İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولنا إنه دفع مال غيره إلى غير مستحقه اختيارا منه فضمنه كما لو دفع الوديعة إلى غير مالكها إذا غلب على ظنه أنه مالكها فأما إن دفعها بحكم حاكم لم يملك صاحبها مطالبه الدافع لأنها مأخوذة منه على سبيل القهر فلم يضمنها كما لو غصبها ومتى ضمن الواصف لم يرجع على أحد لأن العدوان منه والتلف عنده فإن ضمن الدافع رجع على الواصف لأنه كان سبب تغريمه إلا أن يكون الملتقط قد أقر للواصف أنه صاحبها ومالكها فإنه لا يرجع عليه لأنه اعترف أنه صاحبها ومستحقها وأن صاحب البينة ظلمه بتضمينه فلا يرجع به على غير من ظلمه وإن كانت اللقطة قد تلفت عند الملتقط فضمنه إياها رجع على الواصف بما غرمه وليس لمالكها تضمين الواصف لأن الذي قبضه إنما هو مال الملتقط لا مال صاحب اللقطة بخلاف ما إذا سلم العين فأما إن وصفها إنسان فأخذها ثم جاء آخر فوصفها وادعاها لم يستحق شيئا لأن الأول استحقها لوصفه إياها وعدم المنازع فيها وثبتت يده عليها ولم يوجد ما يقتضي انتزاعها منه فوجب إبقاؤها كسائر ماله فصل ولو جاء مدعي اللقطة فلم يصفها ولا أقام بينة أنها له لم يجز دفعها إليه سواء غلب على ظنه صدقه أو كذبه لأنها أمانة فلم يجز دفعها إلى من لم يثبت أنه صاحبها كالوديعة فإن دفعها فجاء آخر فوصفها أو أقام بينة لزم الواصف غرامتها له لأنه فوتها على مالكها بتفريطه وله الرجوع على مدعيها لأنه أخذ مال غيره ولصاحبها تضمين آخذها فإذا ضمنه لم يرجع على أحد وإن لم يأت أحد يدعيها فللملتقط مطالبة آخذها بها لأنه لا يأمن من مجيء صاحبها فيغرمه إياها ولأنها أمانة في يده فملك أخذها من غاصبها كالوديعة مسألة قال ( أو مثلها إن كانت قد استهلكت ) وجملة ذلك أن اللقطعة في الحول أمانة في يد الملتقط إن تلفت بغير تفريطه أو نقصت فلا ضمان عليه كالوديعة ومتى جاء صاحبها فوجدها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة لأنها نماء ملكه وإن أتلفها الملتقط أو تلفت بتفريطه ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال وبقيمتها إن لم يكن لها مثل لا أعلم في هذا خلافا وإن تلفت بعد الحول ثبت في ذمته مثلها أو قيمتها بكل حال لأنها دخلت في ملكه وتلفت من ماله وسواء فرط في حفظها أو لم يفرط وإن وجد العين ناقصة وكان نقصها بعد الحول أخذ العين وأرش نقصها لأن جميعها مضمون إذا تلفت فكذلك إذا نقصت وهذا قول أكثر العلماء الذين حكموا بملكه لها بمضي حول التعريف وأما من قال لا يملكها حتى يتملكها لم يضمنه إياها حتى يتملكها وحكمها قبل تملكه إياها حكمها قبل مضي حول التعريف ومن قال لا تملك اللقطة بحال لم يضمنه إياها وبهذا قال الحسن والنخعي وأبو مجلز والحارث العكلي ومالك وأبو يوسف قالوا لا يضمن وإن ضاعت بعد الحول وقد ذكرنا فيما تقدم دليل دخولها في ملكه وقال داود إذا تملك العين وأتلفها لم يضمنها وحكى ابن أبي موسى عن أحمد أنه لوح إلى مثل هذا القول لحديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فإن جاء ربها وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء فجعله مباحا وقوله في حديث أبي بن كعب فإن جاء من يعرفها وإلا فهي كسبيل مالك وفي حديث زيد فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها وروي فهي لك ولم يأمره برد بدلها
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه وقال الأثرم قال أحمد اذهب إلى حديث الضحاك بن عثمان جوده ولم يروه أحد مثل ما رواه إن جاء صاحبها بعد سنة وقد أنفقها ردها إليه لأنها عين يلزم ردها لو كانت باقية فيلزمه ضمانها إذا أتلفها كما قبل الحول ولأنه مال معصوم فلم يجز إسقاط حقه منه مطلقا كما لو اضطر إلى مال غيره وإن وجدالعين زائدة بعد الحول زيادة متصلة أخذها بزيادتها لأنها تتبع في الرد بالعيب والإقافة فتبعت ها هنا وإن حدث بعد الحول لها نماء منفصل فهو للملتط لأنه نماء ملكه متميز لا يتبع في الفسوخ فكان له كنماء المبيع إذا رد العيب وذكر أبو الخطاب فيه وجها آخر بناء على المفلس إذا استرجعت منه العين بعد أن زادت زيادة متميزة والولد إذا استرجع أبوه ما وهب له بعد زيادته والصحيح أن الزيادة للملتقط لما ذكرناه وكذلك الصحيح في الموضعين اللذين ذكرهم أن الزيادة لمن حدثت في ملكه ثم الفرق بينهما أنه في مسألتنا يضمن النقص فتكون له الزيادة ليكون الخراج بالضمان وثم لا ضمان عليه فأمكن أن لا يكون الخراج له والله أعلم ومتى اختلفا في القيمة أو المثل فالقول قول الملتقط مع يمينه لأن الأصل براءة ذمته مما حلف عليه فصل وإن وجد العين بعد خروجها من ملك الملتقط ببيع أو هبة أو نحوهما لم يكن له الرجوع فيها وله أخذ بدلها لأن تصرف الملتقط وقع صحيحا لكونها صارت في ملكه وإن صادفها قد رجعت إلى الملتقط بفسخ أو شراء أو غير ذلك فله أخذها لأنه وجد عين ماله في يد ملتقطة فكان له أخذه كالزوج إذا طلق قبل الدخول فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة وسائر أحكام الرجوع ها هنا كحكم رجوع الزوج على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى فصل إذا أخذ اللقطة ثم ردها إلى موضعها ضمنها روي ذلك عن طاوس وبه قالالشافعي وقال مالك لا ضمان عليه لما روى الأثرم عن القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سلميان بن يسار عن ثابت بن الضحاك عن عمر أنه قال لرجل وجد بعيرا أرسله حيث وجدته ولما روي عن جرير بن عبدالله أنه رأى في بقرة بقرة قد لحقت بها فأمر بها فطردت حتى توارت ولنا إنها أمانة حصلت في يده فلزمه حفظها فإذا ضيعها لزمه ضمانها كما لو ضيع الوديعة ولأنها لما حصلت في يده لزمه حفظها وتركها تضييعها فأما حديث عمر فهو في الضالة التي لا تحل فأما ما لا يحل التقاطه إذا أخذه فيحتمل أن له رده في مكانه ولا ضمان عليه لهذه الآثار ولأنه كان واجبا عليه تركه في مكانه ابتداء فكان له ذلك بعد أخذه ويحتمل أن لا يبرأ من ضمانه برده فإنه دخل في ضمانه فلم يبرأ من ضمانه برده إلى مكانه كالمسروق وما يجوز التقاطه فعلى هذا لا يبرأ إلا برده إلى الإمام أو نائبه وأما عمر فهو كان الإمام فإذا أمر برده كان كأخذه منه وحديث جرير لا حجة فيه لأنه لم يأخذ البقرة ولا أخذها غلامه إنما لحقت بالبقر من غير فعله ولا اختياره فصل وإن ضاعت اللقطة من ملتقطها بغير تفريط فلا ضمان عليه لأنها أمانة في يده فأشبهت الوديعة فإن التقطها آخر فعرف أنها ضاعت من الأول فعليه ردها إليه لأنه قد ثبت له حق التمول وولاية التعريف والحفظ فلا يزول ذلك بالضياع فإن لم يعلم الثاني بالحال حتى عرفها حولا ملكها لأن سبب الملك وجد منه من غير عدوان فيثبت الملك به كالأول ولا يملك الأول انتزاعها لأن الملك مقدم على حق التملك وإذا جاء صاحبها فله أخذها من الثاني وليس له مطالبة الأول لأنه لم يفرط وإن علم الثاني بالأول فردها إليه فأبى أخذها
وقال عرفها أنت فعرفها ملكها أيضا لأن الأول ترك حقه فسقط وإن قال عرفها ويكون ملكها لي ففعل فهو مستنيب له في التعريف ويملكها الأول لأنه وكله في التعريف فصح كما لو كانت في يد الأول وإن قال عرفها وتكون بيننا ففعل صح أيضا وكانت بينهما لأنه أسقط حقه من نصفها ووكله في الباقي وإن قصد الثاني بالتعريف تملكها لنفسه دون الأول احتمل وجهين أحدهما يملكها لأن سبب الملك وجد منه فملكها كما لو أذن له الأول في تعريفها لنفسه والثاني لا يملكها لأن ولاية التعريف للأول أشبه ما لو غصبها من الملتقط غاصب فعرفها وكذلك الحكم إذا علم الثاني بالأول فعرفها ولم يعلمه بها ويشبه هذا المتحجر في الموات إذا سبقه غيره إلى ما حجره فأحياه بغير إذنه فأما إن غصبها غاصب من الملتقط فعرفها لم يملكها وجها واحدا لأنه معتقد بأخذها ولم يوجد منه سبب تملكها فإن الالتقاط من جملة السبب ولم يوجد منه ويفارق هذا ما إذا التقطها ثان فإنه وجد منه الالتقاط والتعريف فصل ومن اصطاد سمكة فوجد فيها درة فهي للصياد لأن الدر يكون في البحر بدليل قول الله تعالى وتستخرجوا منه حلية تلبسونها فتكون لآخذها فإن باعها الصياد ولم يعلم فوجدها المشتري في بطنها فهي للصياد نص عليه أحمد لأنه إذا لم يعلم ما في بطنها فلم يبعه ولم يرض بزوال ملكه عنه فلم يدخل في البيع كمن باع دارا له مال مدفون فيها وإن وجد في بطنها عنبرة أو شيئا مما يكون في البحر فهو للصياد لما ذكرنا وحكمه حكم الجوهرة وإن وجد دراهم أو دنانير فهي لقطة لأن ذلك لا يخلق في البحر ولا يكون إلا لآدمي فيكون لقطة كما لو وجده في البحر وكذلك الحكم في الدرة إذا كان فيها أثر لآدمي مثل أن تكون مثقوبة أو متصلة بذهب أو فضة أو غيرهما فإنها تكون لقطة لا يملكها الصياد لأنها لم تقع في البحر حتى تثبت اليد عليها فهي كالدينار وكذلك الحكم في العنبرة إذا كانت موصولة بذهب أو فضة أو مصنوعة كالتفاحة مثقوبة ونحو ذلك مما لا يخلق عليه في البحر فهي لقطة وإن وجدها الصياد فعليه تعريفها لأنه ملتقطها وإن وجدها المشتري فالتعريف عليه لأنه واجدها ولا حاجة إلى البداية بالبائع فإنه لا يحتمل أن تكون السمكة ابتلعت ذلك بعد اصطيادها وملك الصياد لها فاستوى هو وغيره فأما إن اشترى شاة ووجد في بطنها درة أو عنبرة أو دنانير أو دراهم فهي لقطة يعرفها ويبدأ البائع لأنه يحتمل أن تكون ابتلعتها في ملكه فيبدأ به كقولنا في مشتري الدار إذا وجد فيها مالا مدفونا وإن اصطاد السمكة من غير البحر كالنهر والعين فحكمها حكم الشاة في أن ما وجد في بطنها من ذلك فهو لقطة درة كانت أو غيرها لأن ذلك لا يكون إلا في البحر بحكم العادة ويحتمل أن تكون الدرة للصياد لقول الله تعالى ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون منه حليعة تلبسونها فاطر فصل وإن وجد عنبرة على ساحل البحر فهي له لأنه يمكن أن يكون البحر ألقاها والأصل عدم الملك فيها فكانت مباحة لآخذها كالصيد وقد روى سعيد قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن معاوية بن عمرو العبدي قال ألقى بحر عدن عنبرة مثل البعير فأخذها ناس بعدن فكتب إلى عمر بن عبد العزيز فكتب إلينا أن خذوا منها الخمس وادفعوا إليهم سائرها وإن باعوكموها فاشتروها فأردنا أن نزنها فلم نجد ميزانا يخرجها فقطعناها اثنين ووزناها فوجدناها ستمائة رطل فأخذنا خمسها ودفعنا سائرها إليهم ثم اشتريناها بخمسة آلاف دينار وبعثنا بها إلى عمر بن عبد العزيز فلم يلبث إلا قليلا حتى باعها بثلاثة وثلاثين ألف دينار
فصل وإن صاد غزالا فوجده مخضوبا أو في عنقه حرز أو في أذنه قرط ونحو ذلك مما يدل على ثبوت اليد عليه فهو لقطة لأن ذلك دليل على أنه كان مملوكا وقال أحمد فيمن ألقى شبكة في البحر فوقعت فيها سمكة فجذبت الشبكة فمرت بها في البحر فصادها رجل فإن السمكة للذي حازها والشبكة يعرفها ويدفعها إلى صاحبها فجعل الشبكة لقطة لأنها مملوكة لآدمي والسمكة لمن صادها لأنها كانت مباحة ولم يملكها صاحب الشبكة لكون شبكته لم تثبتها فبقيت على الإباحة وهكذا لو نصب فخا أو شركا فوقع فيه صيد من صيود البر فأخذه وذهب به وصاده آخر فهو لمن صاده ويرد الآلة إلى صاحبها فهي لقطة يعرفها وقال أحمد في رجل انتهى إلى شرك فيه حمار وحش أو ظبية قد شارف الموت فخلصه وذبحه هو لصاحب الأحبولة وما كان من الصيد في الأحبولة فهو لمن نصبها وإن كانت بازيا أو صقرا أو عقابا وسئل عن بازي أو صقر أو كلب معلم أو فهد ذهب عن صاحبه فدعاه فلم يجبه ومر في الأرض حتى أتى لذلك أيام فأتى قرية فسقط على حائط فدعاه رجل فأجابه قال يرده على صاحبه قيل له فإن دعاه فلم يجبه فنصب له شركا فصاده به قال يرده على صاحبه فجعل هذا لصاحبه لأنه قد ملكه فلم يزل ملكه عنه بذهابه عنه والسمكة في الشبكة لم يكن ملكها ولا حازها وكذلك جعل ما وقع في الأحبولة من البازي والصقر والعقاب لصاحب الأحبولة ولم يجعله ها هنا لمن وقع في شركة لأن هذا فيما علم أنه قد كان مملوكا لإنسان فذهب وإنما يعلم هذا بالخبر أو بوجود ما يدل على الملك فيه مثل وجود السير في رجله وآثار التعلم مثل استجابته للذي يدعوه ونحو ذلك ومتى لم يوجد ما يدل على أنه مملوك فهو لمن اصطاده لأن الأصل عدم الملك فيه وإباحته فصل ومن أخذت ثيابه من الحمام ووجد بدلها وأخذ مداسه وترك له بدله لم يملكه بذلك قال أبو عبدالله فيمن سرقت ثيابه ووجد غيرها لم يأخذها فإن أخذها عرفها سنة ثم تصدق بها إنما قال ذلك لأن سارق الثياب لم تجر بينه وبين مالكها معاوضة تقتضي زوال ملكه عن ثيابه فإذا أخذها فقد أخذ مال غيره ولا يعرف صاحبه فيعرفه كاللقطة ويحتمل أن ينظر في هذا فإن كانت ثم قرينة تدل على السرقة بأن تكون ثيابه أو مدارسه خيرا من المتروكة وكانت مما لا تشتبه على الآخذ بثيابه ومداسه فلا حاجة إلى التعريف لأن التعريف إنما جعل في المال الضائع عن ربه ليعمل به ويأخذه وتارك هذا عالم به راض ببدله عوضا عما أخذه ولا يعترف أنه له فلا يحصل في تعريفه فائدة فإذا هو ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص وفيما يصنع بها ثلاثة أوجه أوجه أنه يتصدق به على ما ذكرنا الثاني أن يباح له أخذها لأن صاحبها في الظاهر تركها له باذلا إياها له عوضا عما أخذه فصار كالمبيح له أخذها بلسانه فصار كمن قهر إنسانا على أخذ ثوبه ودفع إليه درهما الثالث أنه يرفعها إلى الحاكم ليبيعها ويدفع إليه ثمنها عوضا عن ماله
والوجه الثاني أقرب إلى الرفق بالناس لأن فيه نفعا لمن سرقت ثيابه بحصول عوض عنها ونفعا للسارق بالتخفيف عنه من الإثم وحفظا لهذه الثياب المتروكة من الضياع وقد أباح بعض أهل العلم لمن له على إنسان حق من دين أو غصب أن يأخذ من مال من عليه الحق بقدر ما عليه إذا عجز عن استيفائه بغير ذلك فهنا مع رضاء من عليه الحق بأخذه أولى وإن كانت ثم قرينة دالة على أن الآخذ للثياب إنما أخذها طنا منه أنها ثيابه مثل أن تكون المتروكة خيرا من المأخوذة أو مثلها وهي ما تشتبه بها فينبغي أن يعرفها ها هنا لأن صاحبها لم يتركها عمدا فهي بمنزلة الضائعة منه والظاهر أنه إذا علم بها أخذها ورد ما كان أخذه فتصير كاللقطة في المعنى وبعد التعريف إذا لم تعرف ففيها الأوجه التي ذكرناها إلا أننا إذا قلنا يأخذها أو يبيعها الحاكم ويدفع إليه ثمنها فإنما يأخذ بقدر قيمة ثيابه لا يزيد عليها لأن الزائد فاضل عما يستحقه ولم يرض صاحبها بتركها عوضا عما أخذه فإنه لم يأخذ غيرها اختيارا منه لتركها ولا رضي بالمعاوضة بها وإذا قلنا إنه يدفعها إلى الحاكم ليبيعها ويدفع إليه ثمنها فله أن يشتريها بثمن في ذمته ويسقط عنه من ثمنها ما قابل ثيابه ويتصدق بالباقي والله أعلم فصل قال أحمد فيمن عنده رهون قد أتى عليها زمان لا يعرف صاحبها يبيعها ويتصدق بثمنها فإن جاء صاحبها غرمها له وهذا محمول على من استوفى ديونه التي رهن الرهن بها فأما من لم يتسوف دينه فإن كان قد أذن له في بيعها باعها واستوفى دينه من ثمنها وتصدق بالباقي وإن لم يكن أذن له في بيعها رفعها إلى الحاكم ليبيعها ويقبضه حقه من ثمنها ويتصدق بباقيه فصل نقل الفضل بن زياد عن أحمد إذا تنازع صاحب الدار والساكن في دفن في الدار فقال كل واحد منهما أنا دفنته بين كل واحد منهما ما الذي دفن فكل من أصاب الوصف فهو له وذلك لأن ما يوجد في الأرض من الدفن مما عليه علامة المسلمين فهو لقطة واللقطة تستحق بوصفها ولأن المصيب للوصف في الظاهر هو من كان ذلك في يده فكان أحق به كما لو تنازعه أجنبيان فوصفه أحدهما فصل ومن وجد لقطة في دار الحرب فإن كان في الجيش فقال أحمد يعرفها سنة في دار الإسلام ثم يطرحها في المقسم إنما عرفها في دار الإسلام لأن أموال أهل الحرب مباحة ويجوز أن تكون لمسلم ولأنه قد لا يمكنه المقام في دار الحرب لتعريفها ومعناه والله أعلم يتمم التعريف في دار الإسلام فأما ابتداء التعريف فيكون في الجيش الذي هو فيه لأنه يحتمل أن تكون لأحدهم فإذا قفل أتم التعريف في دار الإسلام فأما إن كان دخل دارهم بأمان فينبغي أن يعرفها في دارهم لأن أموالهم محرمة عليه فإذا لم تعرف ملكها كما يملكها في دار الإسلام وإن كان في الجيش طرحها في المقسم بعد التعريف لأنه وصل إليها بقوة الجيش فأشبهت مباحات دار الحرب إذا أخذ منها شيئا وإن دخل إليهم متلصصا فوجد لقطة عرفها في دار الإسلام لأن أموالهم مباحة له ثم يكون حكمها حكم غنيمته ويحتمل أن تكون غنيمة له لا تحتاج إلى تعريف لأن الظاهر أنها من أموالهم وأموالهم غنيمة مسألة قال ( إون كان الملتقط قد مات فصاحبها غريم بها )
وجملة ذلك أن الملتقط إذا مات واللقطة موجودة بعينها قام وارثه مقامه في إتمام تعريفها إن مات قبل الحول ويملكها بعد إتمام التعريف فإن مات بعد الحول ورثها الوارث كسائر أموال الميت ومتى جاء صاحبها أخذها من الوارث كما يأخذها من الموروث فإن كانت معدومة العين فصاحبها غريم للميت بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال أو بقيمتها إن لم تكن كذلك فيأخذ ذلك من تركته إن اتسعت لذلك أو إن ضاقت التركة زاحم الغرماء ببدلها سواء تلفت بعد الحول بفعله أو بغير فعله لأنها قد دخلت في ملكه بمضي الحول وإن علم أنها تلفت قبل الحول بغير تفريطه فلا ضمان عليه ولا شيء لصاحبها لأنها أمانة في يده تلفت بغير تفريطه فلم يضمنها كالوديعة وكذلك إن تلفت بعد الحول قبل تملكها من غير تفريط على رأي من رأى أنها لا تدخل في ملكه حتى يتملكها وقد مضى الكلام في ذلك فأما إن لم يعلم تلفها ولم يجدها في تركته فظاهر كلام الخرقي أن صاحبها غريم بها سواء كان قبل الحول أو بعده لأن الأصل بقاؤها ويحتمل أن لا يلزم الملتقط شيء ويسقط حق صاحبها لأن الأصل براءة ذمة الملتقط منها ويحتمل أن تكون تلفت بغير تفريطه فلا تشغل ذمته بالشك ويحتمل أنه إن كان الموت قبل الحول فلا شيء عليه لأنها كانت أمانة عنده ولم تعلم جنايته فيها والأصل براءة ذمته منها وإن مات بعد الحول فهي في تركته لأن الأصل بقاؤها إلى ما بعد الحول ودخولها في ملكه ووجوب بدلها عليه فإن قيل فقد قلتم إن صاحبها لو جاء بعد بيع الملتقط لها أو هبته لم يكن له إلا بدلها فلم قلتم إنها إذا انتقلت إلى الوارث يملك صاحبها أخذها قلنا لأن الوارث خليفة الموروث وإنما يثبت له الملك بها على الوجه الذي كان ثابتا لموروثه وملك موروثه فيها كان مراعاة مشروطا بعدم مجيء صاحبها فكذلك ملك وارثه بخلاف ملك المشتري والمتهب فإنهما يملكان ملكا مستقرا مسألة قال ( وإن كان صاحبها جعل لمن وجدها شيئا معلوما فله أخذه إن كان التقطها بعد أن بلغه الجعل ) وجملة ذلك أن الجعالة في رد الضالة والآبق وغيرهما جائزة وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا والأصل في ذلك قول الله عز وجل ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم يوسف 72 وروى أبو سعيد أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا حيا من أحياء العرب فلم يقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا هل فيكم راق فقالوا لم تقرونا فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيع شياه فجعل رجل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ الرحل فأتوهم بالشاء فقالوا لا نأخذها حتى نسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال وما أدراك أنها رقية خذوها واضربوا لي معكم بسهم رواه البخاري ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإن العمل قد كون مجهولا كرد الآبق والضالة ونحو ذلك ولا تنعقد الإجارة فيه والحاجة داعية إلى ردهما وقد لا يجد من يتبرع به فدعت الحاجة إلى إباحة بذل الجعل فيه مع جهالة العمل لأنها غير لازمة بخلاف الإجارة ألا ترى أن الإجارة لما كانت لازمة افتقرت إلى تقدير مدة والعقود الجائزة كالشركة والوكالة لا يجب تقدير مدتها ولأن الجائزة لكل واحد منهما تركها فلا يؤدي إلى أن يلزمه مجهول عنده بخلاف اللازمة
إذا ثبت هذا فإذا قال من رد علي ضالتي أو عبدي الآبق أو خاط لي هذا القميص أو بنى لي هذا الحائط فله كذا وكذا صح وكان عقدا جائزا لكل واحد منهما الرجوع فيه قبل حصول العمل لكن إن رجع الجاعل قبل التلبس بالعمل فلا شيء عليه وإن رجع بعد التلبس به فعليه للعامل أجرة مثله لأنه إنما عمل بعوض فلم يسلم له وإن فسخ العامل قبل إتمام العمل فلا شيء له لأنه أسقط حق نفسه حيث لم يأت بما شرط عليه العوض ويصير كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح ولا بد أن يكون العوض معلوما والفرق بينه وبين العمل من وجهين أحدهما أن الحاجة تدعو إلى كون العمل مجهولا بأن لا يعلم موضع الضالة والآبق ولا حاجة إلى جهالة العوض والثاني أن العمل لا يصير لازما فلم يجب كونه معلوما والعوض يصير لازما بإتمام العمل فوجب كونه معلوما ويحتمل أن تجوز الجعالة مع جهالة العوض إذا كانت الجهالة لا تمنع التسليم نحو أن يقول من رد عبدي الآبق فله نصفه ومن رد ضالتي فله ثلثها فإن أحمد قال إذا قال الأمير في الغزو من جاء بعشرة رؤوس فله رأس جاز وقالوا إذا جعل جعلا لمن يدله على قلعة أو طريق سهل وكان الجعل من مال الكفار جاز أن يكون مجهولا كجارية يعينها العامل فتخرج ها هنا مثله فأما إن كانت الجهالة تمنع التسليم لم تصح الجعالة وجها واحدا وإن كان العمل معلوما مثل أن يقول من رد عبدي من البصرة أو بنى لي هذا الحائط أو خاط قميضي هذا فله كذا صح لأنه إذا صح مع الجهالة فمع العلم أولى وإن علقه بمدة معلومة فقال من رد لي عبدي من العراق إلى شهر فله دينار أو من خاط قميصي في هذا اليوم فله درهم صح لأن المدة إذا جازت مجهولة فمع التقدير أولى فإن قيل الصحيح من المذهب أن مثل هذا لا يجوز في الإجارة فكيف أجزتموه في الجعالة قلنا الفرق بينهما من وجوه أحدها أن الجعالة يحتمل فيها الغرر وتجوز جهالة العمل والمدة بخلاف الإجارة الثاني أن الجعالة عقد جائز فلا يلزمه بالدخول فيها مع الغرر ضرر بخلاف الإجارة فإنها عقد لازم فإذا دخل فيها مع الغرر لزمه ذلك الثالث أن الإجارة إذا قدرت بمدة لزمه العمل في جميعها ولا يلزمه العمل بعدها فإذا جمع بين تقدير المدة والعمل فربما عمله قبل المدة فإن قلنا يلزمه العمل في بقية المدة فقد لزمه من العمل أكثر من المعقود عليه وإن قلنا لا يلزمه فقد خلا بعض المدة من العمل فإن انقضت المدة قبل عمله فألزمناه إتمام العمل فقد لزمه العمل في غير المدة المعقود عليها وإن قلنا لا يلزمه العمل فما أتى بالمعقود عليه من العمل بخلاف مسألتنا فإن العمل الذي يستحق به الجعل هو عمل مقيد بمدة إن أتى به استحق الجعل ولا يلزمه شيء آخر وإن لم يف به فيها فلا شيء له إذا ثبت هذا فإنما يستحق الجعل من عمل العمل بعد أن بلغه ذلك لأنه عوض يستحق بعمل فلا يستحقه من لم يعمل كالأجر في الإجارة
فصل ويجوز أن يجعل الجعل في الجعالة لواحد بعينه فيقول له إن رددت عبدي فلك دينار فلا يستحق الجعل من يرده سواه ويجوز أن يجعله لغير معين فيقول فله دينار فمن رده استحق الجعل ويجوز أن يجعل لواحد في رده شيئا معلوما ولآخر أكثر منه أو أقل ويجوز أن يجعل للمتعين عوضا ولسائر الناس عوضا آخر لأنه يجوز أن يكون الأجر في الإجارة مختلفا مع التساوي في العمل فها هنا أولى فإن قال من قال من رد لقطتي فله دينار فردها ثلاثة فلهم الدينار بينهم أثلاثا لأنهم اشتركوا في العمل الذي يستحق به العوض فاشتركوا في العوض كالأجر في الإجارة فإن قيل أليس لو قال من دخل هذا النقب فله دينار فدخله جماعة استحق كل واحد منهم دينارا كاملا فلم لا يكون ها هنا كذلك قلنا لأن كل واحد من الداخلين دخل دخولا كاملا كدخول المنفرد فاستحق العوض كاملا وها هنا لم يرده واحد منهم كاملا إنما اشتركوا فيه فاشتركوا في عوضه فنظير مسألة الدخول ما لو قال من رد عبدا من عبيدي فله دينار فرد كل واحد منهما عبدا ونظير مسألة الرد ما لو قال من نقب السور فله دينار فنقب ثلاثة نقبا واحدا فإن جعل لواحد في ردها دينارا ولآخر دينارين ولثالث ثلاثة فرده الثلاثة فلكل واحد منهم ثلث ما جعل له لأنه عمل ثلث العمل فاستحق ثلث المسمى فإن جعل لواحد دينارا ولآخرين عوضا مجهولا فرده معا فلصاحب الدينار ثلاثة وللآخرين أجر عملهما وإن جعل لواحد شيئا في ردها فردها هو وآخران معه وقالا رددنا معاونة له استحق جميع الجعل ولا شيء لهما وإن قالا رددناه لنأخذ العوض لأنفسنا فلا شيء لهما وله ثلث الجعل لأنه عمل ثلث العمل فاستحق ثلث الجعل ولم يستحق الآخران شيئا لأنهما عملا من غير جعل وهذا كله مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا فصل وإن قال من رد عبدي من بلد كذا فله دينار فرده إنسان من نصف طريق ذلك البلد استحق نصف الجعل لأنه عمل نصف العمل وكذلك لو قال من رد عبدي فله دينار فرد أحدهما فله نصف الدينار لأنه رد نصف العبدين وإن رد العبد من غير البلد المسمى فلا شيء له لأنه لم يجعل في رده منه شيئا فأشبه ما لو جعل في رد أحد عبديه شيئا فرد الآخر ولو قال من رد عبدي فله دينار فرده إنسان إلى نصف الطريق فهرب منه لم يستحق شيئا لأنه شرط الحعل برده ولم يرده وكذلك لو مات كما لو استأجر لخياطة ثوب فخاطه ولم يسلمه حتى تلف لم يستحق أجرة فإن قيل فإن كان الجاعل قال من وجد لقطتي فله دينار فقد وجد الوجدان قلنا قرينة الحال تدل على اشتراط الرد والمقصود هو الرد لا الوجدان المجرد وإنما اكتفى بذكر الوجدان لأنه سبب الرد فصار كأنه قال من وجد لقطتي فردها علي فصل والجعالة تساوي الإجارة في اعتبار العلم بالعوض وما كان عوضا في الإجارة جاز أن يكون عوضا في الجعالة ومالا فلا وفي أن ما جاز العوض عليه في الإجارة من الأعمال جاز أخذه عليه في الجعالة وما لا يجوز أخذ الأجرة عليه في الإجارة مثل الغناء والزمر وسائر المحرمات لا يجوز أخذ الجعل عليه وما يختص فاعله أن يكون من أهل القربة مما لا يتعدى نفعه فاعله كالصلاة والصيام لا يجوز أخذ الجعل عليه فإن كان يتعدى كالأذان والإقامة والحج ففيه وجهان كالروايتين في الإجارة ويفارق الإجارة في أنه عقد جائز وهي لازمة وأنه لا يعتبر العلم بالمدة ولا بمقدار العلم ولا يعتبر وقوع العقد مع واحد معين فعلى هذا متى شرط عوضا مجهولا كقوله إن رددت عبدي فلك ثوب أو فلك سلبه أو شرط عوضا محرما كالخمر والحر أو غير مقدور عليه كقوله من رد عبدي فله ثلثه أو من رد عبدي فله أحدهما فرده إنسان استحق أجر المثل لأنه عمل عملا بعوض لم يسلم له فاستحق أجره كما في الإجارة
فصل ومن رد لقطة أو ضالة أو عمل لغيره عملا غير رد الآبق بغير جعل لم يستحق عوضا لا نعلم في هذا خلافا لأنه عمل يستحق به العوض مع المعاوضة فلا يستحق مع عدمها كالعمل في الإجارة فإن اختلفا في الجعل فقال جعلت لي في رد لقطتي كذا فأنكره المالك فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل معه وإن اتفقا على العوض واختلفا في قدره فالقول قول المالك لأن الأصل عدم الزائد المختلف فيه ولأن القول قوله في أصل العوض فكذلك في قدره كرب المال في المضاربة ويحتمل أن يتحالفا كالتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن والأجير والمستأجر إذا اختلفا في قدر الأجر فعلى هذا إن تحالفا فسخ العقد ووجب أجر المثل وكذلك الحكم إن اختلفا في المسافة فقال جعلت لك الجعل على ردها من حلب فقال بل على رده حمص وإن اختلفا في عين العبد الذي جعل الجعل في رده فقال رددت العبد الذي شرطت لي الجعل فيه قال بل شرطت لك الجعل في العبد الذي لم ترده فالقول قول المالك لأنه أعلم بشرطه ولأنه ادعى عليه شرطا في هذا العقد فأنكره والأصل عدم الشرط فصل أما العبد الآبق فإنه يستحق الجعل برده وإن لم يشرط له روي هذا عن عمر وعلي وابن مسعود وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز ومالك وأصحاب الرأي وقد روي عن أحمد إنه لم يكن يوجب ذلك قال ابن منصور سئل أحمد عن جعل الآبق فقال لا أدري قد تكلم الناس فيه لم يكن عنده فيه حديث صحيح فظاهر هذا أنه لا جعل له فيه وهو ظاهر قول الخرقي فإنه قال وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه ولم يذكر جعلا وهذا قول النخعي والشافعي وابن المنذر لأنه عمل لغيره عملا من غير أن يشرط له عوضا فلم يستحق شيئا كما لو رد جمله الشارد ووجه الرواية الأولى ما روى عمرو بن دينار وابن أبي مليكة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في جعل الآبق إذا جاء به خارجا من الحرم دينارا وأيضا فإنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم في زمنهم مخالفا فكان إجماعا ولأن في شرط الجعل في ردهم حثا على رد الإباق وصيانة لهم عن الرجوع إلى دار الحرب وردتهم عن دينهم وتقوية أهل الحرب بهم فينبغي أن يكون مشروعا لهذه المصلحة وبهذا فارق رد الشارد فإنه لا يفضي إلى ذلك والرواية الأخرى أقرب إلى المصلحة لأن الأصل عدم الوجوب والخبر المروي في هذا مرسل وفيه مقال ولم يثبت الإجماع فيه ولا القياس فإنه لم يثبت اعتبار الشرع لهذه المصلحة المذكورة فيه ولا تحققت أيضا فإنه ليس الظاهر هربهم إلى دار الحرب إلا في المجلوب منها إذا كانت قريبة وهذا بعيد فيهم فأما على الرواية الأولى قد اختلفت الرواية في قدر الجعل فروي عن أحمد أنه عشرة دراهم أو دينار إن رده من المصر وإن رده من خارجه ففيه روايتان إحداهما يلزمه دينار أو اثني عشر درهما للخبر المروي فيه ولأن ذلك يروى عن عمر رضي الله عنهما والثانية له أربعون درهما إن رده من خارج المصر اختارها الخلال وهو قول ابن مسعود وشريح فروى أبو عمرو الشيباني قال قلت لعبدالله بن مسعود إني أصبت عبدا أبق فقال لك أجر وغنيمة فقلت هذا الأجر فما الغنيمة قال من كل رأس أربعين درهما وقال أبو إسحاق أعطيت الجعل في زمن معاوية أربعين درهما وهذا يدل على أنه مستفيض في العصر الأول قال الخلال حديث ابن مسعود أصح إسنادا وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال إذا وجده على مسيرة ثلاث فله ثلاثة دنانير وقال أبو حنيفة إن رده من مسيرة ثلاثة أيام فله أربعون درهما وإن كان من دون ذلك يرضخ له على قدر المكان الذي تعنى إليه ولا فرق عند إمامنا بين أن يزيد الجعل على قيمة العبد أو لا يزيد وبهذا قال أبو يوسف ومحمد
وقال أبو حنيفة إن كان قليل القيمة نقص الجعل من قيمته درهما لئلا يفوت عليه العبد جميعه ولنا عموم الدليل ولأنه جعل يستحق في رد الآبق فاستحقه وإن زاد على قيمته كما لو جعله له صاحبه ويستحقه إن مات في تركته وبهذا قال أبو حنيفة وقال أبو يوسف إن كان الذي رده من ورثه المولى سقط الجعل ولنا إن هذا عوض عن عمله فلا يسقط بالموت كالأجر في الإجارة وكما لو كان من غير ورثة المولى إذا ثبت هذا فلا فرق بين كون من رده معروفا برد الإباق أو لم يكن وبهذا قال أصحاب الرأي وقال مالك إن كان معروفا بذلك استحق الجعل وإلا فلا ولنا الخبر والأثر المذكور من غير تفريق ولأنه رد آبقا فاستحق الجعل كالمعروف بردهم فصل ويجوز أخذ الآبق لمن وجده وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا وذلك لأن العبد لا يؤمن لحاقه بدار الحرب وارتداده واشتغاله بالفساد في سائر البلاد بخلاف الضوال التي تحفظ لنفسها فإذا أخذه فهو أمانة في يده إن تلف بغير تفريطه فلا ضمان عليه وإن وجد صاحبه دفع إليه إذا أقام به البينة أو اعترف العبد أنه سيده وإن لم يجد سيده دفعه إلى الإمام أو نائبه فيحفظه لصاحبه أو يبيعه إن رأى المصلحة في بيعه ونحو ذلك قال مالك وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا وليس لملتقطه بيعه ولا تملكه بعد تعريفه لأن العبد ينحفظ بنفسه فهو كضوال الإبل فإن باعه فالبيع فاسد في قول عامة أهل العلم منهم أبو حنيفة والشافعي وإن باعه الإمام لمصلحة رآها في بيعه فجاء سيده فاعترف أنه كان أعتقه قبل منه لأنه لا يجر إلى نفسه بهذا نفعا ولا يدفع عنها ضررا ويحتمل أن لا يقبل لأنه ملك لغيره فلا يقبل إقراره في ملك غيره كما لو باعه السيد ثم أقر بعتقه فعلى هذا ليس لسيده أخذ ثمنه لأنه يقر أنه حر ولا يستحق ثمنه ولكن يؤخذ إلى بيت المال لأنه مستحق له فهو كتركة من مات ولا وارث له فإن عاد السيد فأنكر العتق وطلب المال دفه إليه لأنه لا منازع له فيه فصل وإذا أبق العبد فحصل في يد حاكم فأقام سيده بينة عند حاكم بلد آخر أن فلانا الذي صفته كذا وكذا واستقصى صفاته عبد فلان بن فلان فلا أبق منه فقبل الحاكم بينته وكتب الحاكم إلى الحاكم الذي عنده العبد ثبت عندي إباق فلان الذي صفته كذا وكذا قبل كتابه وسلم إليه العبد وهذا قول أبي يوسف وأحد قولي الشافعي إلا أن أبا يوسف قال يأخذ به كفيلا لأن البينة أثبتته بصفاته كما ثبت في الذمة بوصفه في السلم وقال أبو حنيفة ومحمد لا يجب تسليمه لأنهم لا يشهدون على عينه وإنما يشهدون بالصفات وقد تتفق الصفات مع اختلاف الأعيان ويفارق المسلم فيه فإن الواجب أقل ما يوجد منه الصفة وهو غير معين ولنا إنه يقبل كتاب الحاكم إلى الحاكم على شخص غائب ويؤخذ المحكوم عليه بالحق وليس ثمة شهادة على عين وإنما يؤخذ المحكوم عليه باسمه ونسبه وصفته فكذا ها هنا إذا ثبت وجوب تسليمه فإن الحاكم الذي يسلمه يختم في عنقه خيطا ضيقا لا يخرج من رأسه ويدفعه إلى المدعي أو وكيله ليحمله إلى الحاكم الكاتب ليشهد الشهود على عينه فإن شهدوا بعينه سلم إلى مدعيه وإن لم يشهدوا أوجب رده إلى الحاكم الأول ويكون في ضمان الذي أخذه لأنه أخذه بغير استحقاق مسألة قال ( وإن كان التقطها قبل ذلك فردها لعلة الجعل لم يجز له أخذه )
إنما كان كذلك لأنه إذا التقطها قبل أن يبلغه الجعل فقد التقطها بغير عوض وعمل في مال غيره بغير جعل فلا يستحق شيئا كما لو التقطها ولم يجعل ربها فيها شيئا وفارق الملتقط بعد بلوغه الجعل فإنه إنما بذل منافعه بعوض جعل له فاستحقه كالأجير إذا عمل بعد العقد وسواء كان التقاطه لها بعد الجعل أو قبله لما ذكرنا ولا يستحق أخذ الجعل بردها لأن الرد واجب عليه من غير عوض فلم يجز أخذ العوض عن الواجب كسائر الواجبات وإنما يأخذه الملتقط في موضع يجوز له أخذه عوضا عن الالتقاط المباح إذا ثبت هذا فإن ملتقطها قبل أن يبلغه الجعل لا يستحق شيئا سواء ردها لعلة الجعل أو غيره لأنه إذا لم يستحقه مع قصد إياه وعمله من أجله فلأن لا يستحقه مع عدم ذلك أولى وإنما ذكر الخرقي ردها لعلة الجعل إن شاء الله لينبه به على عدم استحقاقه فيما إذا ردها لغير علته ولأن الحاجة إنما تدعو إلى معرفة الحكم فيمن يريد الجعل أما من تركه ولا يريده فلا يقع التنازع فيه غالبا والله أعلم مسألة قال ( وإن كان الذي وجد اللقطة سفيها أو طفلا قام وليه بتعريفها فإن تمت السنة ضمها إلى مال واجدها ) وجملة ذلك أن الصبي والمجنون والسفيه إذا التقط أحدهم لقطة ثبتت يده عليها لعموم الأخبار ولأن هذا تكسب فصح منه كالاصطياد والاحتطاب وإن تلفت في يده بغير تفريط فلا ضمان عليه لأنه أخذ ما له أخذه وإن تلفت بتفريطه ضمنها في ماله وإذا علم بها وليه لزمه أخذها لأنه ليس من أهل الحفظ والأمانة فإن تركها في يده ضمنها لأنه يلزمه حفظ ما يتعلق به حق الصبي وهذا يتعلق به حقه فإذا تركها في يده كان مضيعا لها وإذا أخذها الولي عرفها لأن واجدها ليس من أهل التعريف فإذا انقضت مدة التعريف دخلت في ملك واجدها لأن سبب الملك تم شرطه فيثبت الملك له كما لو اصطاد صيدا وهذا مذهب الشافعي إلا أن أصحابه قالوا إذا انقضت مدة التعريف فكان الصبي والمجنون بحيث يستقرض لهما يتملكه لهما وإلا فلا وقال بعضهم يتملكه لهما بكل حال لأن الظاهر عدم ظهور صاحبه فيكون تملكه مصلحة له ولنا عموم الأخبار ولو جرى هذا مجرى الاقتراض لما صح التقاط صبي لا يجوز الاقتراض له لأنه يكون تبرعا بحفظ مال غيره من غير فائدة فصل قال أحمد في رواية العباس بن موسى في غلام له عشر سنين التقط لقطة ثم كبر فإن وجد صاحبها دفعها إليه وإلا تصدق بها قد أمضى أجل التعريف فيما تقدم من السنين ولم يرد عليه استقبال أجل التعريف قال وقد كنت سمعته قبل هذا أو بعده يقول في انقضاء أجل التعريف إذا لم يجد صاحبها أيتصدق بمال الغير وهذه المسألة قد مضى نحوها فيما إذا لم يعرف الملتقط اللقطة في حولها فإنه لا يملكها وإن عرفها فيما بعد ذلك لأن التعريف بعده لا يفيد ظاهرا لكون صاحبها بئس منها وترك طلبها وهذه المسألة تدل على أنه إذا ترك التعريف لعذر كان كتركه لغير عذر لكون الصبي من أهل العذر وقد ذكرنا في هذا وجهين فيما تقدم وقال أحمد في غلام لم يبلغ أصاب عشرة دنانير فذهب بها إلى منزله فضاعت فلما بلغ أراد ردها فلم يعرف صاحبها تصدق بها وإن لم يجد عشرة وكان يجحف به تصدق قليلا قليلا قال القاضي معنى هذا أنها تلفت بتفريط الصبي وهو أنه لم يعلم وليه حتى يقوم بتعريفها فصل فإذا وجد العبد لقطة فله أخذها بغير إذن سيده ويصح التقاطه وبذا قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخذ لا يصح التقاطه لأن اللقطة في الحول الأول أمانة ولاية في الثاني تملك والعبد ليس من أهل الولايات ولا الملك
ولنا عموم الخبر ولأن الالتقاط سبب يملك به الصبي ويصح منه فصح من العبد كالاحتطاب والاصطياد ولأن من جاز له قبول الوديعة صح منه الالتقاط كالحر وقولهم إن العبد ليس من أهل الولايات والأمانات يبطل بالصبي والمجنون فإنهما أدنى حالا منه في هذا وقولهم إن العبد لا يملك ممنوع وإن سلمنا فإنه يتملك لسيده كما يحصل بسائر الاكتساب ولأن الالتقاط تخليص مال من الهلاك فجاز من العبد بغير إذن سيده كإنقاذ المال الغريق والمغصوب إذا ثبت هذا فإن التقط العبد لقطة كانت أمانة في يده إن تلفت بغير تفريط في حول التعريف لم يضمن وإن تلفت بتفريطه أو إتلاف وجب ضمانها في رقبته كسائر جناياته وإن عرفها صح تعريفه لأن له قولا صحيحا فصح تعريفه كالحر فإذا تم حول التعريف ملكها سيده لأن الالتقاط كسب العبد وكسبه لسيده وإن علم السيد بلقطة عبده كان له انتزاعها منه لأنها من كسب العبد وللسيد انتزاع كسبه من يده فإذا انتزعها بعد أن عرفها العبد ملكها أو كان لم يعرفها عرفها سيده حولا كاملا وإن كان العبد قد عرفها بعض الحول عرفها السيد تمامه فإن اختار السيد إقرارها في يد عبده نظرت فإن كان العبد أمينا جاز وكان السيد مستعينا بعبده في حفظها كما يستعين به في حفظ ماله وإن كان العبد غير أمين كان السيد مفرطا بإقرارها في يده ولزمه ضمانها كما لو أخذها من يده ثم ردها إليه لأن يد العبد كيده وما يستحق بها فهو لسيده وإن أعتق السيد عبده بعد الالتقاط فله انتزاع اللقطة من يده لأنها من كسبه وإكسابه لسيده ومتى علم العبد أن سيده غير مأمون عليها لزمه سترها عنه وتسليمها إلى الحاكم ليعرفها ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان فإن أعلم سيده بها فلم يأخذها منه أو أخذها فعرفها وأدى الأمانة فيها فتلفت في الحول الأول بغير تفريطه فلا ضمان فيها لأنها لم تتلف بتفريط من أحدهما وإن لم يؤد الأمانة فيها وجب ضمانها ويتعلق الضمان برقبة العبد وذمة السيد جميعا لأن التفريط حصل منهما جميعا فصل والمكاتب كالحر في اللقطة لأن المال له في الحال وإكسابه له دون سيده واللقطة من اكتسابه فإن عجز عاد عبدا وصار حكمه في اللقطة حكم العبد على ما مر بيانه وأم الولد والمعلق عتقه بصفة والمدبر كالقن ومن نصفه حر إذا التقط شيئا ولم يكن بينه وبين سيده مهايأة فهو بينهما بعد التعريف نصفين كسائر أكسابه وهي بينهما في حول التعريف كالحرين التقطا لقطة وإن كان بينهما مهايأة ففيها وجهان أحدهما لا تدخل في المهايأة لأنها كسب نادر لا يعلم وجوده ولا يظن فلم تدخل في المهايأة وتكون بينهما والثاني تدخل في المهايأة لأنها من كسبه فأشبهت سائر أكسابه فإو وجدها في يومه فهي له وإن وجدها في يوم سيده فهي له وإن كان العبد مشتركا بين اثنين فلقطته بينهما على ما ذكرنا فيما بعضه حر وبعضه رقيق فصل والذمي في الالتقاط كالمسلم ومن أصحاب الشافعي من قال ليس له الالتقاط في دار الإسلام لأنه ليس من أهل الأمانة ولنا إنها نوع اكتساب فكان من أهلها كالحش والاحتطاب وما ذكروه يبطل بالصبي والمجنون فإنه يصح التقاطهما مع عدم الأمانة إذا ثبت هذا فإنه إن عرف اللقطة حولا ملكها كالمسلم وإن علم بها الحاكم أو السلطان أقرها في يده وضم إليه مشرفا عدلا يشرف عليه ويعرفها لأننا لا نأمن الكافر على تعريفها ولا نأمنه أن يخل في التعريف بشيء من الواجب عليه فيه وأجر المشرف عليه فإذا تم حول التعريف ملكها الملتقط ويحتمل أن تنزع من يد الذمي وتوضع على يد عدل لأنه غير مأمون عليها
فصل ويستجب لمن ليس بأمين أن لا يأخذ اللقطة لأنه يعرض نفسه للأمانة وليس هو من أهلها فإن التقط صح التقاطه لأنها جهة من جهات الكسب وهو من أهل الكسب ولأنه إذا صح التقاط الكافر فالمسلم أولى فإذا التقطها فعرفها حولا ملكها كالعدل وإن علم الحاكم أو السلطان بها أقرها في يده وضم إليه مشرفا يشرف عليه ويتولى تعريفها كما قلنا في الذمي لأنه لا نأمنه عليها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر ينزعها من يده ويضعها في يد عدل ولنا إن من خلى بينه وبين الوديعة لم تزل يده عن اللقطة كالعدل والحفظ يحصل بضم المشرف إليه وإن لم يمكن المشرف حفظها منه انتزعت من يده وتركت في يد عدل فإذا عرفها وتمت السنة ملكها ملتقطها لأن سبب الملك وجد منه مسألة قال ( وإذا وجد الشاة بمصر أو بمهلكة فهي لقطة ) يعني أنه يباح أخذها والتقاطها وحكمها إذا أخذها حكم الذهب والفضة في التعريف والملك بعده هذا الصحيح من مذهب أحمد وقول أكثر أهل العلم قال ابن عبد البر أجمع على أن ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها وكذلك الحكم في كل حيوان لا يمتنع بنفسه من صغار السباع وهي الثعلب وابن آوى والذئب وولد الأسد ونحوها فما لا يمتنع منها كفصلان الإبل وعجول البقر وأفلاء الخيل والدجاج والإوز ونحوها ويجوز التقاطه ويروى عن أحمد رواية أخرى ليس لغير الإمام التقاطها وقال الليث بن سعد لا أحب أن يقر بها إلا أن يحرزها لصاحبها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤوي الضالة إلا ضال ولأنه حيوان أشبه الإبل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الشاة خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب متفق عليه ولأنه يخشى عليه التلف والضياع فأشبه لقطة غير الحيوان وحديثنا أخص من حديثهم فنخصه به والقياس على الإبل لا يصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم علل منع التقاطها بأن معها حذاءها وسقاءها وهذا معدوم في الغنم ثم قد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في خبر واحد فلا يجوز الجمع بين ما فرق الشارع بينهما ولا قياس ما أمر بالتقاطه على ما منع ذلك منه إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يجدها بمصر أو بمهلكة وقال مالك وأبو عبيد وابن المنذر في الشاة توجد في الصحراء اذبحها وكلها وفي المصر ضمها حتى يجدها صاحبها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هي لك أو لأخيك أو للذئب والذئب لا يكون في المصر ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال خذها ولم يفرق ولم يستفصل ولو افترق الحال لسأل أو استفصل ولأنها لقطة فاستوى فيها المصر والصحراء كسائر اللقطات وقولهم إن الذئب لا يكون إلا في الصحراء قلنا كونها للذئب في الصحراء لا يمنع كونها لغيره في المصر إذا ثبت هذا فإنه متى عرفها حولا كاملا ملكها وذكر القاضي وأبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أنه لا يملكها ولعلها الرواية التي منع من التقاطها فيها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم هي لك أو لأخيك فأضافها إليه بلام التمليك ولأنها يباح التقاطها فملكت بالتعريف كالأثمان ولأن ذلك إجماع حكاه ابن عبد البر
فصل ويتخير ملتقطها بين ثلاثة أشياء ( أكلها في الحال ) وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم قال ابن عبد البر أجمعوا على أن ضالة الغنم في المواضع المخوف عليها له أكلها والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم هي لك أو لأخيك أو للذئب فجعلها له في الحال وسوى بينه وبين الذئب والذئب لا يستأني بأكلها ولأن في أكلها في الحال إغناء عن الإنفاق عليها وحراسة لماليتها على صاحبها إذا جاء فإنه يأخذ قيمتها بكمالها من غير نقص وفي إبقائها تضييع للمال بالإنفاق عليها والغرامة في علفها فكان أكلها أولى ومتى أراد أكلها حفظ صفتها فمتى جاء صاحبها غرمها له في قول عامة أهل العلم إلا مالكا فإنه قال كلها ولا غرم عليك لصاحبها ولا تعريف لقول النبي صلى الله عليه وسلم هي لك ولم يوجب فيها تعريفا ولا غرما وما سوى بينه وبين الذئب والذئب لا يعرف ولا يغرم قال ابن عبد البر لم يوافق مالكا أحد من العلماء على قوله وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالله بن عمرو رد على أخيك ضالته دليل على أن الشاة على ملك صاحبها ولأنها لقطة لها قيمة وتتبعها النفس فتجب غرامتها لصاحبها إذا جاء كغيرها ولأنها ملك لصاحبها فلم يجز تملكها عليه بغير عوض من غير رضاه كما لو كانت بين البنيان ولأنها عين يجب ردها مع بقائها فوجب غرمها إذا أتلفها كلقطة الذهب وقول النبي صلى الله عليه وسلم هي لك لا يمنع وجوب غرمتها فإنه قد أذن في لقطة الذهب والورق بعد تعريفها في أكلها وإنفاقها وقال كسائر مالك ثم أجمعنا على وجوب غرامتها كذلك الشاة ولا فرق في إباحة أكلها بين وجدانها في الصحراء أو في المصر وقال مالك وأبو عبيد وأصحاب الشافعي وابن المنذر ليس له أكلها في المصر لأنه يمكن بيعها بخلاف الصحراء ولنا إن ما جاز أكلها في الصحراء أبيح في المصر كسائر المأكولات ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هي لك ولم يفرق ولأن أكلها معلل بما ذكرنا من الاستغناء عن الإنفاق عليها وهذا في المصر أشد منه في الصحراء الثاني أن يمسكها على صاحبها وينفق عليها من ماله ولا يتملكها وإن أحب أن ينفق عليها محتسبا بالنفقة على مالكها وأشهد على ذلك فهل له أن يرجع بالنفقة على روايتين إحداهما يرجع به نص عليه في رواية المروذي في طيرة من أفرخت عند قوم فقضى أن الفراخ لصاحب الطيرة ويرجع بالعلف إذا لم يكن متطوعا وقضى عمر بن عبد العزيز فيمن وجد ضالة فأنفق عليها وجاء ربها بأنه يغرم له ما أنفق وذلك لأنه أنفق على اللقطة لحفظها فكان من مال صاحبها كمؤنة الرطب والعنب والرواية الثانية لا يرجع بشء وهو قول الشعبي والشافعي ولم يعجب الشعبي قضاء عمر بن عبد العزيز لأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه فلم يرجع كما لو بنى داره ويفارق العنب والرطب فإنه ربما كان تجفيفه والإنفاق عليه في ذلك أحظ لصاحبه لأن النفقة لا تتكرر والحيوان يتكرر الإنفاق عليه فربما استغرق قيمته فكان بيعه أو أكله أحظ فلذلك لم يحتسب المنفق عليها بما أنفق الثالث أن يبيعها ويحفظ ثمنها لصاحبها وله أن يتولى ذلك بنفسه وقال بعض أصحاب الشافعي يبيعها بإذن الإمام ولنا إنه إذا جاز له أكلها بغير إذن فبيعها أولى ولم يذكر أصحابنا لها تعريفا في هذه المواضع وهذا قول مالك لحديث زيد بن خالد فإنه صلى الله عليه وسلم قال خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب ولم يأمر بتعريفها كما أمر في لقطة الذهب والورق ولنا إنها لقطة لها خطر فوجب تعريفها كالمطعوم الكثير وإنما ترك ذكر تعريفها لأنه ذكرها بعد بيانه التعريف فيما سواها فاستغنى بذلك عن ذكره فيها ولا يلزم من جواز التصرف فيها في الحول سقوط التعريف كالمطعوم
فصل إذا أكلها ثبتت قيمتها في ذمته ولا يلزمه عزلها لعدم الفائدة في ذلك فإنها لا تنتقل من الذمة إلى المال المعزول ولو عزل شيئا ثم أفلس كان صاحب اللقط أسوة الغرماء ولم يختص بالمال المعزول وإن باعها وحفظ ثمنها وجاء صاحبها أخذه ولم يشاركه فيه أحد من الغرماء لأنه عين ماله لا شيء للمفلس فيه فصل وإذا التقط ما لا يبقى عاما فذلك نوعان أحدهما ما لا يبقى بعلاج ولا غيره كالطبيخ والبطيخ والفاكهة التي لا تجفف والخضروات فهو مخير بين أكله وبيعه وحفظ ثمنه ولا يجوز أبقاؤه لأنه يتلف فإن تركه حتى تلف فهو من ضمانه لأنه فرط في حفظه فلزمه ضمانه كالوديعة فإن أكله ثبتت القيمة في ذمته على ما ذكرناه في لقطة الغنم وإن باعه وحفظ ثمنه جاز وهذا ظاهر مذهب الشافعي وله أن يتولى بيعه بنفسه وعن أحمد له بيع اليسير وإن كان كثيرا دفعه إلى السلطان وقال أصحاب الشافعي ليس له بيعه إلا بإذن الحاكم فإن عجز عنه جاز البيع بنفسه لأنه حال ضرورة فأما مع القدرة على استئذانه فلا يجوز من غير إذنه لأنه مال معصوم لا ولاية عليه فلم يجز لغير الحاكم بيعه كغير اللقطة ولنا إنه مال أبيح للملتقط أكله فأبيح له بيعه كماله ولأنه مال أبيح له بيعه عند العجز عن الحاكم فجاز عند القدرة عليه كماله إذا ثبت هذا فإنه متى أراد أكله أو بيعه حفظ صفاته ثم عرفه عاما فإذا جاء صاحبه فإن كان قد باعه وحفظ ثمنه دفعه إليه وإن كان قد أكله أو أكل ثمنه غرمه له بقيمته يوم أكله وإن تلف الثمن بغير تفريط قبل تملكه أو نقص أو تلف العين أو نقصت من غير تفريط فلا ضمان على الملتقط وإن تلفت أو نقص الثمن لتفريطه فعلى الملتقط ضمانه وكذلك إن تلف الثمن بعد تملكه أو نقص ضمنه النوع الثاني ما يمكن إبقاؤه بالعلاج كالعنب والرطب فينظر ما فيه الحظ لصاحبه فإن كان في التجفيف جففه ولم يكن له إلا ذلك لأنه مال غيره فلزمه ما فيه الحظ لصاحبه كولي اليتيم وإن احتاج في التجفيف إلى غرامه باع بعضه في ذلك وإن كان الحظ في بيعه باعه وحفظ ثمنه كالطعام والرطب فإن تعذر بيعه ولم يمكن تجفيفه تعين أكله كالبطيخ وإن كان أكله أنفع لصاحبه فله أكله أيضا لأن الحظ فيه ويقتضي قول أصحابنا أن العروض لا تملك بالتعريف أن هذا كله لا يجوز له أكله لكن يخير بين الصدقة به وبين بيعه وقد قال أحمد فيمن يجد في منزله طعاما لا يعرفه يعرفه ما لم يخش فساده فإن خشي فساده تصدق به فإن جاء صاحبه غرمه وكذلك قال مالك وأصحاب الرأي في لقطة ما لا يبقى سنة يتصدق به وقال الثوري يبيعه ويتصدق بثمنه ولنا على جواز أكله قول النبي صلى الله عليه وسلم في ضالة الغنم خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب وهذا تجويز للأكل فإذا جاز فيما هو محفوظ بنفسه ففيما يفسد ببقائه أولى مسألة قال ( ولا يتعرض لبعير ولا لما فيه قوة يمنع عن نفسه ) وجملة ذلك أن لك حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع وورود الماء لا يجوز التقاطعه ولا التعرض له سواء كان لكبر جثته كالإبل والخيل والبقر أو لطيرانه كالطيور كلها أو لسرعته كالظباء والصيود أو بنابه كالكلاب والفهود وقال عمر رضي الله عنه من أخذ ضالة فهو ضال أي مخطىء وبهذا قال الشافعي والأوزاعي وأبو عبيد وقال مالك والليث في ضالة الإبل من وجدها في القرى عرفها ومن وجدها في الصحراء لا يقربها ورواه المزني عن الشافعي وكان الزهري يقول من وجد بدنة فليعرفها فإن لم يجد صاحبها فلينحرها قبل أن تنقضي الأيام الثلاثة وقال أبو حنيفة في لفظ يباح التقاطها لأنها لقطة أشبهت الغنم
ولنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عنها ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نصيب هوامي الإبل قال ضالة المسلم حرق النار وروي عن جرير بن عبدالله أنه أمر بطرد بقرة لحقت ببقرة حتى توارت وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يؤوي الضالة إلا ضال رواه أبو داود بمعناه وقياسهم يعارض صريح النص وكيف يجوز ترك نص النبي صلى الله عليه وسلم وصريح قوله بقياس نصه في موضع آخر على أن الإبل تفارق الغنم لضعفها وقلة صبرها عن الماء فصل فإن كانت الصيود مستوحشة إذا تركت رجعت إلى الصحراء وعجز عنها صاحبها جاز التقاطها لأن تركها أضيع لها من سائر الأموال والمقصود حفظها لصاحبها لا حفظها في نفسها ولو كان المقصود حفظها في أنفسها لما جاز التقاط الأثمان فإن الدينار دينار حيثما كان فصل والبقرة كالإبل نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وأبي عبيد وحكي عن مالك أن البقرة كالشاة ولنا خبر جرير فإنه طرد البقرة ولم يأخذها ولأنها تمتنع عن صغار السباع وتجزىء في الأضحية والهدي عن سبعة فأشبهت الإبل وكذا الحكم في الخيل والبغال فأما الحمر فجعلها أصحابنا من هذا القسم الذي لا يجوز التقاطه لأن لها أجساما عظيمة فأشبهت البغال والخيل ولأنها من الذواب فأشبهت البغال والأولى إلحقها بالشاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل الإبل بأن معها حذاءها وسقائها يريد شدة صبرها عن الماء لكثرة ما توعي في بطونها منه وقوتها على وروده وفي إباحة ضالة الغنم بأنها معرضة لأخذ الذئب إياها بقوله هي لك أو لأخيك أو للذئب والحمر مساوية للشاة في علتها فإنها لا تمتنع من الذئب ومفارقة للإبل في علتها فإنها لا صبر لها عن الماء ولهذا يضرب المثل بقلة صبرها عنه فيقال ما بقي من مدتها إلا ظمء حمار وإلحاق الشيء بما ساواه في علة الحكم وفارقه في الصورة أولى من إلحاقه بما قاربه في الصورة وفارقه في العلة فأما غير الحيوان فما كان منه ينحفظ بنفسه كأحجار الطواحين والكبير من الخشب وقدور النحاس فهو كالإبل في تحريم أخذه بل أولى منه لأن الإبل تتعرض في الجملة للتلف إما بالأسد وإما بالجوع والعطش وغير ذلك وهذه بخلاف ذلك ولأن هذه لا تكاد تضيع عن صاحبها ولا تبرح من مكانها بخلاف الحيوان فإذا حرم أخذ الحيوان فهذه أولى فصل فإن أخذ الحيوان الذي لا يجوز أخذه على سبيل الالتقاط ضمنه إماما كان أو غيره لأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه ولا أذن الشارع له فهو كالغاصب فإن رده إلى موضعه لم يبرأ من الضمان وبهذا قال الشافعي وقال مالك يبرأ لأن عمر رضي الله عنه قال أرسله في الموضع الذي أصبته فيه وجرير طرد البقرة التي لحقت ببقره ولنا إن ما لزمه ضمانه لا يزول عنه إلا برده إلى صاحبه أو نائبه كالمسروق والمغصوب وأما حديث جرير فإنه لم يأخذ البقرة ولا أخذها راعية إنما لحقت بالبقر فطردها عنها فأشبه ما لو دخلت داره فأخرجها فعلى هذا متى لم يأخذها بحيث ثبتت يده عليها لا يلزمه ضمانها سواء طردها أو لم يطردها وإن أخذها فلزمه ضمانها فدفعها إلى الإمام أو نائبه زال عنه الضمان لأن له نظرا في ضوال الناس بدليل أن له أخذها فكان نائبا عن أصحابها فيها فصل وللإمام أو نائبه أخذ الضالة على وجه الحفظ لصاحبها لأن عمر رضي الله عنه حمى موضعا يقال له النقيع لخيل المجاهدين والضوال
ولأن للإمام نظرا في حفظ مال الغائب وفي أخذ هذه حفظ لها عن الهلاك ولا يلزمه تعريفها لأن عمر رضي الله عنه لم يكن يعرف الضوال ولأنه إذا عرف ذلك فمن كانت له ضالة فإنه يجيء إلى موضع الضوال فإذا عرف ضالته أقام البينة عليها وأخذها ولا يكتفي فيها بالصفة لأنها ظاهرة بين الناس فيعرف صفاتها من رآها من غير أهلها فلا تكون الصفة لها دليلا على ملكه لها ولأن الضالة قد كانت ظاهرة بين الناس حين كانت في يد مالكها فلا يختص هو بمعرفة صفاتها دون غيره فلم يكن ذلك دليلا ويمكنه إقامة البينة عليها لظهورها للناس ومعرفة خلطائه وجيرانه بملكه إياها فصل وإن أخذها غير الإمام أو نائبه ليحفظها لصاحبها لم يجز له ذلك ولزمه ضمانها لأنه لا ولاية له على صاحبها وهذا ظاهر مذهب الشافعي ولأصحابه وجه أن له أخذها لحفظها قياسا على الإمام ولا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع أخذها من غيرها تفريق بين قاصد الحفظ وقاصد الالتقاط ولا يصح القياس على الإمام لأن له ولاية وهذا لا ولاية له وإن وجدها في موضع يخاف عليها به مثل أن يجدها بأرض مسبعة يغلب غلى الظن أن الأسد يفترسها إن تركت به أو فرسا من دار الحرب يخاف عليها من أهلها أو بموضع يستحل أهله أموال المسلمين كواد التيم أو في برية لا ماء بها ولا مرعى فالأولى جواز أخذها للحفظ ولا ضمان على آخذها لأن فيه إنقاذها من الهلاك فأشبه تخليصها من غرق أو حريق فإذا حصلت في يده سلمها إلى نائب الإمام وبرىء من ضمانها ولا يملكها بالتعريف لأن الشرع لم يرد ذلك فيها فصل وما يحصل عند الإمام من الضوال فإنه يشهد عليها ويسمها بأنها ضالة ثم إن كان له حمى ترعى فيه تركها فيه إن رأى ذلك وإن رأى المصلحة في بيعها وحفظ ثمنها أو لم يكن له حمى باعها بعد أن يحليها ويحفظ صفاتها ويحفظ ثمنها لصاحبها فإن ذلك أحفظ لها لأن تركها يفضي إلى أن تأكل جميع ثمنها فصل ومن ترك دابة بمهلكة فأخذها إنسان فإطعمها وسقاها وخلصها ملكها وبه قال الليث والحسن بن صالح وإسحاق إلا أن يكون تركها ليرجع إليها أو ضلت منه وقال مالك هي لمالكها الأول ويغرم ما أنفق عليها وقال الشافعي وابن المنذر هي لمالكها والآخر متبرع بالنفقة لا يرجع بشيء لأنه ملك غيره فلم يملكه بغير عوض من غير رضاه كما لو كانت في غير مهلكة ولا يملك الرجوع لأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه فلم يرجع بشيء كما لو بنى داره ولنا ما روى الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من وجد دابة قد عجز عنها أهلها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له قال عبد الرحمن فقلت يعني للشعبي من حدثك بهذا قال غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود بإسناده وفي لفظ عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ترك دابة بمهلكة فأحياها رجل فهي لمن أحياها ولأن في الحكم بملكها إحياءها وإنقاذها من الهلاك وحفظا للمالك عن الضياع ومحافظة على حرمة الحيوان وفي القول بأنها لا تملك تضييع لذلك كله من غير مصلحة تحصل ولأنه نبذ رغبة عنه وعجزا عن أخذه فملكه آخذه كالساقط من السنبل وسائر ما ينبذه الناس رغبة عنه فصل وإن ترك متاعا فخلصه إنسان لم يملكه لأنه لا حرمة له في نفسه ولا يخشى عليه التلف كالخشية على الحيوان فإن الحيوان يموت إذا لم يطعم ويسقى وتأكله السباع والمتاع يبقى حتى يرجع إليه صاحبه وإن كان المتروك عبدا لم يملك بأخذه لأن العبد في العادة يمكنه التخلص إلى الأماكن التي يعيش فيها بخلاف البهيمة وله أخذ العبد والمتاع ليخلصه لصاحبه وله أجر مثله في تخليص المتاع نص عليه وكذلك في العبد على قياسه
قال القاضي يجب أن يحمل قوله في وجوب الأجر على أنه جعل له ذلك أو أمره به فأما إن لم يجعل له شيئا فلا جعل له لأنه عمل في مال غيره بغير جعل فلم يستحق شيئا كالملتقط وهذا خلاف ظاهر كلام أحمد فإنه لو جعل له جعلا لاستحقه ولم يجعل له أجر المثل ويفارق هذا الملتقط فإن الملتقط لم يخلص اللقطة من الهلاك ولو تركها أمكن أن يرجع صاحبها فيطلبها من مكانها فيجدها وها هنا إن لم يخرجه هذا ضاع وهلك ولم يرجع إليه صاحبه ففي جعل الأجر فيه حفظ للأموال من غير مضرة فجاز ذلك كالجعل في الآبق ولأن اللقطة جعل فيها الشارع ما يحث على أخذها وهو ملكها إن لم يجىء صاحبها فاكتفي به عن الأجر فينبغي أن يشرع في هذا ما يحث على تخليصه بطريق الأولى وليس إلا الأجر فأما ما ألقاه ركاب البحر فيه خوفا من الغرق فلم أعلم لأصحابنا فيه قولا سوى عموم قولهم الذي ذكرناه ويحتمل أن يملك هذا من أخذه وهو قول الليث بن سعد وبه قال الحسن فيمن أخرجه قال وما نضب عنه الماء فهو لأهل وقالابن المنذر يرده على أصحابه ولا جعل له ويقتضيه قول الشافعي والقاضي لما تقدم ومقتضى قول الإمام أبي عبدالله أن لمن أنقذه أجر مثله لما ذكرنا ووجه ما ذكرناه من الاحتمال أن هذا مال ألقاه صاحبه فيما يتلف بتركه فيه اختيارا منه فملكه من أخذه كالذي ألقوه رغبة عنه ولأن فيما ذكروه تحقيقا لإتلافه فلم يجز كمباشرته بالإتلاف فأما إن انكسرت السفينة فأخرجه قوم فقال مالك يأخذ أصحاب المتاع متاعهم ولا شيء للذي أصابوه وهذا قول الشافعي وابن المنذر والقاضي وعلى قياس نص أحمد يكون لمستخرجه أجر المثل لأن ذلك وسيلة إلى تخليصه وحفظه لصاحبه وصيانته عن الغرق فإن الغواص إذا علم أنه يدفع إليه الأجر بادر إلى التخليص ليخلصه وإن علم أنه يؤخذ منه بغير شيء لم يخاطر بنفسه في استخراجه فينبغي أن يقضي له بالأجر كجعل رد الآبق فصل ذكر القاضي فيما إذا التقط عبدا صغيرا أو جارية أن قياس المذهب أنه لا يملك بالتعريف وقال الشافعي يملك العبد دون الجارية ولأن التملك بالتعريف عنده اقتراض والجارية عنده لا تملك بالقرض وهذه المسألة فيها نظر فإن اللقيط محكوم بحريته فإن كان ممن يعبر عن نفسه فأقر بأنه مملوك لم يقبل إقراره لأن الطفل لا قول له ولو اعتبر قوله في ذلك لاعتبر في تعريفه سيده والله أعلم كتاب اللقيط وهو الطفل المنبوذ واللقيط بمعنى الملقوط فعيل بمعنى مفعول كقولهم قتيل وجريح وطريح والتقاطه واجب لقول الله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى المائدة 2 ولأن فيه إحياء نفسه فكان واجبا كإطعامه إذا اضطر وإنجائه من الغرق ووجوبه على الكفاية إذا قام به واحد سقط عن الباقين فإن تركه الجماعة أثموا كلهم إذا علموا فتركوه مع إمكان أخذه وروي عن سنين أبي جميلة قال وجدت ملفوفا فأتيت به عمر رضي الله عنه فقال عريفي يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح فقال عمر أكذلك هو قال نعم قال فاذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته رواه سعيد عن سفيان عن الزهري سمع سنينا أبا جميلة بهذا وقال علينا رضاعه مسألة قال ( واللقيط حر ) وجملة ذلك أن اللقيط حر في قول عامة أهل العلم إلا النخعي قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر روينا هذا القول عن عمر وعلي رضي الله عنهما وبه قال عمر بن عبد العزيز والشعبي والحكم وحمادة ومالك والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي ومن تبعهم وقال النخعي إن التقطه للحسبة فهو حر وإن كان أراد أن يسترقه فذلك له وذلك قول شذ فيه عن الخلفاء والعلماء ولا يصح في النظر فإن الأصل في الآدميين الحرية فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا وإنما الرق للعارض فإذا لم يعلم ذلك العارض فله حكم الأصل
فصل ولا يخلو اللقيط من أن يوجد في دار الإسلام أو في دار الكفر فأما دار الإسلام فضربان أحدهما دار اختطها المسلمون كبغداد والبصرة والكوفة فلقيط هذه محكوم بإسلامه وإن كان فيها أهل الذمة تغليبا للإسلام ولظاهر الدار ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه الثاني دار فتحها المسلمون كمدائن الشام فهذه إن كان فيها مسلم واحد حكم بإسلام لقيطها لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليبا للإسلام وإن لم يكن فيها مسلم بل كل أهلها ذمة حكم بكفره لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال وإما بلد الكفار فضربان أيضا أحدهما بلد كان للمسلمين فغلب الكفار عليه كالساحل فهذا كالقسم الذي قبله إن كان فيه مسلم واحد حكم بإسلام لقيطه وإن لم يكن فيه مسلم فهو كافر وقال القاضي يحكم إسلامه أيضا لأنه يحتمل أن يكون فيه مؤمن يكتم إيمانه بخلاف الذي قبله فإنه لا حاجة به إلى كتم إيمانه في دار الإسلام وإن كان بلد كان للمسلمين ثم غلب عليه المشركون ثم ظهر عليه المسلمون وأقروا فيه أهله بالجزية فهذا كالقسم الثاني من دار الإسلام الثاني دار لم تكن للمسلمين أصلا كبلاد الهند والروم فإن لم يكن فيها مسلم فلقيطها كافر لأن الدار لهم وأهلها منهم وإن كان فيها مسلمون كالتجار وغيرهم احتمل أن يحكم بإسلامه تغليبا للإسلام واحتمل أن يحكم بكفره تغليبا للدار والأكثر وهذا التفصيل كله مذهب الشافعي قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين ميتا في أي مكان وجد أن غسله ودفنه في مقابر المسلمين يجب وقد منعوا أن يدفن أطفال المشركين في مقابر المسلمين قال إذا وجد لقيط في قرية ليس فيها إلا مشرك فهو على ظاهر ما حكموا به أنه كافر هذا قول أصحاب الشافعي وأصحاب الرأي فصل وفي الموضع الذي حكمنا بإسلامه إنما يثبت ذلك ظاهرا لا يقينا لأنه يحتمل أن يكون ولد كافر فلو أقام كافر بينة أنه ولده ولد على فراشه حكمنا له به وإذا بلغ اللقيط حدا يصح فيه إسلامه وردته فوصف الإسلام فهو مسلم سواء كان ممن حكم بإسلامه أو كفره وإن وصف الكفر وهو ممن حكم بإسلامه فهو مرتد لا يقر على كفره وبهذا قال أبو حنيفة وذكر القاضي وجها أنه يقر على كفره وهو منصوص الشافعي لأن قوله أقوى من ظاهر الدار وهذا وجه مظلم لأن دليل الإسلام وجد عريا عن المعارض وثبت حكمه واستقر فلم يجز إزالة حكمه بقوله كما لو كان ابن مسلم وقوله لا دلالة فيه أصلا لأنه لا يعرف في الحال من كان أبوه ولا ما كان دينه وإنما يقول هذا من تلقاء نفسه فعلى هذا إذا بلغ استتيب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل فأما على قولهم فقال القاضي إن وصف كفرا يقر أهله عليه بالجزية عقدت له الذمة فإن امتنع من التزامها أو وصف كفرا لا يقر أهله علهي الحق بمأمنه وهذا بعيد جدا فإن هذا اللقيط لا يخلو من أن يكون ابن وثني حربي فهو حاصل في يد المسلمين بغير عهدة ولا عقد فيكون لواجده ويصير مسلما بإسلام سابيه أو يكون ابن ذميين أو أحدهما ذمي فلا يقر على الانتقال إلى غير دين أهل الكتاب أو يكون ابن مسلم أو ابن مسلمين فيكون مسلما قال أحمد في أمة نصرانية ولدت من فجور ولدها مسلم لأن أبويه يهودانه وينصراته وهذا ليس معه إلا أمه وإذا لم يكن لهذا الولد حال يحتمل أن يقر فيها على دين لا يقر أهله عليه فكيف يرد إلى دار الحرب
فصل إذا جنى اللقيظ جناية تحملها العاقلة فالعقل على بيت المال لأن ميراثه له ونفقته عليه وإن جنى جناية لا تحملها العاقلة فحكمه فيها غير حكم اللقيط إن كانت توجب القصاص وهو بالغ عاقل اقتص منه وإن كانت موجبة للمال وله مال استوفى منه وإلا كان في ذمته حتى يوسر وإن حنى عليه في النفس جناية توجب الدية فهي لبيت المال لأنه وارثه وإن كان عمدا محضا فالإمام مخير بين استيفاء القصاص إن رآه للملاقيط والعفو على مال وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وأبو حنيفة إلا أنه يخيره بين القصاص والمصالحة وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم فالسلطان ولي من لا ولي له وإن جنى عليه فيما دون النفس جناية توجب الأرش قبل بلوغه فلوليه أخذ الأرش وإن كانت عمدا موجبة للقصاص وللقيط مال يكفيه وقف الأمر على بلوغه ليقتص أو يعفو سواء كان عاقلا أو معتوها وإن لم يكن له مال وكان عاقلا انتظر بلوغه أيضا وإن كان معتوها فللولي العفو على مال يأخذه له لأن المعتوه ليست له حال معلومة منتظرة فإن ذلك قد يدوم به والعاقل له حال منتظرة فافترقا وفي الحال التي ينتظر بلوغه فإن الجاني يحبس حتى يبلغ اللقيط فيستوفي لنفسه وهذا مذهب الشافعي وقد روي عن أحمد رواية أحرى أن للإمام استيفاء القصاص له وهو مذهب أبي حنيفة لأنه أحذ نوعي القصاص فكان للإمام استيفاؤه عن اللقيط كالقصاص في النفس ولنا إنه قصاص لم يتحتم استيفاؤه فوقف على قوله كما لو كان بالغا غائبا وفارق القصاص في النفس فإن القصاص ليس هو له إنما هو لوارثه والإمام المتولي له فصل وإن قذف اللقيط بعد بلوغه محصنا حد ثمانين لأنه حر وإن قذفه قاذف وهو محصن فعليه الحد لأنه محكوم بحريته فإن ادعى القاذف أنه عبد فصدقه اللقيط سقط الحد لإقرار المستحق بسقوط الحد ويجب التعزير لقذفه من ليس بمحصن وإن كذبه اللقيط وقال إني حر فالقول قوله لأنه محكوم بحريته فقوله موافق للظاهر ولذلك أوجبنا عليه حد الحر إذا كان قاذفا وأوجبنا له القصاص وإن كان الجاني حرا ويحتمل أن يكون القول قول القاذف لأنه يحتمل صحة ما قاله بأن يكون ابن أمة فيكون ذلك شبهة والحد يندرىء بالشبهات وفارق القصاص له إذا ادعى الجاني عليه أنه عبد لأن القصاص ليس بحد وإنما وجب حقا لآدمي ولذلك جازت المصالحة عنه وأخذ بدله بخلاف حد القذف ويتخرج من هذا أن اللقيط إذا كان قاذفا فادعى أنه عبد ليجب عليه حد العبد قبل منه لذلك والأول أصح لأن كل من كان محكوما بحريته لا يسقط الحد عن قاذفه باحتمال رقه بدليل مجهول النسب ولو سقط الحد لهذا الاحتمال لسقط وإن لم يدع القاذف رقه لأنه موجود وإن لم يدعه مسألة قال ( وينفق عليه من بيت المال إن لم يوجد معه شيء ينفق عليه ) وجملته أن اللقيط إذا لم يوجد معه شيء لم يلزم الملتقط الإنفاق عليه في قول عامة أهل العلم وقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط كوجوب نفقة الولد وذلك لأن أسباب وجوب النفقة من القرابة والزوجية والملك والولاء منتفية والالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك وتبرع بحفظه فلا يوجب ذلك النفقة كما لو فعله بغير اللقيط وتجب نفقته في بيت المال لقول عمر رضي الله عنه في حديث أبي جميلة اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته وفي رواية من بيت المال ولأن بيت المال وارثه وماله مصروف إليه فتكون نفقته عليه كقرابته ومولاه فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال لكونه لا مال فيه أو كان في مكان لا إمام فيه أو لم يعط شيئا فعلى من علم حاله من المسلمين الإنفاق عليه لقول الله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى المائدة 2 ولأن في ترك الإنفاق عليه هلاكه وحفظه عن ذلك واجب كإنقاذه من الغرق وهذا فرض كفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين