İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وتكون في يد المشتري الثاني مستثناة أيضا فإن كان عالما بذلك فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة فلم يثبت له خيار كما لو اشترى معيبا يعلم عيبه فإن لم يعلم فله خيار الفسخ لأنه عيب فهو كما لو اشترى أمة مزوجة أو دارا مؤجرة وإن أتلف المشتري العين فعليه أجر المثل لتفويت المنفعة المستحقة لغيره وثمن المبيع وإن تلفت العين بتفريطه فهو كتلفها بفعله نص عليه أحمد وقال يرجع البائع على المبتاع بأجرة المثل قال القاضي معناه عندي القدر الذي نقصه البائع لأجل الشرط وظاهر كلام أحمد خلاف هذا لأنه يضمن ما فات بتفريطه فضمنه بعوضه وهو أجرة المثل فأما إن تلفت بغير فعله ولا بتفريطه لم يضمن قال الأثرم قلت لأبي عبد الله فعلى المشتري أن يحمله على غيره لأنه كان له حملان قال لا إنما شرط هذا عليه بعينه ولأنه لم يملكها البائع من جهته فلم يلزمه عوضها كما لو تلفت النخلة المؤبرة بثمرتها المؤبرة إذا اشترط البائع ثمرتها وكما لو باع حائطا واستثنى منه شجرة بعينها فتلفت وقال القاضي عليه ضمانها أخذا من عموم كلام أحمد وإذا تلفت العين رجع البائع على المبتاع بأجرة المثل وهو محمول على حالة التفريط على ما ذكرنا فصل وإذا اشترط البائع منفعة المبيع وأراد المشتري أن يعطيه ما يقوم مقام المبيع في المنفعة أو يعوضه عنها لم يلزمه قبوله وله استيفاء المنفعة من غير المبيع نص عليه أحمد لأن حقه تعلق بها فأشبه ما لو استأجر عينا فبذل له الآخر مثلها ولأن البائع قد يكون له غرض في استيفاء منافع تلك العين فلا يجبر على قبول عوضها فإن تراضيا على ذلك جاز لأن الحق لهما ولا يخرج عنهما وإن أراد البائع إعارة العين أو إجارتها لمن يقوم مقامه فله ذلك في قياس المذهب لأنها منافع مستحقة له فملك ذلك فيها كمنافع الدار المستأجرة والموصى بمنافعها ولا يجوز إجارتها إلا لمثله في الإنتفاع فإن أراد إجارتها أو إعارتها لمن يضر بالعين بانتفاعه لم يجز ذلك كما لا يجوز له إجارة العين المستأجرة لمن لا يقوم مقامه ذكر ذلك ابن عقيل فصل إذا اشترط المشتري منفعة البائع في المبيع فأقام البائع مقامه من يعمل العمل فله ذلك لأنه هاهنا بمنزلة الأجير المشترك يجوز أن يعمل العمل نفسه وبمن يقوم مقامه وإن أراد بذل العوض عن ذلك لم يلزم المشتري قبوله وإن أراد المشتري أخذ العوض عنه لم يلزم البائع بدله لأن المعاوضة عقد تراض فلم يجبر عليه أحد وإن تراضيا عليه احتمل الجواز لأنها منفعة يجوز أخذ العوض عنها لو لم يشترطها فإذا ملكها المشتري جاز له أخذ العوض عنها كما لو استأجرها وكما يجوز أن يؤجر المنافع الموصى بها من ورثة الموصي ويحتمل أن لا يجوز لأنه مشترط بحكم العادة والاستحسان لأجل الحاجة فلم يجز أخذ العوض عنه كالقرض فإنه يجوز أن يرد في الخبز والخمير أقل أو أكثر ولو أراد أن يأخذ بقدر خبزه وكسره بقدر الزيادة الجائزة لم يجز ولأنه أخذ عوض عن مرفق معتاد جرت العادة بالعفو عنه دون أخذ العوض فأشبه المنافع المستثناة شرعا وهو ما لو باع أرضا فيها زرع للبائع واستحق تبقيته إلى حين الحصاد فلو أخذه قصيلا لينتفع بالأرض إلى وقت الحصاد لم يكن له ذلك فصل ولو قال بعتك هذه الدار وأجرتكها شهرا لم يصح لأنه إذا باعه فقد ملك المشتري المنافع فإذا أجره إياها فقد شرط أن يكون له بدل في مقابلة ما ملكه المشتري فلم يصح قال ابن عقيل وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان ومعناه أن يستأجر طحانا ليطحن له كراء بقفيز منه فيصير كأنه شرط عمله في القفيز عوضا عن عمله في باقي الكراء المطحون ويحتمل الجواز بناء على اشتراط منفعة البائع في المبيع فصل وإن شرط في المبيع إن هو باعه فالبائع أحق به بالثمن
فروى المروذي عنه أنه قال في معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا شرطان في بيع يعني أنه فاسد لأنه شرط أن يبيعه إياه وأن يعطيه إياه بالثمن الأول فهما شرطان في بيع نهي عنهما ولأنه ينافي مقتضى العقد لأنه شرط أن لا يبيعه لغيره إذا أعطاه ثمنه فهو كما لو شرط أن لا يبيعه إلا من فلان أو أن لا يبيعه أصلا وروى عنه إسماعيل بن سعيد البيع جائز لما روي عن ابن مسعود أنه قال ابتعت من امرأتي زينب الثقفية جارية وشرطت لها إن بعتها فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به فذكرت ذلك لعمر فقال تقربها ولأحد فيها شرط قال إسماعيل فذكرت لأحمد الحديث فقال البيع حائز ولا تقربها لأنه كان فيها شرط واحد للمرأة ولم يقل عمر في ذلك البيع فاسد فحمل الحديث على ظاهره وأخذ به وقد اتفق عمر وابن مسعود على صحته والقياس يقتضي فساده ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في رواية المروذي على فساد الشرط وفي رواية إسماعيل بن سعيد على جواز البيع فيكون البيع صحيحا والشرط فاسدا كما لو اشتراها بشرط أن لا يبيعها وقول أحمد لا تقربها قد روي مثله فيمن اشترط في الأمة أن لا يبيعها ولا يهبها أو شرط عليه ولاءها ولا يقربها والبيع جائز واحتج بحديث عمر لا تقربها ولأحد فيها مثنوية قال القاضي وهذا على الكراهة لا على التحريم قال ابن عقيل عندي أنه إنما منع من الوطء لمكان الخلاف في العقد لكونه يفسد بفساد الشرط في بعض المذاهب مسألة قال ( وإذا باع حائطا واستثنى منه صاعا لم يجز وإن استثنى منه نخلة أو شجرة بعينها جاز ) الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما أنه إذا باع ثمرة بستان واستثنى صاعا أو آصعا أو مدا أو أمدادا أو باع صبرة واستثنى منها مثل ذلك لم يجز وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والشافعي والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه يجوز وهو قول ابن سيرين وسالم بن عبد الله ومالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثنيا إلا أن تعلم رواه الترمذي وقال هو حديث حسن صحيح وهذه ثنيا معلومة ولأنه استثنى معلوما أشبه ما إذا استثنى منها جزءا ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا رواه البخاري ولأن المبيع معلوم بالمشاهدة لا بالقدرة والاستثناء بغير حكم المشاهدة لأنه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة فلم يجز ويخالف الجزء فإنه لا يغير حكم المشاهدة ولا يمنع المعرفة بها فصل وإن باع شجرة أو نخلة واستثنى أرطالا معلومة فالحكم فيه كما لو باع حائطا واستثنى آصعا وقال القاضي في شرحه يصح لأن الصحابة رضي الله عنهم أجازوا استثناء سواقط الشاة والصحيح ما ذكرناه وهذا أشبه بمسألة الصاع من الحائط وإليها أقرب والمعنى الذي ذكرناه فيها متحقق هاهنا فلا يصح والله أعلم الفصل الثاني أنه إذا استثنى نخلة أو شجرة بعينها جاز ولا نعلم في ذلك خلافا وذلك لأن المستثنى معلوم ولا يؤدي إلى جهالة المستثنى منه وإن استثنى شجرة غير معينة لم يجز لأن الاستثناء غير معلوم فصار المبيع والمستثنى مجهولين وروي عن ابن عمر أنه باع ثمرته بأربعة آلاف واستثنى طعام القيان وهذا يحتمل أنه استثنى نخلا معينا بقدر طعام القيان لأنه لو حمل على غير ذلك مخالفا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الثنيا إلا أن تعلم ولأن المستثنى متى كان مجهولا لزم أن يكون الباقي بعده مجهولا فلا يصح بيعه كما لو قال بعتك من هذه الثمرة طعام القيان فصل وإن استثنى جزءا معلوما من الصبرة أو الحائط مشاعا كثلث أو ربع أو أجزاء كسبعين أو ثلاثة أثمان صح البيع والاستثناء ذكره أصحابنا وهو مذهب الشافعي وقال أبو بكر وابن أبي موسى لا يجوز ولنا إنه لا يؤدي إلى الجهالة المستثنى ولا المستثنى منه فصح كما لو اشترى شجرة بعينها
وذلك لأن معنى بعتك هذه الصبرة إلا ثلثها أي بعتك ثلثيها وقوله إلا ربعها معناه بعتك ثلاثة أرباعها ولو باع حيوانا واستثنى ثلثه جاز وكان معناه بعتك ثلثيه ومنع منه القاضي أبو يعلى قياسا على استثناء الشحم ولا يصح لأن الشحم مجهول لا يصح إفراده بالبيع وهذا معلوم ويصح إفراده بالبيع فصح استثناؤه كالشجرة المعينة وقياس المعلوم على المجهول في الفساد لا يصح فعلى هذا يصيران شريكين فيه للمشتري ثلثاه وللبائع ثلثه فصل فإن قال بعتك قفيزا من هذه الصبرة إلا مكوكا جاز لأن القفيز معلوم والمكوك معلوم فلا يفضي إلى الجهالة ولو قال بعتك هذه الثمرة بأربعة دراهم إلا بقدر درهم صح لأن قدره معلوم من البيع وهو الربع فكأنه قال بعتك ثلاثة أرباع هذه الثمرة بأربعة دراهم ولو قال إلا ما يساوي درهما لم يصح لأن ما يساوي الدرهم قد يكون الربع أو أكثر أو أقل فيكون مجهولا فيبطل فصل وإن باع قطيعا واستثنى منه شاة بعينها صح وإن استثنى شاة غير معينة لم يصح نص عليه وهذا قول أكثر أهل العلم وقال مالك يصح أن يبيع مائة شاة إلا شاة يختارها أو يبيع ثمرة حائطه ويستثني ثمرة نخلات بعدها ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم ونهى عن بيع الغرر ولأنه مبيع مجهول والمستثنى منه مجهول فلم يصح كما لو قال إلا شاة مطلقة ولأنه مبيع مجهول فلم يصح كما لو قال بعتك شاة تختارها من القطيع وضابط هذا الباب أنه لا يصح استثناء ما لا يصح بيعه مفردا أو بيع ما عداه منفردا عن المستثنى ونحو هذا مذهب أبي حنيفة والشافعي إلا أن أصحابنا استثنوا من هذا سواقط الشاة وجلدها للأثر الوارد فيه والحمل على رواية الجواز لفعل ابن عمر وما عدا هذا فيبقى على الأصل فصل وإن باع حيوانا مأكولا واستثنى رأسه وجلده وأطرافه وسواقطه صح نص عليه أحمد وقال مالك يصح في السفر دون الحضر لأن المسافر لا يمكنه الإنتفاع بالجلد والسواقط فجوز له شراء اللحم دونها وقال أبو حنيفة والشافعي ولا يجوز لأنه لا يجوز إفراده بالعقد فلم يجز استثناؤه كالحمل ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم وهذه معلومة وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مروا براعي غنم فذهب أبو بكر وعامر فاشتريا منه شاة وشرطا له سلبها وروى أبو بكر في الشافي بإسناده عن جابر عن الشعبي قال قضى زيد بن ثابت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقرة باعها رجل واشترط رأسها فقضى بالشروى يعني أن يعطي رأسا مثل رأس ولأن المستثنى والمستثنى منه معلومان فصح كما لو باع حائطا واستثنى منه نخلة معينة وكونه لا يجوز إفراده بالبيع يبطل بالثمرة قبل التأبير لا يجوز إفرادها بالبيع بشرط التبقية ويجوز استثناؤها والحمل مجهول ولنا فيه منع فإن امتنع المشتري من ذبحها لم يجبر عليه ويلزمه قيمة ذلك على التقريب نص عليه لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قضى في رجل اشترى ناقة وشرط ثنياها فقال اذهبوا إلى السوق فإذا بلغت أقصى ثمنها فأعطوه حساب ثنياها من ثمنها فصل فإن استثنى شحم الحيوان لم يصح نص عليه أحمد قال أبو بكر لا يختلفون عن أبي عبد الله أنه لا يجوز ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم ولأنه مجهول لا يصح إفراده بالبيع فلم يصح استثناؤه كفخذها وإن استثنى الحمل لم يصح استثناؤه لذلك وهذا قول أبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي وقد نقل عن أحمد صحته وبه قال الحسن والنخعي وإسحاق وأبو ثور لما روى نافع عن ابن عمر أنه باع جارية واستثنى ما في بطنها ولأنه يصح استثناؤه في العتق فصح في البيع قياسا عليه ولنا ما تقدم
والصحيح من حديث ابن عمر أنه أعتق جارية واستثنى ما في بطنها لأن الثقات الحفاظ حدثوا الحديث فقالوا أعتق جارية والإسناد واحد قاله أبو بكر ولا يلزم من الصحة في العتق الصحة في البيع لأن العتق لا تمنعه الجهالة ولا العجز عن التسليم ولا يعتبر فيه شروط البيع فصل وإن باع جارية حاملا بحر فقال القاضي لا يصح وهو مذهب الشافعي لأنه لا يدخل في البيع فكأنه مستثنى والأولى صحته لأن المبيع معلوم وجهالة الحمل لا تضر من حيث إنه ليس بمبيع ولا مستثنى باللفظ وقد يستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه باللفظ كما لو باع أمة مزوجة صح ووقعت منفعة البضع مستثناة بالشرع ولو استثناها باللفظ لم يجز ولو باع أرضا فيها زرع للبائع أو نخلة مؤبرة لوقعت منفعتها مستثناة مدة بقاء الزرع والثمرة ولولا استثناها بقوله لم يجز فصل ولو باع دارا إلا ذراعا وهما يعلمان ذرعان الدار جاز وكان مستثنيا جزءا مشاعا منها لأنه جزء معلوم يصح إفراده بالبيع فجاز استثناؤه كثلثها وربعها وإن لم يعلما لم يجز لأنه مجهول لا يجوز إفراده بالبيع ولأنه استثنى معلوم المقدار من مبيع معلوم بالمشاهدة فلم يجز كاستثناء الصاع من ثمرة الحائط والقفيز من الصبرة وهكذا الحكم إذا باعه ضيعة إلا جريبا فمتى علم جربان الضيعة صح وإلا فلا فصل وإذا باع سمسما واستثنى الكسب لم يجز لأنه قد باعه الشيرج في الحقيقة وهو غير معلوم فإنه غير معين ولا موصوف ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم وكذا لو باعه قطنا واستثنى الحب لم يجز لجهالة ذلك ولأن المستثنى غير معلوم ولو باعه السمسم واستثنى الشيرج لم يجز كذلك فصل ولو باعه بدينار إلا درهما أو إلا قفيزا من حنطة أو شعير لم يصح البيع لأنه قصد رفع قدر المستثنى منه وقدر ذلك مجهول فيصير الثمن مجهولا مسألة قال ( وإذا اشترى الثمرة دون الأصل فتلفت بجائحة من السماء رجع بها على البائع ) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة الأول أن ما تهلكه الجائحة من الثمار من ضمان البائع وبهذا قال أكثر أهل المدينة منهم يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك وأبو عبيد وجماعة من أهل الحديث وبه قال الشافعي في القديم وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد هو من ضمان المشتري لما روي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتها الجائحة فسألته أن يضع عنه فتألى أن لا يفعل فقال النبي صلى الله عليه وسلم تألى فلان أن لا يفعل خيرا متفق عليه ولو كان واجبا لأجبره عليه لأن التخلية يتعلق بها جواز التصرف فتعلق بها الضمان كالنقل والتحويل ولأنه لا يضمنه إذا أتلفه آدمي كذلك لا يضمنه بإتلاف غيره ولنا ما روى مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا لم تأخذ مال أخيك بغير حق رواه مسلم وأبو داود ولفظه من باع ثمرا فأصابته جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئا علام يأخذ أحدكم من مال أخيه المسلم وهذا صريح في الحكم فلا يعدل عنه قال الشافعي لم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح ولو ثبت لم أعده ولو كنت قائلا بوضعها لوضعتها في القليل والكثير قلنا الحديث ثابت رواه الأئمة منهم الإمام أحمد ويحيى بن معين وعلي بن حرب وغيرهم عن ابن عيينة عن حميد الأعرج عن سليمان بن عتيق عن جابر ورواه مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه وابن ماجة وغيرهم ولا حجة لهم في حديثهم فإن فعل الواجب خير فإذا تألى أن لا يفعل الواجب فقد تألى ألا تفعل خيرا
فأما الإجبار فلا يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد قول المدعي من غير إقرار من البائع ولا حضور ولأن التخلية ليست بقبض تام بدليل ما لو تلفت بعطش عند بعضهم ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض بدليل المنافع في الإجارة يباح التصرف فيها ولو تلفت كانت من ضمان المؤجر كذلك الثمرة فإنها في شجرها كالمنافع قبل استيفائها توجد حالا لحالا وقياسهم يبطل بالتخلية في الإجارة الفصل الثاني أن الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها كالريح والبرد والجراد والعطش لما روى الساجي بإسناده عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الجائحة والجائحة تكون في البرد والجراد وفي الحبق والسيل وفي الريح وهذا تفسير من الراوي لكلام النبي صلى الله عليه وسلم فيجب الرجوع إليه وأما ما كان بفعل آدمي فقال القاضي المشتري بالخيار بين فسخ العقد ومطالبة البائع بالثمن وبين البقاء عليه ومطالبة الجاني بالقيمة لأنه أمكن الرجوع ببدله بخلاف التالف بالجائحة الفصل الثالث أن ظاهر المذهب أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله كالشيء اليسير الذي لا ينضبط فلا يلتفت إليه قال أحمد إني لا أقول في عشرة ثمرات ولا عشرين ثمرة ولا أدري ما الثلث ولكن إذا كانت جائحة تعرف الثلث أو الربع أو الخمس توضع وفيه رواية أخرى أن ما كان بعد دون الثلث فهو ضمان المشتري وهو مذهب مالك والشافعي في القديم لأنه لا بد أن يأكل الطير منها وتنثر الريح ويسقط منها فلم يكن بد من ضابط واحد فاصل بين ذلك وبين الجائحة والثلث قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع منها الوصية وعطايا المريض وتساوي جراح المرأة وجراح الرجل إلى الثلث قال الأثرم قال أحمد إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة ولأن الثلث في حد الكثرة وما دونه في حد القلة بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الوصية الثلث والثلث كثير فيدل هذا على أنه آخر حد الكثرة فلهذا قدر به ووجه الأول عموم الأحاديث فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح وما دون الثلث داخل فيه فيجب وضعه ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها فكان ما تلف منها من مال البائع وإن كان قليلا كالتي على وجه الأرض وما أكله أو سقط لا يؤثر في العادة ولا يسمى جائحة فلا يدخل في الخبر ولا يمكن التحرز منه فهو معلوم الوجود بحكم العادة فكأنه مشروط إذا ثبت هذا فإنه إذا تلف شيء له قدر خارج عن العادة وضع من الثمن بقدر الذاهب فإن تلف الجميع بطل العقد ويرجع المشتري بجميع الثمن وأما على الرواية الأخرى فإنه يعتبر ثلث المبلغ وقيل ثلث القيمة فإن تلف الجميع أو أكثر من الثلث رجع بقيمة التلف كله من الثمن وإذا اختلفا في الجائحة أو قدر ما أتلف فالقول قول البائع لأن الأصل السلامة ولأنه غارم والقول في الأصول قول الغارم فصل فإن بلغت الثمرة أوان الجزاز فلم يجزها حتى اجتيحت فقال القاضي عندي لا يوضع عنه لأنه مفرط بترك النقل في وقته مع قدرته فكان الضمان عليه ولو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع فأمكنه قطعها فلم يقطعها حتى تلفت فهي من ضمانه لأن تلفها بتفريطه وإن تلفت قبل إمكان قطعها فهي من ضمان بائعها كالمسألة فيها فصل إذا استأجر أرضا فزرعها فتلف الزرع فلا شيء على المؤجر نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا لأن المعقود عليه منافع الأرض ولم تتلف وإنما تلف مال المستأجر فيها فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابا فتلفت الثياب فيها مسألة قال ( وإذا وقع البيع على مكيل أو على موزون أو معدود فتلف قبل قبضه فهو من مال البائع ) ظاهر كلام الخرقي أن المكيل والموزون والمعدود لا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه سواء كان متعينا كالصبرة أو غير متعين كقفيز منها وهو ظاهر كلام أحمد
ونحوه قول إسحاق وروي عن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب والحسن والحكم وحماد بن أبي سليمان أن كل ما بيع على الكيل والوزن لا يجوز بيعه قبل قبضه وما ليس بمكيل ولا موزون يجوز بيعه قبل قبضه وقال القاضي وأصحابه المراد بالمكيل والموزون والمعدود ما ليس بمتعين منه كالقفيز من صبرة والرطل من زبرة ومكيلة زيت من دن فأما المتعين فيدخل في ضمان المشتري كالصبرة يبيعها من غير تسمية كيل وقد نقل عن أحمد ما يدل على قولهم فإنه قال في رواية أبي الحارث في رجل اشترى طعاما فطلب من يحمله فرجع وقد احترق الطعام فهو من مال المشتري واستدل بحديث ابن عمر ما أدركت الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المشتري وذكر الجوزجاني عنه فيمن اشترى ما في السفينة صبرة ولم يسم كيلا فلا بأس أن يشرك فيها ويبيع ما شاء إلا أن يكون بينهما كيل فلا يولي حتى يكال عليه ونحو هذا قال مالك فإنه قال ما بيع من الطعام مكايلة أو موازنة لم يجز بيعه قبل قبضه وما بيع مجازفة أو بيع من غير الطعام مكايلة أو موازنة جاز بيعه قبل قبضه ووجه ذلك ما روى الأوزاعي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع عبد الله بن عمر يقول مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المبتاع رواه البخاري عن ابن عمر من قوله تعليقا وقول الصحابي مضت السنة يقتضي سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولأن المبيع المعين لا يتعلق به حق توفيته فكان من مال المشتري كغير المكيل والموزون ونقل عن أحمد أن المطعوم لا يجوز بيعه قبل قبضه سواء كان مكيلا أو موزونا أو لم يكن وهذا يقتضي أن الطعام خاصة لا يدخل في ضمان المشتري حتى يقبضه فإن الترمذي روى عن أحمد أنه أرخص في بيع ما لا يكال ولا يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب قبل قبضه وقال الأثرم سألت أبا عبد الله عن قوله نهى عن ربح ما لم يضمن قال هذا في الطعام وما أشبهه من مأكول أو مشروب فلا يبيعه حتى يقبضه قال ابن عبد البر الأصح عن أحمد بن حنبل أن الذي يمنع من بيعه قبل قبضه هو الطعام وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه فمفهومه إباحة بيع ما سواه قبل قبضه وروى ابن عمر قال رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم وهذا نص في بيع المعين وعموم قوله عليه السلام من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه متفق عليهما ولمسلم عن ابن عمر قال كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تبيعه حتى ننقله من مكانه وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاما فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه ولو دخل في ضمان المشتري جاز له بيعه والتصرف فيه كما بعد القبض وهذا يدل على تعميم المنع في كل طعام مع تنصيصه على المبيع مجازفة بالمنع وهو خلاف قول القاضي وأصحابه ويدل بمفهومه على أن ما عدا الطعام يخالفه في ذلك ووجه قول الخرقي أن الطعم المنهي عن بيعه قبل قبضه لا يكاد يخلو من كونه مكيلا أو موزونا أو معدودا فتعلق الحكم بذلك كتعلق ربا الفضل به ويحتمل أنه أراد المكيل والموزون والمعدود من الطعام الذي ورد النص بمنع بيعه وهذا أظهر دليلا وأحسن إذا ثبت هذا فإنه إن تلف المبيع من ذلك قبل قبضه بآفة سماوية بطل العقد ورجع المشتري بالثمن وإن تلف بفعل المشتري استقر الثمن عليه وكان كالقبض لأنه تصرف فيه وإن أتلفه أجنبي لم يبطل العقد على قياس قوله في الجائحة ويثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن لأن التلف حصل في يد البائع فهو كحدوث العيب في يده وبين البقاء على العقد ومطالبة المتلف بالمثل إن كان مثليا
وبهذا قال الشافعي ولا أعلم فيه مخالفا وإن أتلفه البائع فقال أصحابنا الحكم فيه كما لو أتلفه أجنبي لأنه أتلفه من يلزمه ضمانه فأشبه ما لو أتلفه أجنبي وقال الشافعي ينفسخ العقد ويرجع المشتري بالثمن لا غير لأنه تلف يضمنه به البائع فكان الرجوع عليه بالثمن كالتلف بفعل الله تعالى وفرق أصحابنا بينهما بكونه إذا تلف بفعل الله تعالى لم يوجد مقتض للضمان سوى حكم العقد بخلاف ما إذا أتلفه فإن إتلافه يقتضي الضمان بالمثل وحكم العقد يقتضي الضمان بالثمن فكان الخيرة إلى المشتري في التضمين بأيهما شاء فصل ولو تعيب في يد البائع أو تلف بعضه بأمر سماوي فالمشتري مخير بين قبوله ناقصا ولا شيء له وبين فسخ العقد والرجوع بالثمن لأنه إن رضيه معيبا فكأنه اشترى معيبا هو عالم بعيبه ولا يستحق شيئا من أجل العيب وإن فسخ العقد لم يكن له أكثر من الثمن لأنه لو تلف المبيع كله لم يكن له أكثر من الثمن فإذا تعيب أو تلف بعضه كان أولى وإن تعيب بفعل المشتري أو تلف بعضه لم يكن له فسخ لذلك لأنه أتلف ملكه فلم يرجع على غيره وإن كان ذلك بفعل البائع فقياس قول أصحابنا إن المشتري مخير بين الفسخ والرجوع بالثمن وبين أخذه والرجوع على البائع بعوض ما أتلف أو عيب وقياس قول الشافعي أن يكون بمنزلة ما لو تلف بفعل الله تعالى وإن كان بفعل أجنبي فله الخيار بين الفسخ والمطالبة بالثمن وبين أخذ المبيع ومطالبة المتلف بعوض ما أتلف فصل ولو باع شاة بشعير فأكلته قبل قبضه فإن كانت في يد المشتري فهو كما لو أتلفه وإن كانت في يد البائع فهو بمنزلة إتلافه له وكذلك إن كانت في يد أجنبي فهو كإتلافه فإن لم تكن في يد أحد انفسخ البيع لأن المبيع هلك قبل القبض بأمر لا ينسب إلى آدمي فهو كتلفه بفعل الله تعالى فصل ولو اشترى شاة أو عبدا أو شقصا بطعام فقبض الشاة أو العبد أو باعهما أو أخذ الشقص بالشفعة ثم تلف الطعام قبل قبضه انفسخ العقد الأول دون الثاني ولا يبطل الأخذ بالشفعة لأنه كمل قبل فسخ العقد ويرجع مشتري الطعام على مشتري الشاة والعبد والشقص بقيمة ذلك لتعذر رده وعلى الشفيع مثل الطعام لأنه عوض الشقص مسألة قال ( وما عداه فلا يحتاج فيه إلى قبض وإن تلف فهو من مال المشتري ) يعني ما عدا المكيل والموزون والمعدود فإنه يدخل في ضمان المشتري قبل قبضه وقال أبو حنيفة كل مبيع تلف قبل قبضه من ضمان البائع إلا العقار وقال الشافعي كل مبيع من ضمان البائع حتى يقبضه المشتري وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى كقوله لأن ابن عباس قال أرى كل شيء بمنزلة الطعام ولأن التسليم واجب على البائع لأنه في يده فإذا تعذر بتلفه انفسخ العقد كالمكيل والموزون والمعدود ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الخراج بالضمان وهذا المبيع نماؤه للمشتري فضمانه عليه وقول ابن عمر مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حبا مجموعا فهو من مال المبتاع ولأنه لا يتعلق به حق توفية وهو من ضمانه قبل قبضه فكان من ضمانة قبله كالميراث وتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه دليل على مخالفة غيره له فصل والمبيع بصفة أو رؤية متقدمة من ضمان البائع حتى يقبضه المبتاع لأنه يتعلق به حتى توفية فجرى مجرى المكيل والموزون قال أحمد لو اشترى من رجل عبدا بعينه فمات في يد البائع فهو من مال المشتري إلا أن يطلبه فيمنعه البائع فهو ضامن لقيمته حين عطب ولو حبسه ببقية الثمن فهو غاصب ولا يكون رهنا إلا أن يكون قد اشترط عليه في نفس الرهن فصل وقبض كل شيء بحسبه فإن كان مكيلا أو موزونا بيع كيلا أو وزنا فقبضه بكيله ووزنه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة التخلية في ذلك قبض وقد روى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز
لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل فكان قبضا له كالعقار ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل رواه البخاري وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري رواه ابن ماجة وهذا فيما بيع كيلا وإن بيع جزافا فقبضه نقله لأن ابن عمر قال كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه وفي لفظ كنا نبتاع الطعام جزافا فبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه الذي ابتعناه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه وفي لفظ كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله رواهن مسلم وهذا يبين أن الكيل إنما وجب فيما بيع بالكيل وقد دل على ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا سميت الكيل فكل رواه الأثرم وإن كان المبيع دراهم أو دنانير فقبضها باليد وإن كان ثيابا باليد فقبضها نقلها وإن كان حيوانا فقبضه تمشيته من مكانه وإن كان مما لا ينقل ويحول فقبضه التخلية بينه وبين مشتريه لا حائل دونه وقد ذكره الخرقي في باب الرهن فقال إن كان مما ينقل فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولا وإن كان لا ينقل فقبضه تخلية راهنة بينه وبين مرتهنه لا حائل دون ولأن القبض مطلق في الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحراز والتفرق والعادة في قبض هذه الأشياء ما ذكرنا فصل وأجرة الكيال والوزان في المكيل والموزون على البائع لأن عليه تقبيض المبيع للمشتري والقبض لا يحصل إلا بذلك فكان على البائع كما أن على بائع الثمرة سقيها وكذلك أجرة الذي يعد المعدودات وأما نقل المنقولات وما أشبهه فهو على المشتري لأنه لا يتعلق به حق توفية نص عليه أحمد فصل ويصح القبض قبل نقد الثمن وبعده باختيار البائع وبغير اختياره لأنه ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن ولأن التسليم من مقتضيات العقد فمتى وجد بعده وقع موقعه كقبض الثمن مسألة قال ( ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه لم يجز بيعه حتى يقبضه ) قد ذكرنا الذي لا يحتاج إلى قبض والخلاف فيه وكل ما يحتاج إلى قبض إذا اشتراه لم يجز بيعه حتى يقبضه لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه متفق عليه ولأنه من ضمان بائعه فلم يجز بيعه كالسلم ولم أعلم بين أهل العلم خلافا إلا ما حكى عن البتي أنه قال لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه وقال ابن عبد البر وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام وأظنه لم يبلغه هذا الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين ويروى مثل هذا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وسعيد بن المسيب والحكم وحماد والأوزاعي وإسحاق وعن أحمد رواية أخرى لا يجوز بيع شيء قبل قبضه اختارها ابن عقيل وروي ذلك عن ابن عباس وهذا قول أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة أجاز بيع العقار قبل قبضه واحتجوا ينهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه وبما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يجوزها التجار إلى رحالهم وروى عن ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء الصدقات حتى تقبض وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة قال انههم عن بيع ما لم يقبضوه وعن ربح ما لم يضمنوه ولأنه لم يتم الملك عليه فلم يجز بيعه كغير المتعين أو كالمكيل والموزون ولنا ما روى ابن عمر قال كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ بدل الدراهم الدنانير ونبيعها بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم
فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه وهو أحد العوضين وروى ابن عمر أنه كان على بكر صعب يعني لعمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بعنيه فقال هو لك يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت وهذا ظاهره التصرف في المبيع بالهبة قبل قبضه واشترى من جابر جمله ونقده ثمنه ثم وهبه إياه قبل قبضه ولأنه أحد نوعي المعقود عليه فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالمنافع في الإجارة فإنه يجوز له إجارة العين المستأجرة قبل قبض المنافع ولأنه مبيع لا يتعلق به حق توفية فصح بيعه كالمال في يد مودعه أو مضاربه فأما أحاديثهم فقد قيل لم يصح منها إلا حديث الطعام وهو حجة لنا بمفهومه فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه يدل على إباحة ذلك فيما سواه وقولهم لم يتم الملك عليه ممنوع فإن السبب المقتضي للملك متحقق وأكثر ما فيه تخلف القبض واليد ليست شرطا في صحة البيع بدليل جواز بيع المال المودع والموروث والتصرف في الصداق وعوض الخلع عند أبي حنيفة فصل وما لا يجوز بيعه قبل قبضه لا يجوز بيعه لبائعه لعموم الخبر فيه قال القاضي ولو ابتاع شيئا مما يحتاج إلى قبض فلقيه ببلد آخر لم يكن له مطالبته ولا أخذ بدله وإن تراضيا لأنه مبيع لم يقبض فإن كان مما لا يحتاج إلى قبض جاز أخذ البدل عنه وإن كان في سلم لم يجز أخذ البدل عنه لأنه أيضا لا يجوز بيعه فصل وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض لم يجز التصرف فيه قبل قبضه كالذي ذكرنا والأجرة وبدل الصلح إذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود وما لا ينفسخ العقد بهلاكه جاز التصرف فيه قل قبضه كعوض الخلع والعتق على مال وبدل الصلح عن دم العمد وأرش الجناية وقيمة المتلف لأن المطلق للتصرف الملك وقد وجد لكن ما يتوهم فيه غرر لانفساخ بهلاك المعقود عليه لم يجز بناء عقد آخر عليه تحرزا من الغرر وما لا يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع فجاز العقد عليه وهذا قول أبي حنيفة والمهر كذلك عند القاضي وهو قول أبي حنيفة لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه وقال الشافعي لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه ووافقه أبو الخطاب في غير المتعين لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول أو انفساخه بسبب من جهة المرأة أو نصفه بالطلاق أو انفساخه بسبب من غير جهتها وكذلك قال الشافعي في عوض الخلع وهذا التعليل باطل بما بعد القبض فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول وأما ما ملك بإرث أو وصية أو غنيمة وتعين ملكه فيه فإنه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه لأنه غير مضمون بعقد معاوضة فهو كالمبيع المقبوض وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ولا أعلم عن غيرهم خلافهم وإن كان لإنسان في يد غيره وديعة أو عارية أو مضاربة أو جعله وكيلا فيه جاز له بيعه ممن هو في يده ومن غيره لأنه عين مال مقدور على تسليمها لا يخشى انفساخ الملك فيها فجاز بيعها كالتي في يده وإن كان غصبا جاز بيعه ممن هو في يده لأنه مقبوض معه فأشبه بيع العارية ممن هي في يده وأما بيعه لغيره فإن كان عاجزا عن استنقاذه أو ظن أنه عاجز لم يصح شراؤه له لأنه معجوز عن تسليمه إليه فأشبه بيع الآبق والشارد وإن ظن أنه قادر على استنقاذه ممن هو في يده صح البيع لإمكان قبضه فإن عجز عن استنقاذه فله الخيار بين الفسخ والإمضاء لأن العقد صح لكونه مظنون القدرة على قبضه ويثبت له الفسخ للعجز عن القبض فأشبه ما لو باعه فرسا فشردت قل تسليمها أو غائبا بالصفة فعجز عن تسليمه
فصل وإن كان لزيد على رجل طعام من سلم وعليه لعمرو مثل ذلك الطعام سلما فقال زيد لعمرو اذهب فاقبض الطعام الذي لي من غريمي لنفسك ففعل لم يصح لأنه لا يجوز أن يقبضه قبل أن يقبضه وهل يصح لزيد على روايتين إحداهما يصح لأنه أذن له في القبض فأشبه قبض وكيله والثانية لا يصح لأنه لم يجعله نائبا له في القبض فلم يقع له بخلاف الوكيل فعلى الوجه الأول يصير ملكا لزيد وعلى الثاني يكون باقيا على ملك المسلم إليه ولو قال زيد لعمرو احضر اكتيالي منه لأقبضه لك ففعل لم يصح وهل يكون قابضا لنفسه على وجهين أولهما أنه يكون قابضا لنفسه لأن قبض المسلم فيه قد وجد من مستحقه فصح القبض له كما لو نوى القبض لنفسه فعلى هذا إذا قبضه لعمرو صح وإن قال خذه بهذا الكيل الذي قد شاهدته فأخذه به صح لأنه قد شاهد كيله وعلمه فلا معنى لإعتبار كيله مرة ثانية وعنه لا يجزىء وهو مذهب الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان وهذا داخل فيه ولأنه قبضه بغير كيل أشبه ما لو قبضه جزافا ولو قال زيد لعمرو احضرنا حتى أكتاله لنفسي ثم تكتاله أنت وفعلا صح بغير إشكال وإن اكتاله زيد لنفسه ثم أخذه عمرو بذلك الكيل الذي شاهده فعلى روايتين وإن تركه زيد في المكيال ودفعه إلى عمرو ليفرغه لنفسه صح وكان ذلك قبضا صحيحا لأن استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه ولا معنى لابتداء الكيل هاهنا إذ لا يحصل به زيادة علم وقال أصحاب الشافعي لا يصح لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان وهذا يمكن القول بموجبه وقبض المشتري له في المكيال جرى لصاعيه فيه ولو دفع زيد إلى عمرو دراهم فقال اشتر لك بها مثل الطعام الذي لك علي ففعل لم يصح لأن دراهم زيد لا يكون عوضها لعمرو فإن اشترى الطعام بعينها أو في ذمته فهو كتصرف الفضولي على ما تبين وإن قال اشتر لي بها طعاما ثم اقبضه لنفسك ففعل صح الشراء ولم يصح القبض لنفسه على ما تقدم في مثل هذه الصورة وإن قال اقبضه لنفسك ففعل جاز نص أحمد على نظير ذلك وهكذا جميع المسائل التي تقدمت إذا حصل الطعام في يد عمرو لزيد فأذن له أن يقبض من نفسه وقال أصحاب الشافعي لا يصح لأنه لا يجوز أن يكون قابضا لنفسه من نفسه ولنا إنه يجوز أن يشتري لنفسه من مال ولده ويقبض لنفسه من نفسه وكذلك لو وهب لولده الصغير شيئا جاز أن يقبل له من نفسه ويقبض منها فكذا هاهنا فصل وإن اشترى اثنان طعاما فقبضاه ثم باع أحدهما للآخر نصيبه قبل أن يقتسماه احتمل أن لا يجوز ذلك وهو قول الحسن وابن سيرين كرها أن يبيع الرجل من شريكه شيئا مما يكال أو يوزن قبل أن يقتسماه لأنه لم يقبض نصيبه منفردا فأشبه غير المقبوض ويحتمل الجواز لأنه مقبوض لهما يجوز بيعه لأجنبي فجاز بيعه لشريكه كسائر الأموال فإن تقاسماه وتفرقا ثم باع أحدهما نصيبه بذلك الكيل الذي كاله لم يجز كما لو اشترى من رجل طعاما فاكتاله وتفرقا ثم باعه إياه بذلك الكيل وإن لم يتفرقا خرج على الروايتين اللتين تقدمتا مسألة قال ( والشركة فيه والتولية والحوالة به كالبيع ) وجملته أن ما يحتاج إلى القبض لا تجوز الشركة فيه ولا توليته ولا الحوالة به قبل قبضه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يجوز هذا كله في الطعام قبل قبضه لأنها تختص بمثل الثمن الأول فجازت قبل القبض كالإقالة ولنا إن هذه أنواع بيع فتدخل في عموم النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفيه فإن الشركة بيع بعض المبيع بقسطه من ثمنه والتولية بيع جميعه بمثل ثمنه ولأنه تمليك لغير من هو في ذمته فأشبه فبيع وفارق الإقالة فإنها فسخ للبيع فأشبهت الرد بالعيب
وكذلك لا تصح هبته ولا رهنه ولا دفعه أجرة ولا ما أشبه ذلك من التصرفات المفتقرة إلى القبض لأنه غير مقبوض فلا سبيل إلى إقباضه فصل وأما التولية والشركة فيما يجوز بيعه فجائزان لأنهما نوعان من أنواع البيع وإنما اختصا بأسماء كما اختص بيع المرابحة والمواضعة بأسماء فإذا اشترى شيئا فقال له رجل أشركني في نصفه بنصف الثمن فقال أشركتك صح وصار مشتركا بينهما وإن قال ولني ما اشتريته بالثمن فقال وليتك صح إذا كان الثمن معلوما لهما فإن جهله أحدهما لم يصح كما لو باعه بالرقم ولو قال أشركني فيه أو قال الشركة فيه فقال أشركتك أو قال ولني ما اشتريت ولم يذكر الثمن صح إذا كان الثمن معلوما لأن الشركة تقتضي ابتياع جزء منه بقسطه من الثمن والتولية ابتياعه بمثل الثمن فإذا أطلق اسمه انصرف إليه كما لو قال أقلني فقال أقلتك وفي حديث عن زهرة بن معبد أنه كان يخرج به عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيتلقاه ابن عمر وابن الزبير فيقولان له أشركنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لك بالبركة فيشركهم فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل ذكره البخاري ولو اشترى شيئا فقال له رجل أشركني فأشركه انصرف إلى نصفه لأنها بإطلاقها تقتضي التسوية فإن اشترى اثنان عبدا فاشتركا فيه فقال لهما رجل أشركاني فيه فقالا أشركناك احتمل أن يكون له النصف لأن إشراكهما لو كان من كالواحد منهما منفردا كان له النصف فكذلك حال الإجتماع ويحتمل أن يكون له الثلث لأن الإشتراك يفيد التساوي ولا يحصل التساوي إلا بجعله بينهم أثلاثا وهذا أصح لأن إشراك الواحد إنما اقتضى النصف لحصول التسوية به وإن أشركه كل واحد منهما منفردا كان له النصف ولكل واحد منهما الربع وإن قال أشركاني فيه فأشركه أحدهما فعلى الوجه الأول يكون له نصف حصة الذي أشركه وهو الربع وعلى الآخر له السدس لأن طلب الشركة منهما يقتضي طلب ثلث ما في يد كل واحد منهما ليكون مساويا لهما فإذا أجابه أحدهما ثبت له الملك فيما طلب منه وإن قال له أحدهما أشركناك لتبني على تصرف الفضولي فإن قلنا يقف على الإجازة من صاحبه فأجازه فهل يثبت له الملك في نصفه أو في ثلثه على الوجهين ولو قال لأحدهما أشركني في نصف هذا العبد فأشركه فإن قلنا يقف على الإجازة من صاحبه فأجازه فله نصف العبد ولهما نصفه وإلا فله نصف حصة الذي أشركه وإن اشترى عبدا فلقيه رجل فقال أشركني في هذا العبد فقال قد أشركتك فله نصفه فإن لقيه آخر فقال أشركني في هذا العبد وكان عالما بشركة الأول فله ربع العبد وهو نصف حصة الذي شركه لأنه طلبه للإشراك رجع إلى ما ملكه المشارك وهو النصف فيكون بينهما وإن لم يعلم بشركة الأول فهو طالب لنصف العبد لإعتقاده أن العبد كله لهذا الذي طلب منه المشاركة فإذا قال له أشركتك فيه احتمل ثلاثة أوجه أحدها أن يصير له نصف العبد كله ولا يبقى للذي أشركه شيء لأنه طلب منه نصف العبد فأجابه إلى ذلك فصار كأنه قال بعني نصف هذا العبد فقال بعتك وهذا قول القاضي والثاني أن ينصرف قوله شركتك فيه إلى نصف نصيبه ونصف نصيب شريكه فينفذ في نصف نصيبه ويقف في الزائد على إجازة صاحبه على إحدى الروايتين لأن لفظ الشركة يقتضي بيع بعض نصيبه ومساواة المشتري له فلو باع جميع نصيبه لم يكن شركة ولا يستحق فيه ما طلب منه والثالث أن لا يكون للثاني إلا الربع بكل حال لأن الشركة إنما تثبت بقول البائع شركتك لأن ذلك هو الإيجاب الناقل للملك وهو عالم أنه ليس له إلا نصف العبد فينصرف إيجابه إلى نصف ملكه وعلى هذين الوجهين لطالب الشركة الخيار لأنه إنما طلب النصف فلم يحصل له جميعه إلا أن نقول بوقوفه على الإجازة في الوجه الثاني فيجيزه الآخر ويحتمل أن لا تصح الشركة أصلا لأنه طلب شراء النصف فأجيب في الربع
فصار بمنزله ما لو قال بعني نصف هذا العبد قال بعتك ربعه فصل ولو اشترى قفيزا من الطعام فقبض نصفه فقال له رجل بعني نصف هذا القفيز فباعه انصرف إلى النصف المقبوض كله لأن البيع ينصرف إلى ما يجوز له بيعه وهو النصف المقبوض وإن قال أشركني في هذا القفيز بنصف الثمن ففعل لم تصح الشركة إلا فيما قبض منه فيكون النصف المقبوض بينهما لكل واحد منهما ربعه بقسطه من الثمن لأن الشركة تقتضي التسوية هكذا ذكره القاضي والصحيح إن شاء الله تعالى أنه تنصرف الشركة إلى النصف كله فيكون تابعا لما يصح بيعه وما لا يصح فيكون ذلك من صور تفريق الصفقة فلا يصح في الربع الذي ليس بمقبوض وهل يصح في المقبوض على وجهين فصل فأما الحوالة فمعناه أن يكون على مشتري الطعام طعام من سلم أو من قرض مثل الذي اشتراه فيقول لغريمه اذهب فاقبض الطعام الذي اشتريته لنفسك فلا يجوز ذلك لأنه لا يجوز أن يقبضه قبل قبضه له وقد ذكرنا تفريع هذا في الفصل الذي قبل هذه المسألة فصل إذا كان لرجل في ذمة آخر طعام من قرض لم يجز أن يبيعه من غيره قبل قبضه لأنه غير قادر على تسليمه ويجوز بيعه ممن هو في ذمته في الصحيح من المذهب لحديث ابن عمر كنا نبيع الأبعرة بالبقيع بالدراهم فنأخذ مكانها الدنانير وهذا مذهب الشافعي وروي أنه لا يصح كما لا يصح في السلم والأول أولى فإن اشتراه منه بموصوف في الذمة من غير جنسه جاز ولا يتفرقا قبل القبض لأنه يكون بيع دين بدين فإن أعطاه معينا مما يشترط فيه التقابض مثل إن أعطاه بدل الحنطة شعيرا جاز ولم يجز التفرق قبل القبض وإن أعطاه معينا لا يشترط فيه التقابض جاز التفرق قبل القبض كما لو قال بعتك هذا الشعير بمائة درهم في ذمتك ويحتمل أن لا يجوز لأن المبيع في الذمة فلم يجز التفرق قبل القبض كالسلم فصل وإذا قال رجل لغريمه بعني هذا على أن أقضيك دينك منه ففعل فالشرط باطل لأنه شرط أن لا يتصرف فيه بغير القضاء وهل يبطل البيع ينبني على الشروط الفاسدة في البيع هل تبطله على الروايتين وإن قال اقضني حقي على أن أبيعك كذا وكذا فالشرط باطل والقضاء صحيح لأنه قبضه حقه وإن قال اقضني أجود من مالي على أن أبيعك كذا وكذا فالقضاء والشرط باطلان وعليه رد ما قبضه والمطالبة بماله مسألة قال ( وليس كذلك الإقالة لأنها فسخ وعن أبي عبد الله الإقالة بيع ) اختلفت الرواية في الإقالة فعنه أنها فسخ وهو الصحيح واختيار أبي بكر وهو مذهب الشافعي والثانية أنها بيع وهي مذهب مالك لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه فلما كان الأول بيعا كذلك الثاني ولأنه نقل الملك بعوض على وجه التراضي فكان بيعا كالأول وحكي عن أبي حنيفة أنها فسخ في حق المتعاقدين وبيع في حق غيرهما فلا تثبت أحكام البيع في حقهما بل تجوز في السلم وفي المبيع قبل قبضه ويثبت حكم البيع في حق الشفيع حتى يجوز له أخذ الشقص الذي تقابلا فيه بالشفعة ولنا إن الإقالة هي الدفع والإزالة يقال أقالك الله عثرتك أي أزالها قال النبي صلى الله عليه وسلم من أقال نادما بيعته أقاله الله عثرته يوم القيامة قال ابن المنذر وفي إجماعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه دليل على أن الإقامة ليست بيعا ولأنها يجوز في المسلم فيه قبل قبضه فلم تكن بيعا كالإسقاط ولأنها تتقدر بالثمن الأول ولو كانت بيعا لم تتقدر به ولأنه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخا كالرد بالعيب ويدل على أبي حنيفة بأن ما كان فسخا في حق المتعاقدين كان فسخا في حق غيرهما كالرد بالبيع والفسخ بالخيار ولأن حقيقة الفسخ لا تختلف بالنسبة إلى شخص دون شخص والأصل اعتبار الحقائق
فصل فإن قلنا هي فسخ جازت قبل القبض وبعده وقال أبو بكر لا بد فيها من كل ثان ويقوم الفسخ مقام البيع في إيجاب كيل ثان كقيام فسخ النكاح مقام الطلاق في العدة ولنا إنه فسخ للبيع فجاز قبل القبض كالرد بالعيب والتدليس والفسخ بالخيار أو اختلاف المتبايعين وفارق العدة فإنها اعتبرت للاستبراء والحاجة داعية إليه في كل فرقة بعد الدخول بخلاف مسألتنا فإن قلنا هي بيع لم يجز قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض لأن بيعه من بائعه قبل قبضه لا يجوز كما لا يجوز من غيره ولا يستحق بها الشفعة إن كانت فسخا لأنها رفع للعقد وإزالة له وليست بمعاوضة فأشبهت سائر الفسوخ ومن حلف لا يبيع فأقال لم يحنث ولو كانت بيعا استحقت بها الشفعة وحنث الحالف على ترك البيع بفعلها كسائر أنواع البيع ولا تجوز إلا بمثل الثمن سواء قلنا هي فسخ أو بيع لأنها خصت بمثل الثمن كالتولية وفيه وجه آخر أنها تجوز بأكثر من الثمن الأول وأقل منه إذا قلنا إنها بيع كسائر البياعات فإن قلنا لا تجوز إلا بمثل الثمن الأول فأقال بأقل منه أو أكثر لم تصح الإقالة وكان الملك باقيا للمشتري وبهذا قال الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أنها تصح بالثمن الأول ويبطل الشرط لأن لفظ الإقالة اقتضى مثل الثمن والشرط ينافيه فبطل وبقي الفسخ على مقتضاه كسائر الفسوخ ولنا إنه شرط التفاضل فيما يعتبر فيه التماثل فبطل كبيع درهم بدرهمين ولأن القصد بالإقالة رد كل حق إلى صحابه فإذا شرط زيادة أو نقصانا أخرج العقد عن مقصوده فبطل كما لو باعه بشرط أن لا يسلم ويفارق سائر الفسخ لأنه لا يعتبر فيه الرضا منهما بل يستقل به أحدهما فإذا شرط عليه شيء لم يلزمه لتمكنه من الفسخ بدونه وإن شرط لنفسه شيئا لم يلزمه أيضا لأنه لا يستحق أكثر من الفسخ وفي مسألتنا لا تجوز الإقالة إلا برضاهما وإنما رضي بها أحدهما مع الزيادة أو النقص فإذا أبطلنا شرطه فات رضاه فتبطل الإقالة لعدم رضاه بها مسألة قال ( ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها هذه المسألة تدل على حكمين أحدهما إباحة بيع الصبرة جزافا مع جهل البائع والمشتري بقدرها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا وقد نص عليه أحمد ودل عليه قول ابن عمر كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه متفق عليه ولأنه معلوم بالرؤية فصح بيعه كالثياب والحيوان ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة فإن ذلك يشق لكون الحب بعضه على بعض ولا يمكن بسطها حبة حبة ولأن الحب تتساوى أجزاؤه في الظاهر فاكتفى برؤية ظاهرة بخلاف الثوب فإن نشره لا يشق ولم تختلف أجزاؤه ولا يحتاج إلى معرفة قدرها مع المشاهدة لأنه علم ما اشترى بأبلغ الطرق وهو الرؤية وكذلك لو قال بعتك نصف هذه الصبرة أو ثلثها أو جزءا منها معلوما جاز لأن ما جاز بيع جملته جاز بيع بعضه كالحيوان ولأن جملتها معلومة بالمشاهدة فكذلك جزؤها قال ابن عقيل ولا يصح هذا إلا أن تكون الصبرة متساوية الأجزاء فإن كانت مختلفة مثل صبرة بقال القرية لم يصح ويحتمل أن يصح لأنه يشتري منها جزءا مشاعا فيستحق من جيدها ورديئها بقسطه ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافا وقال مالك لا يجوز في الأثمان لأن لها خطرا ولا يشق وزنها ولا عددها فأشبه الرقيق والثياب ولنا إنه معلوم بالمشاهدة فأشبه المثمنات والنقرة والحلي ويبطل بذلك ما قاله أما الرقيق فإنه يجوز بيعهم إذا شاهدهم ولم يعدهم وكذلك الثياب إذا نشرها ورأى جميع أجزائها الحكم الثاني أنه إذا اشترى الصبرة جزافا لم يجز له بيعها حتى ينقلها نص عليه أحمد في رواية الأثرم وعنه رواية أخرى له بيعها قبل نقلها اختارها القاضي وهو مذهب مالك لأنه مبيع متعين لا يحتاج إلى حق توفية فأشبه الثوب الحاضر
ولنا قول ابن عمر إن كنا لنشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه وعموم قوله عليه السلام من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه مع ما ذكرنا من الأخبار وروى الأثرم بإسناده عن عبيد بن حنين قال قدم زيد من الشام فاشتريت منه أبعرة وفرغت من شرائها فقام إلي رجل فأربحني فيها ربحا فبسطت يدي لأبايعه فإذا رجل يأخذني من خلفي فنظرت فإذا زيد بن ثابت فقال لا تبعه حتى تنقله إلى رحلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك فإذا تقرر هذا فإن قبضها نقلها كما جاء في الخبر ولأن القبض لو لم يعين في الشرع لوجب رده إلى العرف كما قلنا في الإحياء والإحراز والعادة في قبض الصبرة النقل فصل ولا يحل لبائع الصبرة أن يغشها بأن يجعلها على دكة أو ربوة أو حجر ينقصها أو يجعل الرديء في باطنها أو المبلول ونحو ذلك لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة من طعام فأدخل يده فنالت أصابعه بللا فقال يا صاحب الطعام ما هذا قال أصابته السماء يا رسول الله قال أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ثم قال من غشنا فليس منا قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح فإذا وجد ذلك ولم يكن المشتري علم به فله الخيار بين الفسخ وأخذ تفاوت ما بينهما لأنه عيب وإن بان تحتها حفرة أو بان باطنها خيرا من ظاهرها فلا خيار للمشتري لأنه زيادة له وإن علم البائع ذلك فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة به وإن لم يكن علم فله الفسخ كما لو باع بعشرين درهما فوزنها بصنجة ثم وجد الصنجة زائدة كان له الرجوع وكذلك لو باع بمكيال ثم وجده زائدا ويحتمل أنه لا خيار له لأن الظاهر أنه باع ما يعلم فلا يثبت له الفسخ بالإحتمال مسألة قال ( ومن عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرة ) نص أحمد على هذا في مواضع وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد وعكرمة وبه قال مالك وإسحاق وروي ذلك عن طاوس قال مالك لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك وعن أحمد أن هذا مكروه غير محرم فإن بكر بن محمد روى عن أبيه أنه سأله عن الرجل يبيع الطعام جزافا وقد عرف كيله وقلت له إن مالكا يقول إذا باع الطعام ولم يعلم المشتري فإن أحب أن يرد رده قال هذا تغليظ شديد ولكن لا يعجبني إذا عرف كيله إلا أن يخبره فإن باعه فهو جائز عليه وقد أساء ولم ير أبو حنيفة والشافعي بذلك بأسا لأنه إذا جاز البيع مع جهلهما بمقداره فمع العلم من أحدهما أولى ووجه الأول ما روى الأوزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافا حتى يبينه قال القاضي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام مجازفة وهو يعلم كيله والنهي يقتضي التحريم وأيضا الإجماع الذي نقله عن مالك ولأن الظاهر أن البائع لا يعدل إلى البيع جزافا مع علمه بقدر الكيل إلا للتغرير بالمشتري والغش له ولذلك أثر في عدم لزوم العقد وقد قال عليه السلام من غشنا فليس منا فصار كما لو دلس العيب فإن باع ما علم كيله صبرة فظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم أن البيع صحيح لازم وهو قول مالك والشافعي لأن المبيع معلوم لهما ولا تغرير من أحدهما فأشبه ما لو علما كيله أو جهلاه ولم يثبت ما روي من النهي فيه وإنما كرهه أحمد كراهة تنزيه لإختلاف العلماء فيه ولأن استواءهما في العلم والجهل أبعد من التغرير وقال القاضي وأصحابه هذا بمنزلة التدليس والغش إن علم به المشتري فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة فهو كما لو اشترى مصراة يعلم تصريتها وإن لم يعلم أن البائع كان عالما بذلك فله الخيار في الفسخ والإمضاء وهذا قول مالك
لأنه غش وغدر من البائع فصح العقد معه ويثبت للمشتري الخيار وذهب قوم من أصحابنا إلى أن البيع فاسد لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد فصل وإن أخبره البائع بكيله ثم باعه بذلك الكيل فالبيع صحيح فإن قبضه باكتياله تم البيع والقبض وإن قبضه بغير كيل كان بمنزلة قبضه جزافا فإن كان المبيع باقيا لحاله عليه فإن كان قدر حقه الذي أخبره به فقد استوفاه وإن كان زائدا رد الفضل وإن كان ناقصا أخذ النقص وإن كان قد تلف فالقول قول القابض في قدره مع يمينه سواء كان النقص قليلا أو كثيرا لأن الأصل عدم القبض وبقاء الحق وليس للمشتري التصرف في الجميع قبل كيله لأن للبائع فيه علقة فإنه لو زاد كانت الزيادة له ولا يتصرف في أقل من حقه بغير كيل لأن ذلك يمنعه من معرفة كيله وإن تصرف فيما يتحقق أنه مستحق له مثل أن يكون حقه قفيزا فتصرف في ذلك أو في أقل منه بالكيل ففيه وجهان أحدهما له ذلك لأنه تصرف في حقه بعد قبضه فجاز كما لو كيل له والثاني لا يجوز لأنه لا يجوز له التصرف في الجميع فلم يجز له التصرف في البعض كما قبل القبض وإن قبضه بالوزن فهو كما لو قبضه جزافا فأما إن أعلمه بكيله ثم باعه إياه مجازفة على أنه له بذلك الثمن سواء كان زائدا أو ناقصا لم يجز لما روى الأثرم بإسناده عن الحكم قال قدم طعام لعثمان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذهبوا بنا إلى عثمان نعينه على طعامه فقام إلى جنبة فقال عثمان في هذه الغرارة كذا وكذا وابتعتها بكذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سميت الكيل فكل قال أحمد إذا أخبره البائع أن في كل قارورة منا فأخذ بذلك ولا يكتاله فلا يعجبني لقوله لعثمان إذا سميت الكيل فكل قيل له إنهم يقولون إذا فتح فسد قال فلم لا تفتحون واحدا وتزنون الباقي فصل ولو كال طعاما وآخر ينظر إليه فهل لمن شاهد الكيل شراؤه بغير كيل ثان على روايتين نص عليهما إحداهما لا يحتاج إلى كيل لأنه شاهد كيله فأشبه ما لو كيل له والثانية يحتاج إلى كيل لأنه بيع فاحتاج إلى كيل للأخبار والقياس على البيع الأول ولو كاله البائع للمشتري ثم اشتراه منه فكذلك لما ذكرنا في التي قبلها ولو اشترى اثنان طعاما فاكتالاه ثم ابتاع أحدهما حصة شريكه قبل تفرقهما فقال أحمد في رواية حرب إذا اشتريا غلة أو نحوها وحضراها جميعا وعرفا كيلها فقال أحدهما لشريكه يعني نصيبك وأريحك فهو جائز وإن لم يحضر هذا المشتري الكيل فلا يجوز إلا بكيل قال ابن أبي موسى وفيه رواية أخرى لا بد من كيله ووجهها بما تقدم قال القاضي ومعنى الكيل في هذه المسائل أنه يرجع في قدره إلى قول القابض إذا كان النقص يسيرا يقع مثله في الكيل فالقول قوله مع يمينه وإن كان لا يقع مثله في الكيل لم يقبل قوله لأنا نتحقق كذبه بخلاف مسائل الفصل الذي قبله لأنه لم يكمل بحضرته والظاهر أنه أراد بالكيل حقيقته دون ما ذكره القاضي وفائدة اعتبار الكيل ما ذكره القاضي وأنه لا يجوز للمشتري التصرف فيه إلا ما ذكرنا في الفصل الذي قبله وإن باعه للثاني في هذه المواضع على أنه صبرة جاز ولم يفتقر إلى كيل ثان والقبض فيه بنقله كسائر الصبر فصل قال أحمد في رجل يشتري الجوز فيعد في مكتل ألف جوزة ثم يأخذ الجوز كله على ذلك المعيار قال لا يجوز وقال في رجل ابتاع أعكاما كيلا وقال للبائع كل لي عكمانها واحدا واحدا وما بقي على هذا الكيل أكره هذا حتى يكيلها كلها وقال الثوري كان أصحابنا يكرهون هذا وذلك لأن ما في العكوم يختلف فيكون في بعضها أكثر من بعض فلا يعلم ما في بعضها بكيل البعض والجوز يختلف عدده فيكون في أحد المكتلين أكثر من الآخر
فلا يصح تقديره بالكيل كما لا يصح تقدير المكيل بالوزن ولا الموزون بالكيل مسألة قال ( وإذا اشترى صبرة على أن كل مكيلة منها بشيء معلوم جاز ) وجملة ذلك أنه إذا قال بعتك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم صح وإن لم يعلما مقدار ذلك حال العقد وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يصح في قفيز واحد ويبطل فيما سواه لأن جملة الثمن مجهولة فلم يصح كبيع المبتاع برقمه ولنا إن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم لإشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين وهو أن تكال الصبرة ويقسط الثمن على قدر قفزانها فيعلم مبلغه فجاز كما لو باع ما رأس ماله اثنان وسبعون مرابحة لكل ثلاثة عشر درهما درهم فإنه لا يعلم في الحال وإنما يعلم بالحساب كذا هاهنا ولأن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم قدر ما يقابل كل جزء من المبيع فصح كالأصل المذكور وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه آجر نفسه كل دلو تمرة وجاء النبي صلى الله عليه وسلم بالتمر فصل ولو قال بعتك من هذه الصبرة قفيزا أو قال عشرة أقفزة وهما يعلمان أنها أكثر من ذلك صح وحكي عن داود أنه لا يصح لأنه غير مشاهد ولا موصوف ولنا إن المبيع مقدر معلوم من جملة يصح بيعها أشبه إذا باع نصفها وما ذكره قياس وهو لا يحتج بالقياس ثم لا يصح فإنه إذا شاهد الجملة فقد شاهد المبيع لأنه بعضها فصل وإن قال بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح لأن من للتبعيض وكل للعدد فيكون ذلك العدد منها مجهولا ويحتمل أن يصح البيع كما يصح في الإجارة كل دلو بتمرة وكل شهر بدرهم وإن قال بعتك هذه الصبرة الأخرى بعشرة دراهم على أن أزيدك قفيزا أو أنقصك قفيزا لم يصح لأنه لا يدري أيزيده أم ينقصه ولو قال على أن أزيدك قفيزا لم يجز لأن القفيز مجهول ولو قال أزيدك قفيزا من هذه الصبرة الأخرى أو وصفه بصفة يعلم بها صح لأن معناه بعتك هذه وقفيزا من هذه الأخرى بعشرة دراهم وإن قال على أن أنقصك قفيزا لم يصح لأن معناه بعتك هذه الصبرة إلا قفيزا كل قفيز بدرهم وشيء مجهول ولو قال بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة الأخرى لم يصح لإفضائه إلى جهالة الثمن في التفصيل لأنه يصير قفيزا وشيئا بدرهم والشيء لا يعرفانه لعدم معرفتهما بكمية ما في الصبرة من القفزان ولو قصد أني أحط ثمن قفيز من الصبرة لا أحتسب به لم يصح للجهالة التي ذكرناها وإن كانت الصبرة معلوما قدر قفزانها لهما أو قال هذه عشرة أقفزة بعتكها كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة أو وصفه بصفة يعلم بها صح لأن معناه بعتك كل قفيز وعشر قفيز بدرهم وإن لم يعلم القفيز أو جعله هبة لم يصح وإن أراد أني لا أحسب عليك بثمن قفيز منها صح أيضا لأنهما لما علما جملة الصبرة علما ما ينقص من الثمن ولو قال على أن أنقصك قفيزا صح لأن معناه بعتك تسعة أقفزة بعشرة دراهم وكل قفيز بدرهم وتسع وحكي عن أبي بكر أنه يصح في جميع المسائل على قياس قول أحمد لأنه يجيز الشرط الواحد ولا يصح هذا لأن المبيع مجهول فلا يصح بيعه بخلاف الشرط الذي يفضي إلى جهالة فصل ولو باع ما لا تتساوى أجزاؤه كالأرض والثوب والقطيع من الغنم ففيه نحو من مسائل الصبر وإن قال بعتك هذه الأرض أو هذه الدار أو هذا الثوب أو هذا القطيع بألف صح إذا كان مشاهدا أو قال بعتك نصفه أو ثلثه أو ربعه بكذا صح أيضا فإن قال بعتكه كل ذراع بدرهم أو كل شاة بدرهم صح وإن لم يعلما قدر ذلك حال العقد لما ذكرنا في الصبرة وإن قال بعتك من الثوب كل ذراع بدرهم أو من القطيع كل شاة بدرهم لم يصح
لأنه مجهول وإن باعه شاة من القطيع لم يصح لأن شياه القطيع غير متساوية القيم فيفضي ذلك إلى التنازع بخلاف القفيز من الصبرة فإنه يصح لأن أجزاءها متساوية وإن باعه ذراعا من الدار أو عشرة أذرع منها يريدان بذلك قدرا غير مشاع لم يصح كذلك وإن أراد مشاعا منها وهما يعلمان عدد ذرعانها صح وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح لأن الذراع عبارة عن بقعة بعينها وموضعه مجهول ولنا إن عشرة من مائة عشرها ولو قال بعتك عشرها صح فكذلك إذا قال بعتك عشرة من مائة وما ذكروه غير مسلم بل هو عبارة عن قدر كما أن المكيال عبارة عن قدر فإذا أضافه إلى جملة كان ذلك جزءا منها وإن اتفقا على أنهما أرادا قدرا منها غير مشاع لم يصح البيع وإن كان لا يعلمان ذرعان الدار لم يصح لأن الجملة غير معلومة وأجزاء الأرض مختلفة فلا يمكن أن تكون معينة ولا مشاعة وإن قال بعتك من الدار من هاهنا إلى هاهنا جاز لأنه معلوم وإن قال عشرة أذرع ابتداؤها من هاهنا إلى هاهنا إلى حيث ينتهي الذرع لم يصح لأن الذرع يختلف والموضع الذي ينتهي إليه لا يعلم حال العقد ولو قال بعتك نصيبي من هذه الدار ولا يعلم قدر نصيبه منها أو قال نصيبا منها أو سهما لم يصح لأنه مجهول وإن علما ذلك صح وإن قال بعتك نصف داري مما يلي دارك لم يصح نص عليه لأنه لا يدري إلى أين ينتهي فيكون مجهولا فصل ولو باعه عبدا من عبدين أو أكثر لم يصح وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا باعه عبدا من عبدين أو من ثلاثة بشرط الخيار له صح لأن الحاجة تدعو إليه وإن كانوا أكثر لم يصح لأنه كثير الغرر ولنا إن ما تختلف أجزاؤه وقيمته لا يجوز شراء بعضه غير معين ولا مشاعا كالأربعة وما لا يصح بغير شرط الخيار لا يصح بشرطه كالأربعة ولا حاجة إلى هذا فإن الإختيار يمكن قبل العقد ثم ما قالوا يبطل بالأربعة فصل وحكم الثوب حكم الأرض إلا أنه إذا قال بعتك من هذا الثوب من هذا الموضع إلى هذا الموضع صح فإن كان مما لا ينقصه القطع قطعاه وإن كان مما ينقصه القطع وشرط البائع أن يقطعه له أو رضي بقطعه هو والمشتري جاز وإن تشاحا في ذلك كانا شريكين فيه كما يشتركان في الأرض وقال القاضي لا يصح لأنه لا يقدر على التسليم إلا بضرر فأشبه ما لو باعه نصفا معينا من الحيوان ولنا إن التسليم ممكن ولحوق الضرر لا يمنع التسليم إذا رضيه البائع كما لو باعه نصفا من الحيوان مشاعا وفارق نصف الحيوان المعين فإنه لا يمكنه تسليمه مفردا إلا بإتلافه وإخراجه عن المالية فصل إذا قال بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب على أنه عشرة أذرع فبان أحد عشر ففيه روايتان إحداهما البيع باطل لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة وإنما باع عشرة ولا المشتري على أخذ البعض وإنما اشترى الكل وعليه ضرر في الشركة أيضا والثانية البيع صحيح والزيادة للبائع لأن ذلك نقص على المشتري فلا يمنع صحة البيع كالعيب ثم يخير البائع بين تسليم المبيع زائدا وبين تسليم العشرة فإن رضي بتسليم الجميع فلا خيار للمشتري لأنه زاده خيرا وإن أبى تسليمه زائدا فللمشتري الخيار بين الفسخ والأخذ بجميع الثمن المسمى وقسط الزائد فإن رضي بالأخذ أخذ العشرة والبائع شريك له بالذراع وهل للبائع خيار الفسخ على وجهين أحدهما له الفسخ لأن عليه ضررا في المشاركة والثاني لا خيار له لأنه رضي ببيع الجميع بهذا الثمن فإذا وصل إليه الثمن مع بقاء جزء له فيه كان زيادة فلا يستحق بها الفسخ ولأن هذا الضرر حصل بتغريره وإخباره بخلاف غيره فلا ينبغي أن يتسلط به على فسخ عقد المشتري فإن بذلها البائع للمشتري بثمن أو طلبها المشتري بثمن لم يلزم الآخر القبول لأنها معاوضة يعتبر فيها التراضي منهما فلا يجبر واحد منهما عليه
وإن تراضيا على ذلك جاز فإن بان تسعة ففيه روايتان إحداهما يبطل البيع لما تقدم والثانية البيع صحيح والمشتري بالخيار بين الفسخ والإمساك بتسعة أعشار الثمن وقال أصحاب الشافعي ليس له إمساكه إلا بكل الثمن أو الفسخ بناء على قولهم إن المعيب ليس لمشتريه إلا الفسخ أو إمساكه بكل الثمن ولنا إنه وجد المبيع ناقصا في القدر فكان له إمساكه بقسطه من الثمن كالصبرة إذا اشتراها على أنها مائة فبانت خمسين وسنبين أن المعيب له إمساكه وأخذ أرشه فإن أخذها بقسطها من الثمن فللبائع الخيار بين الرضا بذلك وبين الفسخ لأنه إنما رضي ببيعها بهذا الثمن كله وإذا لم يصل إليه كان له الفسخ فإن بذل له المشتري جميع الثمن لم يملك الفسخ لأنه وصل إليه الثمن الذي رضيه فأشبه ما لو اشترى معيبا فرضيه بجميع الثمن فصل وإن اشترى صبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت أحد عشرة رد الزائد ولا خيار له هاهنا لأنه ضرر في الزيادة وإن بانت تسعة أخذها بقسطها من الثمن وقد ذكرنا فيما تقدم أنه متى سمى الكيل في الصبرة لا يكون قبضها إلا بالكيل فإذا كالها فوجدها قدر حقه أخذها وإن كانت زائدة رد الزيادة وإن كانت ناقصة أخذها بقسطها من الثمن وهل له الفسخ إذا وجها ناقصة على وجهين أحدهما له الخيار وهو مذهب الشافعي لأنه وجد المبيع ناقصا فكان له الفسخ كغير الصبرة وكنقصان الصفة الثاني لا خيار له لأن نقصان القدر ليس بعيب في الباقي من الكيل بخلاف غيره فصل إذا باع الأدهان في ظروفها جملة وقد شاهدها جاز لأن أجزاءها لا تختلف فهو كالصبرة وكذلك الحكم في العسل والدبس والخل وسائر المائعات التي لا تختلف وإن باعه كل رطل بدرهم أو باعه رطلا منهما أو أرطالا معلومة يعلم أن فيها أكثر منها أو باعه جزءا مشاعا أو أجزاء أو باعه إياه مع الظرف بعشرة دراهم أو بثمن معلوم جاز وإن باعه السمن والظرف كل رطل بدرهم وهما يعلمان مبلغ كل واحد منهما صح لأنه قد علم المبيع والثمن فإن لم يعلما ذلك جاز أيضا لأنه قد رضي أن يشتري الظرف كل رطل بدرهم وما فيه كذلك فأشبه ما لو اشترى ظرفين في أحدهما سمن وفي الآخر زيت كل رطل بدرهم وقال القاضي لا يصح لأن وزن الظرف يزيد وينقص فيدخل على غرر والأول أصح لأن بيع كل واحد منهما منفردا يصح لذلك فكذلك إذا جمعهما كالأرض المختلفة الأجزاء والثياب وغيرها وأما إن باعه كل رطل بدرهم على أن يزن الظرف فيحتسب عليه بوزنه ولا يكون مبيعا وهما يعلمان زنة كل واحد منهما صح لأنه إذا علم أن الدهن عشرة والظرف رطلا كان معناه بعتك عشرة أرطال باثني عشر درهما وإن كانا لا يعلمان زنة الظرف والدهن لم يصح لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن في الحال وسواء جهلا زنتهما جميعا أو زنة أحدهما لذلك فصل وإن وجد في ظرف السمن ربا فقال ابن المنذر قال أحمد وإسحاق إن كان سمانا وعنده سمن أعطاه بوزنه سمنا وإن لم يكن عنده سمن أعطاه بقدر الرب من الثمن وألزمه شريح بقدر الرب سمنا بكل حال وقال الثوري إن شاء أخذ الذي وجده ولا يكلف أن يعطيه بقدر الرب سمنا ولنا إنه وجد المبيع المكيل ناقصا فأشبه ما لو اشترى صبرة فوجد تحتها ربوة أو اشتراها على أنها عشرة أقفزة فبانت تسعة وقد بينا أنه يأخذ الموجود بقسطه من الثمن كذا هاهنا فعلى هذا إنما يأخذ الموجود من السمن بقسطه من الثمن ولا يلزم البائع أن يعطيه سمنا سواء كان موجودا عنده أو لم يكن فإن تراضيا على إعطائه سمنا جاز والله أعلم باب المصراة وغير ذلك التصرية جمع اللبن في الضرع يقال صرى الشاة وصرى اللبن في ضرع الشاة بالتشديد والتخفيف
ويقال صرى الماء في الحوض وصرى الطعام في فيه وصرى الماء في ظهره إذا ترك الجماع وأنشده أبو عبيدة رأيت غلاما قد صرى في فقرته ماء الشباب عنفوان شرته وماء صري وصر إذا طال استنفاعه قال البخاري أصل التصرية حبس الماء يقال صريت الماء ويقال للمصراة المحفلة وهو من الجمع أيضا ومنه سميت مجامع الناس محافل والتصرية حرام إذا أراد بذلك التدليس على المشتري لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تصروا وقوله من غشنا فليس منا وروى ابن ماجة في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بيع المحفلات خلابة ولا تحل الخلابة لمسلم رواه ابن عبد البر ولا يحل خلابة لمسلم مسألة قال ( وإذا اشتري مصراة وهو لا يعلم فهو بالخيار بين أن يقبلها أو يردها وصاعا من تمر ) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة الأول أن من اشترى مصراة من بهيمة الأنعام لم يعلم تصريتها ثم علم فله الخيار في الرد والإمساك روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وأنس وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو يوسف وعامة أهل العلم وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه لا خيار له لأن ذلك ليس بعيب بدليل أنه لو لم تكن مصراة فوجدها أقل لبنا من أمثالها لم يملك ردها والتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار كما لو علفها فانتفخ بطنها فظن المشتري أنها حامل ولنا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر متفق عليه وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا رواه أبو داود ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن باختلافه فوجب به الرد كما لو كانت شمطاء فسود شعرها وقياسهم يبطل بتسويد الشعر فإن بياضه ليس بعيب كالكبر وإذا دلسه ثبت له الخيار وأما انتفاخ البطن فقد يكون من الأكل والشرب فلا معنى لحمله على الحمل وعلى أن هذا القياس يخالف النص واتباع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى إذا تقرر هذا فإنما يثبت الخيار بشرط أن لا يكون المشتري عالما بالتصرية فإن كان عالما لم يثبت له الخيار وقال أصحاب الشافعي يثبت له الخيار في وجه للخبر ولأن انقطاع اللبن لم يوجد وقد يبقى على حاله فلم يجعل ذلك رضى كما لو تزوجت عنينا ثم طلبت الفسخ ولنا إنه اشتراها عالما بالتدليس فلم يكن له خيار كما لو اشترى من سود شعرها عالما بذلك ولأنه دخل على بصيرة فلم يثبت له الرد كما لو اشترى معيبا يعلم عيبه وبقاء اللبن على حاله نادر بعيد لا يعلق عليه حكم والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع ولو اشترى مصراة فصار لبنها عادة واستمر على كثرته لم يكن له الرد وقال أصحاب الشافعي له الرد في أحد الوجهين للخبر ولأن التدليس كان موجودا حال العقد فأثبت الرد كما لو نقص اللبن ولنا إن الرد جعل لدفع الضرر بنقص اللبن ولم يوجد فامتنع الرد ولأن العيب لم يوجد ولم يختلف صفة المبيع عن حالة العقد فلم يثبت التدليس لأن الخيار ثبت لدفع الضرر ولم يوجد ضرر الفصل الثاني أنه إذا رد لزمه رد بدل اللبن وهذا قول كل من جوز ردها وهو مقدر في الشرع بصاع من تمر كما في الحديث الصحيح الذي أوردناه وهذا قول الليث وإسحاق والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن الواجب صاع من غالب قوت البلد لأن في بعض الحديث ورد معها صاعا من طعام وفي بعضها ورد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا فجمع بين الأحاديث وجعل تنصيصه على التمر لأنه غالب قوت البلد في المدينة ونص على القمح
لأنه غالب قوت بلد آخر وقال أبو يوسف يرد قيمة اللبن لأنه ضمان متلف فكان مقدرا بقيمته كسائر المتلفات وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى وحكي عن زفر أنه يرد صاعا من تمر أو نصف صاع من بر بناء على قولهم في الفطرة والكفارة ولنا الحديث الصحيح الذي أوردناه وهو المعتمد عليه في هذه المسألة وقد نص فيه على التمر فقال إن شاء ردها وصاعا من تمر وفي لفظ للبخاري من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر وفي لفظ مسلم رواه ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورد صاعا من تمر لا سمراء وفي لفظ له طعاما لا سمراء يعني لا يرد قمحا والمراد بالطعام هاهنا التمر لأنه مطلق في أحد الحديثين مقيد في الآخر في قضية واحدة والمطلق فيما هذا سبيله يحمل على المقيد وحديث ابن عمر مطرح الظاهر بالإتفاق إذ لا قائل بإيجاب مثل لبنها أو مثلي لبنها قمحا ثم قد شك فيه الراوي وخالفته الأحاديث الصحاح فلا يعول عليه وقياس أبي يوسف مخالف للنص فلا يلتفت إليه ولا يبعد أن يقدر الشرع بدل هذا المتلف قطعا للخصومة ودفعا للتنازع كما قدر بدل الآدمي ودية أطرافه ولا يمكن حمل الحديث على أن الصاع كان قيمة اللبن فلذلك أوجبه لوجوه ثلاثة أحدها أن القيمة هي الأثمان لا التمر الثاني أنه أوجب في المصراة من الإبل والغنم جميعا صاعا من تمر مع اختلاف لبنها الثالث أن لفظه للعموم فيتناول كل مصراة ولا يتفق أن تكون قيمة لبن كل مصراة صاعا وإن أمكن أن يكون كذلك فيتعين إيجاب الصاع لأنه القيمة التي عين الشارع إيجابها فلا يجوز أن يعدل عنها وإن قدمت هذا فإنه يجب أن يكون الصاع من التمر جيدا غير معيب لأنه واجب بإطلاق الشارع فينصرف إلى ما ذكرناه كالصاع الواجب في الفطرة ولا يجب أن يكون من الأجود بل يجوز أن يكون من أدنى ما يقع عليه اسم الجيد ولا فرق بين أن تكون قيمة التمر مثل قيمة لبن الشاة أو أقل أو أكثر نص عليه أحمد وليس هذا جمعا بين البدل والمبدل لأن التمر بدل اللبن قدره الشرع به كما قدر في يدي العبد قيمته وفي يديه ورجليه قيمته مرتين مع بقاء العبد على ملك سيده وإن عدم التمر في موضعه فعليه قيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد لأنه بمثابة عين أتلفها فيجب عليه قيمتها فصل وإن علم بالتصرية قبل حلبها مثل أن أقر به البائع أو شهد به من تقبل شهادته فله ردها ولا شيء معها لأن التمر إنما وجب بدلا للبن المحتلب ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر ولم يأخذ لها لبنا هاهنا فلم يلزمه رد شيء معها وهذا قول مالك قال ابن عبد البر هذا ما لا خلاف فيه وأما لو احتلبها وترك اللبن بحاله ثم ردها رد لبنها ولا يلزمه أيضا بشيء لأن المبيع إذا كان موجودا فرده لم يلزمه بدله فإن أبى البائع قبوله وطلب التمر لم يكن له ذلك إذا كان بحاله لم يتغير وقيل لا يلزمه قبوله لظاهر الخبر ولأنه قد نقص بالحلب وكونه في الضرع أحفظ له ولنا إنه قدر على رد المبدل فلم يلزمه البدل كسائر المبدلات مع إبدالها والحديث المراد به التمر حالة عدم اللبن لقوله ففي حلبتها صاع من تمر ولما ذكرنا من المعنى وقولهم إن الضرع أحفظ له لا يصح لأنه لا يمكن إبقاؤه في الضرع على الدوام وبقاؤه يضر بالحيوان وإن كان اللبن قد تغير ففيه وجهان أحدهما لا يلزمه قبوله وهذا قول مالك للبخر ولأنه قد نقص بالحموضة أشبه ما لو أتلفه والثاني يلزمه قبوله لأن النقص حصل بإسلام المبيع وبتغرير البائع وتسليطه على حلبه فلم يمنع الرد كلبن غير المصراة