İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل وإذا اضطر المحرم فوجد صيدا وميتة أكل الميتة وبهذا قال الحسن والثوري ومالك وقال الشافعي وإسحاق وابن المنذر يأكل الصيد وهذه المسألة مبنية على أنه إذا ذبح الصيد كان ميتة فيساوي الميتة في التحريم ويمتاز بإيجاب الجزاء وما يتعلق به من هتك حرمة الإحرام فلذلك كان أكل الميتة أولى إلا أن لا تطيب نفسه بأكلها فيأكل الصيد كما لو لم يجد غيره مسألة قال ( ولا يتطيب المحرم ) أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطيب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته راحتله لا تمسوه بطيب رواه مسلم وفي لفظ لا تحنطوه متفق عليه فلما منع الميت من الطيب لإحرامه فالحي أولى ومتى تطبب فعليه الفدية لأنه استعمل ما حرمه الإحرام فوجبت عليه الفدية كاللباس ومعنى الطيب ما تطيب رائحته ويتخذ للشم كالمسك والعنبر والكافور والغالية والزعفران وماء الورد والأدهان المطيبة كدهن البنفسج ونحوه فصل والنبات الذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب أحدها ما لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه كنبات الصحراء من الشيح والقيصوم والخزامى والفواكه كلها من الأترج والتفاح والسفرجل وغيره وما ينبته الآدميون لغير قصد الطيب كالحناء والعصفر فمباح شمه ولا فدية فيه ولا نعلم فيه خلافا إلا ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يشم شيئا من نبات الأرض من الشيح والقيصوم وغيرهما ولا نعلم أحدا أوجب في ذلك شيئا فإنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه طيب أشبه نبات الأرض وقد روي أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يحرمن في المعصفرات الثاني ما ينبته الآدميون للطيب ولا يتخذ منه طيب كالريحان الفارسي والمرزنجوش والنرجس والبرم ففيه وجهان أحدهما يباح بغير فدية قاله عثمان بن عفان وابن عباس والحسن ومجاهد وإسحاق والآخر يحرم شمه فإن فعل فعليه الفدية وهو قول جابر وابن عمر والشافعي وأبي ثور لأنه يتخذ للطيب فأشبه الورد وكرهه مالك وأصحاب الرأي ولم يوجبوا فيه شيئا وكلام أحمد فيه محتمل لهذا فإنه قال في الريحان ليس من آلة المحرم ولم يذكر فديته وذلك لأنه لا يتخذ منه طيب فإشبه العصفر الثالث ما ينبت للطيب ويتخذ منه طيب كالورد والبنفسج والياسمين والخيري فهذا إذا استعمله وشمه ففيه الفدية لأن الفدية تجب فيما يتخذ منه فكذلك في أصله وعن أحمد رواية أخرى في الورد لا فدية عليه في شمه لأنه زهر شمه على جهته أشبه زهر سائر الشجر وذكر أبو الخطاب في هذا والذي قبله روايتين والأولى تحريمه لأنه ينبت للطيب ويتخذ منه أشبه الزعفران والعنبر قال القاضي يقال إن العنبر ثمر وشجر وكذلك الكافور فصل وإن مس من الطيب ما يعلق بيده كالغالية وماء الورد والمسك المسحوق الذي يعلق بأصابعه فعليه الفدية لأنه مستعمل للطيب وإن مس ما لا يعلق بيده كالمسك غير المسحوق وقطع الكافور والعنبر فلا فدية لأنه غير مستعمل للطيب فإن شمه فعليه الفدية لأنه يستعمل هكذا وإن شم العود فلا فدية عليه لأنه لا يتطيب به هكذا مسألة قال ( ولا يلبس ثوبر مسه ورس ولا زعفران ولا طيب ) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا وهو قول جابر وابن عمر ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي قال ابن عبد البر لا خلاف في هذا بين العلماء وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس متفق عليه فكل ما صبغ بزعفران أو ورس أو غمس في ماء ورد أو بخر بعود فليس للمحرم لبسه ولا الجلوس عليه ولا النوم عليه نص أحمد عليه وذلك لأنه استعمال له فأشبه لبسه ومتى لبسه أو استعمله فعليه الفدية وبذلك قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن كان رطبا يلي بدنه أو يابسا ينفض فعليه الفدية وإلا فلا لأنه ليس بمتطيب ولنا إنه منهي عنه لأجل الإحرام فلزمته الفدية به كاستعمال الطيب في بدنه ولأنه محرم استعمل ثوبا مطيبا فلزمته الفدية به كالرطب
فإن غسله حتى ذهب ما فيه من ذلك فلا بأس به عند جميع العلماء فصل وإن انقطعت رائحة الثوب لطول الزمن عليه أو لكونه صبغ بغيره فغلب عليه بحيث لا يفوح له رائحة إذا رش فيه الماء فلا بأس باستعماله لزوال الطيب منه وبهذا قال سعيد بن المسيب والحسن والنخعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي ذلك عن عطاء وطاوس وكره مالك إلا أن يغسل ويذهب لونه لأن عين الزعفران ونحوه فيه ولنا إنه إنما نهي عنه من أجل رائحته وقد ذهبت بالكلية فأما إن لم يكن له رائحة في الحال لكن كان بحيث إذا رش فيه ماء فاح ريحه ففيه الفدية لأنه متطيب بطيب بدليل أن رائحته تظهر عند رش الماء فيه والماء لا رائحة له وإنما هي من الصبغ الذي فيه فأما إن فرش فوق الثوب ثوبا صفيقا يمنع الرائحة والمباشرة فلا فدية عليه بالجلوس والنوم عليه وإن كان الحائل بينهما ثياب بدنه ففيه الفدية لأنه يمنع من استعمال الطيب في الثوب الذي عليه كمنعه من استعماله في بدنه مسألة قال ( ولا بأس بما صبغ بالعصفر ) وجملة ذلك أن العصفر ليس بطيب ولا بأس باستعماله وشمه ولا بما صبغ به وهذا قول جابر وابن عمر وعبد الله بن جعفر وعقيل بن أبي طالب وهو مذهب الشافعي وعن عائشة وأسماء وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنهن كن يحرمن في المعصفرات وكرهه مالك إذا كان ينتفض في بدنه ولم يوجب فيه فدية ومنع منه الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وشبهوه بالمورس والمزعفر لأنه صبغ طيب الرائحة فأشبه ذلك ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل أو قميص أو خف وروى الإمام أحمد في المناسك بإسناده عن عائشة بنت سعد قالت كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نحرم في المعصفرات ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا ولأنه ليس بطيب فلم يكره ما صبغ به كالسواد والمصبوغ بالمغرة وأما الورس والزعفران فإنه طيب بخلاف مسألتنا فصل ولا بأس بالممشق وهو المصبوغ بالمغرة لأنه مصبوغ بطين لا بطيب وكذلك المصبوغ لسائر الأصباع سوى ما ذكرنا لأن الأصل الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه وما كان في معناه وليس هذا كذلك وأما المصبوغ بالرياحين فهو مبني على الرياحين في نفسها فما منع المحرم من استعماله مع لبس المصبوغ به إذا ظهرت رائحته وإلا فلا مسألة قال ( ولا يقطع شعرا من رأسه ولا جسده ) وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ شعره إلا من عذر والأصل فيه قول الله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب البقرة 196 وروى كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلك يؤذيك هوام رأسك قال نعم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو أنسك شاة متفق عليه وهذا يدل على أن الحلق كان قبل ذلك محرما وشعر الرأس والجسد في ذلك سواء فصل فإن كان له عذر من مرض أو وقع في رأسه قمل أو غير ذلك مما يتضرر بإبقاء الشعر فله إزالته للآية الخبر قال ابن عباس فمن كان منكم مريضا البقرة 196
أي برأسه قروح أو به أذى من رأسه أي قمل ثم ينظر فإن كان الضرر اللاحق به من نفس الشعر مثل أن ينبت في عينه أو طال حاجباه فغطيا عينيه فله قلع ما في العين وقطع ما استرسل على عينيه ولا فدية عليه لأن الشعر أذاه فكان له دفع أذيته بغير فدية كالصيد إذا صال عليه وإن كان الأذى من غير الشعر لكن لا يتمكن من إزالة الأذى إلا بإزالة الشعر كالقمل والقروح برأسه أو صداع برأسه أو شدة الحر عليه لكثرة شعره فعليه الفدية لأنه قطع الشعر لإزالة ضرر غيره فأشبه أكل الصيد للمخمصة فإن قيل فالقمل من ضرر الشعر والحر سببه كثرة الشعر قلنا ليس القمل من الشعر وإنما لا يتمكن من المقام في الرأس إلا به فهو محل له لا سبب فيه وكذلك الحر من الزمان بدليل أن الشعر يوجد في زمن البرد فلا يتأذى به والله أعلم مسألة قال ( ولا يقطع ظفرا إلا أن ينكسر ) أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من قلم أظفاره إلا من عذر لأن قطع الأظفار إزالة جزء يترفه به فحرم كإزالة الشعر فإن انكسر فله إزالته من غير فدية تلزمه قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر ولأن ما انكسر يؤذيه ويؤلمه فأشبه الشعر النابت في عينه والصيد الصائل عليه فإن قص أكثر مما انكسر فعليه الفدية لذلك الزائد كما لو قطع من الشعر أكثر مما يحتاج إليه وإن احتاج إلى مداواة قرحة فلم يمكنه إلا بقص أظفاره فعليه الفدية لذلك قال ابن القاسم صاحب مالك لا فدية عليه ولنا إنه أزال ما منع إزالته لضرر في غيره فأشبه حلق رأسه دفعا لضرر قمله وإن وقع في أظفاره مرض فأزالها لذلك المرض فلا فدية عليه لأنه أزالها لإزالة مرضها فأشبه قصها لكسرها مسألة قال ( ولا ينظر في المرآة لإصلاح شيء ) يعني لا ينظر فيها لإزالة شعث أو تسوية شعر أو شيء من الزينة قال أحمد ولا بأس أن ينظر في المرآة ولا يصلح شعثا ولا ينفض عنه غبارا وقال أيضا إذا كان يريد به زينة فلا قيل فكيف يريد زينة قال يرى شعرة فيسويها وروي نحو ذلك عن عطاء والوجه في ذلك أنه قد روي في حديث أن المحرم الأشعث الأغبر وفي آخر إن الله يباهي بأهل عرفة ملائكته فيقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي قد أتوني شعثا غبرا ضاحين أو كما جاء لفظ الحديث فإن نظر فيها لحاجة كمداواة جرح أو إزالة شعر ينبت في عينه ونحو ذلك مما أباح الشرع له فعله فلا بأس ولا فدية عليه بالنظر في المرآة على كل حال وإنما ذلك أدب لا شيء على تاركه لا نعلم أحدا أوجب في ذلك شيئا وقد روي عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا ينظران في المرآة وهما محرمان مسألة قال ( ولا يأكل من الزعفران ما يجد ريحه ) وجملة ذلك أن الزعفران وغيره من الطيب إذا جعل في مأكول أو مشروب فلم تذهب رائحته لم يبح للمحرم تناوله نيئا كان أو قد مسته النار وبهذا قال الشافعي وكان مالك وأصحاب الرأي لا يرون بما مست النار من الطعام بأسا سواء ذهب لونه وريحه وطعمه أو نفي ذلك كله لأنه بالطبخ استحال عن كونه طيبا وروي عن ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس أنهم لم يكونوا يرون بأكل الخشكنانج الأصفر بأسا وكرهه القاسم بن محمد وجعفر بن محمد ولنا إن الاستمتاع به والترفه به حاصل من حيث المباشرة فأشبه ما لو كان نيئا ولأن المقصود من الطيب رائحته وهي باقية وقول من أباح الخشكنانج الأصفر ويمكن حمله على ما بقيت رائحته ليزول الخلاف فإن لم تمسه النار لكن ذهبت رائحته وطعمه فلا بأس به وهو قول الشافعي وكره مالك والحميدي وإسحاق وأصحاب الرأي الملح الأصفر وفرقوا بين ما مسته النار وما لم تمسه
ولنا إن المقصود الرائحة فإن الطيب إنما كان طيبا لرائحته لا للونه فوجب دوران الحكم معها دونه فصل فإن ذهبت رائحته وبقي لونه وطعمه فظاهر كلام الخرقي إباحته لما ذكرنا من أنها المقصود فيزول المنع بزوالها وظاهر كلام أحمد في رواية صالح تحريمه وهو مذهب الشافعي قال القاضي محال أن تنفك الرائحة عن الطعم فمتى بقي الطعم دل على بقائها فلذلك وجبت الفدية باستعماله مسألة قال ( ولا يدهن بما فيه طيب وما لا طيب فيه ) أما المطيب من الأدهان كدهن الورد والبنفسج والزنبق والخيري واللينوفر فليس في تحريم الأدهان به خلاف في المذهب وهو قول الأوزاعي وكره مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي الأدهان بدهن البنفسج وقال الشافعي ليس بطيب ولنا إنه يتخذ للطيب وتقصد رائحته فكان طيبا كماء الورد فأما ما لا طيب فيه كالزيت والشيرج والسمن والشحم ودهن البان الساذج فنقل الأثرم قال سمعت أبا عبد الله يسأل عن المحرم يدهن بالزيت والشبرج فقال نعم يدهن به إذا احتاج إليه ويتداوى المحرم بما أكل قال ابن الأثرم جواز ذلك عن ابن عباس وأبي ذر والأسود بن يزيد وعطاء والضحاك وغيرهم ونقل أبو داود عن أحمد أنه قال الزيت الذي يؤكل لا يدهن المحرم به رأسه فظاهر هذا أنه لا يدهن رأسه بشيء من الأدهان وهو قول عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر فأما دهن سائر البدن فلا نعلم عن أحمد فيه منعا وقد ذكرنا إجماع أهل العلم على إباحته في اليدين وإنما الكراهة في الرأس خاصة لأنه محل الشعر وقال القاضي في إباحته في جميع البدن روايتان فإن فعله فلا فدية فيه في ظاهر كلام أحمد سواء دهن رأسه أو غيره إلا أن يكون مطيبا وقد روي عن ابن عمر أنه صدع وهو محرم فقالوا ألا ندهنك بالسمن فقال لا قالوا أليس تأكله قال ليس أكله كالإدهان به وعن مجاهد قال إن تداوى به فعليه الكفارة وقال الذين منعوا من دهن الرأس فيه الفدية لأنه مزيل للشعث أشبه ما لو كان مطيبا ولنا إن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولا دليل فيه من نص ولا إجماع ولا يصح قياسه على الطيب فإن الطيب يوجب الفدية وإن لم يزل شعثا ويستوي فيه الرأس وغيره والدهن بخلافه ولأنه مائع لا تجب الفدية باستعماله في اليدين فلم تجب باستعماله في الرأس كالماء مسألة قال ( ولا يتعمد لشم الطيب ) أي لا يقصد شمه من غيره بفعل منه نحو أن يجلس عند العطارين لذلك أو يدخل الكعبة حال تجميرها ليشم طيبها أو يحمل معه عقدة فيها مسك ليجد ريحها قال أحمد سبحان الله كيف يجوز هذا وأباح الشافعي ذلك إلا العقدة تكون معه يشمها فإن أصحابه اختلفوا فيها لأنه يشم الطيب من غيره أشبه ما لو لم يقصده ولنا إنه شم الطيب قاصدا مبتدئا به في الإحرام فحرم كما لو باشره يحققه أن القصد شمه لا مباشرته بدليل ما لو مس اليابس الذي يعلق بيده لم يكن عليه شيء ولو رفعه بخرقة وشمه لوجبت عليه الفدية ولو لم يباشره فأما شمه من غير قصد كالجالس عند العطار لحاجته وداخل السوق أو داخل الكعبة للتبرك بها ومن يشتري طيبا لنفسه وللتجارة ولا يمسه فغير ممنوع منه لأنه لا يمكن التحرر من هذا فعفي عنه بخلاف الأول مسألة قال ( ولا يغطي شيئا من رأسه والأذنان من الرأس ) قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من تخمير رأسه والأصل في ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس العمائم والبرانس وقوله في المحرم الذي وقصته راحلته
لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا علل منع تخمير رأسه ببقائه على إحرامه فعلم أن المحرم ممنوع ذلك وكان ابن عمر يقول إحرام الرجل في رأسه وذكر القاضي في الشرح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها وأنه عليه السلام نهى أن يشد المحرم رأسه بالسير وقول الخرقي والأذنان من الرأس فائدته تحريم تغطيتهما وأباح ذلك الشافعي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الأذنان من الرأس وقد ذكرناه في الطهارة وإذا ثبت هذا فإنه يمنع من تغطية بعض رأسه كما يمنع من تغطية جميعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تخمروا رأسه والمنهي عنه يحرم فعل بعضه ولذلك لما قال تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم البقرة 196 حرم حلق بعضه وسواء غطاه بالملبوس المعتاد أو بغيره مثل إن عصبه بعصابة أو شده بسير أو جعل عليه قرطاسا فيه دواء أو لا دواء فيه أو خضبه بحناء أو طلاه بطين أو نورة أو جعل عليه دواء فإن جميع ذلك ستر له وهو ممنوع منه وسواء كان ذلك لعذر أو غيره فإن العذر لا يسقط الفدية بدليل قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية البقرة 196 وقصة كعب بن عجرة وبهذا كله قال الشافعي وكان عطاء يرخص في العصابة من الضرورة والصحيح أنه لا تسقط الفدية عنه بالعذر كما لو لبس قلنسوة من أجل البرد فصل فإن حمل على رأسه مكتلا أو طبقا أو نحوه فلا فدية عليه وبهذا قال عطاء ومالك وقال الشافعي عليه الفدية لأنه ستره ولنا إن هذا لا يقصد به الستر غالبا فلم تجب به الفدية كما لو وضع يده عليه وسواء قصد به الستر أو لم يقصد لأن ما تجب به الفدية لا يختلف بالقصد وعدمه فكذلك ما لا تجب به الفدية واختار ابن عقيل وجوب الفدية عليه إذا قصد به الستر لأن الحيل لا تحيل الحقيق وإن ستر رأسه بيده فلا شيء عليه لما ذكرنا ولأن الستر بما هو متصل به لا يثبت له حكم الستر ولذلك لو وضع يديه على فرجه لم تجزئه في الستر ولأن المحرم مأمور بمسح رأسه وذلك يكون بوضع يديه أو إحداهما عليه وإن طلا رأسه بعسل أو صمغ ليجتمع الشعر ويتلبد فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث ولا يقع فيه الدبيب جاز وهو التلبيد الذي جاء في حديث ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا رواه البخاري وعن حفصة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك قال إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر متفق عليهما وإن كان في رأسه طيب مما جعله فيه قبل الإحرام فلا بأس لما روي عن عائشة قالت كأني أنظر إلى وبيص الطيب في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان على رأس ابن عباس مثل الرب من الغالية وهو محرم فصل وفي تغطية المحرم وجهه روايتان إحداهما يباح روي ذلك عن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وابن الزبير وسعد بن أبي وقاص وجابر والقاسم وطاوس والثوري والشافعي والثانية لا يباح وهو مذهب أبي حنيفة ومالك لما روي عن ابن عباس أن رجلا وقع عن راحلته فوقصته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة يلبي ولأنه محرم على المرأة فحرم على الرجل كالطيب ولنا ما ذكرنا من قول الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم فيكون إجماعا ولقوله عليه السلام إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها وحديث ابن عباس المشهور فيه ( ولا تخمروا رأسه ) هذا المتفق عليه وقوله ( ولا تخمروا وجهه ) فقال شعبة حدثنيه أبو بشر
ثم سألته عنه بعد عشر سنين فجاء بالحديث كما كان يحدث إلا أنه قال ( ولا تخمروا وجهه ورأسه ) وهذا يدل على أنه ضعف هذه الزيادة وقد روي في بعض ألفاظه ( خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه ) فتتعارض الروايتان وما ذكروه يبطل بلبس القفازين مسألة قال ( والمرأة إحرامها في وجهها فإن احتاجت سدلت على وجهها ) وجملة ذلك أن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها كما يحرم على الرجل تغطية رأسه لا نعلم في هذا خلافا إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة فلا يكون اختلافا قال ابن المنذر وكراهية البرقع ثابتة عن سعد وابن عمر وابن عباس وعائشة ولا نعلم أحدا خالف فيه وقد روى البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها روي ذلك عن عثمان وعائشة وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ولا نعلم فيه خلافا وذلك لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه رواه أبو داود والأثرم ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة وذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة فإن أصابها ثم زال أو أزالته بسرعة فلا شيء عليها كما لو أطارت الريح الثوب عن عورة المصلي ثم عاد بسرعة لا تبطل الصلاة فإن لم ترفعه مع القدرة افتدت لأنها استدامت الستر ولم أر هذا الشرط عن أحمد ولا هو في الخبر مع أن الظاهر خلافه فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة فلو كان هذا شرطا لبين وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما يعد لستر الوجه قال أحمد إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل كأنه يقول إن النقاب من أسفل على وجهها فصل ويجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه ولا يمكن تغطية جميع الرأس إلا بجزء من الوجه ولا كشف جميع الوجه إلا بكشف جزء من الرأس فعند ذلك ستر الرأس كله أولى لأنه آكد إذ هو عورة لا يختص تحريمه حالة الإحرام وكشف الوجه بخلافه وقد أبحنا ستر جملته للحاجة العارضة فستر جزء منه لستر العورة أولى فصل ولا بأس أن تطوف المرأة منتقبة إذا كانت غير محرمة وطافت عائشة وهي منتقبة وكره ذلك عطاء ثم رجع عنه وذكر أبو عبد الله حديث ابن جريج أن عطاء كان يكره لغير المحرمة أن تطوف منتقبة حتى حدثته عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة أن عائشة طافت وهي منتقبة فأخذ به مسألة قال ( ولا تكتحل بكحل أسود ) الكحل بالإثمد في الإحرام مكروه للمرأة والرجل وإنما خص المرأة بالذكر لأنها محل الزينة وهو في حقها أكثر من الرجل ويروى هذا عن عطاء والحسن ومجاهد قال مجاهد هو زينة وروي عن ابن عمر أنه قال يكتحل المحرم بكل كحل ليس فيه طيب قال مالك لا بأس أن يكتحل المحرم من حر يجده في عينيه بالإثمد وغيره وروي عن أحمد أنه قال يكتحل المحرم ما لم يرد به الزينة قيل له الرجال والنساء قال نعم والدليل على كراهته ما روي عن جابر أن عليا قدم من اليمن فوجد فاطمة ممن أحل فلبست ثيابا صبغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت أبي أمرني بهذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقت صدقت رواه مسلم وغيره وهذا يدل على أنها كانت ممنوعة من ذلك وروي عن عائشة أنها قالت لامرأة اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد أو الأسود إذا ثبت هذا فإن الكحل بالإثمد مكروه ولا فدية فيه
لا أعلم فيه خلافا وروت شميسة عن عائشة قالت اشتكيت عيني وأنا محرمة فسألت عائشة فقالت اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد أما إنه ليس بحرام ولكنه زينة فنحن نكرهه قال الشافعي إن فعلا فلا أعلم عليهما فيه فدية بشيء فصل فأما الكحل بغير الإثمد فلا كراهة فيه ما لم يكن فيه طيب لما ذكرنا من حديث عائشة وقول ابن عمر وقد روى مسلم عن نبيه بن وهب قال خرجنا مع أبان بن عثمان حتى إذا كنا بملل اشتكى عمر بن عبيد الله عينيه فأرسل إلى أبان بن عثمان ليسأله فأرسل إليه أضمدها بالصبر فإن عثمان حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدها بالصبر ففي هذا دليل على إباحة ما في معناه مما ليس فيه زينة ولا طيب وكان إبراهيم لا يرى بالذرور الأحمر بأسا مسألة قال ( وتجتنب كل ما يجتنه الرجل إلا في اللباس وتظليل المحمل ) قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة ممنوعة مما منع منه الرجال إلا بعض اللباس وأجمع أهل العلم على أن للمحرمة لبس القمص والدروع والسراويلات والخمر والخفاف وإنما كان كذلك لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المحرم بأمر وحكمه عليه يدخل فيه الرجال والنساء وإنما استثنى منه اللباس للحاجة إلى ستر المرأة لكونها عورة إلا وجهها فتجردها يفضي إلى انكشافها فأبيح لها اللباس للستر كما أبيح للرجل عقد الإزار كيلا يسقط فتنكشف العورة ولم يبح عقد الرداء وقد روى ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل أو قميص أو خف وهذا صريح والمراد باللباس ها هنا المخيط من القميص والدروع والسراويلات والخفاف وما يستر الرأس ونحوه فصل ويستحب للمرأة ما يستحب للرجل من الغسل عند الإحرام والطيب والتنظف لما ذكرنا من حديث عائشة أنها قالت كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره عليها والشابة والكبيرة في هذا سواء فإن عائشة كانت تفعله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهي شابة فإن قيل أليس قد كره ذلك في الجمعة قلنا لأنها في الجمعة تقرب من الرجال فيخاف الافتتان بها بخلاف مسألتنا ولهذا يلزم الحج للنساء ولا تلزمهن الجمعة وكذلك يستحب لها قلة الكلام فيما لا ينفع والإكثار من التلبية وذكر الله تعالى مسألة قال ( ولا تلبس القفازين ولا الخلخال وما أشبه ) القفازان شيء يعمل لليدين تدخلهما فيهما من خرق تسترهما من الحر مثل ما يعمل للبرد فيحرم على المرأة لبسه في يديها في حال إحرامها وهذا قول ابن عمر وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والنخعي ومالك وإسحاق وكان سعد بن أبي وقاص يلبس بناته القفازين وهن محرمات ورخص فيه علي وعائشة وعطاء وبه قال الثوري وأبو حنيفة وللشافعي كالمذهبين واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إحرام المرأة في وجهها وأنه عضو يجوز ستره بغير المخيط فجاز ستره به كالرجلين ولنا ما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تنتقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين رواه البخاري وروي أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والخلخال ولأن الرجل لما وجب عليه كشف رأسه تعلق حكم إحرامه بغيره فمنع من لبس المخيط في سائر بدنه كذلك المرأة لما لزمها كشف وجهها ينبغي أن يتعلق حكم الإحرام بغير ذلك البعض وهو اليدان وحديثهم المراد به الكشف فأما الستر بغير المخيط فيجوز للرجل ولا يجوز بالمخيط فأما الخلخال وما أشبهه من الحلي مثل السوار والدملوج فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز لبسه
وقد قال أحمد المحرمة والمتوفى عنها زوجها يتركان الطيب والزينة ولهما ما سوى ذلك وروي عن عطاء أنه كان يكره للمحرمة الحرير والحلي وكرهه الثوري وأبو ثور وروي عن قتادة أنه كان لا يرى بأسا أن تلبس المرأة الخاتم والقرط وهي محرمة وكره السوارين والدملجين والخلخالين وظاهر مذهب أحمد الرخصة فيه وهو قول ابن عمر وعائشة وأصحاب الرأي قال أحمد في رواية حنبل تلبس المحرمة الحلي والمعصفر وقال عن نافع كان نساء ابن عمر وبناته يلبسن الحلي والمعصفر وهن محرمات لا ينكر ذلك عبد الله وروى أحمد في المناسك عن عائشة أنها قالت تلبس المحرمة ما تلبس وهي حلال من خزها وقزها وحليها وقد ذكرنا حديث ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي قال ابن المنذر لا يجوز المنع منه بغير حجة ويحمل كلام أحمد والخرقي في المنع على الكراهة لما فيه من الزينة وشبهه بالكحل بالإثمد ولا فدية فيه كما لا فدية في الكحل وأما لبس القفازين ففيه الفدية لأنها لبست ما نهيت عن لبسه في الإحرام فلزمتها الفدية كالنقاب فصل قال القاضي يحرم عليها شد يديها بخرقة لأنه ستر لبدنها بما يختص بها أشبه القفازين وكما لو شد الرجل على جسده شيئا وإن لفت يديها من غير شد فلا فدية لأن المحرم هو اللبس لا تغطيتهما كبدن الرجل مسألة قال ( ولا ترفع المرأة صوتها بالتلبية إلا بمقدار ما تسمع رفيقتها ) قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها وإنما عليها أن تسمع نفسها وبهذا قال عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وروي عن سليمان بن يسار قال السنة عندهم أن المرأة لا ترفع صوتها بالإهلال وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها ولهذا لا يسن لها أذان ولا إقامة والمسنون لها في التنبيه في الصلاة التصفيق دون التسبيح فصل ويستحب للمرأة أن تختضب بالحناء عند الإحرام لما روي عن ابن عمر أنه قال من السنة أن تدلك المرأة يديها في حناء ولأن هذا من زينة النساء فاستحب عند الإحرام كالطيب ولا بأس بالخضاب في حال إحرامها وقال القاضي يكره لكونه من الزينة فأشبه الكحل بالإثمد فإن فعلته ولم تشد يديها بالخرق فلا فدية وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وكان مالك ومحمد بن الحسن يكرهان الخضاب للمحرمة وألزماها الفدية ولنا ما روى عكرمة أنه قال كانت عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يختضبن بالحناء وهن حرم ولأن الأصل الإباحة وليس ها هنا دليل يمنع من نص ولا إجماع ولا هي في معنى المنصوص فصل إذا أحرم الخنثى المشكل لم يلزمه اجتناب المخيط لأننا لا نتيقن الذكورية الموجبة لذلك وقال ابن المبارك يغطي رأسه ويكفر والصحيح أن الكفارة لا تلزمه لأن الأصل عدمها فلا نوجبها بالشك وإن غطى وجهه وحده لم يلزمه فدية لذلك وإن جمع بين تغطية وجهه بنقاب أو برقع وبين تغطية رأسه أو لبس المخيط على بدنه لزمته الفدية لأنه لا يخلو أن يكون رجلا أو امرأة فصل ويستحب للمرأة الطواف ليلا لأنه أستر لها وأقل للزحام فيمكنها أن تدنو من البيت وتستلم الحجر وقد روى حنبل في المناسك بإسناده عن أبي الزبير أن عائشة كانت تطوف بعد العشاء أسبوعا أو أسبوعين وترسل إلى أهل المجالس في المسجد ارتفعوا إلى أهليكم فإن لهم عليكم حقا وعن محمد بن السائب بن بركة عن أمه عن عائشة أنها أرسلت إلى أصحاب المصابيح أن يطفئوها فأطفؤوها فطفت معها في ستر أو حجاب فكانت كلما فرغت من أسبوع استلمت الركن الأسود وتعوذت بين الركن والباب حتى إذا فرغت من ثلاثة أسابيع ذهب إلى دير سقاية زمزم مما يلي الناس فصلت ست ركعات كلما ركعت ركعتين انحرفت إلى النساء فكلمتهن تفصل بذلك صلاتها حتى فرغت مسألة قال ( ولا يتزوج المحرم ولا يزوج فإن فعل فالنكاح باطل )
قوله لا يتزوج أي لا يقبل النكاح لنفسه ولا يزوج أي لا يكون وليا في النكاح ولا وكيلا فيه ولا يجوز تزويج المحرمة أيضا روي ذلك عن عمر وابنه وزيد بن ثابت رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري والأوزاعي ومالك والشافعي وأجاز ذلك ابن عباس وهو قول أبي حنيفة لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم متفق عليه ولأنه عقد يملك به الاستمتاع فلا يحرمه الإحرام كشراء الإماء ولنا ما روى أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب رواه مسلم ولأن الإحرام يحرم الطيب فيحرم النكاح كالعدة فأما حديث ابن عباس فقد روى يزيد بن الأصم عن ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالا وبنى بها حلالا وماتت بسرف في الظلة التي بنى بها فيها رواه أبو داود والأثرم وعن أبي رافع قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول بينهما قال الترمذي هذا حديث حسن وميمونة أعلم بنفسها وأبو رافع صاحب القصة وهو السفير فيها فهما أعلم بذلك من ابن عباس وأولى بالتقديم لو كان ابن عباس كبيرا فكيف وقد كان صغيرا لا يعرف حقائق الأمور ولا يقف عليها وقد أنكر عليه هذا القول وقال سعيد بن المسيب وهم ابن عباس ما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم إلا حلالا فكيف يعمل بحديث هذا حاله ويمكن حمل قوله وهو محرم أي في الشهر الحرام أو في البلد الحرام كما قيل قتلوا ابن عفان الخليفة محرما وقيل تزوجها حلالا وأظهر أمر تزويجها وهو محرم ثم لو صح الحديثان كان تقديم حديثنا أولى لأنه قول النبي صلى الله عليه وسلم وذلك فعله والقول آكد لأنه يحتمل أن يكون مختصا بما فعله وعقد النكاح يخالف شراء الأمة فإنه يحرم بالعدة والردة واختلاف الدين وكون المنكوحة أختر له من الرضاع ويعتبر له شروط غير معتبرة في الشراء فصل ومتى تزوج المحرم أو زوج أو زوجت محرمة فالنكاح باطل سواء كان الكل محرمين أو بعضهم لأنه منهي عنه فلم يصح كنكاح المرأة على عمتها أو خالتها وعن أحمد إن زوج المحرم لم أفسخ النكاح قال بعض أصحابنا هذا يدل على أنه إذا كان الولي بمفرده أو الوكيل محرما ما لم يفسد النكاح والمذهب الأول وكلام أحمد يحمل على أنه لا يفسخه لكونه مختلفا فيه قال القاضي ويفرق بينهما بطلقة وهكذا كل نكاح مختلف فيه قال أحمد في رواية أبي طالب إذا تزوجت بغير ولي لم يكن للوي أن يزوجها من غيره حتى يطلق ولأن تزويجها من غير طلاق يفضي إلى أن يجتمع للمرأة زوجان كل واحد منهما يعتقد حلها فصل وتكره الخطبة للمحرم وخطبة المحرمة ويكره للمحرم أن يخطب للمحلين لأنه قد جاء في بعض ألفاظ حديث عثمان لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب رواه مسلم ولأنه تسبب إلى الحرام فأشبه الإشارة إلى الصيد والإحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح وسائر المحظورات لأن حكمه باق في وجوب ما يجب في الإحرام فكذلك ما يحرم به فصل ويكره أن يشهد النكاح لأنه معاونة على النكاح فأشبه الخطبة وإن شهد أو خطب لم يفسد النكاح وقال بعض أصحاب الشافعي لا ينعقد النكاح بشهادة المحرمين لأن في بعض الروايات ولا يشهد ولنا إنه لا مدخل للشاهد في العقد فأشبه الخطبة وهذه اللفظة غير معروفة فلم يثبت بها حكم ومتى تزوج المحرم أو زوج أو زوجت محرمة لم يجب بذلك فدية لأنه عقد فسد لأجل الإحرام فلم تجب به فدية كشراء الصيد مسألة قال ( قال ( فإن وطىء المحرم في الفرج فأنزل أو لم ينزل فقد فسد حجهما وعليه بدنة إن كان استكرهها وإن كانت طاوعته فعلى كل واحد منهما بدنة ) أما فساد الحج بالجماع في الفرج فليس فيه اختلاف
قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر أن رجلا سأله فقال إني وقعت بامرأتي ونحن محرمان فقال أفسدت حجك انطلق أنت وأهلك مع الناس فاقضوا ما يقضون وحل إذا حلوا فإذا كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديا هديا فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم وكذلك قال ابن عباس وعبد الله بن عمر ولم نعلم لهم في عصرهم مخالفا روى الأثرم في سننه وفي حديث ابن عباس ويتفرقان من حيث يحرمان حتى يقضيا حجهما قال ابن المنذر قول ابن عباس أعلى شيء روي فيمن وطىء في حجه وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه وبه قال ابن المسيب وعطاء والنخعي والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا فرق بين ما قبل الوقوف وبعده وقال أبو حنيفة إن جامع قبل الوقوف فسد حجه وإن جامع بعده لم يفسد لقول النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة ولأنه معنى يأمن به الفوات فأمن به الفساد كالتحلل ولنا إن قول الصحابة الذين روينا قولهم مطلق فيمن واقع محرما ولأنه جماع صادف إحراما تاما فأفسده كما قبل الوقوف وقوله عليه السلام الحج عرفة يعني معظمه أو أنه ركن متأكد فيه ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد بدليل العمرة إذا ثبت هذا فإنه يجب على المجامع بدنة روي ذلك عن ابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد ومالك والشافعي وأبي ثور وقال الثوري وإسحاق عليه بدنة فإن لم يجد فشاة وقال أصحاب الرأي إن جامع قبل الوقوف فسد حجه وعليه شاة وإن كان بعده فعليه بدنة وحجه صحيح لأنه قبل الوقوف معنى يوجب القضاء فلم يجب به بدنة كالفوات ولنا إنه جماع صادف إحراما تاما فوجبت به البدنة كبعد الوقوف ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم يفرقوا بين الوقوف وبعده وأما الفوات فهو مفارق للجماع بالإجماع ولذلك لا يوجبون فيه الشاة بخلاف الجماع وإذا كانت المرأة مكرهة على الجماع فلا هدي عليها ولا على الرجل أن يهدي عنها نص عليه أحمد لأنه جماع يوجب الكفارة فلم تجب به حال الإكراه أكثر من كفارة واحدة كما في الصيام وهذا قول إسحاق وأبي ثور وابن المنذر وعن أحمد رواية أخرى أن عليه أن يهدي عنها وهو قول عطاء ومالك لأن إفساد الحج وجد منه في حقهما فكان عليه لإفساده حجها هدي قياسا على حجه وعنه ما يدل على أن الهدي عليها لأن فساد الحج ثبت بالنسبة إليها فكان الهدي عليها كما لو طاوعت ويحتمل أنه أراد أن الهدي عليها يتحمله الزوج عنها فلا يكون رواية ثالثة فأما حال المطاوعة فعلى كل منهما بدنة هذا قول ابن عباس وسعيد بن المسيب والنخعي والضحاك ومالك والحاكم وحماد لأن ابن عباس قال اهد ناقة ولتهد ناقة لأنها أحد المتجامعين من غير إكراه فلزمتها بدنة كالرجل وعن أحمد أنه قال أرجو أن يجزئهما هدي واحد وروي ذلك عن عطاء وهو مذهب الشافعي لأنه جماع واحد فلم يوجب أكثر من بدنة كحالة الإكراه والنائمة كالمكرهة في هذا وأما فساد الحج فلا فرق بين حال الإكراه والمطاوعة لا نعلم فيه خلافا فصل ولا فرق بين الوطء في القبل والدبر من آدمي أو بهيمة وبه قال الشافعي وأبو ثور ويتخرج في وطء البهيمة أن الحج لا يفسد به وهو قول مالك وأبي حنيفة لأنه لا يوجب الحد فأشبه الوطء دون الفرج وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة أن اللواط والوطء في الدبر لا يفسد الحج لأنه لا يثبت به الإحصان فلم يفسد الحج كالوطء دون الفرج ولنا إنه وطء في فرج يوجب الاغتسال فأفسد الحج كوطء الآدمية في القبل ويفارق الوطء دون الفرج فإنه ليس من الكبائر في الأجنبية ولا يوجب مهرا ولا عدة ولا حدا ولا غسلا إلا أن ينزل فيكون كمسألتنا في رواية
فصل إذا تكرر الجماع فإن كفر عن الأول فعليه للثاني كفارة ثانية كالأول وإن لم يكن كفر عن الأول فكفارة واحدة عنه وأن لكل وطء كفارة لأنه سبب للكفارة فأوجبها كالأول والمذهب الأول لأنه جماع موجب للكفارة فإذا تكرر قبل التكفير عن الأول لم يوجب كفارة ثانية كما في الصيام وقال أبو حنيفة عليه للوطء الثاني شاة سواء كفر عن الأول أو لم يكفر إلا أن يتكرر الوطء في مجلس واحد على وجه الرفض للإحرام لأنه وطء صادف إحراما ناقص الحرمة فأوجب شاة كالوطء بعد التحلل الأول وقال مالك لا يجب بالثاني شيء وروى ذلك عطاء لأنه لا يفسد الحج فلا يجب به شيء كما لو كان قبل التكفير وقال الشافعي كقولنا وقريبا من قول أبي حنيفة ولنا على وجوب البدنة إذا كفر أنه وطىء في إحرام ولم يتحلل منه ولا أمكن تداخل كفارته في غيره فأشبه الوطء الأول ولأن الإحرام الفاسد كالصحيح في سائر الكفارات فكذلك في الوطء ولأنه إذا لم يكفر عن الأول فتتداخل كفارته كما يتداخل حكم المهر والحد والتحديد بعدم التكفير أولى من التحديد بالمجلس الواحد لما ذكرنا من المهر والحد والتكفير في اليمين والظهار وغيرهما مسألة قال ( وإن وطىء دون الفرج فلم ينزل فعليه دم وإن أنزل فعليه بدنة وقد فسد حجه ) أما إذا لم ينزل فإن حجه لا يفسد بذلك لا نعلم أحدا قال بفساد حجه لأنها مباشرة دون الفرج عريت عن الإنزال فلم يفسد بها الحج كاللمس أو مباشرة لا توجب الاغتسال أشبهت اللمس وعليه شاة وقال الحسن فيمن ضرب بيده على فرج جاريته عليه بدنة وعن سعيد بن جبير إذا نال منها ما دون الجماع ذبح بقرة ولنا إنها ملامسة من غير إنزال فأشبهت لمس غير الفرج فأما إن أنزل فعليه بدنة وبذلك قال الحسن وسعيد بن جبير والثوري وأبو ثور وقال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر عليه شاة لأنها مباشرة دون الفرج فأشبه ما لو لم ينزل ولنا إنه جماع أوجب الغسل فأوجب بدنة كالوطء في الفرج وفي فساد حجه بذلك روايتان إحداهما يفسد اختارها الخرقي وأبو بكر وهو قول عطاء والحسن والقاسم بن محمد ومالك وإسحاق لأنها عبادة يفسدها الوطء فأفسدها الإنزال عن مباشرة كالصيام والثانية لا يفسد وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وهي الصحيحة إن شاء الله لأنه استمتاع لا يجب بنوع الحد فلم يفسد الحج كما لو لم ينزل ولأنه لا نص فيه ولا إجماع ولا هو في معنى المنصوص عليه لأن الوطء في الفرج يجب بنوعه الحد ويتعلق به اثنا عشر حكما ولا يفترق فيه الحال بين الإنزال وعدمه والصيام يخالف الحج في المفسدات ولذلك يفسد بتكرار النظر مع الإنزال والمذي وسائر محظوراته والحج لا يفسد بشيء من محظوراته غير الجماع فافترقا والمرأة كالرجل في هذا إذا كانت ذات شهوة وإلا فلا شيء عليها كالرجل إذا لم يكن له شهوة مسألة قال ( فإن قبل فلم ينزل فعليه دم وإن أنزل فعليه بدنة وعن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى إن أنزل فسد حجه ) وجملة ذلك أن حكم القبلة حكم المباشرة دون الفرج سواء إلا أن الخرقي ذكر في هذه المسألة روايتين في إفساد الحج عند الإنزال ولم يذكر في إفساد الحج في الوطء دون الفرج إلا رواية واحدة وقد ذكرنا أن فيها أيضا روايتين وذكرنا الخلاف فيه لكن نشير إلى الفرق توجيها لقول الخرقي فنقول إنزال بغير وطء فلم يفسد به الحج كالنظر ولأن اللذة بالوطء فوق اللذة بالقبلة فكانت فوقها في الواجب لأن مراتب أحكام الاستمتاع على وفق ما يحصل به من اللذة فالوطء في الفرج أبلغ الاستمتاع فأفسد الحج مع الإنزال وعدمه والوطء دون الفرج دونه فأوجب البدنة وأفسد الحج عند الإنزال والدم عند عدمه والقبلة دونهما فتكون دونهما فيما يجب بها فيجب بها بدنة عند الإنزال من غير إفساد وتكرار النظر دون الجميع
فيجب به الدم عند الإنزال ولا يجب عنده عدمه شيء ومن جمع بين الوطء دون الفرج والقبلة قال كلاهما مباشرة فاستوى حكمهما في الواجب بهما وقد روي عن ابن عباس أنه قال لرجل قبل زوجته أفسدت حجتك وروي ذلك عن سعيد بن جبير وقال سعيد بن المسيب وعطاء وابن سيرين والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي عليه دم وروي ذلك عن الشعبي وسعيد بن جبير وروى الأثرم بإسناده عن عبد الرحمن بن الحارث أن عمر بن عبد الله قبل عائشة بنت طلحة محرما فسأل فأجمع له على أن يهريق دما والظاهر أنه لم يكن أنزل لأنه لم يذكر وسواء أمذى أو لم يمذ وقال سعيد بن جبير إن قبل فمذى أو لم يمذ فعليه دم وسائر اللمس لشهوة كالقبلة فيما ذكرنا لأنه استمتاع يلتذ به فهو كالقبلة قال أحمد فيمن قبض على فرج امرأته وهو محرم فإنه يهريق دم شاة وقال عطاء إذا قبل المحرم أو لمس فليهرق دما مسألة قال ( وإن نظر فصرف بصره فأمنى فعليه دم وإن كرر النظر حتى أمنى فعليه بدنة ) وجملة ذلك أن الحج لا يفسد بتكرار النظر أنزل أو لم ينزل روي ذلك عن ابن عباس وهو قول أبي حنيفة والشافعي وروي عن الحسن وعطاء ومالك فيمن ردد النظر حتى أمنى عليه حج من قابل لأنه أنزل بفعل محظور أشبه الإنزال بالمباشرة ولنا إنه إنزال عن غير مباشرة فأشبه الإنزال بالفكر والاحتلام والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع ثم إن المباشرة أبلغ في اللذة وآكد في استدعاء الشهوة فلا يصح القياس عليه فأما إن نظر ولم يكرر فأمنى فعليه شاة وإن كرره فأنزل ففيه روايتان إحداهما عليه بدنة روي ذلك عن ابن عباس والثانية عليه شاة وهو قول سعيد بن جبير وإسحاق ورواية ثانية عن ابن عباس وقال أبو ثور لا شيء عليه وحكي ذلك عن أبي حنيفة والشافعي لأنه ليس بمباشرة أشبه الفكر ولنا إنه إنزال بفعل محظور فأوجب الفدية كاللمس وقد روى الأثرم عن ابن عباس أنه قال له رجل فعل الله بهذه وفعل إنها تطيبت لي فكلمتني وحدثتني حتى سبقتني الشهوة فقال ابن عباس أتمم حجك وأهرق دما وروى حنبل في المناسك عن مجاهد أن محرما نظر إلى امرأته حتى أمذى فجعل يشتمها فقال ابن عباس أهرق دما ولا تشتمها فصل فإن كرر النظر حتى أمذى فقال أبو الخطاب عليه دم وقال القاضي ذكره الخرقي قال القاضي لأنه جزء من المني ولأنه حصل به التذاذ فهو كاللمس وإن لم يقترن بالنظر مني أو مذي فلا شيء عليه سواء كرر النظر أو لم يكرره وقد روي عن أحمد فيمن جرد امرأته ولم يكن منه غير التجريد أن عليه شاة وهذا محمول على أنه لمس فإن التجريد لا يعرى عن اللمس ظاهرا أو على أنه أمنى أو أمذى أما مجرد النظر فلا شيء فيه فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى نسائه وهو محرم وكذلك أصحابه فصل فإن فكر فأنزل فلا شيء عليه فإن الفكر يعرض للإنسان من غير إرادة ولا اختيار فلم يتعلق به حكم كما في الصيام وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم به متفق عليه فصل والعمد والنسيان في الوطء سواء نص عليه أحمد فقال إذا جامع أهله بطل حجه لأنه شيء لا يقدر على رده والشعر إذا حلقه فقد ذهب لا يقدر على رده والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده فهذه الثلاثة العمد والنسيان فيها سواء ولم يذكر الخرقي النسيان ها هنا ولكن ذكره في الصيام وبين أن الوطء في الفرج أو دون الفرج مع الإنزال يستوي عمده وسهوه وما عداه من القبلة واللمس والمذي بتكرار النظر يختلف حكم عمده وسهوه فههنا ينبغي أن يكون مثله
لأن الوطء لا يكاد يتطرق النسيان إليه دون غيره ولأن الجماع مفسد للصوم دون غيره فاستوى عمده وسهوه كالفوات بخلاف ما دونه والجاهل بالتحريم والمكره في حكم الناسي لأنه معذر وممن قال إن عمد الوطء ونسيانه سواء أبو حنيفة ومالك والشافعي في قديم قوليه وقال في الجديد لا يفسد الحج ولا يجب عليه شيء مع النسيان والجهل لأنها عبادة يجب بإفسادها الكفارة فافترق فيها وطء العامد والناسي كالصوم ولنا إنه سبب يتعلق به وجوب القضاء في الحج فاستوى عمده وسهوه كالفوات والصوم ممنوع ثم إن الصوم لا تجب الكفارة فيه بالإفساد بدليل إن إفساده بكل ما عدا الجماع لا يوجب كفارة وإنما تجب بخصوص الجماع فافترقا مسألة قال ( وللمحرم أن يتجر ويصنع الصنائع ويرتجع زوجته ) وعن أبي عبد الله رواية أخرى في الارتجاع أن لا يفعل أما التجارة والصناعة فلا نعلم في إباحتهما اختلافا وقد روى ابن عباس قال كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم البقرة 198 في مواسم الحج فأما الرجعة فالمشهور إباحتها وهو قول أكثر أهل العلم وفيه رواية ثانية أنها لا تباح لأنها استباحة فرج مقصود بعقد فلا تباح للمحرم كالنكاح وجه الرواية الصحيحة أن الرجعية زوجة والرجعة إمساك بدليل قوله تعالى فأمسكوهن بمعروف فأبيح ذلك كالإمساك قبل الطلاق ولا نسلم أن الرجعة استباحة فإن الرجعية مباحة وإن سلمنا أنها استباحة فتبطل بشرى الأمة للشراء ولأن ما يتعلق به إباحة الزوجة مباح في النكاح كالتكفير في الظهار وأما شراء الإماء فمباح وسواء قصد به الشراء أو لم يقصد لا نعلم فيه خلافا فإنه ليس بموضوع الاستباحة في البضع فأشبه شراء العبيد والبهائم ولذلك أبيح شراء من لا يحل وطؤها فلذلك لم يحرم في حالة يحرم فيها الوطء مسألة قال ( وله أن يقتل الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب والعقور وكل ما عدا عليه أو آذاه ولا فداء عليه ) هذا قول أكثر أهل العلم منهم الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وحكي عن النخعي أنه منع قتل الفأرة والحديث صريح في حل قتلها فلا يعول على ما خالفه والمراد بالغراب الأبقع وغراب البين وقال قوم لا يباح من الغربان إلا الأبقع خاصة لأنه قد روي خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدأة رواه مسلم وهذا يقيد المطلق في الحديث الآخر ولا يمكن حمله على العموم بدليل أن المباح من الغربان لا يحل قتله ولنا ما روت عائشة قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحرم الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خمس من الدواب ليس على المحرم جناح في قتلهن وذكر مثل حديث عائشة متفق عليهما وفي لفظ لمسلم في حديث ابن عمر خمس لا جناح على من قتلهن في الحل والإحرام وهذا عام في الغراب وهو أصح من الحديث الآخر ولأن غراب البين محرم الأكل يعدو على أموال الناس فلا وجه لإخراجه من العموم وفارق ما أبيح أكله فإنه مباح ليس هو في معنى ما أبيح قتله فلا يلزم من تخصيصه تخصيص ما ليس في معناه وقول الخرقي وكل ما عدا عليه وآذاه يحتمل أنه أراد ما يبدأ المحرم فيعدوا عليه في نفسه أو ماله فهذا لا جناح على قاتله سواء كان من جنس طبعه الأذى أو لم يكن قال ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السبع إذا بدأ المحرم فقتله لا شيء عليه ويحتمل أنه أراد ما كان طبعه الأذى والعدوان وإن لم يوجد منه أذى في الحال قال مالك الكلب العقور ما عقر الناس وعدا عليهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب
فعلى هذا يباح كل ما فيه أذى للناس في أنفسهم أو في أموالهم مثل سباع البهائم كلها المحرم أكلها وجوارح الطير كالبازي والعقاب والصقر والشاهين ونحوها والحشرات المؤذية والزنبور والبق والبعوض والبراغيث والذباب وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي يقتل ما جاء في الخبر والذئب قياسا عليه ولنا إن الخبر نص من كل جنس على صورة من أدناه تنبيها على ما هو أعلى منها ودلالة على ما كان في معناها فنصه على الحدأة والغراب تنبيه على البازي ونحوه وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات وعلى العقرب تنبيه على الحية وعلى الكلب العقور تنبيه على السباع التي هي أعلى منه ولأن ما لا يضمن بمثله ولا بقيمته لا يضمن كالحشرات فصل وما لا يؤذي بطبعه ولا يؤكل كالرخم والديدان فلا أثر للحرم ولا للإحرام فيه ولا جزاء فيه إن قتله وبهذا قال الشافعي وقال مالك يحرم قتلها وإن قتلها فداها وكذلك كل سبع لا يعدو على الناس وإذا وطىء الذباب والنمل أو الذر أو قتل الزنبور تصدق بشيء من الطعام ولنا إن الله تعالى إنما أوجب الجزاء في الصيد وليس هذا بصيد قال بعض أهل اللغة الصيد ما جمع ثلاثة أشياء فيكون مباحا وحشيا ممتنعا ولأنه لا مثل له ولا قيمة والضمان إنما يكون بأحد هذين الشيئين وروي عن عمر أنه قرد بعيره بالسقيا وهو محرم ومعناه أنه نزع القراد عنه ورماه وهذا قول جابر بن زيد وعطاء وروي أن ابن عباس قال لعكرمة وهو محرم قرد البعير فكره ذلك فقال قم فانحره فنحره فقال له ابن عباس لا أم لك كم قتلت فيها من قراد وحلمة وحمانة يعني كبار القراد رواه كله سعيد فصل ولا تأثير للإحرام ولا للحرم في تحريم شيء من الحيوان الأهلي كبهيمة الأنعام ونحوها لأنه ليس بصيد وإنما حرم الله تعالى الصيد وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذبح البدن في إحرامه في الحرم يتقرب إلى الله سبحانه بذلك وقال أفضل الحج العج والثج يعني إسالة الدماء بالذبح والنحر وليس في هذا اختلاف فصل ويحل للمحرم صيد البحر لقوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة المائدة 96 قال ابن عباس وابن عمر طعامه ما ألقاه وعن ابن عباس طعامه ملحه وعن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير طعامه الملح وصيده ما اصطدنا وأجمع أهل العلم على أن صيد البحر مباح للمحرم اصطياده وأكله وبيعه وشراؤه وصيد البحر الحيوان الذي يعيش في الماء ويبيض فيه ويفرخ فيه كالسمك والسلحفاة والسرطان ونحو ذلك وحكي عن عطاء فيما يعيش في البر مثل السلحفاة والسرطان فأشبه طير الماء ولنا إنه يبيض في الماء ويفرخ فيه فأشبه السمك فأما طير الماء كالبط ونحوه فهو من صيد البر في قول عامة أهل العلم وفيه الجزاء وحكي عن عطاء أنه قال حيث يكون أكثر فهو صيده وقول عامة أهل العلم أولى لأنه يبيض في البر ويفرخ فيه فكان من صيد البر كسائر طيره وإنما إقامته في البحر لطلب الرزق والمعيشة منه كالصياد فإن كان جنس من الحيوان نوع منه في البحر ونوع في البر كالسلحفاة فلكل نوع حكم نفسه كالبقر منها الوحشي محرم والأهلي مباح مسألة قال ( وصيد الحرم حرام على الحلال والمحرم ) الأصل في تحريم صيد الحرم النص والإجماع أما النص فما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا من عرفها فقال العباس يا رسول الله إلا الأذخر فإنه لقينهم وبيوتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الأذخر متفق عليه وأجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم
فصل وفيه الجزاء على من يقتله ويجزي بمثل ما يجزي به الصيد في الإحرام وحكي عن داود أنه لا جزاء فيه لأن الأصل براءة الذمة ولم يرد فيه نص فيبقى بحاله ولنا إن الصحابة رضي الله عنهم قضوا في حمام الحرم بشاة شاة روي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ولم ينقل عن غيرهم خلافهم فيكون إجماعا ولأنه صيد ممنوع منه لحق الله تعالى أشبه الصيد في حق المحرم فصل وما يحرم ويضمن في الإحرام يحرم ويضمن في الحرم وما لا فلا إلا شيئين أحدهما القمل مختلف في قتله في الإحرام وهو مباح بلا اختلاف لأنه حرم في الإحرام للترفه بقتله وإزالته لا لحرمته ولا يحرم الترفه في الحل فأشبه ذلك قص الشعر وتقليم الظفر الثاني صيد البحر مباح في الإحرام بغير خلاف ولا يحل صيده من آبار الحرم وعيونه وكرهه جابر بن عبد الله لعموم قوله عليه السلام لا ينفر صيدها ولأن الحرمة تثبت للصيد كحرمة المكان وهو شامل لكل صيد ولأنه صيد غير مؤذ فأشبه الظباء وعن أحمد رواية أخرى أنه مباح لأن الإحرام لا يحرمه فأشبه السباع والحيوان الأهلي فصل ويضمن صيد الحرم في حق المسلم والكافر والكبير والصغير والحر والعبد لأن الحرمة تعلقت بمحله بالنسبة إلى الجميع فوجب ضمانه كالآدمي فصل ومن ملك صيدا في الحل فأدخله الحرم لزمه رفع يده عنه وإرساله فإن تلف في يده أو أتلفه فعليه ضمانه كصيد الحل في حق المحرم وقال عطاء إن ذبحه فعليه الجزاء وروي ذلك عن ابن عمر وممن كره إدخال الصيد الحرم ابن عمر وابن عباس وعائشة وطاوس وإسحاق وأصحاب الرأي ورخص فيه جابر بن عبد الله ورويت عنه الكراهة له أخرجه سعيد وقال هشام بن عروة كان ابن الزبير تسع سنين يراها في الأقفاص وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون به بأسا ورخص فيه سعيد بن جبير ومجاهد ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر لأنه ملكه خارجا وحل له التصرف فيه فجاز له ذلك في الحرم كصيد المدينة إذا أدخله حرمها ولنا إن الحرم سبب محرم للصيد ويوجب ضمانه فحرم استدامة إمساكه كالإحرام ولأنه صيد ذبحه في الحرم فلزمه جزاؤه كما لو صاده منه وصيد المدينة لا جزاء فيه بخلاف صيد الحرم فصل ويضمن صيد الحرم بالدلالة والإشارة كصيد الإحرام والواجب عليهما جزاء واحد نص عليه أحمد وظاهر كلامه أنه لا فرق بين كون الدال في الحل أو الحرم وقال القاضي لا جزاء على الدال إذا كان في الحل والجزاء على المدلول وحده كالحلال إذا دل محرما على صيده ولنا إن قتل الصيد الحرمي حرام على الدال فيضمنه بالدلالة كما لو كان في الحرم يحققه أن صيد الحرم محرم على كل أحد لقوله عليه السلام لا ينفر صيدها وفي لفظ لا يصاد صيدها وهذا عام في حق كل واحد ولأن صيد الحرم معصوم بمحله فحرم قتله عليهما كالملتجىء إلى الحرم وإذا ثبت تحريمه عليهما فيضمن بالدلالة ممن يحرم عليه قتله كما يضمن بدلالة المحرم عليه فصل وإذا رمى الحلال من الحل صيدا في الحرم فقتله أو أرسل كلبه عليه فقتله أو قتل صيدا على فرع في ا لحرم أصله في الحل ضمنه وبهذا قال الثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى لا جزاء عليه في جميع ذلك لأن القاتل حلال في الحل وهذا لا يصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ينفر صيدها ولم يفرق بين من هو في الحل والحرم وقد أجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم وهذا من صيده ولأن صيد الحرم معصوم بمحله بحرمة الحرم فلا يختص تحريمه بمن في الحرم وكذلك الحكم إن أمسك طائرا في الحل فهلك فراخه في الحرم ضمن الفراخ لما ذكرنا ولا يضمن الأم لأنها من صيد الحل وهو حلال
وإن انعكست الحال فرمى من الحرم صيدا في الحل أو أرسل كلبه عليه أو قتل صيدا على غصن في الحل أصله في الحرم أو أمسك حمامة في الحرم فهلك فراخها في الحل فلا ضمان عليه كما في الحال قال أحمد فيمن أرسل كلبه في الحرم فصاد في الحل فلا شيء عليه وحكي عنه رواية أخرى في جميع الصور يضمن وعن الشافعي ما يدل عليه وذهب الثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر فيمن قتل طائرا على غصن في الحل أصله في الحرم لا جزاء عليه وهو ظاهر قول أصحاب الرأي وقال ابن الماجشون وإسحاق عليه الجزاء لأن الغصن تابع للأصل وهو في الحرم ولنا إن الأصل حل الصيد فحرم صيد الحرم بقوله عليه السلام لا ينفر صيدها وبالإجماع فبقي ما عداه على الأصل ولأنه صيد حل صاده حلال فلم يحرم كما لو كانا في الحل ولأن الجزاء إنما يجب في صيد الحرم أو صيد المحرم وليس هذا بواحد منهما فصل فإن كان الصيد والصائد في الحل فرمى الصيد بسهمه أو أرسل عليه كلبه فدخل الحرم ثم خرج فقتل الصيد في الحل فلا جزاء عليه وبهذا قال أصحاب الرأي وأبو ثور وابن المنذر وحكى أبو ثور عن الشافعي أن عليه الجزاء ولنا ما ذكرناه قال القاضي لا يزيد سهمه على نفسه ولو عدا بنفسه فسلك الحرم في طريقه ثم قتل صيدا في الحل لم يكن عليه شيء فسهمه أولى فصل وإن رمى من الحل صيدا في الحل فقتل صيدا في الحرم فعليه جزاؤه وبهذا قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وقال أبو ثور لا جزاء عليه وليس بصحيح لأنه قتل صيدا حرميا فلزمه جزاؤه كما لو رمى حجرا في الحرم فقتل صيدا يحققه أن الخطأ كالعمد في وجوب الجزاء وهذا لا يخرج عن كونه واحدا منهما فأما إن أرسل كلبه على صيد في الحل فدخل الكلب الحرم فقتل صيدا آخر لم يضمنه وهذا قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور ابن المنذر لأنه لم يرسل الكلب على ذلك الصيد وإنما دخل باختيار نفسه فهو كما لو استرسل بنفسه من غير إرسال وإن أرسله على صيد فدخل الصيد الحرم ودخل الكلب خلفه فقتله في الحرم فكذلك نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر وقال عطاء وأبو حنيفة وصاحباه عليه الجزاء لأنه قتل صيدا حرميا بإرسال كلبه عليه فضمنه كما لو قتله بسهمه واختاره أبو بكر عبد العزيز وحكى صالح عن أحمد أنه قال إن كان الصيد قريبا من الحرم ضمنه لأنه فرط بإرساله في موضع يظهر أنه يدخل الحرم وإن كان بعيدا لم يضمن لعدم التفريط وهذا قول مالك ولنا إنه أرسل الكلب على صيد مباح فلم يضمن كما لو قتل صيدا سواه وفارق السهم لأن الكلب له قصد واختيار ولهذا يسترسل بنفسه ويرسله إلى جهة فيمضي إلى غيرها والسهم بخلافه إذا ثبت هذا فإنه لا يأكل الصيد في هذه المواضع كلها ضمنه أو لم يضمنه لأنه صيد حرمي قتل في الحرم فحرم كما لو ضمنه ولأننا إذا قطعنا فعل الآدمي صار كأن الكلب استرسل بنفسه فقتله ولكن لو رمى الحلال من الحل صيدا في الحل فجرحه وتحامل الصيد فدخل الحرم فمات فيه حل أكله ولا جزاء فيه لأن الزكاة حصلت في الحل فأشبه ما لو جرح صيدا ثم أحرم فمات الصيد بعد إحرامه ويكره أكله لموته في الحرم فصل وإن وقف صيد بعض قوائمه في الحل وبعضها في الحرم فقتله قاتل ضمنه تغليبا للحرم وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي وإن نفر صيدا من الحرم فأصابه شيء في حال نفوره ضمنه لأنه تسبب إلى إتلافه فأشبه ما لو تلف بشركه أو شبكته وإن سكن من نفوره ثم أصابه شيء فلا شيء على من نفره نص عليه أحمد وهو قول الثوري لأنه لم يكن سببا لإتلافه وقد روي عن عمر أنه وقعت على ردائه حمامة فأطارها
فوقعت على واقف فانتهزتها حية فاستشار في ذلك عثمان ونافع بن عبد الحارث فحكما عليه بشاة وهذا يدل على أنهم رأوا عليه الضمان بعد سكوته لكن لو انتقل عن المكان الثاني فأصابه شيء فلا ضمان عليه لأنه خرج عن المكان الذي طرد إليه وقول الثوري وأحمد إنما يدل على هذا لأن سفيان قال إذا طردت في الحرم شيئا فأصاب شيئا قبل أن يقع أو حين وقع ضمنت وإن وقع من ذلك المكان إلى مكان آخر فليس عليك شيء فقال أحمد جيد مسألة قال ( وكذلك شجره ونباته إلا الإذخر وما زرعه الإنسان ) أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم وإباحة أخذ الإذخر وما أنبته الآدمي من البقول والزروع والرياحين حكى ذلك ابن المنذر والأصل فيه ما روينا من حديث ابن عباس وروى أبو شريح وأبو هريرة نحوا من حديث ابن عباس وكلها متفق عليها وفي حديث أبي هريرة ألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها وفي حديث أبي شريح أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح قال إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة وروى الأثرم حديث أبي هريرة في سننه وفيه لا يعضد شجرها ولا يحتش حشيشها ولا يصاد صيدها فأما ما أنبته الآدمي من الشجر فقال أبو الخطاب وابن عقيل له قلعه من غير ضمان كالزرع وقال القاضي ما نبت في الحل ثم غرس في الحرم فلا جزاء فيه وما نبت أصله في الحرم ففيه الجزاء بكل حال وقال الشافعي في شجر الحرم الجزاء بكل حال أنبته الآدميون أو نبت بنفسه لعموم قوله عليه السلام لا يعضد شجرها ولأنها شجرة نابتة في الحرم أشبه ما لم ينبته الآدميون وقال أبوحنيفة لا جزاء فيما ينبت الآدميون جنسه كالجوز واللوز والنخل ونحوه ولا يجب فيما ينبته الآدمي من غيره كالدوح والسلم والعضاه لأن الحرم يختص تحريمه ما كان وحشيا من الصيد كذلك الشجر وقول الخرقي وما زرعه الإنسان يحتمل اختصاصه بالزرع دون الشجر فيكون كقول الشافعي ويحتمل أن يعم جميع ما يزرع فيدخل فيه الشجر ويحتمل أن يريد ما ينبت الآدميون جنسه والأولى الأخذ بعموم الحديث في تحريم الشجر كله بقوله عليه السلام لا يعضد شجرها إلا ما أنبته الآدمي من جنس شجرهم بالقياس على ما أنبتوه من الزرع والأهلي من الحيوان فإننا إنما أخرجنا من الصيد ما كان أصله إنسيا دون ما تأنس من الوحشي كذا ها هنا فصل ويحرم قطع الشوك والعوسج وقال القاضي وأبو الخطاب لا يحرم وروي ذلك عن عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي لأنه يؤذي بطبعه فأشبه السباع من الحيوان ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يعضد شجرها وفي حديث أبي هريرة لا يختلى شوكها وهذا صريح ولأن الغالب في شجر الحرم الشوك فلما حرم النبي صلى الله عليه وسلم قطع شجرها والشوك غالبه كان ظاهرا في تحريمه فصل ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش لأنه بمنزلة الميت ولا بقطع ما انكسر ولم يبن لأنه قد تلف فهو بمنزلة الظفر المنكسر ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي ولا ما سقط من الورق نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خفا لأن الخبر إنما ورد في القطع وهذا لم يقطع فأما إن قطعه آدمي فقال أحمد لم أسمع إذا قطع ينتفع به وقال في الدوحة تقلع من شبهه بالصيد لم ينتفع به كالصيد يذبحه المحرم ويحتمل أن يباح لغير القاطع الانتفاع به لأنه انقطع بغير فعله فأبيح له الانتفاع به كما لو قطعه حيوان بهيمي ويفارق الصيد الذي ذبحه لأن الذكاة تعتبر لها الأهلية ولهذا لا يحصل بفعل بهيمة بخلاف هذا فصل وليس له أخذ ورق الشجر وقال الشافعي له أخذه
لأنه لا يضر به وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشي به ولا ينزع من أصله ورخص فيه عمرو بن دينار ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يخبط شوكها ولا يعضد شجرها رواه مسلم ولأن ما حرم أخذه حرم كل شيء منه كريش الطائر وقولهم لا يضر به لا يصح فإنه يضعها وربما آل إلى تلفها فصل ويحرم قطع حشيش الحرم إلا ما استثناه الشرع من الإذخر وما أنبته الآدميون واليابس لقوله عليه السلام لا يختلى خلاها وفي لفظ لا يحتش حشيشها وفي استثناء النبي صلى الله عليه وسلم الإذخر دليل على تحريم ما عداه وفي جواز رعيه وجهان أحدهما لا يجوز وهو مذهب أبي حنيفة لأن ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد والثاني يجوز وهو مذهب عطاء والشافعي لأن الهدي كانت تدخل الحرم فتكثر فيه فلم ينقل أنه كانت تسد أفواهها ولأن بهم حاجة إلى ذلك أشبه قطع الإذخر فصل ويباح أخذ الكمأة من الحرم وكذلك الفقع لأنه لا أصل له فأشبه الثمرة وروى حنبل قال يؤكل من شجر الحرم الضغابيس والعشرق وما سقط من الشجر وما أنبت الناس فصل ويجب في إتلاف الشجر والحشيش الضمان وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء وقال مالك وأبو ثور وداود وابن المنذر لا يضمن لأن المحرم لا يضمنه في الحل فلا يضمن في الحرم كالزرع وقال ابن المنذر لا أجد دليلا أوجب به في شجر الحرم فرضا من كتاب ولا سنة ولا إجماع وأقول كما قال مالك نستغفر الله تعالى ولنا ما روى أبو هشيمة قال رأيت عمر بن الخطاب أمر بشجر كان في المسجد يضر بأهل الطواف فقطع وفدى قال وذكر البقرة رواه حنبل في المناسك وعن ابن عباس أنه قال في الدوحة بقرة وفي الجزلة شاة والدوحة الشجرة العظيمة والجزلة الصغيرة وعن عطاء نحوه ولأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم فكان مضمونا كالصيد ويخالف المحرم فإنه لا يمتنع من قطع شجر الحل ولا زرع الحرم إذا ثبت هذا فإنه يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة والصغيرة بشاة والحشيش بقيمته والغصن بما نقص وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي يضمن الكل بقيمته لأنه لا مقدر فيه فأشبه الحشيش ولنا قول ابن عباس وعطاء ولأنه أحد نوعي ما يحرم إتلافه فكان فيه ما يضمن بمقدر كالصيد فإن قطع غصنا أو حشيشا فاستخلف احتمل سقوط ضمانه كما إذا جرح صيدا فاندمل وأو قطع شعر آدمي فنبت واحتمل أن يضمنه لأن الثاني غير الأول فصل ومن قلع شجرة من الحرم فغرسها في مكان آخر فيبست ضمنها لأنه أتلفها وإن غرسها في مكان من الحرم فنبتت لم يضمنها لأنه لم يتلفها ولم يزل حرمتها وإن غرسها في الحل فنبتت فعليه ردها إليه لأنه أزال حرمتها فإن تعذر ردها أو ردها فيبست ضمنها وإن قلعها غيره من الحل فقال القاضي الضمان على الثاني لأنه المتلف لها فإن قيل فلم لا يجب على المخرج كالصيد إذا نفره من الحرم فقتله إنسان في الحل فإن الضمان على المنفر قلنا الشجر لا ينتقل بنفسه ولا تزول حرمته بإخراجه ولهذا وجب على قالعه رده والصيد يكون في الحرم تارة وفي الحل أخرى فمن نفره فقد فوت حرمته فلزمه جزاؤه وهذا لم يفوت حرمته بالإخراج فكان الجزاء على متلفه لأنه أتلف شجرا حرميا محرما إتلافه فصل وإذا كانت شجرة في الحرم وغصنها في الحل فعلى قاطعه الضمان لأنه تابع لأصله وإن كانت في الحل وغصنها في الحرم فقطعه ففيه وجهان أحدهما لا ضمان فيه وهو قول القاضي أبي يعلى لأنه تابع لأصوله كالتي قبلها والثاني يضمنه اختاره ابن أبي موسى لأنه في الحرم فإن كان بعض الأصل في الحل وبعضه في الحرم ضمن الغصن بكل حال سواء كان في الحل أو في الحرم تغليبا لحرمة الحرم كما لو وقف صيد بعض قوائمه في الحل وبعضها في الحرم
فصل ويحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يحرم لأنه لو كان محرما لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ولوجب فيه الجزاء كصيد الحرم ولنا ما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المدينة حرم ما بني ثور إلى عير متفق عليه وروى تحريم المدينة أبو هريرة ورافع وعبد الله بن زيد متفق على أحاديثهم ورواه مسلم عن سعد وجابر وأنس وهذا يدل على تعميم البيان وليس هو في الدرجة دون أخبار تحريم الحرم وقد قبلوه وأثبتوا أحكامه على أنه ليس بممتنع أن يبينه بيانا خاصا أو يبينه بيانا عاما فينقل نقلا خاصا كصفة الأذان والوتر والإقامة فصل وحرم المدينة ما بين لابتيها لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها حرام وكان أبو هريرة يقول لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها متفق عليه واللابة الحرة وهي أرض فيها حجارة سود قال أحمد ما بين لابتيها حرام بريد في بريد كذا فسره مالك بن أنس وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل حول المدينة اثني عشر ميلا حمى رواه مسلم فأما قوله ما بين ثور إلى عير فقال أهل العلم بالمدينة لا نعرف بها ثورا ولا عيرا وإنما هما جبلان بمكة فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد قدر ما بين ثور وعير ويحتمل أنه أراد جبلين بالمدينة وسماهما ثورا وعيرا تجوزا فصل فمن فعل مما حرم عليه شيئا ففيه روايتان إحداهما لا جزاء فيه وهذا قول أكثر أهل العلم وهو قول مالك والشافعي في الجديد لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فلم يجب فيه جزاء كصيد وج والثاني يجب فيه الجزاء وروي ذلك عن ابن أبي ذئب وهو قول الشافعي في القديم وابن المنذر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني أحرم المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة ونهى أن يعضد شجرها ويؤخذ طيرها فوجب في هذا الحرم الجزاء كما وجب في ذلك إذ لم يظهر بينهما فرق وجزاؤه إباحة سلب القاتل لمن أخذه لما روى مسلم بإسناده عن عامر بن سعد أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءأهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم فقال معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يرد عليهم وعن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أخذ أحدا بصيد فيه فليسلبه رواه أبو داود فعلى هذا يباح لمن وجد آخذ الصيد أو قاتله أو قاطع الشجر سلبه وهو أخذ ثيابه حتى سراويله فإن كان على دابة لم يملك أخذها لأن الدابة ليست من السلب وإنما أخذها قاتل الكافر في الجهاد لأنه يستعان بها على الحرب بخلاف مسألتنا وإن لم يسلبه أحد فلا شيء عليه سوى الاستغفار والتوبة فصل ويفارق حرم المدينة حرم مكة في شيئين أحدهما أنه يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف لما روى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم المدينة قالوا يا رسول الله إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا فرخص لنا فقال القائمتان والوسادة والعارضة والمسند فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء قال إسماعيل بن أبي أويس قال خارجة المسند مرود البكرة
فاستثنى ذلك وجعله مباحا كاستثناء الأدخر بمكة وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن يهش هشا رفيقا رواهما أبو داود ولأن المدينة يقرب منها شجر وزرع فلو منعنا من احتشاشها مع الحاجة أفضى إلى الضرر بخلاف مكة الثاني أن من صاد صيدا خارج المدينة ثم أدخله إليها لم يلزمه إرساله نص عليه أحمد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول يا أبا عمير ما فعل النغير وهو طائر صغير فظاهر هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة إذ لم ينكر ذلك وحرمة مكة أعظم من حرمة المدينة بدليل أنه لا يدخلها إلا محرم فصل صيد وج وشجره مباح وهو واد بالطائف وقال أصحاب الشافعي هو محرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال صيد وجد وعضاها محرم رواه أحمد في المسند ولنا الأصل الإباحة والحديث ضعيف ضعفه أحمد ذكره أبو بكر الخلال في كتاب العلل مسألة قال ( وإن حصر بعدو نحر ما معه من الهدي وحل ) أجمع أهل العلم على أن المحرم إذا حصره عدو من المشركين أو غيرهم فمنعوه الوصول إلى البيت ولم يجد طريقا آمنا فله التحلل وقد نص الله تعالى عليه بقوله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي البقرة 196 وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم حصروا في الحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا وسواء كان الإحرام بحج أو عمرة أو بهما في قول إمامنا وأبي حنيفة والشافعي وحكي عن مالك أن المعتمر لا يتحلل لأنه لا يخاف الفوات وليس بصحيح لأن الآية إنما نزلت في حصر الحديبية وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محرمين بعمرة فحلوا جميعا وعلى من تحلل بالإحصار الهدي في قول أكثر أهل العلم وحكي عن مالك ليس عليه هدي لأنه تحلل أبيح من غير تفريط أشبه من أتم حجه وليس بصحيح لأن الله تعالى قال فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي البقرة 196 قال الشافعي لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية ولأنه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه فكان عليه الهدي كالذي فاته الحج وبهذا فارق من أتم حجه فصل ولا فرق بين الحصر العام في حق الحاج كله وبين الخاص في حق شخص واحد مثل أن يحبس بغير حق أو أخذته اللصوص وحده لعموم النص ووجود المعنى في الكل فأما من حبس بحق عليه يمكنه الخروج منه لم يكن له التحلل لأنه لا عذر له في الحبس وإن كان معسرا به عاجزا عن آدائه فحبسه بغير حق فله التحلل كمن ذكرنا وإن كان عليه دين مؤجل يحل قبل قدوم الحاج فمنعه صاحبه من الحج فله التحلل أيضا لأنه معذور ولو أحرم العبد بغير إذن سيده أو المرأة للتطوع بغير إذن زوجها فلهما منعهما وحكمهما حكم المحضر فصل فإن أمكن المحصر الوصول من طريق أخرى لم يبح له التحلل ولزمه سلوكها بعدت أو قربت خشي الفوات أو لم يخشه فإن كان محرما بعمرة لم يفت وإن كان يحج ففاته تحلل بعمرة وكذا لو لم يتحلل المحصر حتى خلي عنه لزمه السعي وإن كان بعد فوات الحج ليتحلل بعمرة ثم هل يلزمه القضاء إن فاته الحج فيه روايتان إحداهما يلزمه كمن فاته بخطأ الطريق والثانية لا تجب لأن سبب الفوات الحصر أشبه من لم يجد طريقا بخلاف المخطىء فصل فأما من لم يجد طريقا أخرى فتحلل فلا قضاء عليه إلا أن يكون واجبا بفعله بالوجوب السابق في الصحيح من المذهب وبه قال مالك والشافعي وعن أحمد أن عليه القضاء روي ذلك عن مجاهد وعكرمة والشعبي وبه قال أبو حنيفة