İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وقال سعد اصنعوا بي كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحمد غسل النبي صلى الله عليه وسلم في قميصه وقد أرادوا خلعه فنودوا أن لا تخلعوه واستروا نبيكم ولنا إن تجريده أمكن لتغسيله وأبلغ في تطهيره والحي يتجرد إذا اغتسل فكذا الميت ولأنه إذا اغتسل في ثوبه تنجس الثوب بما يخرج وقد لا يطهر بصب الماء عليه فيتنجس الميت به فأما النبي صلى الله عليه وسلم فذاك خاص له ألا ترى أنهم قالوا نجرده كما نجرد موتانا كذلك روت عائشة قال ابن عبد البر روي ذلك عنها من وجه صحيح فالظاهر أن تجريد الميت فيما عدا العورة كان مشهورا عندهم ولم يكن هذا ليخفى على النبي صلى الله عليه وسلم بل الظاهر أنه كان بأمره لأنهم كانوا ينتهون إلى رأيه ويصدرون عن أمره في الشرعيات واتباع أمره وفعله أولى من اتباع غيره ولأن ما يخشى من تنجيس قميصه بما يخرج منه كان مأمونا في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه طيب حيا وميتا بخلاف غيره وإنما قال سعد الحدوا لي لحدا انصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ولو ثبت أنه أراد الغسل فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع وأما ستر ما بين السرة والركبة فلا نعلم فيه خلافا فإن ذلك عورة وستر العورة مأمور به وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت قال ابن عبد البر وروي الناظر من الرجال إلى فروج الرجال كالناظر منهم إلى فروج النساء والمتكشف ملعون فصل قال أبو داود قلت لأحمد الصبي يستر كما يستر الكبير أعني الصبي الميت في الغسل قال أي شيء يستر منه وليست عورته بعورة ويغسله النساء مسألة قال ( والاستحباب أن لا يغسل تحت السماء ولا يحضره إلا من يعين في أمره ما دام يغسل ) وجملة ذلك أن المستحب أن يغسل في بيت وكان ابن سيرين يستحب أن يكون البيت الذي يغسل فيه مظلما وذكره أحمد فإن لم يكن جعل بينه وبينهم سترا قال ابن المنذر كان النخعي يحب أن يغسل وبينه وبين السماء سترة وروى أبو داود بإسناده قال أوصى الضحاك أخاه سالما قال إذا غسلتني فاجعل حولي سترا واجعل بيني وبين السماء سترا وذكر القاضي أن عائشة قالت أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته فجعلنا بينها وبين السقف سترا قال وإنما استحب ذلك خشية أن يستقبل السماء بعورته وإنما كره أن يحضره من لا يعين في أمره لأنه يكره النظر إلى الميت إلا لحاجة ويستحب للحاضرين غض أبصارهم عنه إلا من حاجة وسبب ذلك أنه ربما كان بالميت عيب يكتمه ويكره أن يطلع عليه بعد موته وربما حدث منه أمر يكره الحي أن يطلع منه على مثله وربما ظهر فيه شيء هو في الظاهر منكر فيحدث به فيكون فضيحة له وربما بدت عورته فشاهدها ولهذا أحببنا أن يكون الغاسل ثقة أمينا صالحا ليستر ما يطلع عليه وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليغسل موتاكم لمأمونون رواه ابن ماجة وروي عنه عليه السلام أنه قال من غسل ميتا ثم لم يفش عليه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه رواه ابن ماجه أيضا وفي المسند عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من غسل ميتا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وقال ليلة أقربكم منه إن كان يعلم فإن كان لا يعلم فمن ترون أن عنده حظا من ورع وأمانة وقال القاضي لوليه أن يدخله كيف شاء وكلام الخرقي عام في المنع ولعله يقتضي التعميم والله أعلم
فصل وينبغي للغاسل ولمن حضر إذا رأى من الميت شيئا مما ذكرناه مما يحب الميت ستره أن يستره ولا يحدث به لما رويناه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ستر عورة مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة وإن رأى حسنا مثل أمارات الخير من وضاءة الوجه والتبسم ونحو ذلك استحب إظهاره ليكثر الترحم عليه ويحصل الحث على مثل طريقته والتشبه بجميل سيرته قال ابن عقيل وإن كان الميت مغموصا عليه في الدين والسنة مشهورا ببدعته فلا بأس بإظهار الشر عليه لتحذر طريقته وعلى هذا ينبغي أن يكتم ما يرى عليه من أمارات الخير لئلا يغتر المغتر بذلك فيقتدي به في بدعته مسألة قال ( وتلين مفاصله إن سهلت عليه وإلا تركها ) معنى تليين المفاصل هو أن يرد ذراعيه إلى عضديه وعضديه إلى جنبيه ثم يردهما ويرد ساقيه إلى فخذيه وفخذيه إلى بطنه ثم يردهما ليكون ذلك أبقى للينه فيكون ذلك أمكن للغاسل من تكفينه وتمديده وخلع ثيابه وتغسيله قال أصحابنا ويستحب ذلك في موضعين عقيب موته قبل قسوتها ببرودته وإذا أخذ في غسله وإن شق ذلك لقسوة الميت أو غيرها تركه لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه ويصير به ذلك إلى المثلة مسألة قال ( ويلف على يده خرقة فينقي ما به من نجاسة ويعصر بطنه عصرا رفيقا ) وجملته أنه يستحب أن يغسل الميت على سرير يترك عليه متوجها إلى القبلة منحدرا نحو رجليه لينحدر الماء بما يخرج منه ولا يرجع إلى جهة رأسه ويبدأ الغاسل فيحني الميت حنيا رفيقا لا يبلغ به قريبا من الجلوس لأن في الجلوس أذية له ثم يمر يده على بطنه يعصره عصرا رفيقا ليخرج ما معه من نجاسة لئلا يخرج بعد ذلك ويصب عليه الماء حين يمر يده صبا كثيرا ليخفي ما يخرج منه ويذهب به الماء ويستحب أن يكون بقربه مجمر فيه بخور حتى لا يظهر منه ريح وقال أحمد رحمه الله لا يعصر بطن الميت في المرة الأولى ولكن في الثانية وقال في موضع آخر يعصر بطنه في الثالثة يمسح مسحا رفيقا مرة واحدة وقال أيضا عصر بطن الميت في الثانية أمكن لأن الميت لا يلين حتى يصيبه الماء ويلف الغاسل على يده خرقة خشنة يمسحه بها لئلا يمس عورته لأن النظر إلى العورة حرام فاللمس أولى ويزيل ما على بدنه من نجاسة لأن الحي يبدأ في اغتساله من الجنابة ويستحب أن لا يمس بقية بدنه إلا خرقة قال القاضي يعد الغاسل خرقتين يغسل بإحداهما السبيلين والأخرى سائر بدنه فإن كان الميت امرأة حاملا لم يعصر بطنها لئلا يؤذي الولد وقد جاء في حديث رواه الخلال بإسناده عن أم سليم قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توفيت المرأة فأرادوا غسلها فليبدأ ببطنها فليمسح مسحا رفيقا إن لم تكن حبلى فإن كانت حبلى فلا يحركها مسألة قال ( ويوضئه وضوءه للصلاة ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه فإن كان فيهما أذى أزاله بخرقة ) وجملة ذلك أنه إذا أنقاه وأزال عنه النجاسة بدأ بعد ذلك فوضأه وضوء الصلاة فيغسل كفيه ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلها ويجعلها على أصبعه فيمسح أسنانه وأنفه حتى ينظفهما ويكون ذلك في رفق ثم يغسل وجهه ويتم وضوءه لأن الوضوء يبدأ به في غسل الحي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي غسلن ابنته ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها متفق عليه وفي حديث أم سليم فإذا فرغت من غسل سفلتها غسلا نقيا بماء وسدر فوضئيها وضوء الصلاة ثم اغسليها ولا يدخل الماء فاه ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم كذلك قال سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأبو حنيفة وقال الشافعي يمضمضه وينشقه كما يفعل الحي ولنا إن إدخال الماء فاه وأنفه لا يؤمن معه وصوله إلى جوفه فيفضي إلى المثلة به ولا يؤمن خروجه في أكفانه مسألة قال ( ويصب عليه الماء فيبدأ بميامنه ويقلبه على جنبيه ليعم الماء سائر جسمه )
وجملة ذلك أنه إذا وضأه بدأ بغسل رأسه ثم لحيته نص عليه أحمد فيضرب السدر فيغسلهما برغوته ويغسل وجهه ويغسل اليد اليمنى من المنكب إلى الكفين وصحفة عنقه اليمنى وشق صدره وجنبيه وفخذه وساقه يغسل الظاهر من ذلك وهو مستلق ثم يصنع ذلك بالجانب الأيسر ثم يرفعه من جانبه الأيمن ولا يكبه لوجهه فيغسل الظهر وما هناك من وركه وفخذه وساقه ثم يعود فيحرفه على جنبه الأيمن ويغسل شقه الأيسر كذلك هكذا ذكره إبراهيم النخعي والقاضي وهو أقرب إلى موافقة قوله عليه السلام ابدأن بميامنها وهو أشبه بغسل الحي مسألة قال ( ويكون في كل المياه شيء من السدر ويضرب السدر فيغسل برغوته رأسه ولحيته ) هذا المنصوص عن أحمد قال صالح قال أبي الميت يغسل بماء وسدر ثلاث غسلات قلت فيبقى عليه فقال أي شيء يكون هو أنقى له وذكر عن عطاء أن ابن جريج قال له إنه يبقى عليه السدر إذا غسل به كل مرة فقال عطاء هو طهور وفي رواية أبي داود عن أحمد قال قلت يعني لأحمد أفلا تصبون ماء قراحا ينفه قال إن صبوا فلا بأس واحتج أحمد بحديث أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته قال اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا متفق عليه وحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اغسلوه بماء وسدر متفق عليه وفي حديث أم سليم ثم اغسليها بعد ذلك ثلاث مرات بماء وسدر وذهب كثير من أصحابنا المتأخرين إلى أنه لا يترك مع الماء سدرا يغيره ثم اختلفوا فقال ابن حامد يطرح في كل المياه شيء يسير من السدر لا يغيره ليجمع بين العمل بالحديث ويكون الماء باقيا على طهوريته وقال القاضي وأبو الخطاب يغسل أول مرة بالسدر ثم يغسل بعد ذلك بالماء القراح فيكون الجميع غسلة واحدة ويكون الاعتداد بالآخر دون الأول لأن أحمد رحمه الله شبه غسله بغسل الجنابة ولأن السدر إن غير الماء سلبه وصف الطهورية وإن لم يغيره فلا فائدة في ترك يسير لا يؤثر وظاهر كلام أحمد الأول ويكون هذا من قوله دالا على أن تغيير الماء بالسدر لا يخرجه عن طهوريته قال بعض أصحابنا يتخذ الغاسل ثلاثة أواني آنية كبيرة يجمع فيها الماء الذي يغسل به الميت يكون بالبعد منه وإناءين صغيرين يطرج من أحدهما على الميت والثالث يغرف به من الكبير في الصغير الذي يغسل به الميت ليكون الكبير مصونا فإذا فسد الماء الذي في الصغير وطار فيه من رشاش الماء كان ما بقي في الكبير كافيا ويضرب السدر فيغسل برغوته رأسه ولحيته ويبلغه سائر بدنه كما يفعل الحي إذا اغتسل فصل فإن لم يجد السدر غسله بما يقوم مقامه ويقرب منه كالخطمي ونحوه لأن المقصود يحصل منه وإن غسله بذلك مع وجود السدر جاز لأن الشرع ورد بهذا المعنى معقول وهو التنظيف فيتعدى إلى كل ما وجد فيه المعنى مسألة قال ( ويستعمل في كل أموره الرفق به ) ويستحب الرفق بالميت في تقليبه وعرك أعضائه وعصر بطنه وتليين مفاصله وسائر أموره احتراما له فإنه مشبه بالحي في حرمته ولا يأمن إن عنف به أن ينفصل منه عضو فيكون مثله به وقد قال صلى الله عليه وسلم كسر عظم الميت ككسر عظم الحي وقال إن الله يحب الرفق في الأمر كله مسألة قال ( والماء الحار والأشنان والخلال يستعمل إن احتيج إليه ) هذه الثلاثة تستعمل عند الحاجة إليها مثل أن يحتاج إلى الماء الحار لشدة البرد أو الوسخ لا يزول إلا به وكذا الأشنان يستعمل إذا كان على الميت وسخ قال أحمد إذا طال ضنى المريض غسل بالأشنان يعني أنه يكثر وسخه فيحتاج إلى الأشنان ليزيله والخلال يحتاج إليه لإخراج شيء والمستحب أن يكون من شجرة لينة كالصفصاف ونحوه مما ينقى ولا يجرح وإن لف على رأسه قطنا فحسن
ويتتبع ما تحت أظفاره حتى ينقيه فإن لم يحتج إلى شيء من ذلك لم يستحب استعماله وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة المسخن أولى بكل حال لأنه ينقي ما لا ينقي البارد ولنا إن البارد يمسكه والمسخن يرخيه ولهذا يطرح الكافور في الماء ليشده ويبرده والإنقاء يحصل بالسدر إذا لم يكثر وسخه فإن كثر ولم يزل إلا بالحار صار مستحبا مسألة قال ( ويغسل الثالثة بماء فيه كافور وسدر ولا يكون فيه سدر صحاح ) الواجب في غسل الميت مرة واحدة لأنه غسل واجب من غير نجاسة أصابته فكان مرة واحدة كغسل الجنابة والحيض ويستحب أن يغسل ثلاثا كل غسلة بالماء والسدر على ما وصفنا ويجعل في الماء كافور في الغسلة الثالثة ليشده ويبرده ويطيبه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي غسلن ابنته اغسلنها بالسدر وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورا وفي حديث أم سليم فإذا كان في آخر غسلة من الثالثة أو غيرها فاجعلي ماء فيه شيء من كافور وشيء من سدر ثم اجعلي ذلك في جرة جديدة ثم أفرغيه عليها وابدئي برأسها حتى يبلغ رجليها ولا يجعل في الماء سدر صحيح لأنه لا فائدة فيه لأن السدر إنما أمر به للتنظيف والمعد للتنظيف إنما هو المطحون ولهذا لا يستعمله المغتسل به من الأحياء إلا كذلك قال أبو داود قلت لأحمد إنهم يأتون بسبع ورقات من سدر فيلقونها في الماء في الغسلة الأخيرة فأنكر ذلك ولم يعجبه وإذا فرغ من الغسلة الثالثة لم يمر يده على بطن الميت لئلا يخرج منه شيء ويقع في أكفانه قال أحمد ويوضأ الميت مرة واحدة في الغسلة الأولى وما سمعنا إلا أنه يوضأ أول مرة وهذا والله أعلم ما لم يخرج منه شيء ومتى خرج منه شيء أعاد وضوءه لأن ذلك ينقض الوضوء من الحي ويوجبه وإن رأى الغاسل أن يزيد على ثلاث لكونه لم ينق بها أو غير ذلك غسله خمسا أو سبعا ولم يقطع إلا على وتر قال أحمد ولا يزاد على سبع والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا لم يزد على ذلك وجعل جميع ما أمر به وترا وقال أيضا اغسلنها وترا وإن لم ينق بسبع فالأولى غسلة حتى ينقى ولا يقطع إلا على وتر لقوله صلى الله عليه وسلم اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ولأن الزيادة على الثلاث إنما كان للإنقاء أو للحاجة إليها وكذلك فيما بعد السبع ولم يذكر أصحابنا أنه يزيد على سبع مسألة قال ( فإن خرج منه شيء غسله إلى خمس فإن زاد فإلى سبع ) يعني إن خرجت نجاسة من قبله أو دبره وهو على مغتسله بعد الثلاث غسله إلى خمس فإن خرج بعد الخامسة غسله إلى سبع ويوضئه في الغسلة التي تلي خروج النجاسة قال صالح قال أبي يوضأ الميت مرة واحدة إلا أن يخرج منه شيء فيعاد عليه الوضوء ويغسله إلى سبع وهو قولابن سيرين وإسحاق واختار أبو الخطاب أنه يغسل موضع النجاسة ويوضأ ولا يجب إعادة غسله وهو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة لأن خروج النجاسة من الحي بعد غسله لا يبطله فكذلك الميت وعن الشافعي كالمذهبين ولنا إن القصد من غسل الميت أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة ألا ترى أن الموت جرى مجرى زوال العقل في حق الحي وقد أوجب الغسل في حق الحي فكذلك هذا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا إن رأيتن ذلك بماء وسدر فصل وإن خرجت منه نجاسة من غير السبيلين فقال أحمد فيما روى أبو داود الدم أسهل من الحدث ومعناه أن الدم الذي يخرج من أنفه أسهل من الحدث في أن لا يعاد له الغسل
لأن الحدث ينقض الطهارة بالاتفاق ويسوي بين كثيره وقليله ويحتمل أنه أراد أن الغسل لا يعاد من يسيره كما لا ينقض الوضوء بخلاف الخارج من السبيلين مسألة قال ( فإن زاد حشاه بالقطن فإن لم يستمسك فبالطين الحر ) وجملة ذلك أنه إذا خرجت منه نجاسة بعد السبع لم يعد إلى الغسل قال أحمد من غسل ميتا لم يغسله أكثر من سبع لا يجاوزه خرج منه شيء أو لم يخرج قيل له فنوضئه إذا خرج منه شيء بعد السبع قال لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذا أمر ثلاثا أو خمسا أو سبعا في حديث أم عطية ولأن زيادة الغسل وتكريره عند كل خارج يرخيه ويفضي إلى الحرج لكنه يغسل النجاسة ويحشو مخرجها بالقطن وقيل يلجم بالقطن كما تفعل المستحاضة ومن به سلس البول فإن لم يمسكه ذلك حشي بالطين الحر وهو الخالص الصلب الذي له قوة تمسك المحل وقد ذكر أحمد أنه لا يوضأ ويحتمل أنه يوضأ وضوء الصلاة كالجنب إذا أحدث بعد غسله وهذا أحسن فصل والحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل قال ابن المنذر هذا قول من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقال الحسن وسعيد بن المسيب ما مات ميت إلا جنب وقيل عن الحسن إنه يغسل الجنب للجنابة والحائض للحيض ثم يغسلان للموت والأول أولى لأنهما خرجا من أحكام التكليف ولم يبق عليهما عبادة واجبة وإنما الغسل للميت تعبد وليكون في حال خروجه من الدنيا على أكمل حال من النظافة والنضارة وهذا يحصل بغسل واحد ولأن الغسل الواحد يجزي من وجد في حقه موجبان له كما لو اجتمع الحيض والجنابة فصل والواجب في غسل الميت النية والتسمية في إحدى الروايتين وغسله مرة واحدة لأنه غسل تعبد عن غير نجاسة أصابته شرط لصحة الصلاة فوجب ذلك فيه كغسل الجنابة وقد شبه أحمد غسله بغسل الجنابة ولما تعذرت النية والتسمية من الميت اعتبرت في الغاسل لأنه المخاطب بالغسل قال عطاء يجزيه غسلة واحدة إن أنقوه وقال أحمد لا يعجبني أن يغسل واحدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال اغسلنها ثلاثا أو خمسا وهذا على سبيل الكراهة دون الأجزاء لما ذكرناه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي وقصته ناقته اغسلوه بماء وسدر ولم يذكر عددا وقال ابن عقيل يحتمل أن لا تعتبر النية لأن القصد التنظيف فأشبه غسل النجاسة ولا يصح هذا لأنه لو كان كذلك لما وجب غسل متنظف ولجاز غسله بماء الورد وسائر ما يحصل به التنظيف وإنا هو غسل تعبد أشبه بغسل الجنابة مسألة قال ( وينشفه بثوب ويجمر أكفانه ) وجملته أنه إذا فرغ الغاسل من غسل الميت نشفه بثوب لئلا يبل أكفانه وفي حديث أم سليم فإذا فرغت منها فألق عليها ثوبا نظيفا وذكر القاضي في حديث ابن عباس في غسل النبي صلى الله عليه وسلم قال فجففوه بثوب ومعنى تجمير أكفانه تبخيرها بالعود وهو أن يترك العود على النار في مجمر ثم يبخر به الكفن حتى تعبق رائحته ويطيب ويكون ذلك بعد أن يرش عليه ماء الورد لتعلق الرائحة به وقد روي عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جمرتم الميت فجمروه ثلاثا وأوصى أبو سعيد وابن عمر وابن عباس أن تجمر أكفانهم بالعود وقال أبو هريرة يجمر الميت ولأن هذا عادة الحي عند غسله وتجديد ثيابه أن يجمر بالطيب والعود فكذلك الميت مسألة قال ( ويكفن في ثلاثة بيض يدرج فيها إدراجا ويجعل الحنوط فيما بينها ) الأفضل عند إمامنا رحمه الله أن يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ولا يزيد عليها ولا ينقص منها
قال الترمذي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وهو مذهب الشافعي ويستحب كون الكفن أبيض لأن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم البسوا من ثيابكم البيض فإنه أطهر وأطيب وكفنوا فيه موتاكم رواه النسائي وحكي عن أبي حنيفة أن المستحب أن يكفن في إزار ورداء وقميص لما روى ابن المغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في قميصه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله بن أبي قميصه وكفنه به رواه النسائي ولنا قول عائشة رضي الله عنها كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة متفق عليه وهو أصح حديث روي في كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأعرف بأحواله ولهذا لما ذكر لها قول الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في برد قالت قد أتي بالبرد ولكنهم لم يكفنوه فيه فحفظت ما أغفله غيرها وقالت أيضا أدرج النبي صلى الله عليه وسلم في حلة يمينية كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه فرفع عبد الله بن أبي بكر الحلة وقال أكفن فيها ثم قال لم يكفن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكفن فيها فتصدق بها رواه مسلم ولأن حال الإحرام أكمل أحوال الحي وهو لا يلبس المخيط وكذلك حالة الموت أشبه بها وأما إلباس النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي قميصه فإنما فعل ذلك تكرمة لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي وإجابة لسؤاله حين سأله ذلك ليتبرك به أبوه ويندفع عنه العذاب ببركة قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل إنما فعل ذلك جزاء لعبد الله بن أبي عن كسوته العباس قميصه يوم بدر والله أعلم فصل والمستحب أن يؤخذ أحسن اللفائف وأوسعها فيبسط أولا ليكون الظاهر للناس حسنها فإن هذا عادة الحي يجعل الظاهر أفخر ثيابه ويجعل عليها حنوطا ثم يبسط الثانية التي تليها في الحسن والسعة عليها ويجعل فوقها حنوطا وكافورا ثم يبسط فوقهما الثالثة ويجعل فوقها حنوطا وكافورا ولا يجعل على وجه العليا ولا على النعش شيء من الحنوط لأن الصديق رضي الله عنه قال لا تجعلوا على أكفاني حنوطا ثم يحمل الميت مستورا بثوب فيوضع عليه مستلقيا لأنه أمكن لإدراجه فيها ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه ويجعل من الطيب على وجهه ومواضع سجوده ومغابنه لأن الحي يتطيب هكذا ويجعل بقية الحنوط والكافور في قطن ويجعل منه بين أليتيه برفق ويكثر ذلك ليرد شيئا إن خرج منه حين تحريكه ويشد فوقه خرقة مشقوفة الطرف كالتبان وهو السراويل بلا أكمام ويجعل الباقي على منافذ وجهه من فيه ومنخريه وعينيه لئلا يحدث منهن حادث وكذلك الجراح النافذة ويترك على مواضع السجود منه لأننها أعضاء شريفة ثم يثني طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر وإنما استحب ذلك لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك ثم يجمع ما فضل عند رأسه ورجليه فيرد على وجهه ورجليه وإن خاف انتشارها عقدها وإذا وضع في القبر حلها ولم يخرق الكفن فصل وتكره الزيادة على ثلاثة أثواب في الكفن لما فيه من إضاعة المال وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ويحرم ترك شيء مع الميت من ماله لغير حاجة لما ذكرنا إلا مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك تحت قطيفة في قبره فإن ترك نحو ذلك فلا بأس مسألة قال ( وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جعل المئزر مما يلي جلده ولم يزر عليه القميص )
التكفين في القميص والمئزر واللفافة غير مكروه وإنما الأفضل الأول وهذا جائز لا كراهة فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات رواه البخاري وفيؤزر بالمئزر ويلبس القميص ثم يلف باللفافة بعد ذلك وقال أحمد إن جعلوه قميصا فأحب إلي أن يكون مثل قميص الحي له كمان ودخاريص وأزرار ولا يزر عليه القميص فصل قالأبو داود قلت لأحمد يتخذ الرجل كفنه يصلي فيه أياما أو قلت يحرم فيه ثم يغسله ويضعه لكفنه فرآه حسنا قال يعجبني أن يكون جديدا أو غسيلا وكره أن يلبسه حتى يدنسه فصل ويجوز التكفين في ثوبين لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته دابته اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين رواه البخاري وكان سويد بن غفلة يقول يكفن في ثوبين وقال الأوزاعي يجزي ثوبان وأقل ما يجزي ثوب واحد يستر جميعه قالت أم عطية لما فرغنا يعني من غسل بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألقى إلينا حقوه فقال أشعرنها إياه ولم يزد على ذلك رواه البخاري وقال معنى أشعرنها إياه ألففنها فيه قال ابن عقيل العورة المغلظة يسترها ثوب واحد فجسد الميت أولى وقال القاضي لا يجزي أقل من ثلاثة أثواب لمن يقدر عليها وروي مثل ذلك عن عائشة واحتج بأنه لو جاز أقل منها لم يجز التكفين بها في حق من له أيتام احتياطا لهم والصحيح الأول وما ذكره القاضي لا يصح فإنه يجوز التكفين بالحسن مع حصول الأجزاء بما دونه فصل قال أحمد يكفن الصبي في خرقة وإن كفن في ثلاثة فلا بأس وكذلك قال إسحاق ونحوه قال سعيد بن المسيب والثوري وأصحاب الرأي وغيرهم لا خلاف بينهم في أن ثوبا يجزئه وإن كفن في ثلاثة فلا بأس لأنه ذكر فأشبه الرجل فصل فإن لم يجد الرجل ثوبا يستر جميعه ستر رأسه وجعل على رجليه حشيشا أو ورقا كما روي عن خباب أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا تمرة فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه من الإذخر رواه البخاري فإن لم يجد إلا ما يستر العورة سترها لأنها أهم في الستر بدليل حالة الحياة فإن كثر القتلى وقلت الأفكان كفن الرجلان والثلاثة في الثوب الواحد كما صنع بقتلى أحد قال أنس كثرت قتلى أحد وقلت الثياب قال فكفن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد ثم يدفنون في قبر واحد قال الترمذي حديث أنس حديث حسن غريب مسألة قال ( ويجعل الذريرة في مفاصله ويجعل الطيب في مواضع السجود والمغابن ويفعل به كما يفعل بالعروس ) الذريرة هي الطيب المسحوق ويستحب أن يجعل في مفاصل الميت ومغابنه وهي المواضع التي تنثني من الإنسان كطي الركبتين وتحت الإبطين وأصول الفخذين لأنها مواضع الوسخ ويتبع بإزالة الوسخ والدرن منها من الحي ويتبع بالطيف من المسك والكافور مواضع السجود لأنها أعضاء شريفة ويفعل به كما يفعل بالعروس لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم وكان ابن عمر يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك قال أحمد يخلط الكافور بالذريرة وقيل له يذر المسك على الميت أو يطلى به قال لا يبالي قد روي عن ابن عمر أنه ذر عليه وروي عنه أنه مسحه بالمسك مسحا وابن سيرين طلى إنسانا بالمسك من قرنه إلى قدمه وقال إبراهيم النخعي يوضع الحنوط على أعظم السجود والجبهة والراحتين والركبتين وصدور القدمين مسألة قال ( ولا يجعل في عينيه كافورا ) إنما كره هذا لأنه يفسد العضو ويتلفه ولا يصنع مثله بالحي قال أحمد ما سمعنا إلا في المساجد وحكي له عن ابن عمر أنه كان يفعل فأنكر أن يكون ابن عمر فعله وكره ذلك مسألة قال ( وإن خرج منه شيء يسير بعد وضعه في أكفانه لم يعد إلى الغسل وحمل )
لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافا ووالوجه في ذلك أن إعادة الغسل فيها مشقة شديدة لأنه يحتاج إلى إخراجه وإعادة غسله وغسل أكفانه وتجفيفها أو إبدالها ثم لا يؤمن مثل هذا في المرة الثانية والثالثة فسقط ذلك ولا يحتاج أيضا إلى إعادة وضوئه ولا غسل موضع النجاسة دفعا لهذه المشقة ويحمل بحاله ويروى عن الشعبي أن ابنة له لما لفت أكفانها بدا منها شيء فقال الشعبي ارفعوا فأما إن كان الخارج كثيرا فاحشا فمفهوم كلام الخرقي ها هنا أنه يعاد غسله إن كان قبل تمام السبعة لأن الكثير يتفاحش ويؤمن مثله في المرة الثانية لتحفظهم بالشد والتلجم ونحوه ورواه إسحاق بن منصور عن أحمد قال الخلال وخالفه أصحاب أبي عبد الله كلهم رووا عنه لا يعاد إلى الغسل بحال قال والعمل على ما اتفق عليه لما ذكرنا من المشقة فيه ويحتمل أن تحمل الروايتان على حالتين فالموضع الذي قال لا يعاد غسله إذا كان يسيرا ويخفى على المشيعين والموضع الذي أمر بإعادته إذا كان يظهر لهم ويفحش مسألة قال ( وإن أحب أهله أن يروه لم يمنعوا ) وذلك لما روي عن جابر قال لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهاني وقالت عائشة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل وقالت أقبل أبو بكر فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى فقال بأبي أنت يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين وهذه أحاديث صحاح مسألة قال ( والمرأة تكفن في خمسة أثواب قميص ومئزر ولفافة ومقنعة وخامسة تشد بها فخذاها ) قال ابن المنذر أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة خمسة أثواب وإنما استحب ذلك لأن المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر لزيادة عورتها على عورته فكذلك بعد الموت ولما كانت تلبس المخيط في إحرامها وهو أكمل أحوال الحياة استحب إلباسها إياه بعد موتها ولما كانت تلبس المخيط في إحرامها وهو أكمل أحوال الحياة استحب إلباسها إياه بعد موتها والرجل بخلاف ذلك فافترقا في اللبس بعد الموت لافتراقهما فيه في الحياة واستويا في الغسل بعد الموت لاستوائهما فيه في الحياة وقد روى أبو داود بإسناده عن ليلى بنت قانف الثقفية قالت كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاتها فكان أول ما أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحقو ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر قالت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند الباب معه كفنها يناولناها ثوبا ثوبا إلا أن الخرقي إنما ذكر لفافة واحدة فعلى هذا تشد الخرقة على فخذيها أولا ثم تؤزر بالمئزر ثم تلبس القميص ثم تخمر بالمقنعة ثم تلف بلفافة واحدة وقد أشار إليه أحمد فقال تخمر ويترك قدر ذراع يسدل على وجهها ويسدل على فخذيها الحقو وسئل عن الحقو فقال هو الإزار قيل الخامسة قال خرقة تشد على فخذيها قيل له قميص المرأة قال يخيط قيل يكف ويزر قال يكف ولا يزر عليها والذي عليها أكثر أصحابنا وغيرهم أن الأثواب الخمسة إزار ودرع وخمار ولفافتان وهو الصحيح لحديث ليلى الذي ذكرناه ولما روت أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم ناولها إزارا ودرعا وخمارا وثوبين فصل قال المروذي سألت أبا عبد الله في كم تكفن الجارية إذا لم تبلغ قال في لفافتين وقميص لا خمار فيه وكفن ابن سيرين بنتا له قد أعصرت في قميص ولفافتين وروي في بقير ولفافتين قال أحمد البقير القميص الذي ليس له كمان ولأن غير البالغ لا يلزمها ستر رأسها في الصلاة واختلفت الرواية عن أحمد في الحد الذي تصير به في حكم المرأة في الكفن
فروي عنه إذا بلغت وهو ظاهر كلامه في رواية المروذي لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار مفهومه أن غيرها لا تحتاج إلى خمار في صلاتها فكذلك في كفنها ولأن ابن سيرين كفن ابنته وقد أعصرت أي قاربت المحيض بغير خمار وروى عن أحمد أكثر أصحابه إذا كانت بنت تسع يصنع بها ما يصنع بالمرأة واحتج بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بها وهي بنت تسع سنين وروي عنها أنها قالت إذا بلغت الجارية تسعا فهي امرأة فصل قال أحمد لا يعجبني أن تكفن في شيء من الحرير وكره ذلك الحسن وابن المبارك وإسحاق قال ابن المنذر ولا أحفظ من غيرهم خلافهم وفي جواز تكفين المرأة بالحرير حتما لأن أقيسهما الجواز لأنه من لباسها في حياتها لكن كرهناه لها لأنها خرجت عن كونها محلا للزينة والشهوة وكذلك يكره تكفينها بالمعصفر ونحوه لذلك قال الأوزاعي لا يكفن الميت في الثياب المصبغة إلا ما كان من العصب يعني ما صبغ بالعصب وهو نبت ينبت باليمن مسألة قال ( ويضفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل من خلفها ) وجملة ذلك أن شعر الميتة يغسل وإن كان معقوصا نقض ثم غسل ثم ضفر ثلاثة قرون قرنيها وناصيتها ويلقى من خلفها وبهذا قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي لا يضفر ولكن يرسل مع خديها من بين يديها من الجانبين ثم يرسل عليه الخمار لأن ضفره يحتاج إلى تسريحها فينقطع شعرها وينتف ولنا ما روت أم عطية قالت ضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه خلفها يعني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه ولمسلم فضفرنا شعرها ثلاثة قرون قرنيها وناصيتها وللبخاري جعلن رأس بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة قرون نقضنه ثم غسلنه ثم جعلنه ثلاثة قرون وإنما غسلنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليمه وفي حديث أم سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم واضفرن شعرها ثلاثة قرون قصة وقرنين ولا تشبهنها بالرجال فأما التسريح فكرهه أحمد وقال قالت عائشة علام تنصون ميتكم قال يعني لا تسرحوا رأسه بالمشط ولأن ذلك يقطع شعره وينتفه وقد روي عن أم عطية قالت مشطناها ثلاثة قرون متفق عليه قال أحمد إنما ضفرن وأنكر المشط فكأنه تأول قولها مشطناها على أنها أرادت ضفرناها لما ذكرناه والله أعلم مسألة قال ( والمشي بالجنازة الإسراع ) لا خلاف بين الأئمة رحمهم الله في استحباب الإسراع بالجنازة وبه ورد النص وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه وإن كانت غير صالحة فشر تضعونه عن رقابكم متفق عليه وعن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اتبع الجنازة قال انبسطوا بها ولا تدبوا دبيب اليهود بجنائزها رواه أحمد في المسند واختلفوا في الإشراع المستحب فقال القاضي المستحب إسراع لا يخرج عن المشي المعتاد وهو قول الشافعي وقال أصحاب الرأي يخب ويرمل لما روى أبو داود عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال كنا في جنازة عثمان بن أبي العاص فكنا نمشي مشيا خفيفا فلحقنا أبو بكر فرفع سوطه فقال لقد رأيتنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نرمل رملا ولنا ما روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر عليه بجنازة تمخض مخضا فقال عليه السلام عليكم بالقصد في جنائزكم من المسند وعن ابن مسعود قال سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن المشي بالجنازة فقال ما دون الخبب رواه أبو داود والترمذي وقال يرويه أبو ماجد وهو مجهول وقول النبي صلى الله عليه وسلم انبسطوا بها ولا تدبوا دبيب اليهود يدل على أن المراد إسراع يخرج به عن شبه مشي اليهود بجنائزهم لأن الإسراف في الإسراع يمخضها ويؤذي حامليها ومتبعيها ولا يؤمن على الميت وقد قال ابن عباس في جنازة ميمونة لا تزلزلوا وارفقوا فإنها أمكم فصل واتباع الجنائز سنة
قال البراء أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز وهو على ثلاثة أضرب أحدها أن يصلي عليها ثم ينصرف قال زيد بن ثابت إذا صليت فقد قضيت الذي عليك وقال أبو داود رأيت أحمد ما لا أحصي صلى على جنائز ولم يتبعها إلى القبر ولم يستأذن الثاني أن يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان قيل وما القيراطان قال مثل الجبلين العظيمين متفق عليه الثالث أن يقف بعد الدفن فيستغفر له ويسأل الله له التثبيت ويدعو له بالرحمة فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دفن ميتا وقف وقال استغفروا له واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل رواه أبو داود وقد روي عن ابن عمر أنه كان يقرأ عنده بعد الدفن أول البقرة وخاتمتها فصل يستحب لمتبع الجنازة أن يكون متخشعا متفكرا في مآله متعظا بالموت وبما يصير إليه الميت ولا يتحدث بأحاديث الدنيا ولا يضحك قال سعد بن معاذ ما تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هو مفعول بها ورأى بعض السلف رجلا يضحك في جنازة فقال أتضحك وأنت تتبع الجنازة لا كلمتك أبدا مسألة قال ( والمشي أمامها أفضل ) أكثر أهل العلم يرون الفضيلة للماشي أن يكون أمام الجنازة روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبي قتادة وأبي أسيد وعبيد بن عمير وشريح والقاسم بن محمد وسالم والزهري ومالك والشافعي وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي المشي خلفها أفضل لما روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الجنازة متبوعة ولا تتبع ليس منها من تقدمها وقالعلي رضي الله عنه فضل الماشي خلف الجنازة على الماشي قدامها كفضل المكتوبة على التطوع سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنها متبوعة فيجب أن تقدم كالإمام في الصلاة ولهذا قال في الحديث الصحيح من تبع جنازة ولنا ما روى ابن عمر قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة رواه أبو داود والترمذي وعن أنس نحوه رواه ابن ماجة قال ابن المنذر ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وعن ابن عمر قال السنة في الجنازة أن يمشي أمامها وقال أبو صالح كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون أمام الجنازة لأنهم شفعاء له بدليل قوله صلى الله عليه وسلم ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه رواه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم ما من أربعين منن المؤمنين يشفعون لمؤمن إلا شفعهم الله عز وجل رواه ابن ماجة ولهذا يقولون في الدعاء له اللهم إنا جئناك شفعاء له فشفعنا فيه والشفيع يتقدم المشفوع له وحديث ابن مسعود يرويه أبو ماجد وهو مجهول قيل ليحيى من أبو ماجد هذا قال طائر طار قال الترمذي سمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث والحديث الآخر لم يذكره أصحاب السنن وقالوا هو ضعيف ثم نحمله على من تقدمها إلى موضع الصلاة أو الدفن ولم يكن معها وقياسهم يبطل بسنة الصحيح والظهر فإنا تابعة لهما وتتقدمها في الوجود
فصل ويكره الركوب في اتباع الجنائز قال ثوبان خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأى ناسا ركبانا فقال إلا تستحون إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب رواه الترمذي فإن ركب في جنازة فالسنة أن يكون خلفها قال الخطابي في الراكب لا أعلمهم اختلفوا في أنه يكون خلفها لقول النبي صلى الله عليه وسلم الراكب يسير خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها رواه أبو داود وروى الترمذي نحوه ولفظه الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها والطفل يصلى عليه وقال هذا حديث صحيح ولأن سير الراكب أمامها يؤذي المشاة لأنه موضع مشيهم على ما قدمناه فأما الركوب في الرجوع منها فلا بأس به قال جابر بن سمرة إن النبي صلى الله عليه وسلم لتبع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع على فرس رواه مسلم قال الترمذي هذا حديث حسن فصل ويكره رفع الصوت عند الجنازة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تتبع الجنازة بصوت قال ابن المنذر روينا عن قيس بن عباد أنه قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند ثلاث عند الجنائز وعند الذكر وعند القتال وذكر الحسن عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يستحبون خفض الصوت عند ثلاث فذكر نحوه وذكر سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن والنخعي وإمامنا وإسحاق قول القائل خلف الجنازة استغفروا له وقال الأوزاعي بدعة وقال عطاء محدثة وقال سعيد بن المسيب في مرضه إياي وحاديهم هذا الذي يحدو لهم يقول استغفروا له غفر الله لكم وقال فضيل بن عمرو بينما ابن عمر في جنازة إذ سمع قائلا يقول استغفروا له غفر الله لكم فقال ابن عمر لا غفر الله لك رواهما سعيد قال أحمد ولا يقول خلف الجنازة سلم رحمك الله فإنه بدعة ولكن يقول بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر الله إذا تناول السرير فصل ومس الجنازة بالأيدي والأكمام والمناديل محدث مكروه ولا يؤمن معه فساد الميت وقد منع العلماء مس القبر فمس الجسد مع خوف الأذى أولى بالمنع فصل ويكره اتباع الميت بنار قال ابن المنذر يكره ذلك كل من يحفظ عنه روي عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن مغفل ومعقل بن يسار وأبي سعيد وعائشة وسعيد بن المسيبأنهم وصوا أن لا يتبعوا بنار روى ابن ماجة أن أبا موسى حين حضره الموت قال لا تتبعوني بمجمر قالوا له أو سمعت فيه شيئا قال نعم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى أبو داود بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار فإن دفن ليلا فاحتاجوا إلى ضوء فلا بأس به إنما كرهت المجامر فيها البخور وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج قال الترمذي هذا حديث حسن فصل ويكره اتباع النساء الجنائز لما روي عن أم عطية قالت نهينا عن ابتاع الجنائز ولم يعزم علينا متفق عليه وكره ذلك ابن مسعود وابن عمر وأبو أمامة وعائشة ومسروق والحسن والنخعي والأوزاعي وإسحاق وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فإذا نسوة جلوس قال ما يجلسكن قلن ننتظر الجنازة قال هل تغسلن قلن لا قال هل تحملن قلن لا قال هل تدلين فيمن يدلي قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات رواه ابن ماجة وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي فاطمة فقال ما أخرجك يا فاطمة من بيتك قالت يا رسول الله أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك بلغت معهم الكدى قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر قال لو بلغت معهم الكدى فذكر تشديدا رواه أبو داود
فصل فإن كان مع الجنازة منكر يراه أو يسمعه فإن قدر على إنكاره وإزالته أزاله وإن لم يقدر على إزالته ففيه وجهان أحدهما ينكره ويتبعها فيسقط فرضه بالإنكار ولا يترك حقا لباطل والثاني يرجع لأنه يؤدي إلى استماع محظور ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك وأصل هذا في الغسل فإن فيه روايتين فيخرج في اتباعها وجهان مسألة قال ( والتربيع أن يوضع على الكتف اليمنى إلى الرجل ثم الكتف اليسرى إلى الرجل ) التربيع هو الأخذ بجوانب السرير الأربع وهو سنة في حمل الجنازة لقول ابن مسعود إذا تبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربع ثم ليتطوع بعد أو ليذر فإنه من السنة رواه سعيد في سننه وهذا يقتضي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وصفة التربيع المسنون أن يبدأ فيضع قائمة السرير اليسرى على كتفه اليمنى من عند رأس الميت ثم يضع القائمة اليسرى من عند الرجل على الكتف اليمنى ثم يعود أيضا إلى القائمة اليمنى من عند رأس الميت فيضعها على كتفه اليسرى ثم ينتقل إلى اليمنى من عند رجليه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وعن أحمد رحمه الله أنه يدور عليها فيأخذ بعد ياسرة المؤخرة يامنة المؤخرة ثم المقدمة وهو مذهب إسحاق وروي عن ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير وأيوب ولأنه أخف ووجه الأول أنه أحد الجانبين فينبغي أن يبدأ فيه بمقدمه كالأول فأما الحمل بين العمودين فقال ابن المنذر روينا عن عثمان وسعد بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير أنهم حملوا بين عمودي السرير وقال به الشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر وكرهه النخعي والحسن وأبو حنيفة وإسحاق والصحيح الأول لأن الصحابة رحمة الله عليهم قد فعلوه وفيهم أسوة حسنة وقال مالك ليس في حمل الميت توقيت يحمل من حيث شاء ونحوه قال الأوزاعي واتباع الصحابة رضي الله عنهم فيما فعلوه وقالوه أحسن وأولى فصل إذا مرت به جنازة لم يستحب له القيام لها لقول علي رضي الله عنه قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد رواه مسلم وقال إسحاق معنى قول علي يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى جنازة قام ثم ترك ذلك بعد قال أحمد إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس وذكر ابن أبي موسى والقاضي أن القيام مستحب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه رواه مسلم وقد ذكرنا أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك القيام لها والأخذ بالآخر من أمره أولى فقد روي في حديث أن يهوديا رأى النبي صلى الله عليه وسلم قام للجنازة فقال يا محمد هكذا نصنع فترك النبي صلى الله عليه وسلم القيام لها فصل ومن يتبع الجنازة استحب له أن لا يجلس حتى توضع وممن رأى أن لا يجلس حتى توضع على أعناق الرجال الحسن بن علي وابن عمر وأبو هريرة وابن الزبير والنخعي والشعبي والأوزاعي وإسحاق ووجه ذلك ما روى مسلم بإسناده عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع ورأى الشافعي أن هذا منسوخ بحديث علي ولا يصح لأن قول علي يحتمل ما ذكره إسحاق والسبب الذي ذكرناه فيه وليس في اللفظ عموم فيعم الأمرين جميعا فلم يجر النسخ بأمر محتمل ولأن قول علي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد يدل على ابتداء فعل القيام وها هنا إنما وجدت منه الاستدامة إذا ثبت هذا فأظهر الروايتين عن أحمد أنه أريد بالوضع وضعها على أعناق الرجال وهو قول ما ذكرنا من قبل وقد روى الثوري الحديث إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع بالأرض ورواه أبو معاوية حتى توضع في اللحد وحديث سفيان أصح فأما من تقدم الجنازة فلا بأس أن يجلس قبل أن تنتهي إليه
قال الترمذي روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتقدمون الجنازة فيجلسون قبل أن تنتهي إليهم فإذا جاءت الجنازة لم يقوموا لها لما تقدم مسألة قال ( وأحق الناس بالصلاة عليه من أوصى له أن يصلي عليه ) هذا مذهب أنس وزيد بن أرقم وأبي برزة وسعيد بن زيد وأم سلمة وابن سيرين وقال الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي الولي أحق لأنها ولاية بترتب العصابات فالولي فيها أولى كولاية النكاح ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم روي أن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر قاله أحمد قال عمر أوصى أن يصلي عليه صهيب وأم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد وأبو بكرة أوصى أن يصلي عليه أبو برزة وقال غيره عائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة وابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير ويونس بن جبير أوصى أن يصلي عليه أنس بن مالك وأبو سريحة أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم فجاء عمرو بن حريث وهو أمير الكوفة ليتقدم فيصلي عليه فقال ابنه أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم فقدم زيدا فهذه قضايا انتشرت فلم يظهر لها مخالف فكان إجماعا ولأنه حق للميت فإنها سفاعة له فتقدم وصيته فيها كتفريق ثلثه وولاية النكاح يقدم فيها الوصي أيضا فهي كمسألتنا وإن سلمت فليست حقا له إنما هي حق للمولى عليه ثم الفرق بينهما أن الأمير يقدم في الصلاة بخلاف ولاية النكاح ولأن الغرض في الصلاة الدعاء والشفاعة إلى الله عز وجل فالميت يختار لذلك من هو أظهر صلاحا وأقرب إجابة في الظاهر بخلاف ولاية النكاح فصل فإن كان الوصي فاسقا أو مبتدعا لم تقبل الوصية لأن الموصي جهل الشرع فرددنا وصيته كما لو كان الوصي ذميا فإن كان الأقرب إليه كذلك لم يقدم وصلى غيره كما يمنع من التقديم في الصلوات الخمس مسألة قال ( ثم الأمير ) أكثر أهل العلم يرون تقديم الأمير على الأقارب في الصلاة على الميت وقال الشافعي في أحد قوليه يقدم الولي قياسا على تقديمه في النكاح بجامع اعتبار ترتيب العصبات وهو خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه وحكى أبو حازم قال شهدت حسينا حين مات الحسن هو يدفع في قفا سعيد بن العاص ويقول تقدم لولا السنة ما قدمتك وسعيد أمير المدينة وهذا يقتضي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وروى الإمام أحمد بإسناده عن عمار مولى بني هاشم قال شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي وزيد بن عمر فصلى عليها سعيد بن العاص وكان أمير المدينة وخلفه يومئذ ثمانون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيهم ابن عمر والحسن والحسين وسمى في موضع آخر زيد بن ثابت وأبا هريرة وقال علي رضي الله عنه الإمام أحق من صلى على الجنازة وعن ابن مسعود نحو ذلك وهذا اشتهر فلم ينكر فكان إجماعا ولأنها صلاة شرعت فيها الجماعة فكان الإمام أحق بالإمامة فيها كسائر الصلوات وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنائز مع حضور أقاربها والخلفاء بعده ولم ينقل إلينا أنهم استأذنوا أولياء الميت في التقدم عليها فصل والأمير ها هنا الإمام فإن لم يكن فالأمير من قبله فإن لم يكن فالنائب من قبله في الإمامة فإن الحسين قدم سعيد بن العاص وإنما كان أميرا من قبل معاوية فإن لم يكن فالحاكم مسألة قال ( ثم الأب وإن علا ثم الابن وإن سفل ثم أقرب العصبة ) الصحيح في المذهب ما ذكره الخرقي في أن أولى الناس بعد الأمير الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الابن ثم ابنه وإن نزل ثم الأخ الذي هو عصبة ثم ابنه ثم الأقرب فالأقرب من العصبات وقال أبو بكر إذا اجتمع جد وأخ ففيه قولان وحكي عن مالك أن الابن أحق من الأب لأنه أقوى تعصيبا منه بدليل الإرث والأخ أولى من الجد لأنه يدلي بالبنوة والجد يدلي بالأبوة
ولنا أنهما استويا في الإدلاء لأن كل واحد منهما يدلي بنفسه والأب أرأف وأشفق ودعاؤه لابنه أقرب إلى الإجابة فكان أولى كالقريب مع البعيد إذ كان المقصود الدعاء للميت والشفاعة له بخلاف الميراث فصل وإن اجتمع زوج المرأة وعصبتها فظاهر كلام الخرقي تقديم العصبات وهو أكثر الروايات عن أحمد وقول سعيد بن المسيب والزهري وبكير بن الأشج ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي إلا أن أبا حنيفة يقدم زوج المرأة على ابنها منه وروي عن أحمد تقديم الزوج على العصبات لأن أبا بكرة صلى على امرأته ولم يستأذن إخوتها وروي ذلك عن ابن عباس والشعبي وعطاء وعمر بن عبد العزيز وإسحاق ولأنه أحق بالغسل فكان أحق بالصلاة كمحل الوفاق ولنا أنه يروى عن عمر رضي الله عه أنه قال لأهل امرأته أنتم أحق بها ولأن الزوج قد زالت زوجيته بالموت فصار أجنبيا والقرابة لم تزل فعلى هذه الرواية إن لم يكن لها عصبات فالزوج أولى لأن له سببا وشفقة فكان أولى من الأجنبي فصل فإن اجتمع أخ من الأبوين وأخ من أب ففي تقديم الأخ من الأبوين أو التسوية وجهان أخذا من الروايتين في ولاية النكاح والحكم في أولادهما وفي الأعمام وأولادهم كالحكم فيهما سواء فإن انقرض العصبة من النسب فالمولى المنعم ثم أقرب عصباته ثم الرجل من ذوي أرحامه الأقرب فالأقرب ثم الأجانب فصل فإن استوى وليان في درجة واحدة فأولاهما أحقهما بالإمامة في المكتوبات لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله قال القاضي ويحتمل أن يقدم له الأسن لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء وأعظم عند الله قدرا وهذا ظاهر مذهب الشافعي والأول أولى وفضيلة السن معارضة بفضيلة العلم وقد رجحها الشارع في سائر الصلوات مع أنه يقصد فيها إجابة الدعاء والحظ للمأمومين وقد روي عنه عليه السلام أنه قال أئمتكم شفعاؤكم ولا نسلم أن الأسن الجاهل أعظم قدرا من العالم ولا أقرب إجابة فإن استووا وتشاحوا أقرع بينهم كما في سائر الصلوات فصل ومن قدمه الولي فهو بمنزلته لأنها ولاية تثبت له فكانت له الاستنابة فيها ويقدم نائبه فيها على غيره كولاية النكاح فصل والحر البعيد أولى من العبد القريب لأن العبد لا ولاية له ولهذا لا يلي في النكاح ولا المال فإن اجتمع صبي ومملوك ونساء فالمملوك أولى لأنه تصح إمامته بهما فإن لم يكن إلا نساء وصبيان فقياس المذهب أنه لا يصح أن يؤم أحد الجنسين الآخر ويصلي عليه كل نوع لأنفسهم وإمامهم منهم ويصلي النساء جماعة إمامتهن في وسطهن نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يصلين منفردات لا يسبق بعضهن بعضا وإن صلين جماعة جاز ولنا أنهن من أهل الجماعة فيصلين جماعة كالرجال وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهن بعضا تحكم لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع وقد صلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على سعد بن أبي وقاص رواه مسلم فصل فإن اجتمع جنائز فتشاح أولياؤهم فيمن يتقدم للصلاة عليهم قدم أولاهم بالإمامة في الفرائض وقال القاضي يقدم السابق يعني من سبق ميته ولنا أنهم تساووا فأشبهوا الأولياء إذا تساووا في الدرجة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وإن أراد ولي كل ميت إفراد ميته بصلاة جاز مسألة قال ( والصلاة عليه يكبر ويقرأ الحمد ) وجملة ذلك أن سنة التكبير على الجنازة أربع ولا تسن الزيادة عليها ولا يجوز النقص منها فيكبر الأولى ثم يستعيذ ويقرأ الحمد ويبدؤها ببسم الله الرحمن الرحيم ولا يسن الاستفتاح قال أبو داود سمعت أحمد يسأل عن الرجل يستفتح الصلاة على الجنازة بسبحانك اللهم وبحمدك قال ما سمعت قال ابن المنذر كان الثوري يستحب أن يستفتح في صلاة الجنازة ولم نجده في كتب سائر أهل العلم وقد روي عن أحمد مثل قول الثوري لأن الاستعاذة فيها مشروعة فسن فيها الاستفتاح كسائر الصلوات
ولنا أن صلاة الجنازة شرع فيها التخفيف ولهذا لا يقرأ فيها بعد الفاتحة بشي وليس فيها ركوع ولا سجود والتعوذ سنة للقراءة مطلقا في الصلاة وغيرها لقول الله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم النحل 98 وإذا ثبت هذا فإن قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة وبهذا قال الشافعي وإسحاق وروي ذلك عن ابن عباس وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة لا يقرأ فيها بشيء من القرآن لأن ابن مسعود قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيها قولا ولا قراءة ولأن ما لا ركوع فيه لا قراءة فيه كسجود التلاوة ولنا أن ابن عباس صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فقال إنه من السنة أو من تمام السنة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى ابن ماجه بإسناده عن أم شريك قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وروى الشافعي في مسنده بإسناده عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على الجنازة أربعا وقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى ثم هو داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ولأنها صلاة يجب فيها القيام فوجبت فيها القراءة كسائر الصلوات وإن صح ما رووه عن ابن مسعود فإنما قال لم يوقت أي لم يقدر ولا يدل هذا على نفي أصل القراءة وقد روى ابن المنذر عنه أنه قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب ثم لا يعارض ما رويناه لأنه نفي يقدم عليه الإثبات ويفارق سجود التلاوة فإنه لا قيام فيه والقراءة إنما محلها القيام فصل ويسر القراءة والدعاء في صلاة الجنازة لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافا ولا يقرأ بعد أم القرآن شيئا وقد روي عن ابن عباس أنه جهر بفاتحة الكتاب قال أحمد إنما جهر ليعلمهم مسألة قال ( ويكبر الثانية ويصلي على النبي كما يصلي عليه في التشهد ) هكذا وصف أحمد الصلاة على الميت كما ذكر الخرقي وهو مذهب الشافعي وروي عن ابن عباس أنه لصلى على جنازة بمكة فكبر ثم قرأ وجهر وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم دعا لصاحبها فأحسن ثم انصرف وقال هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة وروى الشافعي في مسنده ن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى يقرأ في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه وصفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كصفة الصلاة عليه في التشهد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سألوه كيف نصلي عليك علمهم ذلك وإن أتى بها على غير ما ذكر في التشهد فلا بأس لأن القصد مطلق الصلاة قالالقاضي يقول اللهم صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك المرسلين وأهل طاعتك أجمعين من أهل السموات وأهل الأرضين إنك على كل شيء قدير لأن أحمد قال في رواية عبد الله يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي على الملائكة المقربين مسألة قال ( ويكبر الثالثة ويدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين ويدعو للميت ) وإن أحب أن يقول اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا ومثوانا إنك على كل شيء قدير اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته فتوفه على الإيمان اللهم إنه عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزل به ولا نعلم إلا خيرا اللهم إن كان محسنا فجازه إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده والواجب أدنى دعاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء رواه أبو داود وهذا يحصل بأدنى دعاء ولأن المقصود الشفاعة للميت والدعاء له فيجب أقل ذلك ويستحب أن يدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين
قال أحمد وليس على الميت دعاء مؤقت والذي ذكره الخرقي حسن يجمع ذلك وقد روي أكثره في الحديث فمن ذلك ما روى أبو إبراهيم الأشل عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الجنازة قال اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث أبي إبراهيم وزاد اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده وفي حديث آخر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضتها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفر له رواه أبو داود وروى مسلم بإسناده عن عوف بن مالك قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا منن داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت فصل زاد أبو الخطاب على ما ذكره الخرقي اللهم جئناك شفعاء له فشفعنا فيه وقه فتنة القبر وعذاب النار وأكرم مثواه وأبدله دارا خيرا من داره وجوارا خيرا من جواره وافعل بنا ذلك وبجميع المسلمين وزاد ابن أبي موسى الحمد لله الذي أمات وأحيا الحمد لله الذي يحيي الموتى له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والثناء وهو على كل شيء قدير اللهم إنه عبدك ابن عبدك ابن أمتك أنت خلقته ورزقته وأنت أمته وأنت تحييه وأنت تعلم سره جئناك شفعاء له فشفعنا فيه اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له إنك ذو وفاء وذمة اللهم وقه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم اللهم إن كان محسنا فجازه بإحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه اللهم قد نزل بك وأنت خير منزول به فقيرا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده فصل وقوله لا نعلم إلا خيرا إنما يقوله لمن لم يعلم منه شرا لئلا يكون كاذبا وقد روى القاضي حديثا عن عبد الله بن الحارث عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم الصلاة على الميت اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا وصغيرنا وكبيرنا وشاهدنا وغائبنا اللهم إن عبدك وابن عبدك نزل بفنائك فاغفر له وارحمه ولا نعلم إلا خيرا فقلت وأنا أصغر الجماعة يا رسول الله وإن لم أعلم خيرا قال لا تقل إلا ما تعلم وإنما شرع هذا للخير ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أثني عنده على جنازة بخير قال وجبت وأثني على أخرى بشر فقال وجبت ثم قال إن بعضكم على بعض شهيد رواه أبو داود متفق عليه وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من عبد مسلم يموت يشهد له اثنان من جيرانه الأدنين بخير إلا قال الله تعالى قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا وغفرت له ما أعلم رواه الإمام أحمد في المسند وفي لفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من مسلم يموت فيقوم رجلان من جيرانه الأدنين فيقولان اللهم لا نعلم إلا خيرا إلا قال الله تعالى قد قبلت شهادتهما لعبدي وغفرت له ما لا يعلمان أخرجه اللاكائي فصل وإن كان الميت طفلا جعل مكان الاستغفار له اللهم اجعله فرطا لوالديه وذخرا وسلفا وأجرا اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما اللهم اجعله في كفالة إبراهيم وألحقه بصالح سلف المؤمنين وأجره برحمتك من عذاب الجحيم وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ومن سبقنا بالإيمان
ونحو ذلك وبأي شيء دعا مما ذكرنا أو نحوه أجزأه وليس فيه شيء مؤقت مسألة قال ( ويكبر الرابعة ويقف قليلا ) ظاهر كلام الخرقي أنه لا يدعو بعد الرابعة شيئا ونقله عن أحمد جماعة من أصحابه وقال لا أعلم فيه شيئا لأنه لو كان فيه دعاء مشروع لنقل وروي عن أحمد أنه يدعو ثم يسلم لأنه قيام في صلاة فكان فيه ذكر مشروع كالذي قبل التكبيرة الرابعة قال ابن أبي موسى وأبو الخطاب يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار البقرة 201 وقيل يقول اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده وهذا الخلاف في استحبابه ولا خلاف في المذهب أنه غير واجب وأن الوقوف بعد التكبير قليلا مشروع وقد روى الجوزجاني بإسناده عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر أربعا ثم يقول ما شاء الله ثم ينصرف قال الجوزجاني كنت أحسب أن هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف فإن الأمام إذا كبر ثم سلم خفت أن يكون تسليمه قبل أن يكبر آخر الصفوف فإن كان هكذا فالله عز وجل الموفق له وإن كان غير ذلك فإني أبرأ إلى الله عز وجل من أن أتأول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا لم يرده أو أراد خلافه مسألة قال ( ويرفع يديه في كل تكبيرة ) أجمع أهل العلم على أن المصلي على الجنائز يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها وكان ابن عمر يرفع يديه في كل تكبيرة وبه قال سالم وعمر بن عبد العزيز وعطاء وقيس بن أبي حازم والزهري وإسحاق وابن المنذر والأوزاعي والشافعي وقال مالك والثوري وأبو حنيفة لا يرفع يديه إلا في الأولى لأن كل تكبيرة مقام ركعة ولا ترفع الأيدي في جميع الركعات ولنا ما روى عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في كل تكبيرة رواه ابن أبي موسى وعن ابن عمر وأنس أنهما كانا يفعلان ذلك ولأنها تكبيرة حال الاستقرار أشبهت الأولى وما ذكروه غير مسلم فإذا رفع يديه فإنه يحطهما عند انقضاء التكبير ويضع اليمنى جنازة فوضع يمينه على شماله مسألة قال ( ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه ) السنة أن يسلم على الجنازة تسليمة واحدة قال رحمه الله التسليم على الجنازة تسليمة واحدة عن ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيه اختلاف إلا عن إبراهيم وروي تسليمة واحدة عن علي وابن عمر وابن عباس وجابر وأبي هريرة وأنس بن مالك وابن أبي أوفى وواثلة بن الأسقف وبه قال سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وأبو أمامة بن سهل والقاسم بن محمد والحارث وإبراهيم النخعي والثوري وابن عيينة وابن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق وقال ابن المبارك من سلم على الجنازة تسليمتين فهو جاهل جاهل واختار القاضي أن المستحب تسليمتان وتسليمة واحدة تجزي وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي قياسا على سائر الصلوات ولنا ما روى عطاء بن السائب أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم على الجنازة تسليمة رواه الجوزجاني بإسناده وأنه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا قال أحمد ليس فيه اختلاف إلا عن إبراهيم قال الجوزجاني هذا عندنا لا اختلاف فيه لأن الاختلاف إنما يكون بين الأقران والأشكال أما إذا أجمع الناس واتفقت الرواية عن الصحابة والتابعين فشذ عنهم رجل لم يقل لهذا اختلاف واختيار القاضي في هذه المسألة مخالف لقول إمامه وأصحابه وإجماع الصحابة والتابعين رضي الله عنهم إذا ثبت هذا فإن المستحب أن يسلم تسليمة واحدة عن يمينه وإن سلم تلقاء وجهه فلا بأس قال أحمد يسلم تسليمة واحدة وسئل يسلم تلقاء وجهه قال كل هذا وأكثر ما روي فيه عن يمينه قال خفية قال نعم يعني أن الكل جائز والتسليم عنه يمينه أولى لأنه أكثر ما روي وهو أشبه بالتسليم في سائر الصلوات قال أحمد يقول السلام عليكم ورحمة الله
وروى عنه علي بن سعيد أنه قال إذا قال السلام عليكم أجزأه وروى الخلال بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه صلى على يزيد بن المكفف فسلم واحدة عن يمينه السلام عليكم فصل وروي عن مجاهد أنه قال إذا صليت فلا تبرح مصلاك حتى ترفع قال ورأيت عبد الله بن عمرس لا يبرح مصلاه إذا صلى على جنازة حتى يراها على أيدي الرجال قال الأوزاعي لا تنقض الصفوف حتى ترفع الجنازة فصل والواجب في صلاة الجنازة النية والتكبيرات والقيام وقراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأدنى دعاء للميت وتسليمة واحدة ويشترط لها شرائط المكتوبة إلا الوقت وتسقط بعض واجباتها عن المسبوق على ما سنبين ولا يجوز أن يصلي على الجنائز وهو راكب لأنه يفوت القيام الواجب وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأبي ثور ولا أعلم فيه خلافا فصل ويستحب أن يصف في الصلاة على الجنائز ثلاثة صفوف لما روي عن مالك بن هبيرة حمصي وكانت له صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب قال فكان مالك بن هبيرة إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة أجزاء رواه الخلال بإسناده وقال الترمذي هذا حديث حسن قال أحمد أحب إذا كان فيهم قلة أن يجعلهم ثلاثة صفوف قالوا فإن كان وراءه أربعة كيف يجعلهم قال يجعلهم صفين في كل صف رجلين وكره أن يكونوا ثلاثة فيكون كل صف رجل واحد وذكر ابن عقيل أن عطاء بن أبي رياح روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فكانوا سبعة فجعل الصف الأول ثلاثة والثاني اثنين والثالث واحدا قال ابن عقيل ويعايا بها فيقال أين تجدون فذا انفراده أفضل ولا أحسب هذا الحديث صحيحا فإنني لم أره في غير كتاب ابن عقيل وأحمد قد صار إلى خلافه وكره أن يكون الواحد صفا ولو علم أحمد في هذا حديثا لم يعده إلى غيره والصحيح في هذا أن يجعل كل اثنين صفا فصل ويستحب تسوية الصف في الصلاة على الجنازة نص عليه أحمد وقيل لعطاء أحد على الناس أن يصفوا على الجنازة كما يصفون في الصلاة قال لا قوم يدعون ويستغفرون ولم يعجب أحمد قول عطاء هذا وقال يسوون صفوفهم فإنها صلاة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعا متفق عليه وروي عن أبي المليح أنه صلى على جنازة فالتفت فقال استووا لتحسن شفاعتكم فصل ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد إذا لم يخف تلويثه وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود وكره ذلك مالك وأبو حنيفة لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له من المسند ولنا ما روى مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد وقال سعيد حدثنا مالك عن سالم أبي النضر قال لما مات سعد بن أبي وقاص قالت عائشة رضي الله عنها مروا به علي حتى أدعو له فأنكر الناس ذلك فقالت ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد وقال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن هشام عن عروة عن أبيه قال صلي على أبي بكر في المسجد وقال حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال صلي على عمر في المسجد وهذا كان بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فلم ينكر فكان إجماعا ولأنها صلاة فلم يمنع منها كسائر الصلوات وحديثهم يرويه صالح مولى التوأمة قال ابن عبد البر من أهل العلم من لا يقبل من حديثه شيئا لضعفه لأنه اختلط ومنهم من يقبل منه ما رواه عن ابن أبي ذئب خاصة ثم يحمل على من خيف عليه الانفجار وتلويث المسجد
فصل فأما الصلاة على الجنازة في المقبرة فعن أحمد فيها روايتان إحداهما لا بأس بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر وهو في المقبرة قال ابن المنذر ذكر نافع أنه صلي على عائشة وأم سلمة وسط قبور البقيع وصلى على عائشة أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر وفعل ذلك عمر بن عبد العزيز والرواية الثانية يكره ذلك وروي ذلك عن علي وعبد الله بن عمر وابن العاص وابن عباس وبه قال عطاء والنخعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم والأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ولأنه ليس بموضع للصلاة غير صلاة الجنازة فكرهت فيه صلاة الجنازة كالحمام مسألة قال ( ومن فاته شيء من التكبير قضاء متتابعا فإن سلم مع الإمام ولم يقض فلا بأس ) وجملة ذلك أن المسبوق بتكبير الصلاة في الجنازة يسن له قضاء ما فاته منها وممن قال يقضي ما فاته سعيد بن المسيب وعطاء والنخعي والزهري وابن سيرين وقتادة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي فإن سلم قبل القضاء فلا بأس هذا قول ابن عمر والحسن وأيوب السختياني والأوزاعي قالوا لا يقضي ما فات من تكبيرة الجنازة قال أحمد إذا لم يقض لم يبال العمري عن نافع عن ابن عمر أنه لا يقضي وإن كبر متتابعا فلا بأس كذلك قال إبراهيم وقال أيضا يبادر بالتكبير قبل أن يرفع وقال أبو الخطاب إن سلم قبل أن يقضيه فلا تصح صلاته على روايتين إحداهما لا تصح وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي لقوله عليه السلام ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وفي لفظ فاقضوا وقياسا على سائر الصلوات ولنا قول ابن عمر ولم يعرف له في الصحابة مخالف وقد روي عن عائشة أنها قالت يا رسول الله إني أصلي على الجنازة ويخفى علي بعض التكبير قال ما سمعت فكبري وما فاتك فلا قضاء عليك وهذا صريح ولأنها تكبيرات متواليات حال القيام فلم يجب قضاء ما فاته منها كتكبيرات العيد وحديثهم ورد في الصلوات الخمس بدليل قوله في صدر الحديث ولا تأتوها وأنتم تسعون وروي أنه سعى في جنازة سعد حتى سقط رداؤه عن منكبيه فعلم أنه لم يرد بالحديث هذه الصلاة ثم الحديث الذي رويناه أخص منه فيجب تقديمه والقياس على سائر الصلوات لا يصح لأنه لا يقضي في شيء من الصلوات التكبير المنفرد ثم يبطل بتكبيرات العيد إذا ثبت هذا فإنه متى قضى أتى بالتكبير متواليا لا ذكر معه كذلك قال أحمد وحكاه عن إبراهيم قال يبادر بالتكبير متتابعا وإن لم يرفع قضى ما فاته وإذا أدرك الإمام في الدعاء على الميت تابعه فيه فإذا سلم الإمام كبر وقرأ الفاتحة ثم كبر وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وكبر وسلم وقال الشافعي متى دخل المسبوق في صلاة ابتدأ الفاتحة ثم أتى بالصلاة في الثانية ووجه الأول أن المسبوق في سائر الصلوات يقرأ فيما يقضيه الفاتحة وسورة على صفة ما فاته فينبغي أن يأتي ها هنا بالقراءة على صفة ما فاته والله أعلم فصل قال وإذا أدرك الإمام فيما بين تكبيرتين فعن أحمد أنه ينتظر الإمام حتى يكبر معه وبه قال أبو حنيفة والثوري وإسحاق لأن التكبيرات كالركعات ثم لو فاتته ركعة لم يتشاغل بقضائها وكذلك إذا فاتته تكبيرة والثانية يكبر ولا ينتظر وهو قول الشافعي لأنه في سائر الصلوات متى أدرك الإمام كبر معه ولم ينتظر وليس هذا اشتغالا بقضاء ما فاته وإنما يصلي معه ما أدركه فيجزيه ذلك كالذي يكبر عقيب تكبير الإمام أو يتأخر عن ذلك قليلا وعن مالك كالروايتين قالابن المنذر سهل أحمد في القولين جميعا ومتى أدرك الإمام في التكبيرة الأولى فكبر وشرع في القراءة ثم كبر الإمام قبل أن يتمها فإنه يكبر ويتابعه ويقطع القراءة كالمسبوق في بقية الصلوات إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة مسألة قال ( ويدخل قبره من عند رجليه إن كان أسهل عليهم ) الضمير في قوله رجليه يعود إلى القبر أي من عند موضع الرجلين
وذلك أن المستحب أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر ثم يسل سلا إلى القبر وروي ذلك عن ابن عمر وأنس وعبد الله بن يزيد الأنصاري والنخعي والشعبي والشافعي وقال أبو حنيفة توضع الجنازة على جانب القبر مما يلي القبلة ثم يدخل القبر معترضا لأنه يروي عن علي رضي الله عنه ولأن النخعي قال حدثني من رأى أهل المدينة في الزمن الأول يدخلون موتاهم من قبل وأن السل شيء أحدثه أهل المدينة ولنا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الله بن يزيد الأنصاري أن الحارث أوصى أن يليه عند موته فصلى عليه ثم دخل القبر فأدخله من رجلي القبر وقال هذا السنة وهذا يقتضي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وروى ابن عمر وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سل من قبل رأسه سلا وما ذكر عن النخعي لا يصح لأن مذهبه بخلافه ولأنه لا يجوز على العدد الكثير أن يغيروا سنة ظاهرة في الدفن إلا بسبب ظاهر أو سلطان قاهر قال ولم ينقل من ذلك شيء ولو ثبت فسنة النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة على فعل أهل المدينة وإن كان الأسهل عليهم أخذه من قبل القبلة أو من رأس القبر فلا حرج فيه لأن استحباب أخذه من رجلي القبر إنما كان طلبا للسهولة عليهم والرفق بهم فإن كان الأسهل غيره كان مستحبا قال أحمد رحمه الله كل لا بأس به فصل قال أحمد رحمه الله يعمق القبر إلى الصدر الرجل والمرأة في ذلك سواء وكان الحسن وابن سيرين يستحبان أن يعمق القبر إلى الصدر وقالسعيد حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه أمرهم أن يحفروا قبره إلى السرة ولا يعمقوا فإن ما على ظهر الأرض أفضل مما سفل منها وذكر أبو الخطاب أنه يستحب أن يعمق قدر قامة وبسطة وهو قول الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال احفروا وأوسعوا وأعمقوا رواه أبو داود ولأن ابن عمر أوصى بذلك في قبره ولأنه أحرى أن لا تناله السباع وأبعد على من ينبشه والمنصوص عن أحمد أن المستحب تعميقه إلى الصدر لأن التعميق قدر قامة وبسطة يشق ويخرج عن العادة وقول النبي صلى الله عليه وسلم أعمقوا ليس فيه بيان لقدر التعميق ولم يصح عن ابن عمر أنه أوصى بذلك في قبره ولو صح عند أبي عبد الله لم يعده إلى غيره إذا ثبت هذا فإنه يستحب تحسينه وتعميقه وتوسيعه للخبر وقد روى زيد بن أسلم قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر فقال اصنعوا كذا اصنعوا كذا ثم قال ما بي أن يكون يغني عنه شيئا ولكن الله يحب إذا عمل العمل أن يحكم قال معمر وبلغني أنه قال ولكنه أطيب لأنفس أهله رواه عبد الرزاق في كتاب الجنائز فصل والسنة أن يلحط قبر الميت كما صنع بقبر النبي صلى الله عليه وسلم قال سعد بن أبي وقاص ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم ومعنى اللحد أنه إذا بلغ أرض القبر حفر فيه مما يلي القبلة مكانا يوضع الميت فيه فإن كانت الأرض رخوة جعل له من الحجارة شبه اللحد قال أحمد ولا أحب الشق لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللحد لنا والشق لغيرنا رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال هذا حديث غريب فإن لم يمكن اللحد شق له في الأرض ومعنى الشق أن يحفر في أرض القبر شقا يضع الميت فيه ويسقفه عليه بشيء ويضع الميت فيي اللحد على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه ويضع تحت رأسه لبنة أو حجرا أو شيئا مرتفعا كما يصنع الحي وقد روي عن عمر رضي الله عنه قال إذا جعلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض ويدنى من الحائط لئلا ينكب على وجهه ويسند من ورائه بتراب لئلا ينقلب