İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
قال أصحابنا ويستحق الرجوع قبل القلع وهو مذهب الشافعي ويحتمل أن لا يستحقه حتى يوجد القلع لأنه قبل القلع لم يدرك متاعه إلا مشغولا بملك المشتري فأشبه ما لو كانت مسامير في باب المشتري فإن قلنا له الرجوع قبل القلع فقلعوه لزمهم تسوية الأرض من الحفر وأرش نقص الأرض الحاصل به لأن ذلك نقص حصل لتخليص ملك المفلس فكان عليه كما لو دخل فصيله دار إنسان وكبر فأراد صاحبه إخراجه فلم يمكن إلا بهدم بابها فإن الباب يهدم ليخرج ويضمن صاحبه ما نقص بخلاف ما إذا وجد البائع عين ماله ناقصة فرجع فيها فإنه لا يرجع في النقص لأن النقص كان في ملك المفلس وهنا حدث بعد رجوعه في العين فلهذا ضمنوه ويضرب بالنقص مع الغرماء وإن قلنا ليس له الرجوع قبل القلع لم يلزمهم تسوية الحفر ولا أرش النقص لأنهم فعلوا ذلك في أرض المفلس قبل رجوع البائع فيها فلم يضمنوا النقص كما لو قلعه المفلس قبل فلسه فأما إن امتنع المفلس والغرماء من القلع فلهم ذلك ولا يجبرون عليه لأنه غرس بحق ومفهوم قوله عليه السلام ليس لعرق ظالم حق أنه إذا لم يكن ظالما فله حق فإن بذل البائع قيمة الغراس والبناء ليكون له الكل أو قال أنا أقلع وأضمن ما نقص فإن قلنا له الرجوع قبل القلع فله ذلك لأن البناء والغراس حصل في ملكه لغيره بحق فكان له أخذه بقيمته أو قلعه وضمان نقصه كالشفيع إذا أخذ الأرض وفيها غراس وبناء للمشتري والمعير إذا رجع في أرضه بعد غرس المستعير وإن قلنا ليس له الرجوع قبل القلع لم تكن له ذلك لأن بناء المفلس وغرسه في ملكه فلم يجبر على بيعه لهذا البائع ولا على قلعه كما لو لم يرجع في الأرض فأما إن امتنع البائع من بذل ذلك سقط حق الرجوع وهذا قول ابن حامد وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقال القاضي يحتمل أن له الرجوع وهو القول الثاني للشافعي لأنه أدرك متاعه بعينه وفيه مال المشتري على وجه التبع فلم يمنعه ذلك الرجوع كالثوب إذا صبغه المشتري ولنا إنه لم يدرك متاعه على وجه يمكنه أخذه منفردا عن غيره فلم يكن له أخذه كالحر في البناء والمسامير في الباب ولأن في ذلك ضررا على المشتري والغرماء ولا يزال الضرر بالضرر ولأنه لا يحصل بالرجوع ههنا انقطاع النزاع والخصومة بخلاف ما إذا وجدها غير مشغولة بشيء وأما الثوب إذا صبغه فلا نسلم أن له الرجوع فهو كمسألتنا وإن سلمنا فالفرق بينهما من وجهين أحدهما أن الصبغ تفرق في الثوب فصار كالصفة فيه بخلاف البناء والغرس فإنه أعيان متميزة وأصل في نفسه والثاني أن الثوب لا يراد للبقاء بخلاف الأرض فإذا قلنا لا يرجع فلا كلام وإن قلنا يرجع فرجع واتفق الجميع على بيعهما بيعا لهما وأخذ كل واحد بقدر حقه وإن امتنع أحدهما من البيع احتمل أن يجبر عليه كما لو كان المبيع ثوبا فصبغه المشتري فإن الثوب يباع لهما كذا ههنا ويحتمل أن لا يجبر لأنه أمكن طالب البيع أن يبيع ملكه مفردا بخلاف الثوب المصبوغ فإن بيعا لهما قسما الثمن على قدر القيمتين فتقوم الأرض غير ذات شجر ولا بناء ثم تقوم وهما فيها فما كان قيمة الأرض بغير غراس ولا بناء فللبائع قسطه من الثمن وما زاد فهو للمفلس والغرماء وإن قلنا لا يجبر الممتنع على البيع أو لم يطلب أحدهما البيع فاتفقا على كيفية كونهما بينهما جاز ما اتفقا عليه وإن اختلفا كانت الأرض للبائع والغراس والبناء للمفلس والغرماء ولهم دخول الأرض لسقي الشجر وأخذ الثمرة وليس لهم دخولها للتفرج ولغير حاجة وللبائع دخولها للزرع ولما شاء لأن الأرض له وملكه وإن باعوا الشجر والبناء لإنسان فحكمه في ذلك حكمهم ولو بذل المفلس والغرماء أو المشتري منهم قيمة الأرض للبائع ليدفعها لهم لم يلزمه ذلك لأن الأرض أصل فلا يجبر على بيعها بخلاف ما فيها من الغرس والبناء
فصل إذا اشترى غراسا فغرسه في أرضه ثم أفلس ولم يزد الغراس فله الرجوع فيه لأنه أدرك متاعه بعينه وإذا أخذه فعليه تسوية الأرض وأرش نقصها الحاصل بقلعه لأنه نقص حصل لتخليص ملكه من ملك غيره وإن بذل المفلس والغرماء له قيمته ليملكوه بذلك لم يجبر على قبولها لأنه اختار أخذ ماله وتفريغ ملكهم وإزالة ضرره عنهم لم يكن لهم منعه كالمشتري إذا غرس في الأرض المشفوعة وإن امتنع من القلع فبذلوا له القيمة ليملكه المفلس أو أرادوا قلعه وضمان النقص فلهم ذلك وكذلك إذا أرادوا قلعه من غير ضمان النقص لأن المفلس إنما ابتاعه مقلوعا فلم يجب عليه إبقاؤه في أرضه وقيل ليس لهم قلعه من غير ضمان النقص لأنه غرس بحق فأشبه غرس المفلس في الأرض التي ابتاعها إذا رجع بائعها فيها والفرق بيهما ظاهر فإن إبقاء الغراس في هذه الصورة حق عليه فلم يجب عليه بفعله وفي التي قبلها إبقاؤه حق له فوجب له بغراسه في ملكه فإن اختار بعضهم القلع وبعضهم التبقية قدم قول من طلب القلع سواء كان المفلس أو الغرماء أو بعض الغرماء لأن الإبقاء ضرر غير واجب فلم يلزم الممتنع منه الإجابة إليه وإن زاد الغراس في الأرض فهي زيادة متصلة تمنع الرجوع على قول الخرقي ولا تمنعه على رواية الميموني فصل وإن اشترى أرضا من رجل وغراسا من آخر فغرسه فيها ثم أفلس ولم يزد الشجر فلكل واحد منهما الرجوع في عين ماله ولصاحب الأرض قلع الغراس من غير ضمان نقصه بالقلع على ما ذكرنا لأن البائع إنما باعه مقلوعا فلا يستحقه إلا كذلك وإن أراد بائعه قلعه من الأرض فقلعه فعليه تسوية الحفر وضمان نقصها الحاصل به لما تقدم وإن بذل صاحب الغراس قيمة الأرض لصاحبها لتملكه لم يجبر على ذلك لأن الأرض أصل فلا يجبر على بيعها تبعا وإن بذل صاحب الأرض قيمة للغراس ليملكه إذا امتنع من القلع فله ذلك لأن غرسه حصل في ملك غيره بحق فأشبه غرس المفلس في أرض البائع ويحتمل أن لا يملك ذلك لأنه لا يجبر على إبقائه إذا امتنع من دفع قيمته أو أرش نقصه فلا يكون له أن يتملكه بالقيمة بخلاف التي قبلها والأولى أولى وهذ ينتقض بغرس الغاصب فصل الشرط الثالث أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئا فإن كان قد قبض بعض ثمنها سقط حق الرجوع وبهذا قال إسحاق والشافعي في القديم وقال في الجديد له أن يرجع في قدر ما بقي من الثمن لأنه سبب ترجع به العين كلها إلى العاقد فجاز أن يرجع به بعضها كالفرقة قبل الدخول في النكاح وقال مالك هو مخير إن شاء رد ما قبضه ورجع في جميع العين وإن شاء حاص الغرماء ولم يرجع ولنا ما روى أبو بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قد قبض من ثمنها شيئا فهي له وإن كان قد قبض من ثمنها شيئا فهو أسوة الغرماء رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني ولأن في الرجوع في قسط ما بقي تبعيضا للصفقة على المشتري وإضرارا به وليس ذلك للبائع فإن قيل لا ضرر عليه في ذلك لأن ماله يباع ولا يبقى له فيزول عنه الضرر قلنا لا يندفع الضرر بالبيع فإن قيمته تنقص بالتشقيص ولا يرغب فيه مشقصا فيتضرر المفلس والغرماء بنقص القيمة ولأنه سبب يفسخ به البيع فلم يجز تشقيصه كالرد بالعيب والخيار وقياس البيع على البيع أولى من قياسه على النكاح ولا فرق بين كون المبيع عينا واحدة أو عينين لما ذكرنا من الحديث والمعنى فإن قيل حديثكم يرويه أبو بكر بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ولا حجة في المراسيل
قلنا قد رواه مالك وموسى بن عقبة عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة كذلك ذكره ابن عبد البر وأخرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني في سننهم متصلا فلا يضر إرسال من أرسله فإن راوي المسند معه زيادة لا يعارضها ترك مرسل الحديث لها وعلى أن المرسل حجة فلا يضر إرساله فصل الشرط الرابع أن لا يكون تعلق بها حق الغير فإن رهنها المشتري ثم أفلس أو وهبها لم يملك البائع الرجوع كما لو باعها أو أعتقها ولأن في الرجوع إضرارا بالمرتهن ولا يزال الضرر بالضرر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به وهذا لم يجده عند المفلس ولا نعلم في هذا خلافا فإن كان دين المرتهن دون قيمة الرهن بيع كله فقضي منه دين المرتهن والباقي يرد على سائر مال المفلس ويشترك الغرماء فيه وإن بيع بعضه فباقيه بينهم يباع لهم أيضا ولا يرجع به البائع قال القاضي له الرجوع به وهو مذهب الشافعي لأنه عين ماله لم يتعلق به حق غيره ولنا أنه لم يجد متاعه بعينه فلم يكن له أخذه كما لو كان الدين مستغرقا له وما ذكره القاضي لا يخرج على المذهب لأن تلف بعض المبيع يمنع الرجوع فكذلك ذهاب بعضه بالبيع ولو رهن بعض العبد لم يكن للبائع الرجوع في باقيه لما ذكرنا وإن كان المبيع عينين فرهن إحداهما فهل يملك البائع الرجوع في الأخرى على وجهين بناء على الروايتين فيما إذا تلفت إحدى العينين وإن فك الرهن قبل فلس المشتري أو أبرأ من دينه فللبائع الرجوع لأنه أدرك متاعه بعينه عند المشتري وإن أفلس وهو رهن فأبرأ المرتهن المشتري من دينه أو قضى الدين من غيره فللبائع الرجوع أيضا كذلك فصل وإن كان عبدا فأفلس المشتري بعد تعلق أرش الجناية برقبته ففيه وجهان أحدهما ليس للبائع الرجوع لأن تعلق الرهن به يمنع الرجوع وأرش الجناية يقدم على حق المرتهن فأولى أن لا يرجع ذكر أبو الخطاب والثاني لا يمنع الرجوع فيه لأنه حق لا يمنع تصرف المشتري فيه فلم يمنع الرجوع كالدين في ذمته وفارق الرهن فإنه يمنع تصرف المشتري فيه فإن قلنا لا يرجع فحكمه حكم الرهن وإن قلنا له الرجوع فهو مخير إن شاء رجع فيه ناقصا بأرش الجناية وإن شاء ضرب بثمنه مع الغرماء وإن أبرأ الغريم من الجناية فللبائع الرجوع فيه لأنه وجد متاعه بعينه خاليا من تعلق حق غيره به فصل وإن أفلس بعد خروج المبيع من ملكه ببيع أو هبة أو وقف أو عتق أو غير ذلك لم يكن للبائع الرجوع لأنه لم يدرك متاعه بعينه عند المفلس سواء كان المشتري يمكنه استرجاعه بخيار له أو عيب في ثمنه أو رجوعه في هبة ولده أو غير ذلك لما ذكرنا وخروج بعضه كخروج جميعه لما تقدم فإن أفلس بعد رجوع ذلك إلى ملكه ففيه ثلاثة أوجه أحدها له الرجوع للخبر ولأنه وجد عين ماله خاليا عن حق غيره أشبه ما لو لم يبعه والثاني لا يرجع لأن هذا الملك لم ينتقل إليه منه فلم يملك فسخه ذكر أصحابنا هذين الوجهين ولأصحاب الشافعي مثل ذلك والثالث إن عاد إليه بسبب جديد كبيع أو هبة أو إرث أو وصية أو نحو ذلك لم يكن للبائع الرجوع لأنه لم يصر إليه من جهته وإن عاد إليه بفسخ كالإقالة والرد بعيب أو خيار ونحو ذلك فللبائع الرجوع لأن هذا الملك استند إلى السبب الأول فإن فسخ العقد الثاني لا يقتضي ثبوت الملك وإنما أزال السبب المزيل لملك البائع فثبت الملك بالسبب الأول فملك استرجاع ما ثبت الملك فيه ببيعه فصل وإن كان المبيع شقصا مشفوعا ففيه ثلاثة أوجه أحدها البائع أحق به هذا قول ابن حامد للخبر ولأنه إذا رجع فيه عاد الشقص إليه فزال الضرر عن الشفيع لأنه عاد كما كان قبل البيع ولم تتجدد شركة غيره والثاني أن الشفيع أحق
ذكره أبو الخطاب لأن حقه أسبق فكان أولى بيانه أن حق البائع ثبت بالحجر وحق الشفيع ثبت بالبيع ولأن حقه آكد لأنه يستحق انتزاع الشقص من المشتري وممن نقله إليه وحق البائع إنما يتعلق بالعين ما دامت في يد المشتري ولا يزول الضرر عنه برده إلى البائع بدليل ما لو باعه المشتري لبائعه أو وهبه إياه أو أقاله لم يسقط حق الشفيع ولأن البائع إنما يستحق الرجوع في عين لم يتعلق بها حق الغير وهذه قد تعلق بها حق الشفيع الوجه الثالث أن الشفيع إن كان طالب بالشفعة فهو أحق لأن حقه تأكد هنا بالمطالبة وإن كان لم يطالب بها فالبائع أولى ولأصحاب الشافعي وجهن كالأولين ولهم وجه ثالث أن الثمن يؤخذ من الشفيع فيختص به البائع جمعا بين الحقين فإن غرض الشفيع في عين الشقص المشفوع وغرض البائع في ثمنه فيحصل ذلك بما ذكرنا ولليس هذا جيدا لأن حق البائع إنما ثبت في العين فإذا صار الأمر إلى وجوب الثمن تعلق بذمته فساوى الغرماء فيه فصل وإن كان المبيع صيدا فأفلس المشتري والبائع محرم لم يرجع فيه لأنه تملك الصيد فلم يجز مع الإحرام كشراء الصيد وإن كان البائع حلالا في الحرم والصيد في الحل فأفلس المشتري فللبائع الرجوع فيه لأن الحرم إنما يحرم الصيد الذي فيه وهذا ليس من صيده فلا يحرم ولو أفلس المحرم وفي ملكه صيد بائعه حلال فله أخذه لأن المانع غير موجود في حقه فصل وإذا أفلس وفي يده عين مال دين بائعها مؤجل وقلنا لا يحل الدين بالفلس فقال أحمد في رواية الحسن بن ثواب يكون ماله موقوفا إلى أن يحل دينه فيختار البائع الفسخ أو الترك وهذا قول بعض أصحاب الشافعي والمنصوص عن الشافعي أنه يباع في الديون الحالة ويتخرج لنا مثل ذلك لأنها حقوق حالة فقدمت على الدين المؤجل كدين من لم يجد عين ماله وللأول الخبر ولأن حق هذا البائع تعلق بالعين فقدم على غيره وإن كان مؤجلا كالمرتهن والمجني عليه فصل قال أحمد في رجل ابتاع طعاما نسيئة ونظر إليه وقلبه وقال اقبضه غدا فمات البائع وعليه دين فالطعام للمشتري ويتبعه الغرماء في الثمن وإن كان رخيصا وكذلك قال الثوري وإسحاق لأن الملك ثبت للمشتري فيه بالشراء وزال ملك البائع عنه فلم يشاركه غرماء البائع فيه كما لو قبضه الشرط الخامس أن يكون المفلس حيا ويأتي شرح ذلك في آخر الباب إن شاء الله تعالى فصل ورجوع البائع في المبيع فسخ للبيع لا يحتاج إلى معرفة المبيع ولا القدرة على تسليمه ولا اشتباه المبيع بغيره فلو رجع في المبيع الغائب بعد مضي مدة يتغير فيها ثم وجده على حاله لم يتلف شيء منه صح رجوعه وإن رجع في العبد بعد إباقه أو الجمل بعد شروده أو الفرس العاثر صح وصار ذلك له فإن قدر عليه أخذه وإن ذهب كان من ماله وإن تبين أنه كان تالفا حين استرجاعه لم يصح استرجاعه وكان له أن يضرب مع الغرماء في الموجود من ماله وإن رجع في المبيع واشتبه بغيره فقال البائع هذا هو المبيع وقال المفلس بل هذا فالقول قول المفلس لأنه منكر لاستحقاق ما ادعاه البائع والأصل معه مسألة قال ( ومن وجب له حق بشاهد فلم يحلف لم يكن للغرماء أن يحلفوا معه ويستحقوا ) وجملة ذلك أن المفلس في الدعوى كغيره فإذا ادعى حقا له به شاهد عدل وحلف مع شاهده ثبت المال وتعلقت به حقوق الغرماء وإن امتنع لم يجبر لأننا لا نعلم صدق الشاهد ولو ثبت الحق بشهادته لم يحتج إلى يمين معه فلا يجبر على الحلف على ما لا يعلم صدقه كغيره فإن قال الغرماء نحن نحلف مع الشاهد لم يكن لهم ذلك وبهذا قال الشافعي في الجديد وقال في القديم يحلفون معه لأن حقوقهم تعلقت بالمال فكان لهم أن يحلفوا كالورثة يحلفون على مال موروثهم
ولنا إنهم يثبتون ملكا لغيرهم لتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز لهم ذلك كالمرأة تحلف لإثبات ملك لزوجها لتعلق نفقتها به وكالورثة قبل موت موروثهم وفارق ما بعد الموت فإن الما انتقل إليهم وهم يثبتون بأيمانهم ملكا لأنفسهم مسألة قال ( وإذا كان على المفلس دين مؤجل لم يحل بالتفليس وكذلك في الدين الذي على الميت إذا وثق الورثة ) وجملته أن الدين المؤجل لا يحل بفلس من هو عليه رواية واحدة قاله القاضي وذكر أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه يحل وبه قال مالك وعن الشافعي كالمذهبين واحتجوا بأن الإفلاس يتعلق به الدين بالمال فأسقط الأجل كالموت ولنا إن الأجل حق للمفلس فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه ولأنه لا يوجب حلول ماله فله يوجب حلول ما عليه كالجنون والإغماء ولأنه دين مؤجل على حي فلم يحل قبل أجله كغير المفلس ول نسلم أن الدين يحل بالموت فهو كمسألتنا وإن سلمنا فالفرق بينهما أن ذمته خربت وبطلت بخلاف المفلس إذا ثبت هذا فإنه إذا حجر على المفلس فقال أصحابنا لا يشارك أصحاب الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة بل يقسم المال الموجود بين أصحاب الديون الحالة يبقى المؤجل في الذمة إلى وقت حلوله فإن لم يقتسم الغرماء حتى حل الدين شارك الغرماء كما لو تجدد على المفلس دين بجنايته وإن أدرك بعض المال قبل قسمه شاركهم فيه ويضرب فيه بجميع دينه ويضرب سائر الغرماء ببقية ديونهم وإن قلنا إن الدين يحل فإنه يضرب مع الغرماء بدينه كغيره مني الذمة إلى وقت حلوله فإن لم يقتسم الغرماء حتى حل الدين شارك الغرماء كما لو تجدد على المفلس دين بجنايته وإن أدرك بعض المال قبل قسمه شاركهم فيه ويضرب فيه بجميع دينه ويضرب سائر الغرماء ببقية ديونهم وإن قلنا إن الدين يحل فإنه يضرب مع الغرماء بدينه كغيره من أرباب الديون الحالة فأما إن مات وعليه ديون مؤجلة فهل تحل بالموت فيه روايتان إحداهما لا تحل إذا وثق الورثة وهو قول ابن سيرين وعبد الله بن الحسن وإسحاق وأبي عبيد وقال طاوس وأبو بكر بن محمد والزهري وسعيد بن إبراهيم الدين إلى أجله وحكى ذلك عن الحسن والرواية الأخرى أنه يحل بالموت وبه قال الشعبي والنخعي وسوار ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لأنه لا يخلو إما أن يبقى في ذمة الميت أو الورثة أو يتعلق بالمال لا يجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته بها ولا ذمة الورثة لأنهم لم يلتزموها ولا رضي صاحب الدين بذممهم وهي مختلفة متباينة ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله لأنه ضرر بالميت وصاحب الدين ولا نفع للورثة فيه أما الميت فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الميت مرتهن بدينه حتى يقضى عنه وأما صاحبه فيتأخر حقه وقد تتلف العين فيسقط حقه وأما الورثة فإنهم لا ينتفعون بالأعيان ولا ينصرفون فيها وإن حصلت لهم منفعة فلا يسقط حظ الميت وصاحب الدين لمنفعة لهم ولنا ما ذكرنا في المفلس ولأن الموت ما جعل مبطلا للحقوق وإنما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من ترك حقا أو مالا فلورثته وما ذكروه إثبات حكم بالمصلحة المرسلة ولا يشهد لها شاهد الشرع باعتبار ولا خلاف في فساد هذا فعلى هذا يبقى الدين في ذمة الميت كما كان ويتعلق بعين ماله كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه فإن أحب الورثة أداء الدين والتزامه للغريم ويتصرفون في المال لم يكن لهم ذلك إلا أن يرضى الغريم أو يوثقوا الحق بضمين مليء أو رهن يثق به لوفاء حقه فإنهم قد لا يكونوا أملياء ولم يرض بهم الغريم فيؤدي إلى فوات الحق
وذكر القاضي أن الحق ينتقل إلى ذمم الورثة بموت مورثهم من غير أن يشترط التزامهم له ولا ينبغي أن يلزم الإنسان دين لم يلتزمه ولم يتعاط سببه ولو لزمهم ذلك لموت مورثهم للزمهم وإن لم يخلف وفاء وإن قلنا إن الدين يحل بالموت فأحب الورثة القضاء من غير التركة واستخلاص التركة فلهم ذلك وإن قضوا منها فلهم ذلك وإن امتنعوا من القضاء باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين وإن مات مفلس وله غرماء بعض ديونهم مؤجل وبعضها حال وقلنا المؤجل يحل بالموت تساووا في التركة فاقتسموها على قدر ديونهم وإن قلنا لا يحل بالموت نظرنا فإن وثق الورثة لصاحب المؤجل اختص أصحاب الحال بالتركة وإن امتنع الورثة من التوثيق حل دينه وشارك أصحاب الحال لئلا يفضي إلى إسقاط دينه بالكلية فصل حكي بعض أصحابنا فيمن مات وعليه دين هل يمنع الدين نقل التركة إلى الورثة روايتين إحداهما لا يمنعه للخبر ولأن تعلق الدين بالمال لا يزيل الملك في حق الجاني والراهن والمفلس فلم يمنع نقله فإن تصرف الورثة في التركة ببيع أو غيره صح تصرفهم ولزمهم أداء الدين فإن تعذر وفاؤه فسخ تصرفهم كما لو باع السيد عبده الجاني أو النصاب الذي وجبت فيه الزكاة والرواية الثانية يمنع نقل التركة إليهم لقول الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء 11 فجعل التركة للوارث من بعد الدين والوصية فلا يثبت لهم الملك قبلهما فعلى هذا لو تصرف الورثة لم يصح تصرفهم لأنهم تصرفوا في غير ملكهم إلا أن يأذن الغرماء لهم وإن تصرف الغرماء لم يصح إلا بإذن الورثة مسألة قال ( وكل ما فعله المفلس في ماله قبل أن يقفه الحاكم فجائز ) يعني قبل أن يحجر عليه الحاكم فنبدأ بذكر سبب الحجر فنقول إذا رفع إلى الحاكم رجل عليه دين فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لم يجبهم حتى تثبت ديونهم باعترافه أو ببينة فإذا ثبت نظر في ماله فإن كان وافيا بدينه لم يحجر عليه وأمره بقضاء دينه فإن أبى حبسه فإن لم يقضه وصبر على الحبس قضى الحاكم دينه من ماله وإن احتاج إلى بيع ماله في قضاء دينه باعه وإن كان ماله دون دينه وديونه مؤجلة لم يحجر عليه لأنه لا تستحق مطالبته بها فلا يحجر عليه من أجلها وإن كان بعضها مؤجلا وبعضها حالا وماله يفي بالحال لم يحجر عليه أيضا كذلك وقال بعض أصحاب الشافعي إن ظهرت أمارات الفلس لكون ماله بإزاء دينه ولا نفقة له إلا من ماله ففيه وجهان أحدهما يحجر عليه لأن الظاهر أن ماله يعجز عن ديونه فهو كما لو كان ماله ناقصا ولنا إن ماله واف بما يلزمه أداؤه فلم يحجر عليه كما لو لم تظهر أمارات الفلس ولأن الغرماء لا يمكنهم طلب حقوقهم في الحال فلا حاجة إلى الحجر وأما إن كانت ديونه حالة يعجز ماله عن أدائها فسأل غرماؤه الحجر عليه لزمته إجابتهم ولا يجوز الحجر عليه بغي سؤال غرمائه لأنه لا ولاية له في ذلك وإنما يفعله لحق الغرماء فاعتبر رضاهم به وإن اختلفوا فطلب بعضهم دون بعض أجيب من طلب لأنه حق له وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة ليس للحاكم الحجر عليه فإذا أدى اجتهاده إلى الحجر عليه ثبت لأنه فصل مجتهد فيه وليس له التصرف في ماله لأنه لا ولاية عليه إلا أن الحاكم يجبره على البيع إذا لم يمكن الإيفاء بدونه فإن امتنع لم يبعه وكذلك إن امتنع الموسر من وفاء الدين لا يبيع ماله وإنما يحبسه ليبيع بنفسه إلا أن يكون عليه أحد النقدين وماله من النقد الآخر فيدفع الدراهم عن الدنانير والدنانير عن الدراهم لأنه رشيد لا ولاية عليه فلم يجز للحاكم بيع ماله بغير إذنه كالذي لا دين عليه وخالفه صاحباه في ذلك ولنا ما روى كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع ماله في دينه رواه الخلال بإسناده
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب الناس وقال ألا إن أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج فأدان معرضا فأصبح وقدرين به فمن كان له عليه مال فليحضر غدا فإنا بائعوا ماله وقاسموه بين غرمائه ولأنه محجور عليه محتاج إلى قضاء دينه فجاز بيع ماله بغير رضاه كالصغير والسفيه ولأنه نوع مال فجاز بيعه في قضاء دينه كالأثمان وقياسهم يبطل ببيع الدراهم بالدنانير إذا ثبت هذا عدنا إلى مسألة الكتاب فنقول ما فعله المفلس قبل حجر الحاكم عليه من بيع أو هبة أو إقرار أو قضاء بعض الغرماء أو غير ذلك فهو جائز نافذ وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم أحدا خالفهم ولأنه رشيد غير محجور عليه فنفذ تصرفه كغيره ولأن سبب المنع الحجر فلا يتقدم سببه ولأنه من أهل التصرف ولم يحجر عليه فأشبه المليء وإن أكرى جملا بعينه أو دارا لم تنفسخ إجارته بالفلس وكان المكتري أحق به حتى تنقضي مدته فصل ومتى حجر عليه لم ينفذ تصرفه في شيء من ماله فإن تصرف ببيع أو هبة أو وقف أو أصدق امرأة مالا له أو نحو ذلك لم يصح وبهذا قال مالك والشافعي في قول وقال في آخر يقف تصرفه فإن كان فيما بقي من ماله وفاء الغرماء نفذ وإلا بطل ولنا إنه محجور عليه بحكم حاكم فلم يصح تصرفه كالسفيه ولأن حقوق الغرماء تعلقت بأعيان ماله فلم يصح تصرفه فيها كالمرهونة فأما إن تصرف في ذمته فاشترى أو اقترض أو تكفل صح تصرفه لأنه أهل للتصرف إنما وجد في حقه الحجر والحجر إنما يتعلق بماله لا بذمته ولكن لا يشارك أصحاب هذه الديون الغرماء لأنهم رضوا بذلك إذا علموا أنه مفلس وعاملوه ومن لم يعلم فقد فرط في ذلك فإن هذا في مظنة الشهرة ويتبع بها بعد فك الحجر عنه وإن أقر بدين لزمه بعد فك الحجر عنه نص عليه أحمد وهو قول مالك ومحمد بن الحسن والثوري والشافعي في قول وقال في الآخر يشاركهم واختاره ابن المنذر لأنه دين ثابت مضاف إلى ما قبل الحجر فيشارك صاحبه الغرماء كما لو ثبت ببينة ولنا إنه محجور عليه فلم يصح إقراره فيما كالسفيه أو كالراهن يقر على الرهن ولأنه إقرار يبطل ثبوته حق غير المقر فلم يقبل أو إقرار على الغرماء فلم يقبل كإقرار الراهن ولأنه متهم في إقراره فهو كالإقرار على غيره وفارق البينة فإنه لا تهمة في حقها ولو كان المفلس صانعا كالقصار والحائك في يديه متاع فأقر به لأربابه لم يقبل إقراره والقول فيها كالتي قبلها وتباع العين التي في يديه وتقسم بين الغرماء وتكون قيمتها واجبة على المفلس إذا قدر عليها لأنها صرفت في دينه بسبب من جهته فكانت قيمتها عليه كما لو أذن في ذلك وإن توجهت على المفلس يمين فنكل عنها فقضي عليه فحكمه حكم إقراره يلزم في حقه ولا يحاص الغرماء فصل وإن أعتق المفلس بعض رقيقه فهل يصح على روايتين إحداهما يصح وينفذ وهو قول أبي يوسف وإسحاق لأنه عتق من مالك رشيد فنفذ كما قبل الحجر ويفارق سائر التصرفات لأن للعتق تغليبا وسراية ولهذا يسري إلى ملك الغير ويسري واقفه بخلاف غيره والرواية الأخرى لا ينفذ عتقه وبهذا قال مالك وابن أبي ليلى والثوري والشافعي واختاره أبو الخطاب في رؤوس المسائل لأنه ممنوع من التبرع لحق الغرماء فلم ينفذ عتقه كالمريض الذي يستغرق دينه ماله ولأن المفلس محجور عليه فلم ينفذ عتقه كالسفيه وفارق المطلق وأما سرايته إلى ملك الغير فمن شرطه أن يكون موسرا يؤخذ منه قيمة نصيب شريكه فلا يتضرر ولو كان معسرا لم ينفذ عتقه إلا فيما يملك صيانة لحق الغير وحفظا له عن الضياع كذا ههنا وهذا أصح إن شاء الله تعالى
فصل ويستحب إظهار الحجر عليه لتجتنب معاملته كيلا يستضر الناس بضياع أموالهم عليه والإشهاد عليه لينتشر ذلك عنه وربما عزل الحاكم أو مات فيثبت الحجر عند الآخر فيمضيه ولا يحتاج إلى ابتداء حجر ثان فصل وإن ثبت عليه حق ببينة شارك صاحبه الغرماء لأنه دين ثابت قبل الحجر عليه فأشبه ما لو قامت البينة به قبل الحجر ولو جنى المفلس بعد الحجر جناية أوجبت مالا شارك المجني عليه الغرماء لأن حق المجني عليه ثبت بغير اختياره ولو كانت الجناية موجبة للقصاص فعفا صاحبها عنها إلى مال أو صالحه المفلس على مال شارك الغرماء لأن سببه ثبت بغير اختيار صاحبه فأشبه ما لو أوجبت المال فإن قيل ألا قدمتم حقه على الغرماء كما قدمتم حق من جنى عليه بعض عبيد المفلس قلنا لأن الحق في العبد الجاني تعلق بعينه فقدم لذلك وحق هذا تعلق بالذمة كغيره من الديون فاستويا فصل ولو قسم الحاكم ماله بين غرمائه ثم ظهر غريم آخر رجع على الغرماء بقسطه وبهذا قال الشافعي وحكي ذلك عن مالك وحكي عنه لا يحاصهم لأنه نقض لحكم الحاكم ولنا إنه غريم لو كان حاضرا قاسمهم فإذا ظهر بعد ذلك قاسمهم كغريم الميت يظهر بعد قسم ماله وليس قسم الحاكم ماله حكما إنما هو قسمة بان الخطأ فيها فأشبه ما لو قسم مال الميت بين غرمائه ثم ظهر غريم آخر أو قسم أرضا بين شركاء ثم ظهر شريك آخر أو قسم الميراث بين ورثة ثم ظهر وارث سواه أو وصية ثم ظهر موصى له آخر فصل ولو أفلس وله دار مستأجرة فانهدمت بعد قبض المفلس الأجرة انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة وسقط من الأجرة بقدر ذلك ثم إن وجد عين ماله أخذ بقدر ذلك وإن لم يجده ضرب مع الغرماء بقدره وإن كان ذلك بعد قسم ماله رجع على الغرماء بحصته لأنه سبب وجوبه قبل الحجر ولذلك يشاركهم إذا وجب قبل القسمة ولو باع سلعة وقبض ثمنها ثم أفلس فوجد بها المشتري عيبا فردها به أو ردها بخيار أو اختلاف في الثمن ونحوه ووجد عين ماله أخذها لأن البيع لما انفسخ زال ملك المفلس عن الثمن كزوال ملك المشتري عن المبيع وإن كان بعد تصرفه فيه شارك المشتري الغرماء مسألة قال ( وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته بالمعروف من ماله إلى أن يفرغ من قسمته بين غرمائه ) وجملة ذلك أنه إذا حجر على المفلس وكان ذا كسب بقي بنفقته ونفقة من تلزمه نفقته فنفقته في كسبه فإنه لا حاجة إلى إخراج ماله مع غناء بكسبه فلم يجز أخذ ماله كالزيادة على النفقة وإن كان كسبه دون نفقته كملناها من ماله وإن لم يكن ذا كسب أنفق عليه من ماله مدة الحجر وإن طالت لأن ملكه باق وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ومعلوم أن فيمن يعوله من تجب نفقته عليه ويكون دينا عليه وهي الزوجة فإذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة فكذلك على حق الغرماء ولأن الحي آكد حرمة من الميت لأنه مضمون بالإتلاف وتقديم تجهيز الميت ومؤنة دفنه على دينه متفق عليه فنفقته أولى وتقدم أيضا نفقة من تلزمه نفقته من أقاربه مثل الوالدين والمولودين وغيرهم ممن تجب نفقتهم لأنهم يجرون مجرى نفسه لأن ذوي رحمه منهم يعتقون إذا ملكهم كما يعتق إذا ملك نفسه فكانت نفقتهم كنفقته وكذلك زوجته تقدم نفقتها لأن نفقتها آكد من نفقة الأقارب لأنها تجب من طريق المعاوضة وفيها معنى الأحياء كما في الأقارب وممن أوجب الإنفاق على المفلس وزوجته وأولاده الصغار من ماله أبو حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم أحدا خالفهم وتجب كسوتهم أيضا
لأن ذلك مما لا بد منه ولا تقوم النفس بدونه والواجب من النفقة والكسوة أدنى ما ينفق على مثله بالمعروف وأدنى ما يكتسى مثله إن كان من جنس الطعام أو متوسطه وكذلك كسوته من جنس ما يكتسيه مثله وكسوة امرأته ونفقتها مثل ما يقترض على مثله وأقل ما يكفيه من اللباس قميص وسراويل وشيء يلبسه على رأسه إما عمامة أو قلنسوة أو غيرهما مما جرت به عادته ولرجله حذاء إن كان يعتاده وإن احتاج إلى جبة أو فروة لدفع البرد دفع إليه ذلك وإن كانت له ثياب لا يلبس مثله مثلها بيعت واشترى له كسوة مثلها ورد الفضل على الغرماء فإن كانت إذا بيعت واشترى له كسوة لا يفضل منها شيء تركت فإنه لا فائدة في بيعها فصل وإن مات المفلس كفن من ماله لأن نفقته كانت واجبة من ماله في حال حياته فوجب تجهيزه منه بعد الموت كغيره وكذلك يجب كفن من يمونه لأنهم بمنزلته ولا يلزم تكفين الزوجة لأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع وقد فات بالموت فسقطت النفقة ويفارق الأقارب لأن قرابتهم باقية وإنمات من عبيده أحد وجب تفكينه وتجهيزه لأن نفقته ليست في مقابلة الانتفاع به ولذلك تجب نفقة الصغير والمبيع قبل التسليم ويكفن في ثلاثة أثواب كما كان يلبس في حياته ثلاثة ويحتمل أن يكفن في ثوب واحد يستره لأن ذلك يكفيه فلا حاجة إلى الزيادة وفارق حالة الحياة لأنه لا بد له من تغطية رأسه وكشف ذلك يؤذيه بخلاف الميت ويمتد الإنفاق على المفلس إلى حين فراغه من القسمة بين الغرماء لأنه لا يزول ملكه إلا بذلك ومذهب الشافعي في هذا الفصل قريب مما ذكرنا مسألة قال ( ولا تباع داره التي لا غنى عن سكناها ) وجملته أن المفلس إذا حجر عليه باع الحاكم ماله ويستحب أن يحضر المفلس البيع لمعان أربعة أحدهما ليحصي ثمنه ويضبطه الثاني أنه أعرف بثمن متاعه وجيده ورديئه فإذا حضر تكلم عليه وعرف العين من غيره الثالث أن تكثر الرغبة فيه فإن شراءه من صاحبه أحب إلى المشتري الرابع أن ذلك أطيب لنفسه وأسكن لقلبه ويستحب إحضار الغرماء أيضا لأمور أربعة أحدها أنه يباع لهم الثاني أنهم ربما رغبوا في شراء شيء منه فزادوا في ثمنه فيكون أصلح لهم وللمفلس الثالث أنه أطيب لقلوبهم وأبعد من التهمة الرابع أنه ربما كان فيهم من يجد عين ماله فيأخذها فإن لم يفعل وباعه من غير حضورهم كلهم جاز لأن ذلك موكول إليه ومفوض إلى اجتهاده وربما أداه اجتهاده إلى خلاف ذلك وبانت له المصلحة في المبادرة إلى البيع قبل إحضارهم ويأمرهم الحاكم أن يقيموا مناديا ينادي لهم على المتاع فإن تراضوا برجل ثقة إمضاء الحاكم وإن اتفقوا على غير ثقة رده فإن قيل فلم يرده وأصحاب الحق قد اتفقوا عليه فأشبه ما لو اتفق الراهن والمرتهن على أن يبيع الرهن غير ثقة لم يكن للحاكم الاعتراض قلنا لأن للحاكم ههنا نظرا واجتهادا فإنه قد يظهر غريم آخر فيتعلق حقه به فلهذا نظر فيه بخلاف الرهن فإنه لا نظر للحاكم فيه فإن اختار المفلس رجلا واختار الغرماء آخر أقر الحاكم الثقة منهما فإن كانا بجعل قدم أعرفهما وأوثقهما فإن تساويا قدم من يرى منهما فإن وجد متطوعا بالنداء وإلا دفعت الأجرة من مال المفلس لأن البيع حق عليه لكونه طريق وفاء دينه وقيل يدفع من بيت المال لأنه من المصالح وكذلك الحكم في أجر من يحفظ المتاع والثمن وأجر الحمالين ونحوهم
ويستحب بيع كل شيء في سوقه البز في البزازين والكتب في سوقها ونحو ذلك لأنه أحوط وأكثر لطلابه ومعرفة قيمته فإن باع في غير سوقه بثمن مثله جاز لأن الغرض تحصيل الثمن وربما أدى الاجتهاد إلى أن ذلك أصلح ولذلك لو قال بع ثوبي في سوق كذا بكذا فباعه بذلك في سوق آخر جاز ويبيع بنقد البلد لأنه أوفر فإن كان في البلد نقود باع بغالبها فإن تساوت باع بجنس الدين وإن زاد في السلعة زائد في مدة الخيار ألزم الأمين الفسخ لأنه أمكنه بيعه بثمن فلم يجز بيعه بدونه كما لو زيد فيه قبل العقد وإن زاد بعد لزوم العقد استحب للأمين سؤال المشتري الإقالة واستحب للمشتري الإجابة إلى ذلك لتعليقه بمصلحة المفلس وقضاء دينه فيبدأ ببيع العبد الجاني فيددفع إلى المجني عليه أقل الأمرين من ثمنه أو أرش جنايته وما فضل منه رده إلى الغرماء ثم بيبع الرهن فيدفع المرتهن قدر دينه وما فضل من ثمنه رده إلى الغرماء وإن بقيت من دينه بقية ضرب بها مع الغرماء ثم يبيع ما يسرع إليه الفساد من الطعام الرطب لأن بقاءه يتلفه بيقين ثم يبيع الحيوان لأنه معرض للتلف ويحتاج إلى مؤنة في بقائه ثم يبيع السلع والأثاث لأنه يخاف عليه وتناله الأيدي ثم العقار آخرا لأنه لا يخاف تلفه وبقاؤه أشهر له وأكثر لطلابه ومتى باع شيئا من ماله وكان الدين لواحد وحده دفعه إليه لأنه لا حاجة إلى تأخيره وإن كان له غرماء فأمكن قسمته عليهم قسم ولم يؤخر وإن لم يمكن قسمته أودع عند ثقة إلى أن يجتمع ويمكن قسمته فيقسم وإن احتاج في حفظه إلى غرامة دفع ذلك إلى من يحفظه إذا ثبت هذا عدنا إلى مسألة الكتاب فنقول لا تباع داره التي لا غنى له عن سكناها وبهذا قال أبو حنيفة وإسحاق وقال شريح ومالك والشافعي تباع ويكترى له بدلها واختاره ابن المنذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال لغرمائه خذوا ما وجدتم وهذا مما وجدوه ولأنه عين مال المفلس فوجب صرفه في دينه كسائر ماله ولنا إن هذا مما لا غنى للمفلس عنه فلم يصرف في دينه كثيابه وقوته والحديث قضية في عين ويحتمل أنه لم يكن له عقار ولا خادم ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خذوا ما وجدتم مما تصدق به عليه فإن المذكور قبل ذلك كذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تصدقوا عليه فتصدقوا عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا ما وجدتم أي مما تصدق به عليه والظاهر أنه لم يتصدق عليه بدار وهو محتاج إلى سكناها ولا خادم وهو محتاج إلى خدمته ولأن الحديث مخصوص بثياب المفلس وقوته فنقيس عليه محل النزاع وقياسهم منتقض بذلك أيضا وبأجر المسكن وسائر ماله يستغنى عنه بخلاف مسألتنا فصل وإن كان له داران يستغني بسكنى إحداهما بيعت الأخرى لأن به غنى عن سكناها وإن كان مسكنه واسعا لا يسكن مثله في مثله بيع واشترى له مسكن مثله ورد الفضل على الغرماء كالثياب التي له إذا كانت رفيعة لا يلبس مثله مثلها ولو كان المسكن والخادم اللذين لا يستغني عنهما عين مال بعض الغرماء أو كان جميع ماله أعيان أموال أفلس بأثمانها ووجدها أصحابها فلهم أخذها بالشرائط التي ذكرناها لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به ولأن حقه تعلق بالعين فكان أقوى سببا من المفلس ولأن الإعسار بالثمن سبب يستحق به الفسخ فلم يمنعه منه تعلق حاجة المشتري كما قبل القبض وكالعيب والخيار ولأن منعهم من أخذ أعيان أموالهم يفتح باب الخيل بأن يجيء من لا مال له فيشتري في ذمته ثيابا يلبسها ودارا يسكنها وخادما يخدمه وفرسا يركبها وطعاما له ولعائلته ويمتنع على أربابها أخذها لتعلق حاجته بها فتضيع أموالهم ويستغني هو بها
فعلى هذا يؤخذ ذلك ولا يترك له شيء منه لأنه أعيان أموال الناس فكانوا أحق بها منه كما لو كانت في أيديهم أو أخذها منهم غصبا فصل ولو كان المفلس ذا صنعة يكسب ما يمونه ويمون من تلزمه مؤنته أو كان يقدر على أن يكسب ذلك بأن يؤجر نفسه أو يتوكل لإنسان أو يكتسب من المباحات ما يكفيه لم يترك له من ماله شيء وإن لم يقدر على شيء مما ذكرناه ترك له من ماله قدر ما يكفيه قال الإمام أحمد رحمة الله تعالى في رواية أبي داود ويترك له قوت يتقوت به وإن كان له عيال ترك له قوام وقال في رواية الميموني يترك له قدر ما يقوم به معاشه ويباع الباقي وهذا في حق الشيخ الكبير وذوي الهيئات الذين لا يمكنهم التصرف بأبدانهم وينبغي أن يجعل ذلك مما لا يتعلق به حق بعضهم بعينه لأن من تعلق حقه بالعين أقوى سببا من غيره فصل وإذا تلف شيء من مال المفلس تحت يد الأمين أو بيع شيء من ماله وأودع ثمنه فتلف عند المودع فهو من ضمان المفلس وبهذا قال الشافعي وقال مالك العروض من ماله والدراهم والدنانير من مال الغرماء وقال المغيرة الدنانير من مال أصحاب الدنانير والدراهم من مال أصحاب الدراهم ولنا إنه من مال المفلس ونماؤه له فكان تلفه في ماله كالعروض فصل وإذا اجتمع مال المفلس قسم بين غرمائه فإن كانت ديونهم من جنس الأثمان أخذوها وإن كان فيهم من دينه من غير جنس الأثمان كالقرض بغير الأثمان فرضي أن يأخذ عوض حقه من الأثمان جاز وإن امتنع وطلب جنس حقه ابتيع هل بحصته من جنس دينه ولو أراد الغريم الأخذ من المال المجموع وقال المفلس لا أوفيك إلا من جنس دينك قدم قوله لأن هذا على سبيل المعوضة فلا يجوز إلا بتراضيهما عليه وإن كان فيهم من له دين من سلم لم يجز أن يأخذ إلا من جنس حقه وإن تراضيا على دفع عوضه لأن ما في الذمة من السلم لا يجوز أخذ البدل عنه لقوله صلى الله عليه وسلم من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره فصل وإذا فرق مال المفلس وبقيت عليه بقية وله صنعة فهل يجبره الحاكم على إيجار نفسه ليقضي دينه على روايتين إحداهما لا يجبره وهو قول مالك والشافعي لقول الله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة البقرة 280 ولما روى أبو سعيد أن رجلا أصيب في ثمار ابتاعها وكثر دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه فتصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك رواه مسلم ولأن هذا تكسب للمال فلم يجبره عليه كقبول الهبة والصدقة وكما لا تجبر المرأة على التزويج لتأخذ المهر والثانية يجبر على الكسب وهو قول عمر بن عبد العزيز وسوار العنبري وإسحاق لأن النبي صلى الله عليه وسلم باع سرقا في دينه وكان سرق رجلا دخل المدينة وذكر أن وراءه مالا فداينه الناس فركبته ديون ولم يكن وراءه مال فسماه سرقا وباعه بخمسة أبعرة والحر لا يباع ثبت أنه باع منافعه ولأن المنافع تجري مجرى الأعيان في صحة العقد عليها وتحريم أخذ الزكاة وثبوت الغنى بها فكذلك في وفاء الدين منها ولأن الإجارة عقد معاوضة فجاز إجباره عليها كبيع ماله في وفاء الدين منها ولأنها إجارة لما يملك إجارته فيجبر عليها في وفاء دينه كإجارة أم ولده ولأنه قادر على وفاء دينه فلزمه كمالك ما يقدر على الوفاء منه فإن قيل حديث سرق منسوخ بدليل أن الحر لا يباع والبيع وقع على رقبته بدليل أن في الحديث أن الغرماء قالوا لمشتريه ما تصنع به قال أعتقه قالوا لسنا بأزهد منك في إعتاقه فأعتقوه
قلنا هذا إثبات النسخ بالاحتمال ولا يجوز ولم يثبت أن بيع الحر كان جائزا في شريعتنا وحمل لفظ بيعه على بيع منافعه أسهل من حمله على بيع رقبته المحرم فإن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه سائغ كثير في القرآن وفي كلام العرب كقوله تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل ولكن البر من آمن بالله الغرماء وهم لا يملكون إلا الدين الذي عليه وأما قوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة البقرة 280 ) فيتوجه منع كونه داخلا تحت عمومها فإن هذا في حكم الأغنياء في حرمان الزكاة وسقوط نفقته عن قريبه ووجوب نفقة قريبه عليه وحديثهم قضية عين لا يثبت حكمها إلا في مثلها ولم يثبت أن لذلك الغريم كسبا يفضل عن قدر نفقته وأما قبول الهبة والصدقة ففيه منه ومعرة تأباها قلوب ذوي المروءات بخلاف مسألتنا إذا ثبت هذا فلا يجبر على الكسب إلا من كسبه فضله عن نفقته ونفقة من يمونه على ما تقدم ذكره فصل ولا يجبر على قبول هدية ولا صدقة ولا وصية ولا قرض ولا تجبر المرأة على التزوج ليأخذ مهرها لأن في ذلك ضررا للحوق المنة في الهدية والصدقة والوصية والعوض في القرض وملك الزوج للمرأة في النكاح ووجوب حقوقه عليها ولو باع بشرط الخيار ثم أفلس فالخيار بحاله ولا يجبر على ما فيه الحظ من الرد والإمضاء لأن الفلس يمنعه من إحداث عقد أما من إمضائه وتنفيذ عقوده فلا وإن جنى على المفلس جناية توجب المال ثبت المال وتعلقت حقوق الغرماء به ولا يصح منه العفو عنه وإن كانت موجبة للقصاص فهو مخير بين القصاص والعفو ولا يجبر على العفو على مال لأن ذلك يفوت القصاص الذي يجب لمصلحته فإن اقتص لم يجب للغرماء شيء وإن عفا على مال ثبت وتعلقت حقوق الغرماء به وإن عفا مطلقا انبنى على الروايتين في موجب العمد إن قلنا القصاص خاصة لم يثبت شيء وسقط القصاص وإن قلنا أحد أمرين ثبتت له الدية وتعلقت بها حقوق الغرماء وإن عفا على غير مال فعلى الروايتين أيضا فإن قلنا القصاص عينا لم يثبت شيء وإن قلنا أحد الأمرين تثبت الدية ولم يصح إسقاطه لأن عفوه عن القصاص يثبت له الدية ولا يصح إسقاطها وإن وهب هبة بشرط الثواب ثم أفلس فبذل له الثواب لزمه قبوله ولم يكن له إسقاطه لأنه أخذه على سبيل العوض عن الموهوب فلزمه قبوله كالثمن في البيع وليس له إسقاط شير من ثمن مبيع أو أجرة في إجارة ولا قبضه رديئا ولا قبض المسلم فيه دون صفاته إلا بإذن عرمائه ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كمذهبنا فصل إذا فرق مال المفلس فهل ينفك عنه الحجر بذلك أو يحتاج إلى فك الحجر عنه فيه وجهان أحدهما يزول بقسمة ماله لأنه حجر عليه لأجله فإذا زال ملكه عنه زال سبب الحجر فزال الحجر كزوال حجر المجنون لزوال جنونه والثاني لا يزول إلا بحكم الحاكم لأنه ثبت بحكمه فلا يزول إلا بحكمه كالمحجور عليه لسفه وفارق الجنون فإنه يثبت بنفسه فزال بزواله ولأن فراغ ماله يحتاج إلى معرفة وبحث فوقف ذلك على الحاكم بخلاف الجنون فصل ومتى ثبت إعساره عند الحاكم لم يكن لأحد مطالبته وملازمته وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لغرمائه ملازمته من غير أن يمنعوه من الكسب فإذا رجع إلى بيته فأذن لهم في الدخول دخلوا معه وإلا منعوه من الدخول لقول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الحق اليد واللسان ولنا إن من ليس لصاحب الحق مطالبته لم يكن له ملازمته كما لو كان دينه مؤجلا وقول الله تعالى فنظرة إلى ميسرة البقرة 280 ومن وجب إنظاره حرمت ملازمته كمن دينه مؤجل والحديث فيه مقال قاله ابن المنذر ثم نحمله على الموسر بدليل ما ذكرنا فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغرماء الذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك رواه مسلم والترمذي
وإن فك الحجر عنه لم يكن لأحد مطالبته ولا ملازمته حتى يملك مالا فإن جاء الغرماء عقيب فك الحجر عنه فادعوا أن له مالا لم يلتفت إلى قولهم حتى يثبتوا سببه فإن جاؤوا بعد مدة فادعوا أن في يده مالا أو ادعوا ذلك عقيب فك الحجر وبينوا سببه أحضره الحاكم وسأله فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه لأنه ما فك الحجر عنه حتى لم يبق له شيء وإن أقر وقال هو لفلان وأنا وكيله أو مضار به وكان المقر له حاضرا سأله الحاكم فإن صدقه فهو له يستحقه الحاكم لجواز أن يكونا تواطآ على ذلك ليدفع المطالبة عن المفلس وإن قال ما هو لي عرفنا كذب المفلس فيصير كأنه قال المال لي فيعاد الحجر عليه إن طلب الغرماء ذلك وإن أقر لغائب أقر في يديه حتى يحضر الغائب ثم يسأل كما حكمنا في الحاضر ومتى أعيد الحجر عليه لديون تجددت عليه شارك غرماء الحجر الأول غرماء الحجر الثاني إلا أن الأولين يضربون ببقية ديونهم والآخرين يضربون بجميعها وبهذا قال الشافعي وقال مالك لا يدخل غرماء الحجر الأول على هؤلاء الذين تجددت حقوقهم حتى يستوفوا إلا أن تكون له فائدة من ميراث أو يجني عليه جناية فيتحاص الغرماء فيه ولنا أنهم تساووا في ثبوت حقوقهم في ذمته فتساووا في الاستحقاق كالذين تثبت حقوقهم في حجر واحد وكتساويهم في الميراث وأرش الجناية ولأن مكسبه مال له فتساووا فيه كالميراث مسألة قال ( ومن وجب عليه حق فذكر أنه معسر به حبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بعسرته ) وجملته أن من وجب عليه دين حال فطولب به ولم يؤده نظر الحاكم فإن كان في يده مال ظاهر أمره بالقضاء فإن ذكر أنه لغيره فقد ذكرنا حكمه في الفصل الذي قبل هذا وإن لم يجد له مالا ظاهرا فادعى الإعسار فصدقه غريمه لم يحبس ووجب إنظاره ولم تجز ملازمته لقول الله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة البقرة 280 ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لغرماء الذي كثر دينه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ولأن الحبس إما أن يكون لإثبات عسرته أو لقضاء دينه وعسرته ثابتة والقضاء متعذر فلا فائدة في الحبس وإن كذبه غريمه فلا يخلو إما أن يكون عرف له مال أو لم يعرف فإن عرف له مال لكون الدين ثبت عن معاوضة كالقرض والبيع أو عرف له أصل مال سوى هذا فالقول قول غريمه مع يمينه فإذا حلف أنه ذو مال حبس حتى تشهد البينة بإعساره قال ابن المنذر أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدين منهم مالك والشافعي وأبو عبيد والنعمان وسوار وعبيد الله بن الحسن وروي عن شريح والشعبي وكان عمر بن عبد العزيز يقول يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس وبه قال عبد الله بن جعفر والليث بن سعد ولنا أن الظاهر قول الغريم فكان القول قوله كسائر الدعاوى فإن شهدت البينة بتلف ماله قبلت شهادتهم سواء كانت من أهل الخبرة الباطنة أو لم تكن لأن التلف يطلع عليه أهل الخبرة وغيرهم وإن طلب الغريم إحلافه على ذلك لم يجب إليه لأن ذلك تكذيب للبينة وإن شهدت مع ذلك بالإعسار اكتفى بشهادتها وثبتت عسرته وإن لم تشهد بعسرته وإنما شهدت بالتلف لا غير وطلب الغريم يمينه على عسره وأنه ليس له مال آخر استحلف على ذلك لأنه غير ما شهدت به البينة وإن لم تشهد بالتلف وإنما شهدت بالإعسار لم تقبل الشهادة إلا من ذي خبرة باطنة ومعرفة متقادمة لأن هذا من الأمور الباطنة لا يطلع عليه في الغالب إلا أهل الخبرة والمخالطة وهذا مذهب الشافعي وحكي عن مالك أنه قال لا تسمع البينة على الإعسار لأنها شهادة على النفي فلم تسمع كالشهادة على أنه لا دين عليه
ولنا ما روى قبيصة بن المخارق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا قبيصة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش رواه مسلم وأبو داود وقولهم إن الشهادة على النفي لا تقبل قلنا لا ترد مطلقا فإنه لو شهدت البينة أن هذا وارث الميت لا وارث له سواه قبلت ولأن هذه وإن كانت تتضمن النفي فهي تثبت حالة تظهر ويوقف عليها بالمشاهدة بخلاف ما إذا شهدت أنه لا حق له فإن هذا مما لا يوقف عليه ولا يشهد به حال يتوصل بها إلى معرفته به بخلاف مسألتنا وتسمع البينة في الحال وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تسمع في الحال ويحبس شهرا وروي ثثلاثة أشهر وروي أربعة أشهر حتى يغلب على ظن الحاكم أنه ول كان له مال لأظهره ولنا إن كل بينة جاز سماعها بعد مدة جاز سماعها في الحال كسائر البينات وما ذكروه لو كان صحيحا لأغنى عن البينة فإن قال الغريم احلفوه لي مع يمينه أنه لا مال له لم يستحلف في ظاهر كلام أحمد لأن قال في رواية إسحاق بن إبراهيم في رجل جاء بشهود على حق فقال الغريم استحلفوه لا يستحلف لأن ظاهر الحديث البينة على المدعي واليمين على من أنكر قال القاضي سواء شهدت البينة بتلف المال أو بالإعسار وهذا أحد قولي الشافعي لأنها بينة مقبولة فلم يستحلف معها كما لو شهدت بأن هذا عبده أو هذه داره ويحتمل أن يستحلف وهذا القول الثاني للشافعي لأنه يحتمل أن له مالا خفي على البينة ويصح عندي إلزامه اليمين على الإعسار فيما إذا شهدت البينة بتلف المال وسقوطها عنه فيما إذا شهدت بالإعسار لأنها إذا شهدت بالتلف صار كمن لم يثبت له أصل مال أو بمنزلة من أقر له غريمه بتلف ذلك المال وادعى أن له مالا سواه لزمته اليمين فكذلك إذا قامت به البينة فإنها لا تزيد على الإقرار وإن كان الحق يثبت عليه في غير مقابلة مال أخذه كأرش جناية وقيمة متلف ومهر أو ضمان أو كفالة أو عوض خلع إن كان امرأة وإن لم يعرف له مال حلف أنه لا مال له وخلي سبيله ولم يحبس وهذا قول الشافعي وابن المنذر فإن شهدت البينة وبإعساره قبلت ولم يستحلف معها لما تقدم وإن شهدت أنه كان له مال فتلف لم يستغن بذلك عن يمينه لما ذكرناه وكذلك لو أقر له به غريمه وإنما اكتفينا بيمينه لأن الأصل عدم المال لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحبة وسواء ابني خلد بن سواء لا تيئسا من الرزق ما اهتزت رؤوسكما فإن ابن آدم يخلق وليس له إلا قشرتاه ثم يرزقه الله تعالى قال ابن المنذر الحبس عقوبة ولا نعلم له ذنبا يعاقب به والأصل عدم ماله بخلاف المسألة الأولى فإن الأصل ثبوت ماله فيحبس حتى يعلم ذهابه والخرقي لم يفرق بين الحالين لكنه يحمل كلامه على ما ذكرنا لقيام الدليل على الفرق فصل إذا امتنع الموسر من قضاء الدين فلغريمه ملازمته ومطالبته والإغلاظ له بالقول فيقول يا ظالم يا معتدي ونحو ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي الواجد يحل عقوبته وعرضه فعقوبته حبسه وعرضه أي يحل القول في عرضه بالإغلاظ وقال النبي صلى الله عليه وسلم مطل الغني ظلم وقال إن لصاحب الحق مقالا مسألة قال ( وإذا مات فتبين أنه كان مفلسا لم يكن لأحد من الغرماء أن يأخذ عين ماله ) هذا الشرط الخامس لاستحقاق استرجاع عين المال من المفلس وهو أن يكون حيا فإن مات فالبائع أسوة الغرماء سواء علم بفلسه قبل الموت فحجر عليه ثم مات أو مات فتبين فلسه
وبهذا قال مالك وإسحاق وقال الشافعي له الفسخ واسترجاع العين لما روى ابن خلدة الزرقي قاضي المدينة قال أتينا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس فقال أبو هريرة هذا الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه رواه أبو داود وابن ماجه واحتجوا بعموم قوله عليه السلام من أدرك متاعه بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به ولأن هذا العقد يلحقه الفسخ بالإقالة فجاز فسخه لتعذر العوض كما لو تعذر المسلم فيه ولأن الفلس سبب لاستحقاق الفسخ فجاز الفسخ به بعد الموت كالعيب ولنا ما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المفلس فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء رواه أبو داود وروى أبو اليمان عن الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما امرىء مات وعنده مال امرىء بعينه اقتضى من ثمنه شيئا أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء رواه ابن ماجه ولأنه تعلق به حق غير المفلس والغرماء وهم الورثة فأشبه المرهون وحديثهم مجهول الإسناد قال ابن المنذر قال ابن عبد البر يرويه أبو المعتمر عن الزرقي وأبو المعتمر غير معروف بحمل العلم ثم هو غير معمول به إجماعا فإنه جعل المتاع لصاحبه بمجرد موت المشتري من غير شرط فلسه ولا تعذر وفائه و لاعدم قبض ثمنه والأمر بخلاف ذلك عند جميع العلماء إلا ما حكي عن الإصطخري من أصحاب الشافعي أنه قال لصاحب السلعة أن يرجع فيها إذا مات المشتري وإن خلف وفاء وهذا شذوذ عن أقوال أهل العلم وخلاف للسنة لا يعرج على مثله وأما الحديث الآخر فنقول به وإن صاحب المتاع أحق به إذا وجده عند ورثته فلا يتناوله الخبر وإنما يدل بمفهومه على أنه لا يستحق الرجوع فيه ثم هو مطلق وحديثنا يقيده وفيه زيادة والزيادة من الثقة مقبولة ويفارق حالة الحياة حال الموت لأمرين أحدهما أن الملك في الحياة للمفلس وههنا لغيره والثاني أن ذمة المفلس خربت ههنا خرابا لا يعود فاختصاص هذا بالعين يستضر به الغرماء كثيرا بخلاف حالة الحياة مسألة قال ( ومن أراد سفرا وعليه حق يستحق قبل مدة سفره فلصاحب الحق منعه ) وجملة ذلك أن من عليه دين إذا أراد السفر وأراد غريمه منعه نظرنا فإن كان محل الدين قبل محل قدومه من السفر مثل أن يكون سفره إلى الحج لا يقدم إلا في صفر ودينه يحل في المحرم أو ذي الحجة فله منعه من السفر لأن عليه ضررا في تأخير حقه عن محله فإن أقام ضمينا مليئا أو دفع رهنا بقي بالدين عند المحل فله السفر لأن الضرر يزول بذلك وأما إن كان الدين لا يحل إلا بعد محل السفر مثل أن يكون محله في ربيع وقدومه في صفر نظرنا فإن كان سفره إلى الجهاد فله منعه إلا بضمين أو رهن لأنه سفر يتعرض فيه للشهادة وذهاب النفس فلا يأمن فوات الحق وإن كان السفر لغير الجهاد فظاهر كلام الخرقي أنه ليس له منعه وهو أحد الروايتين عن أحمد لأن هذا السفر ليس بأمارة على منع الحق في محله فلم يملك منعه منه كالسفر القصير وكالسعي إلى الجمعة وقال الشافعي ليس له منعه من السفر ولا المطالبة بكفيل إذا كان الدين مؤجلا بحال سواء كان الدين يحل قبل محل سفره أو بعده أو إلى الجهاد أو إلى غيره لأنه لا يملك المطالبة بالدين فلم يملك منعه من السفر ولا المطالبة بكفيل كالسفر الآمن القصير ولنا إنه سفر يمنع استيفاء الدين في محله فملك منعه منه إن لم يوثقه بكفيل أو رهن كالسفر بعد حلول الحق ولأنه لا يملك تأخير الدين عن محله وفي السفر المختلف فيه تأخيره عن محله فلم يملكه كجحده كتاب الحجر الحجر في اللغة المنع والتضييق ومنه سمي الحرام حجرا
قال تعالى ويقولون حجرا محجورا الفرقان 22 أي حراما محرما ويسمى العقل حجرا قال الله تعالى هل في ذلك قسم لذي حجر الفجر 5 أي عقل سمي حجرا لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح وتضر عاقبته وهو في الشريعة منع الإنسان من التصرف في ماله والحجر على ضربين حجر على الإنسان لحق نفسه وحجر عليه لحق غيره فالحجر عليه لحق غيره كالحجر على المفلس لحق غرمائه وعلى المريض في التبرع بزيادة على الثلث أو التبرع بشيء لوارث لحق ورثته وعلى المكاتب والعبد لحق سيدهما والراهن يحجر عليه في الرهن لحق المرتهن ولهؤلاء أبواب يذكرون فيها وأما المحجور عليه لحق نفسه فثلاثة الصبي والمجنون والسفيه وهذا الباب مختص بهؤلاء الثلاثة والحجر عليهم لأنهم حجر عام يمنعون التصرف في أموالهم وذممهم والأصل في الحجر عليهم قول الله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما النساء 5 والآية التي بعدها قال سعيد بن جبير وعكرمة هو مال اليتيم عندك لا تؤته إياه وأنفق عليه وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء وهي لغيرهم لأنهم قوامها ومدبروها وقوله تعالى وابتلوا اليتامى النساء 6 يعني اختبروهم في حفظهم لأموالهم حتى إذا بلغوا النكاح النساء 6 أي مبلغ الرجال والنساء فإن آنستم منهم رشدا النساء 6 أي أبصرتم وعلمتم منهم حفظا لأموالهم وصلاحا في تدبير معايشتهم مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( ومن أونس منه رشد دفع إليه ماله إذا كان قد بلغ ) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة أحدهما في وجوب دفع المال إلى المحجور عليه إذا رشد وبلغ وليس فيه اختلاف بحمد الله تعالى قال ابن المنذر اتفقوا على ذلك وقد أمر الله تعالى به في نص كتابه بقوله سبحانه وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم النساء 6 ولأن الحجر عليه إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله على وجه المصلحة حفظا لما له عليه وبهذين المعنيين يقدر على التصرف ويحفظ ماله فيزول الحجر لزوال سببه ولا يعتبر في زوال الحجر عن المجنون إذا عقل حكم حاكم بغير خلاف ولا يعتبر ذلك في الصبي إذا رشد وبلغ وبهذا قال الشافعي وقال مالك لا يزول إلا بحاكم وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنه موضع اجتهاد ونظر فإنه يحتاج في معرفة البلوغ والرشد إلى أجتهاد فيوقف ذلك على حكم الحاكم كزوال الحجر عن السفيه ولنا إن الله تعالى أمر بدفع أموالهم عند البلوغ وإيناس الرشد فاشتراط حكم الحاكم زيادة تمنع الدفع عند وجوب ذلك بدون حكم الحاكم وهذا خلاف النص ولأنه حجر بغير حكم حاكم فيزول بغير حكمه كالحجر على المجنون وبهذا فارق السفيه وقد ذكر أبو الخطاب أن الحجر على السفيه يزول بزوال السفه والأول أولى فصار الحجر منقسما إلى ثلاثة أقسام قسم يزول بغير حكم حاكم وهو حجر المجنون وقسم لا يزول إلا بحاكم وهو حجر السفيه وقسم فيه الخلاف وهو حجر الصبي الفصل الثاني أنه لا يدفع إليه ماله قبل وجود الأمرين البلوغ والرشد ولو صار شيخا وهذا قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر أكثر علماء الأمصار من أهل الحجاز والعراق والشام ومصريون الحجر على كل مضيع لماله صغيرا كان أو كبيرا وهذا قول القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وبه قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وروى الجوزجاني في كتابه قال كان القاسم بن محمد يلي أمر شيخ من قريش ذي أهل ومال فلا يجوز له أمر في ماله دونه لضعف عقله قال ابن إسحاق رأيته شيخا يخضب وقد جاء إلى القاسم بن محمد فقال يا أبا محمد ادفع إلي مالي فإنه لا يولى على مثلي فقال إنك فاسد فقال إمرأته طالق ألبتة وكل مملوك له حر إن لم تدفع إلي مالي
فقال له القاسم بن محمد وما يحل لنا أن ندفع إليك مالك على حالك فبعث إلى إمرأته وقال هي حرة مسلمة وما كنت لأحسبها عليك وقد فهت بطلاقها فأرسل إليها فأخبرها ذلك وقال أما رفيقك فلا عتق لك ولا كرامة فحبس رقيقه قال ابن إسحاق ما كان يعاب على رجل إلا سفهه وقال أبو حنيفة لا يدفع ماله إليه قبل خمس وعشرين سنة وإن تصرف نفذ تصرفه فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة فك عنه الحجر ودفع إليه ماله لقول الله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده الأنعام 152 وها قد بلغ أشده ويصلح أن يكون جدا ولأنه حر بالغ عاقل مكلف فلا يحجر عليه كالرشيد ولنا قول الله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم النساء 6 علق الدفع على شرطين والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما وقال الله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم النساء 5 يعني أموالهم وقول الله تعالى فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل البقرة 282 فأثبت الولاية على السفيه ولأنه مبذر لماله فلا يجوز دفعه إليه كمن له دون ذلك وأما الآية التي احتج بها فإنما تدل بدليل خطابها وهو لا يقول به ثم هي مخصصة فيما قبل خمس وعشرين سنة بالإجماع لعلة السفه وهو موجود بعد خمس وعشرين خصت أيضا بعد خمس وعشرين وما ذكرناه من المنطوق أولى مما إستدل به من المفهوم المخصص وما ذكروه من كونه جدا ليس تحته معنى يقتضي الحكم ولا له أصل يشهد له في الشرع فهو إثبات للحكم بالتحكم ثم هو متصور فيمن له دون هذه السن فإن المرأة تكون جدة لإحدى وعشرين سنة وقياسهم منتقض بمن له دون خمس وعشرين سنة وما أوجب الحجر قبل خمس وعشرين يوجبه بعدها إذا ثبت هذا فإنه لا يصح تصرفه ولا إقراره وقال أبو حنيفة يصح بيعه وإقراره وإنما لا يسلم إليه ماله لأن البالغ عنده لا يحجر عليه وإنما منع تسليم ماله إليه للآية وقال أصحابنا في إقراره يلزمه بعد فك الحجر عنه إذا كان بالغا ولنا إنه لا يدفع إليه ماله لعدم رشده فلا يصح تصرفه وإقراره كالصبي والمجنون ولأنه إذا نفذ تصرفه وإقراره تلف ماله ولم يفد منعه من ماله شيئا ولأن تصرفه لو كان نافذا لسلم إليه ماله كالرشيد فإنه إنما يمنع ماله حفظا له فإذا لم يتحفظ بالمنع وجب تسليمه إليه بحكم الأصل الفصل الثالث في البلوغ ويحصل في حق الغلام والجارية بأحد ثلاثة أشياء وفي حق الجارية بشيئين يختصان بها أما الثلاثة المشتركة بين الذكر والأنثى فأولها خروج المني من قبله وهو الماء الدافق الذي يخلق منه الولد فكيفما خرج في يقظة أو منام بجماع أو إحتلام أو غير ذلك حصل به البلوغ لا نعلم في ذلك اختلافا لقول الله تعالى وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا النور 59 وقوله والذين لم يبلغوا الحلم منكم النور 58 وقول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وقوله عليه السلام لمعاذ خذ من كل حالم دينارا رواهما أبو داود وقال ابن المنذر وأجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل وعلى المرأة بظهور الحيض منها وأما الإنبات فهو أن ينبت الشعر الخشن حول ذكر الرجل أو فرج المرأة الذي استحق أخذه بالموسى وأما الزغب الضعيف فلا إعتبار به فإنه يثبت في حق الصغير وبهذا قال مالك والشافعي في قول وقال في الآخر هو بلوغ في حق المشركين وهل هو بلوغ في حق المسلمين فيه قولان وقال أبو حنيفة لا اعتبار به لأنه نبات شعر فأشبه نبات شعر سائر البدن ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة حكم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وأمر أن يكشف عن مؤتزرهم فمن أنبت فهو من المقاتلة ومن لم ينبت ألحقوه بالذرية
وقال عطية القرظي عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فشكوا في فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينظر إلي هل أنبت بعد فنظروا إلي فلم يجدوني أنبت بعد فألحقوني بالذرية متفق على ما معناه وكتب عمر رضي الله عنه إلى عاملهأن لا تأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي وروى محمد بن يحيى بن حبان أن غلاما من الأنصار شبب بإمرأة في شعره فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت فقال لو أنبت الشعر لحددتك ولأنه خارج يلازمه البلوغ غالبا ويستوي فيه الذكر والأنثى فكان علما على البلوغ كالاحتلام ولأن الخارج ضربان متصل ومنفصل فلما كان من المنفضل ما يثبت به البلوغ كان كذلك المتصل وما كان بلوغا في حق المشركين كان بلوغا في حق المسلمين كالاحتلام والسن وأما السن فإن البلوغ به في الغلام والجارية بخمس عشرة سنة وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال داود لا حد للبلوغ من السن لقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وإثبات البلوغ بغيره يخالف الخبر وهذا قول مالك وقال أصحابه سبع عشرة أو ثماني عشرة وروري عن أبي حنيفة في الغلام روايتان إحداهما سبع عشرة والثانية ثماني عشرة والجارية سبع عشرة بكل حال لأن الحد لا يثبت إلا بتوقيف أو اتفاق ولا توقيف في هذا ولا إتفاق ولنا إن ابن عمر قال عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في القتال وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني متفق عليه وفي لفظ عرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فردني ولم يرني بلغت وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني فأخبر بهذا عمر بن عبد العزيز فكتب إلى عماله أن لا تفرضوا إلا لمن بلغ خمس عشرة رواه الشافعي في مسنده ورواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه وأخذت منه الحدود ولأن السن معنى يحصل به البلوغ يشترك فيه الغلام والجارية فاستويا فيه كالإنزال وما ذكره أصحاب أبي حنيفة ففيما رويناه جواب عنه وما احتج به داود لا يمنع إثبات البلوغ بغير الاحتلام إذا ثبت بالدليل ولهذا كان إنبات الشعر علما عليه وأما الحيض فهو علم على البلوغ لا نعلم فيه خلافا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار رواه الترمذي وقال حديث حسن وأما الحمل فهو على البلوغ لأن الله تعالى أجرى العادة أن الولد لا يخلق إلا من ماء الرجل وماء المرأة قال الله تعالى فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب الطارق 5 6 7 وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الأحاديث فمتى حملت حكم ببلوغها في الوقت الذي حملت فيه فصل وإذا وجد خروج المني من ذكر الخنثى المشكل فهو علم على بلوغه وكونه رجلا وإن خرج من فرجه أو حاض فهو علم على بلوغه وكونه إمرأة وقال القاضي ليس واحد منهما علما على البلوغ فإن اجتمعا فقد بلغ وهذا مذهب الشافعي لجواز أن يكون الفرج الذي خرج منه ذلك خلقة زائدة ولنا إن خروج البول من أحد الفرجين دليل على كونه رجلا أو امرأة فخروج المني والحيض أولى وإذا ثبت كونه رجلا خرج المني من ذكره أو امرأة خرج الحيض من فرجها لزم وجود البلوغ ولأن خروج مني الرجل من المرأة والحيض من الرجل مستحيل فكان دليلا على التعيين فإذا ثبت التعيين لزم كونه دليلا على البلوغ كما لو تعين قبل خروجه ولأنه مني خارج من ذكر أو حيض خارج من فرج فكان علما على البلوغ كالمني الخارج من الغلام والحيض الخارج من الجارية ولأنهم سلموا أن خروجهما معا دليل على البلوغ فخروج أحدهما منفردا أولى
لأن خروجهما معا يقتضي تعارضهما وإسقاط دلالتهما إذ لا يتصور أن يجتمع حيض صحيح ومني رجل فيلزم ان يكون أحدهما فضلة خارجة من غير محلها وليس أحدهما بذلك أولى من الآخر فتبطل دلالتهما كالبينتين إذا تعارضتا وكالبول إذا خرج من المخرجين جميعا بخلاف ما إذا وجد أحدهما منفردا فإن الله تعالى أجرى العادة بأن الحيض يخرج من فرج المرأة عند بلوغها ومني الرجل يخرج من ذكره عند بلوغه فإذا وجد ذلك من غير معارض وبكونه امرأة بخروجه من فرجها والحكم للغلام بالبلوغ بخروج المني من ذكره وللجارية بخروج الحيض من فرجها فعلى هذا إن خرجا معا لم يثبت كونه رجلا ولا امرأة لأن الدليلين تعارضا فأشبه ما لو خرج البول من الفرجين وهل يثبت البلوغ بذلك فيه وجهان أحدهما يثبت وهو اختيار القاضي ومذهب الشافعي لأنه إن كان رجلا فقد خرج المني من ذكره وإن كان امرأة فقد حاضت والثاني لا يثبت لأنه يجوز أن لا يكون هذا حيضا ولا منيا فلا يكون فيه دلالة وقد دل تعارضهما على ذلك فانتفت دلالتهما على البلوغ كانتفاء دلالتهما على الذكورية والأنوثية والله أعلم مسألة قال ( وكذلك الجارية وإن لم تنكح ) يعني أن الجارية إذا بلغت وأونس رشدها بعد بلوغها دفع إليها مالها وزال الحجر عنها وإن لم تتزوج وبهذا قال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ونقل أبو طالب عن أحمد لا يدفع إلى الجارية مالها بعد بلوغها حتى تتزوج وتلد أو يمضي عليها سنة في بيت الزوج روي ذلك عن عمر وبه قال شريح والشعبي وإسحاق لما روي عن شريح أنه قال عهد إلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا أجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولا أو تلد ولدا رواه سعيد في سننه ولا يعرف له مخالف فصار إجماعا وقال مالك لا يدفع إليها مالها حتى تتزوج ويدخل عليها زوجها لأن كل حالة جاز للأب تزويجها من غير إذنها لم ينفك عنها الحجر كالصغيرة ولنا عموم قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم النساء 6 ولأنها يتيم بلغ وأونس منه الرشد فيدفع إليه ماله كالرجل ولأنها بالغة رشيدة فجاز لها التصرف في مالها كالتي دخل بها الزوج وحديث عمر إن صح فلم يعلم انتشاره في الصحابة ولا يترك به الكتاب والقياس على أن حديث عمر مختص بمنع العطية فلا يلزم منه المنع من تسليم مالها إليها ومنعها من سائر التصرفات ومالك لم يعمل به وإنما اعتمد على إجبار الأب لها على النكاح ولنا أن نمنع ذلك وإن سلمناه فإنما أجبرها على النكاح لأن اختبارها للنكاح ومصالحه لا يعلم إلا بمباشرته والبيع والشراء والمعاملات ممكنة قبل النكاح وعلى هذه الرواية إذا لم تتزوج أصلا احتمل أن يدوم الحجر عليها عملا بعموم حديث عمر ولأنه لم يوجد شرط دفع مالها إليها فلم يجز دفعه إليها كما لو لم ترشد وقال القاضي عندي أنه يدفع إليها مالها إذا عنست وبرزت للرجال يعني كبرت فصل وظاهر كلام الخرقي أن للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله بالتبرع والمعاوضة وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر وعن أحمد رواية أخرى ليس لها ان تتصرف في مالها بزيادة على الثلث بغير عوض إلا بإذن زوجها وبه قال مالك وحكي عنه في امرأة حلفت أن تعتق جارية ليس لها غيرها فحنثت ولها زوج فرد ذلك عليها زوجها قال له أن يرد عليها وليس لها عتق لما روي أن امرأة كعب بن مالك أتت النبي صلى الله عليه وسلم بحلي لها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز للمرأة عطية حتى يأذن زوجها فهل استأذنت كعبا فقالت نعم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كعب فقال هل أذنت لها أن تتصدق بحليها قال نعم
فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه روي أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة خطبها لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها إذ هو مالك عصمتها رواه أبو داود ولفظه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها ولأن حق الزوج متعلق بمالها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها والعادة أن الزوج يزيد في مهرها من أجل مالها ويتبسط فيه وينتفع به فإذا أعسر بالنفقة أنظرته فجرى ذلك مجرى حقوق الورثة المتعلقة بمال المريض ولنا قوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم النساء 6 وهو ظاهر في فك الحجر عنهم وإطلاقهم في التصرف وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن وإنهن تصدقن فقبل صدقتهن ولم يسأل ولم يستفصل وأتته زينب امرأة عبد الله وامرأة أخرى اسمها زينب فسألته عن الصدقة هل يجزيهن أن يتصدقن على أزواجهن وأيتام لهن فقال نعم ولم يذكر لهن هذا الشرط ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشده جاز له التصرف فيه من غير إذن كالغلام ولأن المرأة من أهل التصرف ولا حق لزوجها في مالها فلم يملك الحجر عليها في التصرف بجميعه كأختها وحديثهم ضعيف وشعيب لم يدرك عبد الله بن عمرو فهو مرسل وعلى أنه محمول على أنه لا يجوز عطيتها لماله بغير إذنه بدليل أنه يجوز عطيتها ما دون الثلث من مالها وليس معهم حديث يدل على تحديد المنع بالثلث فالتحديد بذلك تحكم ليس فيه توقيف ولا عليه دليل وقياسهم على المريض غير صحيح لوجوه أحدهما أن المرض سبب يفضي إلى وصول المال إليهم بالميراث والزوجية إنما تجعله من أهل الميراث فهي أحد وصفي العلة فلا يثبت الحكم بمجردها كما لا يثبت للمرأة الحجر على زوجها ولا لسائر الوارث بدون المرض الثاني أن تبرع المريض موقوف فإن برىء من مرضه صح تبرعه وههنا أبطلوه على كل حال والفرع لا يزيد على أصله الثالث أن ما ذكروه منتقض بالمرأة فإنها تنتفع بمال زوجها وتتبسط فيه عادة ولها النفقة منه وانتفاعها بماله أكثر من انتفاعه بمالها وليس لها الحجر عليه وعلى أن هذا المعنى ليس بموجود في الأصل ومن شرط صحة القياس وجود المعنى المثبت للحكم في الأصل والفرع جميعا فصل وهل يجوز للمرأة الصدقة من مال زوجها بالشيء اليسير بغير إذنه على روايتين إحداهما الجواز لأن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها وله مثله بما كسب ولها بما أنفقت وللخازن مثل ذلك من غير أن ينتقص من أجورهم شيء ولم يذكر إذنا وعن أسماء أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير فهل علي جناح أن أرضخ مما يدخل علي فقال ارضخي ما استطعت ولا توعي فيوعى عليك متفق عليهما وروي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إنا كل على أزواجنا وآبائنا فما يحل لنا من أموالهم قال الرطب تأكلينه وتهدينه ولأن العادة السماح بذلك وطيب النفس فجرى مجرى صريح الإذن كما أن تقديم الطعام بين يدي الأكلة قام مقام صريح الإذن في أكله والرواية الثانية لا يجوز لما روى أبو أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تنفق المرأة شيئا من بيتها إلا بإذن زوجها قيل يا رسول الله ولا الطعام قال ذاك أفضل أموالنا رواه سعيد في سننه