İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فصل إذا أخذ الأول الشقص كله بالشفعة فقدم الثاني فقال لا آخذ منك نصفه بل أقتصر على قدر نصيبي وهو الثلث فله ذلك لأنه اقتصر على بعض حقه وليس فيه تبعيض الصفقة على المشتري فجاز كترك الكل فإذا قدم الثالث فله أن يأخذ من الثاني ثلت ما في يده فيضيفه إلى ما في يد الأول ويقتسمانه نصفين فتصح قسمة الشقص من ثمانية عشر سهما لأن الثالث أخذ حقه من الثاني ثبت الثلث ومخرجه تسعة فضمه ألى الثلثين وهي ستة صارت سبعة ثم قسما السبعة نصفين لا تنقسم فاضرب اثنين في تسعة تكن ثمانية عشر للثاني أربعة أسهم ولكل واحد من شريكيه سبعة وإنما كان كذلك لأن الثاني ترك سدسا كان له أخذه وحقه منه ثلثاه وهو التسع فتوفر ذلك على شريكه في الشفعة فللأول والثالث أن يقولا نحن سواء في الاستحقاق ولم يترك واحد منا شيئا من حقه فنجمع ما معنا فنقسمه فيكون على ما ذكرنا وإن قال الثاني آخذ الربع فله ذلك في التي قبلها فإذا قدم الثالث أخذ منه نصف سدس وهو ثلث ما في يده فضمه إلى ثلاثة الأرباع وهي تسعة يصير الجميع عشرة فيقتسمانها لكل واحد منهما خمسة وللثاني سهمان وتصح من اثني عشر فصل إذا اشترى رجل من رجلين شقصا فللشفيع أخذ نصيب أحدهما دون الآخر وبهذا قال الشافعي وحكي عن القاضي أنه لا يملك وذلك وهو قول أبي حنيفة ومالك لئلا تتبعض صفقة المشتري ولنا إن عقد الاثنين مع واحد عقدان لأنه مشتر من كل واحد منهما ملكه بثمن مفرد فكان للشفيع أخذه كما لو أفرده بعقد ويهذا ينفصل عما ذكروه وإن اشترى اثنان نصيب واحد فالشفيع أخذ نصيب أحد المشتريين وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة في أحدى الروايتين عنه وقال في الأخرى يجوز له ذلك بعد القبض ولا يجوز قبله لأنه قبل القبض تتبعض صفقة البائع ولنا إنهما مشتريان فجاز للشفيع أخذ نصيب أحدهما كما بعد القبض وما ذكروه لا نسلمه على أن المشتري الآخر يأخذ نصيبه فلا يكون تبعيضا فإن باع اثنان من اثنين فهي أربعة عقود وللشفيع أخذ الكل أو ما شاء منهما فصل فإذا باع شقصا لثلاثة دفعة واحدة فلشريكه أن يأخذ من الثلاثة وله أن يأخذ من أحدهم وله أن يأخذ من اثنين دون الثالث لأن عقد كل منهما منفرد فلا يتوقف الأخذ به على الأخذ بما في العقد الآخر كما لو كانت متفرقة فإذا أخذ نصيبه ولا يستحق الشفعة إلا بملك سابق فأما إن باع نصيبه لثلاثة في ثلاثة عقود متفرقة ثم علم الشفيع فله أيضا أن يأخذ الثلاثة وله أن يأخذ ما شاء منهما وإن أخذ نصيب الأول لم يكن للآخرين مشاركته في شفعته لأنهما لم يكن لهما ملك حين بيعه وإن أخذ نصيب الثاني وحده لم يملك الثالث مشاركته لذلك ويشاركه الأول في شفعته لأن ملكه سابق لشراء الثاني فهو شريك حال شرائه ويحتمل أن لا يشاركه لأن ملكه حال شراء الثاني يستحق أخذه بالشفعة فلا يكون سببا في استحقاقها وإن أخذ من الثلاثة ففيه وجهان أحدهما أنه لا يشاركه أحد منهم لأن أملاكهم قد استحقها بالشفعة فلا يستحق عليه بها شفعة
والثاني يشاركه الثاني في شفعة الثالث وهذا قول أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي لأنه كان مالكا ملكا صحيحا حال شراء الثالث ولذلك استحق مشاركته إذا عفا عن شفعته فكذلك إذا لم يعف لأنه إنما استحق الشفعة بالملك الذي صار به شريكا لا بالعفو عنه ولذلك قلنا في الشفيع إذا لم يعلم حتى باع نصيبه فلم أخذ نصيب المشتري الأول وللمشتري أخذ نصيب المشتري الثاني وعلى هذا يشاركه الأول في شفعة الثاني والثالث جميعا فعلى هذا إذا كانت دار بين اثنين نصفين فباع أحدهما نصيبه لثلاثة في ثلاثة عقود في كل عقد سدسا فللشفيع السدس الأول ثلاثة أرباع الثاني وثلاثة أخماس الثالث وللمشتري الأول مربع السدس الثاني وخمس الثالث وللمشتري الثاني خمس الثالث فتصح المسألة من مائة وعشرين سهما للشفيع الأول مائة وسبعة أسهم وللثاني تسعة وللثالث أربعة وإن قلنا إن الشفعة على عدد الرؤوس فللمشتري الأول نصف السدس الثاني وثلث الثالث وللثاني ثلث الثالث وهو نصف التسع فتصح من ستة وثلاثين للشفيع تسعة وعشرون وللثاني خمسه وللثالث سهمان فصل دار بين أربعة أرباعا باع ثلاثة منهم في عقود متفرقة ولم يعلم شريكهم ولا بعضهم ببعض فللذي لم يبع الشفعة في الجميع وهل يستحق البائع الثاني والثالث الشفعة فيما باعه البائع الأول والثاني على وجهين وكذلك هل يستحق الثالث الشفعة فيما باعه الأول والثاني على وجهين وهي يستحق مشتري الربع الأول الشفعة فيما باعه الثاني والثالث أو هل يستحق الثاني شفعة الثالث على ثلاثة أوجه أحدها يستحقان لأنهما مالكان حال البيع والثاني لا حق لهما لأن ملكهما متزلزل يستحق أخذه بالشفعة فلا تثبت به والثالث إن عفا عنهما أخذا وإلا فلا فإذا قلنا يشترك الجميع فللذي لم يبع ثلث كل ربع لأن له شريكين فصار له الربع مضموما إلى ملكه فكمل له النصف وللبائع والمشتري الأول الثلث لكل واحد منهما السدس لأنه شريك في شفعة بيع واحد وتصح من اثني عشر فصل وإن باع الشريك نصف الشقص لرجل ثم باعه بقيمته في صفقة أخرى ثم علم الشفيع فله أخذ المبيع الأول والثاني وله أخذ أحدهما دون الثاني لأن لكل عقد حكم نفسه فإن أخذ الأول لم يشاركه في شفعته أحد وإن أخذ الثاني فهل يشاركه المشتري في شفعته ينصيبه الأول فيه ثلاثة أوجه أحدها يشاركه فيها وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي لأنه شريك وقت البيع الثاني يملكه الذي اشتراه أولا والثاني لا يشاركع لأن ملكه على الأول لم يستقر لكون الشفيع يملك أخذه والثالث إن عفا الشفيع عن الأول شاركه في الثاني وإن أخذ بهما جميعا لم لم يشاركه وهذا مذهب الشافعي لأنه إذا عفا عنه استقر ملكه فشارك به بخلاف ما إذا أخذ فإن قلنا يشارك في الشفعة ففي قدر ما يستحق وجهان أحدهما ثلثه والثاني نصفه بناء على الروايتين في قسمة الشفعة على قدر الأملاك أو عدد الرؤوس فإذا قلنا يشاركه فعفا له عن الأول صار له ثلث العقار في أحد الوجهين وفي الآخر ثلاثة أثمانه وباقيه لشريكه وإن لم يعف عن الأول فله نصف سدسه في أحد الوجهين وفي الآخر ثمنه والباقي لشريكه وإن باعه الشريك الشقص في ثلاث صفقات متساوية فحكمه حكم ما لو باعه ثلاثة أنفس على ما شرحناه ويستحق ما يستحقون وللشفيع ها هنا مثل ما له مع الثلاثة والله أعلم فصل وإذا كانت دار بين ثلاثة فوكل أحدهم شريكه في بيع نصيبه مع نصيبه فباعها لرجل واحد فلشريكهما الشفعة وهل له أخذ أحد النصيبين دون الآخر فيه وجهان أحدهما له ذلك لأن المالك اثنان فهما بيعان فكان له أخذ نصيب أحدهما كما لو توليا العقد والثاني ليس له ذلك لأن الصفقة واحدة وفي أخذ أحدهما تبعيض الصفقة على المشتري فلم يجز كما لو كانا لرجل واحد وإن وكل رجل رجلا في شراء نصف نصيب أحد الشركاء فاشترى الشقص كله لنفسه ولموكله فلشريكه أخذ نصيب أحدهما لأنهما مشتريان فأشبه ما لو وليا العقد
والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها أن أخذ أحد النصيبين لا يفضي إلى تبعيض صفقة المشتري ولأنه قد يرضى شركة أحد المشتريين دون الآخر بخلاف التي قبلها فإن المشتري واحد مسألة قال ( وعهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع ) يعني أن الشفيع إذا أخذ الشقص فظهر مستحقا فرجوعه بالثمن على المشتري ويرجع المشتري على البائع وإن وجده معيبا فله رده على المشتري أو أخذ أرشه منه والمشتري يرد على البائع أو يأخذ الأرش منه سواء قبض الشقص من المشتري أو من البائع وبهذا قال الشافعي وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتي عهدة الشفيع على البائع لأن الحق ثبت له بإيجاب البائع فكان رجوعه عليه كالمشتري وقال أبو حنيفة إن أخذه من المشتري فالعهدة عليه وإن أخذه من البائع فالعهدة عليه لأن الشفيع إذا أخذه من البائع تعذر قبض المشتري فينفسخ البيع بين البائع والمشتري فكان الشفيع آخذا من البائع مالكا من جهته فكانت عدهته عليه ولنا إن الشفعة مستحقة بعد الشراء وحصول الملك للمشتري ثم يزول الملك من المشتري إلى الشفيع بالثمن فكانت العهدة عليه كما لو أخذه منه ببيع ولأنه ملكه من جهة المشتري بالثمن فملك رده عليه بالعيب كالمشتري في البيع الأول وقياسه على المشتري في جعل عهدته على البائع لا يصح لأن المشتري ملكه من البائع بخلاف الشفيع وأما إذا أخذه من البائع فالبائع نائب عن المشتري في التسليم المستحق عليه ولو انفسخ العقد بين المشتري والبائع بطلت الشفعة لأنها اسحتقت به فصل وحكم الشفيع في الرد بالعيب حكم المشتري من المشتري وإن علم المشتري بالعيب لم يعلم الشفيع فللشفيع رده على المشتري أو أخذ أرشه منه وليس للمشتري شيء ويحتمل أن لا يملك الشفيع أخذ الأرش لأن الشفيع يأخذ بالثمن الذي استقر عليه العقد فإذا أخذ الأرش فما أخذه بالثمن الذي استقر على المشتري وإن علم الشفيع دون المشتري فليس لواحد منهما رد ولا أرش لأن الشفيع أخذه عالما بعيبه فلم يثبت له رد ولا أرش كالمشتري إذا علم العيب والمشتري قد استغنى عن الرد لزوال ملكه عن المبيع وحصول الثمن له من الشفيع ولم يملك الأرش لأنه استدرك ظلامته ورجع إليه جميع ثمنه فأشبه ما لو رده على البائع ويحتمل أن يملك أخذ الأرش لأنه عوض عن الجزء الفائت من المبيع فلم يسقط بزوال ملكه عن المبيع كما لو اشترى قفيزين فتلف أحدهما وأخذ الآخر فعلى هذا ما يأخذه من الأرش يسقط عن الشفيع من الثمن بقدره لأنه الشقص يجب عليه بالثمن الذي استقر عليه العقد فأشبه ما لو أخذ الأرش قبل أخذ الشفيع منه وإن علما جميعا فليس لواحد منهما رد ولا أرش لأن كل واحد منهما دخل على بصيرة ورضي ببذل الثمن فيه بهذه الصفة وإن لم يعلما فللشفيع رده على المشتري وللمشتري رده على البائع فإن لم يرده الشفيع فلا يرد المشتري لما ذكرنا أولا وإن أخذ الشفيع أرشه من المشتري فللمشتري أخذه من البائع وإن لم يأخذ منه شيئا فلا شيء للمشتري ويحتمل أن يملك أخذه على الوجه الذي ذكرناه فإذا أخذه فإن كان الشفيع لم يسقطه عن المشتري سقط عنه من الثمن بقدره لأنه الثمن الذي استقر عليه وسكوته لا يسقط حقه وإن أسقطه عن المشتري توفر عليه كما لو زاده على الثمن باختياره فأما إن اشتراه بالبراءة من كل عيب فالصحيح من المذهب أن لا يبرأ فيكون كأنه لم يبرأ إليه من شيء وفي رواية أخرى أنه يبرأ إلا أن يكون البائع علم بالعيب فدلسه واشترط البراءة فعلى هذه الرواية إن علم الشفيع باشتراط البراءة فحكمه حكم المشتري لأنه دخل على شرائه فصار كمشتر ثان اشترط البراءة وإن لم يعلم ذلك فحكمه حكم ما لو علمه المشتري دون الشفيع مسألة قال ( والشفعة لا تورث إلا أن يكون الميت طالب بها )
وجملة ذلك أن الشفيع إذا مات قبل الأخذ بها لم يخل من حالين أحدهما أن يموت قبل الطلب بها فتسقط ولا تنتقل إلى الورثة وقال أحمد الموت يبطل به ثلاثة أشياء الشفعة والحد إذا مات المقذوف والخيار إذا مات الذي اشترط الخيار لم يكن للورثة هذه الثلاثة الأشياء إنما هي بالطلب فإذا لم يطلب فليس تجب إلا أن يشهد أني على حقي من كذا وكذا وأني قد طلبته فإن مات بعده كان لوارثه الطلب به وروي سقوطه بالموت عن الحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وقال مالك والشافعي والعنبري يورث قال أبو الخطاب ويتخرج لنا مثل ذلك لأنه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال فيورث كخيار الرد بالعيب ولنا إنه حق فسخ ثبت لا لفوات جزء فلم يورث كالرجوع في الهبة ولأنه نوع خيار جعل للتمليك أشبه خيار القبول فأما خيار الرد بالعيب فإنه لاستدراك جزء فات من المبيع الحال الثانية إذا طالب بالشفعة ثم مات فإن حق الشفعة ينتقل إلى الورثة قولا واحدا ذكره أبو الخطاب وقد ذكرنا نص أحمد عليه لأن الحق يتقرر بالطلب ولذلك لا يسقط بتأخير الأخذ بعده وقبله يسقط وقال القاضي يصير الشقص ملكا للشفيع بنفس المطالبة وقد ذكرنا أن الصحيح غير هذا فإنه لو صار ملكا للشفيع لم يصح العفو عن الشفعة بعد طلبها كما لا يصح العفو عنها بعد الأخذ بها فإذا ثبت هذا فإن الحق ينتقل إلى جميع الورثة على حسب مواريثهم لأنه حق مالي موروث فينتقل إلى جميعهم كسائر الحقوق المالية وسواء قلنا الشفعة على قدر الأملاك أو على عدد الرؤوس لأن هذا ينتقل إليهم من موروثهم فإن ترك بعض الورثة حقه توافر الحق على سائر الورثة ولم يكن لهم أن يأخذوا إلا الكل أو يتركوا كالشفعاء إذا عفا بعضهم عن شفعته لأنا لو جوزنا أخذ بعض الشقص المبيع تبعضت الصفقة على المشتري وهذا ضرر في حقه فصل وإن أشهد الشفيع على مطالبته بها للعذر ثم مات لم تبطل وكان للورثة المطالبة بها نص عليه أحمد لأن الإشهاد على الطلب عند العجز عنه يقوم مقامه فلم تسقط الشفعة بالموت بعد كنفس الطلب فصل وإذا بيع شقص له شفيعان فعفا أحدهما وطالب الآخر بها ثم مات المطالب فورثه العافي فله أخذ الشقص بها لأنه وارث لشفيع مطالب بالشفعة فملك الأخذ بها كالأجنبي وكذلك لو قذف رجل أمهما وهي ميتة فعفا أحدهما فطالب الاخر ثم مات الطالب فورثه العافي ثبت له استيفاؤه بالنيابة عن أخيه الميت إذا قلنا بوجوب الحد بقذفها فصل ولو مات مفلس وله شقص فباع شريكه كان لورثته الشفعة وهذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة لا شفعة لهم لأن الحق انتقل إلى الغرماء ولنا أنه بيع في شركة ما خلفه موروثهم من شقص فكان لهم المطالبة بشفعته كغير المفلس ولا نسلم أن التركة انتقلت إلى الغرماء بل هي للورثة بدليل أنها لو نمت أو زاد ثمنها لحسب على الغرماء في قضاء ديونهم وإنما تعلق حقهم به فلم يمنع ذلك من الشفعة كما لو كان لرجل شقص مرهون فباع شريكه فإنه يستحق الشفعة به ولو كان للميت دار فبيع بعضها في قضاء دينه لم يكن للورثة شفعة لأن البيع يقع لهم فلا يستحقون الشفعة على أنفسهم ولو كان الوارث شريكا للموروث فبيع نصيب الموروث في دينه فلا شفعة أيضا لأن نصيب الموروث انتقل بموته إلى الوارث فإذا بيع فقد بيع ملكه فلا يستحق الشفعة على نفسه فصل ولو اشترى شقصا مشفوعا ووصى به ثم مات فللشفيع أخذه بالشفعة لأن حقه أسبق من حق الموصى له فإذا أخذه دفع الثمن إلى الورثة وبطلت الوصية لأن الموصى به ذهب فبطلت الوصية كما لو تلف ولا يستحق الموصى له بدله لأنه لم يوص له إلا بالشقص وقد فات بأخذه
ولو وصى رجل لإنسان بشقص ثم مات فبيع في تركته شقص قبل قبول الموصى له فالشفعة للورثة في الصحيح لأن الموصى به لا يصير للوصي إلا بعد القبول ولم يوجد فيكون باقيا على ملك الورثة ويحتمل أن يكون للوصي إذا قلنا إن الملك ينتقل إليه بمجرد الموت فإذا قبل الوصية استحق المطالبة لأننا تبينا أن الملك كان له فكان المبيع في شركته ولا يستحق المطالبة قبل القبول ولأنا لا نعلم أن الملك له قبل القبول وإنما يتبين ذلك بقبوله فإن قبل تبينا أنه كان له وإن رد تبينا أنه كان للورثة ولا تستحق الورثة المطالبة أيضا لذلك ويحتمل أن لهم المطالبة لأن الأصل عدم القبول وبقاء الحق لهم ويفارق الموصى له من وجهين أحدهما لأن الأصل عدم القبول منه والثاني أنه يمكنه أن يقبل ثم يطالب بخلاف الوارث فإنه لا سبيل له إلى فعل ما يعلم به ثبوت الملك له أو لغيره فإذا طالبوا ثم قبل الوصي الوصية كانت الشفعة له ويفتقر إلى الطلب منه لأن الطلب الأول يتبين أنه من غير المستحق وإن قلنا بالرواية الأولى فطالب الورثة بالشفعة فلهم الأخذ بها وإن قبل الوصي أخذ الشقص الموصي به دون الشقص الموصى به دون الشقص المشفوع لأن الشقص الموصى به إنما انتقل إليه بعد الأخذ بشفعته فأشبه ما لو أخذ بها الموصي في حياته وإن لم يطالبوا بالشفعة حتى قبل الموصى به فلا شفعة للموصى له لأن البيع وقع قبل ثبوت الملك به وحصول شركته وفي ثبوتها للورثة وجهان بناء على ما لو باع الشفيع نصيبه قبل علمه ببيع شريكه فصل ولو اشترى رجل شقصا ثم ارتد فقتل أو مات فللشفيع أخذه بالشفعة لأنها وجبت بالشراء وانتقاله إلى المسلمين بقتله أو موته لا يمنع الشفعة كما لو مات على الإسلام فورثته أو صار ماله لبيت المال لعدم ورثته والمطالب بالشفعة وكيل بيت المال فصل وإذا اشترى المرتد شقصا فتصرفه موقوف فإن قتل على ردته أو مات عليها تبينا أن شراءه باطل ولا شفعة فيه وإن أسلم تبينا صحته وثبوت الشفعة فيه وقال أبو بكر تصرفه غير صحيح في الحالين لأن ملكه يزول بردته فإذا أسلم عاد إليه تمليكا مستأنفا وقال الشافعي وأبو يوسف تصرفه صحيح في الحالين وتجب الشفعة فيه ومبنى الشفعة ها هنا على صحة تصرف المرتد وتذكر في غير هذا الموضوع وإن بيع شقص في شركة المرتد وكان المشتري كافرا فأخذ بالشفعة انبنى على ذلك أيضا لأن أخذه بالشفعة شراء للشقص من المشتري فأشبه شراءه لغيره وإن ارتد الشفيع المسلم وقتل بالردة أو مات عليها انتقل ماله إلى المسلمين فإن كان طالب بالشفعة انتقلت أيضا إلى المسلمين ينظر فيها الإمام أو نائبه وإن قتل أو مات قبل طلبها بطلت شفعته كما لو مات على إسلامه ولو مات الشفيع المسلم ولم يخلف وارثا سوى بيت المال انتقل نصيبه إلى المسلمين إن مات بعد الطلب وإلا فلا مسألة قال ( وإن أذن الشريك في البيع ثم طلب بالشفعة بعد وقوع البيع فله ذلك ) وجلمة ذلك أن الشفيع إذا عفا عن الشفعة قبل البيع فقال قد أذنت في البيع أو أسقطت شفعتي أو ما أشبه ذلك لم تسقط وله المطالبة بها متى وجد اليبع هذا ظاهر المذهب وهو مذهب مالك والشافعي والبتي وأصحاب الرأي وروي عن أحمد ما يدل على أن الشفعة تسقط بذلك فإن اسماعيل بن سعيد قال قلت لأحمد ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم من كان بينه وبين أخيه ربعة فأراد بيعها فليعرضها عليه وقد جاء في بعض الحديث ولا يحل له إلا أن يعرضها عليه إذا كانت الشفعة ثابتة له فقال ما هو ببعيد من أن يكون على ذلك وأن لا تكون له الشفعة وهذا قول الحكم والثوري وأبي عبيد وأبي خيثمة وطائفة من أهل الحديث
قال ابن المنذر وقد اختلف فيه عن أحمد فقال مرة تبطل شفعته قال مرة لا تبطل واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان له شركة في أرض ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ومحال أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء ترك فلا يكون لتركه معنى ومفهوم قوله فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به أنه إذا باعه لا حق له ولأن الشفعة تثبت في موضع الاتفاق على خلاف الأصل لكونه يأخذ ملك المشتري من غير رضائه ويجبره على المعاوضة به لدخوله مع البائع في العقد الذي أساء فيه بإدخاله الضرر على شريكه وتركه الإحسان إليه في عرضه عليه وهذا المعنى معدوم ها هنا فإنه قد عرضه عليه وامتناعه من أخذه دليل على عدم الضرر في حقه ببيعه وإن كان فيه ضرر فهو أدخله على نفسه فلا يستحق الشفعة كما لو أخر المطالبة بعد البيع ووجه الأول أنه إسقاط حق قبل وجوبه فلم يصح كما لو أبرأه مما يجب له أو أسقطت المرأة صداقها قبل التزويج وأما الخبر فيحتمل أنه أراد العرض عليه ليبتاع ذلك إن أراد فتخف عليه المؤنة ويكتفي بأخذ المشتري لا إسقاط حقه من شفعته فصل إذا توكل الشفيع في البيع لم تسقط شفعته بذلك سواء كان وكيل البائع أو المشتري ذكره الشريف وأبو الخطاب وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال القاضي وبعض الشافعية إن كان وكيل البائع فلا شفعة له لأنه تلحقه التهمة في البيع لكونه يقصد تقليل الثمن ليأخذ به بخلاف وكيل المشتري وقال أصحاب الرأي لا شفعة لوكيل المشتري بناء على أصلهم أن الملك ينتقل إلى الوكيل فلا يستحق على نفسه ولنا إنه وكيل فلا تسقط شفعته كالآخر ولا نسلم أن الملك ينتقل إلى الوكيل إنما ينتقل إلى الموكل ثم لو انتقل إلى الوكيل لما ثبتت في ملكه إنما ينتقل في الحال إلى الموكل فلا يكون الأخذ من نفسه ولا الاستحقاق عليها وأما التهمة فلا تؤثر لأن الموكل وكله مع علمه بثبوت شفعته راضيا بتصرفه مع ذلك فلا يؤثر كما لو أذن لوكيل في الشراء من نفسه فعلى هذا لو قال لشريكه بع نصف نصيبي مع نصف نصيبك ففعل ثبتت الشفعة لكل واحد منهما في المبيع من نصيب صاحبه وعند القاضي تثبت في نصيب الوكيل دون نصيب الموكل فصل وإن ضمن الشفيع العهدة للمشتري أو شرط له الخيار فاختار امضاء العقد لم تسقط شفعته وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي تسقط لأن العقد تم به فأشبه البائع إذا باع بعض نصيب نفسه ولنا إن هذا سبب سبق وجوب الشفعة فلم تسقط به الشفعة كالإذن في البيع والعفو عن الشفعة قبل تمام البيع وما ذكروه لا يصح فإن البيع لا يقف على الضمان ويبطل بما إذا كان المشتري شريكا فإن البيع قد تم به وتثبت له الشفعة بقدر نصيبه فصل وإذا كانت دار بين ثلاثة فقارض واحد منهم شريكيه بألف فاشترى به نصف نصيب الثالث لم تثبت فيه شفعة في أحد الوجهين لأن أحد الشريكين رب المال والآخر العامل فهما كالشريكين في المتاع فلا يستحق أحدهما على الآخر شفعة وإن باع الثالث باقي نصيبه لأجنبي كانت الشفعة مستحقة بينهم أخماسا لرب المال خمساها وللعامل خمساها ولمال المضاربة خمسها بالسدس الذي له فيجعل مال المضاربة كشريك آخر لأن حكمه متميز عن مال كل واحد منهما
فصل فإن كانت الدار بين ثلاثة أثلاثا فاشترى أجنبي نصيب أحدهم فطالبه أحد الشريكين بالشفعة فقال إنما اشتريته لشريكك لم تؤثر هذه الدعوى في قدر ما يستحق من الشفعة فإن الشفعة بين الشريكن نصفين سواء اشتراهما الأجنبي لنفسه أو للشريك الآخر وإن ترك المطالب بالشفعة حقه منها بناء على هذا القول تبين كذبه لم تسقط شفعته وإن أخذ نصف المبيع لذلك ثم تبين كذب المشتري وعفا الشريك عن شفعته فله أخذ نصيبه من الشفعة لأن اقتصاره على أخذ النصف يبني على خبر المشتري فلم يؤثر في إسقاط الشفعة واستحق أخذ الباقي لعفو شريكه عنه وإن امتنع من أخذ الباقي سقطت شفعته كلها لأنه لا يملك تبعيض صفقة المشتري ويحتمل أن لا يسقط حقه من النصف الذي أخذه ولا يبطل أخذه له لأن المشتري أقر بما تضمن استحقاقه لذلك فلا يبطل برجوعه عن إقراره وإن أنكر الشريك كون الشراء له وعفا عن شفعته وأصر المشتري على الإقرار للشريك به فللشفيع أخذ الكل لأنه لا منازع له في استحقاقه ولا الاقتصار على النصف لإقرار المشتري له باستحقاق ذلك فصل وإن قال أحد الشفيعين للمشتري شراؤك باطل وقال الآخر هو صحيح فالشفعة كلها للمعترف بالصحة وكذلك إن قال ما اشتريته إنما اتهبته وصدقه الآخر أنه اشتراه فالشفعة للمصدق بالشراء لأن شريكه مسقط لحقه باعترافه أنه لا بيع صحيح ولو احتال المشتري على إسقاط الشفعة بحيلة لا تسقطها فقال أحد الشفيعين قد سقطت الشفعة توفرت على الآخر لاعتراف صاحبه بسقوطها ولو توكل أحد الشفيعين في البيع أو الشراء أو ضمن عهدة المبيع أو عفا عن الشفعة قبل البيع وقال لا شفعة لي لذلك توفرت على الآخر وإن اعتقد أن له شفعة وطالب بها فارتفع إلى حاكم فحكم بأنه لا شفعة له توفرت على الآخر لأنها سقطت بحكم الحاكم فأشبه ما لو سقطت بإسقاط المستحق فصل إذا ادعى رجل آخر ثلث داره فأنكر ثم صالحه عن دعواه بثلث دار أخرى صح ووجبت الشفعة في الثلث المصالح به لأن المدعي يزعم أنه محق في دعواه وأن ما أخذه عوض عن الثلث الذي ادعاه فلزمه حكم دعواه ووجبت الشفعة ولا شفعة على المنكر في الثلث المصالح عنه لأنه يزعم أنه على ملكه لم يزل وإنما دفع ثلث داره إلى المدعي اكتفاء لشره ودفعا لضرر الخصومة واليمين على نفسه فلم تلزمه فيه شفعة وإن قال المنكر للمدعي خذ الثلث الذي تدعيه بثلث دارك ففعل فلا شفعة على المدعي فيما أخذه وعلى المنكر الشفعة في الثلث الذي أخذه لأنه يزعم أنه أخذه عوضا عن ملكه الثابت له وقال أصحاب الشافعي تجب الشفعة في الثلث الذي أخذه المدعي أيضا لأنها معاوضة من الجانبين بشقصين فوجبت الشفعة فيهما كما لو كانت بين مقرين ولنا إن المدعي يزعم أن ما أخذه كان ملكا له قبل الصلح ولم يتجدد له عليه ملك وإنما استنفذه بعلمه فلم تجب فيه شفعة كما لو أقر به
فصل إذا كانت دار بين ثلاثة أثلاثا فاشترى أحدهم نصيب أحد شريكه ثم باعه لأجنبي ثم علم شريكه فله أن يأخذ بالعقدين وله الأخذ بأحدهما لأنه شريك فيهما فإن أخذ بالعقد الثاني أخذ جميع ما في يد مشتريه لأنه لا شريك له في شفعته وإن أخذ بالعقد الأول ولم يأخذ بالثاني أخذ نصف المبيع وهو السدس لأن المشتري شريكه في شفعته ويأخذ نصفه من المشتري الأول ونصفه من المشتري الثاني لأن شريكه لما اشترى الثلث كان بينهما نصفين لكل واحد منهما السدس فإذا باع الثلث من جميع ما في يده وفي يده ثلثان فقد باع نصف ما في يده والشفيع يستحق ربع ما في يده وهو السدس فصار منقسما في يديهما نصفين فيأخذ من كل واحد منهما نصفه وهو نصف السدس ويدفع ثمنه إلى الأول ويرجع المشتري الثاني على الأول بربع الثمن الذي اشترى به وتكون المسألة من اثني عشر ثم ترجع إلى أربع للشفيع نصف الدار ولكل واحد من الآخرين الربع وإن أخذ بالعقدين أخذ جميع ما يد الثاني وربع ما في يد الأول فصار له ثلاثة أرباع الدار ولشريكه الربع ويدفع إلى الأول نصف الثمن الأول ويدفع إلى الثاني ثلاثة أرباع الثاني ويرجع الثاني على الأول بربع الثمن لأنه يأخذ نصف ما اشتراه الأول وهو السدس فيدفع إليه نصف الثمن لذلك وقد صار نصف هذا النصف في الثاني وهو ربع ما في يده فيأخذه منه ويرجع الثاني على الأول بثمنه وبقي المأخوذ من الثاني ثلاثة أرباع ما اشتراه فأخذها منه ودفع أليه ثلاثة أرباع الثمن وإن كان المشتري الثاني هو البائع الأول فالحكم على ما ذكرنا لا يختلف وإن كانت الدار بين الثلاثة أرباعا لأحدهم نصفها وللآخرين نصفها بينهما فاشترى صاحب النصف من أحد شريكيه ربعه ثم باع ربعا مما في يده لأجنبي ثم علم شريكه فأخذ بالبيع الثاني أخذ جميعه وردفع إلى المشتري ثمنه وإن أخذ بالبيع الأول وحده أخذ ثلث المبيع وهو نصف سدس لأن المبيع كله ربع فثلثه نصف سدس يأخذ ثلثه من المشتري الأول وثلثه من الثاني ومخرج ذلك من ستة وثلاثين النصف ثمانية عشرة ولكل واحد منهما تسعة فلما اشترى صاحب النصف تسعة كانت شفعتها بينه وبين شريكه الذي لم يبع أثلاثا لشريكه ثلثها ثلاثة فلما باع صاحب النصف ثلث ما في يده حصل في المبيع من الثلاثة ثلثها وهو سهم بقي في يد البائع منها سهمان فترد الثلاثة إلى الشريك ويصير في يده اثنا عشر وهي الثلث ويبقى في يد المشتري الثاني ثمانية وهي تسعان وفي يد صاحب النصف ستة عشر وهي أربعة أتساع ويدفع الشريك الثمن إلى المشتري الأول ويرجع المشتري الثاني عليه بتسع الثمن الذي اشترى به لأنه قد أخذ منه تسع مبيعه وإن أخذ بالعقدين أخذ من الثاني جميع ما في يده وأخذ من الأول نصف التسع وهو سهمان من ستة وثلاثين فيصير في يده عشرون سهما وهي خمسة أتساع ويبقى في يد الأول ستة عشر سهما وهي أربعة أتساع ويدفع إليه ثلث الثمن الأول ويدفع إلى الثاني ثمانية أتساع الثمن الثاني ويرجع الثاني على الأول بتسع الثمن الثاني فصل إذا كانت دار بين ثلاثة لزيد نصفها ولعمرو ثلثها ولبكر سدسها فاشترى بكر من زيذ ثلث الدار ثم باع عمرا سدسها ولم يعلم عمرو بشراء الثلث ثم علم فله المطالبة بحقه من شفعة الثلث وهو ثلثاه وذلك تسعا الدار فيأخذ من بكر ثلثي ذلك وقد حصل ثلثه الباقي في يده بشرائه للسدس فيفسخ بيعه فيه ويأخذه بشفعة البيع الأول ويبقى من مبيعه خمسة أتساعه لزيد ثلث شفعته فيقسم بينهما أثلاثا
وتصح المسألة من مائة واثنين وستين سهما الثلث المبيع أربعة وخمسون سهما لعمرو ثلثاها بشفعته وثلاثون سهما يأخذ ثلثيها من بكر وهي أربعة وعشرون سهما وثلثها في يده اثنا عشر سهما والسدس الذي اشتراه سبعة وعشرون سهما قد أخذ منها اثني عشر بالشفعة بقي منها خمسة عشر له ثلثاها عشرة ويأخذ منها زيد خمسة فحصل لزيد اثنان وثلاثون سهما ولبكر ثلاثون سهما ولعمرو مائة سهم نصف الدار وتسعها ونصف تسع تسعها ويدفع عمرو إلى بكر ثلثي الثمن في البيع الأول وعليه وعلى زيد خمسة أتساع الثمن الباقي بينهما أثلاثا وإن عفا عمرو عن شفعة الثلث فشفعة السدس الذي اشتراه بينه وبين زيد أثلاثا ويحصل لعمرو أربعة أتساع الدار لزيد تسعاها ولبكر ثلثها وتصح من تسعة وإن باع بكر السدس لأجنبي فهو كبيعه إياه لعمرو إلا أن لعمرو العفو عن شفعته في السدس بخلاف ما إذا كان هو المشتري فإنه لا يصح عفوه عن نصيبه منها وإن باع بكر الثلث لأجنبي فلعمرو ثلثا شفعة المبيع الأول وهو التسعان يأخذ ثلثهما من بكر وثلثهما من المشتري الثاني وذلك تسع وثلث تسع يبقى في يد الثاني سدس وسدس تسع وهو عشرة من أربعة وخمسين بين عمرو وزيد أثلاثا وتص أيضا من مائة واثنين وستين ويدفع عمرو إلى بكر ثلثي ثمن مبيعه ويدفع هو وزيد إلى المشتري الثاني ثمن خمسة أسباع مبيعه بينهما أثلاثا ويرجع المشتري الثاني على بكر بثمن أربعة أتساع مبيعه وإن لم يعلم عمرو حتى باع مما في يده سدسا لم تبطل شفعته في أحد الوجوه وله أن يأخذ بها كما لو لم يبع شيئا الثاني تبطل شفعته كلها والثالث تبطل في قدر ما باع وتبقى فيما لم يبع وقد ذكرنا توجيه هذه الوجوه فأما شفعة ما باعه ففيها ثلاثة أوجه أحدهما أنها بين المشتري الثاني وزيد وبكر أرباعا للمشتري نصفها ولكل واحد منهما ربعها على أملاكهم حين بيعه والثاني أنها بين زيد وبكر على أربعة عشر سهما لزيد تسعة ولبكر خمسة لأن لزيد السدس ولبكر سدس يستحق منه أربعة أتساعه بالشفعة فيبقى معه خمسة أتساع السدس ملكه مستقر عليها فأضفناه إلى سدس زيد وقسمنا الشفعة على ذلك ولم نعط المشتري الثاني ولا بكرا بالسهام المستحقة بالشفعة شيئا لأن الملك عليها غير مستقر والثالث إن عفا لهم عن الشفعة استحقوا بها وإن أخذت بالشفعة لم يستحقوا بها شيئا وإن عفا عن بعضهم دون بعض استحقه المعفو عنه بسهامه دون غير المعفو عنه وما بطلت الشفعة فيه ببيع عمرو فهو بمنزلة المعفو عنه فيخرج في قدره وجهان ولو استقصينا فروع هذه المسألة على سبيل البسط لطال وخرج إلى الإملال
فصل وإذا كانت دار بين أربعة أرباعا فاشترى اثنان منهم نصيب أحدهم استحق الرابع الشفعة عليهما واستحق كل واحد من المشترين الشفعة على صاحبه فإن طالب كل واحد منهم بشفعته قسم المبيع بينهم أثلاثا وصارت الدار بينهم كذلك وإن عفا الرابع وحده قسم المبيع بين المشترين نصفين وكذلك إن عفا الجميع عن شفعتهم فيصير لهما ثلاثة أرباع الدار وللرابع الربع بحاله وإن طالب الرابع وحده أخذ منهما نصف المبيع لأن كل واحد منهما له من الملك مثل ما للمطالب فشفعة مبيعه بينه وبين شفيعه نصفين فيحصل للرابع ثلاثة أثمان الدار وباقيها بينهما نصفين وتصح من ستة عشر وإن طالب الرابع وحده أحدهما دون الآخر قاسمه الثمن نصفين فيحصل للمعفو عنه ثلاثة أثمان والباقي بين الرابع والآخر نصفين وتصح من ستة عشر وإن عفا أحد المشترين ولم يعف الآخر ولا الرابع قسم مبيع المعفو عنه بينه وبين الرابع نصفين ومبيع الآخر بينهم أثلاثا فيحصل للذي لم يعف عنه ربع وثلث وثمن وذلك سدس وثمن والباقي بين الآخرين نصفين وتصح من ثمانية وأربعين وإن عفا الرابع عن أحدهما ولم يعف أحدهما عن صاحبه أخذ ممن لم يعف عنه ثلث الثمن والباقي بينهما نصفين ويكون للرابع كالعافي في التي قبلها ويصح أيضا من ثمانية وأربعين وإن عفا الرابع وأحدهما عن الآخر ولم يعف الآخر فلغير العافي ربع وسدس والباقي بين العافيين نصفين لكل واحد منهما سدس ثمن وتصح من أربعة وعشرين وما يفرع من المسائل فهو على مساق ما ذكرنا مسألة قال ( ولا شفعة لكافر على مسلم ) وجملة ذلك أن الذمي إذا باع شريكه شقصا لمسلم فلا شفعة له عليه روي ذلك عن الحسن والشعبي وروي عن شريح وعمر بن عبد العزيز أن له الشفعة وبه قال النخعي وإياس بن معاوية وحماد بن أبي سليمان والثوري ومالك والشافعي والعنبري وأصحاب الرأي لعموم قوله عليه السلام لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه وإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر بالشراء فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب ولنا ما روى الدارقطني في كتاب العلل بإسناده عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا شفعة لنصراني وهذا يخص عموم ما احتجوا به ولأنه معنى يملك به يترتب على وجود ملك مخصوص أن الشفعة إنما ثبتت للمسلم دفعا لضرر عن ملكه فقدم دفع ضرره على دفع ضرر المشتري ولا يلزم من تقديم دفع ضرر المسلم على المسلم تقديم دفع ضرر الذمي فإن حق المسلم أرجح ورعايته أولى ولأن ثبوت الشفعة في محل الإجماع على خلاف الأصل رعاية لحق الشريك المسلم وليس الذمي في معنى المسلم فيبقى فيه على مقتضى الأصل وتثبت الشفعة للمسلم على الذمي لعموم الأدلة الموجبة لأنها إذا ثبتت في حق المسلم على المسلم على عظم حرمته ورعاية حقه فلأن تثبت على الذمي مع دناءته أولى وأحرى فصل وتثبت للذمي على الذمي لعموم الأخبار ولأنهما تساويا في الدين والحرمة فتثبت لأحدهما على الآخر كالمسلم على المسلم ولا نعلم في هذا خلافا وإن تبايعوا بخمر أو خنزير وأخذ الشفيع بذلك لم ينقص ما فعلوه وإن كان التقابض جرى بين المتبايعين دون الشفيع وترافعوا إلينا لم نحكم له بالشفعة وبهذا قال الشافعي وقال أبو الخطاب إن تبايعوا بخمر وقلنا هي مال لهم حكمنا لهم بالشفعة وقال أبو حنيفة تثبت الشفعة إذا كان الثمن خمرا لأنها مال لهم فأشبه ما لو تبايعوا بدراهم لكن إن كان الشفيع ذميا أخده بمثله وإن كان مسلما أخذه بقيمة الخمر ولنا إنه بيع عقد بخمر فلم تثبت فيه الشفعة كما لو كان بين مسلمين ولأنه عقد بثمن محرم أشبه البيع بالخنزير والميتة ولا نسلم أن الخمر مال لهم فإن الله تعالى حرمه كما حرم الخنزير واعقادهم حله لا يجعله مالا كالخنزير وإنما لم ينقض عقدهم إذا تقابضوا لأننا لا نتعرض لما فعلوه مما يعتقدونه في دينهم ما لم يتحاكموا إلينا قبل تمامه ولو تحاكموا إلينا قبل التقابض لفسخناه
فصل فأما أهل البدع فمن حكم بإسلامه فله الشفعة لأنه مسلم فتثبت له الشفعة كالفاسق بالأفعال ولأن عموم الأدلة يقتضي ثبوتها لكل شريك فيدخل فيها وقد روى حرب أن أحمد سئل عن أصحاب البدع هل لهم شفعة ويروى عن ابن ادريس أنه قال ليس للرافضة شفعة فضحك وقال أراد أن يخرجهم من الإسلام فظاهر هذا أنه أثبت لهم الشفعة وهذا محمول على غير الغلاة منهم وأما من غلا كالمعتقد أن جبريل غلط في الرسالة فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أرسل إلى علي ونحوه ومن حكم بكفره من الدعاة إلى القول بخلق القرآن فلا شفعة له لأن الشفعة إذا لم تثبت للذمي الذي يقر على كفره بغيره أولى فصل وتثبت الشفعة للبدوي على القروي وللقروي على البدوي في قول أكثر أهل العلم وقال الشعبي والبتي لا شفعة لمن لم يسكن المصر ولنا عموم الأدلة واشتراكهم في المعنى المقتضي لوجوب الشفعة فصل قال أحمد في رواية حنبل لا نرى في أرض السواء شفعة وذلك لأن أرض السواد موقوفة وقفها عمر رضي الله عنه على المسلمين ولا يصح بيعها والشفعة إنما تكون في البيع وكذلك الحكم في سائر الأرض التي وقفها عمر رضي الله عنه وهي التي فتحت عنوة في زمنه ولم يقسمها كأرض الشام وأرض مصر وكذلك كل أرض فتحت عنوة ولم تقسم بين الغانمين إلا أن يحكم ببيع ذلك حاكم أو يفعله الإمام أو نائبه فإن فعل ذلك ثبتت فيه الشفعة لأنه فصل مختلف فيه ومتى حكم الحاكم في المختلف فيه بشيء نفذ حكمه والله أعلم كتاب المساقاة المساقاة أن يدفع الرجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره وإنما سميت مساقاة لأنها مفاعلة من السقي لأن أهل الحجاز أكثر حاجة شجرهم إلى السقي لأنهم يستقون من الآبار فسميت بذلك والأصل في جوازها السنة والإجماع أما السنة فما روى عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع حديث صحيح متفق عليه وأما الإجماع فقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن آبائه عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع وهذا عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم واشتهر ذلك فلم ينكره منكر فكان إجماعا فإن قيل لا نسلم أنه لم ينكره منكر فإن عبدالله بن عمر راوي حديث معاملة أهل خيبر قد رجع عنه وقال كنا نخابر أربعين سنة حتى حدثنا رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة وهذا يمنع انعقاد الإجماع ويدل على نسخ حديث ابن عمر لرجوعه عن العمل به إلى حديث رافع قلنا لا يجوز حمل حديث رافع على ما يخالف الإجماع ولا حديث ابن عمر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يعامل أهل خيبر حتى مات ثم عمل به الخلفاء بعده ثم من بعدهم فكيف يتصور نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء يخالفه أم كيف يعمل بذلك في عصر الخلفاء ولم يخبرهم من سمع النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حاضر معهم وعالم بفعلهم فلم يخبرهم فلو صح خبر رافع لوجب حمله على ما يوافق السنة والإجماع وعلى أنه قد روي في تفسير خبر رافع عنه ما يدل على صحة قولنا فروى البخاري بإسناده قال كنا نكري الأرض بالناحية منها تسمء لسيد اللأرض فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض وربما نصاب الأرض ويسلم ذلك فنهينا فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ وروى تفسيره أيضا بشيء غير هذا من أنواع الفساد وهو مضطرب جدا قال الأثرم سمعت أبا عبدالله يسأل عن حديث رافع بن خديج نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزارعة فقال رافع روي عنه في هذا ضروب كأنه يراد أن اختلاف الروايات عنه يوهن حديثه وقال طاوس إن أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه ولكن قال لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن يأخذ عليها خراجا معلومارواه البخاري ومسلم وأنكر زيد بن ثابت حديث رافع عليه وكيف يجوز نسخ أمر فعله النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات وهو يفعله ثم أجمع عليه خلفاؤه وأصحابه بعده بخبر لا يجوز العمل به ولو لم يخالفه غيره ورجوع ابن عمر إليه يحتمل أنه رجع عن شيء من المعاملات الفاسدة التي فسرها رافع في حديثه وأما غير ابن عمر فقد أنكر على رافع ولم يقبل حديثه وحمله على أنه غلط في روايته
والمعنى يدل على ذلك فإن كثيرا من أهل النخيل والشجر يعجزون عن عمارته وسقيه ولا يمكنهم الاستئجار عليه وكثير من الناس لا شجر لهم ويحتاجون إلى الثمر في تجويز المساقاة دفع للحاجتين وتحصيل لمصلحة الفئتين فجاز ذلك كالمضاربة بالأثمان مسألة قال أبو القاسم ( وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمر ) وجملة ذلك أن المساقاة جائزة في جميع الشجر المثمر هذا قول الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب وسالم ومالك والثوري والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وأبو ثور وقال داود لا يجوز إلا في النخيل لأن الخبر إنما ورد بها فيه وقالالشافعي لا يجوز إلا في النخل والكرم لأن الزكاة تجب في ثمرتها وفي سائر الشجر قولان أحدهما لا يجوز فيه لأن الزكاة لا تجب في نمائه فأشبه ما لا ثمرة له وقال أبو حنيفة وزفر لا تجوز بحال لأنها إجارة بثمرة لم تخلق أو إجارة مجهولة أشبه إجارة نفسه بثمرة غير الشجر الذي يسقيه ولنا السنة والإجماع ولا يجوز التعويل على ما خالفهما وقولهم إنها إجارة غير صحيح إنما هو عقد على العمل في المال ببعض نمائه فهو كالمضاربة وينكسر ما ذكروه بالمضاربة فإنه يعمل في المال بنمائه وهو معدوم مجهول وقد جاز بالإجماع وهذا في معناه ثم قد جوز الشارع العقد في الإجارة على المنافع المعدومة للحاجة فلم لا يجوز على الثمرة المعدومة للحاجة مع أن القياس إنما يكون في إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه أو المجمع عليه فأما في إبطال نص وخرق إجماع بقياس نص آخر فلا سبيل إليه وأما تخصيص ذلك بالنخيل أو به وبالكرم فيخالف عموم قولهعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر وهذا عام في كل ثمر ولا تكاد بلدة ذات أشجار تخلو من شجرة غير النخيل وقد جاء في لفظ بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل حيبر بشطر ما يخرج من النخل والشجر ولأنه شجر يثمر كل حول فأشبه النخيل والكرم ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة عليه كالنخل وأكثر لكثرته فجازت المساقاة عليه كالنخل ووجوب الزكاة ليس من العلة المجوزة للمساقاة ولا أثر له فيها وإنما العلة على ما ذكرناه فصل فأما ما لا ثمر له من الشجر كالصفصاف والجوز ونحوهما أو له ثمر غير مقصود كالصنوبر والأرز فلا تجوز المساقاة عليه وبه قال مالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لأنه ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص ولأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمرة وهذا لا ثمرة له إلا أن يكون مما يقصد ورقه كالتوت والورد فالقياس يقتضي جواز المساقاة عليه لأنه في معنى الثمر لأنه نماء يتكرر كل عام ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه فيثبت له مثل حكمه فصل وإن ساقاه على ثمرة موجودة فذكر أبو الخطاب فيها روايتين إحداهما تجوز وهو اختيار أبي بكر وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور وأحد قولي الشافعي لأنها إذا جازت في المعدومة مع كثرة الغرر فيها فمع وجودها وقلة الغرر فيها أولى وإنما تصح إذا بقي من العمل ما يستزاد به الثمرة كالتأبير والسقي وإصلاح الثمرة فإن بقي ما لا تزيد به الثمرة كالجذاذ ونحوه لم يجز بغير خلاف والثانية لا تجوز وهو القول الثاني للشافعي لأنه ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص فإن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على الشطر مما يخرج من ثمر أو زرع ولأن هذا يفضي إلى أن يستحق بالعقد عوضا موجودا ينتقل الملك فيه عن رب المال إلى المساقي فلم يصح كما لو بدا صلاح الثمرة ولأنه عقد على العمل في المال ببعض نمائه فلم يجز بعد ظهور النماء كالمضاربة ولأن هذا جعل العقد إجارة بمعلوم ومجهول فلم يصح كما لو استأجره على العمل بذلك
وقولهم إنه أقل غررا قلنا الغرر ليست من المقتضي للجواز ولا كثرته الموجودة في محل النص مانعة فلا تؤثر قلته شيئا والشرع ورد به على وجه لا يستحق العامل فيه عوضا موجودا ولا ينتقل إليه من ملك رب المال شيء وإنما يحدث النماء الموجود على ملكهما على ما شرطاه فلم تجز مخالفة هذا الموضوع ولا إثبات عقد ليس في معناه إلحاقا به كما لو بدا صلاح الثمرة كالمضاربة بعد ظهور الربح فصل فأما قول الخرقي بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمر فيدل على شيئين أحدهما أن المساقاة لا تصح إلا على جزء معلوم من الثمرة مشاع كالنصف والثلث لحديث ابن عمر عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها وسواء قل الجزء أو كثر فلو شرط للعامل جزءا من مائة جزء وجعل جزءا منها لنفسه والباقي للعامل جاز ما لم يفعل ذلك حيلة وكذلك إن عقده على أجزاء معلومة كالخمسين وثلاثة أثمان أو سدس ونصف سبع ونحو ذلك جاز وإن عقد على جزء مبهم كالسهم والجزء والنصيب والحظ ونحوه لم تجز لأنه إذا لم يكن معلوما لم تكن القسمة بينهما ولو ساقاه على آصع معلومة أو جعل مع الجزء المعلوم آصعا لم تجز لأنه ربما لم يحصل ذلك أو لم يحصل غيره فيستضر رب الشجر أو ربما كثر الحاصل فيستضر العامل وإن شرط له ثمر نخلات بعينها لم يجز لأنها قد لا تحمل فتكون الثمرة كلها لرب المال وقد لا تحمل غيرها فتكون الثمرة كلها للعامل ولهذه العلة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المزارعة التي يجعل فيها لرب الأرض مكانا معينا وللعامل مكانا معينا قال رافع كنا نكري الأرض أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك فأما الذهب والورق فلم ينهنا متفق عليه فمتى شرط شيئا من هذه الشروط الفاسدلا فسدت المساقاة والثمرة كلها لرب المال لأنها نماء ملكه وللعامل أجر مثله كالمضاربة الفاسدة الثاني أن الشرط للعامل لأنه إنما يأخذ بالشرط فالشرط يراد لأجله ورب المال يأخذ بماله لا بالشرط فإذا قال ساقيتك على أن لك ثلث الثمرة صح وكان الباقي لرب المال وإن قال على أن لي ثلث الثمرة فقال ابن حامد يصح والباقي للعامل وقيل لا يصح وقد ذكرنا تعليل ذلك في المضاربة وإن اختلفا في الجزء المشروط لمن هو منهما فهو للعامل لأن الشرط يراد لأجله كما ذكرنا فصل إذا كان في البستان شجر من أجناس كالتين والزيتون والكرم والرمان فشرط للعامل من كل جنس قدرا كنصف ثمر التين وثلث الزيتون وربع الكرم وخمس الرمان أو كان فيه أنواع من جنس فشرط من كل نوع قدرا وهما يعلمان قدر كل نوع صح لأن ذلك كأربعة بساتين ساقاه على كل بستان بقدر مخالف للقدر المشروط من الآخر وإن لم يعلما قدره أو لم يعلم أحدهما لم يجز لأنه قد يكون أكثر ما في البستان من النوع الذي شرط فيه القليل أو أكثره مما شرط فيه الكثير ولو قال ساقيتك على هذه البستانين بالنصف من هذا والثلث من خذا صح لأنها صفقة واحدة جمعت عوضين فصار كأنه قال بعتك داري هاتين هذه بألف وهذه بمائة وإن قال بالنصف من أحدهما والثلث من الآخر لم يصح لأنه مجهول لا يدري أيهما الذي يستحق نصفه ولا الذي يستحق ثلثه ولو ساقاه على بستان واحد نصفه هذا بالنصف ونصفه وهذا بالثلث وهما متميزان صح لأنهما كبستانين فصل وإن كان البستان لاثنين فساقيا عاملا واحدا على أن له نصف نصيب أحدهما وثلث نصيب الآخر والعامل عالم بنصيب كل واحد منهما جاز لأن عقد الواحد مع الاثنين عقدان ولو أفرد كل واحد منهما بعقد كان له أن يشرط ما اتفقا عليه وإن جهل نصيب كل واحد منهما لم يجز لأنه غرر فإنه قد يقل نصيب من شرط النصف فيقل حظه
وقد يكثر فيتوفر حظه فأما إن شرطا قدرا واحدا من مالهما جاز وإن لم يعلم قدر ما لكل واحد منهما لأنها جهالة لا غرر فيها ولا ضرر فصار كما لو قالا بعناك دارنا هذه بألف ولم يعلم نصيب كل واحد منهما جاز لأنه أي نصيب كان فقد علم عوضه وعلم جملة المبيع فصح كذلك ها هنا ولو ساقى واحد اثنين جاز ويجوز أن يشترط لما التساوي في النصيب ويجوز أن يشرط لأحدهما أكثر من الآخر فصل ولو ساقاه ثلاث سنين على أن له في الأولى النصف وفي الثاني الثلث وفي الثالثة الربع جاز لأن قدر ماله في كل سنة معلوم فصح كما لو شرط له من كل نوع قدرا فصل ولو دفع إلى الرجل بستانا فقال ما زرعت فيه من حنطة فلي ربعه وما زرعت من شعير فلي ثلثه وما زرعت من باقلا فلي نصفه لم يصح لأن ما يزرعه من كل واحد من هذه الأصناف مجهول القدر فجرى مجرى ما لو شرط له في المساقاة ثلث هذا النوع ونصف هذا النوع الآخر وهو جاهل بما فيه منهما وإن قال إن زرعتها حنطة فلي ربعها وإن زرعتها شعيرا فلي ثلثه وإن زرعتها باقلا فلي نصفه لم يصح أيضا لأنه لا يدري ما يزرعه فأشبه ما لو قال بعتك بعشرة صحاح أو أحد عشرة مكسرة وفيه وجه آخر أنه يصح بناء على قوله في الإجارة إن خطته روميا فلك درهم وإن خطته فارسيا فلك نصف درهم فإنه يصح في المنصوص عنه فيخرج ها هنا مثله وإن قال ما زرعتها من شيء فلي نصفه صح لأن النبي صلى الله عليه وسلم ساقى أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ولو جعل له في المزارعة ثلث الحنطة ونصف الشعير وثلثي الباقلا وبينا قدر ما يزرع من كل واحد من هذه الأنواع إما بتقدير البذر وإما بتقدير المكان وتعيينه أو بسماحته مثل أن قال تزرع هذا المكان حنطة وهذا شعيرا وتزرع مدين حنطة ومدين شعيرا أو تزرع قفيرا حنطة وقفيزين شعيرا جاز لأن كل واحد من هذه طريق إلى العلم فاكتفى به فصل وإن ساقاه على أنه إن سقي سيحا فله الثلث وإن سقي بكلفة فله النصف لم يصح لأن العمل مجهول والنصيب مجهول وهو في معنى بيعتين في بيعة ويتخرج أن يصح قياسا على مسألة الإجارة ولو قال لك الخمسان إن كانت عليك خسارة وإن لم يكن عليك خسارة فلك الربع لم يصح نص عليه أحمد وقال هذا شرطان في شرط وكرهه وهذا في معنى المسألة التي قبلها ويخرج فيها مثل ما خرج فيها ولو ساقاه في هذا الحائط بالثلث على أن يساقيه في الحائط الآخر بجزء معلوم لم يصح لأنه شرط عقدا فصار في معنى بيعتين في بيعة كقوله بعتك ثوبي على أن تبيعني ثوبك وإنما فسد لمعنيين أحدهما أنه شرط العقد في عقدا آخر والنفع الحاصل بذلك مجهول فكأنه شرط العوض في مقابلة معلوم ومجهول الثاني أن العقد الآخر لا يلزمه بالشرط فيسقط الشرط وإذا سقط وجب رد الجزء الذي تركه من العوض لأجله وذلك مجهول فيصير الكل مجهولا فصل وإن ساقى أحد الشريكين شريكه وجعل له من الثمر أكثر من نصيبه مثل أن يكون الأصل بينهما نصفين فجعل له الثلثين من الثمرة صح وكان السدس حصته المساقاة فصار كأنه قال ساقيتك على نصيبي بالثلث وإن ساقاه على أن تكون الثمرة بينهما نصفين أو على أن يكون للعامل الثلث فهي مساقاة فاسدة لأن العامل يستحق نصفها بملكه
ولم يجعل له في مقابلة عمله شيئا وإذا شرط له الثلث فقد شرط أن غير العامل يأخذ من نصيب العامل ثلثه ويستعمله بلا عوض فلا يصح فإذا عمل في الشجر بناء على هذا كانت الثمرة بينهما نصفين بحكم الملك ولا يستحق العامل بعمله شيئا لأنه تبرع به لرضاه بالعمل بغير عوض فأشبه ما لو قال له أنا أعمل فيه بغير شيء وذكر أصحابنا وجها آخر أنه يستحق أجر مثله لأن المساقاة تقتضي عوضا فلا تسقط برضاه بإسقاطه كالنكاح ولم يسلم له العوض فيكون له أجر مثله ولنا إنه عمل في مال غيره متبرعا فلم يستحق عوضا كما لو لم يعقد المساقاة ويفارق النكاح لوجهين أحدهما أن عقد النكاح صحيح فوجب به العوض لصحته وهذا فاسد لا يوجب شيئا والثاني أن الأبضاع لا تستباح بالبذل والإباحة والعمل ها هنا يستباح بذلك ولأن المهر في النكاح لا يخلو من أن يكون واجبا بالعقد أو بالإصابة أو بهما فإن وجب بالعقد لم يصح قياس هذا عليه لوجهين أحدهما أن النكاح صحيح وهذا فاسد والثاني أن العقد ها هنا لا يوجب ولو أوجب قبل العمل ولا خلاف أن هذا لا يوجب قبل العمل شيئا وإن وجب بالإصابة لم يصح القياس عليها لوجهين أحدهما أن الإصابة لا تستباح بالإباحة والبذل بخلاف العمل والثاني أن الإصابة لو خلت في العقد لأوجبت وهذا بخلافه وإن وجب بهما امتنع القياس لهذه الوجوه كلها فأما إن ساقى أحدهما شريكه على أن يعملا معا فالمساقاة فاسدة والثمرة بينهما على قدر ملكيهما ويتقاصان العمل إن تساويا فيه وإن كان لأحدهما فضل نظرت فإن كان قد شرط له فضل ما في مقابلة عمله استحق ما فضل له من أجر المثل وإن لم يشترط له شيئا فلا شيء له إلا على الوجه الذي ذكره أصحابنا وتكلمنا عليه فصل وتصح المساقاة على البعل من الشجر كما تجوز فيما يحتاج إلى سقي وبهذا قال مالك ولا نعلم فيه خلافا عند من يجوز المساقاة لأن الحاجة تدعو إلى المعاملة في ذلك كدعائها إلى المعاملة في غيره فيقاس عليه وكذلك الحكم في المزارعة فصل ولا تصح المساقاة إلا على شجر معلوم بالرؤية أو بالصفة التي لا يختلف معها كالبيع فإن ساقاه على بستان بغير رؤية ولا صفة لم يصح لأنه عقد على مجهول فلم يصح كالبيع وإن ساقاه على أحد هذين الحائطين لم يصح لأنها معاوضة يختلف الغرض فيها باختلاف الأعيان فلم يجز على غير معين كالبيع فصل وتصح المساقاة بلفظ المساقاة وما يؤدي معناها من الألفاظ نحو عاملتك وفالحتك واعمل في بستاني هذا حتى تكمل ثمرته وما أشبه هذا لأن القصد المعنى فإذا أتى به بأي لفظ دل عليه صح كالبيع وإن اقل استأجرتك لتعمل لي هذا الحائط حتى تكمل ثمرته بنصف ثمرته ففيه وجهان أحدهما لا يصح ذكره أبو الخطاب لأن الإجارة يشترط لها كون العوض معلوما والعمل معلوما وتكون لازمة والمساقاة بخلافه والثاني يصح وهو أقيس لأنه مؤد للمعنى فصح به العقد كسائر الألفاظ المتفق عليها وقد ذكر أبو الخطاب أن معنى قول أحمد تجوزه إجارة الأرض ببعض الخارج منها المزارعة على أن البذر والعمل من العامل وما ذكره من شروط الإجارة إنما يعتبر في الإجارة الحقيقية أما إذا أريد بالإجازة المزارعة فلا يشترط لها غير شرط المزارعة
فصل ويلزم العامل بإطلاق عقد المساقاة ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها مثل حرث الأرض تحت الشجر والبقر التي تحرث وآله الحرث وسقي الشجر واستقاء الماء وإصلاح طرق الماء وتنقيتها وقطع الحشيش المضر والشوك وقطع الشجر اليابس وزبار الكرم وقطع ما يحتاج إلى قطعه وتسوية الثمرة وإصلاح الأجاجين وهي الحفر التي يجتمع فيها الماء على أصول النخل وإدارة الدولاب والحفظ للثمر في الشجر وبعده حتى يقسم وإن كان مما يشمس فعليه تشميسه وعلى رب المال ما فيه حفط الأصل كسد الحيطان وإنشاء الأنهار وعمل الدولاب وحفر بئره وشراء ما يلقح به وعبر بعض بعض أهل العلم عن هذا بعبارة أخرى فقال كل ما يتكرر كل عام فهو على العامل وما لا يتكرر فهو على رب المال وهذا صحيح في العمل فأما شراء ما يلقح به فهو على رب المال وإن تكرر لأن هذا ليس من العمل فأما البقرة التي تدير الدولاب فقال أصحابنا هي على رب المال لأنها ليست من العمل فأشبهت ما يلقح به والأولى أنها على العامل لأنها تراد للعمل فأشبهت بقر الحرث ولأن استقاء الماء على العامل إذا لم يحتج إلى بهيمة فكان عليه وإن احتاج إلى بهيمة كغيره من الأعمال وقال بعض أصحاب الشافعي ما يتعلق بصلاح الأصول والثمرة معا كالكسح وللنهر والثور هو على من شرط عليه منهما وإن أهمل شرط ذلك على أحدهما لم تصح المساقاة وقد ذكرنا ما يدل على أنه على العامل فأما تسميد الأرض بالزبل إن احتاجت إليه فشراء ذلك على رب المال لأنه ليس من العمل فجرى مجرى ما يلقح به وتفريق ذلك في الأرض على العامل كالتلقيح وإن أطلقا العقد ولم يبينا ما على كل واحد منهما فعلى كل واحد منهما ما ذكرنا أنه عليه وإن شرطا ذلك كان تأكيدا وإن شرطا على أحدهما شيئا مما يلزم الآخر فقال القاضي وأبو الخطاب لا يجوز ذلك فعلى هذا تفسد المساقاة وهو مذهب الشافعي لأنه شرط يخالف مقضى العقد فأفسده كالمضاربة إذا شرط العمل فيها على رب المال وقد روي عن أحمد ما يدل على صحة ذلك فإنه ذكر أن الجذاذ عليهما فإن شرطه على العامل جاز وهذا مقتضى كلام الخرقي في المضاربة لأنه شرط لا يخل بمصلحة العقد ولا مفسدة فيه فصح كتأجيل الثمن في المبيع وشرط الرهن والضمين والخيار فيه لكن يشترط أن يكون ما يلزم كل واحد من العمل معلوما لئلا يفضي إلى التنازع والتواكل فيختل العمل وأن لا يكون ما على رب المال أكثر العمل لأن العامل يستحق بعمله فإذا لم يعمل أكثر العمل كان وجود عمله كعدمه فلا يستحق شيئا فصل فأما الجذاذ والحصاد واللقاط فهو على العامل نص أحمد عليه في الحصاد وهو مذهب الشافعي لأنه من العمل فكان على العامل كالتشميس وروي عن أحمد في الجذاذ أنه إذا شرط على العامل فجائز لأن العمل عليه وإن لم يشرطه فعلى رب المال بحصته ما يصير إليه فظاهر هذا أنه جعل الجذاذ عليهما وأجاز اشتراطه على العامل وهو قول بعض الشافعية وقال محمد بن الحسن تفسد المساقاة بشرطه على العامل لأنه شرط ينافي مقتضى العقد واجتج عيه عليهما بأنه يكون بعد تكامل الثمرة وانقضاء المعاملة فأشبه نقله إلى منزله ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خيبر إلى يهود على أن يعملوها من أموالهم ولأن هذا من العمل فيكون عليه كالتشميس وما ذكروه يبطل بالتشميس ويفارق النقل إلى المنزل فإنه يكون بعد القسمة وزوال العقد فأشبه المخزن فصل وإن شرط أن يعمل معه غلمان رب المال فهو كشرط عمل رب المال لأن عملهم كعمله فإن يد الغلام كيد مولاه وقال أبو الخطاب فيه وجهان أحدهما يجوز لأن غلمانه ماله فجاز أن تعمل تبعا لماله كثور الدولاب وكان يجوز في القراض أن يدفع إلى العامل بهيمة يحمل عليها وأما رب المال لا يجوز جعله تبعا وهذا قول مالك والشافعي ومحمد بن الحسن
فإذا شرط غلمانا يعملون معه فنفقتهم على ما يشترطان عليه فإن أطلقا ولم يذكرا نفقتهم فهي على رب المال وبهذا قال الشافعي وقال مالك نفقتهم على المساقي ولا ينبغي أن يشرطها على رب المال لأن العمل على المساقي فمؤنة من يعمله عليه كمؤنة غلمانه ولنا إنه مملوك رب المال فكانت نفقته عليه عند الإطلاق كما لو أجره فإن شرطها على العامل جاز ولا يشترط تقديرها وبه قال الشافعي وقال محمد بن الحسن يشترط تقديرها لأنه اشترط عليه ما لا يلزمه فوجب أن يكون معلوما كسائر الشروط ولنا إنه لو وجب تقديرها لوجب ذكر صفاتها ولا يجب ذكر صفاتها فلم يجب تقديرها ولا بد من معرفة الغلمان عملهم برؤية أو صفة تحصل بها معرفتهم كما في عقد الإجارة فصل وإن شرط العامل أن أجر الأجراء الذين يحتاج إلى الاستعانة بهم من الثمرة وقدرة الأجرة لم يصح لأن العمل عليه فإذا شرط أجره من المال لم يصح كما لو شرط لنفسه أجر عمله وإن لم يقدره فسد لذلك ولأنه مجهول ويفارق هذا ما إذا اشترط المضارب أجر ما يحتاج إليهم من الحمالين ونحوهم لأن ذلك لا يلزم العامل فكان على المال ولو شرط أجر ما يلزمه عمله بنفسه لم يصح كسمألتنا فصل ظاهر كلام أحمد أن المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة أومأ إليه في رواية الأثرم وسئل عن الأكار يخرج نفسه من غير أن يخرجه صاحب الضيعة فلم يمنعه من ذلك ذكره الشيخ أبو عبدالله بن حامد وهو قول بعض أصحاب الحديث وقال بعض أصحابنا هو عقد لازم وهو قول أكثر الفقهاء لأنه عقد معاوضة فكان لازما كالإجارة ولأنه لو كان جائزا جاز لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل فيستضر ولنا ما روى مسلم بإسناده عن ابن عمر أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بخيبر على أن يعملوها ويكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نقركم على ذلك ما شئنا ولو كان لازما لم يجز تقدير مدة ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه قدر لهم ذلك بمدة ولو قدر لم يترك نقله لأن هذا مما يحتاج إليه فلا يجوز الإخلال بنقله وعمر رضي الله عنه أجلاهم من الأرض وأخرجهم من خيبر ولو كانت لهم مدة مقدرة لم يجز إخراجهم منها ولأنه عقد على جزء من نماء المال فكان جائزا كالمضاربة أو عقد على المال بجزء من نمائه أشبه المضاربة وفارق الإجارة لأنها بيع فكانت لازمة كبيع الأعيان ولأن عوضها مقدر معلوم فأشبهت البيع وقياسهم ينتقض بالمضاربة وهي أشبه بالمساقاة من الإجارة فقياسها عليها أولى وقولهم إنه يفضي إلى أن رب المال يفسخ بعد إدراك الثمرة قلنا إذا ظهرت الثمرة فهي تظهر على ملكهما فلا يسقط حق العامل منها بفسخ ولا غيره كما لو فسخ المضاربة بعد ظهور الربح فعلى هذا لا يفتقر إلى ضرب مدة ولذلك لم يضرب النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه رضي الله عنهم لأهل خيبر مدة معلومة حين عاملوهم ولأنه عقد جائز فلم يفتقر إلى ضرب مدة كالمضاربة وسائر العقود الجائزة ومتى فسخ أحدهما بعد ظهور الثمرة فيه بينهما على ما شرطاه وعلى العامل تمام العمل كما يلزم المضارب بيع الروض إذا فسخت المضاربة بعد ظهور الربح وإن فسخ العامل قبل ذلك فلا شيء له لأنه رضي بإسقاط حقه فصار كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح وعامل الجعالة إذا فسخ قبل إتمام عمله وإن فسخ رب المال قبل ظهور الثمرة فعليه أجر المثل للعامل لأنه منعه إتمام عمله الذي يستحق به العوض فأشبه ما لو فسخ الجاعل قبل إتمام عمل الجعالة وفارق رب المال في المضاربة إذا فسخها قبل ظهور الربح لأن عمل هذا مفض إلى ظهور الثمرة غالبا فلولا الفسخ لظهرت الثمرة فملك نصيبه منها وقد قطع ذلك بفسخه
فأشبه فسخ الجعالة بخلاف المضاربة فإنه لا يعلم إفضاؤها إلى الربح ولأن الثمرة إذا ظهرت في الشجر كان العمل عليها في الابتداء من أسباب ظهورها والربح إذا ظهر في المضاربة قد لا يكون للعمل الأول فيه أثر أصلا فأما إن قلنا إنه عقد لازم فلا يصح إلا على مدة معلومة وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور ت صح من غير ذكر مدة ويقع على سنة واحدة وأجازه بعض أهل الكوفة استحسانا لأنه لما شرط له جزء من الثمرة كان ذلك دليلا على أنه أراد مدة تحصل الثمرة فيها ولنا إنه عقد لازم فوجب تقديره بمدة كالإجارة ولأن المساقاة أشبه بالإجارة لأنها تقتضي العمل على العين مع بقائها ولأنها إذا وقعت مطلقة لم يمكن حملها على إطلاقها مع لزومها لأنه يفضي إلى أن العامل يستبد بالشجر كل مدته فيصير كالمالك ولا يمكن تقديره بالسنة لأنه تحكم وقد تكمل الثمرة في أثل من السنة فعلى هذا لا تتقدر أكثر المدة بل يجوز ما يتفقان عليه من المدة التي يبقى الشجر فيها وإن طالت وقد قيل لا يجوز أكثر من ثلاثين سنة وهذا تحكم وتوقيت لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع فأما أقل المدة فيتقدر بمدة تكمل الثمرة فيها فلا يجوز على أقل منها لأن المقصود أن يشتركا في الثمرة ولا يوجد في أقل من هذه المدة فإن ساقاه على مدة لا تكمل فيها الثمرة فالمساقاة فاسدة فإذا عمل فيها فظهرت الثمرة ولم تكمل فله أجر مثله في أحد الوجهين وفي الآخر لا شيء له لأنه رضي بالعمل بغير عوض كالمتبرع فالأول أصح لأن هذا لم يرض إلى بعوض وهو جزء من الثمرة وذلك الجزء موجود غير أنه لا يمكن تسليمه إليه فلما تعذر دفع العوض الذي اتفقا عليه إليه كان أجر مثله كما في الإجارة الفاسدة وفارق المتبرع فإنه رضي بغير شيء وإن لم تظهر الثمرة فلا شيء له في أصح الوجهين لأنه رضي بالعمل بغير عوض وإن ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبا فلم يحمل تلك السنة فلا شيء للعامل لأنه عقد صحيح لم يظهر فيه النماء الذي اشترط جزؤه فأشبه المضاربة إذا لم يربح فيها وإن ظهرت الثمرة ولم تكمل فله نصيبه منها وعليه إتمام العمل فيها كما لو انفسخت قبل كمالها وإن ساقاه إلى مدة يحتمل أن يكون للشجر ثمرة ويحتمل أن لا يكون ففي صحة المساقاة وجهان أحدهما تصح لأن الشجر يحتمل أن يحمل ويحتمل أن لا يحمل والمساقاة جائزة فيه والثاني لا يصح لأنه عقد على معدوم ليس الغالب وجوده فلم تصح كالسلم في مثل ذلك ولأن ذلك غرر أمكن التحرز عنه فلم يجز العقد معه كما لو شرط ثمر نخلة بعينها وفارق ما إذا شرط مدة تكمل فيها الثمرة فإن الغالب أن الشجر يحمل واحتمال أن لا يحمل نادر لم يمكن التحرز عنه فإن قلنا العقد صحيح فله حصته من الثمر فإن لم يحمل فلا شيء له وإن قلنا هو فاسد استحق أجر المثل سواء حمل أو لم يحمل لأنه لم يرض بغير عوض ولم يسلم له العوض فكان له العوض وجها واحدا بخلاف ما لو جعل الأجل إلى مدة لا يحمل في مثلها غالبا ومتى خرجت الثمرة قبل انقضاء الأجل فله حقه منها إذا قلنا بصحة العقد وإن خرجت بعده فلا حق له فيها ومذهب الشافعي في هذا قريب مما ذكرنا فصل ولا يثبت في المساقاة خيار الشرط لأنها إذا كانت جائزة فالجائز مستغن بنفسه عن الخيار فيه وإن كانت لازمة فإذا فسخ لم يمكن رد المعقود عليه وهو العمل فيها وأما خيار المجلس فلا يثبت إن كانت جائزة لما تقدم وإن كانت لازمة فعلى وجهين أحدهما لا يثبت لأنها عقد لا يشترط فيه قبض العوض ولا يثبت فيه خيار الشرط فلا يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح والثاني يثبت لأنه عقد لازم يقصد به المال أشبه البيع
فصل ومتى قلنا بجوازها لم يفتقر إلى ضرب مدة لأن إبقاءها إليهما وفسخها جائز لكل واحد منهما متى شاء فلم تحتج إلى مدة كالمضاربة وإن قدرها بمدة جاز لأنه لا ضرر في التقدير وقد تبينا جواز ذلك في المضاربة والمساقاة مثلها وتنفسخ بموت كل واحد منهما وجنونه والحجر عليه لسفه كقولنا في المضاربة فإذا مات العامل أو رب المال انفسخت المساقاة فكان الحكم فيها كما لو فسخها أحدهما على ما أسلفناه وإن قلنا بلزومها لم ينفسخ العقد ويقوم الوارث مقام الميت منهما لأنه عقد لازم فأشبه الإجارة لكن إن كان الميت العامل فأبى وارثه القيام مقامه لم يجبر لأن الوارث لا يلزمه من الحقوق التي على مورثه ألا ما أمكن دفعه من تركته والعمل ليس مما يمكن ذلك فيه فعلى هذا يستأجر الحاكم من التركة من يعمل العمل فإن لم تكن له تركة أو تعذر الاستئجار منها فلرب المال الفسخ لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه فيثبت الفسخ كما لو تعذر ثمن المبيع قبل قبضه ثم إن كانت الثمرة قد ظهرت بيع من نصيب العامل ما يحتاج إليه لأجر ما بقي من العمل واستؤجر من يعمل ذلك وإن احتيج إلى بيع الجميع بيع ثم لا يخلو إما أن تكون الثمرة قد بدا صلاحها أو لم يبد فإن كانت قد بدا صلاحها خير المالك بين البيع والشراء فإن اشترى نصيب العامل جاز وإن اختار بيع نصيبه أيضا باعه وباع الحاكم نصيب العامل وإن أبى البيع والشراء باع الحاكم نصيب العامل وحده وما بقي على العامل من العمل يكتري عليه من يعمله وما فضل لورثته وإن كان لم يبد صلاحها خير المالك أيضا فإن بيع لأجنبي لم يجز إلا بشرط القطع ولا يجوز بيع نصيب العامل وحده لأنه لا يمكنه قطعه إلا بقطع نصيب المالك فيقف إمكان قطع على قطع ملك غيره وهل يجوز شراء المالك لها على وجهين وهكذا الحكم إذا انفسخت المساقاة بموت العامل لقولنا بجوازها وأبى الوارث العمل وإن اختار رب المال البقاء على المساقاة لم تنفسخ إذا قلنا بلزومها ويستأذن الحاكم في الاتفاق على الثمرة ويرجع بما أنفق فإن عجز عن استئذان الحاكم فأنفق محتسبا بالرجوع وأشهد على الإنفاق بشرط الرجوع رجع بما أنفق وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه مضطر وإن أمكنه استئذان الحاكم فأنفق بنية الرجوع من غير استئذانه فهل يرجع بذلك على وجهين بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه وإن تبرع بالاتفاق لم يرجع بشيء كما لو تبرع بالصدقة والحكم فيما إذا أنفق على الثمرة بعد فسخ العقد إذا تعذر بيعها كالحكم ها هنا سواء فصل وإن هرب العامل فلرب المال الفسخ لأنه عقد جائز وإن قلنا بلزومه فحكمه حكم ما لو مات وأبى وارثه أن يقوم مقامه إلا أنه لم يجد الحاكم له مالا وأمكنه الاقتراض عليه من بيت المال أو غيره فعل وإن لم يمكنه ووجد من يعمل بأجرة مؤجلة إلى وقت إدراك الثمرة فعل فإن لم يجد فلرب المال الفسخ أما الميت فلا يقترض عليه لأنه لا ذمة له فصل والعامل أمين والقول قوله فيما يدعيه من هلاك وما يدعي عليه من خيانة لأن رب المال ائتمنه بدفع ماله إليه فهو كالمضارب فإن اتهم حلف فإن ثبتت خيانته بإقرار أو ببينة أو نكوله صم إليه من يشرف عليه فإن لم يمكن حفطه استؤجر من ماله من يعمل عمله وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب مالك لا يقام غيره مقامه بل يحفظ منه لأن فسقه لا يمنع استيفاء المنافع المقصودة منه فأشبه ما لو فسق بغير الخيانة
ولنا إنه تعذر استيفاء المنافع المقصودة منه فاستوفيت بغيره كما لو هرب ولا نسلم إمكان استيفاء المنافع منه لأنه لا يؤمن من تركها ولا يوثق منه بفعلها ولا نقول إن له فسخ المساقاة وإنما لم يمكن حفظها من خيانتك أقم غيرك يعمل ذلك وارفع بدلا عنها لأن الأمانة قد تعذرت في حقك فلا يلزم رب المال ائتمانك وفارق فسخه بغير الخيانة فإنه لا ضرر على رب المال وها هنا يفوت ماله فصل فإن عجز عن العمل لضعفه مع أمانته ضم إليه غيره ولا ينزع من يده لأن العمل مستحق عليه ولا ضرر في بقاء يده عليه وإن عجز بالكلية قام مقامه من يعمل والأجرة عليه في الموضعين لأن عليه توفية العمل وهذا من توفيته فصل وإن اختلفا في الجزء المشروط للعامل فالقول قول رب المال ذكره ابن حامد وقال مالك القول قول العامل إذا ادعى ما يشبه لأنه أقوى سببا لتسلمه للحائط والعمل وقال الشافعي يتحالفان وكذلك إن اختلفا فيما تناولته المساقاة من الشجر ولنا إن رب المال منكر للزيادة التي ادعاها العامل فيكون القول قوله لقوله عليه السلام البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه فإن كان مع أحدهما بينة حكم بها وإن كان مع كل واحد منهما بينة ففي أيهما تقدم ببينته وجهان بناء على بينة الداخل والخارج فإن كان الشجر لاثنين فصدق أحدهما العامل وكذبه الآخر أخذ نصيبه من مال المصدق فإن شهد على المنكر قبلت شهادته إذا كان عدلا لأنه لا يجر إلى نفسه نفعا ولا يدفع ضررا ويحلف مع شاهده وإن لم يكن عدلا كانت شهادته كعدمها ولو كان العامل اثنين ورب المال واحدا فشهد أحدهما على صاحبه قبلت شهادته أيضا لما ذكرنا فصل ويملك العامل حصته من الثمرة بظهورها فلو أتلفت كلها إلا واحدة كانت بينهما وهذا أحد قولي الشافعي والثاني يملكه بالمقاسمة كالقراض ولنا إن الشرط صحيح فيثبت مقتضاه كسائر الشروط الصحيحة ومقتضاه كون الثمرة بينهما على كل حال لأنه لم يملكها قبل القسمة لما وجبت القسمة ولا ملكها كالأصول وأما القراض فإنه يملك الربح فيه بالظهور كمسألتنا ثم الفرق بينهما أن الربح وقاية لرأس المال فلم يملك حتى يسلم رأس المال لربه وهذا ليس بوقاية لشيء ولذلك لو تلفت الأصول كلها كانت الثمرة بينهما فإذا ثبت هذا فإنه يلزم كل واحد منهما زكاة نصيبه إذا بلغت حصته نصابا نص عليه أحمد في المزارعة وإن لم تبلغ النصاب إلا بجمعهما لم تجب لأن الخلطة لا تؤثر في غير المواشي وفي الصحيح وعنه أنها تؤثر فتؤثر ها هنا فيبدأ بإخراج الزكاة ثم يقسمان ما بقي وإن كانت حصة أحدهما تبلغ نصابا دون الآخر فعلى من بلغت حصته نصابا الزكاة دون الآخر يخرجها بعد المقاسمة إلا أن يكون لمن لم تبلغ حصته نصابا ما يتم به النصاب من مواضع أخر فتجب عليهما جميعا الزكاة وكذلك إن كان لأحدهما ثمر من جنس حصته يبلغان بمجموعهما نصابا فعليه الزكاة في حصته وإن كان أحد الشريكين ممن لا زكاة عليه كالمكاتب والذمي فعلى الآخر زكاة حصته إن بلغت نصابا وبهذا كله قال مالك والشافعي وقال الليث إن كان شريكه نصرانيا أعلمه أن الزكاة مؤداة في الحائط ثم يقاسمه بعد الزكاة ما بقي ولنا إن النصراني لا زكاة عليه فلا يخرج من حصته شيء كما لو انفرد بها وقد روى أبو داود في السنن عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبدالله بن رواحة فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه ثم يخير يهود خيبر أيأخذونه بذلك الخرص أم يدفعونه إليهم بذلك الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق قال جابر خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق وزعم أن اليهود لما خبرهم ابن رواحة أخذوا التمر وعليهم عشرون ألف وسق فصل وإن ساقاه على أرض خراجية فالخارج على رب المال