Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Section V08/P221–V08/P222

فصل ولا يقطع طرف الحر بطرف العبد بغير خلاف علمناه بينهم ويقتل العبد بالحر ويقتل بسيده لأنه إذا قتل بمثله فبمن هو أكمل منه أولى مع عموم النصوص الواردة في ذلك ومتى وجب القصاص على العبد فعفا ولي الجناية إلى المال فله ذلك ويتعلق أرشها برقبته لأنه موجب جنايته فتعلق برقبته كالقصاص ثم إن شاء سيده أن يسلمه إلى ولي الجناية لم يلزمه أكثر من ذلك لأنه سلم إليه ما تعلق حقه به وإن قال ولي الجناية بعه وادفع إلي ثمنه لم يلزمه ذلك لأنه لم يتعلق بذمته شيء وإنما تعلق بالرقبة التي سلمها فبرىء منها وفيه وجه آخر أنه يلزمه ذلك كما يلزمه بيع الرهن وإن امتنع من تسليمه واختار فداءه فهل تلزمه قيمته أو أرش الجناية جميعا على روايتين ذكرناهما في غير هذا الموضع وإن عفي عن القصاص ليملك رقبة العبد ففيه روايتان إحداهما يملكه بذلك لأنه يملك إتلافه فكان ملكا له كسائر أمواله والثانية لا يملكه لأنه محل تعلق به القصاص فلا يملكه بالعفو كالحر فعلى هذه الرواية يتعلق أرش الجناية برقبته كما لو عفا على مال لأن العوض الذي عفي لأجله لم يصح له فكان له عوضه كالعقود الفاسدة فصل ويجري القصاص بين العبيد في النفس في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وسالم والنخعي والشعبي والزهري وقتادة والثوري ومالك والشافعي وأبي حنيفة وروي عن أحمد رواية أخرى أن من شرط القصاص تساوي قيمتهم وإن اختلفت قيمتهم لم يجر بينهم قصاص وينبغي أن يختص هذا بما إذا كانت قيمة القاتل أكثر فإن كانت أقل فلا وهذا قول عطاء وقال ابن عباس ليس بين العبيد قصاص في نفس ولا جرح لأنهم أموال ولنا إن الله تعالى قال يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد البقرة 178 وهذا نص من الكتاب فلا يجوز خلافه لأن تفاوت القيمة كتفاوت الدية والفضائل فلا يمنع القصاص كالعلم والشرف والذكورية والأنوثية فصل ويجري القصاص بينهم فيما دون النفس وبه قال عمر بن عبد العزيز وسالم والزهري وقتادة ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وعن أحمد رواية أخرى لا يجري القصاص بينهم فيما دون النفس وهو قول الشعبي والنخعي والثوري وأبي حنيفة لأن الأطراف مال فلا يجري القصاص فيها كالبهائم ولأن التساوي في الأطراف معتبر في جريان القصاص بدليل أنا لا نأخذ الصحيحة بالشلاء ولا كاملة الأصابع بالناقصة وأطراف العبيد لا تتساوى ولنا قول الله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين المائدة 45 ولأنه أحد نوعي القصاص فجرى بين العبيد كالقصاص في النفس فصل وإذا وجب القصاص في طرف العبد وجب للعبد وله استيفاؤه والعفو عنه فصل ولو قتل عبد عبدا ثم عتق القاتل قتل به وكذلك لو جرح عبد عبدا ثم عتق الجارح ومات المجروح قتل به لأن القصاص وجب فلم يسقط بالعتق بعده ولأن التكافؤ موجود حال وجود الجناية وهي السبب فاكتفى به ولو جرح حر ذمي عبدا ثم لحق بدار الحرب فأسر واسترق لم يقتل بالعبد لأنه حين وجوب القصاص حر فصل وإذا قتل عبد عبدا عمدا فسيد المقتول مخير بين القصاص والعفو فإن عفا إلى مال تعلق بالمال برقبة القاتل لأنه وجب بجنايته وسيده مخير بين فدائه وتسليمه فإن اختار فداءه فداه بأقل الأمرين من قيمته أو قيمة المقتول لأنه إن كان الأقل قيمته لم يلزمه أكثر منها لأنها بدل عنه وإن كان الأقل قيمة المقتول فليس لسيده أكثر منها لأنها بدل عنه وعنه رواية أخرى أن سيده إن اختار فداءه لزمه أرش الجناية بالغا ما بلغ لأنه إذا سلمه للبيع ربما زاد فيه مزيدا أكثر من قيمته فإن قتل عشرة أعبد عبدا لرجل عمدا فعليهم القصاص

Section V08/P222–V08/P224

فإن اختار السيد قتلهم فله قتلهم وإن عفا إلى مال تعلقت قيمة عبده برقابهم على كل واحد منهم عشرها يباع منه بقدرها ويفديه سيده فإن اختار قتل بعضهم والعفو عن البعض كان ذلك له لأن له قتل جميعهم والعفو عن جميعهم وإن قتل عبد عبدين لرجل واحد فله قتله والعفو عنه فإن قتله سقط حقه وإن عفا إلى مال تعلقت قيمة العبدين برقبته فإن كانا لرجلين فكذلك إلا أن القاتل يقتل بالأول منهما لأن حقه أسبق فإن عفا عنه الأول قتل بالثاني وإن قتلهما دفعة واحدة أقرع بين السيدين فأيهما خرجت له القرعة اقتص وسقط عن الآخر وإن عفا عن القصاص أو عفا سيد القتيل الأول عن القصاص إلى مال تعلق برقبة العبد وللثاني أن يقتص لأن تعلق المال بالرقبة لا يسقط حق القصاص كما لو جنى العبد المرهون وإن قتله الآخر سقط حق الأول من القيمة لأنه لم يبق محل يتعلق به وإن عفا الثاني تعلقت قيمة القتيل الثاني برقبته أيضا ويباع فيهما ويقسم ثمنه على قدر القيمتين ولم نقدم الأول بالقيمة كما قدمناه بالقصاص لأن القصاص لا يتبعض بينهما والقيمة يمكن تبعضها فإن قيل فحق الأول أسبق قلنا لا يراعى السبق كما لو أتلف أموالا لجماعة واحدا بعد واحد فأما إن قتل العبد عبدا بين شريكين كان لهما القصاص والعفو فإن عفا أحدهما سقط القصاص وينتقل حقهما إلى القيمة لأن القصاص لا يتبعض وإن قتل عبدين لرجل واحد فله أن يقتض منه لأحدهما أيهما كان ويسقط حقه من الآخر وله أن يعفو عنه إلى مال وتتعلق قيمتها جميعا برقبته فصل ويقتل العبد القن بالمكاتب والمكاتب به ويقتل كل واحد منهما بالمدبر وأم الولد ويقتل المدبر وأم الولد بكل واحد منهما لأن الكل عبيد فيدخلون في عموم قوله تعالى والعبد بالعبد البقرة 178 فقد دل على كون المكاتب عبدا قول النبي صلى الله عليه وسلم المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وسواء كان المكاتب قد أدى من كتابته شيئا أو لم يؤد وسواء مالك ما يؤدي أو لم يملك إلا إذا قلنا إنه إذا ملك ما يؤدي فقد صار حرا فإنه لا يقتل بالعبد لأنه حر فلا يقتل بالعبد وإن أدى ثلاثة أرباع مال الكتابة لم يقتل به أيضا لأنه يصير حرا ومن لم يحكم بحريته إلا بأداء جميع الكتابة جاز قتله به وقال أبو حنيفة إذا قتل العبد مكاتبا له وفاء ووارث سوى مولاه لم يقتل به لأنه حين الجرح كان المستحق المولى وحين الموت الوارث ولا يجب القصاص إلا لمن يثبت حقه في الطرفين ولنا قوله تعالى النفس بالنفس المائدة 45 وقوله تعالى والعبد بالعبد البقرة 178 ولأنه لو كان قنا لوجب بقتله القصاص فإذا كان مكاتبا كان أولى كما لو لم يخلف وارثا وما ذكروه شيء بنوه على أصولهم ولا نسلمه مسألة قال ( وإذا قتل الكافر العبد عمدا فعليه قيمته ويقتل لنقضه للعهد ) يعني الكافر الحر لا يقتل بالعبد المسلم لأن الحر لا يقتل بالعبد لفقدان التكافؤ بينهما ولأنه لا يجد بقذفه فلا يقتل بقتله كالأب مع ابنه وعليه قيمته ويقتل لنقضه العهد فإن قتل المسلم ينتقض به العهد بدليل ما روي أن ذميا كان يسوق حمارا بامرأة مسلمة فنخسه بها فرماها ثم أراد إكراهها على الزنا فرفع إلى عمر رضي الله عنه فقال ما على هذا صالحناهم فقتله وصلبه وروي في شروط عمر أنه كتب إلى عبد الرحمن بن غنم أن ألحق بالشروط من ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده ولأنه فعل ينافي الأمان وفيه ضرر على المسلمين فكان نقضا للعهد كالاجتماع على قتال المسلمين والامتناع من أداء الجزية وفيه رواية أخرى أنه لا ينتقض عهده بذلك فعلى هذا عليه قيمته ويؤدب بما يراه ولي الأمر

Section V08/P224–V08/P225

فصل وإن قتل عبد مسلم حرا كافرا لم يقتل به لأنا لا نقتل المسلم بالكافر وإن قتل من نصفه حر عبدا لم يقتل به لأنا لا نقتل نصف الحر بعبد وإن قتله حر لم يقتل به لأن النصف الرقيق لا يقتل به الحر وإن قتل من نصفه حر من نصفه حر قتل به لأن القصاص يقع بين الجملتين من غير تفصيل وهما مستويان فصل ويجري القصاص بين الولاة والعمال وبين رعيتهم لعموم الآيات والأخبار ولأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ولا نعلم في هذا خلافا وثبت عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه عاملا أنه قطع يده ظلما لئن كنت صادقا لأقيد بك منه وثبت أن عمر رضي الله عنه كان يقيد من نفسه وروى أبو داود قال خطب عمر فقال إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم فمن فعل به ذلك فليرفعه إلي أقصه منه فقال عمرو بن العاص لو أن رجلا أدب بعض رعيته نقصه منه قال أي والذي نفسي بيده أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقص من نفسه ولأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم وهذان حران مسلمان ليس بينهما إيلاء فيجري القصاص بينهما كسائر الرعية فصل وإذا قتل القاتل غير ولي الدم فعلى قاتله القصاص ولورثة الأول الدين في تركة الجاني الأول وبهذا قال الشافعي وقال الحسن ومالك يقتل قاتله ويبطل دم الأول لأنه فات محله فأشبه ما لو قتل العبد الجاني وروي عن قتادة وأبي هاشم لا قود على الثاني لأنه قتل مباح الدم فلم يجب بقتله قصاص كالزاني المحصن ولنا على وجوب القصاص على قاتله أنه محل لم يتحتم قتله ولم يبح لغير ولي الدم قتله فوجب القصاص بقتله كما لو كان عليه دين ولنا على وجوب الدية في تركة الجاني الأول أن القصاص إذا تعذر وجبت الدية كما لو مات أو عفا بعض الشركاء أو حدث مانع وفارق العبد الجاني فإنه ليس له مال ينتقل إليه فإن عفا أولياء الثاني على الدية أخذوها ودفعوها إلى ورثة الأول فإن كانت عليه ديون ضم ما قبضوا من الدية إلى سائر تركته ثم ضرب أولياء المقتول الأول مع سائر أهل الديون في تركته وديته وإن أحال ورثة المقتول الثاني ورثة المقتول الأول بالدية على القاتل الثاني صحت الحوالة ويتخرج أن تجب دية القتيل الأول على قاتله ابتداء لأن أتلف محل حق ورثته فكان غرامته عليه كما لو قتل العبد الجاني وإن مات القاتل عمدا وجبت الدية في تركته وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يسقط حق ولي الجناية وتوجيه المذهبين على ما تقدم مسألة قال ( والطفل والزائل العقل لا يقتلان بأحد ) لا خلاف بين أهل العلم أنه لا قصاص على صبي ولا مجنون وكذلك كل زائل العقل بسبب يعذر فيه مثل النائم والمغمى عليه ونحوهما والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ولأن القصاص عقوبة مغلظة فلم تجب على الصبي وزائل العقل كالحدود ولأنهم ليس لهم قصد صحيح فهم كالقاتل خطأ فصل فإن اختلف الجاني وولي الجناية فقال الجاني كنت صبيا حال الجناية وقال ولي الجناية كنت بالغا فالقول قول الجاني مع يمينه إذا احتمل الصدق لأن الأصل الصغر وبراءة ذمته من القصاص وإن قال قتلته وأنا مجنون وأنكر الولي جنونه فإن عرف له حال جنون فالقول قوله أيضا لذلك فإن لم يعرف له حال جنون فالقول قول الولي لأن الأصل السلامة وكذلك إن عرف له جنون ثم علم زواله قبل القتل وإن ثبتت لأحدهما بينة بما ادعاه حكم له وإن أقاما بينتين تعارضتا فإن شهدت البينة أنه كان زائل العقل فقال الولي كنت سكرانا وقال القاتل كنت مجنونا فالقول قول القاتل مع يمينه لأنه أعرف بنفسه ولأن الأصل براءة دمته واجتناب المسلم فعل ما يحرم عليه

Section V08/P225–V08/P226

فصل فإن قتله وهو عاقل ثم جن لم يسقط عنه القصاص سواء ثبت ذلك عليه ببينة أو إقرار لأن رجوعه غير مقبول ويقتص منه في حال جنونه ولو ثبت عليه الحد بإقراره ثم جن لم يقم عليه حال جنونه لأن رجوعه يقبل فيحتمل أنه لو كان صحيحا رجع فصل ويجب القصاص على السكران إذا قتل حال سكره ذكره القاضي وذكر أبو الخطاب أن وجوب القصاص عليه مبني على وقوع طلاقه وفيه روايتان فيكون في وجوب القصاص عليه وجهان أحدهما لا يجب عليه لأنه زائل العقل فأشبه المجنون ولأنه غير مكلف أشبه الصبي والمجنون ولنا إن الصحابة رضي الله عنهم أقاموا سكره مقام قذفه فأوجبوا عليه حد القاذف فلولا أن قذفه موجب للحد عليه لما وجب الحد بمظنته وإذا وجب الحد فالقصاص المتمحض حق آدمي أولى ولأنه حكم لو لم يجب القصاص والحد لأفضى إلى أن من أراد أن يعصي الله تعالى شرب ما يسكره ثم يقتل ويزني ويسرق ولا يلزمه عقوبة ولا مأثم ويصير عصيانه سببا لسقوط عقوبة الدنيا والآخرة عنه ولا وجه لهذا وفارق هذا الطلاق ولأنه قول يمكن إلغاؤه بخلاف القتل فأما إن شرب أو أكل ما يزيل عقله غير الخمر على وجه محرم فإن زال عقله بالكلية بحيث صار مجنونا فلا قصاص عليه وإن كان يزول قريبا ويعود من غير تداو فهو كالسكر على ما فصل فيه مسألة قال ( ولا يقتل والد بولده وإن سفل ) وجملته أن الأب لا يقتل بولده والجد لا يقتل بولد ولده وإن نزلت درجته وسواء في ذلك ولد البنين أو ولد البنات ومن نقل عنه أن الوالد لا يقتل بولده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبه قال ربيعة والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وقال ابن نافع وابن عبد الحكم وابن المنذر يقتل به لظاهر آي الكتاب والأخبار الموجبة للقصاص ولأنهما حران مسلمان من أهل القصاص فوجب أن يقتل كل واحد منهما بصاحبه كالأجنبيين وقال ابن المنذر قد رووا في هذا أخبارا وقال مالك إن قتله حذفا بالسيف ونحوه لم يقتل به وإن ذبحه أو قتله قتلا لا يشك في أنه عمد إلى قتله دون تأديبه أقيد به ولنا ما روى عمر بن الخطاب وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل والد بولده أخرج النسائي حديث عمر ورواهما ابن ماجة وذكرهما ابن عبد البر وقال هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض عندهم يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته تكلفا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنت ومالك لأبيك وقضية هذه الإضافة تمليكه إياه فإذا لم تثبت حقيقة الملكية بقيت الإضافة شبهة في درء القصاص لأنه يدرأ بالشبهات ولأنه سبب إيجاده فلا ينبغي أن يتسلط بسببه على إعدامه وما ذكرناه يخص العمومات ويفارق الأب سائر الناس فإنهم لو قتلوا بالحذف بالسيف وجب عليهم القصاص والأب بخلافه فصل والجد وإن علا كالأب في هذا وسواء كان من قبل الأب أو من قبل الأم في قول أكثر مسقطي القصاص عن الأب وقال الحسن بن حي يقتل به ولنا إنه والد فيدخل في عموم النص ولأن ذلك حكم يتعلق بالولادة فاستوى فيه القريب والبعيد كالمحرمية والعتق إذا ملكه والحد من قبل الأب كالجد من قبل الأم لأن ابن البنت يسمى ابنا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن إن ابني هذا سيد مسألة قال ( والأم في ذلك كالأب ) هذا الصحيح من المذهب وعليه العمل عند مسقطي القصاص عن الأب وروي عن أحمد رحمه الله ما يدل على أنه لا يسقط عن الأم فإن مهنا نقل عنه في أم ولد قتلت سيدها عمدا تقتل قال من يقتلها قال ولدها

Section V08/P226–V08/P228

وهذا يدل على إيجاب القصاص بقتل ولدها وخرجها أبو بكر على روايتين إحداهما أن الأم تقتل بولدها لأنه لا ولاية لها عليه فتقتل به كالأخ والصحيح الأول لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل والد بولده ولأنها أحد الوالدين فأشبهت الأب ولأنها أولى بالبر فكانت أولى بنفي القصاص عنها والولاية غير معتبرة بدليل انتفاء القصاص عن الأب بقتل الكبير الذي لا ولاية عليه وعن الجد ولا ولاية له وعن الأب المخالف في الدين أو الرقيق والجدة وإن علت في ذلك كالأم وسواء في ذلك من قبل الأب أو من قبل الأم لما ذكرنا في الجد فصل وسواء كان الوالد مساويا للولد في الدين والحرية أو مخالفا له في ذلك لأن انتفاء القصاص لشرف الأبوة وهو موجود في كل حال فلو قتل الكافر والده المسلم أو قتل المسلم أباه الكافر أو قتل العبد ولده الحر أو قتل الحر ولده العبد لم يجب القصاص لشرف الأبوة فيما إذا قتل ولده وانتفاء المكافأة فيما إذا قتل والده فصل وإذا ادعى نفران نسب صغير مجهول النسب ثم قتلاه قبل إلحاقه بواحد منهما فلا قصاص عليهما لأنه يجوز أن يكون ابن كل واحد منهما أو ابنهما وإن ألحقته القافة بأحدهما ثم قتلاه لم يقتل أبوه وقتل الآخر لأنه شريك الأب في قتل ابنه وإن رجعا جميعا عن الدعوى لم يقبل رجوعهما لأن النسب حق للولد فلم يقبل رجوعهما عن إقرارهما به كما لو أقر له بحق سواه أو كما لو ادعاه واحد فألحق به ثم جحده وإن رجع أحدهما صح رجوعه وثبت نسبه من الآخر لأن رجوعه لم يبطل نسبه ويسقط القصاص عن الذي لم يرجع ويجب على الراجع لأنه شارك الأب وإن عفا عنه فعليه نصف الدية ولو اشترك رجلان في وطء امرأة في طهر واحد وأتت بولد يمكن أن يكون منهما فقتلاه قبل إلحاقه بأحدهما لم يجب القصاص وإن نفيا نسبه لم ينتف بقولهما وإن نفاه أحدهما لم ينتف بقوله لأنه لحقه بالفراش فلا ينتفي إلا باللعان وفارق التي قبلها من وجهين أحدهما إذا رجع عن دعواه لحق الآخر وهاهنا لا يلحق بذلك والثاني أن ثبوت نسبه ثم بالاعتراف فيسقط بالجحد وهاهنا يثبت بالاشتراك في الوطء فلا ينتفي بالجحد ومذهب الشافعي في هذا الفصل كما قلنا سواء فصل ولو قتل أحد الأبوين صاحبه ولهما ولد لم يجب القصاص لأنه لو وجب لوجب لولده ولا يجب للولد قصاص على والده لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه فلأن لا يجب له بالجناية على غيره أولى وسواء كان الولد ذكرا أو أنثى أو كان للمقتول ولد سواه أو من يشاركه في الميراث أو لم يكن لأنه لو ثبت القصاص لوجب له جزء منه ولا يمكن وجوبه وإذا لم يثبت بعضه سقط كله لأنه لا يتبعض وصار كما لو عفا بعض مستحق القصاص عن نصيبه منه فإن لم يكن للمقتول ولد منهما وجب القصاص في قول أكثر أهل العلم منهم عمر بن عبد العزيز والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال الزهري لا يقتل الزوج بامرأته لأنه ملكها بعقد النكاح فأشبه الأمة ولنا عمومات النص ولأنهما شخصان متكافئان يحد كل واحد منهما بقذف صاحبه فيقتل به كالأجنبيين وقوله إنه ملكها غير صحيح فإنها حرة وإنما ملك منفعة الاستمتاع فأشبه المستأجرة ولهذا تجب ديتها عليه ويرثها ورثتها ولا يرث منها إلا قدر ميراثه ولو قتلها غيره كانت ديتها أو القصاص لورثتها بخلاف الأمة فصل ولو قتل رجل أخاه فورثه ابنه أو أحد يرث ابنه منه شيئا من ميراثه لم يجب القصاص لما ذكرنا ولو قتل خال ابنه فورثت أم ابنه القصاص أو جزءا منه ثم ماتت بقتل الزوج أو غيره فورثها ابنه سقط القصاص لأن ما منع مقارنا أسقط طارئا وتجب الدية ولو قتلت المرأة أخا زوجها فصار القصاص أو جزء منه لابنها سقط القصاص سواء صار إليه ابتداء أو انتقل إليه من أبيه أو من غيره لما ذكرنا

Section V08/P228–V08/P229

فصل وإذا قتل أحد أبوي المكاتب أو عبدا له لم يجب القصاص لأن الوالد لا يقتل بولده ولا يثبت للولد على والده قصاص وإن اشترى المكاتب أحد أبويه ثم قتله لم يجب عليه قصاص لأن السيد لا يقتل بعبده فصل ابنان قتل أحدهما أباه والآخر أمه فإن كانت الزوجية بينهما موجودة حال قتل الأول فالقصاص على قاتل الثاني دون الأول لأن القتيل الثاني ورث جزءا من دم الأول فلما قتل ورثه قاتل الأول فصار له جزء من دم نفسه فسقط القصاص عنه ووجب له القصاص على أخيه فإن قتله ورثه إن لم يكن له وارث سواء لأنه قتله بحق وإن عفا عنه إلى الدية وجبت وتقاضا بما بينهما وما فضل لأحدهما فهو له على أخيه وإن لم تكن الزوجية بين الأبوين قائمة فعلى كل واحد منهما القصاص لأخيه لأنه ورث الذي قتله أخوه وحده دون قاتله فإن بادر أحدهما فقتل صاحبه فقد استوفى حقه وسقط القصاص عنه لأنه يرث أخاه لكونه قتلا بحق فلا يمنع الميراث إلا أن يكون للمقتول ابن أو ابن ابن يحجب القاتل فيكون له قتل عمه ويرثه إن لم يكن له وارث سواه وإن تشاحا في المبتدىء منهما بالقتل احتمل أن يبدأ بقتل القاتل الأول لأنه أسبق واحتمل أن يقرع بينهما وهذا قول القاضي ومذهب الشافعي لأنهما تساويا في الاستحقاق فيصيرا إلى القرعة وأيهما قتل صاحبه أولا إما بمبادرة أو قرعة ورثه في قياس المذهب إن لم يكن له وارث سواه وسقط عنه القصاص وإن كان محجوبا عن ميراثه كله فلوارث القتيل قتل الآخر وإن عفا أحدهما عن الآخر ثم قتل المعفو عنه العافي ورثه أيضا وسقط عنه ما وجب عليه من الدية وإن تعافيا جميعا على الدية تقاصا بما استويا فيه ووجب لقاتل الأم الفضل على قاتل الأب لأن عقل الأم نصف عقل الأب ويتخرج أن يسقط القصاص عنهما لتساويهما في استحقاقه لسقوط الديتين إذا تساوتا ولأنه لا سبيل إلى استيفائهما واستيفاء أحدهما دون الآخر حيف فلا يجوز فتعين السقوط وإن كان لكل واحد منهما ابن يحجب عمه عن ميراث أبيه فإذا قتل أحدهما صاحبه ورثه ابنه ثم لابنه أن يقتل عمه ويرثه ابنه ويرث كل واحد من الابنين مال أبيه ومال جده الذي قتله عمه دون الذي قتله أبوه وإن كان لكل واحد منهما ابنة فقتل أحدهما صاحبه سقط القصاص عنه لأنه ورث نصف مال أخيه ونصف قصاص نفسه فسقط عنه القصاص وورث مال أبيه الذي قتله أخوه ونصف مال أخيه ونصف مال أبيه الذي قتله هو وورثت البنت التي قتل أبوها نصف مال أبيها ونصف مال جدها الذي قتله عمها ولها على عمها نصف دية قتيله فصل أربعة إخوة قتل الأول الثاني والثالث الرابع فالقصاص على الثالث لأنه لما قتل الرابع لم يرثه وورثه الأول وقد كان للرابع نصف قصاص الأول فرجع نصف قصاصه إليه فسقط ووجب للثالث نصف الدية وكان للأول قتل الثالث لأنه لم يرث من دم نفسه شيئا فإن قتله ورثه في ظاهر المذهب ويرث ما يرثه عن أخيه الثاني وإن عفا عنه إلى الدية وجبت عليه بكمالها يقاصه بنصفها وإن كان لهما ورثة كان فيها من التفصيل مثل الذي في التي قبلها مسألة قال ( ويقتل الولد بكل واحد منهما ) هذا قول عامة أهل العلم منهم مالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وحكى أصحابنا عن أحمد رواية ثانية أن الابن لا يقتل بأبيه لأنه ممن لا تقبل شهادته له بحق النسب فلا يقتل به كالأب مع ابنه والمذهب أنه يقتل به للآيات والأخبار وموافقة القياس ولأن الأب أعظم حرمة وحقا من الأجنبي فإذا قتل بالأجنبي فبالأب أولى ولأنه يحد بقذفه فيقتل به كالأجنبي ولا يصح قياس الابن على الأب لأن حرمة الوالد على الولد آكد والابن مضاف إلى أبيه بلام التمليك بخلاف الوالد مع الولد وقد ذكر أصحابنا حديثين متعارضين عن سراقة عن النبي صلى الله عليه وسلم

Section V08/P229–V08/P230

أحدهما أنه قال لا يقاد الأب من ابنه ولا الابن من أبيه والثاني أنه كان يقيد الأب من ابنه ولا يقيد الابن من أبيه رواه الترمذي وهذان الحديثان أما الحديث الأول لا نعرفه ولم نجده في كتب السنن المشهورة ولا أظن له أصلا وإن كان له أصل فهما متعارضان متدافعان يجب اطراحهما والعمل بالنصوص الواضحة الثابتة والإجماع الذي لا تجوز مخالفته مسألة قال ( ويقتل الجماعة بالواحد ) وجملته أن الجماعة إذا قتلوا واحدا فعلى كل واحد منهم القصاص إذا كان كل واحد منهم لو انفرد بفعله وجب عليه القصاص روي ذلك عن عمر وعلي والمغيرة وابن شعبة وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وأبو سلمة وعطاء وقتادة وهو مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي وحكي عن أحمد رواية أخرى لا يقتلون به وتجب عليهم الدية وهذا قول ابن الزبير والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت وعبد الله وربيعة وداود وابن المنذر وحكاه ابن أبي موسى عن ابن عباس وروي عن معاذ بن جبل وابن الزبير وابن سيرين والزهري أنه يقتل منهم واحد ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية لأن كل واحد منهم مكافىء له فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد كما لا تجب ديات لمقتول واحد ولأن الله تعالى قال الحر بالحر البقرة 178 وقال وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس المائدة 45 فمقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع بدليل أن الحر لا يؤخذ بالعبد والتفاوت في العدد أولى قال ابن المنذر لا حجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم روى سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا وعن علي رضي الله عنه أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلا وعن ابن عباس أنه قتل جماعة بواحد ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف فكان إجماعا ولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد فوجبت للواحد على الجماعة كحد القذف ويفارق الدية فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدى إلى التسارع إلى القتل به فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر فصل ولا يعتبر في وجوب القصاص على المشتركين التساوي في سببه فلو جرحه رجل جرحا والآخر مائة أو جرحه أحدهما موضحة والآخر آمة أو أحدهما جائفة والآخر غير جائفة فمات كانا سواء في القصاص والدية لأن اعتبار التساوي يفضي إلى سقوط القصاص عن المشتركين إذلا يكاد جرحان يتساويان من كل وجه ولو احتمل التساوي لم يثبت الحكم لأن الشرط يعتبر العلم بوجوده ولا يكتفي باحتمال الوجود بل الجهل بوجوده كالعلم بعدمه في انتفاء الحكم ولأن الجرح الواحد يحتمل أن يموت منه دون المائة كما يحتمل أن يموت من الموضحة دون الآمة ومن غير الجائفة دون الجائفة ولأن الجراح إذا صارت نفسا سقط اعتبارها فكان حكم الجماعة كحكم الواحد ألا ترى أنه لو قطع أطرافها كلها فمات وجبت دية واحدة كما لو قطع طرفه فمات

Section V08/P230–V08/P231

فصل إذا اشترك ثلاثة في قتل رجل فقطع أحدهم يده والآخر رجله وأوضحه الثالث فمات فللولي قتل جميعهم والعفو عنهم إلى الدية فيأخذ من كل واحد ثلثها وله أن يعفو عن واحد فيأخذ منه ثلث الدية ويقتل الآخرين وله أن يعفو عن اثنين فيأخذ منهما ثلثي الدية ويقتل الثالث فإن برئت جراحة أحدهم ومات من الجرحين الآخرين فله أن يقتص من الذي برىء جرحه بمثل جرحه ويقتل الآخرين أو يأخذ منهما دية كاملة أو يقتل أحدهما ويأخذ من الآخر نصف الدية وله أن يعفو عن الذي برىء جرحه ويأخذ منه دية جرحه فإن ادعى الموضح أن جرحه برىء قبل موته وكذبه شريكاه نظرت في الولي فإن صدقه ثبت حكم البرء بالنسبة إليه فلا يملك قتله ولا مطالبته بثلث الدية وله أن يقتص منه موضحة أو يأخذ منه أرشها ولم يقبل قوله في حق شريكه لأن الأصل عدم البرء فيها لكن إذا اختار الولي القصاص فلا فائدة لهما في إنكار ذلك لأن له أن يقتلهما سواء برئت أو لم تبرأ وإن اختار الدية لم يلزمهما أكثر من ثلثيها وإن كذبه الولي حلف وله الاقتصاص منه أو مطالبته بثلث الدية ولم يكن له مطالبة شريكه بأكثر من ثلثها فإن شهد له شريكاه ببرئها لزمهما الدية كاملة لإقرارهما بوجوبها وللولي أخذها منهما إن صدقهما وإن لم يصدقهما وعفا إلى الدية لم يكن له أكثر من ثلثيها لأنه لا يدعي أكثر من ذلك وتقبل شهادتهما له إن كانا قد تابا وعدلا لأنهما لا يجران إلا أنفسهما بذلك نفعا فيسقط القصاص عنه ولا يلزمه أكثر من أرش موضحة فصل إذا قطع رجل يده من الكوع ثم قطعها آخر من المرفق ثم مات نظرت فإن كانت جراحة الأول برئت قبل قطع الثاني فالثاني هو القاتل وحده وعليه القود أو الدية كاملة إن عفا عن قتله وله قطع يد الأول أو نصف الدية وإن لم تبرأ فهما قاتلان وعليهما القصاص في النفس وإن عفا إلى الدية وجبت عليهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة هو القاتل الثاني وحده لا قصاص على الأول في النفس لأن قطع الثاني قطع سراية قطعه ومات بعد زوال جنايته فأشبه ما لو اندمل جرحه وقال مالك إن قطعه الثاني عقيب قطع الأول قتلا جميعا وإن عاش بعد قطع الأول حتى أكل وشرب ومات عقيب قطع الثاني فالثاني هو القاتل وحده وإن عاش بعدهما حتى أكل وشرب فللأولياء أن يقسموا على أيهما شاؤوا ويقتلوه ولنا إنهما قطعان لو مات بعد كل واحد منهما وحده لوجب عليه القصاص فإذا مات بعدهما وجب عليهما القصاص كما لو كان في يدين ولأن القطع الثاني لا يمنع جنايته بعده فلا يسقط حكم ما قبله كما لو كان في يدين ولا نسلم زوال جنايته ولا قطع سرايته فإن الألم الحاصل بالقطع الأول لم يزل وإنما انضم إليه الألم الثاني فضعفت النفس عن احتمالها فزهقت بهما فكل القتل بهما ويخالف الاندمال فإنه لا يبقى معه الألم الذي حصل في الأعضاء الشريفة فاختلفا فإن ادعى الأول أن جرحه اندمل فصدقه الولي سقط عنه القتل ولزمه القصاص في اليد أو نصف الدية وإن كذبه شريكه واختار الولي القصاص فلا فائدة له في تكذيبه لأن قتله واجب وإن عفا عنه إلى الدية فالقول قوله مع يمينه ولا يلزمه أكثر من نصف الدية وإن كذب الولي الأول حلف وكان له قتله لأن الأصل عدم ما ادعاه ولو ادعى الثاني اندمال جرحه فالحكم فيه كالحكم في الأول إذا ادعى ذلك مسألة قال ( وإذا قطعوا بها قطعت نظيرتها من كل واحد منهم ) وجملته أن الجماعة إذا اشتركوا في جرح موجب للقصاص وجب القصاص على جميعهم وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وقال الحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي وابن المنذر لا نقطع يدان بيد واحدة ويتعين ذلك وجها في مذهب أحمد

Section V08/P231–V08/P232

لأنه روي عنه أن الجماعة لا يقتلون بالواحد وهذا تنبيه على أن الأطراف لا تؤخذ بطرف واحد لأن الأطراف يعتبر التساوي فيها بدليل أنا لا نأخذ الصحيحة بالشلاء ولا كاملة الأصابع بناقصتها ولا أصلية بزائدة ولا زائدة بأصلية ولا يمينا بيسار ولا يسارا بيمين ولا نساوي بين الطرف والأطراف فوجب امتناع القصاص بينهما ولا يعتبر التساوي في النفس فإننا نأخذ الصحيح بالمريض وصحيح الأطراف بمقطوعها وأشلها ولأنه يعتبر في القصاص في الأطراف التساوي في نفس القطع بحيث لو قطع كل واحد من جانب لم يجب القصاص بخلاف النفس ولأن الاشتراك الموجب للقصاص في النفس يقع كثيرا فوجب القصاص زجرا عنه كيلا يتخذ وسيلة إلى كثرة القتل والاشتراك المختلف فيه لا يقع إلا في غاية الندرة فلا حاجة إلى الزجر عنه ولأن إيجاب القصاص على المشتركين في النفس يحصل به الزجر عن كل اشتراك أو عن الاشتراك المعتاد وإيجابه عن المشتركين في الطرف لا يحصل به الزجر عن الاشتراك المعتاد ولا عن شيء من الاشتراك إلا على صورة نادرة الوقوع بعيدة الوجود يحتاج في وجودها إلى تكلف فإيجاب القصاص للزجر عنها يكون منعا لشيء ممتنع بنفسه لصعوبته وإطلاقا في القطع السهل المعتاد بنفي القصاص عن فاعله وهذا لا فائدة فيه بخلاف الاشتراك في النفس يحققه أن وجوب القصاص على الجماعة بواحد في النفس والطرف على خلاف الأصل لكونه يأخد في الاستيفاء زيادة على ما فوت عليه ويخل بالتماثل المنصوص على النهي عما عداه وإنما خولف هذا الأصل في الأنفس زجرا عن الاشتراك الذي يقع القتل به غالبا ففيما عداه يجب البقاء على أصل التحريم ولأن النفس أشرف من الطرف ولا يلزم من المحافظة عليها بأخذ الجماعة بالواحد المحافظة على ما دونها بذلك ولنا ما روي أن شاهدين شهدا عند علي رضي الله عنه على رجل بالسرقة فقطع يده ثم جاءا بآخر فقال هذا هو السارق وأخطأنا في الأول فرد شهادتهما على الثاني وغرمهما دية الأول وقال لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما فأخبر أن القصاص على كل واحد منهما لو تعمدا قطع يد واحدة ولأنه أحد نوعي القصاص فتؤخذ الجماعة بالواحد كالأنفس وأما اعتبار التساوي فمثله في الأنفس فإننا نعتبر التساوي فيهما فلا نأخذ مسلما بكفار ولا حر بعبد وأما أخذ صحيح الأطراف بمقطوعها فلأن الطرف ليس هو من النفس المقتص منها وإنما بفوت تبعا ولذلك كانت ديتهما واحدة بخلاف اليد الناقصة والشلاء مع الصحيحة فإن ديتهما مختلفة وأما اعتبار التساوي في الفعل فإنما اعتبر في اليد لأنه يمكن مباشرتها بالقطع فإذا قطع كل واحد منها من جانب كان فعل كل واحد منها متميزا عن فعل صاحبه فلا يجب على إنسان قطع محل لم يقطع مثله وأما النفس فلا يمكن مباشرتها بالفعل وإنما أفعالهم في البدن فيفضي ألمه إليها فتزهق ولا يتميز ألم فعل أحدهما من ألم فعل الآخر فكانا كالقاطعين في محل واحد ولذلك لا يستوفي من الطلاف إلا في المفصل الذي قطع الجاني منه ولا يجوز تجاوزه في النفس لو قتله بجرح في بطنه أو جنبه أو غير ذلك كان الاستيفاء من العنق دون المحل الذي وقعت الجناية فيه

Section V08/P232–V08/P233

إذا ثبت هذا فإنما يجب القصاص على المشتركين في الطرف إذا اشتركوا فيه على وجه ولا يتميز فعل أحدهم عن فعل الآخر إما بأن يشهدوا عليه بما يوجب قطعه فيقطع ثم يرجعون عن الشهادة أو يكرهوا إنسانا على قطع طرف فيجب قطع المكرهين كلهم والمكره أو يلقوا صخرة على طرف إنسان فيقطعه أو يقطعوا يدا أو يقلعوا عينا بضربة واحدة أو يضعوا حديدة على مفصل ويتحاملوا عليها جميعا أو يمدوها فتبين فإن قطع كل واحد منهم من جانب أو قطع أحدهم بعض المفصل وأتمه غيره أو ضرب كل واحد ضربة أو وضعوا منشارا على مفصله ثم مدة كل واحد إليه مرة حتى بانت اليد فلا قصاص فيه لأن كل واحد منهم لم يقطع اليد ولم يشارك في قطع جميعها وإن كان قتل واحد منهم يمكن الاقتصاص بمفرده اقتص منه وهذا مذهب الشافعي مسألة قال ( وإذا قتل الأب وغيره عمدا قتل من سوى الأب ) وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وعن أحمد رواية أخرى لا قصاص على واحد منهما وهو قول أصحاب الرأي لأنه قتل تركب من موجب وغير موجب فلم يوجب كقتل العامد والخاطىء والصبي والبالغ والمجنون والعاقل ولنا أنه شارك في القتل العمد العدوان فيمن يقتل به لو انفرد بقتله فوجب عليه القصاص كشريك الأجنبي ولا نسلم أن فعل الأب غير موجب فإنه يقتضي الإيجاب لكونه تمحض عمدا عدوانا والجناية به أعظم إثما وأكثر جرما ولذلك خصه الله تعالى بالنهي عنه فقال ولا تقتلوا أولادكم ثم قال إن قتلهم كان خطأ كبيرا الإسراء 31 ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أعظم الذنب قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك فجعله أعظم الذنوب بعد الشرك ولأنه قطع الرحم التي أمر الله تعالى بصلتها ووضع الإساءة موضع الإحسان فهو أولى بإيجاب العقوبة والزجر عنه وإنما امتنع الوجوب في حق الأب لمعنى مختص بالمحل لا لقصور في السبب الموجب فلا يمتنع عمله في المحل الذي لا مانع فيه وأما شريك الخاطىء فلنا فيه منع ومع التسليم فامتناع الوجوب فيه لقصور السبب عن الإيجاب فإن فعل الخاطىء غير موجب للقصاص ولا صالح له والقتل منه ومن شريكه غير متمحض عمدا لوقوع الخطأ في الفعل الذي حصل به زهوق النفس بخلاف مسألتنا فصل وكل شريكين امتنع القصاص في حق أحدهما لمعنى فيه من غير قصور في السبب فهو في وجوب القصاص على شريكه كالأب وشريكه مثل أن يشترك مسلم وذمي في قتل عبد عمدا عدوانا فإن القصاص لا يجب على المسلم والحر ويجب على الذمي والعبد إذا قلنا بوجوبه على شريك الأب لأن امتناع القصاص عن المسلم لإسلامه وعن الحر لحريته وانتفاء مكافأة المقتول له وهذا المعنى لا يتعدى إلى فعله ولا إلى شريكه فلم يسقط القصاص عنه وقد نقل عبد الله بن أحمد قال سألت أبي رحمه الله عن حر وعبد قتلا عبدا عمدا قال أما الحر فلا يقتل بالعبد وعلى الحر نصف قيمة العبد في ماله والعبد إن شاء سيده أسلمه وإلا فداه بنصف قيمة العبد وظاهر هذا أنه لا قصاص على العبد فيخرج مثل ذلك في كل قتل شارك فيه من لا يجب عليه القصاص مسألة قال ( وإذا اشترك في القتل صبي ومجنون وبالغ لم يقتل واحد منهم وعلى العاقل ثلث الدية في ماله وعلى عاقلة كل واحد من الصبي والمجنون ثلث الدية وعتق رقبتين في أموالهما لأن عمدهما خطأ )

Section V08/P233–V08/P235

أما إذا شاركوا في القتل من لا قصاص عليه لمعنى في فعله كالصبي والمجنون فالصحيح في المذهب أنه لا قصاص عليه وبهذا قال الحسن والأوزاعي وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وهو أحد قولي الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أن القود يجب على البالغ العاقل حكاها ابن المنذر عن أحمد وحكي ذلك عن مالك وهو القول الثاني للشافعي وروي ذلك عن قتادة والزهري وحماد لأن القصاص عقوبة تجب عليه جزاء لفعله فمتى كان فعله عمدا عدوانا وجب القصاص عليه ولا ننظر إلى فعل شريكه بحال ولأنه شارك في القتل عمدا عدوانا فوجب عليه القصاص كشريك الأجنبي وذلك لأن الإنسان إنما يؤخذ بفعله لا بفعل غيره فعلى هذا يعتبر فعل الشريك منفردا فمتى تمحض عمدا عدوانا وكان المقتول مكافئا له وجب عليه القصاص وبنى الشافعي قوله على أن فعل الصبي والمجنون إذا تعمداه عمد لأنهما يقصدان القتل وإنما سقوط القصاص عنهما لمعنى فيهما وهو عدم التكليف فلم يقتض سقوطه عن شريكهما كالأبوة ولنا إنه شارك من لا مأثم عليه في فعله فلم يلزمه قصاص كشريك الخاطىء ولأن الصبي والمجنون لا قصد لهما صحيح ولهذا لا يصح إقرارهما فكان حكم فعلهما حكم الخطأ وهذا معنى قول الخرقي عمدهما خطأ أي في حكم الخطأ في انتفاء القصاص عنده ومدار ديته وحمل عاقلتهما إياها ووجوب الكفارة إذا ثبت هذا فإن الدية تجب عليهم أثلاثا على كل واحد منهم ثلثها لأن الدية بدل المحل ولذلك اختلفت باختلافه والمحل المتلف واحد فكانت ديته واحدة ولأنها تتقدر بقدره أما القصاص فإنما كمل في كل واحد لأنه جزاء الفعل وأفعالهم متعددة فتعد في حقهم وكمل في حق كل واحد كما لو قذف جماعة واحدا إلا أن الثلث الواجب على المكلف يلزم في ماله حالا لأن فعله عمد والعاقلة لا تحمل العمد وما يلزم الصبي والمجنون فعلى عاقلتهما لأن عمدها خطأ والعاقلة تحمل جناية الخطأ إذا بلغت ثلث الدية وتكون مؤجلة عاما فإن الواجب متى كان ثلث الدية كان أجله عاما ويلزم كل واحد منهما الكفارة من ماله لأن فعلهما خطأ والقاتل الخاطىء والمشارك في القتل خطأ يلزمه كفارة لأنها لا تجب بدلا عن المحل ولهذا لم تختلف وإنما وجبت تكفيرا للفعل ومحوا لأثره فوجب تكميلها كالقصاص مسألة قال ( ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر ) هذا قول عامة أهل العلم منهم النخعي والشعبي والزهري وعمر بن عبد العزيز ومالك وأهل المدينة والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وغيرهم وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال يقتل الرجل بالمرأة ويعطى أولياؤه نصف الدية أخرجه سعيد وروي مثل هذا عن أحمد وحكي ذلك عن الحسن وعطاء وحكي عنهما مثل قول الجماعة ولعل من ذهب إلى القول الثاني يحتج بقول علي رضي الله عنه ولأن عقلها نصف عقله فإذا قتل بها بقي له بقية فاستوفيت ممن قتله ولنا قوله تعالى النفس بالنفس المائدة 45 وقوله الحر بالحر البقرة 178 مع عموم سائر النصوص وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يهوديا رض رأس جارية من الأنصار وروى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والأسنان وأن الرجل يقتل بالمرأة وهو كتاب مشهور عند أهل العلم متلقى بالقبول عندهم ولأنهما شخصان يحد كل واحد منهم بقذف صاحبه فقتل كل واحد منهما بالآخر كالرجلين ولا يجب مع القصاص شيء لأنه قصاص واجب فلم يجب معه شيء على المقتص كسائر القصاص واختلاف الأبدال لا عبرة به في القصاص بدليل أن الجماعة يقتلون بالواحد والنصراني يؤخذ بالمجوسي مع اختلاف دينيهما ويؤخذ العبد بالعبد مع اختلاف قيمتهما فصل ويقتل كل واحد من الرجل والمرأة بالخنثى ويقتل بهما لأنه لا يخلو من أن يكون ذكرا أو أنثى مسألة قال ( ومن كان بينهما في النفس قصاص فهو بينهما في الجراح )

Section V08/P235–V08/P236

وجملته أن كل شخصين جرى بينهما القصاص في النفس جرى القصاص بينهما في الأطراف فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم والعبد بالعبد والذمي بالذمي والذكر بالأنثى والأنثى بالذكر ويقطع الناقص بالكامل كالعبد بالحر والكافر بالمسلم ومن لا يقتل بقتله لا يقطع طرفه بطرفه فلا يقطع مسلم بكافر ولا حر بعبد ولا ولد بولد وبهذا قال مالك والثوري والشافعي وأبو ثور وإسحاق وابن المنذر قال أبو حنيفة لا قصاص في الطرف بين مختلفي البدل فلا يقطع الكامل بالناقص ولا الناقص بالكامل ولا الرجل المرأة ولا بالمرأة بالرجل ولا الحر بالعبد ولا العبد بالحر ويقطع المسلم بالكافر والكافر بالمسلم لأن التكافؤ معتبر في الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء ولا الكاملة بالناقصة فكذا لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المرأة ولا يؤخذ طرفها بطرفه كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى ولنا إن من جرى بينهما القصاص في النفس جرى في الطرف كالحرين وما ذكروه يبطل بالقصاص في النفس فإن التكافؤ معتبر بدليل أن المسلم لا يقتل بمستأمن ثم يلزمه أن يأخذ الناقصة بالكاملة لأن المماثلة قد وجدت وزيادة فوجب أخذها بها إذا رضى المستحق كما تؤخذ ناقصة الأصابع بكاملة الأصابع وأما اليسار واليمنى فيجريان مجرى النفس لاختلاف محليهما وهذا استوى بدلهما فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعا ولا العلة فيهما ذلك مسألة قال ( وإذا قتلاه وأحدهما مخطىء والآخر متعمد فلا قود على واحد منهما وعلى العامد نصف الدية في ماله وعلى عاقلة المخطىء نصفها وعليه في ماله عتق رقبة مؤمنة ) أما المخطىء فلا قصاص عليه للكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 وقال تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به الأحزاب 5 وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وأجمع أهل العلم على أنه لا قصاص عليه وأما شريكه فأكثر أهل العلم لا يرون عليه قصاصا وبه قال النخعي والشافعي وأصحاب الرأي وروي عن أحمد أن عليه القصاص وحكي ذلك لأنه شارك في القتل عمدا عدوانا فوجب عليه القصاص كشريك العامد ولأن مؤاخذته بفعله وفعله عمد وعدوان لا عذر له فيه ولنا إنه قتل لم يتمحض عمدا فلم يوجب القصاص كشبه العمد وكما لو قتله واحد بجرحين عمدا وخطأ ولأن كل واحد من الشريكين مباشرة ومتسبب فإذا كانا عامدين فكل واحد متسبب إلى فعل موجب للقصاص فقام فعل شريكه مقام فعله لتسببه إليه وهاهنا إذا أقمنا المخطىء مقام العامد صار كأنه قتله بعمد وخطأ وهذا غير موجب فصل وهل يجب القصاص على شريك نفسه وشريك السبع فيه وجهان ذكرهما أبو عبد الله بن حامد وصورة ذلك أن يجرحه سبع ويجرحه إنسان عمدا إما قبل ذلك أو بعده فيموت منهما أو يجرح نفسه عمدا ثم يخرجه غيره عمدا فيموت منهما فهل يجب على المشارك له قصاص فيه وجهان واختلف عن الشافعي فيه وقال أصحاب الرأي لا قصاص عليه لأنه شارك من لا يجب القصاص عليه فلم يلزمه قصاص كشريك الخاطىء ولأنه قتل تركب من موجب وغير موجب فلم يوجب كالقتل الحاصل من عمد وخطأ ولأنه إذا لم يجب على شريك الخاطىء وفعله مضمون فلأن لا يجب على شريك من لا يضمن فعله أولى الوجه الثاني عليه القصاص وهو قول أبي بكر وروي عن أحمد أنه قال إذا جرحه رجل ثم جرح الرجل نفسه فمات فعلى شريكه القصاص لأنه قتل عمد متمحض فوجب القصاص على الشريك فيه كشريك الأب فأما إن جرح الرجل نفسه خطأ كأنه أراد ضرب جارحة فأصاب نفسه أو خاط جرحه فصادف اللحم الحي فلا قصاص على شريكه في أصح الوجهين وفيه وجه آخر أن عليه القصاص بناء على الروايتين في شريك الخاطىء

Section V08/P236–V08/P238

فصل فإن جرحه إنسان فتداوي بسم فمات نظرت فإن كان سم ساعة يقتل في الحال فقد قتل نفسه وقطع سراية الجرح وجرى مجرى من ذبح نفسه بعد أن جرح وننظر في الجرح فإن كان موجبا للقصاص فلوليه استيفاؤه وإن لم يكن موجبا له فلوليه الأرش وإن كان السم لا يقتل في الغالب وقد يقتل بفعل الرجل في نفسه عمد خطأ والحكم في شريكه كالحكم في شريك الخاطىء وإذا لم يجب القصاص فعلى الجارح نصف الدية وإن كان السم يقتل غالبا بعد مدة احتمل أن يكون عمد الخطأ أيضا لأنه لم يقصد القتل إنما قصد التداوي فيكون كالذي قتله واحتمل أن يكون في حكم العمد فيكون في شريكه الوجهان المذكوران في الفصل الذي قبله وإن جرح رجل فخاط جرحه أو أمر غيره فخاطه له وكان ذلك مما يجوز أن يقتل فحكمه حكم ما لو شرب سما يجوز أن يقتل على ما مضى فيه وإن خاطه غيره بغير إذنه كرها فهما قاتلان عليهما القود وإن خاطه وليه أو الإمام وهو ممن لا ولاية عليه فهما كالأجنبي وإن كان لهما عليه ولاية فلا قود عليهما لأن فعلهما جائز لهما إذ لهما مداواته فيكون ذلك خطأ وهل على الجارح القود فيه وجهان بناء على شريك الخاطىء مسألة قال ( ودية العبد قيمته وإن بلغت ديات ) أجمع أهل العلم أن في العبد الذي لا تبلغ قيمته دية الحر قيمته وإن بلغت قيمته دية الحر أو زادت عليها فذهب أحمد رحمه الله إلى أن فيه قيمته بالغة ما بلغت وإن بلغت ديات عمدا كان القتل أو خطأ سواء ضمن باليد أو بالجناية وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز وإياس بن معاوية والزهري ومكحول ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي يوسف وقال النخعي والشعبي والثوري وأبو حنيفة ومحمد لا تبلغ به دية الحر وقال أبو حنيفة ينتقص عن دية الحر دينارا أو عشرة دراهم القدر الذي يقطع به السارق وهذا إذا ضمن بالجناية وإن ضمن باليد بأن يغضب عبدا فيموت في يده فإن قيمته تجب وإن زادت على دية الحر واحتجوا بأنه ضمان آدمي فلم يزد على دية الحر كضمان الحر وذلك لأن الله تعالى لما أوجب في الحر دية لا تزيد وهو أشرف لخلوصه من نقيصة الرق كان تنبيها على دية العبد المنقوص لا يزاد عليها فنجعل مالية العبد معيارا للقدر الواجب فيه ما لم يزد على الدية فإذا زاد علمنا خطأ ذلك فنرده إلى دية الحر كأرش ما دون الموضحة يجب فيه ما تخرجه الحكومة ما لم يزد على أرش الموضحة فنرده إليها ولنا إنه مال متقوم فيضمن بكمال قيمته بالغة ما بلغت كالفرس أو مضمون بقيمته فكانت جميع القيمة كما لو ضمنه باليد ويخالف الحر فإنه ليس بمضمون بالقيمة وإنما ضمن بما قدره الشرع فلم يتجاوزه ولأن ضمان الحر ليس بضمان مال ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته وهذا ضمان مال يزيد بزيادة المالية وينقص بنقصانها فاختلفا وقد حكى أبو الخطاب عن أحمد رحمه الله رواية أخرى أنه لا يبلغ بالعبد دية الحر والمذهب الأول باب القود القود القصاص ولعله إنما سمي بذلك لأن المقتص منه في الغالب يقاد بشيء يربط فيه أو بيده إلى القتل فسمي القتل قودا لذلك مسألة قال ( ولو شق بطنه فأخرج حشوته فقطعها فأبانها منه ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الأول ولو شق بطنه ثم ضرب عنقه آخر فالثاني هو القاتل لأن الأول لا يعيش مثله والثاني قد يعيش مثله )

Section V08/P238–V08/P239

وجملته أنه إذا جنى عليه اثنان جنايتين نظرنا فإن كانت الأولى أخرجته من حكم الحياة مثل قطع حشوته أي ما في بطنه وإبانتها منه أو ذبحه ثم ضرب عنقه الثاني فالأول هو القاتل لأنه لا يبقى مع جنايته حياة فالقود عليه خاصة وعلى الثاني التعزير كما لو جنى على ميت وإن عفا الولي إلى الدية فهي على الأول وحده وإن كان جرح الأول يجوز بقاء الحياة معه مثل شق البطن من غير إبانة الحشوة أو قطع طرف ثم ضرب عنقه آخر فالثاني هو القاتل لأنه لم يخرج الأول من حكم الحياة فيكون الثاني هو المفوت لها فعليه القصاص في النفس والدية كاملة إن عفا عنه ثم ننظر في جرح الأول فإن كان موجبا للقصاص كقطع الطرف فالولي مخير بين قطع طرفه والعفو عن ديته مطلقا وإن كان لا يوجب القصاص كالجائفة ونحوها فعليه الأرش وإنما جعلنا عليه القصاص لأن فعل الثاني قطع سراية جراحة فصار كالمندمل الذي لا يسري وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه مخالفا ولو كان جرح الأول يفضي إلى الموت لا محالة إلا أنه لا يخرج به من حكم الحياة وتبقى معه الحياة المستقرة مثل خرق المعي أو أم الدماغ فضرب الثاني عنقه فالقاتل هو الثاني لأنه فوت حياة مستقرة وقيل هو في حكم الحياة بدليل أن عمر رضي الله عنه لما جرح دخل عليه الطبيب فسقاه لبنا فخرج يصلد فعلم الطبيب أنه ميت فقال اعهد إلى الناس فعهد إليهم وأوصى وجعل الخلافة إلى أهل الشورى فقبل الصحابة عهده وأجمعوا على قبول وصاياه وعهده فلما كان حكم الحياة باقيا كان الثاني مفوتا لها فكان هو القاتل كما لو قتل عليلا لا يرجى برء علته فصل إذا ألقى رجلا من شاهق فتلقاه آخر بسيف فقتله فالقصاص على من قتله لأنه فوت حياته قبل المصير إلى حال يئسوا فيها من حياته فأشبه ما لو رماه إنسان بسهم قاتل فقطع آخر عنقه قبل وقوع السهم به أو ألقى عليه صخرة فأطار آخر رأسه بالسيف قبل وقوعها عليه وبهذا قال الشافعي إن رماه من مكان يجوز أن يسلم منه وإن رماه من شاهق لا يسلم منه الواقع ففيه وجهان أحدهما كقولنا والثاني الضمان عليهما بالقصاص والدية عند سقوطه لأن كل واحد منهما سبب للإتلاف ولنا إن الرمي سبب والقتل مباشرة فانقطع حكم السبب كالدافع مع الحافر والجارح مع الذابح وكالصور التي ذكرنا وما ذكروه باطل بهذه الأصول المذكورة مسألة قال ( وإذا قطع يديه ورجليه ثم عاد فضرب عنقه قبل أن تندمل جراحه قتل ولم تقطع يده ولا رجلاه في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله والرواية الأخرى قال إنه وهل أن يفعل به كما فعل فإن عفا عنه الولي فعليه دية واحدة ) وجملة ذلك أن الرجل إذا جرح رجلا ثم ضرب عنقه قبل اندمال الجرح فالكلام في المسألة في حالين أحدهما أن يختار الولي القصاص فاختلفت الرواية عن أحمد في كيفية الاستيفاء فروى عنه لا يستوفي إلا بالسيف في العنق وبه قال عطاء والثوري وأبو يوسف ومحمد لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قود إلا بالسيف رواه ابن ماجة ولأن القصاص أحد بدلي النفس فدخل الطرف في حكم الجملة كالدية فإنه لو صار الأمر إلى الدية لم تجب إلا دية النفس ولأن القصد من القصاص في النفس تعطيل الكل وإتلاف الجملة وقد أمكن هذا بضرب العنق فلا يجوز تعديته بإتلاف أطرافه كا لو قتله بسيف كال فإنه لا يقتل بمثله والرواية الثانية عن أحمد قال إنه لأهل أن يفعل به كما فعل يعني أن للمستوفي أن يقطع أطرافه ثم يقتله

Section V08/P239–V08/P240

وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبي حنيفة وأبي ثور لقول الله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به النحل 126 وقوله سبحانه فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم البقرة 194 ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رض رأس يهودي لرضه رأس جارية من الأنصار بين حجرين ولأن الله تعالى قال والعين بالعين المائدة 45 وهذا قد قلع عينه فيجب أن تقلع عينه للآية وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه ولأن القصاص موضوع على المماثلة ولفظه مشعر به فوجب أن يستوفي منه مثل ما فعل كما لو ضرب العنق آخر غيره فأما الحديث لا قود إلا بالسيف فقال أحمد ليس إسناده بجيد الحال الثاني أن يصير الأمر إلى الدية إما بعفو الولي أو كون الفعل خطأ أو شبه عمد أو غير ذلك فالواجب دية واحدة هذا ظاهر مذهب الشافعي وقال بعضهم تجب دية الأطراف المقطوعة ودية النفس لأنه لما قطع بسراية الجرح بقتله صار كالمستقر فأشبه ما لو قتله غيره ولهذا لم يسقط القصاص فيه ولنا إنه قاتل قبل استقرار الجرح فدخل أرش الجراحة في أرش النفس كما لو سرت إلى نفسه والقصاص في الأطراف على إحدى الروايتين لا يجب وإن وجب فإن القصاص لا يشبه الدية لأن سراية الجرح لا تسقط القصاص فيه وتسقط ديته فصل ومتى قلنا له أن يستوفي بمثل ما فعل بوليه فأحب أن يقتصر على ضرب عنقه فله ذلك وهو أفضل وإن قطع أطرافه التي قطعها الجانب أو بعضها ثم عفا عن قتله فكذلك لأنه تارك بعض حقه وإن قطع بعض أطرافه ثم عفا إلى الدية لم يكن له ذلك لأن جميع ما فعل بوليه لا يجب به إلا دية واحدة فلا يجوز أن يستوفي بعضه ويستحق كمال الدية فإن فعل فله ما بقي من الدية فإن لم يبق منها شيء فلا شيء له وإن قلنا ليس له أن يستوفي إلا بضرب العنق فاستوفى منه بمثل ما فعل فقد أساء ولا شيء عليه سوى المأثم لأن فعل الجاني في الأطراف لم يوجب عليه شيئا يختص بها فكذلك فعل المستوفي إن قطع الجاني طرفا واحدا ثم عفا إلى الدية لم يكن له إلا تمامها وإن قطع ما تجب به الدية ثم عفا لم يكن له شيء وإن قطع ما يجب به أكثر من الدية ثم عفا احتمل أن يلزمه ما زاد على الدية لأنه لا يستحق أكثر من الدية وقد فعل ما يوجب أكثر منها فكانت الزيادة عليه واحتمل أن لا يلزمه شيء لأنه لو قتله لم يلزمه شيء فإذا ترك قتله وعفا عنه فأولى أن لا يلزمه شيء ولأنه فعل بعض ما فعل بوليه فلم يلزمه شيء كما لو قلنا إن له أن يستوفي مثل ما فعل به فصل فإن قطع يديه ورجليه أو جرحه جرحا يوجب القصاص إذا انفرد فسرى إلى النفس فله القصاص في النفس وهل له أن يستوفي القطع قبل القتل على روايتين ذكرهما القاضي وبناهما على الروايتين المذكورتين في المسألة إحداهما ليس له قطع الطرف وهو مذهب أبي حنيفة لأن ذلك يفضي إلى الزيادة على ما جناه الأول والقصاص يعتمد المماثلة فمتى خيف فيه الزيادة سقط كما لو قطع يده من نصف الذراع والثانية يجب القصاص في الطرف فإن مات به وإلا ضربت عنقه وهذا مذهب الشافعي لما ذكرناه في أول المسألة وذكر أبو الخطاب أنه لا يقتض منه في الطرف رواية واحدة وأنه لا يصح تخريجه على الروايتين في المسألة لإفضاء هذا إلى الزيادة بخلاف المسألة والصحيح تخريجه على الروايتين وليس هذا بزيادة لأن فوات النفس بسراية فعله وسراية فعله كفعله فأشبه ما لو قطعه ثم قتله ولأن زيادة الفعل في الصورة محتمل في الاستيفاء كما لو قتله بضربة فلم يمكن قتله في الاستيفاء إلا بضربتين

Section V08/P240–V08/P241

فصل وإن جرحه جرحا لا قصاص فيه ولا يلزم فوات الحياة به مثل أن أجافه أو أمه أو قطع يده من نصف ذراعه أو رجله من نصف ساقه فمات منه أو قطع يدا ناقصة الأصابع أو شلاء أو زائدة ويد القاطع أصلية صحيحة فالصحيح في المذهب أنه ليس له فعل وليس له أن يقتص إلا في العنق بالسيف ذكره أبو بكر والقاضي وقال غيرهما فيه رواية أخرى له أن يقتض بمثل ما فعله لأنه صار قتلا فكان له القصاص بمثل فعله كما لو رض رأسه بحجر فقتله به والصحيح الأول لأن هذا لو انفرد لم يكن فيه قصاص فلم يجز القصاص فيه مع القتل كما لو قطع يمينه ولم يكن للقاطع يمين لم يكن له أن يستوفي من يساره وفارق ما إذا رض رأسه فمات لأن ذلك الفعل قتل مفرد وهاهنا قتل وقطع والقطع لا يوجب قصاصا فبقي مجرد القتل فإذا جمع المستوفي بينهما فقد زاد قطعا لم يرد الشرع باستيفائه فيكون حراما وسواء في هذا ما إذا قطع ثم قتل عقيبه وبين ما إذا قطع فسرى إلى النفس فصل فأما قطع اليمنى ولا يمنى للقاطع أو اليد ولا يد له أو قلع العين ولا عين له فمات المجني عليه فإنه يقتل بالسيف في العنق ولا قصاص في طرفه ولا أعلم فيه خلافا لأن القصاص إنما يكون من مثل العضو المتلف وهو هاهنا معدوم ولأن القصاص فعل مثل ما فعل الجاني ولا سبيل إليه ولأنه لو قطع ثم عفا عن القتل لصار مستوفيا رجلا ممن لم يقطع له مثلها أو أذنا بدلا عن عين وهذا غير جائز وهذا يدل على فساد الوجه الثاني في الفصل الذي قبله فصل وإن قتله بغير السيف مثل أن قتله بحجر أو هدم أو تغريق أو خنق فهل يستوفي القصاص بمثل فعله فيه روايتان إحداهما له ذلك وهو قول مالك والشافعي والثانية لا يستوفي إلا بالسيف في العنق وبه قال أبو حنيفة فيما إذا قتله بمثقل الحديد على إحدى الروايتين عنده أو جرحه فمات ووجه الروايتين ما تقدم في أول المسألة ولأن هذا لا تؤمن معه الزيادة على ما فعله الجاني فلا يجب القصاص بمثل آلته كما لو قطع الطرف بآلة كالة أو مسمومة أو بالسيف فإنه لا يستوفى بمثله ولأن هذا لا يقتل به المرتد فلا يستوفي به القصاص كما لو قتله بتجريع الخمر أو بالسحر ولا تفريع على هذه الرواية فأما على الرواية الأخرى فإنه إذا فعل به مثل فعله فلم يمت قتله بالسيف وهذا أحد قولي الشافعي والقول الثاني أنه يكرر عليه ذلك الفعل حتى يموت به لأنه قتله بذلك فله قتله بمثله ولنا إنه قد فعل به مثل فعله فلم يزد عليه كما لو جرحه جرحا أو قطع منه طرفا فاستوفى منه الولي مثله فلم يمت به فإنه لا يكرر عليه الجرح بغير خلاف ويعدل إلى ضرب عنقه فكذا هاهنا فصل وإن قتله بما لا يحل لعينه مثل أن لاط به فقتله أو جرعه خمرا أو سحره لم يقتل بمثله اتفاقا ويعدل إلى القتل بالسيف وحكى أصحاب الشافعي فيمن قتله باللواط وتجريع الخمر وجها آخر أنه يدخل في دبره خشبة يقتله بها ويجرعه الماء حتى يموت ولنا إن هذا محرم لعينه فوجب العدول عنه إلى القتل بالسيف كما لو قتله بالسحر وإن حرقه فقال بعض أصحابنا لا يحرق لأن التحريق محرق لحق الله تعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يعذب بالنار إلا رب النار ولأنه داخل في عموم الخبر وهذا مذهب أبي حنيفة وقال القاضي الصحيح أن فيه روايتين كالتغريق إحداهما يحرق وهو مذهب الشافعي لما روى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه وحملوا الحديث الأول على غير القصاص في المحرق

Section V08/P241–V08/P243

فصل إذا زاد مستوفي القصاص في النفس على حقه مثل أن يقتل وليه فيقطع المقتص أطرافه أو بعضها نظرنا فإن عفا بعد قطع طرفه فعليه ضمان ما أتلف بديته وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك والشافعي وابن المنذر وأبو يوسف ومحمد لا ضمان عليه ولكن قد أساء ويعزر وسواء عفا عن القاتل أو قتله لأنه قطع طرفا من جملة استحق إتلافها فلم يضمنه كما لو قطع أصبعا من يد يستحق قطعها ولنا إنه قطع طرفا له قيمة حال القطع بغير حق فوجب عليه ضمانه كما لو عفا عنه ثم قطعه أو كما لو قطعه أجنبي فأما إن قطعه ثم قتله احتمل أن يضمنه أيضا لأنه يضمنه إذا عفا عنه فكذلك إذا لم يعف عنه لأن العفو إحسان فلا يكون موجبا للضمان واحتمل أن لا يضمنه وهو قول أبي حنيفة لأنه لو قطع متعديا ثم قتل لم يضمن الطرف فلأن يضمنه إذا كان القتل مستحقا أولى فأما القصاص فلا يجب في العرف بحال ولا نعلم في هذا خلافا لأن القصاص عقوبة تدرأ بالشبهات والشبهة هاهنا متحققة لأنه متحقق لإتلاف هذا الطرف ضمنا لاستحقاقه إتلاف الجملة ولا يلزم من سقوط القصاص أن لا تجب الدية بدليل امتناعه لعدم المكافآت فأما إن كان الجاني قطع طرفه ثم قتله فاستوفى منه بمثل فعله فقد ذكرناه فيما مضى وإن قطع طرفا غير الذي قطعه الجاني كأن قطع الجانب يده فقطع المستوفي رجله احتمل أن يكون بمنزلة ما لو قطع يده لأن ديتهما واحدة واحتمل أن تلزمه دية فقطع الرجل لأن الجاني لم يقطعها فأشبه ما لو لم يقطع يده فصل فأما إن كانت الزيادة في الاستيفاء لأنه الطرف مثل إن استحق قطع أصبع فقطع اثنتين فحكمه حكم القاطع ابتداء إن كان عقدا من مفصل أو شجه يجب في مثلها القصاص فعليه القصاص في الزيادة وإن كان خطأ أو جرحا لا يوجب القصاص مثل من يستحق موضحة فاستوفاها هاشمة فعليه أرش الزيادة إلا أن يكون ذلك بسبب من الجاني كاضطرابه حال الاستيفاء فلا شيء على المقتص لأنه حصل بفعل الجاني فإن اختلفا هل فعله خطأ أو عمدا فالقول قول المقتص مع يمينه لأن هذا مما يمكن الخطأ فيه وهو أعلم بقصده وإن قال المقتص حصل هذا باضطرابك أو فعل من جهتك فالقول قول المقتص منه لأنه منكر فإن سرى الاستيفاء الذي حصلت فيه الزيادة إلى نفس المقتص منه فمات أو إلى بعض أعضائه مثل أن قطع أصبعه فسرى إلى جميع يده أو اقتص منه بآلة كالة أو مسمومة أو في حال حر مفرط أو برد شديد فسرى فقال القاضي على المقتص نصف الدية لأنه تلف بفعلين جائز ومحرم ومضمون وغير مضمون فانقسم الواجب عليهما نصفين كما لو جرحه جرحا في حال ردته وجرحا بعد إسلامه فمات منهما وهذا كله مذهب الشافعي ويحتمل أن يلزمه ضمان السراية كلها فيما إذا اقتص بآلة مسمومة أو كالة لأن الفعل كله محرم بخلاف قطع الأصبعين فإن أحدهما مباح فصل قال القاضي ولا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان وحكاه عن أبي بكر وهو مذهب الشافعي لأنه أمر يفتقر إلى الاجتهاد ويحرم الحيف فيه فلا يؤمن الحيف مع قصد التشفي فإن استوفاه من غير حضرة السلطان وقع الموقع ويعزر لافتياته بفعل ما منع فعله ويحتمل أن يجوز الاستيفاء بغير حضور السلطان إذا كان القصاص في النفس لأن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل يقوده بنسعة فقال إن هذا قتل أخي فاعترف بقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذهب فاقتله رواه مسلم بمعناه ولأن اشتراط حضور السلطان لا يثبت إلا بنص أو إجماع أو قياس ولم يثبت ذلك ويستحب أن يحضر شاهدين لئلا يجحد المجني عليه الاستيفاء وإذا أراد المولى الاستيفاء فعلى السلطان أن يتفقد الآلة التي يستوفي بها فإن كانت كالة منعه الاستيفاء بها لئلا يعذب المقتول

Section V08/P243–V08/P244

وقد روى شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتهم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته وإن كانت مسمومة منعه الاستيفاء بها لأنها تفسد البدن وربما منعت غسله وإن عجل فاستوفى بآلة كالة أو مسمومة عزر وإن كان السيف صارما غير مسموم نظر في الولي فإن كان يحسن الاستيفاء ويكمله بالقوة والمعرفة مكنه منه لقوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا الإسراء 33 وقال عليه السلام من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين فإن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية ولأنه حق له متميز فكان له استيفاؤه بنفسه إذا أمكنه كسائر الحقوق وإن لم يحسن الاستيفاء أمره بالتوكيل لأنه عاجز عن استيفاء حقه فإن ادعى الولي المعرفة بالاستيفاء فأمكنه السلطان من ضرب عنقه فضرب عنقه فأبانه فقد استوفى حقه وإن أصاب غيره وأقر بتعمد ذلك عزر وإن قال أخطأت وكانت الضربة في موضع قريب من العنق كالرأس والمنكب قبل قوله مع يمينه لأن هذا مما يجوز الخطأ في مثله وإن كان بعيدا كالوسط والرجلين لم يقبل قوله لأن مثل هذا لا يقع الخطأ فيه ثم إن أراد العود ففيه وجهان أحدهما لا يمكن منه لأنه تبين منه أنه لا يحسن الاستيفاء ويحتمل العود إلى مثل فعله والثاني يمكن منه قاله القاضي لأن الظاهر تحرزه عن مثل ذلك ثانيا وإن كان الولي لا يحسن الاستيفاء أمره بالتوكيل فيه لأنه حقه فكان له التوكيل في استيفائه كسائر حقوقه فإن لم يجد من يوكله إلا بعوض أخذ العوض من بيت المال قال بعض أصحابنا يرزق من بيت المال رجل يستوفي الحدود والقصاص لأن هذا من المصالح العامة فإن لم يحصل ذلك فالأجرة على الجاني لأنها أجرة لإيفاء الحق الذي عليه فكانت عليه كأجرة الكيال في بيع المكيل ويحتمل أن تكون على المقتص لأنه وكيله فكانت الأجرة على موكله كسائر المواضع والذي على الجاني التمكين دون الفعل ولهذا لو أراد أن يقتص من نفسه لم يمكن منه ولأنه لو كانت عليه أجرة التوكيل للزمته أجرة الولي إذا استوفى بنفسه وإن قال الجاني أنا أقتص لك من نفسي لم يلزم تمكينه ولم يجز ذلك له لأن الله قال ولا تقتلوا أنفسكم النساء 29 ولأن معنى القصاص أن يفعل به كما فعل ولأن القصاص حق عليه لغيره فلم يجز أن يكون هو المستوفي له كالبائع لا يستوفي من نفسه فصل وإن كان القصاص لجماعة من الأولياء وتشاحوا في المتولي منهم للاستيفاء أمروا بتوكيل أحدهم أو واحد من غيرهم ولم يجز أن يتولاه جميعهم لما فيه من تعذيب الجاني وتعدد أفعالهم فإن لم يتفقوا على واحد وتشاحوا وكان كل واحد منهم يحسن الاستيفاء أقرع بينهم لأن الحقوق إذا تساوت وعدم الترجيح صرنا إلى القرعة كما لو تشاحوا في تزويج موليتهم فمن خرجت له القرعة أمر الباقون بتوكيله ولا يجوز له الاستيفاء بغير إذنهم لأن الحق لهم فلا يجوز استيفاؤه بغير إذنهم وإن لم يتفقوا على توكيل واحد منعوا الاستيفاء حتى يوكلوا مسألة قال ( وإن كانت الجراح برئت قبل قتله فعلى المعفو عنه ثلاث ديات إلا أن يريدوا القود فيقيدوا ويأخذوا من ماله ديتين ) أما إذا قطع يديه ورجليه فبرئت جراحه ثم قتله فقد استقر حكم القطع ولولي القتيل الخيار إن شاء عفا وأخذ ثلاث ديات دية لنفسه ودية ليديه ودية لرجليه وإن شاء قتله قصاصا بالقتل وأخذ ديتين لأطرافه وإن أحب قطع أطرافه الأربعة وأخذ دية لنفسه وإن أحب قطع يديه وأخذ ديتين لنفسه ورجليه وإن أحب قطع رجليه وأخذ ديتين لنفسه ويديه وإن أحب قطع طرفا واحدا وأخذ دية الباقي وإن أحب قطع ثلاثة أطراف وأخذ دية الباقي وكذلك سائر فروعها لأن حكم القطع استقر قبل القتل بالاندمال فلم يتغير حكمه بالقتل الحادث بعده كما لو قتله أجنبي ولا نعلم في هذا مخالفا

Section V08/P244–V08/P245

فصل فإن اختلف الجاني والولي في اندمال الجرح قبل القتل وكانت المدة بينهما يسيرة لا يحتمل اندماله في مثلها فالقول قول الجاني بغير يمين وإن اختلفا في مضي المدة فالقول قول الجاني مع يمينه لأن الأصل عدم مضيها وإن كانت المدة مما يحتمل البر فيها فالقول قول الولي مع يمينه لأنه قد وجد سبب وجوب الدية اليدين بقطعهما والجاني يدعي سقوط ديتهما بالقتل والأصل عدم ذلك فإن كانت للجاني بينة ببقاء المجني عليه ضمنا حتى قتله حكم له ببينته وإن كان للولي بينة ببرئه حكم له أيضا وإن تعارضتا قدمت بينة الولي لأنها مثبتة للبرء ويحتمل أن يكون القول قول الجاني إذا لم يكن لهما بينة لأن الأصل بقاء الجراحة وعدم اندمالها وإن قطع أطرافه فمات واختلفا هل برأ قبل الموت أو مات بسراية الجرح أو قال الولي إنه مات بسبب آخر كأن لدغ أو من الشجة في رأس المجني عليه ويستوفي أرش الباقي فإن كانت بقدر ثلثها فله ثلث أرش موضحة ذبح نفسه أو ذبحه غيره فالحكم فيما إذا مات بغير سبب آخر كالحكم فيما إذا قتله سواء وأما إذا مات بقتل أو سبب آخر ففيه وجهان أحدهما تقديم قول الجاني لأن الظاهر بقاء الجناية والأصل عدم سبب آخر فيكون الظاهر معه والثاني القول قول ولي الجناية لأن الأصل بقاء الديتين اللتين وجد سببهما حتى يوجد ما يزيلهما فإن كانت دعواهما بالعكس فقال الولي مات من سراية قطعك فعليك القصاص في النفس فقال الجاني بل اندملت جراحه قبل موته أو ادعى موته بسبب آخر فالقول قول الولي مع يمينه لأن الجرح سبب للموت فقد تحقق والأصل عدم الاندمال وعدم سبب آخر يحصل الزهوق به وسواء كان الجرح فيما يجب به القصاص في الطرف كقطع اليد من مفصل ولا يوجبه كالجائفة والقطع من غير مفصل وهذا كله مذهب الشافعي مسألة قال ( ولو رمى وهو مسلم كافرا عبدا فلم يقع به السهم حتى عتق وأسلم فلا قود وعليه دية حر مسلم إذا مات من سهمه ) هذا قول ابن حامد ومذهب الشافعي وقال أبو بكر يجب القود لأنه قتل مكافئا له ظلما عمدا فوجب القصاص كما لو كان حرا مسلما حال الرمي يحققه أن الاعتبار بحال الجناية بدليل ما لو رمى مسلما حيا فلم يقع به السهم حتى ارتد أو مات لم يلزمه شيء ولو رمى عبدا كافرا فلم يقع به السهم حتى عتق وأسلم فعليه دية حر مسلم وقال أبو حنيفة يلزمه في العبد دية عبد لمولاه لأن الإصابة ناشئة عن إرسال السهم فكان الاعتبار بها كحالة الجرح فأما الكافر فمذهبه أن ديته دية المسلم وأنه يقتل به المسلم وكذلك يقتل الحر بالعبد ولنا على درء القصاص أنه لم يتعد إلى نفس مكافأته له حال الرمي فلم يجب عليه قصاص كما لو رمى حربيا أو مرتدا فأسلم وعلى أبي حنيفة أنه أتلف حرا فضمنه ضمان الأحرار كما لو قصد صيدا وما قاله يبطل بما إذا رمى حيا فأصابه ميتا أو صحيحا فأصابه معيبا ولنا على أن ديته تجب لورثته دون سيده أنه إذا أسلم تجب ديته لورثته المسلمين دون الكفار وإن مات مسلما حرا فكانت ديته لورثته المسلمين كما لو كان كذلك حال رميه ولأن الميراث إنما يستحق بالموت فتعتبر حاله حينئذ لا حين سبب الموت بدليل ما لو مرض وهو عبد كافر ثم أسلم ومات بتلك العلة والواجب بدل المحل فيعتبر بالمحل الذي فات بها فيجب بقدره وقد فات بها نفس حر مسلم والقصاص جزاء الفعل فيعتبر الفعل فيه والإصابة معا لأنهما طرفاه فلذلك لم يجب القصاص بقتله

Section V08/P245–V08/P246

فصل ولم يفرق الخرقي بين كون الكافر ذميا أو غيره إلا أنه يتعين التفريق فيه فمتى رمى إلى حربى في دار الحرب فأسلم قبل وقوع الرمية به فلا دية له وفيه الكفارة لأنه رمى مندوب إليه مأمور به فأشبه ما لو قتله في دار الحرب يظنه حربيا وكان قد أسلم وكتم إسلامه وفيه رواية أخرى أن فيه الدية على عاقلة القاتل لأنه نوع خطأ فكذلك هاهنا ولو رمى مرتدا في دار الإسلام فأسلم ثم وقع السهم به ضمنه لأنه مفرط بإرسال سهمه عليه لأن قتل المرتد إلى الإمام لا إلى آحاد الناس وقتله بالسيف لا بالسهم فصل ولو رمى حربيا فتترس بمسلم فأصابه فقتله نظرنا فإن كان تترس به بعد الرمي ففيه الكفارة وفي الدية على عاقلة الرامي روايتان كالتي قبلها وإن تترس به قبل الرمي لم يجز رميه إلا أن يخاف على المسلمين فيرمي الكافر ولا يقصد المسلم فإذا قتله ففي ديته أيضا روايتان وإن رماه من غير خوف على المسلم فقتله فعليه ديته لأنه لم يجز له رميه فصل ولو قطع يد عبد ثم أعتق ومات أو يد ذمي ثم أسلم ومات ففيه وجهان أحدهما الواجب دية حر مسلم لورثته ولسيده منها أقل الأمرين من ديته أو أرش جنايته اعتبارا بحال استقرار الجناية وقال القاضي وأبو بكر تجب قيمة العبد بالغة ما بلغت مصروفة إلى السيد اعتبارا بحال الجناية لأنها الموجب للضمان فاعتبرت حال وجودها ومقتضى قولهما ضمان الذمي الذي أسلم بدية ذمي ويلزمهما على هذا أن يصرفاها إلى ورثته من أهل الذمة وهو غير صحيح لأن الدية لا تخلو من أن تكون مستحقة للمجني عليه أو لورثته فإن كانت له وجب أن تكون لورثته المسلمين كسائر أمواله وأملاكه كالذي كسبه بعد جرحه وإن كانت تحدث على ملك ورثته فورثته هم المسلمون دون الكفار فصل وإذا قطع أنف عبد قيمته ألف دينار فاندمل ثم أعتقه السيد وجبت قيمته بكمالها للسيد وإن أعتقه ثم اندمل فكذلك لأنه إنما استقر بالاندمال ما وجب بالجناية والجناية كانت في ملك سيده وإن مات من سراية الجرح فكذلك في قول أبي بكر والقاضي وهو قول المزني لأن الجناية يراعى فيها حال وجودها وقد ذكر القاضي أن أحمد نص عليه في رواية حنبل فيمن فقأ عيني عبد ثم أعتق ومات ففيه قيمته لا الدية ومقتضى قول الخرقي أن الواجب فيه دية حر وهو مذهب الشافعي لأن اعتبار الجناية بحالة الاستقرار وقد ذكرناه وتصرف إلى السيد لأنه استحق أقل الأمرين من ديته أو أرش الجرح والدية هاهنا أقل الأمرين وما ذكروه ينتقض بما إذا قطع يديه ورجليه فمات بسراية الجرح فإن الواجب دية النفس لا دية الجرح فصل وإن قطع يد عبد فأعتق ثم عاد فقطع رجله واندمل القطعان فلا قصاص في اليد لأنها قطعت في حال رقه ويجب فيها نصف قيمته أو ما نقصه القطع لسيده ويجب القصاص في الرجل التي قطعها حال حريته أو نصف الدية إن عفا عن القصاص لورثته

Questions