسجدا فقال أنس كان يكره أن يبنى مسجد في وسط القبور فصل ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها وجوزه الشافعي وأبو حنيفة لأنه مسجد ولأنه محل لصلاة النفل فكان محلا للفرض كخارجها ولنا قول الله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره والمصلى فيها أو على ظهرها غير مستقبل لجهتها والنافلة مبناها على التخفيف والمسامحة بدليل صلاتها قاعدا وإلى غير القبلة في السفر على الراحلة فصل وتصح النافلة في الكعبة وعلى ظهرها لا نعلم فيه خلافا لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين إلا أنه إن صلى تلقاء الباب أو على ظهرها وكان بين يديه شيء من بناء الكعبة متصل بها صحت صلاته فإن لم يكن بين يديه شيء شاخص أو كان بين يديه آجر معبى غير مبني أو خشب غير مسمور فيها فقال أصحابنا لا تصح صلاته لأنه غير مستقبل لشيء منها وإن كان الخشب مسمورا والآخر مبنيا صحت صلاته لأن ذلك تابع لها والأولى أنه لا يشترط كون شيء منها بين يديه لأن الواجب استقبال موضعها وهوائها دون حيطانها بدليل ما لو انهدمت الكعبة صحت الصلاة إلى موضعها ولو صلى على جبل عال يخرج عن مسامتتها صحت صلاته إلى هوائها كذا ها هنا فصل وفي الصلاة في الموضع المغصوب روايتان إحداهما لا تصح وهو أحد قولي الشافعي والثانية تصح وهو قول أبي حنيفة ومالك والقول الثاني للشافعي لأن النهي لا يعود إلى الصلاة فلم يمنع صحتها كما لو صلى وهو يرى غريقا يمكنه إنقاذه فلم ينقذه أو حريقا يقدر على إطفائه فلم يطفئه أو مطل غريمه الذي يمكن إيفاؤه وصلى ولنا إن الصلاة عبادة أتى بها على الوجه المنهي عنه فلم تصح كصلاة الحائض وصومها
وذلك لأن النهي يقتضي تحريم الفعل واجتنابه والتأثيم بفعله فكيف يكون مطيعا بما هو عاص به ممتثلا بما هو محرم عليه متقربا بما يبعد به فإن حركاته وسكناته من القيام والركوع والسجود أفعال اختيارية هو عاص بها منهي عنها فأما من رأى الحريق فليس بمنهي عن الصلاة إنما هو مأمور بإطفاء الحريق وإنقاذ الغريق وبالصلاة إلا أن أحدهما آكد من الآخر أما في مسألتنا فإن أفعال الصلاة في نفسها منهي عنها إذا ثبت هذا فلا فرق بين غضبه لرقبة الأرض بأخذها أو دعواه ملكيتها وبين غضبه منافعها بأن يدعي إجارتها ظالما أو يضع يده عليها ليسكنها مدة أو يخرج روشنا أو ساباطا في موضع لا يحل له أو يغضب راحلة ويصلي عليها أو سفينة ويصلي فيها أو لوحا فيجعله في سفينة ويصلي عليه كل ذلك حكمه في الصلاة حكم الدار على ما بيناه فصل قال أحمد رحمه الله تصلى الجمعة في موضع الغضب يعني لو كان الجامع أو موضع منه مغصوبا صحت صلاة فيه لأن الجمعة تختص ببقعة فإذا صلاها الإمام في الموضع المغصوب فامتنع الناس من الصلاة فيه فاتتهم الجمعة وإن امتنع بعضهم فاتته الجمعة ولذلك أبيحت خلف الخوارج والمبتدعة وكذلك تصح في الطرق ورحاب المسجد لدعاء الحاجة إلى فعلها في هذه المواضع وكذلك في الأعياد والجنازة فصل قال أحمد رحمه الله أكره الصلاة في أرض الخسف وذلك لأنها موضع مسخوط عليه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم مرورا بالحجر لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابكم متفق عليه فصل ولا بأس بالصلاة في الكنيسة النظيفة رخص فيها الحسن وعمر بن عبد العزيز والشعبي والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وروي أيضا عن عمر وأبي موسى وكره ابن عباس ومالك الكنائس من أجل الصور ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة وفيها صور ثم داخلة في قوله عليه السلام فأينما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد فصل وإذا كانت الأرض نجسة وطيها بطاهر أو بسط عليها شيئا طاهرا صحت الصلاة مع الكراهة في ظاهر كلامأحمد رحمه الله وهو قول طاوس ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وذكر أصحابنا في المسألة روايتين إحداهما لا تصح لأنها مدفن النجاسة أشبهت المقبرة ولنا إن الطهارة إنما تشترط في بدن المصلي وثوبه وموضع صلاته وقد وجد ذلك كله ولا نسلم العلة في 408 الأصل فإنه لو صلى بين القبور لم تصح صلاته وإن لم يكن مدفنا للنجاسة وقد قيل إن الحكم غير معلل فلا يقاس عليه فصل ويكره تطيين المسجد بطين نجس أو تطبيقه بطوابق نجسة أو بناؤه بلبن نجس أو آخر نجس فإن فعل وباشر المصلي أرضه النجاسة ببدنه أو ثيابه لم تصح صلاته وأما الآخر المعجون بالنجاسة فهو نجس لأن النار لا تطهره فإن غسل طهر ظاهره لأن النار أكلت أجزاء النجاسة الظاهرة وبقي أثرها فتطهر بالغسل كالأرض النجسة وبقي باطنها نجسا لأن الماء لم يصل إليه فإن صلى عليه بعد الغسل فهو كما لو صلى على بساط طاهر مفروش على أرض نجسة وكذلك الحكم في البساط الذي باطنه نجس وظاهره طاهر ومتى انكسر من الآجر النجس قطعة فظهر بعض باطنه فهو نجس لا تصح الصلاة عليه فصل ولا بأس بالصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعير والوبر والثياب من القطن والكتان وسائر الطاهرات وصلى عمر على عبقري وابن عباس على طنفسة وزيد بن ثابت وجابر على حصير وعلي وابن عباس وابن مسعود وأنس على المنسوج وهو قول عوام أهل العلم إلا ما روي عن جابر أنه كره الصلاة على كل شيء من الحيوان واستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض ونحوه قال مالك إلا أنه قال في بساط الصوف والشعر إذا كان سجوده على الأرض لم أر بالقيام عليه بأسا والصحيح أنه لا بأس بالصلاة على شيء من ذلك وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم على حصير في بيت عتبان بن مالك وأنس متفق عليهما
وروى عنه المغيرة بن شعبة أنه كان يصلي على الحصير والفروة المدبوغة وفيما رواه ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ملتفا بكساء يضع يده عليه إذا سجد ولأن ما لم تكره الصلاة فيه لم تكره الصلاة عليه كالكتان والخوص وتصح الصلاة على ظهر الحيوان إذا أمكنه استيفاء الأركان عليه والنافلة في السفر وإن كان الحيوان نجسا أو عليه بساط طاهر صحت الصلاة عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمار وفعله أنس وتصح الصلاة على العجلة وهي خشب على بكرات إذا أمكنه ذلك لأنها محل تستقر عليه أعضاؤه فهي كغيرها مسألة قال ( وإن صلى وفي ثوبه نجاسة وإن قلت أعاد ) قد ذكرنا أن الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة ولا فرق بين كثيرها وقليلها إلا فيما نذكره بعد إن شاء الله تعالى وممن قال لا يعفى عن يسير البول مثل رؤوس الإبر مالك والشافعي وأبو ثور وقالأبو حنيفة يعفى يسير جميع النجاسات لأنه يتحرى فيها بالمسح في محل الاستنجاء ولو لم يعف عنها لم يكف فيها المسح كالكثير ولأنه يشق التحرز منه فعفي عنه كالدم ولنا عموم قوله تعالى وثيابك فطهر وقول النبي صلى الله عليه وسلم تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه ولأنها نجاسة لا تشق إزالتها فوجب إزالتها كالكثير وأما الدم فإنه يشق التحرز منه فإن الإنسان لا يكاد يخلو من بثرة أو حكة أو دمل ويخرج من أنفه وفيه وغيرهما فيشق التحرز من يسيره أكثر من كثيره ولهذا فرق في الوضوء بين قليله وكثيره مسألة قال ( إلا أن يكون ذلك دما أو قيحا يسيرا مما لا يفحش في القلب ) أكثر أهل العلم يرون العفو عن يسير الدم والقيح وممن روي عنه ابن عباس وأبو هريرة وجابر وابن أبي أوفى وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد وعروة ومحمد بن كنانة والنخعي وقتادة والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأصحاب الرأي وكانابن عمر ينصرف من قليله وكثيره وقال الحسن كثيره وقليله سواء ونحوه عن سليمان التيمي لأنه نجاسة فأشبه البول ولنا ما روي عنعائشة قالت قد كان يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض وفيه تصيبها الجنابة ثم ترى فيه قطرة من دم فتقصعه بريقها وفي لفظ ما كان لأحدانا إلا ثوب فيه تحيض فإن أصابه شيء من دمها بلته بريقها ثم قصعته بظفرها رواه أبو داود وهذا يدل على العفو عنه لأن الريق لا يطهر به ويتنجس به ظفرها وهو إخبار عن دوام الفعل ومثل هذا لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصدر إلا عن أمره ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعا وما حكي عنابن عمر فقد روي عنه خلافه فروى الأثرم بإسناده عن نافع أنابن عمر كان يسجد فيخرج يديه فيضعهما بالأرض وهما يقطران دما من شقاق كان في يديه وعصر بثرة فخرج منها شيء من دم وقيح فمسحه بيده وصلى ولم يتوضأ وانصرافه منه في بعض الحالات لا ينافي ما رويناه عنه فقد يتورع الإنسان عن بعض ما يروى جوازه ولأنه يشق التحرز منه فعفى عنه كأثر الاستنجاء فصل وظاهر مذهب أحمد أن اليسير ما لا يفحش في القلب وهو قول ابن عباس قال إلا إذا كان فاحشا أعاد وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وروي عن أحمد أنه سئل عن الكثير قال شبر في شبر وفي موضع قال قدر الكف فاحش وظاهر مذهبه أنه ما فحش في قلب من عليه الدم وقال ابن عباس ما فحش في قلبك قال الخلال والذي استقر عليه قوله في الفاحش إنه على قدر ما يستفحشه كل إنسان في نفسه وقال ابن عقيل إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس وقال قتادة في موضع الدرهم فاحش ونحوه عن النخعي وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي وأصحاب الرأي لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم
ولنا إنه لا حد في الشرع فرجع فيه إلى العرف كالتفرق والإحراز وما رووه لا يصح فإن الحافظ أبا الفضل المقدسي قال هو موضوع ولأنه إنما يدل على محل النزاع بدليل خطابه وأصحاب الرأي لا يرونه حجة فصل والقيح والصديد وما تولد من الدم بمنزلته إلا أن أحمد قال هو أسهل من الدم وروي عن ابن عمر والحسن أنهما لم يرياه كالدم وقال أبو مجلز في الصديد إنما ذكر الله الدم المسفوح وقال أمي بن ربيعة رأيت طاوسا كأن إزاره نطع من قروح كانت برجليه وقالإسماعيل السراج رأيت حاشية إزار مجاهد قد ثبتت من الصديد والدم من قروح كانت بساقيه وقال إبراهيم في الذي يكون به الحبون يصلي ولا يغسله فإذا برىء غسله وقال عروة ومحمد بن كنانة مثل ذلك فعلى هذا يعفى منه عن أكثر مما يعفى عن مثله من الدم لأنه لا يفحش منه إلا أكثر من الدم ولأن هذا لا نص فيه وإنما ثبتت النجاسة فيه لأنه مستحيل من الدم إلى حال مستقذرة فصل ولا فرق بين كون الدم مجتمعا أو متفرقا بحيث إذا جمع بلغ هذا القدر ولو كانت النجاسة في شيء صفيق قد نفذت من الجانبين فاتصل ظاهره بباطنه فهو نجاسة واحدة وإن لم يتصلا بل كان بينهما شيء لم يصبه الدم فهما نجاستان إذا بلغا لو جمعا قدرا لا يعفى عنه لم يعف عنهما كما لو كانا في جانبي الثوب فصل ويعفى عن يسير دم الحيض لما ذكرنا من حديث عائشة رضي الله عنها وعن سائر دماء الحيوانات الطاهرة فأما دم الكلب والخنزير فلا يعفى عن يسيره لأن رطوباته الطاهرة من غيره لا يعفى عن شيء منها فدمه أولى ولأنه أصاب جسم الكلب فلم يعف عنه كالماء إذا أصابه وهكذا كل دم أصاب نجاسة غير معفو عنها لم يعف عن شيء منه لذلك فصل ودم ما لا نفس له سائلة كالبق والبراغيث والذباب ونحوه فيه روايتان إحداهما أنه طاهر وممن رخص في دم البراغيث عطاء وطاوس والحسن والشعبي والحاكم وحبيب بن أبي ثابت وحماد والشافعي وإسحاق لأنه لو كان نجسا لنجس الماء اليسير إذا مات فيه فإنه إذا مكث في الماء لا يسلم من خروج فضلة منه فيه ولأنه ليس بدم مسفوح وإنما حرم الله الدم المسفوح والرواية الثانية عن أحمد قال في دم البراغيث إذا كثر إني لأقرع منه وقال النخعي اغسل ما استطعت وقال مالك في دم البراغيث إذا كثر وانتشر فإني أرى أن يغسل والأول أظهر وقول أحمد إني لأفزع منه ليس بصريح في نجاسته وإنما هو دليل على توقفه فيه وليس المنسوب إلى البراغيث دم إنما هو بولها في الظاهر وبول هذه الحشرات ليس بنجس والله أعلم وقال أبو الخطاب دم السمك طاهر لأن إباحته لا تقف على سفحه ولو كان نجسا لوقفت الإباحة على إراقته بالذبح كحيوان البر ولأنه إذا ترك استحال فصار ماء وقال أبو ثور هو نجس لأنه دم مسفوح فيدخل في عموم قوله تعالى أو دما مسفوحا فصل واختلفت الرواية في العفو عن يسير القيء فروي عن أحمد أنه قال هو عندي بمنزلة الدم وذلك لأنه خارج من الإنسان نجس من غير السبيل فأشبه الدم وروي عنه في المذي أنه قال يغسل ما أصاب الثوب منه إلا أن يكون يسيرا وروى الخلال بإسناده قال سئل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن المذي يخرج فكلهم قال إنه بمنزلة القرحة فما علمت منه فاغسله وما غلبك منه فدعه ولأنه يخرج من الشباب كثيرا فيشق التحرز منه فعفي عن يسيره كالدم وكذلك المني إذا قلنا بنجاسته وروي عنه في الودي مثل ذلك إلا أن الظاهر عنه أن حكمه حكم البول لأنه من مخرجه وروي عن أحمد أيضا أنه يعفى عن ريق البغل والحمار وعرقهما إذا كان يسيرا
وهو الظاهر عن أحمد قالالخلال وعليه مذهب أبي عبدالله لأنه يشق التحرز منه قال أحمد من يسلم من هذا ممن يركب الحمير إلا أني أرجو أن يكون ما خف منه أسهل قال القاضي وكذلك ما كان في معناهما من سباع البهائم سوى الكلب والخنزير وكذلك الحكم في أبوالبها وأرواثها وبول الخفاش قال الشعبي والحاكم وحماد وحبيب بن أبي ثابت لا بأس ببول الخفافيش وكذلك الخفاش لأنه يشق التحرز منه فإنه في المساجد يكثر فلو لم يعف عن يسيره لم يقر في المساجد وكذلك بول ما يؤكل لحمه إن قلنا بنجاسته لأنه يشق التحرز منه لكثرته وعن أحمد لا يعفى عن يسير شيء من ذلك لأن الأصل أن لا يعفى عن شيء من النجاسة خولف في الدم وما تولد منه فيبقى فيما عداه على الأصل فصل وقد عفي عن النجاسات المغلظة لأجل محلها في ثلاثة مواضع أحدها محل الاستنجاء فعفي فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد بغير خلاف نعلمه واختلف أصحابنا في طهارته فذهب أبو عبد الله بن حامد وأبو حفص بن المسلمة إلى طهارته وهو ظاهر كلام أحمد فإنه قال في المستجمر يعرق في سراويله لا بأس به ولو كان نجسا لنجسه ووجه ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الروث والرمة إنهما لا يطهران مفهومه أن غيرهما يطهر ولأنه معنى يزيل حكم النجاسة فيزيلها كالماء وقال أصحابنا المتأخرون لا يطهر المحل بل هو نجس فلو قعد المستجمر في ماء يسير نجسه ولو عرق كان عرقه نجسا لأن المسلح لا يزيل أجزاء النجاسة كلها فالباقي منها نجس لأن عين النجاسة فأشبه ما لو وجد في المحل وحده الثاني أسفل الخف والحذاء إذا أصابته نجاسة فدلكها بالأرض حتى زالت عين النجاسة ففيه ثلاث روايات إحداهن يجزىء دلكه بالأرض وتباع الصلاة فيه وهو قول الأوزاعي وأسحاق لما روى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا وطىء أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب وفي لفظ إذا وطىء أحدكم الأذى بنعليه فإن التراب له طهور وعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعله قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيها وعن ابن مسعود قال كنا لا نتوضأ من موطىء رواهما أبو داود ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون في نعالهم قال أبو مسلمة سعيد بن يزيد سألت أنس بن مالك أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه قال نعم متفق عليه والظاهر أن النعل لا تخلو من نجاسة تصيبها فلو لم يجزىء دلكها لم تصح الصلاة فيها والثانية يجب غسله كسائر النجاسات فإن الدلك لا يزيل جميع أجزاء النجاسة والثالثة يجب غسله من البول والعذرة دون غيرهما لتغلظ نجاستهما وفحشهما والأول أولى لأن اتباع الأثر واجب فإن قيل فقول النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه إن فيهما قذرا يدل على أنه لم يجز دلكهما ولم يزل القذر منهما قلنا لا دلالة في هذا لأنه لم ينقل أنه دلكهما والظاهر أنه لم يدلكهما لأنه لم يعلم بالقذر فيهما حتى أخبره جبريل عليه السلام إذا ثبت هذا فإن دلكهما يطهرهما في قول ابن حامد لظاهر الأخبار وقال غيره يعفى عنه مع بقاء نجاسته كقولهم في أثر الاستنجاء وقال القاضي إنما يجزىء دلكهما بعد جفاف نجاستهما لأنه لا يبقى لها أثر وإن دلكهما قبل جفافهما لم يجزه ذلك لأن رطوبة النجاسة باقية فلا يعفى عنها وظاهر الأخبار لا يفرق بين رطب وجاف ولأنه محل اجتزىء فيه بالمسح فجاز في حال رطوبة الممسوح كمحل الاستنجاء ولأن رطوبة المحل معفو عنها إذا جفت قبل الدلك فيعفى عنها إذا جفت به كالاستجمار
الثالث إذا جبر عظمه بعظم نجس فجبر لم يلزمه قلعة إذا خاف الضرر وأجزأته صلاته لأنها نجاسة باطنة يتضرر بإزالتها فأشبهت دماء العروق وقيل يلزمه قلعه ما لم يخف التلف وإن سقط سن من أسنانه فأعادها بحرارتها فثبتت فهي طاهرة لأنها بعضه والآدمي بجملته طاهر حيا وميتا وكذلك بعضه وقال القاضي هي نجسة حكمها حكم سائر العظام النجسة لأن ما أبين من حي فهو ميت وإنما حكم بطهارة الجملة لحرمتها وحرمتها آكد من حرمة البعض فلا يلزم من الحكم بطهارتها الحكم بطهارة ما دونها فصل وإذا كان على الأجسام الصقيلة كالسيف والمرآة نجاسة فعفي عن يسيرها كالدم ونحوه عفي عن أثر كثيرها بالمسح لأن الباقي بعد المسح يسير وإن كثر محله عفي عنه كيسير غيره مسألة قال ( وإذا خفي موضع النجاسة من الثوب استظهر حتى يتيقن أن الغسل قد أتى على النجاسة ) وجملته أن النجاسة إذا خفيت في بدن أو ثوب وأراد الصلاة فيه لم يجز له ذلك حتى يتيقن زوالها ولا يتيقن ذلك حتى يغسل كل محل يحتمل أن تكون النجاسة أصابته فإذا لم يعلم جهتها من الثوب غسله كله وإن علمها في إحدى جهتيه غسل تلك الجهه كلها وإن رآها في بدنه أو ثوب وهو لابسه غسل كل ما يدركه بصره من ذلك وبهذا قال النخعي والشافعي ومالك وابن المنذر وقال عطاء والحكم وحماد إذا خفيت النجاسة في الثوب نضحه كله وقال ابن شبرمه يتحرى مكان النجاسة فيغسله ولعلهم يحتجون بحديث سهل بن حنيف في المذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بما أصاب ثوبي منه قال يجزئك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصاب منه أمره بالتحري والنضج ولنا إنه متيقن للمانع من الصلاة فلم تبح له الصلاة إلا بتيقن زواله كمن تيقن الحدث وشك في الطهارة والنضح لا يزيل النجاسة وحديث سهل في المذي دون غيره فلا يعدى لأن أحكام النجاسة تختلف وقوله حيث ترى أنه أصاب منه فمحمول على من ظن أنه أصاب ناحية من ثوبه من غير تيقن فيجزئه نضح المكان أو غسله فصل وإن خفيت النجاسة في فضاء واسع صلى حيث شاء ولا يجب غسل جميعه لأن ذلك يشق فلو منع من الصلاة أفضى إلى أن لا يجد موضعا يصلي فيه فأما إن كان موضعا صغيرا كبيت ونحوه فإنه يغسله كله لأنه لا يشق غسله فأشبه الثوب مسألة قال ( وما خرج من الإنسان أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها من بول أو غيره نجس ) يعني ما خرج من السبيلين كالبول والغائط والمذي والودي والدم وغيره فهذا لا نعلم في نجاسته خلافا إلا أشياء يسيرة نذكرها إن شاء الله تعالى أما بول الآدمي فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي مر به وهو يعذب في قبره أنه كان لا يستبرىء من بوله متفق عليه وروي في خبر إن عامة عذاب القبر من البول وأما الودي فهو ماء أبيض يخرج عقيب البول خابر فحكمه حكم البول سواء لأنه خارج من مخرج البول وجار مجراه وأما المذي فهو ماء لزج رقيق يخرج عقيب الشهوة على طرف الذكر وظاهر المذهب أنه نجس قال هارون الحمال سمعت أبا عبدالله يذهب في المذي إلى أنه يغسل ما أصاب الثوب منه إلا أن يكون يسيرا وقد ذكرنا الاختلاف في العفو عن يسيره فيما مضى وروي عن أحمد رحمه الله أنه بمنزلة المني قال في رواية محمد بن الحكم إنه سأل أبا عبدالله عن المذي أشد أو المني قال هما سواء ليسا من مخرج البول إنما هما من الصلب والترائب كما قال ابن عباس هو عندي بمنزلة البصاق والمخاط وذكر ابن عقيل نحو هذا وعلل بأن المذي جزء من المني لأن سببهما جميعا الشهوة ولأنه خارج تحلله الشهوة أشبه المني فظاهر المذهب أنه نجس لأنه خارج من السبيل ليس بدءا لخلق آدمي
فأشبه البول ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الذكر منه والأمر يقتضي الوجوب ثم اختلف عن أحمد هل يجزىء فيه النضح أو يجب غسله قال في رواية محمد بن الحكم المذي يرش عليه الماء أذهب إلى حديث سهل بن حنيف ليس يدفعه شيء وإن كان حديثا واحدا وقالالأثرم قلت لأبي عبدالله حديث سهل بن حنيف في المذي ما تقول فيه قال الذي يرويه ابن إسحاق قلت نعم قال لا أعلم شيئا يخالفه وهو ما روى سهل بن حنيف قال كنت ألقي من المذي شدة وعناء فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يجزئك منه الوضوء قلت فكيف بما أصاب ثوبي منه قال يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصاب منه قال الترمذي هذا حديث صحيح وروي عنه وجوب غسله قال محمد بن داود سألت أبا عبدالله عن المذي يصيب الثوب كيف العمل فيه قال الغسل ليس في القلب منه شيء وقال حديث محمد بن إسحاق ربما تهيبته قال ابن المنذر وممن أمر بغسل المذي عمر وابن عباس وهو مذهب الشافعي وإسحاق وأبي ثور وكثير من أهل العلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الذكر منه في حديث المقداد ولأنه نجاسة فوجب غسلها كسائر النجاسات ولحديث سهل بن حنيف قال أحمد حديث محمد بن إسحاق لا أعرفه عن غيره ولا أحكم لمحمد بن أسحاق وربما تهيبته وهذا ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال فصل وفي رطوبة فرج المرأة احتمالان أحدهما أنه نجس لأنه في الفرج لا يخلق منه الولد أشبه المذي والثاني طهارته لأن عائشة كانت تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من جماع فإنه ما احتلم نبي قط وهو يلاقي رطوبة الفرج ولأننا لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة لحكمنا بنجاسة منيها لأنه يخرج من فرجها فيتنجس برطوبته وقال القاضي ما أصاب منه في حال الجماع فهو نجس لأنه لا يسلم من المذي وهو نجس ولا يصح التعليل فإن الشهوة إذا اشتدت خرج المني دون المذي كحال الاحتلام فصل وبول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر وهذا مفهوم كلام الخرقي وهو قول عطاء والنخعي والثوري ومالك قال مالك لا يرى أهل العلم أبوال ما أكل لحمه وشرب لبنه نجسا ورخص في أبوال الغنم الزهري ويحيى الأنصاري وقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي فإنه اشترط أن تكون سلية من أبعارها وأبوالها ورخص في ذرق الطائر أبو جعفة والحكم وحماد وأبو حنيفة وعن أحمد أن ذلك نجس وهو قول الشافعي وأبو ثور ونحوه عن الحسن لأنه داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم تنزهوا من البول ولأنه رجيع فكان نجسا كرجيع الآدمي ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل والنجس لا يباح شربه ولو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في مرابض الغنم متفق عليه وقال صلوا في مرابض الغنم متفق عليه وهو إجماع كما ذكر ابن المنذر وصلى أبو موسى في موضع فيه أبعار الغنم فقيل له لو تقدمت إلى ها هنا فقال هذا وذاك واحد ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما يصلون عليه من الأوطئة والمصليات وإنما كانوا يصلون على الأرض ومرابض الغنم لا تخلو من أبعارها وأبوالها فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلاتهم ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه فكان طاهرا كاللبن وذرق الطائر عند من سلمه ولأنه لو كان نجسا لتنجست الحبوب التي تدوسها البقر فإنها لا تسلم من أبوالها فيتنجس بعضها ويختلط النجس بالطاهر فيصير حكم الجمع حكم النجس
فصل فأما الخارج من غير السبيلين فالحيوانات فيه أربعة أقسام أحدها الآدمي فالخارج منه نوعان طاهر وهو ريقه ودمعه وعرقه ومخاطه ونخامته فإنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الحديبية أنه ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه رواه البخاري ولولا طهارتها لم يفعلوا ذلك وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال ما بال أحدكم يقوم يستقبل ربه فيتنخع أمامه أيجب أن يستقبل فيتنخع في وجهه فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليقل هكذا ووصف القاسم فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه ببعض رواه مسلم ولو كانت نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه وهو في الصلاة ولا تحت قدمه ولا فرق بين ما يخرج من الرأس والبلغم الخارج من الصدر ذكره القاضي وهو مذهب أبي حنيفة وقالأبو الخطاب البلغم نجس لأنه طعام استحال في المعدة أشبه القيء ولنا إنه داخل في عموم الخبرين ولأنه أحد نوعي النخامة أشبه الآخر ولأنه لو كان نجسا نجس به الفم ونقض الوضوء ولم يبلغنا عن الصحابة رضي الله عنهم مع عموم البلوى به شيء من ذلك وقولهم إنه طعام مستحيل في المعدة غير مسلم إنما هو معتقد من الأبخرة فهو كالنازل من الرأس وكالمخاط ولأنه يشق التحرز منه أشبه المخاط النوع الثاني نجس وهو الدم وما تولد منه من القيح والصديد وما يخرج من المعدة من القيء والقلس فهذا نجس وقد تقدم بيان حكمه القسم الثاني ما أكل لحمه فالخارج منه ثلاثة أنواع أحدها نجس وهو الدم وما تولد منه الثاني طاهر وهو الريق والدمع والعرق واللبن فهذا لا نعلم فيه خلافا الثالث القيء ونحوه فحكمه حكم بوله لأنه طعام مستحيل فأشبه الروث وقد دللنا على طهارة بوله فهذا أولى وكذلك منيه القسم الثلث ما لا يؤكل لحمه ويمكن التحرز منه وهو نوعان أحدهما الكلب والخنزير فهما نجسان بجميع أجزائهما وفضلاتهما وما ينفصل عنهما الثاني ما عداهما من سباع البهائم وجوارح الطير والبغل والحمار فعن أحمد رحمه الله أنهما نجسة بجميع أجزائها وفضلاتها إلا أنه يعفى عن يسير نجاستها وعنه ما يدل على طهارتها فحكمها حكم الآدمي على ما فصل القسم الرابع ما لا يمكن التحرز منه وهو نوعان أحدهما ما ينجس بالموت وهو السنور وما دونه في الخلقة فحكمه حكم الآدمي ما حكمنا بنجاسته من الآدمي فهو منه نجس وما حكمنا بطهارته من الآدمي فهو منه طاهر إلا منيه فإنه نجس لأن مني الآدمي بدء خلق آدمي فشرف بتطهيره وهذا معلوم ها هنا النوع الثاني ما لا نفس له سائلة فهو طاهر بجميع أجزائه وفضلاته مسألة قال ( إلا بول الغلام الذي لم يأكل الطعام فإنه يرش الماء عليه ) هذا استثناء منقطع إذ ليس معنى الكلام طهارة بول الغلام إنما أراد أن بول الغلام الذي لم يطعم الطعام يجزىء فيه الرش وهو أن ينضح عليه الماء حتى يغمره ولا يحتاج إلى رش وعصر وبول الجارية يغسل وإن لم تطعم وهذا قول علي رضي الله عنه وبه قال عطاء والحسن والشافعي وإسحاق وقال القاضي رأيت لأبي إسحاق بن شاقلا كلاما يدل على طهارة بول الغلام لأنه لو كان نجسا لوجب غسله وقال الثوري وأبو حنيفة يغسل بول الغلام كما يغسل بول الجارية لأنه بول نجس فوجب غسله كسائر الأبوال النجسة ولأنه حكم يتعلق بالنجاسة فاستوى فيه الذكر والأنثى كسائر أحكامهما ولنا ما روت أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله وعن عائشة رضي الله عنها قالت أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله متفق عليهما
وعن لبابة بنت الحارث قالت كان الحسين بن علي في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال عليه فقلت البس ثوبا آخر واعطني إزارك حتى أغسله فقال إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الغلام والذكر رواه أبو داود وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بول الغلام ينضح وبول الجارية يغسل قال قتادة هذا ما لم يطعما الطعام فإذا طعما غسل بولهما رواه الإمام أحمد في مسنده وهذه نصوص صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم واتباعها أولى وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أصح من قول من خالفه فصل قال أحمد الصبي إذا طعم الطعام وأراده واشتهاه غسل بوله وليس إذا طعم لأنه قد يعلق العسل ساعة يولد والنبي صلى الله عليه وسلم حنك بالتمر ولكن إذا كان يأكل ويريد الأكل فعلى هذا ما يسقاه الصبي أو يلعقه للتداوي لا يعد طعاما يوجب الغسل وما يطعمه لغذائه وهو يريده ويشتهيه هو الموجب لغسل بوله والله أعلم مسألة قال ( والمني طاهر وعن أبي عبدالله رحمه الله رواية أخرى أنه كالدم ) اختلفت الرواية عن أحمد في المني فالمشهور أنه طاهر وعنه أنه كالدم أي إنه نجس ويعفى عن يسيره وعنه أنه لا يعفى عن يسيره ويجزىء فرك يابسه على كل حال والرواية الأولى هي المشهورة في المذهب وهي قول سعد بن أبي وقاض وابن عمر وقال ابن عباس امسحه عنك بإذخرة أو خرقة ولا تغسله إن شئت وقالابن المسيب إذا صلى فيه لم يعد وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وابن المنذر وقال مالك غسل الاحتلام أمر واجب وعلى هذا المذهب الأوزاعي والثوري وقال أصحاب الرأي هو نجس ويجزىء فرك يابسه لما روتعائشة أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ثم أرى فيه بقعة أو بقعا وهو حديث صحيح قال صالح قال أبي غسل المني من الثوب أحوط وأثبت في الرواية وقد جاء الفرك أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المني يصيب الثوب إن كان رطبا فاغسليه وإن كان يابسا فافركيه وهذا أمر يقتضي الوجوب ولأنه خارج معتاد من السبيل أشبه البول ولنا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه متفق عليه وقالابن عباس امسحه عنك بإذخرة أو بخرقة ولا تغسله إنما هو كالبزاق والمخاط ورواه الدارقطني مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه لا يجب غسله إذا جف فلم يكن نجسا كالمخاط ولأنه بدء خلق آدمي فكان طاهرا كالطين ويفارق البول من حيث إنه بدء خلق آدمي فصل فإن خفي موضع المني فرك الثوب كله إن قلنا بنجاسته وإن قلنا بطهارته استحب فركه وإن صلى فيه من غير فرك أجزأه وهذا مذهب الشافعي وغيره ممن قال بالطهارة وقال ابن عباس ينضح الثوب كله وبه قال النخعي وحماد ونحوه عن عائشة وعطاء وقال ابن عمر وأبو هريرة والحسن يغسل الثوب كله ولنا أن فركه يجزىء إذا علم مكانه فكذلك إذا خفي وأما النضح فلا يفيد فإنه لا يطهره إذا علم مكانه فكذلك إذا خفي وأما إذا قلنا بالطهارة فلا يجب شيء من ذلك لكن يستحب كحال العلم به فصل قال أحمد رحمه الله إنما يفرك مني الرجل أما مني المرأة فلا يفرك لأن الذي للرجل ثخين والذي للمرأة رقيق والمعنى في هذا أن الفرك يراد للتخفيف والرقيق لا يبقى له جسم بعد جفافه يزول بالفرك فلا يفيد فيه شيئا فعلى هذا إن قلنا بنجاسته فلا بد من غسله رطبا كان أو يابسا كالبول وإن قلنا بطهارته استحب غسله كما يستحب فرك مني الرجل وأما الطهارة والنجاسة فلا يفترقان فيه لأن كل واحد منهما مني وهو بدء لخلق آدمي خارج من السبيل فصل فأما العلقة فقال ابن عقيل فيها روايتان كالمني لأنها بدء خلق آدمي والصحيح نجاستها لأنها دم
ولم يرد من الشرع فيها طهارة وقياسها على المني ممتنع لكونها دما خارجا من الفرج فأشبهت دم الحيض فصل ومن أمنى وعلى فرجه نجاسة نجس منيه لإصابته النجاسة ولم يعف عن يسيره لذلك وذكر القاضي في المني من الجماع أنه نجس لأنه لا يسلم من المذي وقد ذكرنا فساد هذا فإن مني النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان من جماع وهو الذي وردت الأخبار بفركه والطهارة لغيره إنما أخذت من طهارته والله أعلم مسألة قال ( والبول على الأرض يطهرها دلو من ماء ) وجملة ذلك أن الأرض إذا تنجست بنجاسة مائعة كالبول والخمر وغيرها فطهورها أن يغمرها الماء بحيث يذهب لون النجاسة وريحها فما انفصل عنها غير متغير بها فهو طاهر وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تطهر الأرض حتى ينفصل الماء فيكون المنفصل نجسا لأن النجاسة انتقلت إليه فكان نجسا كما لو وردت عليه ولنا ما روى أنس قال جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه وفي لفظ فدعاه فقال إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر وإنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر رجلا فجاء بدلو من ماء فشنه عليه متفق عبيه ولولا أن المنفصل طاهر لكان قد أمر بزيادة تنجيسه لأنه كان في موضع فصار في مواضع وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم تطهير المسجد فإن قيل فقد روي عن ابن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خذوا ما بال عليه من التراب واهريقوا على مكانه ماء وروى أبو بكر بن عياش عن سمعان عن أبي وائل عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فأمر به فحفر قلنا ليست هذه الزيادة في خبر متصل قاله الخطابي وحديث ابن مغفل مرسل قال أبو داود ابن مغفل لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم وحديث سمعان منكر قاله الإمام وقال ما أعرف سمعان ولأن البلة الباقية في المحل بعد غسله طاهرة وهي بعض المنفصل فكذلك المنفصل وقولهم إن النجاسة انتقلت إليه قلنا بعد طهارتها لأن الماء لو لم يطهرها لنجس بها حال ملاقاته لها ولو نجس بها لما طهر المحل ولكان الباقي منه في المحل نجسا قال القاضي إنما يحكم بطهارة المنفصل إذا نشفت النجاسة وذهبت أجزاؤها ولم يبق إلا أثرها فإن كانت أجزاؤها باقية طهر المحل ونجس المنفصل وهذا الشرط الذي ذكره لم أره عن أحمد ولا يقتضيه كلام الخرقي ولا يصح لأنه إن أراد ببقاء أجزائها بقاء رطوبتها فهو خلاف الخبر فإن قوله فلما قضى بوله فأمر بذنوب من ماء فأهريق عليه يدل على أنه صب عليه عقيب فراغه منه وإن أراد بقاء البول متنقعا فلا فرق بينه وبين الرطوبة فإن قليل البول وكثيره في التنجس سواء والرطوبة أجزاء تنجس كما ينجس المنتقع فلا فرق إذا فصل وإن أصاب الأرض ماء أو السيول فغمرها وجرى عليها فهو كما لو صب عليها لأن تطهير النجاسة لا تعتبر فيه نية ولا فعل فاستوى ما صبه الآدمي وما جرى بغير صبه قال أحمد رحمه الله في البول يكون في الأرض فتمطر عليه السماء إذا أصابه من المطر بقدر ما يكون ذنوبا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصب على البول فقد طهر وقال المروذي سئل أبو عبدالله عن ماء المطر يختلط بالبول فقال ماء المطر عندي لا يخلالط شيئا إلا طهره ألا العذرة فإنها تقطع وسئل عن ماء المطر يصيب الثوب فلم يرى به بأسا إلا أن يكون بيل فيه بعد المطر وقال كل ما ينزل من السماء إلى الأرض
فهو نظيف داسته الدواب أو لم تدسه وقال في الميزاب إذا كان في موضع النظيف فلا بأس بما قطر عليك من المطر إذا لم تعلم أنه قذر قيل له فاسأل عنه قال لا تسأل وما دعاك إلى أن تسأل وهو ماء المطر إذا لم يكن موضع مخرج أو موضع قذر فلا تغسله واحتج في طهارة طين المطر بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد قال إسحاق بن منصور وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد واحتج بأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين كانوا يخوضون المطر في الطرقات فلا يغسلون أرجلهم لما غلب الماء القذر وممن روي عنه أنه خاص طين المطر وصلى ولم يغسل رجليه عمر وعلي رضي الله عنهما وقال ابن مسعود كنا لا نتوضأ من موطىء ونحوه عن ابن عباس وقال بذلك سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعبدالله بن مغفل بن مقرن والحسن وأصحاب الرأي وعوام أهل العلم لأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك فصل ولا تطهر الأرض حتى يذهب لون النجاسة ورائحتها لأن بقاءهما دليل على بقاء النجاسة فإن كانت مما لا يزول لونها إلا بمشقة سقط عنه إزالتها كالثوب وكذلك الحكم في الرائحة فصل إذا كانت النجاسة ذات أجزاء متفرقة كالرميم والروث والدم إذا جف فاختلطت بأجزاء الأرض لم تطهر بالغسل لأن عينها لا تنقلب ولا تطهر إلا بإزالة أجزاء المكان بحيث يتيقن زوال أجزاء النجاسة ولو بادر البول وهو رطب فقلع التراب الذي عليه أثره فالباقي طاهر لأن النجس كان رطبا وقد زال وإن جف فأزال ما وجد عليه الأثر لم يطهر لأن الأثر إنما يبين على ظاهر الأرض لكن إن قلع ما تيقن به زوال ما أصابه البول فالباقي طاهر فصل ولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولا ريح ولا جفاف وهذا قول أبي وابن المنذر والشافعي في أحد قوليه وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن تطهر إذا ذهب أثر النجاسة وقال أبو قلابة جفوف الأرض طهورها لأن ابن عمر روى أن الكلاب كانت تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك أخرجه أبو داود ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أهريقوا على بوله سجلا من ماء والأمر يقتضي الوجوب ولأنه محل نجس فلم يطهر بغير الغسل كالثياب وأما حديث ابن عمر فرواه البخاري وليس فيه ذكر البول ويحتمل أنه إذا أراد أنها كانت تبول ثم تقبل وتدبر في المسجد فيكون إقبالها وإدبارها فيه بعد بولها فصل ولا تطهر النجاسة بالاستحالة فلو أحرق السرجين النجس فصار رمادا أو وقع كلب في ملاحة فصار ملحا لم تطهر لأنها نجاسة لم تحصل بالاستحالة فلم تطهر بها كالدم إذا صار قيحا أو صديدا وخرج عليه الخمر فإنه نجس بالاستحالة فجاز أن يطهر بها فصل والمنفصل من غسالة النجاسة ينقسم إلى ثلاثة أقسام أحدها أن ينفصل متغيرا بها فهو نجس إجماعا لأنه متغير بالنجاسة فكان نجسا كما لو وردت عليه الثاني أن ينفصل غير متغير قبل طهارة المحل فهو نجس أيضا لأنه ماء يسير لاقى نجاسة لم يطهرها فكان نجسا كالمتغير وكالباقي في المحل فإن الباقي في المحل نجس وهو جزء من الماء الذي غسلت به النجاسة ولأنه كان في المحل نجسا وعصره لا يجعله طاهرا الثالث أن ينفصل غير متغير من الغسلة التي طهرت المحل ففيه وجهان أصحهما أنه طاهر وهو قول الشافعي لأنه جزء من المتصل والمتصل طاهر فكذلك المنفصل ولأنه ماء أزال حكم النجاسة ولم يتغير بها فكان طاهرا كالمنفصل من الأرض والثاني هو نجس وهو قول أبي حنيفة لأنه ماء يسير لاقى نجاسة فنجس بها كما لو وردت عليه وإذا حكمنا بطهارته فهل يكون طهورا على وجهين أحدهما يكون طهورا لأن الأصل طهوريته ولأن الحادث فيه لم ينجسه ولم يغيره فلم تزل طهوريته كما غسل به ثوبا طاهرا والثاني أنه غير مطهر لأنه أزال مانعا من الصلاة أشبه ما رفع به الحدث فصل إذا جمع الماء الذي أزيلت به النجاسة قبل طهارة المحل وبعده في إناء واحد وكان دون القلتين
فالجميع نجس تغير أو لم يتغير وقال بعض أصحاب الشافعي هو طاهر لأنه ماء أزيلت به النجاسة ولم يتغير بها فأشبه ماء الغسلة التي طهرت المحل ولنا إنه اجتمع الماء النجس والطاهر وهو يسير فكان نجسا كما لو اجتمع مع ماء غير الذي غسل به المحل مسألة قال ( وإذا نسي فصلى بهم جنبا أعاد وحده ) وجملته أن الإمام إذا صلى بالجماعة محدثا أو جنبا غير عالم بحدثه فلم يعلم هو ولا المأمومون حتى فرغوا من الصلاة فصلاتهم صحيحة وصلاة الإمام باطلة روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر رضي الله عنهم وبه قال الحسن وسعيد بن جبير ومالك والأوزاعي والشافعي وسليمان بن حرب وأبو ثور وعن علي أنه يعيد ويعيدون وبه قال ابن سيرين والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه لأنه صلى بهم محدثا أشبه ما لو علم ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم روي أن عمر رضي الله عنه صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى الجرف فأهراق الماء فوجد في ثوبه احتلاما فأعاد ولم يعيدوا وعن محمد بن عمرو بن المصطلق الخزاعي صلى بالناس صلاة الفجر فلما أصبح وارتفع النهار فإذا هو بأثر الجنابة فقال كبرت والله كبرت والله فأعاد الصلاة ولم يأمرهم أن يعيدوا وعن علي أنه قال إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة آمره أن يغتسل ويعيد ولا آمرهم أن يعيدوا وعن ابن عمر أنه صلى بهم الغداة ثم ذكرأنه صلى بغير وضوء فأعاد ولم يعيدوا رواه كله الأثرم وهذا في محل الشهرة ولم ينقل خلافه فكان أجماعا ولم يثبت ما نقل عن علي في خلافه وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته وتمت للقوم صلاتهم أخرجه أبو سليمان محمد بن الحسن الحراني في جزء ولأن الحدث مما يخفى ولا سبيل للمأموم إلى معرفته من الإمام فكان معذورا في الاقتداء به ويفارق ما إذا كان لى الإمام حدث نفسه لأنه يكون مستهزئا بالصلاة فاعلا لما يحل وكذلك إن علم المأموم فإنه لا عذر له في الاقتداء به وقياس المعذور على غيره لا يصح والحكم في النجاسة كالحكم في الحدث سواء لأنها إحدى الطهارتين فأشبهت الأخرى ولأنها في معناها في خفائها على الإمام والمأموم بل حكم النجاسة أخف وخفاؤها أكثر إلا أن في النجاسة رواية أخرى أن صلاة الإمام تصح أيضا إذا نسيها فصل إذا علم بحدث نفسه في الصلاة أو علم المأمومون لزمهم استئناف الصلاة نص عليه قال الأثرم سألت أبا عبدالله عن رجل صلى بقوم وهو غير طاهر بعض الصلاة فذكر قال يعجبني أن يبتدئوا الصلاة قلت له يقول لهم استأنفوا الصلاة قال لا ولكن ينصرف ويتكلم ويبتدئون هم الصلاة وقال ابن عقيل فيه عن أحمد رحمه الله رواية أخرى إذا علم المأمومون أنهم يبنون على صلاتهم وقالالشافعي يبنون على صلاتهم سواء علم بذلك أو علم المأمومون لأن ما مضى من صلاتهم صحيح فكان لهم البناء عليه كما لو قام إلى خامسة فسبحوا به فلم يرجع ولنا إنه ائتم بمن صلاته فاسدة مع العلم منهما أو من أحدهما أشبه ما لو ائتم بامرأة وإنما خولف هذا فيما إذا استمر الجهل منهما للإجماع ولأن وجوب الإعادة على المأمومين حال استمرار الجهل يشق لتفريقهم بخلاف ما إذا علموا في الصلاة وإن علم بعض المأمومين دون بعض فالمنصوص أن صلاة الجميع تفسد والأولى أن يختص البطلان بمن علم دون من جهل لأنه معنى مبطل اختص به فاختص بالبطلان كحدث نفسه فصل إذا اختل غير ذلك من الشروط في حق الإمام كالستارة واستقبال القبلة لم يعف عنه في حق المأموم لأن ذلك لا يخفى غالبا بخلاف الحدث والنجاسة وكذا إن فسدت صلاته لترك ركن فسدت صلاتهم نص عليه أحمد فيمن ترك القراءة يعيد ويعيدون وكذلك فيمن ترك تكبيرة الإحرام
فصل وأن فسدت لفعل يبطل الصلاة فإن كان عن عمد أفسد صلاة الجميع وإن كان عن غير عمد لم تفسد صلاة المأمومين نص عليه أحمد في الضحك أنه يبطل صلاة الإمام ولا تفسد صلاة المأمومين وعن أحمد فيمن سبقه الحدث روايتان إحداهما أن صلاة المأمومين تفسد لأنه أمر أفسد صلاة الإمام فأسد صلاة المأمومين كترك الشرط وقد ثبت هذا الحكم في الشرط بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى بالناس المغرب فلم يسمعوا له قراءة فلما قضى صلاته قالوا يا أمير المؤمنين كأنك خفضت من صوتك قال وما سمعتم قالوا ما سمعنا لك قراءة قال فما قرأت في نفسي شغلتني عير جهزتها إلى الشام ثم قال لا صلاة إلا بقراءة ثم أقام فأعاد وأعاد الناس والصحيح الأول لأن عمر رضي الله عنه لما طعن وهو في الصلاة أخذ بيد عبدالرحمن بن عوف فقدمه فأتم بهم الصلاة ولو فسدت صلاتهم للزمهم استئنافها ولا يصح القياس على ترك الشرط لأن الشرط آكد بدليل أنه لا يعفى عنه بالنسيان بخلاف المبطل فصل إذا سبق الإمام الحدث فله أن يستخلف من يتم بهم الصلاة روي ذلك عن عمر وعلي وعلقمة وعطاء والحسن والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن أحمد رواية أخرى أن صلاة المأمومين تبطل لأن أحمد قال كنت أذهب إلى جواز الاستخلاف وجبنت عنه وقال أبو بكر تبطل صلاتهم رواية واحدة لأنه فقد شرط صحة الصلاة في حق الإمام فبطلت صلاة المأموم كما لو تعمد الحدث ولنا إنعمر رضي الله عنه لما طعن أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فأتم بهم الصلاة وكان ذلك بمحضر من الصحابة وغيرهم ولم ينكره منكر فكان إجماعا وقد احتج أحمد بقول عمر وعلي وقولهما عنده حجة فلا معدل عنه وقول أحمد جبنت عنه إنما يدل على التوقف وتوقفه مرة لا يبطل ما انعقد الإجماع عليه وإذا ثبت هذا فإن للإمام أن يستخلف من يتم بهم الصلاة كما فعل عمر رضي الله عنه وإن لم يستخلف فقدم المأمومون منهم رجلا فأتم بهم جاز وإن صلوا وحدانا جاز وقال الزهري في إمام ينوبه الدم أو رعف أو يجد مذيا ينصرف وليقل أتموا صلاتهم وقالالشافعي في آخر قوليه الاخبار أن يصلي القوم فرادى إذا كان ذلك ولعل توقف أحمد إنما كان في الاستخلاف لا في صحة المأمومين فإنه قد نص على أن الصلاة المأمومين لا تفسد بضحك الإمام فهذا أولى وإن قدمت كل طائفة من المأمومين لهم إماما يصلي بهم فقياس المذهب جوازه وهو مذهب الشافعي وقال أصحاب الرأي صلاتهم كلهم ولنا لهم أن بصلوا وحدانا فكان لهم أن يقدموا رجالا كحالة ابتداء الصلاة وإن قدم بعضهم رجلا وصلى الباقون وحدانا جاز فصل فأما الذي سبقه الحدث فتبطل صلاته ويلزمه استئنافها قال أحمد يعجبني أن يتوضأ ويستقبل هذا قول الحسن وعطاء والنخعي ومكحول وعن أحمد أنه يتوضأ ويبني روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس لما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف فليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته وعنه رواية ثالثة إن كان الحدث من السبيلين ابتدأ وإن كان من غيرهما بنى لأن حكم نجاسة السبيل أغلظ والأثر إنما ورد بالبناء في الخارج من غير السبيل فلا يلحق به ما ليس في معناه والصحيح الأول لما روى علي بن طلق قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف فليتوضأ وليعيد صلاته رواه أبو داود والأثرم
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائما يصلي بهم فانصرف ثم جاء ورأسسه يقطر فقال إني قمت بكم ثم ذكرت أني كنت جنبا ولم أغتسل فانصرفت فاغتسلت فمن أصابه منكم مثل الذي أصابني أو أصابه في بطنه رز فلينصرف فليغتسل أو ليتوضأ وليستقبل صلاته رواه الأثرم ولأنه فقد شرط الصلاة قي أثنائها على وجه لا يعود إلا بعد زمن طويل وعمل كثير ففسدت صلاته كما لو تنجس نجاسة يحتاج في إزالتها إلى مثل ذلك أو انكشفت عورته ولم يجد السترة إلا بعيدة منه أو تعمد الحدث أو انقضت مدة المسح وحديثهم ضعيف فصل قال أصحابنا يجوز أن يستخلف من سبق ببعض الصلاة ولمن جاء بعد حدث الإمام فيبني على ما مضى من صلاة الإمام من قراءة أو ركعة أو سجدة ويقضي بعد فراغ صلاة المأمومين وحكي هذا القول عن عمر وعلي وأكثر من وافقهما في الاستحلاف وفيه رواية أخرى أنه مخير بين أن يبني أو يبتدىء قال مالك ويصلي لنفسه صلاة تامة فإذا فرغوا من صلاتهم قعدوا وانتظروه حتى بتم ويسلم معهم لأن اتباع المأمومين للإمام أولى من اتباعه لهم فإن الإمام إنما جعل ليؤتم به وعلى كلتا الروايتين إذا فرغ المأمومون قبل فراغ إمامهم وقام لقضاء ما فاته فإنهم يجلسون وينتظرونه حتى يتم ويسلم بهم لأن الإمام ينتظر المأمومين في صلاة الخوف فانتظارهم له أولى وإن سلموا ولم ينتظروه جاز وقال ابن عقيل يستخلف من يسلم بهم والأولى انتظاره وإن سلموا لم يحتاجوا إلى خليفة فإنه لم يبق من الصلاة إلا السلام فلا حاجة إلى الاستخلاف فيه ويقوى عندي أنه لا يصح الاستخلاف في هذه الصورة لأنه إن بنى جلس في غير موضع جلوسه وصار تابعا للمأمومين وإن ابتدأ جلس في غير موضع جلوسهم ولم يرد الشرع بهذا وإنما ثبت الاستخلاف في موضع الإجماع حيث لم يحتج إلى شيء من هذا فلا يلحق به ما ليس في معناه والله أعلم فصل وإذا استخلف من لا يدري كم صلى احتمل أن يبني على اليقين فإن وافق الحق وإلا سبحوا به فرجع إليهم ويسجد للسهو وقال النخعي ينظر ما يضع من خلفه وقال الشافعي يتصنع فإن سبحوا به جلس وعلم أنها الرابعة وقال الأوزاعي يصلي بهم ركعة لأنه تيقن بقاء ركعة ثم يتأخر ويقدم رجلا يصلي بهم ما بقي من صلاتهم فإذا سلم قام الرجل فأتم صلاته وقال مالك يصلي لنفسه صلاة تامة فإن فرغوا من صلاتهم قعدوا وانتظروه والأقوال الثلاثة الأولى متقاربة ولنا على أنه لا يستخلف أنه إن شك في عدد الركعات فلم يجز له الاستخلاف لذلك كغير المستخلف ولنا على أنه يبني على اليقين أنه شك ممن لا ظن له فوجب البناء على اليقين كسائر المصلين فصل ومن أجاز الاستخلاف فقد أجاز نقل الجماعة إلى جماعة أخرى للعذر ويشهد لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء وأبو بكر في الصلاة فتأخر أبو بكر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فأتم بهم الصلاة وفعل هذا مرة أخرى جاء حتى جلس إلى جانب أبي بكر عن يساره وأبو بكر عن يمينه قائم يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم ويأتم الناس بأبي بكر وكلا الحديثين صحيح متفق عليهما وهذا يقوي جواز الاستخلاف والانتقال من جماعة إلى جماعة أخرى حال العذر فيخرج من هذا أنه لو أدرك اثنان بعض الصلاة مع الإمام فلما سلم الإمام ائتم أحدهما بصاحبه ونوى الآخر إمامته أن ذلك يصح لأنه في معنى الاستخلاف ومن لم يجز الاستخلاف لم يجز ذلك ولو تخلف إمام الحي من الصلاة لغيبة أو مرض أو عذر وصلى غيره وحضر إمام الحي في أثناء الصلاة فتأخر الإمام وتقدم إمام الحي فبنى على صلاة خليفته كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ففي ذلك وجهان أحدهما يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله فيجوز لغيره أن يفعل مثل فعله