İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل وحكم إقطاع هذه الأرض حكم بيعها في أن ما كان من عمر أو مما كان قبل مائة سنة فهو لأهله وما كان بعدها ضرب عليه كما فعل المنصور إلا أن يكون بغير إذن الإمام فيكون باطلا وذكر ابن عائذ في كتابه بإسناده عن سليمان بن عتبة أن أمير المؤمنين عبد الله بن محمد أظنه المنصور سأله في مقدمة الشام سنة ثلاث أو أربع وخمسين عن سبب الأرضين التي بأيدي أبناء الصحابة يذكرون أنها قطائع لآبائهم قديمة فقلت يا أمير المؤمنين إن الله تعالى لما أظهر المسلمين على بلاد الشام وصالحوا أهل دمشق وأهل حمص كرهوا أن يدخلوها دون أن يتم ظهورهم وإثخانهم في عدو الله فعسكروا في مرج بردى بين المزة إلى مرج شعبان وجنبتي بردى مروج كانت مباحة فيما بين أهل دمشق وقراها ليست لأحد منهم فأقاموا بها حتى أوطأ الله بهم المشركين قهرا وذلا فأحيا كل قوم محلتهم وهيؤوا بها بناء فبلغ ذلك عمر فأمضاه لهم وأمضاه عثمان من بعده إلى أمير المؤمنين قال وقد أمضيناه لهم وعن الأحوص بن حكيم أن المسلمين الذين فتحوا حمص لم يدخلوها بل عسكروا على نهر الأربد فأحيوه فأمضاه لهم عمر وعثمان وقد كان منهم ناس تعدوا إذ ذاك إلى جسر الأربد الذي على باب الرستن فعسكروا في مرجه مسلحة لمن خلفهم من المسلمين فلما بلغهم ما أمضاه عمر للمعسكرين على نهر الأربد سألوا أن يشركوهم في تلك القطائع وكتبوا إلى عمر فيه فكتب أن يعوضوا مثله من المروج التي كانوا عسكروا فيها على باب الرستن فلم تزل تلك القطائع على شاطىء الأربد وعلى باب حمص وعلى باب الرستن ماضية لأهلها لا خراج عليها تؤدي العشر فصل وهذا الذي ذكرناه في الأرض المغلة فأما المساكن فلا بأس بحيازتها وبيعها وشرائها وسكناها قالأبو عبيد ما علمنا أحدا كره ذلك وقد اقتسمت الكوفة خططا في زمن عمر رضي الله عنه بإذنه والبصرة وسكنهما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الشام ومصر وغيرهما من البلدان فما عاب ذلك أحد ولا أنكره مسألة قال ( فما كان من الصلح ففيه الصدقة ) يعني ما صولحوا عليه على أن ملكه لأهله ولنا عليهم خراج معلوم فهذا الخراج في حكم الجزية فمتى أسلموا سقط عنهم وإن انتقلت إلى مسلم لم يكن عليهم خراج وفي مثله جاء عن العلاء بن الحضرمي قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البحرين وإلى هجر فكنت آتي الحائط تكون بين الإخوة يسلم أحدهم فآخذ من المسلم العشر ومن المشرك الخراج رواه ابن ماجة فهذا في أحد هذين البلدين لأنهما فتحا صلحا وكذلك كل أرض أسلم أهلها عليها كأرض المدينة فهي ملك لهم ليس عليها خراج ولا شيء أما الزكاة فهي واجبة على كل مسلم ولا خلاف في وجوب العشر في الخارج من هذه الأرض قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن كل أرض أسلم أهلها عليها قبل قهرهم عليها أنها لهم وأن أحكامهم أحكام المسلمين وأن عليهم فيما زرعوا فيها الزكاة مسألة قال ( وما كان عنوة أدى عنها الخراج وزكى ما بقي إذا كان خمسة أوسق وكان لمسلم ) يعني ما فتح عنوة ووقف على المسلمين وضرب عليهم خراج معلوم فإنه يؤدي الخراج من غلته وينظر في باقيها فإن كان نصابا ففيه الزكاة إذا كان لمسلم وإن لم يبلغ نصابا أو بلغ نصابا ولم يكن لمسلم فلا زكاة فيه فإن الزكاة لا تجب على غير المسلمين وكذلك الحكم في كل أرض خراجية وهذا قول عمر بن عبد العزيز والزهري ويحيى الأنصاري وربيعة والأوزاعي ومالك والثوري ومغيرة والليث والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وابن المبارك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وقال أصحاب الرأي لا عشر في الأرض الخراجية لقوله عليه السلام لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم ولأنهما حقان سبباهما متنافيان فلا يجتمعان كزكاة السوم والتجارة والعشر وزكاة القيمة وبيان تنافيهما أن الخراج وجب عقوبة
لأنه جزية الأرض والزكاة وجبت طهرة وشكرا ولنا قول الله تعالى ومما أخرجنا لكم من الأرض البقرة 267 وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر وغيره من عمومات الأخبار قال ابن المبارك يقول الله تعالى ومما أخرجنا لكم من الأرض ثم قال نترك القرآن لقولأبي حنيفة ولأنهما حقان يجبان لمستحقين يجوز وجوب كل واحد منهما على المسلم فجاز اجتماعهما كالكفارة والقيمة في الصيد الحرمي المملوك وحديثهم يرويه يحيى بن عنبسة وهو ضعيف عن أبي حنيفة ثم نحمله على الخراج الذي هو جزية وقول الخرقي وكان لمسلم يعني أن الزكاة لا تجب على صاحب الأرض إذا لم يكن مسلما وليس عليه في أرضه سوى الخراج قال أحمد رحمه الله ليس في أرض أهل الذمة صدقة إنما قال الله تعالى صدقة تطهرهم وتزكيهم بها التوبة 103 فأي طهرة للمشركين وقولهم إن سببيهما يتنافيان غير صحيح فإن الخراج أجرة الأرض والعشر زكاة الزرع ولا يتنافيان كما لو استأجر أرضا فزرعها ولو كان الخراج عقوبة لما وجب على مسلم كالجزية فصل فإن كان في غلة الأرض ما لا عشر فيه كالثمار التي لا زكاة فيها والخضراوات وفيها زرع فيه الزكاة جعل ما لا زكاة فيه في مقابلة الخراج وزكى ما فيه الزكاة إذا كان ما لا زكاة فيه وافيا بالخراج وإن لم يكن لها عليه إلا ما تجب فيه الزكاة أدى الخراج من غلتها وزكى ما بقي وهذا قول عمر بن عبد العزيز إذا كان ما لا زكاة فيه وافيا بخراج وإن لم يكن لهما غلة إلا ما تجب فيه الزكاة أدى الخراج من غلتها روى أبو عبيد عن إبراهيم بن أبي عبلة قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن أبي عوف عامله على فلسطين فيمن كانت في يده أرض يحرثها من المسلمين أن يقبض منها جزيتها ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية قال ابن أبي عبلة أنا ابتليت بذلك ومني أخذوا ذلك لأن الخراج من مؤونة الأرض فيمنع وجوب الزكاة في قدره كما قال أحمد من استدان ما أنفق على زرعه واستدان ما أنفق على أهله احتسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله لأنه من مؤونة الزرع وبهذا قال ابن عباس وقال عبد الله بن عمر يحتسب بالدينين جميعا ثم يخرج مما بعدهما وحكي عن أحمد أن الدين كله يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة فعلى هذه الرواية يحسب كل دين عليه ثم يخرج العشر مما بقي إن بلغ نصابا وإن لم يبلغ نصابا فلا عشر فيه وذلك لأن الواجب زكاة فمنع الدين وجوبها كزكاة الأموال الباطنة ولأنه دين فمنع وجوب العشر كالخرج وما أنفقه على زرعه والفرق بينهما على الرواية الأولى أن ما كان من مؤونة الزرع فالحاصل في مقابلته يجب صرفه إلى غيره فكأنه لم يحصل فصل ومن استأجر أرضا فزرعها فالعشر عليه دون مالك الأرض وبهذا قال مالك والثوري وشريك وابن المبارك والشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة هو على مالك الأرض لأنه من مؤونتها أشبه الخراج ولنا إنه واجب في الزرع فكان على مالكه كزكاة القيمة فيما إذا أعده للتجارة وكعشر زرعه في ملكه ولا يصح قولهم إنه من مؤونة الأرض لأنه لو كان من مؤونتها لوجب فيها وإن لم تزرع كالخراج ولوجب على الذمي كالخراج ولتقدر بقدر الأرض لا بقدر الزرع ولوجب صرفه إلى مصارف الفيء دون مصرف الزكاة ولو استعار أرضا فزرعها فالزكاة على صاحب الزرع لأنه مالكه وإن غصبها فزرعها وأخذ الزرع فالعشر عليه أيضا لأنه ثبت على ملكه وإن أخذه مالكها قبل اشتداد حبه فالعشر عليه وإن أخذه بعد ذلك احتمل أن يجب عليه أيضا لأن أخذه إياه استند إلى أول زرعه فكأنه أخذه من تلك الحال ويحتمل أن تكون زكاته على الغاصب لأنه كان ملكا له حين وجوب عشره وهو حين اشتداد حبه وإن زارع رجلا مزارعة فاسدة فالعشر على من يجب الزرع له
وإن كانت صحيحة فعلى كل واحد منهما عشر حصته إن بلغت خمسة أوسق أو كان له من الزرع ما يبلغ بضمه إليها خمسة أوسق وإلا فلا عشر عليه وإن بلغت حصة أحدهما دون صاحبه النصاب فعلى من بلغت حصته النصاب عشرها ولا شيء على الآخر لأن الخلطة لا تؤثر في غير السائمة في الصحيح ونقل عن أحمد أنها تؤثر فيلزمهما العشر إذا بلغ الزرع جميعه خمسة أوسق ويخرج كل واحد منهما عشر نصيبه إلا أن يكون أحدهما ممن لا عشر عليه كالمكاتب والذمي فلا يلزم شريكه عشرا إلا أن تبلغ حصته نصابا وكذلك الحكم في المساقاة فصل ويكره لمسلم بيع أرضه من ذمي وإجارتها منه لإفضائه إلى إسقاط عشر الخارج منها قال محمد بن موسى سألت أبا عبد الله عن المسلم يؤجر أرض الخراج من الذمي قال لا يؤجر من الذمي إنما عليه الجزية وهذا ضرر وقال في موضع آخر لأنهم لا يؤدون الزكاة فإن آجرها منه ذمي أو باع أرضع التي لا خراج عليها ذميا صح البيع والإجارة وهذا مذهب الثوري والشافعي وشريك وأبي عبيد وليس عليهم فيها عشر ولا خراج قال حرب سألتأحمد عن الذمي يشتري أرض العشر قال لا أعلم عليه شيئا إنما الصدقة كهيئة مال الرجل وهذا المشتري ليس عليه وأهل المدينة يقولون في هذا قولا حسنا يقولون لا نترك الذمي يشتري أرض العشر وأهل البصرة يقولون قولا عجيبا يقولون يضاعف عليهم وقد روي عن أحمد أنهم يمنعون من شرائها اختارها الخل ال وصاحبه وهو قول مالك وصاحبه فإن اشتروها ضوعف عليهم العشر وأخذ منهم الخمس لأن في إسقاط العشر من غلة هذه الأرض إضرارا بالفقراء وتقليلا لحقهم فإذا تعرضوا لذلك ضوعف عليهم العشر كما لو اتجروا بأموالهم إلى غير بلدهم ضوعفت عليهم الزكاة فأخذ منهم نصف العشر وهذا قول أهل البصرة وأبي يوسف ويروى ذلك عن الحسن وعبيد الله بن الحسن العنبري وقال محمد بن الحسن العشر بحاله وقال أبو حنيفة تصير أرض خراج ولنا أن هذه أرض لا خراج عليها فلا يلزم فيها الخراج ببيعها كما لو باعها مسلما ولأنها مال مسلم يجب الحق فيه للفقراء عليه فلم يمنع من بيعه للذمي كالسائمة وإذا ملكها الذمي فلا عشر عليه فيما يخرج منها لأنها زكاة فلا تجب على الذمي كزكاة السائمة وما ذكره يبطل بالسائمة فإن الذمي يصح أن يشتريها وتسقط الزكاة منها وما ذكروه من تضعيف العشر فتحكم لا نص فيه ولا قياس مسألة قال ( وتضم الحنطة إلى الشعير وتزكى إذا كانت خمسة أوسق وكذلك القطنيات وكذلك الذهب والفضة ) وعن أبي عبد الله رواية أخرى أنها لا تضم وتخرج من كل صنف إن كان منصبا للزكاة القطنيات بكسر القاف جمع قطنية ويجمع أيضا قطاني قال أبو عبيد هي صنوف الحبوب من العدس والحمص والأرز والجلبان والجلجلان يعني السمسم وزاد غيره الدخن واللوبياء والفول والماش وسميت قطنية فعلية من قطن يقطن في البيت أي يمكث فيه ولا خلاف بين أهل العلم في غير الحبوب والثمار أنه لا يضم جنس آخر في تكميل النصاب فالماشية ثلاثة أجناس الإبل والبقر والغنم لا يضم جنس منها إلى آخر والثمار لا يضم جنس إلى غيره فلا يضم التمر إلى الزبيب ولا إلى اللوز والفستق والبندق ولا يضم شيء من هذه إلى غيره ولا تضم الأثمار إلى شيء من السائمة ولا من الحبوب والثمار ولا خلاف بينهم في أن أنواع الأجناس يضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب ولا خلاف بينهم أيضا في أن العروض تضم إلى الأجناس وتضم الأثمان إليها إلا أن الشافعي لا يضمها إلا إلى جنس ما اشتريت به لأن نصابها معتبر به
واختلفوا في ضم الخيول بعضها إلى بعض وفي ضم أحد النقدين إلى الآخر فروي عن أحمد في الحبوب ثلاث روايات إحداهن لا يضم جنس منها إلى غيره ويعتبر النصاب في كل جنس منها منفردا هذا قول عطاء ومكحول وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وشريك والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي لأنها أجناس فاعتبر النصاب في كل جنس منها منفردا كالثمار أيضا والمواشي والرواية الثانية أن الحبوب كلها تضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب اختارهها أبو بكر وهذا قول عكرمة وحكاه ابن المنذر عن طاوس وقال أبو عبيد لا نعلم أحدا من الماضين جمع بينهما إلا عكرمة وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق ومفهومه وجوب الزكاة فيه إذا بلغ خمسة أوسق ولأنها تتفق في النصاب وقدر المخرج والمنبت والحصار فوجب ضم بعضها إلى بعض كأنواع الجنس وهذا الدليل منتقض بالثمار والثالثة أن الحنطة تضم إلى الشعير وتضم القطنيات بعضها إلى بعض نقلها أبو الحارث عن أحمد وحكاها الخرقي قال القاضي وهذا هو الصحيح وهو مذهب مالك والليث إلا أنه زاد فقال السلت والذرة والدخن والأرز والقمح والشعير صنف واحد ولعله يحتج بأن هذا كله مقتات فيضم بعضه إلى بعض كأنواع الحنطة وقال الحسن والزهري تضم الحنطة إلى الشعير لأنها تتفق في الاقتيات والمنبت والحصاد والمنافع فوجب ضمها كما يضم العلس إلى الحنطة وأنواع الجنس بعضها إلى بعض والرواية الأولى أولى إن شاء الله تعالى لأنها أجناس يجوز التفاضل فيها فلم يضم بعضها إلى بعض كالثمار ولا يصح القياس على العلس مع الحنطة لأنه نوع منها ولا على أنواع الجنس لأن الأنواع كلها جنس واحد يحرم التفاضل فيها وثبت حكم الجنس في جميعها بخلاف الأجناس وإذا انقطع القياس لم يجز إيجاب الزكاة بالتحكم ولا بوصف غير معتبر ثم هو باطل بالثمار فإنها تتفق فيما ذكروه ولا يضم بعضها إلى بعض ولأن الأصل عدم الوجوب فما لم يرد بالإيجاب نص أو إجماع أو معناهما لا يثبت إيجابه والله أعلم ولا خلاف فيما نعلمه في ضم الحنطة إلى العلس لأنه نوع منها وعلى قياسه السلت يضم إلى الشعير لأنه منه فصل ولا تفريع على الروايتين الأوليين لوضوحهما فأما الثالثة وهي ضم الحنطة إلى الشعير والقطنيات بعضها إلى بعض فإن الذرة تضم إلى الدخن لتقاربهما في المقصد فإنهما يتخذان خبزا وأدما وقد ذكرا من جملة القطنيات أيضا فيضمان إليها وأما البزور فلا تضم إلى القطنيات ولكن الأبازير يضم بعضها إلى بعض لتقاربها في المقصد فأشبهت القطنيات وحبوب البقول لا تضم إلى القطنيات ولا إلى البزور فما تقارب منها ضم بعضه إلى بعض وما لا فلا وما شككنا فيه لا يضم لأن الأصل عدم الوجوب فلا يجب بالشك والله أعلم فصل وذكر الخرقي في ضم الذهب إلى الفضة روايتين وقد ذكرناهما فيما مضى واختار أبو بكر أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر مع اختياره الضم في الحبوب لاختلاف نصابهما واتفاق نصاب الحبوب فصل ومتى قلنا بالضم فإن الزكاة تؤخذ من كل جنس على قدر ما يخصه ولا يؤخذ من جنس عن غيره فإننا إذا قلنا في أنواع الجنس يؤخذ من كل نوع ما يخصه فأولى أن يعتد ذلك في الأجناس المختلفة مع تفاوت مقاصدها إلا الذهب والفضة فإن في إخراج أحدهما عن الآخر روايتين فصل ويضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب سواء اتفق وقت زرعه وإدراكه أو اختلف ولو كان منه صيفي وربيعي ضم الصيفي إلى الربيعي ولو حصدت الذرة والدخن ثم نبت أصولهما يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب لأن الجميع زرع عام واحد فضم بعضه إلى بعض كما لو تقارب زرعه وإدراكه فصل وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض سواء اتفق وقت إطلاعها وإدراكها أو اختلف فيقدم بعضها عل بعض في ذلك ولو أن الثمرة جدت ثم اطلعت الأخرى وجدت ضمت إحداهما إلى الأخرى
فإن كان له نخل يحمل في السنة حملين ضم أحدهما إلى الآخر وقال القاضي لا يضم وهو قول الشافعي لأنه حمل ينفصل عن الأول فكان حكمه حكم حمل عام آخر وإن كان له نخل يحمل مرتين ضممنا الحمل الأول إلى الحمل المنفرد ولم يجب في الثاني شيء إلا أن يبلغ بمفرده نصابا والصحيح أن أحد الحملين يضم إلى الآخر ذكره أبو الخطاب وابن عقيل لأنهما ثمرة عام واحد فيضم بعضها إلى بعض كزرع العام الواحد وكالذرة التي تنبت مرتين ولأن الحمل الثاني يضم إلى الحمل المنفرد لو لم يكن حمل أول فكذا إذا كان فإن وجود الحمل الأول لا يصلح أن يكون مانعا بدليل حمل الذرة الأول وما ذكره من الانفصال يبطل بالذرة والله أعلم بالصواب باب زكاة الذهب والفضة وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم التوبة 34 ولا يتوعد بهذه العقوبة إلا على ترك واجب وأما السنة فما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره كلما بردت أعيدت عليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين العباد أخرجه مسلم وروى البخاري وغيره في كتاب أنس وفي الرقة ربع العشر فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها والرقة هي الدراهم المضروبة وقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس أواق صدقة متفق عليه وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالا وقيمته مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه إلا ما اختلف فيه عن الحسن مسألة قال أبو القاسم ( ولا زكاة فيما دون المائتين إلا أن يكون في ملكه ذهب أو عروض للتجارة فيتم به ) وجملة ذلك أن نصاب الفضة مائتا درهم لا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام وقد بينته السنة التي رويناها بحمد الله والدراهم التي يعتبر بها النصاب هي الدراهم التي كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل بمثقال الذهب وكل درهم نصف مثقال وخمسة وهي الدراهم الإسلامية التي تقدر بها نصب الزكاة ومقدار الجزية والديات ونصاب القطع في السرقة وغير ذلك وكانت الدراهم في صدر الإسلام صنفين سودا وطبرية وكانت السود ثمانية دوانيق والطبرية أربعة دوانيق فجمعا في الإسلام وجعلا درهمين متساويين في كل درهم ستة دوانيق فعل ذلك بنو أمية فاجتمعت فيها ثلاثة أوجه أحدها أن كل عشرة وزن سبعة والثاني أنه عدل بين الصغير والكبير والثالث أنه موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرهمه الذي قدر به المقادير الشرعية ولا فرق في ذلك بين التبر والمضروب ومتى نقص النصاب عن ذلك فلا زكاة فيه سواء كان كثيرا أو يسيرا هذا ظاهر كلام الخرقي ومذهب الشافعي و إسحاق و ابن المنذر لظاهر قوله عليه السلام ليس فيما دون خمس أواق صدقة والأوقية أربعون درهما بغير خلاف فيكون ذلك مائتي درهم وقال غير الخرقي من أصحابنا إن كان النقص يسيرا كالحبة والحبتين وجبت الزكاة لأنه لا يضبط غالبا فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين وإن كان نقصا بينا كالدانق والدانقين فلا زكاة فيه وعن أحمد أن نصاب الفضة إذا نقص ثلث مثقال زكاة وهو قول عمر بن عبد العزيز و سفيان وإن نقص نصفا لا زكاة فيه وقال أحمد في موضع آخر إن نقص ثمنا لا زكاة فيه اختاره أبو بكر وقال مالك إذا نقصت نقصا يسيرا يجوز جواز الوازنة وجبت الزكاة لأنها تجوز جواز الوازنة أشبهت الوازنة والأول ظاهر الخبر فينبغي أن لا يعدل عنه
فأما قوله إلا أن يكون في ملكه ذهب أو عروض للتجارة فيتم به فإن عروض التجارة تضم إلى كل واحد من الذهب والفضة ويكمل به نصابه لا نعلم فيه اختلافا قال الخطابي ولا أعلم عامتهم اختلفوا فيه وذلك لأن الزكاة إنما تجب في قيمتها فتقوم بكل واحد منهما فتضم إلى كل واحد منهما ولو كان له ذهب وفضة وعروض وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب لأن العروض مضموم إلى كل واحد منهما فيجب ضمهما إليه وجمع الثلاثة فأما إن كان له من كل واحد من الذهب والفضة ما لا يبلغ نصابا بمفرده أو كان له نصاب من أحدهما وأقل من نصاب من الآخر فقد توقف أحمد عن ضم أحدهما إلى الآخر في رواية الأثرم وجماعة وقطع في رواية حنبل أنه لا زكاة عليه حتى يبلغ كل واحد منهما نصابا وذكر الخرقي فيه روايتين في الباب قبله إحداهما لا يضم وهو قول ابن أبي ليلى و الحسن بن صالح و شريك و الشافعي و أبي عبيد و أبي ثور واختاره أبو بكر عبد العزيز لقوله عليه السلام ليس فيما دون خمس أواق صدقة ولأنهما مالان يختلف نصابهما فلا يضم أحدهما إلى الآخر كأجناس الماشية والثانية يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب وهو قول الحسن و قتادة و مالك و الأوزاعي و الثوري وأصحاب الرأي لأن أحدهما يضم إلى ما يضم إليه الآخر فيضم إلى الآخر كأنواع الجنس ولأن نفعهما واحد والأصول فيهما متحدة فإنهما قيم المتلفات وأروش الجنايات وأثمان البياعات وحلي لمن يريدهما لذلك فأشبه النوعين والحديث مخصوص بعرض التجارة فنقيس عليه فإذا قلنا بالضم فإن أحدهما يضم إلى الآخر بالأجزاء يعني أن كل واحد منهما يحتسب من نصابه فإذا كملت أجزاؤهما نصابا وجبت الزكاة مثل أن يكون عنده نصف نصاب من أحدهما ونصف نصاب أو أكثر من الآخر أو ثلث من أحدهما وثلثان أو أكثر من الآخر فلو ملك مائة درهم وعشرة دنانير أو مائة وخمسين درهما وخمسة دنانير أو مائة وعشرين درهما وثمانية دنانير وجبت الزكاة فيهما وإن نقصت أجزاؤهما عن نصاب فلا زكاة فيهما سئل أحمد عن رجل عنده ثمانية دنانير ومائة درهم فقال إنما قال من قال فيها الزكاة إذا كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم وهذا قول مالك و أبي يوسف و محمد و الأوزاعي لأن كل واحد منهما لا تعتبر قيمته في وجوب الزكاة إذا كان منفردا فلا نعتبر إذا كان عنده عشرة دنانير مضمومة كالحبوب والثمار وأنواع الأجناس كلها وقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي إنها تضم بالأحوط من الأجزاء والقيمة ومعناه أنه يقوم الغالي منهما بقيمة الرخيص فإذا بلغت قيمتهما بالرخيص منهما نصابا وجبت الزكاة فيهما فلو ملك مائة درهم وسبعة دنانير قيمتها مائة درهم أو عشرة دنانير وسبعين درهما قيمتها عشرة دنانير وجبت الزكاة فيها وهذا قول أبي حنيفة في تقويم الدنانير بالفضة لأن كل نصاب وجب فيه ضم الذهب إلى الفضة ضم بالقيمة كنصاب القطع في السرقة ولأن أصل الضم لتحصيل حفظ الفقراء فكذلك صفة الضم والأول أصح لأن الأثمان تجب في الزكاة في أعيانها فلا تعتبر قيمتها كما لو انفردت ويخالف نصاب القطع فإن نصاب القطع فيه الورق خاصة في إحدى الروايتين وفي الأخرى أنه لا يجب في الذهب حتى يبلغ ربع دينار والله أعلم مسألة قال ( وكذلك دون العشرين مثقالا يعني أن ما دون العشرين لا زكاة فيه إلا أن يتم بورق أو عروض تجارة
قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالا قيمتها مائتا درهم أن الزكاة تجب فيها إلا ما حكي عن الحسن أنه قال لا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين وأجمعوا على أنه إذا كان أقل من عشرين مثقالا ولا يبلغ مائتي درهم فلا زكاة فيه وقال عامة الفقهاء نصاب الذهب عشرون مثقالا من غير اعتبار قيمتها إلا ما حكي عن عطاء و طاوس و الزهري و سليمان بن حرب و أيوب السختياني أنهم قالوا هو معتبر بالفضة فما كان قيمته مائتي درهم ففيه الزكاة وإلا فلا لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تقدير في نصابه فثبت أنه حمله على الفضة ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب ولا في أقل من مائتي درهم صدقة رواه أبو عبيد وروى ابن ماجة عن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا فصاعدا نصف دينار ومن الأربعين دينارا وروى سعيد و الأثرم عن علي في كل أربعين دينارا دينار وفي كل عشرين دينارا نصف دينار ورواه غيرهما مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه مال تجب الزكاة في عينه فلم يعتبر بغيره كسائر الأموال الزكوية فصل ومن ملك ذهبا أو فضة مغشوشة أو مختلطا بغيره فلا زكاة فيه حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصابا لقوله عليه السلام ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة فإن لم يعلم قدر ما فيه منهما وشك هل بلغ نصابا أو لا خير بين سبكهما ليعلم قدر ما فيه منهما وبين أن يستظهر ويخرج ليسقط الفرض بيقين فإن أحب أن يخرج استظهارا فأراد إخراج الزكاة من المغشوشة نظرت فإن كان الغش لا يختلف مثل أن يكون الغش في كل دينار سدسه وعلم ذلك جاز أن يخرج منها لأنه يكون مخرجا لربع العشر وإن اختلف قدر ما فيها أو لم يعلم لم يجزه الإخراج منها إلا أن يستظهره بحيث يتيقن أن ما أخرجه من الذهب محيط بقدر الزكاة وإن أخرج عنها ذهبا لا غش فيه فهو أفضل وإن أراد إسقاط الغش وإخراج الزكاة عن قدر ما فيه من الذهب كمن معه أربعة وعشرون دينارا سدسها غش فأسقط السدس أربعة وأخرج نصف دينار عن عشرين جاز لأنه لو سبكها لم يلزمه إلا ذلك ولأن غشها لا زكاة فيه إلا أن يكون فضة وله من الفضة ما يتم به النصاب أو له نصاب سواه فيكون عليه زكاة الغش حينئذ وكذلك إن قلنا بضم أحد النقدين إلى الآخر وإذا ادعى رب المال أنه يعلم الغش أو أنه استظهره وأخرج الفرض قبل منه بغير يمين وإن زادت قيمة المغشوش بالغش فصارت قيمة العشرين تساوي اثنين وعشرين فعليه إخراج ربع عشرها مما قيمته كقيمتها لأن عليه إخراج زكاة المال الجيد من جنسه بحيث لا ينقص عن قيمته والله أعلم مسألة قال ( فإذا تمت ففيها ربع العشر ) يعني إذا تمت الفضة مائتين والدنانير عشرين فالواجب فيها ربع عشرها ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن زكاة الذهب والفضة ربع عشرها فقد ثبت ذلك بقوله عليه السلام في الرقة ربع العشر وقال النبي صلى الله عليه وسلم هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهما وليس في تسعين ومائة شيء قال الترمذي قال البخاري في هذا الحديث هو صحيح عندي ورواه سعيد ولفظه فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهما وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم وروى ابن عمر و عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا فصاعدا نصف دينار ومن الأربعين دينارا دينارا مسألة قال ( وفي زيادتها وإن قلت )
روي هذا عن علي و ابن عمر رضي الله عنهما وبه قال عمر بن عبد العزيز و النخعي و مالك و الثوري و ابن أبي ليلى و الشافعي و أبو يوسف و محمد و أبو عبيد و أبو ثور و ابن المنذر وقال سعيد بن المسيب و عطاء و طاوس و الحسن و الشعبي و مكحول و الزهري و عمرو بن دينار و أبو حنيفة لا شيء في زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين ولا في زيادة الدنانير حتى تبلغ أربعة دنانير لقوله عليه السلام من كل أربعين درهما درهما وعن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا بلغ الورق مائتين ففيه خمسة دراهم ثم لا شيء فيه حتى يبلغ إلى أربعين درهما وهذا نص ولأن له عفوا في الابتداء فكان له عفو بعد النصاب كالماشية ولنا ما روي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهما وليس عليكم شيء حتى يتم مائتين فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك رواه الأثرم و الدارقطني ورواه أبو داود بإسناده عن عاصم بن ضمرة و الحارث عن علي إلا أنه قال أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي ذلك عن علي و ابن عمر موقوفا عليهم ولم نعرف لهما مخالفا من الصحابة فيكون إجماعا ولأنه مال متجر فلم يكن له عفو بعد النصاب كالحبوب وما احتجوا به من الخبر الأول فهو احتجاج بدليل الخطاب والمنطوق مقدم عليه والحديث الآخر يرويه أبو العطوف الجراح بن منهال وهو متروك الحديث قال الدارقطني وقال مالك هو دجال من الدجاجلة ويرويه عن عبادة بن نسي عن معاذ ولم يلق عبادة معاذا فيكون مرسلا والماشية يشق تشقيصها بخلاف الأثمان فصل ويخرج الزكاة من جنس ماله فإن كان أنواعا متساوية القيم جاز أن يخرج الزكاة من أحدهما كما تخرج من أحد نوعي الغنم وإن كانت مختلفة القيم أخذ من كل نوع ما يخصه وإن أخرج من أوسطها ما يفي بقدر الواجب وقيمته جاز وإن أخرج الفرض من أجودها بقدر الواجب جاز وله ثواب الزيادة وإن أخرجه بالقيمة مثل أن يخرج عن نصف دينار ثلث دينار جيد لم يجز لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على نصف دينار فلم يجز النقص منه وإن أخرج من الأدنى وزاد في المخرج ما يفي بقيمة الواجب مثل أن يخرج عن دينار دينارا ونصفا بقيمته جاز وكذلك لو أخرج عن الصحاح مكسرة وزاد بقدر ما بينهما من الفضل جاز لأنه أدى الواجب عليه قيمة وقدرا وإن أخرج عن كثير القيمة قليل القيمة فكذلك فإن أخرج بهرجا عن الجيد وزاد بقدر ما يساوي قيمة الجيد فقال أبو الخطاب يجوز وقال القاضي يلزمه إخراج جيد ولا يرجع فيما أخرجه من المعيب لأنه أخرج معيبا في حق الله تعالى فأشبه ما لو أخرج مريضة عن صحاح وبهذا قال الشافعي إلا أن أصحابه قالوا له الرجوع فيما أخرج من المعيب في أحد الوجهين وقال أبو حنيفة يجوز إخراج الرديئة عن الجيدة والمكسورة عن الصحيحة من غير جبران لأن الجودة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا لا قيمة لها ولنا أن الجودة متقومة بدليل ما لو أتلف جيدا لم يجزئه أن يدفع عنه رديئا ولأنه إذا لم يجبره بما يتم به قيمة الواجب عليه دخل في عموم قوله تعالى ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون البقرة 267 ولأنه أخرج رديئا عن جيد بقدره فلم يجز كما في الماشية ولأن المستحق معلوم القدر والصفة فلم يجز النقص في الصفة كما لا يجوز في القدر وأما الربا فلا يجري هاهنا
لأن المخرج حق لله ولا ربا بين العبد وسيده ولأن المساواة في المعيار الشرعي إنما اعتبرت في المعاوضات والقصد من الزكاة المواساة وإغناء الفقير وشكر نعمة الله تعالى فلا يدخل الربا فيها فإن قيل فلو أخرج في الماشية رديئتين عن جيدة أو أخرج قفيزين رديئين عن قفيز جيد لم يجز فلم أجزتم أن يخرج عن الصحيح أكثر منه مكسرا قلنا يجوز ذلك إذا لم يكن في إخراجه عيب سوى نقص القيمة وإن سلمناه فالفرق بينهما أن القصد من الأثمان القيمة لا غير فإذا تساوى الواجب والمخرج في القيمة والقدر جاز وسائر الأموال يقصد الانتفاع بعينها فلا يلزم من التساوي في الأمرين الإجزاء لجواز أن يفوت بعض المقصود فصل وهل يجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر فيه روايتان نص عليهما إحداهما لا يجوز وهو اختيار أبي بكر لأن أنواع الجنس لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر إذا كان أقل في المقدار فمع اختلاف الجنس أولى والثانية يجوز وهو أصح إن شاء الله لأن المقصود من أحدهما يحصل بإخراج الآخر فيجزىء كأنواع الجنس وذلك لأن المقصود منهما جميعا الثمنية والتوسل بها إلى المقاصد وهما يشتركان فيه على السواء فأشبه إخراج المكسرة عن الصحاح بخلاف سائر الأجناس والأنواع مما تجب فيه الزكاة فإن لكل جنس مقصودا مختصا به لا يحصل من الجنس الآخر وكذلك أنواعها فلا يحصل بإخراج غير الواجب من الحكمة ما يحصل بإخراج الواجب وهاهنا المقصود حاصل فوجب إجزاؤه إذ لا فائدة باختصاص الأجزاء بعين مع مساواة غيرها لها في الحكمة وكون ذلك أرفق بالمعطي والآخذ وأنفع لهما ويندفع به الضرر عنهما فإنه لو تعين إخراج زكاة الدنانير منها شق على من يملك أقل من أربعين دينارا إخراج جزء من دينار ويحتاج إلى التشقيص ومشاركة الفقير له في دينار من ماله أو بيع أحدهما نصيبه فيستضر المالك والفقير وإذا جاز إخراج الدراهم عنها دفع إلى الفقير من الدراهم بقدر الواجب فيسهل ذلك عليه وينتفع الفقير من غير كلفة ولا مضرة ولأنه إذا دفع إلى الفقير قطعة من الذهب في موضع لا يتعامل بها فيه أو قطعة من درهم في مكان لا يتعامل بها فيه لم يقدر على قضاء حاجته بها وإن أراد بيعها بحسب ما يتعامل بها احتاج إلى كلفة البيع وربما لا يقدر عليه ولا يفيده شيئا وإن أمكن بيعها احتاج إلى كلفة البيع والظاهر أنها تنقص عوضها عن قيمتها فقد دار بين ضررين وفي جواز إخراج أحدهما عن الآخر نفع محض ودفع لهذا الضرر وتحصيل لحكمة الزكاة على التمام والكمال فلا حاجة ولا وجه لمنعه وإن توهمت هنا منفعة تفوت بذلك فهي يسيرة مغمورة فيما يحصل من النفع الظاهر ويندفع من الضرر والمشقة من الجانبين فلا يعتبر والله أعلم وعلى هذا لا يجوز الإبدال في موضع يلحق الفقير ضرر مثل أن يدفع إليه مالا ينفق عوضا عما ينفق لأنه إذا لم يجز إخراج أحد النوعين عن الآخر مع الضرر فمع غيره أولى وإن اختار الدفع من الجنس واختار الفقير الأخذ من غيره لضرر يلحقه في أخذ الجنس لم يلزم المالك إجابته لأنه إذا أدى ما فرض عليه لم يكلف سواه والله أعلم مسألة قال ( وليس في حلي المرأة زكاة إذا كان مما تلبسه أو تعيره ) هذا ظاهر المذهب
وروي ذلك عن ابن عمر و جابر و أنس و عائشة و أسماء رضي الله عنهم وبه قال القاسم و الشعبي و قتادة و محمد بن علي و عمرة و مالك و الشافعي و أبو عبيد و إسحاق و أبو ثور وذكر ابن أبي موسى رواية أخرى أنه فيه الزكاة وروي ذلك عن عمر و ابن مسعود و ابن عباس و عبد الله بن عمرو بن العاص و سعيد بن المسيب و سعيد بن جبير و عطاء و جاهد و عبد الله بن شداد و جابر بن زيد و ابن سيرين و ميمون بن مهران و الزهري و الثوري وأصحاب الرأي لعموم قوله عليه السلام في الرقة ربع العشر وليس فيما دون خمس أواق صدقة مفهومة أن فيها صدقة إذا بلغت خمس أواق وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال أتت امرأة من أهل اليمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها في يديها مسكتان من ذهب فقال هل تعطين زكاة هذا قالت لا قال أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار رواه أبو داود ولأنه من جنس الأثمان أشبه التبر وقال مالك يزكى عاما واحدا وقال الحسن و عبد الله بن عتبة و قتادة زكاته عاريته قال أحمد خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ليس في الحلي زكاة ويقولون زكاته عاريته ووجه الأول ما روى عافية بن أيوب عن الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس في الحلي زكاة ولأنه مرصد لاستعمال مباح فلم تجب فيه الزكاة كالعوامل وثياب القنية وأما الأحاديث الصحيحة التي احتجوا بها فلا تتناول محل النزاع لأنه الرقة هي الدراهم المضروبة قال أبو عبيد لا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المنقوشة ذات السكة السائرة في الناس وكذلك الأواقي ليس معناها إلا الدراهم كل أوقية أربعون درهما وأما حديث المسكتين فقال أبو عبيد لا نعلمه إلا من وجه قد تكلم الناس فيه قديما وحديثا وقال الترمذي ليس يصح في هذا الباب شيء ويحتمل أنه أراد بالزكاة إعارته كما فسره به بعض العلماء وذهب إليه جماعة من الصحابة وغيرهم والتبر غير معد للاستعمال بخلاف الحلي وقول الخرقي إذا كان ما تلبسه أو تعيره يعني أنه إنما تسقط عنه الزكاة إذا كان كذلك أو معدا له فأما المعد للكرى والنفقة إذا احتيج إليه ففيه الزكاة لأنها إنما تسقط عما أعد للاستعمال لصرفه عن جهة النماء ففيما عداه يبقى على الأصل وكذلك ما اتخذ حلية فرارا من الزكاة لا يسقط عنه ولا فرق بين كون الحلي المباح مملوكا لامرأة تلبسه أو تعيره أو لرجل يحلي به أهله أو يعيره أو يعده لذلك لأنه مصروف عن جهة النماء إلى استعمال مباح أشبه حلي المرأة فصل وقليل الحلي وكثيرة سواء في الإباحة والزكاة وقال ابن حامد يباح ما لم يبلغ ألف مثقال فإن بلغها حرم وفيه الزكاة لما روى أبو عبيد و الأثرم عن عمرو بن دينار قال سئل جابر عن الحلي هل فيه زكاة قال لا فقيل له ألف دينار فقال إن ذلك لكثير ولأنه يخرج إلى السرف والخيلاء ولا يحتاج إليه في الاستعمال والأول أصح لأن الشرع أباح التحلي مطلقا من غير تقييد فلا يجوز تقييده بالرأي والتحكم وحديث جابر ليس بصريح في نفي الوجوب إنما يدل على التوقف ثم قد روي عنه خلافه فروى الجوزجاني بإسناده عن أبي الزبير قال سألت جابر بن عبد الله عن الحلي فيه زكاة قال لا قلت إن الحلي يكون فيه ألف دينار قال وإن كان فيه يعار ويلبس ثم إن قول جابر قول صحابي خالفه غيره ممن أباحه مطلقا بغير تقيد فلا يبقى قوله حجة والتقيد بالرأي المطلق والتحكم غير حائز فصل وإذا انكسر الحلي كسرا لا يمنع الاستعمال واللبس
فهو كالصحيح لا زكاة فيه إلا أن ينوي كسره وسبكه ففيه الزكاة حينئذ لأنه نوى صرفه عن الاستعمال وإن كان الكسر يمنع الاستعمال فقال القاضي عندي أن فيه الزكاة لأنه كان بمنزلة النقود والتبر فصل وإذا كان الحلي للبس فنوت به المرأة التجارة انعقد عليه حول الزكاة من حين نوت لأن الوجوب هو الأصل وإنما انصرف عنه لعارض الاستعمال فعاد إلى الأصل بمجرد النية من غير استعمال فهو كما نوى بعرض التجارة القنية انصرف إليه من غير استعمال فصل ويعتبر في النصاب في الحلي الذي تجب فيه الزكاة بالوزن فلو ملك حليا قيمته مائتا درهم ووزنه دون المائتين لم يكن عليه زكاة وإن بلغ مائتين وزنا ففيه الزكاة وإن نقص في القيمة لقوله عليه السلام ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة اللهم إلا أن يكون الحلي للتجارة فيقوم فإذا بلغت قيمته بالذهب والفضة نصابا ففيه الزكاة لأن الزكاة متعلقة بالقيمة وما لم يكن للتجارة فالزكاة في عينه فيعتبر أن يبلغ بقيمته ووزنه نصابا وهو مخير بين إخراج ربع عشر حلية مشاعا أو دفع ما يساوي ربع عشرها من جنسها وإن زاد في الوزن على ربع العشر لما بينا أن الربا لا يجري هاهنا ولو أراد كسرها ودفع ربع عشرها لم يكن منه لأنه ينقص قيمتها وهذا مذهب الشافعي وقال مالك الاعتبار بالوزن وإذا كان وزن الحلي عشرين وقيمته ثلاثون فعليه نصف مثقال لا تزيد قيمته شيئا لأنه نصاب من جنس الأثمان فتعلقت الزكاة بوزنه لا بصفته كالدراهم المضروبة ولنا أن الصناعة صارت صفة للنصاب لها قيمة مقصودة فوجب اعتبارها كالجودة في سائر أموال الزكاة ودليلهم نقول به إن الزكاة تتعلق بوزنه وصفته جميعا كالجيد من الذهب والفضة والمواشي والحبوب والثمار فإنه لا يجزئه إخراج رديء عن جيد كذاك هاهنا وإن أراد إخراج الفضة عن حلي الذهب أو الذهب عن الفضة أخرج على الوجهين كما قدمنا في إخراج أحد النقدين عن الآخر وذكر ابن عقيل أن الاعتبار في قدر النصاب أيضا بالقيمة فلو ملك حليا وزنه تسعة عشر وقيمته عشرون لأجل الصناعة ففيه الزكاة وظاهر كلام أحمد اعتبار الوزن وهو ظاهر نصه لقوله ليس فيما دون خمس أواق صدقة ولأنه مال تجب الزكاة في عينه فلا تعتبر قيمة الدنانير المضروبة لأن زيادة القيمة بالصناعة كزيادتها بنفاسة جوهرة فكما لا تجب الزيادة فيما كان نفيس الجوهر كذلك الآخر فصل فإن كان في الحلي جوهر ولآلىء مرصعة فالزكاة في الحلي من الذهب والفضة دون الجوهر لأنها لا زكاة فيها عند أحد من أهل العلم فإن كان الحلي للتجارة قومه بما فيه من الجواهر لأن الجواهر لو كانت مفردة وهي للتجارة لقومت وزكيت فكذلك إذا كانت في حلي التجارة فصل وإذا اتخذت المرأة حليا ليس لها اتخاذه كما إذا اتخذت حلية الرجال كحلية السيف والمنطقة فهو محرم وعليها الزكاة كما لو اتخذ الرجل حلي المرأة فصل ويباح للنساء من حلي الذهب والفضة والجواهر كل ما جرت عادتهن بلبسه مثل السوار والخلخال والقرط والخاتم وما يلبسنه على وجوههن وفي أعناقهن وأيديهن وأرجلهن وآذانهن وغيره فأما ما لم تجر عادتهن بلبسه كالمنطقة وشبهها من حلي الرجال فهو محرم وعليها زكاته كما لو اتخذ الرجل لنفسه حلي المرأة مسألة قال ( وليس في حلية سيف الرجل ومنطقته وخاتمه زكاة ) وجملة ذلك أن ما كان مباحا من الحلي فلا زكاة فيه إذا كان معدا للاستعمال سواء كان لرجل أو امرأة لأنه مصروف عن جهة النماء إلى استعمال مباح فأشبه ثياب البذلة وعوامل الماشية ويباح للرجال من الفضة الخاتم لأن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق متفق عليه وحلية السيف بأن تجعل قبيعته فضة أو تحليتها بفضة فإن أنسا قال كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة وقال هشام بن عروة كان سيف الزبير محلى بالفضة رواهما الأثرم بإسناده والمنطقة تباح تحليتها بالفضة لأنها حلية معتادة للرجل فهي كالخاتم وقد نقل كراهة ذلك لما فيه من الفخر والخيلاء
فهو كالطوق والأول أولى لأن الطوق ليس معتادا في حق الرجل بخلاف المنطقة وعلى قياس المنطقة الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل وتباح الفضة في الإناء وما أشبهها للحاجة ونعني بالحاجة أنه ينتفع بها في ذلك وإن قام غيرها مقامها وفي صحيح البخاري عن أنس أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة وقال القاضي يباح اليسير وإن لم يكن لحاجة وإنما كره أحمد الحلقة في الإناء لأنها تستعمل وأما الذهب فيباح منه ما دعت الضرورة إليه كالأنف في حق من قطع أنفه لما روي عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن سعد قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفا من ذهب رواه أبو داود وقال الإمام أحمد ربط الأسنان بالذهب إذا خشي عليها أن تسقط قد فعله الناس فلا بأس به عند الضرورة وروي الأثرم عن موسى بن طلحة و أبي جمرة الضبعي و أبي رافع و ثابت البناني و إسماعيل بن زيد بن ثابت و المغيرة بن عبد الله أنهم شدوا أسنانهم بالذهب وعن الحسن و الزهري و النخعي أنهم رخصوا فيه وما عدا ذلك من الذهب فقد روي عن أحمد رحمه الله الرخصة في السيف قال الأثرم قال أحمد روي أنه كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب قال أبو عبد الله فذاك الآن في السيف وقال إنه كان لعمر سيف سبائكه من ذهب من حديث إسماعيل بن أمية عن نافع وروي الترمذي بإسناده عن مزيدة العصري أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى سيفه ذهب وفضة وروي عن أحمد رواية أخرى تدل على تحريم ذلك قال الأثرم قلت لأبي عبد الله يخاف عليه أن يسقط يجعل فيه مسمارا من ذهب قال إنما رخص في الأسنان وذلك إنما هو على الضرورة فأما المسمار فقد روي من تحلى بخريصيصة كوي بها يوم القيامة قلت أي شيء خريصيصة قال شيء صغير مثل الشعيرة وروى الأثرم أيضا بإسناده عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم قال من حلى أو تحلى بخريصيصة كوي بها يوم القيامة مغفورا له أو معذبا وحكي عن أبي بكر من أصحابنا أنه أباح يسير الذهب ولعله يحتج بما رويناه من الأخبار ويقاس الذهب على الفضة ولأنه أحد الثلاثة المحرمة على الذكور دون الإناث فلم يحرم يسيرها كسائرها وكل ما أبيح من الحلي فلا زكاة فيه إذا كان معدا للاستعمال مسألة قال ( والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص وفيها الزكاة وجملته أن اتخاذ آنية الذهب والفضة حرام على النساء والرجال جميعا وكذلك استعماله وقال الشافعي في أحد قوليه لا يحرم اتخاذها لأن النص إنما ورد في تحريم الاستعمال فيبقى إباحة الاتخاذ على مقتضى الأصل في الإباحة ولنا أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالملاهي ويستوي في ذلك الرجال والنساء لأن المعنى المقتضي للتحريم يعمهما وهو الإفضاء إلى السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء فيستويان في التحريم وإنما أحل للنساء التحلي لحاجتهن إليه للتزين للأزواج وليس هذا بموجود في الآنية فيبقى على التحريم إذا ثبت هذا فإن فيها الزكاة بغير خلاف بين أهل العلم ولا زكاة فيها حتى تبلغ نصابا بالوزن أو يكون عنده ما يبلغ نصابا بضمها إليه وإن زادت قيمته لصناعة فلا عبرة بها لأنها محرمة فلا قيمة لها في الشرع وله أن يخرج عنها قد ربع عشرها بقيمته غير مصوغ وإن أحب كسرها أخرج ربع عشرها مكسورا وإن أخرج ربع عشرها مصوغا جاز لأن الصناعة لم تنقصها عن قيمة المكسور وذكر أبو الخطاب وجها في اعتبار قيمتها والأول أصح إن شاء الله تعالى فصل وكل ما كان اتخاذه محرما من الأثمان لم تسقط زكاته باتخاذه لأن الأصل وجوب الزكاة فيها لكونها مخلوقة للتجارة والتوسل بها إلى غيرها ولم يوجد ما يمنع ذلك فبقيت على أصلها
قال أحمد ما كان على سرج أو لجام ففيه الزكاة ونص على حلية الثفر والركاب واللجام أنه محرم وقال في رواية الأثرم أكره رأس المكحلة فضة ثم قال وهذا شيء تأولته وعلى قياس ما ذكر حلية الدواة والمقلمة والسرج ونحوه مما على الدابة ولو موه سقفه فهو محرم وفيه الزكاة وقال أصحاب الرأي يباح لأنه تابع للمباح فيتبعه في الإباحة ولنا أن هذا إسراف ويفضي فعله إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء فحرم كاتخاذ الآنية وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التختم بخاتم الذهب للرجل فتمويه السقف أولى وإن صار التمويه الذي في السقف مستهلكا لا يجتمع منه شيء لم تحرم استدامته لأنه لا فائدة في إتلافه وإزالته ولا زكاة فيه لأن ماليته ذهبت وإن لم تذهب ماليته ولم يكن مستهلكا حرمت استدامته وقد بلغنا أن عمر بن عبد العزيز لما ولي أراد جمع ما في مسجد دمشق مما موه به من الذهب فقيل له إنه لا يجتمع منه شيء فتركه ولا يجوز تحلية المصاحف ولا المحاريب ولا اتخاذ قناديل من الذهب والفضة لأنها بمنزلة الآنية وإن وقفها على مسجد أو نحوه لم يصح لأنه ليس ببر ولا معروف ويكون ذلك بمنزلة الصدقة فيكسر ويصرف في مصلحة المسجد وعمارته وكذلك إن حبس الرجل فرسا له لجام مفضض وقد قال أحمد في الرجل يقف فرسا في سبيل الله ومعه لجام مفضض فهو على ما وقفه وإن بيعت الفضة من السرج واللجام جعلت في وقف مثله فهو أحب إلي لأن الفضة لا ينتفع بها ولعله يشتري بذلك سرجا ولجاما فيكون أنفع للمسلمين قيل فتباع الفضة وينفق على الفرس قال نعم وهذا يدل على إباحة حلية السرج واللجام بالفضة لولا ذلك لما قال هو على ما وقف وهذا لأن العادة جارية به فأشبه حلية المنطقة وإذا قلنا بتحريمها فصار بحيث لا يجتمع منه شيء لم يحرم استدامته كقولنا في تمويه السقف وأباح القاضي علاقة المصحف ذهبا أو فضة للنساء خاصة وليس بجيد لأنه حلية المرأة ما لبسته وتحلت به في بدنها أو ثيابها وما عداه فحكمه حكم الأواني لا يباح للنساء منه إلا ما أبيح للرجال ولو أبيح لها ذلك لأبيح علاقة الأواني والأدراج ونحوهما ذكره ابن عقيل فصل وكل ما يحرم اتخاذه ففيه الزكاة إذا كان نصابا أو بلغ بضمه إلى ما عنده نصابا على ما ذكرناه مسألة قال ( وما كان من الركاز وهو دفن الجاهلية قل أو كثر ففيه الخمس لأهل الصدقات وباقيه له ) الدفن بكسر الدال المدفون والركاز المدفون في الأرض واشتقاقه من ركز يركز مثل غرز يغرز إذا خفي يقال ركز الرمح إذا غرز أسفله في الأرض ومنه الركز وهو الصوت الخفي قال الله تعالى أو تسمع لهم ركزا مريم 98 والأصل في صدقة الركاز ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال العجماء جبار وفي الركاز الخمس متفق عليه وهو أيضا مجمع عليه قال ابن المنذر لا نعلم أحدا خالف هذا الحديث إلا الحسن فإنه فرق بين ما يوجد في أرض الحرب وأرض العرب فقال فيما يوجد في أرض الحرب الخمس وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة فصل أوجب الخمس في الجميع الزهري و الشافعي و أبو حنيفة وأصحابه و أبو ثور و ابن المنذر وغيرهم وهذا المسألة تشتمل على خمسة فصول الأول أن الركاز الذي يتعلق به وجوب الخمس ما كان من دفن الجاهلية هذا قول الحسن و الشعبي و مالك و الشافعي و أبي ثور ويعتبر ذلك بأن ترى عليه علامتهم كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم وصور أصنامهم ونحو ذلك فإن كان عليه علامة الإسلام أو اسم النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من خلفائه المسلمين أو وال لهم أو آية من قرآن أو نحو ذلك فهو لقطة لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه وإن كان على بعضه علامة الإسلام وعلى بعضه علامة الكفر فكذلك
نص عليه أحمد في رواية ابن منصور لأن الظاهر أنه صار إلى مسلم ولم يعلم زواله عن ملك المسلمين فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين الفصل الثاني في موضعه ولا يخلو من أربعة أقسام أحدها أن يجده في موات أو ما لا يعلم له مالك مثل الأرض التي يوجد فيها آثار الملك كالأبنية القديمة والتلول وجدران الجاهلية وقبورهم فهذا فيه الخمس بغير خلاف سوى ما ذكرناه ولو وجده في هذه الأرض على وجهها أو في طريق غير مسلوك أو قرية خراب فهو كذلك في الحكم لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال ما كان في طريق مأتي أو في قرية عامرة فعرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فلك وما لم يكن في طريق مأتي ولا قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس رواه النسائي القسم الثاني أن يجده في ملكه المنتقل إليه فهو له في أحد الوجهين لأنه مال كافر مظهور عليه في الإسلام فكان لمن ظهر عليه كالغنائم ولأن الركاز لا يملك بملك الأرض لأنه مودع فيها وإنما يملك بالظهور عليه وهذا ظهر عليه فوجب أن يملكه والرواية الثانية هو للمالك قبله إن اعترف به وإن لم يعترف به فهو للذي قبله كذلك إلى أول مالك وهذا مذهب الشافعي لأنه كانت يده على الدار فكانت على ما فيها وإن انتقلت الدار بالميراث حكم أنه ميراث فإن اتفق الورثة على أنه لم يكن لمورثهم فهو لأول مالك فإن لم يعرف أول مالك فهو كالمال الضائع الذي لا يعرف له مالك والأول أصح إن شاء الله تعالى لأن الركاز لا يملك بملك الدار لأنه ليس من أجزائها وإنما هو مودع فيها فينزل منزلة المباحات من الحشيش والحطب والصيد يجده في أرض غيره فيأخذه فيكون أحق به لكن إن ادعى المالك الذي انتقل الملك عنه أنه له فالقول قوله لأن يده كانت عليه لكونها على محله وإن لم يدعه فهو لواجده وإن اختلف الورثة فأنكر بعضهم أن يكون لمورثهم ولم ينكره الباقون فحكم من أنكر في نصيبه حكم المالك الذي لم يعترف به وحكم المعترفين حكم المالك المعترف القسم الثالث أن يجده في ملك آدمي مسلم معصوم أو ذمي فعن أحمد ما يدل على أنه لصاحب الدار فإنه قال فيمن استأجر حفارا ليحفر في داره فأصاب في الدار كنزا عاديا فهو لصاحب الدار وهذا قول أبي حنيفة و محمد بن الحسن ونقل عن أحمد ما يدل على أنه لواجده لأنه قال في مسألة من استأجر أجيرا ليحفر له في داره فأصاب في الدار كنزا فهو للأجير نقل ذلك عنه محمد بن يحيى الكحال قال القاضي هو الصحيح وهذا يدل على أن الركاز لواجده وهو قول الحسن بن صالح و أبي ثور واستحسنه أبو يوسف وذلك لأن الكنز لا يملك بملك الدار على ما ذكرنا في القسم الذي قبله فيكون لمن وجده لكن إن ادعاه المالك فالقول قوله لأن يده عليه بكونها على محله وإن لم يدعه فهو لواجده وقال الشافعي هو لمالك الدار إن اعترف به وإن لم يعترف به فهو لأول مالك لأنه في يده ويخرج لنا مثل ذلك لما ذكرناه من الرواية في القسم الذي قبله وإن استأجر حفارا ليحفر له طلبا لكنز يجده فوجده فلا شيء للأجير ويكون الواجد له هو المستأجر لأنه استأجره لذلك فأشبه ما لو استأجره ليحتش له أو يصطاد فإن الحاصل من ذلك للمستأجر دون الأجير وإن استأجره لأمر غير طلب الركاز فالواجد له هو الأجير وهكذا قال الأوزاعي إذا استأجرت أجيرا ليحفر لي في داري فوجد كنزا فهو له وإن قلت استأجرتك لتحفر لي هاهنا رجاء أن أجد كنزا فسميت له فله أجره ولي ما يوجد فصل وإن اكترى دارا فوجد ركازا فهو لواجده في أحد الوجهين والآخر هو للمالك بناء على الروايتين فيمن وجد ركازا في ملك انتقل إليه وإن اختلفا
فقال كل واحد منهما هذا لي فعلى وجهين أحدهما القول قول المالك لأن الدفن تابع للأرض والثاني القول قول المكتري لأن هذا مودع في الأرض وليس منها فكان القول قول من يده عليها كالقماش القسم الرابع أن يجده في أرض الحرب فإن لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين فهو غنيمة لهم وإن قدر عليه بنفسه فهو لواجده حكمه حكم ما لو وجده في موات أرض المسلمين وقال أبو حنيفة و الشافعي إن عرف مالك الأرض وكان حربيا فهو غنيمة أيضا لأنه في حرز مالك معين فأشبه ما لو أخذه من بيت أو خزانة ولنا أنه ليس لموضعه مالك محترم أشبه ما لو لم يعرف مالكه ويخرج لنا مثل قولهم بناء على قولنا إن الركاز في دار الإسلام يكون لمالك الأرض الفصل الثالث في صفة الركاز الذي فيه الخمس وهو كل ما كان مالا على اختلاف أنواعه من الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس والآنية وغير ذلك وهو قول إسحاق وأبي عبيد وابن المنذر وأصحاب الرأي وإحدى الروايتين عن مالك وأحد قولي الشافعي والقول الآخر لا تجب إلا في الأثمان ولنا عموم قوله عليه السلام وفي الركاز الخمس ولأنه مال مظهور عليه من مال الكفار فوجب فيه الخمس مع اختلاف أنواعه كالغنيمة إذا ثبت هذا فإن الخمس يجب في قليله وكثيره في قول إمامنا و مالك و إسحاق وأصحاب الرأي و الشافعي في القديم وقال في الجديد يعتبر النصاب فيه لأنه حق مال يجب فيما استخرج من الأرض فاعتبر فيه النصاب كالمعدن والزرع ولنا عموم الحديث ولأنه مال مخموس فلا يعتبر له نصاب كالغنيمة ولأنه مال كافر مظهور عليه في الإسلام فأشبه الغنيمة والمعدن والزرع يحتاج إلى عمل ونوائب فاعتبر فيه النصاب تخفيفا بخلاف الركاز ولأن الواجب فيهما مواساة فاعتبر النصاب ليبلغ حدا يحتمل المواساة منه بخلاف مسألتنا الفصل الرابع في قدر الواجب في الركاز ومصرفه أما قدره فهو الخمس لما قدمناه من الحديث والإجماع أما مصرفه فاختلفت الرواية عن أحمد فيه مع ما فيه من اختلاف أهل العلم فقال الخرقي هو لأهل الصدقات ونص عليه أحمد في رواية حنبل فقال يعطي الخمس من الركاز على مكانه وإن تصدق به على المساكين أجزأه وهذا قول الشافعي لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على المساكين حكاه الإمام أحمد وقال حدثنا سعيد حدثنا سفيان عن عبد الله بن بشر الخثعمي عن رجل من قومه يقال له ابن حممة قال سقطت علي جرة من دير قديم بالكوفة عند جبانة بشر فيها أربعة آلاف درهم فذهبت بها إلى علي رضي الله عنه فقال اقسمها خمسة أخماس فقسمها فأخذ علي منها خمسا وأعطاني أربعة أخماس فلما أدبرت دعاني فقال في جيرانك فقراء ومساكين قلت نعم قال فخذها فاقسمها بينهم ولأنه مستفاد من الأرض أشبه المعدن والزرع والرواية الثانية مصرفه مصرف الفيء نقله محمد بن الحكم عن أحمد وهذه الرواية أصح وأقيس على مذهبه وبه قال أبو حنيفة والمزني لما روى أبو عبيد عن هشيم عن مجالد عن الشعبي أن رجلا وجد ألف دينار مدفونة خارجا من المدينة فأتى بهما عمر بن الخطاب فأخذ منها الخمس مائتي دينار ودفع إلى الرجل بقيتها وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين إلى أن أفضل منها فضلة فقال أين صاحب الدنانير فقام إليه فقال عمر خذ هذه الدنانير فهي لك ولو كانت زكاة لخص بها أهلها ولم يرده على واجده ولأنه يجب على الذمي والزكاة لا تجب عليه ولأنه مال مخموس زالت عنه يد الكافر أشبه خمس الغنيمة الفصل الخامس فيمن يجب عليه الخمس وهو كل من وجده من مسلم وذمي وحر وعبد ومكاتب وكبير وصغير وعاقل ومجنون إلا أن الواجد له إذا كان عبدا فهو لسيده لأنه كسب مال فأشبه الاحتشاش والاصطياد وإن كان مكاتبا ملكه وعليه خمسة لأنه بمنزلة كسبه وإن كان صبيا أو مجنونا فهو لهما ويخرج عنهما وليهما وهذا قول أكثر أهل العلم
قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على الذمي في الركاز يجده الخمس قاله مالك وأهل المدينة و الثوري و الأوزاعي وأهل العراق وأصحاب الرأي وغيرهم وقال الشافعي لا يجب الخمس إلا على ما تجب عليه الزكاة لأنه زكاة وحكي عنه في الصبي والمرأة أنهما لا يملكان الركاز وقال الثوري و الأوزاعي و أبو عبيد إذا كان الواجد له عبدا يرضخ له منه ولا يعطاه كله ولنا عموم قوله عليه السلام وفي الركاز الخمس فإنه يدل بعمومه على وجوب الخمس في كل ركاز يوجد وبمفهومه على أن باقيه لواجده من كان ولأنه مال كافر مظهور عليه فكان فيه الخمس على من وجده وباقيه لواجده كالغنيمة ولأنه اكتساب مال فكان لمكتسبه إن كان حرا أو لسيده إن كان عبدا كالاحتشاش والاصطياد ويتخرج لنا أن لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة بناء على قولنا إنه زكاة والأول أصح فصل ويجوز أن يتولى الإنسان تفرقة الخمس بنفسه وبه قال أصحاب الرأي و ابن المنذر لأن عليا أمر واجد الكنز بتفرقته على المساكين قاله الإمام أحمد ولأنه أدى الحق إلى مستحقه فبرىء منه كما لو فرق الزكاة وأدى الدين إلى ربه ويتخرج أن لا يجوز ذلك لأن الصحيح أنه فيء فلم يملك تفرقته بنفسه كخمس الغنيمة وبهذا قال أبو ثور قال وإن فعل ضمنه الإمام قال القاضي وليس للإمام رد خمس الركاز لأنه حق مال فلم يجز رده على من وجب عليه كالزكاة وخمس الغنيمة وقال ابن عقيل يجوز لأنه روي عن عمر أنه رد بعضه على واجده ولأنه فيء فجاز رده أو رد بعضه على واجده كخراج الأرض وهذا قول أبي حنيفة مسألة قال ( وإذا أخرج من المعادن من الذهب عشرين مثقالا أو من الورق مائتي درهم أو قيمة ذلك من الزئبق والرصاص والصفر أو غير ذلك مما يستخرج من الأرض فعليه الزكاة من وقته ) اشتقاق المعدن من عدن في المكان يعدن إذا أقام به ومنه سميت جنة عدن لأنها دار إقامة وخلود قال أحمد المعادن هي التي تستنبط ليس هو شيء دفن والكلام في هذه المسألة في فصول أربعة أحدها في صفة المعدن الذي يتعلق به وجوب الزكاة وهو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة كالذي ذكره الخرقي ونحوه من الحديد والياقوت والزبرجد والبلور والعقيق والسبج والكحل والزاج والزرنيخ والمغرة وكذلك المعادن الجارية كالقار والنفط والكبريت ونحو ذلك وقال مالك و الشافعي لا تتعلق الزكاة إلا بالذهب والفضة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا زكاة في حجر ولأنه مال يقوم بالذهب والفضة مستفاد من الأرض أشبه الطين الأحمر وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه تتعلق الزكاة بكل ما ينطبع كالرصاص والحديد والنحاس دون غيره ولنا عموم قوله تعالى ومما أخرجنا لكم من الأرض البقرة 267 ولأنه معدن فتعلقت الزكاة بالخارج منه كالأثمان ولأنه مال لو غنمه وجب عليه خمسه فإذا أخرجه من معدن وجبت فيه الزكاة كالذهب وأما الطين فليس بمعدن لأنه تراب والمعدن ما كان في الأرض من غير جنسها الفصل الثاني في قدر الواجب وصفته وقدر الواجب فيه ربع العشر وصفته أنه زكاة وهذا قول عمر بن عبد العزيز و مالك وقال أبو حنيفة الواجب فيه الخمس وهو فيء واختاره أبو عبيد وقال الشافعي هو زكاة واختلف قوله في قدره كالمذهبين واحتج من أوجب الخمس بقول النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يكن في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس رواه النسائي و الجوزجاني وغيرهما
وفي رواية ما كان في الخراب ففيه وفي الركاز الخمس وروى سعيد و الجوزجاني بإسنادهما عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الركاز هو الذهب الذي ينبت من الأرض وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وفي الركاز الخمس قيل يا رسول الله وما الركاز قال هو الذهب والفضة المخلوقات في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض وهذا نص وفي حديث عنه عليه السلام أنه قال وفي السيوب الخمس قال والسيوب عروق الذهب والفضة التي تحت الأرض ولأنه مال مظهور عليه في الإسلام أشبه الركاز ولنا ما روى أبو عبيد بإسناده عن ربيعة بن عبد الرحمن عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية في ناحية الفرع قال فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم وقد أسنده عبد الله بن كثير بن عوف إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه عن جده ورواه الدراوردي عن ربيعة بن الحارث بن بلال بن الحارث المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه زكاة المعادن القبلية قال أبو عبيد القبلية بلاد معروفة بالحجاز ولأنه حق يحرم على أغنياء ذوي القربى فكان زكاة كالواجب في الأثمان التي كانت مملوكة له وحديثهم الأول لا يتناول محل النزاع لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذكر ذلك في جواب سؤاله عن اللقطة وهذا ليس بلقطة ولا يتناول اسمها فلا يكون متناولا لمحل النزاع والحديث الثاني يرويه عبد الله بن سعد وهو ضعيف وسائر أحاديثهم لا يعرف صحتها ولا هي مذكورة في المسانيد والدواوين ثم هي متروكة الظاهر فإن هذا ليس هو المسمى بالركاز والسيوب هو الركاز لأنه مشتق من السيب وهو العطاء الجزيل الفصل الثالث في نصاب المعادن وهو ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالا ومن الفضة مائتي درهم أو قيمة ذلك من غيرهم وهذا مذهب الشافعي وأوجب أبو حنيفة الخمس في قليله وكثيره من غير اعتبار نصاب بناء على أنه زكاة لعموم الأحاديث التي احتجوا بها عليه ولأنه لا يعتبر له حول فلم يعتبر له نصاب كالركاز ولنا عموم قوله عليه السلام ليس فيما دون خمس أواق صدقة وقوله ليس في تسعين ومائة شيء وقوله عليه السلام ليس عليكم في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين مثقالا وقد بينا أن هذا ليس بركاز وأنه مفارق للركاز من حيث إن الركاز مال كافر أخذ في الإسلام فأشبه الغنيمة وهذا وجب مواساة وشكرا لنعمة الغني فاعتبر له النصاب كسائر الزكوات وإنما لم يعتبر له الحول لحصوله دفعة واحدة فأشبه الزروع والثمار إذا ثبت هذا فإنه يعتبر إخراج النصاب دفعة واحدة أو دفعات لا يترك العمل بينهن ترك إهمال فإن خرج دون النصاب ثم ترك العمل مهملا له ثم أخرج دون النصاب فلا زكاة فيهما وإن بلغا بمجموعهما نصابا وإن بلغ أحدهما نصابا دون الآخر زكى النصاب ولا زكاة في الآخر وفيما زاد على النصاب بحسابه فأما ترك العمل ليلا أو للاستراحة أو لعذر من مرض أو لإصلاح الأداة أو إباق عبيده ونحوه فلا يقطع حكم العمل ويضم ما خرج في العملين بعضه إلى بعض في إكمال النصاب وكذلك إن كان مشتغلا بالعمل فخرج بين المعدنين تراب لا شيء فيه وإن اشتمل المعدن على أجناس كمعدن فيه الذهب والفضة فذكر القاضي أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب وأنه يعتبر النصاب في الجنس بانفراده لأنه أجناس فلا يكمل نصاب أحدهما بالآخر كغير المعدن
والصواب إن شاء الله أنه إن كان المعدن يشتمل على ذهب وفضة ففي ضم أحدهما إلى الآخر وجهان بناء على الروايتين في ضم أحدهما إلى الآخر في غير المعدن وإن كان فيه أجناس من غير الذهب والفضة ضم بعضها إلى بعض لأن الواجب في قيمتها والقيمة واحدة فأشبهت عروض التجارة وإن كان فيها أحد النقدين وجنس آخر ضم أحدهما إلى الآخر كما تضم العروض إلى الأثمان فإن استخرج نصابا من معدنين وجبت الزكاة فيه لأنه مال رجل واحد فأشبه الزرع في مكانين الفصل الرابع في وقت الوجوب وتجب الزكاة فيه حين يتناوله ويكمل نصابه ولا يعتبر له حول وهذا قول مالك و الشافعي وأصحاب الرأي وقال إسحاق و ابن المنذر لا شيء في المعدن حتى يحول عليه الحول لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ولنا أنه مال مستفاد من الأرض فلا يعتبر في وجوب حقه حول كالزرع والثمار والركاز ولأن الحول إنما يعتبر في غير هذا لتكميل النماء وهو يتكامل نماؤه دفعة واحدة فلا يعتبر له حول كالزروع والخبر مخصوص بالزرع والثمر فيخص محل النزاع بالقياس عليه إذا ثبت هذا فلا يجوز إخراج زكاته إلا بعد سبكه وتصفيته كعشر الحب فإن أخرج ربع عشر ترابه قبل تصفيته وجب رده إن كان باقيا أو قيمته إن كان تالفا والقول في قدر المقبوض قول الآخذ لأنه غارم فإن صفاه الآخذ وكان قدر الزكاة أجزأ وإن زاد رد الزيادة إلا أن يسمح له المخرج وإن نقص فعلى المخرج وما أنفقه الآخذ على تصفيته فهو من ماله لا يرجع به على المالك ولا يحتسب المالك ما أنفقه على المعدن في استخراجه من المعدن ولا في تصفيته وقال أبو حنيفة لا تلزمه المؤونة من حقه وشبهه بالغنيمة وبناه على أصله أن هذا ركاز فيه الخمس وقد مضى الكلام في ذلك وقد ذكرنا أن الواجب في هذا زكاة فلا يحتسب بمؤونة استخراجه فتصفيته كالحب وإن كان ذلك دينا عليه احتسب به كما يحتسب بما أنفق على الزرع فصل ولا زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر ونحوه في ظاهر قول الخرقي واختيار أبي بكر وروي نحو ذلك عن ابن عباس وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك والثوري وابن أبي ليلى و الحسن بن صالح و الشافعي و أبو حنيفة و محمد و أبو ثور و أبو عبيد وعن أحمد رواية أخرى أن فيه الزكاة لأنه خارج من معدن فأشبه الخارج من معدن البر ويحكى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ من العنبر الخمس وهو قول الحسن والزهري وزاد الزهري في اللؤلؤ يخرج من البحر ولنا أن ابن عباس قال ليس في العنبر شيء إنما هو شيء ألقاه البحر وعن جابر نحوه رواهما أبو عبيد ولأنه قد كان يخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه فلم يأت فيه سنة عنه ولا عن أحد من خلفائه من وجه يصح ولأن الأصل عدم الوجوب فيه ولا يصح قياسه على معدن البر لأن العنبر إنما يلقيه البحر فيوجد ملقى في البر على الأرض من غير تعب فأشبه المباحات المأخوذة من البر كالمن والزنجبيل وغيرهما وأما السمك فلا شيء فيه بحال في قول أهل العلم كافة إلا شيء يروى عن عمر بن عبد العزيز رواه أبو عبيد عنه وقال ليس الناس على هذا ولا نعلم أحدا يعمل به وقد روي ذلك عن أحمد أيضا والصحيح أن هذا لا شيء فيه لأنه صيد فلم يجب فيه زكاة كصيد البر ولأنه لا نص ولا إجماع على الوجوب فيه ولا يصح قياسه على ما فيه الزكاة فلا وجه لإيجابها فيه فصل والمعادن الجامدة تملك بملك الأرض التي هي فيها لأنها جزء من أجزاء الأرض فهي كالتراب والأحجار الثابتة بخلاف الركاز فإنه ليس من أجزاء الأرض وإنما هو مودع فيها
وقد روى أبو عبيد بإسناده عن عكرمة مولى بلال بن الحارث المزني قال أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أرض كذا من مكان كذا إلى كذا وما كان فيها من جبل أو معدن قال فباع بنو بلال من عمر بن عبد العزيز أرضا فخرج فيها معدنان فقالوا إنما بعناك أرض حرث ولم نبعك المعدن وجاؤوا بكتاب القطيعة التي قطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبيهم في جريدة قال فجعل عمر يمسحها على عينه وقال القيمه انظر ما استخرجت منها وما أنفقت عليها فقاصهم بالنفقة ورد عليهم الفضل فعلى هذا ما يجده في ملك أو في موات فهو أحق به وإن سبق اثنان إلى معدن في موات فالسابق أولى به ما دام يعمل فإذا تركه جاز لغيره العمل فيه وما يجده في مملوك يعرف مالكه فهو لمالك المكان فأما المعادن الجارية فهي مباحة على كل حال إلا أنه يكره له دخول ملك غيره إلا بإذنه وقد روي أنها تملك بملك الأرض التي هي فيها لأنها من نمائها وتوابعها فكانت لمالك الأرض كفروع الشجر المملوك وثمرته فصل ويجوز بيع تراب المعدن والصاغة بغير جنسه ولا يجوز بجنسه إن كان مما يجري فيه الربا لأنه يؤدي إلى الربا والزكاة على البائع لأنها وجبت في يده كما لو باع الثمرة بعد بدو صلاحها وقد روى أبو عبيد في الأموال أن أبا الحارث المزني اشترى تراب معدن بمائة شاة متبع فاستخرج منه ثمن ألف شاة فقال له البائع رد علي البيع فقال لا أفعل فقال لآتين عليا فلآتين عليك يعني أسعى بك فأتى علي بن أبي طالب فقال إن أبا الحارث أصاب معدنا فأتاه علي فقال أين الركاز الذي أصبت فقال ما أصبت ركازا إنما أصابه هذا فاشتريته منه بمائة متبع فقال له علي ما أي الخمس إلا عليك قال فخمس المائة شاة إذا ثبت هذا فالواجب عليه زكاة المعدن لا زكاة الثمن لأن الزكاة إنما تعلقت بعين المعدن أو بقيمته إن لم يكن من جنس الأثمان فأشبه ما لو باع السائمة بعد حولها أو الزرع والثمرة بعد بدو صلاحها فصل ومن أجر داره فقبض كراها فلا زكاة عليه فيه حتى يحول عليه الحول وعن أحمد أنه يزكيه إذا استفاده والصحيح الأول لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ولأنه مال مستفاد بعقد معاوضة فأشبه ثمن المبيع وكلام أحمد في الرواية الأخرى محمول على من أجر داره سنة وقبض أجرتها في آخرها فأوجب عليها زكاتها لأنه قد ملكها من أول الحول فصارت كسائر الديون إذا قبضها بعد حول زكاها حين يقبضها فإنه قد صرح بذلك في بعض الروايات عنه فيحمل مطلق كلامه على مقيده باب زكاة التجارة تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة في قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول روي ذلك عن عمر و ابنه و ابن عباس وبه قال الفقهاء السبعة و الحسن و جابر بن زيد و ميمون بن مهران و طاوس و النخعي و الثوري و الأوزاعي و الشافعي و أبو عبيد و إسحاق وأصحاب الرأي وحكي عن مالك و داود أنه لا زكاة فيها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق ولنا ما روي أبو داود بإسناده عن سمرة بن جندب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع وروى الدارقطني عن أبي ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البر صدقته قال بالزاي ولا خلاف أنها لا تجب في عينه وثبت أنها في قيمته وعن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال أمرني عمر فقال أد زكاة مالك فقلت ما لي مال إلا جعاب وأدكم فقال قومها ثم أد زكاتها رواه الإمام أحمد و أبو عبيد
وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر فيكون إجماعا وخبرهم المراد به زكاة العين لا زكاة القيمة بدليل ما ذكرنا على أن خبرهم عام وخبرنا خاص فيجب تقديمه مسألة قال ( والعروض إذا كانت لتجارة قومها إذا حال عليها الحول وزكاها ) العروض جمع عرض وهو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه من النبات والحيوان والعقار وسائر المال فمن ملك عرضا للتجارة فحال عليه الحول وهو نصاب قومه في آخر الحول فما بلغ أخرج زكاته وهو ربع عشر قيمته ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اعتبار الحول وقد دل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول إذا ثبت هذا فإن الزكاة تجب فيه في كل حول وبهذا قال الثوري و الشافعي و إسحاق و أبو عبيد وأصحاب الرأي وقال مالك لا يزكيه إلا لحول واحد إلا أن يكون مدبرا لأن الحول الثاني لم يكن المال عينا في أحد طرفيه فلم تجب فيه الزكاة كالحول الأول إذا لم يكن فيه أوله عينا ولنا أنه مال تجب الزكاة فيه في الحول الأول لم ينقص عن النصاب ولم تتبدل صفته فوجبت زكاته في الحول الثاني كما لو نقص في أوله ولا نسلم أنه إذا لم يكن أوله عينا لا تجب الزكاة فيه وإذا اشترى عرضا للتجارة بعرض للقنية جرى في حول الزكاة من حين اشتراه فصل ويخرج الزكاة من قيمة العروض دون عينها وهذا أحد قولي الشافعي وقال في آخر هو مخير بين الإخراج من قيمتها وبين الإخراج من عينها وهذا قول أبي حنيفة لأنها مال تجب فيه الزكاة فجاز إخراجها من عينه كسائر الأموال ولنا أن النصاب معتبر بالقيمة فكانت الزكاة منها كالعين في سائر الأموال ولا نسلم أن الزكاة تجب في المال وإنما وجبت في قيمته فصل ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين أحدهما أن يملكه بفعله كالبيع والنكاح والخلع وقبول الهبة والوصية والغنيمة واكتساب المباحات لأن ما لا يثبت له حكم الزكاة بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية كالصوم ولا فرق بين أنه يملكه بعوض أو يغير عوض ذكر ذلك أبو الخطاب و ابن عقيل لأنه ملكه بفعله أشبه الموروث والثاني أن ينوي عند تملكه أنه للتجارة فإن لم ينو عند تملكه أنه للتجارة لم يصر للتجارة وإن نواه بعد ذلك وإن ملكه بإرث وقصد أنه للتجارة لم يصر للتجارة لأن الأصل القنية والتجارة عارض فلم يصر إليها بمجرد النية كما لو نرى الحاضر السفر لم يثبت له حكم السفر بدون الفعل وعن أحمد رواية أخرى أن العرض يصير للتجارة بمجرد النية لقول سمرة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع فعلى هذا لا يعتبر أن يملكه بفعله ولا يكون في مقابلة عوض بل متى نوى به التجارة صار للتجارة مسألة قال ( ومن كانت له سلعة للتجارة ولا يملك غيرها وقيمتها دون مائتي درهم فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول من يوم ساوت مائتي درهم ) وجملة ذلك أنه يعتبر الحول في وجوب الزكاة في مال التجارة ولا ينعقد الحول حتى يبلغ نصابا فلو ملك سلعة قيمتها دون النصاب فمضى نصف الحول وهي كذلك ثم زادت قيمة النماء بها أو تغيرت الأسعار فبلغت نصابا أو باعها بنصاب أو ملك في أثناء الحول عرضا آخر أو أثمانا تم بها النصاب ابتدأ الحول من حينئذ فلا يحتسب بما مضى هذا قول الثوري وأهل العراق و الشافعي و إسحاق و أبي عبيد و أبي ثور و ابن المنذر ولو ملك للتجارة نصابا فنقص عن النصاب في أثناء الحول ثم زاد حتى بلغ نصابا استأنف الحول عليه لكونه انقطع بنقصه في أثنائه وقال مالك ينعقد الحول على ما دون النصاب