Qur'an&Sunnah

Kuşeyrî — er-Risâle

Sección V01/P103

الغيبة والحضور

Sección V01/P103–V01/P105

فالغيبة : غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق ، لاشتغال الحسن بما ورد عليه ، ثم قد يغيب عن إحساسه بنفسه وغيره ، بوارد من تذكر ثواب ، أوتفكر عقاب . كما روي أن : الربيع بن خيثم كان يذهب إلى ابن مسعود ، رضي الله عنه ، فمر بحانوت حداد ، فرأي الحديدة المحماة في الكير ، فغشى عليه . . ولم يفق إلى الغد . فلما أفاق ، سئل عن ذلك ، فقال : تذكرتكون أهل النار في النار : فهذه غيبة زادت على حدها ، حتى صارت غشية . وروي عن علي بن الحسين : أنه كان في سجوده ، فوق حريق في داره ، فلم ينصرف عن صلاته ، فسئل عن حاله ، فقال : ألهتني النار الكبرى عن هذه النار . وربما تكون الغيبة عن إحساسه بمعنى يكاشف به من الحق سبحانه ثم إنهم مختلفون في ذلك على حسب أحوالهم . ومن المشهور : أن ابتداء حال أبي حفص النيسابوري الحداد في ترك الحرفة ، أنه كان على حانوته ، فقرأ قارىء آية من القرآن ، فورد على قلب أبي حفص وارد تغافل عن إحساسه ، فأدخل يده في النار ، وأخرج الحديدة المحماة بيده ، فرأى تلميذا له ذلك ، فقال : يا أستاذ ، ما هذا ؟ فنظر أبو حفص إلى ما ظهر عليه ، فترك الحرفة ؛ وقام من حانوته . وكان الجنيد قاعدا ؛ وعند امرأته ؛ فدخل عليه الشبلي ؛ فأرادت امرأته أ ، تستتر ؛ فقال لها الجنيد : لا خبر للشبلي عنك ؛ فاقعدي . فلم يزل يكلمه الجنيد ؛ حتى بكى الشبلي ؛ فلما أخذ الشبلي في البكاء قال الجنيد لامرأته : استتري ، فقد أفاق الشبلي من غيبته . سمعت أبا نصر المؤذن بنيسابور ؛ وكان رجلا صالحا ، قال : كنت أقرأ القرآن في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق بنيسابور ؛ وقت كونه هناك وكان يتكلم في الحج كثيرا ، فأثر في قلبي كلامه ، فخرجت إلى الحج تلك السنة ؛ وتركت الحانوت والحرفة ؛ وكان الأستاذ أبو علي رحمه الله ؛ خرج إلى الحج أيضافي تلك السنة . وكنت مدضة كونه بنيسابور أخدمه . وأواظب على القراءة في مجلسه . فرأيته يوما في البدية : تطهر . . ونسي قمقمة كانت بيده . . فحملتها . فلما عاد إلى رحله وضعتها عنده فقال : جزاك الله خيرا . حيث حملت هذا . ثمنظر إلي طويلا كأنه لم يرن قط : وقال : رأيتك مرة . فمن أنت ؟ فقلت : المستغاث بالله ! ! صحبتك مدة . . وخرجت عن مسكني ومالي بسببك ، وتقطعت في المفازة بك . والساعة تقول رأيتك مرة ! ! وأما الحضور : فقد يكون حاضرا بالحق ؛ لأنه إذا غاب عن الخلق حضر بالحق ، على معنى أنه يكون كأنه حاضر ، وذلك لاستيلاء ذكر الحق على قلبه ، فهو حاضر بقلبه بين يدي ربه تعالى ؛ فعلى حسب غيبته عن الحق يكون حضوره بالحق ، فإن غاب بالكلية كان الحضور على حسب الغيبة . فإذا قيل : فلان . حاضر ، فمعناه أنه حاضر بقلبه لربه ، غير غافل عنه ، ولا ساه ، مستديم لذكره . ثم يكون مكاشفا في حضوره على حسب رتبته بمعان يخصه الحق سبحانه وتعالى بها . وقد قال لرجوع العبد إلى إحساسه بأحوال نفسه ، وأحوال الخلق : إنه حضر أي رجع عن غيبته ، فذا يكون حضورا بخلق ؛ والأول حضورا بحق . وقد تختلف أحوالهم في الغيبة . فمنهم من لا تمتد غيبته ، ومنهم من تدوم غيبته . وقد حكى أن ذا النون المصري بعث إنسانا من أصحابه إلى أبي يزيد ، لينقل إليه صفة أبي يزيد . . . فلما جاء الرجل إلى بسطام . سأل عن دار أبي يزيد .

Sección V01/P105

فدخل عليه فقال له أبو يزيد : ما تريد ؟ فقال : أريد أبا يزيد . فقال : من أبو يزيد ؟ وأين أبو يزيد ؟ أنا في طلب أبي يزيد . فخرج الرحل ، وقال : هذا مجنون . ورجع الرجل إلى ذي النون . فأخبره بما شهده . فبكى ذو النون وقال : أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبين إلى الله . ومن ذلك :

Sección V01/P105–V01/P108

الصحو والسكر فالصحو : رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة . والسكر : غيبة بوارد قوي . والسكر زيادة على الغيبة من وجه ، وذلك أن صاحب السكر قد يكون مبسوطا إذا لم يكن مستوفى في حال سكره ، وقد يسقط إخطار الأشياء عن قلبه في حال سكره ، وتلك حال المتساكر ، الذي لم يستوفه الوارد ، فيكون للأحساس فيه مساغ ، وقد يقوى سكره حتى يزيد على الغيبة ، فربما يكون صاحب السكر أشد غيبة من صاحب الغيبة ذا قوي سكره ، وربما يكون صاحب الغيبة أتم في الغيبة من صاحب السكر ، إذا كان متساكرا غير مستوف . والغيبة قد تكون للعباد ، بما يغلب على قلوبهم من موجب الرغبة والرهبة ومقتعنيات الخوف والرجاء . والسكر لا يكون إلا لأصحاب المواجيد . فإذا كوشف العبد بنعت الجمال حصل السكر ، وطاب الروح ، وهام القلب ، وفي معناه أنشدوا : خصوك من لفظي هو الوصل كله . . . وسكر من لحظي يبيح لك الشربا فمامل ساقيها وما مل شارب . . . عقار لحاظ كأسه يسكر اللبة وأنشدوا : فأسكر القوم دور كأس . . . وكان سكري من المدير وأنشدوا : لي سكرتان ، وللندمان واحدة . . . شيء خصصت به من بينهم وحدي وأنشدوا : سكران : سكر هوى وسكر مدامة . . . فمتى يفيق فتى به سكران وأعلم أن الصحو على حسب السكر ، فمن كان سكره بحق ، كان صحوه بحق . ومن كان سكره بحز مشوبا ؛ كان صحوه بحظ مصحوبا . ومن كان محقا في حاله كان محفوظا في سكره . والسكر والصحو يشير إلى طرف من التفرقة . وإذا ظهر من سلطان الحقيقة علم فصفة العبد الثبور ، والقهر . وفي معناه أنشدوا : إذا طلع الصبح لنجم راح . . . تساوى فيه سكران وصاح وال تعالى : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ، وخر موسى صعفا . هذا مع رسالته وجلالة قدره خر صعقا ، وهذا مع صلابته ، وقوته ، ردكا متكسرا . والعبد في حال سكره بشاهد الحال . وفي صحوه بشاهد العلم . إلا أنه في حال سكره محفوظ لا بتكلفه : وفي حال صحوه متحفظ بتصرفه . والصحو والسكر بعد الذوق والشرب . ومن ذلك : الذوق والشرب ومن جملة ما يجري في كلامهم : الذوق ، والشرب . ويعبرون بذلك عما يجدونهمن ثمرات التجلي ، ونتائج الكشوفات . وبواده الواردات . وأول ذلك : الذوق ، ثم الشرب ، ثم الرى . فصفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعاني ؟ ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشرب . ودوام مواصلاتهم يقتضي لهم الرى . فصاحب الذوق متساكر ، وصاحب الشرب سكران ، وصاحب الري صاح . ومن قوي حبه تسرمد شربه ، فإذا دامت به تلك الصفة لم يورثه الشرب سكرا ، فكان صاحيا بالحق ، فانيا عن كل حظ : لم يتأثر بما يرد عليه ، ولايتغير عما هو به . ومن صفا سره ، لم يتكدر عليه الشرب . ومن صار الشراب له غذاء لم يصبر عنه ، ولم يبق بدونه . وأنشدوا : وإنما الكأس رضاع بيننا . . . فإذا لم نذقها لم تعش وأنشدوا : عجبت لمن يقول ذكرت ربي . . . فهل أنسى فأذكر ما نسيت ؟ شربت الحب كأسا بعد كأس . . . فما نفد الشراب ولا رويت ويقال : كتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد البسطامي : ها هنا من شرب من كأس المحبة لم يظمأ بعده . فكتب إليه أبو يزيد : عجبت من ضعف حالك ! ! هاهنا من يحتسي بحار الكون وهو فاغرفاه يستزيد . وأعلم أن كاسات القرب تبدو من الغيب ، ولا تدار إلا على أسرار معتقة ، وأرواح عن رقق الأشياء محررة . ومن ذلك : المحو والإثبات

Sección V01/P108–V01/P110

المحو : رفع أوصاف العادة : والإثبت : إنامة أحكام العبادة . فمن نفى عن أحواله الخصال الذميمة ، وتى بدلها بالأفعال والأحوال الحميدة ، فهو صاحب محو وإثبات . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : قال بعض المشايخ لواحد : إيش تمحو ؟ وإيش نثبت ؟ فسكت الرجل ! ! فقال : أما علمت أن الوقت محو وإثبات ، وإذ من لامحو له ، ولا إثبات ، فهو معطل مهمل . وينقسم إلى محو الزلة عن الظواهر ، ومحو الغفلة عن الضمائر ، ومحو العلة عن السرائر ، ففي محو الزلة : إثبات المعاملات ؛ وفي محو الغفلة : إثبات المنازلات . وفي محول العلة إثبات المواصلات . وفي محو وإثبات بشرط العبودية . وأما حقيقة المحو والإثبات ، فصادران عن القدرة . فالمحو : ماستره الحق ونفاده والإثبات ما أظهره الحق وأبداه . والمحو والإثبات مقصوران على المشيئة . قال الله تعالى : يمحو الله ما يشاء ويثبت . قيل : يمحو عن قلوب العارفين ذكر غير الله تعالى ، ويثبت على ألسنة المريدين ذكر الله ، ومحو الحق لكل أحد وإثباته على ما يليق بحاله . ومن محاه الحق سبحانه على مشاهدة ، وأثبته بحق حقه . ومن محاه الحق عن إثباته به رده إلى شهود الأغيار ؛ وأتيته في أودية التفرقة . وقال رجل للشبلي رحمه الله : مال أراك قلقا ، أليس هو معك ، وأنت معه ؟ فقال الشبلي : لو كنت أنا معه كنت أنا ، ولكني محو فيما هو . والمحق فوق المحو ؛ لأن المحو يبقى أثرا ، والمحق لا يبقى أثرا . وغاية همة القوم أن يمحقم الحق عن شاهدهم ، ثم لا يردهم إليهم بعدما محقهم عنهم . ومن ذلك : الستر والتجلي العوام في غطاء الستر ، والخواص في دوام التجلي . وفي الخبر : إن الله إذا تجلى لشيء خشع له . فصاحب الستر ، بوصف شهوده ، وصاحب التجلي أبدا ، ينعت خشوعه . والستر للعوام عقوبة ، وللخواص رحمة ، إذ لولا أنه يستر عليهم ما يكاشفهم به ، لتلاشوا عند سلطان الحقيقة : ولكنه كما يظهر لهم ، يستر عليهم . سمعت منصور المغربي يقول : وافي بعض الفقراء حيا من أحياء العرب ، فأضافه شاب ، فبينا الشاب في خدمة هذا الفقير إذ غشى عليه ، فسأل الفقير عن حاله ، فقالوا : له بنت عم ، وقد علقها ، فمشت في خيمتها ، فرأى الشاب غبار ذيلها ، فغشى عليه . فمضى الفقير إلى باب الخيمة ، وقال : إن للغريب فيكم حرمة وذماما ، وقد جئت مستشفعا إليك في أمر هذا الشاب ، فتعطفي عليه فيما هو به من هواك . فقالت : سبحان الله ، أنت سليم القلب ، إنه لا يطيق شهود غبار ذيلي ، فكيف يطيق صحبتي ؟ وعوام هذه الطائفة عيشهم في التجلي ، وبلاؤهم في الستر . وأما الخواص ، فهم بين طيش وعيش ، لأنهم إذا تجلى لهم طاشوا ، وإذا ستر عليهم ردوا إلى الحز فعاشوا . وقيل : إنما قال الحق تعالى لموسى عليه السلام : وما تلك بيمينك يا موسى ليستر عليه ببعض ما يعلله به بعض ما أثر في من المكاشفة بفجأة السماع . وقال صلى الله عليه وسلم : إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة . والاستغفار : طلب الستر ، لأن الغفر : هو الستر ، ومنه غفر الثوب ، والمغفر ، وغيره : فكأنه أخبر أنه يطلب الستر على قلبه عند سطوات الحقيقة ، إذ للخلق لابقاء لهم مع وجود الحق . وفي الخبر : لو كشف عن وجهه لأحرقت سبحات وجهه ما أدرك بصره . ومن ذلك : المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة

Sección V01/P110–V01/P111

المحاضرة ابتداءا ، ثم المكاشفة ، ثم المشاهدة . فالمحاضرة : حضور القلب . وقد يكون بتواتر البرهان ، وهو بعد وراء الستر ، وإن كان حاضرا باستيلاء سلطان الذكر . ثم بعده . المكاشفة : وهو حضوره بنعت البيان غيرمفتقر في هذه الحالة إلى تأمل الدليل ، وتطلب السبيل ، ولا مستجير من دواعي الريب . ولا محجوب من نعت الغيب . ثم المشاهدة : وهي حضور الحق من غير بقائ تهمة . فإذا أصحت سماء السر عن غيوم الستر ، فشمس الشود مشرقة عن برج الشرف . وحق المشاهدة ما قاله الجنيد ، رحمه الله : وجود الحق مع فقدانك : فصاحب المحاضرة مربوط بأياته ، وصاحب المكاشفة مبسوط بصفاته : وصاحب المشاهدة ملقى بذاته ، وصاحب المحاضرة يهديه عقله ، وصاحب المكاشفة يدنيه علمه ، وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته . ولم يزد في بيان تحقيق المشاهدة أحد على ما قاله عمرو بن عثمان المكي رحمه الله . ومعنى ما قاله : أنه تتوالى أنوار التجلي على قلبه من غير أن يتخللها ستر وانقطاع كما لو قدر اتصال البروق ، فكما أن الليلة الظلماء بتوالى البروق فيها ، وإتصالها ، إذ قدرت تصير في ضوء النهار ، فكذلك القلب إذا دام به دوام التجلي متع نهاره فلا ليل . وأنشدوا : ليلى بوجهك مشرق . . . وظلامه في الناس ساري والناس في سدف الظلام . . . ونحن في ضوء النهار وقال النوري : لايصح للعبد المشاهدة وقد بقى له عرق قائم . وقال : إذا طلع الصباح استغنى عن المصباح : وتوهم قوم أن المشاهدة تشير إلى طرف من التفرقة ، لأن باب المفاعلة في العربية بين اثنين . وهذا وهم من صاحبه . فإن في ظهور الحق سبحانه ، ثبور الخلق وباب المفاعلة جملتها لا تقضي مشاركة الأثنين نحو : سافر ، وطارق النعل ، وأمثاله . وأنشدوا : فلما استبان الصبح أدرك ضوؤه . . . بأنواره أنوار ضوء الكواكب يجرعهم كأسا لو ابتلى به اللظى . . . بتجريعة طارت كأسرع ذاهب كأس ، أي كأس ؟ ؟ تصطلمهم عنهم ، وتفتيم ، وتختطفهم منهم ، ولا تبقيهم . كأس . . لا تبقي لا تذر ، تمحوهم بالكلية ، ولا تبقى شظية من آثار البشرية . كما قال قائلهم : ؟ ساروا فلم يبق لارسم ولا أثر ومن ذلك : ؟ اللوائح ، والطوالع ، واللوامع

Sección V01/P111–V01/P113

قال الأستاذ رضي الله عنه : هذه الألفاظ متقارية المعنى ، لا يكاد يحصل بينها كبير فرق . وهي من صفات أصحاب البدايات الصاعدين في الترقي بالقلب ، فلم يدم لهم بعد ضياء شموس المعارف . لكن الحق سبحانه وتعالى ، يؤتى رزق قلوبهم في كل حين ، كما قال : ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ، فكلما أظلم عليهم سماء القلوب بسحاب الحظوظ سنح لهم فيها لوائح الكشف وتلألأ لوامع القرب وهم في زمان سترهم يرقبون فجأة اللوائح . فهم كما قال القائل : يا أيها البرق الذي يلمع . . . من أي أكناف السما تسطع فتكون أولا : لوائح ، ثم لوامع ، ثم طوالع : افترقنا حولا فلما التقينا . . . كان تسليمه على وداعا وأنشدوا : يا ذا الذي زار ومازارا . . . كأنه مقتبس نارا مر بباب الدار مستعجلا . . . ماضره لو دخل الدارا ؟ واللوامع : أظهر من اللوائح : ليس زوالها بتلك السرعة ، فقد تبقى اللوامع وقتين ، وثلاثة . ولكن كما قالوا : والعين باكية لم تشبع النظرا وكما قالوا : لم ترد ماء وجهه العين إلا . . . شرقت قبل ريها برقيب فإذا لمع قطعك عنك ، وجمعك به ، لكن لم يسفر نور نهاره حتى كر عليه عساكر الليل ، فهؤلاء بين روح ونوح ؛ لأنهم بين كشف وستر . كما قالوا : فالليل يشملنا بفاضل برده . . . والصبح يلحفنا رداء مذهبا والطوالع : أبقى وقتا ، وأقوي سلطانا ، وأدوم مكثا ، وأذهب للظلمة وأنفى للتهمة . لكنها موقوفة على خطر الأفول ، ليست برفيعة الأوج ، ولا بدائمة المكث ثم أوقات حصولها وشيكة الارتحال ، وأحوال أفولها طويلة الأذيال . وهذه المعاني ، التي هي : اللوائح واللوامع والطوالع ، تختلف في القضايا ، فمنها ما إذا مات لم يبق عنها أثر ، كالشوارق إذا أفلت ، فكأن الليل كان دائما . ومنها ما يبقى عنه أثر ، فإن زال رقمه بقي ألمه ، وإن غربت أنواره بقيت آثاره فصاحبه بعد سكون غلباته يعيش في ضياء بركاته ، فإلى أن يلوح ثانيا ثيرجى وقته على انتظار عوده ، ويعيش بما وجد في كونه . ومن ذلك : البداوه والهجوم البواده : ما يفجأ قلبك من الغيب على سبيل الوهلة ، إما موجب فرح ، وإما موجب ترح . والهجوم : ما يرج على القلب بقوة الوقت ، من غير تصنع منك . ويختلف في الأنواع على حسب قوة الوارد وضعفه . فمنهم من تغيره البواده ، وتصرفه الهواجم . ومنهم من يكون فوق ما يفجؤه حالا وقوة . أولئك سادات الوقت كما قيل : لانهتدي نوب الزمان إليهم . . . ولهم على الخطب الجليل لجام ومن ذلك : التلوين والتمكين

Sección V01/P113–V01/P115

التلوين : صفة ارباب الأحوال . التمكين : صفة أهل الحقائق . فما دام العبد في الطريق فهو صاحب تلوين ، لأنه يرتقي من حال إلى حال ، وينتقل من وصف إلى وصف ويخرج من مرحل ويحصل في مربع ، فإذا وصل تمكن . وأنشدوا : مازلت أنزل في ودادك منزلا . . . تتحير الألباب دون نزوله وصاحب التلوين أبدا في الزيادة وصاحب ، التمكين وصل ثم انصل . وأمارة أنه اتصل : أنه بالكلية عن كليته بطل . وقال بعض المشايخ : انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم ، فإذا ظفروا بنفوسهم فقد وصلوا . وقال الأستاذ رحمه الله : يريد انخناس أحكام البشرية ، واستيلاء سلطان الحقيقة ، فإذا دام للعبد هذه الحالة فهو صاحب تمكين . الزيادة كان الشيخ أبو علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : كان موسى عليه السلام صاحب تلوين ، فرجع من سماع الكلام واحتاج إلى ستر وجهه ، لأنه أثر فيه الحال . ونبينا صلى الله عليه وسلم ، كان صاحب تمكين ، فرجع كما ذهب ، لأنه لم يؤثر فيه ما شاهده تلك الليلة . وكان يستشهد على هذا بقصة يوسف عليه السلام : أن النسوة اللاتي رأين يوسف عليه السلام قطعن أيديهن لما ورد عليهن من شهود يوسف عليه السلام على وجه الفجأة وامرأة العزيز كانت أتم في بلاء يوسف منهن ، ثم لم تتغير عليها شعرة ذلك اليوم ، لأنها كانت صاحبة تمكين في حديث يوسف عليه السلام . قال الأستاذ : واعلم أن التغير بما يرد على العبد يكون لأحد أمرين : إما لقوة الوارد ، أو لضعف صاحبه . والسكون من صاحبه لأحد أمرين : إما لقوته ، أو لضعف الوارد عليه . سمعت الآستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : أصول القوم في جوار دوام التمكين نتخرج على وجهين : أحدهما : مالا سبيل إليه ، لأنه قال صلى الله عليه وسلم : لو بقيتم على ماكنتم عليه عند لصافحتكم الملائكة ولأنه صلى الله عليه وسلم قال : لي وقت لا يسعني فيه غير ربي عز وجل أخبر عن وقت مخصوص . والوجه الثاني : أنه يصح دوام الأحوال ، لأن أهل الحقائق ارتقوا عن وصف التأثر بالطوارق ، والذي في الخبر أنه قال : لصافحتكم الملائكة فلم يعلق الأمر فيه على أمر مستحيل ، ومصافحة الملائكة دون ما أثبت لأهل البداية من قوله على الله عليه وسلم : إن الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع . وما قال : لي وقت . . فإنما قال على حسب فهم السامع . وفي جميع أحواله كان قائما بالحقيقة . والأولى أن يقال : إن العبد ما دام في الترقي فصاحب تلوين يصح في نعته الزيادة في الأحوال ، والنقصان منها ، فإذا وصل إلى الحق بانخناس أحكام البشرية مكنه الحق سبحانه ، بأن لا يرده إلى معلولات النفس ، فهو متمكن في حاله ، على حسب محله واستحقاقه . ثم يتحفه - الحق سبحانه ، في كل نفس ، فلا حد لمقدوراته ، فهو في الزيادات متلون ، بل ملون . وفي اصل حاله متمكن ؛ فأبدا يتمكن في حالة أعلى مما كان فيها قبله ، ثم يرتقي عنها إلى ما فوق ذلك إذ لا غاية لمقدورات الحق سبحانه في كل جنس . فأما المصطلم عن شاهده ، المستوفى إحساسه بالكلية ، فللبشرية لا محالة حد وذا بطل عن جملته ونفسه وحسه ، وكذلك عن المكونات باسرها ، ثم دامت به هذه الغيبة ، فهو محو ، فلا تمكين له إذا ، ولا تلوين ، ولا مقام ، ولا حال . وما دام بهذا الوصف : فلا تشريف ، ولا تكليف . اللهم إلا أن يرد بما يجري عليه من غير شيء منه ، فذلك متصرف في ظنون الخلق ، مصرف في التحقيق .

Sección V01/P115

قال الله تعالى : وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وبالله التوفيق . ومن ذلك :

Sección V01/P115

القرب والبعد

Sección V01/P115–V01/P117

أول رتبة في القرب : القرب من طاعته ، والانصاف في دوام الأوقات بعبادته . وأما البعد ، فهو التدنس بمخالفته ، والتجافي عن طاعته . فأول البعد بعد عن التوفيق ، ثم بعد عن التحقيق ، بل البعد عن التوفيق هو البعد عن التحقيق ، قال صلى الله عليه وسلم ، مخبرا عن الحق سبحانه : ما تقرب إلى المتقربون بمثل أداء ما افترضته عليهم ، ولا يزال البعد يتقرب إلى بالنواقل . حتى يحبني وأحبه فإذا أحببته ، كنت له سمعا وبصرا ، فبي يبصر ، وبي يسمع . الخبر . . . فقرب العبد أولا قرب بإيمانه وتصديقه . ثم قرب بإحسنه وتحقيقه . وقرب الحق سبحانه ، ما يخصه اليوم به من العرفان ، وفي الآخرة ما يكرمه به من الشهود والعيان ، وفيما بين ذلك من وجوه اللطف والامتنان . ولا يكون تقرب العبد من الحق إلا ببعده عن الخلق . وهذه من صفات القلوب دون أحكام الظواهر والكون . وقرب الحق سبحانه ، بالعلم ، والقدرة عام للكافة . وباللطف والنصرة خاص بالمؤمنين ، ثم بخصائص التأنيس مختص بالأولياء . قال الله تعالى : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، وقال تعالى : ونحن أقرب إليه منكم ، وقال تعالى : وهو معكم أينما كنتم وقال : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم . ومن تحقق بقرب الحق ، سبحانه وتعالى ، فأدونه دوام مراقبته إياه ، لأن عليه رقيب التقوى ، ثم رقيب الحفظ والوفاء ثم رقيب الحياء . وأنشدوا : كأن رقيبا منك يرعى خواطري . . . وآخر يرعى ناظري ولساني فما رمقت عيناي بعدك منظرا . . . يسوؤك إلا قلت قد رقاني ولابدرت من في دونك لفظة . . . لغيرك إلا قلت قد سمعاني ولا خطرت في السر بعدك خطرة . . . لغيرك إلا عرجا بعناني وإخوان صدق قد سئمت حديثهم . . . وأمسكت عنهم ناظري ولساني وما الزهد أسلى عنهم غير أنني . . . وجدتك مشهودا بكل مكان وكان بعض المشايخ يخص واحدا من تلامذت بإقباله عليه ، فقال أصحابه له في ذلك ، فدفع إلى كل يخص واحدا من تلامذته بإقباله عليه ، فقال أصحابه له في ذلك ، فدفع إلى كل واحد منهم طيرا ، وقال اذبحوه بحيث لا يراه أحد . فمضى كل واحد وذبح الطير بمكان خال . . وجاء هذا الانسان والطير معه غير مذبوح ؛ فسأله الشيخ ، فقال : أمرتني أن أذبحه بحيث لايراه أحد ، ولم يكن موضع إلا والحق سبحانه يراه . فقال الشيخ ، لهذا أقدم هذا عليكم ؛ إذ الغالب عليكم حديث الخلق ، وهذا غير غافل عن الحق . ورؤية القرب حجاب عن القرب ، فمن شاهد لنفسه محلا ، أو نفسا ، فهو ممكور به . ولهذا قالوا : أوحشك الله من قربه : أي من شهودك لقربه ، فإن الاستئناس بقربه من سمات العزة به ، إذ الحق سبحانه وراء كل أنس . ون مواضع الحقيقة توجب الدهش والمحو . وفي قريب من هذا قالوا : محنتي فيك أنني . . . ما أبالي بمحنتي قربك مثل بعدكم . . . فمتى وقت راحتي وكان الأستأذ أبو علي الدقاق ، رحمه الله ، كثيرا ما ينشد : ودادكم هجر ، وحبكم قلى . . . وقربكم بعد وسلمكم حرب ورأى أبو الحسين النوري بعض أصحاب أبي حمزة ، فقال : أنت من أصحاب أبي حمزة الذي يشير إلى القرب ؟ إذا لقيته ، فقل له : إن أبا الحسين النوري يقرئك السلام ، ويقول لك : قرب القرب فيما نحن فيه بعد البعد .

Sección V01/P117

فأما القرب بالذات ، فتعالى الله الملك الحق عنه ، فإنه متقدس عن الحدود ؛ والأقطار ، والنهاية ، والمقدار وما اتصل به مخلوق ، ولا انفصل عنه حادث مسبوق به ، جلت صمديته عن قبول الوصل والفصل . فقرب هو في نعته محال : وهو تاني الذوات . وقرب هو واجب في نعته وهو قرب بالعلم والرؤية . وقرب هو جائز في وصفه ، يخص به من يشاء من عباده ، هو قرب الفضل باللطف . ومن ذلك :

Sección V01/P117–V01/P120

الشريعة والحقيقة الشريعة : أمر بالتزام العبودية . والحقيقة : مشاهدة الربوبية . فكل شريعة غير مؤيدة مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول . فالشريعة جاءت غير مقيدة بالشريعة فغير مقبول . فالشريعة جاءت بتكليف الخالق ، والحقيقة إنباء عن تصريف الحق . فالشريعة أن تعبده ، والحقيقة أن تشهده . والشريعة قيام بما أمر ، والحقيقة شهود لما قضى وقدر ، وأخفى وأظهر . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : قوله : إياك نعبد حفظ للشريعة وإياك نستعين إقرار بالحقيقة . واعلم أن الشريعة حقيقة من حيث إنها وجبت بأمره . والحقيقة - أيضا - شريعة ، من حيث إن المعرف به ، سبحانه ، أيضا ، وجبت بأمره . ومن ذلك : النفس النفس : ترويح القلوب بلطائف الغيوب . وصاحب الأنفاس أرق وأصفى من صاحب الأحوال . فكان الوقت مبتدئا ، وصاحب الأنفاس منتهيا ، وصاحب الأحوال بينهما . فالأحوال وسائط ، والأنفاس نهاية الترقي . فالأوقات لأصحاب القلوب ، والأحوال لأرباب الأرواح ، والأنفاس لأهل السرائر : وقالوا : أفضل العبادات عد الأنفاس مع الله سبحانه وتعالى . وقالول : خلق الله القلب وجعلها معادن المعرفة ، وخلق الأسرار وراءها . وجعلها محلا للتوحيد ، فكل نفس حصل من غير دلالة المعرفة وإشارة التوحيد على بساط الاضطرار فهو ميت ، وصاحبه مسئول عنه . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : العارف لا يسلم له النفس ، لأنه لا مسامحة تجري معه ، والمحب لا بدله من نفس ، إذ لو لا أن يكون له نفس لتلاشى ، لعدم طاقته . ومن ذلك : الخواطر والخواطر خطاب يرد على الضمائر ، وهو قد يكون بإلقاء ملك ، وقد يكون بإلقاء شيطان ، ويكون أحاديث النفس ، ويكون من قبل الحق سبحانه . فإذا كان من الملك فهو الإلهام . وإذا كان من قبل النفس ، قيل له : الهواجس . وإذا كان من قبل الشيطان فهو : الوسواس . وإذا كان من قبل الله سبحانه ، وإلقائه في القلب ، فهو : خاطر حق . وجملة ذلك من قبيل الكلام . فإذا كان من قبل الملك ، فنما يعمل صدقه بموافقة العلم ، ولهذا قالوا : كل خاطر لايشهد له ظاهر فهو باطل . وإذا كان من قبل الشيطان فأكثره يدعو إلى المعاصي . وذا كان من قبل الشيكان فأكثره يدعو إلى المعاصي . وإذا كان من قبل النفس فأكثره ، يدعو إلى اتباع شهوة أو استشعار كبر ، أو ما هو من خصائص وصاف النفس . واتفق المشايخ على أن من كان أكله من الحرام لم يفرق بين الإلهام والوسواس . وسمعت الشيخ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : من كان قوته معلوما لم يفرق بين الإلهام والوسواس ، وأن من سكنت عنه هواجس نفسه بصدق مجاهدته نطق بيان قلبه بحكم مكابدته . وأجمع الشيوخ على أن النفس لا تصدق ، وأن القلب لا يكذب . وقال بعض المشايخ : إن نفسك لا تصدق وقلبك لا يكذب ، ولو أجتهدت كل الجهد أن تخاطبك روحكم لم تخاطبك . وفرق الجنيد بين هواجس النفس ووساوس الشيطان بأن النفس إذا طالبتك بشيء ألحت . . فلا تزال تعاودك ، ولو بعد حين ، حتى تصل إلى مرادها ، ويحصل مقصودها ، اللهم إلا أن يدوم صدق المجاهدة ، ثم إنها تعاودك وتعاودك . وأما الشيطان إذا دعاك إلى زلة ، فخالفته بترك ذلك ، يوسوس بزلة أخرى ، لأن جميع المخالفات له سواء ، وإنما يريد أن يكون داعيا أبدا إلى زلة ما ، ولا غرض له في تخصيص واحد دون واحد . وقد قيل : كل خاطر يكون من المسلك فربما يوافقه صاحبه ، وربما يخالفه . فأما خاطر يكون من الحق سبحانه ، فلا يحصل خلاف من العبد له . وتكلم الشيوخ في الخاطر الثاني ، إذا كان الخاطران من الحق سبحانه ، هل هو أقوى من الأول ؟ فقال الجنيد : الخاطر الأول أقوى ، لأنه إذا بقي رجع صاحبه إلى التأمل . وهذا بشرط العلم ، فترك الأول يضعف الثاني . وقال ابن عطاء الله : الثاني أقوى ، لأنه إزاداد قوة بالأول . وقال أبو عبيد الله بن خفيف من المتأخرين : هما سواء ، لأن كليهما من الحق ، فلا مزية لأحدهما على الآخر . والأول لا يبقى في حال وجود الثاني ، لأن الآثار لا يجوز عليها البقاء . ومن ذلك :

Sección V01/P120–V01/P122

علم اليقين وعين القين وحق اليقين هذه عبارات عن علوم جلية . فاليقين : هو العلم الذي لا يتداخل صاحبه ريب على مطلق العرف . ولا يطلق في وصف الحق سبحانه ؛ لعدم التوقيف . فعلم اليقين : هو اليقين ، وكذلك عين اليقين : نفس اليقين ، وحق اليقين : نفس اليقين . فعلم اليقين ، على موجب اصطلاحهم ما كان بشرط البرهان . وعين اليقين ما كان بحكم البيان . وحق اليقين ما كان بنعت العيان . فعلم اليقين لأرباب العقول وعين اليقين لأصحاب العلوم . وحق اليقين لأصحاب المعارف . والكلام في الإفصاح عن هذا بحال تحقيقه يعود إلى ما ذكرناه . فاقتصرنا على هذا القدر ، على جهى التنبيه . ومن ذلك : الوارد ويجري في كلامهم ذكر الواردات كثيرا . والوارد : ما يرد على القلوب من الخواطر المحمودة ، مما لا يكون بتعمد العبد ، وكذلك ما لا يكون من قبيل الخواطر ، فهو أيضا : وارد . ثم قد يكون وارد من الحق ، ووارد من العلم . فالواردات أعم من الخواطر ؛ لأن الخواطر تختص بنوع الخطاب ، أو ما يتضمن معناه . والواردات تكون : وارد سرور ، ووارد حزن ، ووارد قبض ؛ ووارد بسط ، إلى غير ذلك من المعاني . ومن ذلك لفظ : الشاهد كثيرا ما يجري في كلامهم لفظ : الشاهد : فلان بشاهد العلم ، وفلان بشاهد الوجد ، وفلان بشاهد الحال . ويريدون بلفظ الشاهد : ما يكون حاضر قلب الإنسان ، وهو ما كان الغالب عليه ذكره ، حتى كأنه يراه ويبصره ، وإن كان غائبا عنه . فكل ما يستولي على قلب صاحبه ذكره فهو شاهده فإن كان الغالب عليه العلم ، فهو بشاهد العلم . وإن كان الغالب عليه الوجد ، فهو بشاهد الوجد . ومعنى الشاهد : الحاضر ، فكل ما هو حاضر قلبك فهو شاهدك . وسئل الشبلي عن المشاهدة ، فقال : من ين لنا مشاهدة الحق ؟ الحق لنا شاهد . أشار بشاهد الحق إلى المستولى على قلبه ؛ والغالب عليه من ذكر الحق والحاضر في قلبه دائما من ذكر الحق . ومن حصل له مع مخلوق تعلق بالقلب ، يقال : إنه شاهده ، يعني : أنه حاضر قلبه ، فإن المحبة توجب دوام ذكر المحبوب ، واستيلائه عليه . وبعضهم تكلف في مراعاة هذا الاشتقاق فقال : إنما سمى الشاهد من الشهادة ، فكأنه إذا طالع شخصا بوصف الجمال : فإن كانت بشريته ساقطة عنه ، ولم يشغل شهود ذلك الشخص عما هو به من الحال ، ولا أثرت فيه صحبته بوجه ، فهو شاهد له على فناء نفسه . ومن أثر فيه ذلك ، فهو شاهد عليه في بقاء نفسه . وقيامه بأحكام بشريته إما شهد له ، أو شاهد عليه . وعلى هذا حمل قوله صلى الله عليه وسلم : رأيت ربي ليلة المعراج في أحسن صورة أي أحسن صورة رأيتها تلك الليلة لم تشغلني عن رؤيته تعالى ، بل رأيت المصور في الصورة ، والمنشىء في الإنشاء ، ويريد بذلك رؤية العلم ، لا إدراك البصر . ومن ذلك : النفس

Sección V01/P122–V01/P125

نفس الشيء في اللغة : وجوده . وعند القوم : ليس المراد من اطلاق لفظ النفس الوجود ، ولا القالب الموضوع . إنما أرادوا بالنفس : ما كان معلولا من أوصاف العبد مذموما من أخلاقه وأفعاله . ثم إن المعلولات من أوصاف العبد على ضربين : أحدهما : ما يكون كسبا له ؛ كمعاصية ومخالفته . والثاني : أخلاقه الدنيئة ، فهي في أنفسها مذمومة ، فإذا عالجها العبد ونازلها ، تنتفي عنه بالمجاهدة تلك الأخلاق على مستمر المادة . والقسم الأول من أحكام النفس : ما نهي عنه نهي تحريم ، و نهي تنزيه . وأما القسم الثاني ، من قسمي النفس : فسفساف الأخلاق ، والدنيء منها . وهذا حه على الجملة . ثم تفصيلها : فالكبر ، والغضب ، والحقد ، والحسد ، وسوء الخلق ، وقلة الاحتمال ، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة . وأشد أحكام النفس وأصعبها : توهمها أن شيئا منها حسن ، أو أن لها استحقاق قدر ، ولهذا عد ذلكمن الشرك الخفي . ومعالجة الأخلاق في ترك النفس ، وكسرها ، أتم من مقاساة الجوع والعطش والسهر ، وغير ذلك من المجاهدات التي تتضمن سقوط القوة ، وإن كان ذلك أيضا من جملة ترك النفس ، ويحتمل أن تكون النفس : لطيفة مودعة في هذا القالب ، هي محل الأخلاق المعلومة . كما أن الروح : لطيفة ، مودعةفي هذا القالب هي محل الأخلاق المحمودة . وتكون الجملة مسخرا بعضها لبعض : والجميع إنسان واحد . وكون الروح ، والنفس ، من الأجسام اللطيفة في الصورة ، ككون الملائكة والشياطين بصفة اللطافة . وكما يصح أن يكون البصر محل الرؤية ، والأذن محل السمع ، والأنف محل الشم ، والفم محل الذوق ، والسميع ، والبصير والشام ، والذائق إنما هي الجملة . التي هي الإنسان فكذلك محل الأوصاف الحميدة : القلب والروح ومحل الأوصاف المذمومة : النفس . والنفس جزء من هذه الجملة ، والقلب جزء من هذه الجملة ، والحكم الاسم راجع إلى الجملة . ومن ذلك : الروح الأرواح مختلف فيها عند أهل التحقيق من أهل السنة : فمنهم من يقول : إنها الحياة . ومنهم من يقول : إنها أعيان مودعة في هذه القوالب . لطيفة : أجرى الله العادة بخلق الحياة في القالب ، ما دامت الارواح في الأبدان ، فالإنسان حي بالحياة ، ولكن الارواح مودعة في القوالب ؛ ولها ترق في حال النوم ، ومفارقة للبدن ، ثم رجوع إليه . وأن الإنسان : هو الروح ، والجسد ؛ لأن الله سبحانه وتعالى ؛ سخر هذه الجملة بعضها لبعض . والحشر يكون للجملة . والمثاب والمعاقب الجملة . والأرواح مخلوقة . ومن قال بقدمها فهو مخطىء خطأ عظيما . والأخبار تدل على أنها أعيان لطيفة . ومن ذلك : السر يحتمل أنها لطيفة مودعة في القالب ، كالأرواح . وأصولهم تقتضي أنها محل المشاهدة ، كما أن الأرواح محل للمحبة ، والقلوب محل للمعارف . وقالوا : السر : مالك عليه إشراف ، وسر السر : مالا اطلاع عليه لغير الحق . وعند القوم : على موجب مواضعاتهم ومقتضى اصولهم : السر ألطف من الروح ، والروح أشرف من القلب . ويقولون : الأسرار معتقه عن رق الأغيار من الآثار والأطلال . ويطلق لفظ السر على ما يكون مصونا مكتوما بين العبد والحق سبحانه ، في الأحوال . وعليه يحمل قول من قال : أسرارنا بكر لم يفتضها وهم واهم . ويقولون : صدور الأحرار قبور الاسرار . وقالوا : لو عرف زري سري لطرحته . فهذا طرف من تفسير إطلاقتهم ، وبيان عباراتهم فيما انفردوا به من ألفاظ ذكرناها على شروط الإيجاز . ونذكر الآن أبوابا في شرح المقامات التي هي مدارج أرباب السلوك . ثم بعدها أبوابا في تفصيل الأحوال على الجد الذي يسهله الله تعالى ، بفضله إن شاء الله تعالى .

Sección V01/P125

باب التوبة

Sección V01/P125–V01/P127

قال الله تعالى : ' وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحوه ' . أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك ، رحمه الله ، قال : أخبرنا أحمد بن محمود بن خراز قال : حدثنا محمد بن فضل بن جابر ، قال حدثنا سعيد بن عبد الله قال : حدثنا أحمد بن زكريا ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، يقول : ' التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وإذا أحب الله عبدالم يضره ذنب ' ، ثم تلا : ' إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ' ، قيل : يا رسول الله ، وما علامة التوبة ؟ قال ' الندامة ' . أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان الأهوازي ، قال : أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عبيد الصفار ، قال : أخبرنا محمد بن الفضل بن جابر قال : أخبرنا الحكم بن موسى ، قال : حدثنا غسان بن عبيد عن أبي عاتكة طريف بن سليمان ، عن أنس بن مالك . أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، قال : ' ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب ' . فالتوبة أول منزل من منازل السالكين . وأول مقام من مقامات الطالبين . وحقيقة التوبة في لغة العرب : الرجوع ، يقال : تاب أي رجع . فالتوبة الرجوع عما كان مذموما في الشرع إلى ما هو محمود فيه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' الندم توبة ' . فأرباب الأصول من أهل السنة قالوا : شرط التوبة ، حتى تصح ، ثلاثة أشياء : الندم على ما عمل من المخالفات . وترك الزلة في الحال . والعزم على أن لايعود إلى مثل ما عمل من المعاصي . فهذه الأركان لابد منها ، حتى تصح توبته . قال هؤلاء : وما في الخبر أن ' الندم توبة ' إنما نص على معظمه كما قال صلى الله عليه وسلم : ' الحج عرفه ' ، أي معظم أركانه عرفه ، أي الوقوف بها ، لا أنه لا ركن في الحج سوى الوقوف بعرفات ، ولكن معظم أركانه الوقوف بها . وكذلك قوله ' الندم توبة ' أي معظم أركانها الندم . ومن أهل التحقيق من قال : يكفي الندم في تحقيق ذلك ؛ لأن الندم يستتبع الركنين الآخرين فإنه يستحيل تقدير أن يكون نادما على ما هو مصر على مثله ؛ أو عازم على الإتيان بمثله . وهذا معنى التوبة على جهة التحديد والإجمال . فاما على جهة الشرح والإبانة ، فن للتوبة أسبابا وترتيبا وأقساما فأول ذلك : انتباه القلب عن رقدة الغفلة ، ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة . ويصل إلى هذه الجملة بالتوفيق للاصغاء إلى ما يخطر بباله من زواجر الحق ، سبحانه . يسمع قلبه ، فإنه جاء في الخبر ' واعظ الله في قلب كل امرىء مسلم ' . وفي الخبر : ' إن في البدن لمضغة إذا صلحت صلح جميع البدن وإذا فسدت فسد جميع البدن ، ألا وهي : القلب ' . فذا فكر بقلبه في سوء ما يصنعه ، وأبصر ما هو عليه من قبيح الأفعال ، سنح في قلبه إرادة التوبة ، والإقلاع عن قبيح المعاملات فيمده الحق ، سبحانه بتصحيح العزيمة ، والأخذ في جميل الروجعي ، والتأهب لأسباب التوبة : فأول ذلك : هجران إخوان السوء ؛ فإنهم هم الذين يحملونه على رد هذا القصد ويشوشون عليه صحة هذا العزم . ولا يتم ذلك : إلا بالمواظبة على المشاهدة التي تزيد رغبته في التوبة وتوفر دواعيه على إتمام ما عزم عليه .

Sección V01/P127–V01/P128

مما يقوي خوفه ورجاءه : فعند ذلك تنحل من قلبه عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الأفعال ، فيقف عن تعاطي المحظورت ، ويكبح لجام نفسه عن متابعة الشهوات فيفارق الزلة في الحال ، ويبرم العزيمة على أن لا يعود إلى مثلها في الاستقبال . فإن مضى على موجب قصده ، ونفذ بمقتضى عزمه فهو الموفق صدقا . وإن نقض التوبة مرة أو مرات ، وتحمله إرادته على تجديدها فقد يكون مثل هذا أيضا كثيرا ، فلا ينبغي قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء ، فإن لكل أجل كتابا . حكي عن أبي سليمان الداراني ، أنه قال : أختلفت إلى مجلس قاض ، فأثر كلامه في قلبي ، فلما قمت لم يبق في قلبي منه شيء . . فعدت ثانيا ؛ فبقي أثر كلامه في قلبي ، حتى رجعت إلى منزلي . فكسرب آلات المخالفات ولزمت الطريق . فحكى هذه الحكاية لحيي بن معاذ فقال : عصورا اصطاد كركيا ! ! أراد بالعصفور . ذلك القاص ، وبالكركي ، أبا سليمان الداراني ويحكى عن أبي حفص الحداد أنه قال : تركت العمل كذا ، وكذا مرة ، فعدت إليه ، ثم تركني العمل ، فلم أعد بعد إليه . وقيل : إن أبا عمرو بن نجيد ، في ابتداء أمره ، أختلفت إلى مجلس أبي عثمان ، فأثرت في قلبه كلامه ، فتاب . ثم إنه وقعت له فترة ، فكان يهرب من أبي عثمان إذا رآه ، ويتأخر عن مجلسه فاستقبله أبو عثمان يوما فحاج أبو عمرو عن طريقه ، وسلك طريقا أخرى ، فتبعه أبو عثمان فما زال به يقفو أثره ، حتى لحقه ، فقال له : يا بني ، لا تصحب من لا يحبك إلا معصوما ، إنما ينفعك أبو عثمان في مثل هذه الحالة . قال : فتاب أبو عمرو بن نجيد ، وعاد لى الإرادة ، ونفذ فيها . سمعت الشيخ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : تاب بعض المريدين ، ثم وقعت له فترة ، فكان يفكر وقتا : لو عاد إلى توبته كيف حكمه ؟ فهتف به هاتف : يا فلان ، أطعتنا فشكرناك ، ثم تركتنا فأمهلناك ، وإن عدت إلينا قبلناك . فعاد الفتى إلى الإرادة ، ونفذ فيها . فإذا ترك المعاصي ، وحل عن قلبه عقدة الإصرار ، وعزم أن لا يعود إلى مثله ، فعند ذلك يخلق إلى قلبه صادق الندم . فيتأسف على ما عمله ، ويأخذ في التحسر على ما صنعه من أحواله ، وارتكبه من قبيح أعماله ، فتتم توبته ، وتصدق مجاهدته ، واستبدل بمخالطته العزلة ، وبصحبته مع أخوان السوء التوحش عنهم ، والخلوة دونهم ويصل ليله بنهار في التلهف ، ويعتنق في عموم أ ؛ واله بصدق التأسف ، يمحو بصوب عبرته آثار عثرته ، ويأسو بحسن توبته كلوم حوبته ويعرف من بين أمثاله بذبوله ، ويستدل صحة حاله بنحوله . ولن يتم له شيء من ذلك إلا بعد فراغه من إرضاء خصومه ، والخروج عما لزمه من مظالمه ، فإن أول منزلة من التوبة إرضاء الخصوم بما أمكنه ، فإن اتسع ذات يده لإيصال حقوقهم إليهم ، أو سمحت أنفسهم بإحلاله والبراءة عنه ، وإلا فالعزم بقلبه على أن يخرج عن حقوقهم عند الإمكان والرجوع إلى الله سبحانه بصدق الابتهال والدعاء لهم . وللتائبين صفات وأحوال : هي من خصالهم ، يعد ذلك من جملة التوبة ، لكونها من صفاتهم ، لا لأنها من شرط صحتها ، وإلى ذلك تشير أقاويل الشيوخ في معنى التوبة : سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله تعالى ، يقول : التوبة على ثلاثة اقسام : أولها التوبة ، وأوسطها الإنابة ، وآخرها الأوبة . فجعل التوبة بداية ، والأوبة نهاية ، والإنابة واسطنهما . فكل ما تاب لخوف العقوبة فهو صاحب إنابة .

Sección V01/P128–V01/P130

ومن تاب مراعاة للأمر لا للرغبة في الثواب أو رهبة من العقاب فهو صاحب أوبة . ويقال أيضا : التوبة صفة المؤمنين ، قال الله تعالى : ' وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون ' . والإنابة : صفة الأولياء والمقربين ، قال الله تعالى : ' وجاء بقلب منيب ' . والأوبة : صفة الأنبياء والمرسلين ، قال الله تعالى : ' نعم العبد إنه أواب ' . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت الجنيد يقول : التوبة على ثلاثة معان : أولها : الندم ، والثاني العزم على ترك المعاودة إلى ما نهى الله عنه ، والثالث السعي في أداء المظالم . وقال سهل بن عبد الله : التوبة : ترك التسويف . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر الرازي ، يقول : سمعت أبا عبد الله القرشي يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت الحارث يقول : ما قلت قط ، اللهم إني إسألك التوبة ، ولكني أقول : أسألك شهوة التوبة . أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي ، رحمه الله قال : سمعت أبا عبد الله بن مصلح ، بالأهواز يقول . سمعت ابن زيري يقول : سمعت الجنيد يقول : دخلت على السري يوما فرأيته متغيرا ، فقلت له : مالك ؟ فقال : دخل علي شاب فسألني عن التوبة ، فقلت له : أن لا تنسى ذنبك ! ! فعارضني ، وقال : بل التوبة أن تنسى ذنبك . فقلت : إن الأمر عندي ما قاله الشاب . فقال : لم ؟ قلت : لأني إذا كنت في حال الجفاء فنقلني إلى حال الوفاء ؛ فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء فسكت . سمعت أبا حاتم السجستاني ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا نصر السراج الصوفي يقول : سئل سهل بن عبد الله عن التوبة ، فقال : أن لا تنسى ذنبك وسئل الجنيد عن التوبة فقال : أن لا تنسى ذنبك . قال أبو نصر السراج : أشار سهل إلى أحوال المريدين والمتعرضين ، تارة لهم ، وتارة عليهم ، فأما الجنيد فإنه أشار إلى توبة المحققين فإنهم لا يذكرون ذنوبهم بما غلب على قلوبهم من عظمة الله تعالى ، ودوام ذكره . قال : وهو مثل ما سئل رويم عن التوبة ، فقال : هي التوبة من التوبة . وسئل ذا النون المصري عن التوبة : فقال : توبة العوام من الذنوب وتوبة الخواص من الغفلة . وقال أبو الحسين النوري : التوبة أن تتوب من كل شيء سوى الله عز وجل . سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول : سمعت عبد الله بن علي ابن محمد التميمي يقول : شتان ما بين تائب يتوب من الزلات ، وتائب يتوب من الغفلات ، وتائب يتوب من رؤية الحسنات . وقال الواسطي : التوبة النصوح لا تبقي على صاحبها أثرا من المعصية سرا ولا جهرا ومن كانت توبته نصوحا لا يبالي كيف أمسى أو أصبح . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت محمد بن إبراهيم بن الفضل الهاشمي يقول : سمعت محمد بن الرومي يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : إلهي ، لا أقول تبت ، ولا أعود لما أعرف من خلقي ، ولا أضمن ترك الذنوب لما أعرف من ضعفي ، ثم إني أقول : لا أعود لعلي أن أموت قبل أن أعود . وقال ذو النون : الاستغفار من غير إقلاع توبة الكاذبين . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت النصراباذي يقول : سمعت ابن يزدانيار يقول ، وقد سئل عن العبد إذا خرج إلى الله على أي أصل يخرج ؟

Sección V01/P130–V01/P132

فقال : على أن لا يعود إلى ما منه خرج ، ولا يراعي غير من إليه خرج ، ويحفظ سره عن ملاحظة ما تبرأ منه . فقيل له : هذا حكم من خرج عن وجود ، فكيف حكم من خرج عن عدم ؟ فقال : وجود الحلاوة في المستأنف عوضا عن المرارة في السالف . وسئل البوشنجي عن التوبة فقال : إذا ذكرت الذنب ثم لا تجد حلاوته عند ذكره ، فهو التوبة . وقال ذو النون : حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت ، حتى لا يكون لك قرار . . ثم تضيق عليك نفسك ، كما أخبر الله تعالى في كتابه بقوله : ' وضاقت عليهم أنفسهم ، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ، ثم تاب عليهم ليتوبوا ' . وقال ابن عطاء : التوبة : توبتان : توبة الإقامة ، وتوبة الاستجابة . فتوبة الإنابة : أن يتوب العبد خوفا من عقوبته . وتوبة الاستجابة : أن يتوب حياء من كرمه : وقيل لأبي حفص : لم يبغض التائب الدنيا ؟ قال : لأنها دار باشر فيها الذنوب . فقيل له : فهي ايضا دار أكرمه الله فيها بالتوبة ؟ فقال : إنه الذنب على يقين ، ومن قبول توبته على خطر . وقال الواسطي : طرب داوود عليه السلام ، وما هو فيه من حلاوة الطاعة أوقعه في أنفاس متصاعدة ، وهو في الحالة الثانية أتم منه في وقت ما ستر عليه من أمره . وقال بعضهم : توبة الكذابين على أطراف ألسنتهم يعني قوله : ' أستغفر الله ' . وسئل أبو حفص عن التوبة ، فقال : ليس للعبد في التوبة شيء ! ! لأن التوبة إليه ، لا منه . وقيل : أوحى الله سبحانه ، إلى آدم ورثت ذريتك التعب والنصب ، وورثتهم التوبة ، من دعاني منهم يدعونك لبيته كتلبيتك ، يا آدم أحشر التائبين ، من القبور مستبشرين ضاحكين ، ودعاؤهم مستجاب . وقال رجل لرابعة : إني أكثرت من الذنوب والمعاصي ، فلو تبت هل يتوب علي ؟ فقالت : لا بل لو تاب عليك لتبت . وإعلم أن الله تعالى قال : ' إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ومن قارف الزلة فهو من خطئه على يقين ، فإذا تاب ، فإنه من القبول على شكل ، لاسيما إذا كان من شرطه وحقه أن يكون مستحقا لمحبة الحق وإلى أن يبلغ العاصي محلا يجد في أوصافه أمارة محبة الله إيه مسافة بعيدة ، فالواجب إذن على العبد إذا علم أنه أرتكب ما تجب منه التوبة دوام الإنكسار ، وملازمة التنصل والاستغفار . كما قالوا : ' استشعار الوجل إلى الأجل ' ، وقال عز من قائل : ' قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ' . وكان من سنته صلى الله عليه وسلم : دوام الاستغفار ، وقال صلى الله عليه وسلم : ' إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة ' . سمعت أبا عبد الله الصوفي يقول : سمعت الحسين بن علي يقول : سمعت محمد بن أحمد يقول : سمعت عبد الله بن سهل يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : زلة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا عبد الله الرازي يقول : سمعت أبا عثمان يقول في قوله عز وجل : ' إن إلينا إيابهم ' قال : رجوعهم ، وإن تمادى يهم الجولان في المخالفات . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول : ركب علي بن عيسى الوزير في موكب عظيم فجعل الغرباء يقولون : من هذا ؟ من هذا ؟ فقالت امرأة قائمة على الطريق : إلى متى تقولون من هذا ؟ من هذا ؟ !

Preguntas