İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وإن اندمل قطع اليد وسرى قطع الرجل إلى نفسه ففي اليد نصف القيمة لسيده وعلى القاطع القصاص في النفس أو الدية كاملة لورثته وإن اندمل قطع الرجل وسرى قطع اليد ففي الرجل القصاص بقطعها أو نصف الدية لورثته ولا قصاص في اليد ولا في سرايتها وعلى الجاني دية حر لسيده منها أقل الأمرين من أرش القطع أو دية الحر على قول ابن حامد وعلى قول أبي بكر والقاضي تجب قيمة العبد لسيده اعتبارا بحال جنايته وإن سرى الجرحان لم يجب القصاص في النفس ولا اليد لأنه مات من جرحين موجب وغير موجب فلم يجب القصاص كما لو جرحه جرحين عمدا أو خطأ ولكن يجب القصاص في الرجل لأنه قطعها من حر فإن اقتص منه وجب نصف الدية لأنه مات من جنايته وقد استوفى منه ما يقابل نصف الدية وللسيد أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية فإن زاد نصف الدية على نصف القيمة كان الزائد للورثة وإن عفا ورثته عن القصاص فلهم أيضا نصف الدية وإن كان قاطع الرجل غير قاطع اليد واندمل الجرحان فعلى قاطع اليد نصف القيمة لسيده وعلى قاطع الرجل القصاص فيها أو نصف الدية وإن سرى الجرحان إلى نفسه فلا قصاص على الأول لأنه قطع يد عبد وعليه نصف دية الحر لأن المجني عليه حر في حال قرار الجناية وعلى الثاني القصاص في النفس إذا كان عمد القطع لأنه شارك في القتل عمدا عدوانا فهو كشريك الأب ويتخرج إلا القصاص عليه في النفس لأن الروح خرجت من سراية قطعين موجب وغير موجب بناء على شريك الأب وإن عفا عنه إلى الدية فعليه نصف دية حر وإن قلنا بوجوب القصاص في النفس خرج في وجوبه في الطرف روايتان وإن قلنا لا تجب في النفس وجب في الرجل فصل وإن قلع عين عبد ثم أعتق ثم قطع آخر يده ثم قطع آخر رجله فلا قود على الأول سواء اندمل جرحه أو سرى وأما الآخران فعليهما القود في الطرفين إن وقف قطعهما أو ديتهما إن عفا عنهما وإن سرت الجراحات كلها فعليهما القصاص في النفس لأن جنايتهما صارت نفسا وفي ذلك وفي القصاص في الطرف اختلاف وقد ذكرناه وإن عفا عنهما فعليهم الدية أثلاثا وفيما يستحقه السيد وجهان أحدهما أقل الأمرين من نصف القيمة أو ثلث الدية هذا قياس قول أبي بكر لأنه بالقطع استحق نصف القيمة فإذا صارت نفسا وجب فيها ثلث الدية فكان له أقل أمرين والثاني له أقل الأمرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية لأن الجناية إذا صارت نفسا كان الاعتبار بما آلت إليه ألا ترى أنه لو جنى الجانيان الآخران قبل العتق أيضا لم يكن على الأول إلا ثلث القيمة فلا يزيد حقه بالعتق كما لو قلع رجل عينه أيضا ثم باعه سيده ثم قطع آخر يده وآخر رجله ثم مات فإنه يكون للأول ثلث القيمة وإن كان أرش الجناية نصف القيمة فإذا قلنا بالوجه الأول فلو كان الأول قطع إصبعيه أو هشمه والجانيان في الحرية قطعا يده فالدية عليهم أثلاثا للسيد منها أقل الأمرين من أرش الأصبع وهو عشر القيمة أو ثلث الدية ولو كان الجاني في حال الرق قطع يديه والجانيان في الحرية قطعا رجليه وجبت الدية أثلاثا وكان للسيد منها أقل الأمرين من جميع قيمته أو ثلث الدية وعلى الوجه الآخر يكون له في الفرعين أقل الأمرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية فصل فإن كان الجانيان في حال الرق والواحد في حال الحرية فمات فعليهم الدية وللسيد من ذلك في أحد الوجهين أقل الأمرين من أرش الجنايتين أو ثلثي الدية وعلى الآخر أقل الأمرين من ثلثي القيمة أو ثلثي الدية فصل وإن كان الجناة أربعة واحد في الرق وثلاثة في الحرية ومات كان للسيد في أحد الوجهين الأقل من أرش الجناية أو ربع الدية وعلى الآخر الأقل من ربع القيمة أو ربع الدية
وإن كان الثلاثة في الرق والواحد في الحرية كان للسيد أقل الأمرين من أرش الجنايات وثلاثة أرباع الدية في أحد الوجهين وفي الآخر الأقل من ثلاثة أرباع القيمة أو ثلاثة أرباع الدية ولو كانوا عشرة واحد في الرق وتسعة في الحرية فالدية عليهم وللسيد فيها بحساب ما ذكرنا على اختلاف الوجهين فصل فإن قطع يده ثم أعتق فقطع آخر رجله ثم عاد الأول فقتله بعد الاندمال فعليه القصاص للورثة ونصف القيمة للسيد وعلى الآخر القصاص للورثة في الرجل أو نصف الدية فإن كان قبل الاندمال فعلى الجاني الأول القصاص في النفس دون اليد لأنه قطعها في رقه فإن اختار الورثة القصاص في النفس سقط حق السيد لأنه لا يجوز أن يستحق عليه النفس وأرش الطرف قبل الاندمال فإن الطرف داخل في النفس في الأرش وإن اختاروا العفو فعليه الدية دون أرش الطرف لأن أرش الطرف يدخل في النفس وللسيد أقل الأمرين من نصف القيمة أو أرش الطرف والباقي للورثة وأما الثاني فعليه نصف القصاص في الرجل لأن القتل قطع سرايتها فصار كما لو اندملت فإن عفا عنه فعليه القصاص في النفس وهل يقطع طرفه على روايتين فإن عفا الورثة فعليه دية واحدة وأما الأول فعليه نصف القيمة للسيد ولا قصاص عليه وإن كان القاتل ثالثا فقد استقر القطعان ويكون على الأول نصف القيمة لسيده وعلى الثاني القصاص في الرجل أو نصف الدية لورثته وعلى الثالث القصاص في النفس أو الدية فصل وإذا قطع رجل يد عبده ثم أعتقه ثم اندمل جرحه فلا قصاص عليه ولا ضمان لأنه إنما قطع يد عبده وإنما استقر بالاندمال ما وجب بالجراح وإن مات بعد العتق بسراية الجرح فلا قصاص فيه لأن الجناية كانت على مملوكه وفي وجود الضمان وجهان أحدهما لا يجب شيء لأنه مات بسراية جرح غير مضمون أشبه ما لو مات بسراية القطع في الحد وسراية القود ولأنا تبينا أن القطع كان قتلا فيكون قاتلا لعبده فلا يلزمه ضمانه كما لو لم يعتقه والثاني يضمنه بما زاد على أرش القطع من الدية لأنه مات وهو حر بسراية قطع عدوان فيضمن كما لو كان القاطع أجنبيا لكن يسقط أرش القطع لأنه في ملكه ويجب الزائد لورثته فإن لم يكن له وارث سواه وجبت لبيت المال ولا يرث السيد شيئا لأن القاتل لا يرث مسألة قال ( وإذا قتل رجل اثنين واحدا بعد واحد فاتفق أولياء الجميع على القود أقيد لهما وإن أراد ولي الأول القود والثاني الدية أقيد للأول وأعطي أولياء الثاني الدية من ماله وكذلك إن أراد أولياء الأول الدية والثاني القود ) وجملة ذلك أنه إذا قتل اثنين فاتفق أولياؤهما على قتله بهما قتل بهما وإن أراد أحدهما القود والآخر الدية قتل لمن أراد القود وأعطى أولياء الثاني الدية من ماله سواء كان المختار للقود الثاني أو الأول وسواء قتلهما دفعة واحدة أو دفعتين فإن بادر أحدهما فقتله وجب للآخر الدية في ماله أيهما كان وقال أبو حنيفة ومالك يقتل بالجماعة ليس لهم إلا ذلك فإن طلب بعضهم الدية فليس له وإن بادر أحدهم فقتل سقط حق الباقين لأن الجماعة لو قتلوا واحدا قتلوا به فكذلك إذا قتلهم واحد قتل بهم كالواحد بالواحد وقال الشافعي لا يقتل إلا بواحد سواء اتفقوا على طلب القصاص أو لم يتفقوا لأنه إذا كان لكل واحد استيفاء القصاص فاشتراكهم في المطالبة لا يوجب تداخل حقوقهم كسائر الحقوق ولنا على أبي حنيفة قول النبي صلى الله عليه وسلم فمن قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل فظاهر هذا أن أهل كل قتيل يستحقون ما اختاروه من القتل أو الدية فإذا اتفقوا على القتل وجب لهم وإن اختار بعضهم الدية وجب له بظاهر الخبر ولأنهما جنايتان لا يتداخلان إذا كانتا خطأ أو أحدهما فلم يتداخلا في العمد كالجنايات على الأطراف وقد سلموها
ولنا على الشافعي أنه محل تعلق به حقان لا يتسع لهما معا رضى المستحقان به عنهما فيكتفي به كما لو قتل عبد عبدين خطأ فرضي بأخذه عنهما ولأنهما رضيا بدون حقهما فجاز كما لو رضي صاحب الصحيحة بالشلاء أو ولي الحر بالعبد وولي المسلم بالكافر وفارق ما إذا كان القتل خطأ فإن الجناية تجب في الذمة والذمة تتسع لحقوق كثيرة وما ذكره مالك وأبو حنيفة فليس بصحيح فإن الجماعة قتلوا بالواحد لئلا يؤدي الاشتراك إلى إسقاط القصاص تغليظا للقصاص ومبالغة في الزجر وفي مسألتنا ينعكس هذا فإنه إذا علم أن القصاص واجب عليه بقتل واحد وإن قتل الثاني والثالث لا يزداد به عليه حق بادر إلى قتل من يريد قتله وفعل ما يشتهي فعله فيصير هذا كإسقاط القصاص عنه ابتداء مع الدية فصل وإن طلب كل ولي قتله بوليه مستقلا من غير مشاركة قدم الأول لأن حقه أسبق ولأن المحل صار مستحقا له بالقتل الأول فإن عفا ولي الأول فلولي الثاني قتله وإن طالب ولي الثاني قبل طلب الأول بعث الحاكم إلى ولي الأول فأعلمه وإن بادر الثاني فقتله أساء وسقط حق الأول إلى الدية وإن كان ولي الأول غائبا أو صغيرا أو مجنونا انتظر وإن عفا أولياء الجميع إلى الديات فلهم ذلك وإن قتلهم دفعة واحدة وتشاحوا في المستوفى أقرع بينهم فقدم من تقع له القرعة لتساوي حقوقهم وإن بادر غيره فقتله استوفى حقه ويسقط حق الباقين إلى الدية وإن قتلهم متفرقا وأشكل الأول أو ادعى كل ولي أنه الأول ولا بينة لهم فأقر القاتل لأحدهم قدم بإقراره وإن لم يقر أقرعنا بينهم لاستواء حقوقهم فصل وإن قطع يميني رجلين فالحكم فيه كالحكم في الأنفس على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف إلا أن أصحاب الرأي قالوا يقاد لهما جميعا ويغرم لهما دية اليد في ماله نصفين وهذا لا يصح لأنه يفضي إلى إيجاب القود في بعض العضو والدية في بعضه والجمع بين البدل والمبدل في محل واحد ولم يرد الشرع به ولا نظير له يقاس عليه فصل وإن قطع يد رجل ثم قتل آخر ثم سرى القطع إلى نفس المقطوع فمات فهو قاتل لهما فإذا تشاحا في المستوفى للقتل قتل بالذي قتله لأن وجوب القتل عليه أسبق فإن القتل بالذي قطعه إنما وجب عند السراية وهي متأخرة عن قتل الآخر وأما القطع فإن قلنا إنه يستوفي منه مثل ما فعل فإنه يقطع له أولا ثم يقتل الذي قتله ويجب للأول نصف الدية وإن قلنا لا يستوفي القطع وجبت له الدية كاملة ولم يقطع طرفه ويحتمل أن يجب له القطع على كل حال لأن القطع إنما يدخل في القتل عند استيفاء القتل فإذا تعذر استيفاء القتل وجب استيفاء الطرف لوجوب مقتضيه وعدم المانع من استيفائه كما لو لم يسر ولو كان قطع اليد لم يسر إلى النفس فإنه تقطع يده أولا ثم يقتل وسواء تقدم القطع أو تأخر وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يقتل ولا يقطع لأنه إذا قتل تلف الطرف فلا فائدة في القطع فأشبه ما لو كانا لواحد ولنا إنهما جنايتان على رجلين فلم يتداخلا كقطع يدي رجلين وما ذكره من القياس غير صحيح لأنه قد قال يد رجل ثم قتله يقصد المثلة به قطع وقتل ونحن نوافقه على هذا في رواية فقد حصل الإجماع منها ومنهما على انتفاء التداخل في الأصل فكيف يقيس عليه ولكنه ينقلب دليلا عليه فنقول قطع وقتل فيستوفى منه مثل ما فعل كما لو فعله برجل واحد يقصد المثلة به ويثبت الحكم في محل النزاع بطريق التنبيه فإنه إذا لم يتداخل حق الواحد فحق الاثنين أولى ويبطل بهذا ما قاله من المعنى
فصل وإن قطع أصبعا من يمين رجل ويمينا لآخر وكان قطع الأصبع أسبق قطعت أصبعه قصاصا وخير الآخر بين العفو إلى الدية وبين القصاص وأخذ دية الأصبع ذكره القاضي وهو اختيار ابن حامد ومذهب الشافعي لأنه وجد بعض حقه فكان له استيفاء الموجود وأخذ بدل المفقود كمن أتلف مثليا لرجل فوجد بعض المثل وقال أبو بكر يخير بين القصاص ولا شيء له معه وبين الدية هذا قياس قوله وهو مذهب أبي حنيفة لأنه لا يجمع في عضو واحد بين قصاص ودية كالنفس وإن كان قطع اليد سابقا على قطع الإصبع قطعت يمينه قصاصا ولصاحب الأصبع أرشها ويفارق هذا ما إذا قتل رجلا ثم قطع يد آخر حيث قدمنا استيفاء القطع مع تأخره لأن قطع اليد لا يمنع التكافؤ في النفس بدليل أن نأخذ كامل الأطراف بناقصها وأن ديتهما واحدة ونقص الأصبع يمنع التكافؤ في اليد بدليل أنا لا نأخذ الكاملة بالناقصة واختلاف ديتهما وإن عفا صاحب اليد قطعت الأصبع لصاحبها وإن اختار قطعها مسألة قال ( وإذا جرحه جرحا يمكن الاقتصاص منه بلا حيف اقتص منه ) وجملة ذلك أن القصاص يجري فيما دون النفس من الجروح إذا أمكن للنص والإجماع أما النص فقول الله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 وروى أنس بن مالك أن الربيع بنت النضر بن أنس كسرت ثنية جارية فعرضوا عليهم الأرش فأبوا إلا القصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال يا رسول الله تكسر ثنية الربيع والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أنس كتاب الله القصاص قال فعفا القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره متفق عليه وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن ولأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص فكان كالنفس في وجوبه فصل ويشترط لوجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء أحدها أن يكون عمدا محضا فأما الخطأ فلا قصاص فيه إجماعا ولأن الخطأ لا يوجب القصاص في النفس وهي الأصل ففيما دونها أولى ولا يجب بعمد الخطأ وهو أن يقصد ضربه بما لا يفضي إلى ذلك غالبا مثل أن يضربه بحصاة لا يوضح مثلها فتوضحه فلا يجب به القصاص لأنه شبه العمد ولا يجب القصاص إلا بالعمد المحض وقال أبو بكر يجب به القصاص ولا يراعى فيه ذلك لعموم الآية الثاني التكافؤ بين الجارح والمجروح وهو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه لو قتله كالحر المسلم مع الحر المسلم فأما من لا يقتل بقتله فلا يقتص منه فيما دون النفس له كالمسلم مع الكافر والحر مع العبد والأب مع ابنه لأنه لا تؤخذ نفسه بنفسه فلا يؤخذ طرفه بطرفه ولا يجرح بجرحه كالمسلم مع المستأمن الثالث إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة لأن الله تعالى قال وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به النحل 126 وقال فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم البقرة 194 ولأن دم الجاني معصوم إلا في قدر جنايته فما زاد عليها يبقى على العصمة فيحرم استيفاؤه بعد الجناية كتحريمه قبلها ومن ضرورة المنع من الزيادة المنع من القصاص لأنها من لوازمه فلا يمكن المنع منها إلا بالمنع منه وهذا لا خلاف فيه نعلمه وممن منع القصاص فيما دون الموضحة الحسن والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي إذا ثبت هذا فإن الجرح الذي يمكن استيفاؤه من غير زيادة هو كل جرح ينتهي إلى عظم كالموضحة في الرأس والوجه ولا نعلم في جواز القصاص في الموضحة خلافا وهي كل جرح ينتهي إلى العظم في الرأس والوجه وذلك لأن الله تعالى أوجب القصاص في الجروح فلو لم يجب هاهنا لسقط حكم الآية وفي معنى الموضحة كل جرح ينتهي إلى عظم فيما سوى الرأس والوجه كالساعد والعضد والساق والفخذ في قول أكثر أهل العلم وهو منصوص الشافعي
وقال بعض أصحابه لا قصاص فيها لأنه لا يقدر فيها وليس بصحيح لقول الله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأنه أمكن استيفاؤها بغير حيف ولا زيادة لانتهائها إلى عظم فهي كالموضحة والتقدير في الموضحة ليس هو المقتضي للقصاص ولا عدمه مانعا وإنما كان التقدير في الموضحة لكثرة شينها وشرف محلها ولهذا ما قدر ما فوقها من شجاج الرأس والوجه ولا قصاص فيه وكذلك الجائفة أرشها مقدر لا قصاص فيه فصل ولا يستوفى القصاص فيما دون النفس ولا بآلة يخشى منها الزيادة سواء كان الجرح بها أو بغيرها لأن القتل إنما استوفى بالسيف لأنه آلته وليس ثمة شيء يخشى التعدي إليه فيجب أن يستوفى ما دون النفس بآلته ويتوفى ما يخشى منه الزيادة إلى محل لا يجوز استيفاؤه ولأننا منعنا القصاص بالكلية فيما يخشى الزيادة في استيفائه فلأن نمنع الآلة التي يخشى منها ذلك أولى فإن كان الجرح موضحة أو ما أشبهها فبالموسى أو حديد ماضية معدة لذلك ولا يستوفي ذلك إلا من له علم بذلك كالجرائحي ومن أشبهه فإن لم يكن للولي علم بذلك أمر بالاستنابة وإن كان له علم فقال القاضي ظاهر كلام أحمد أنه يمكن منه لأنه أحد نوعي القصاص فيمكن من استيفائه إذا كان يحسن كالقتل ويحتمل أن لا يمكن من استيفائه بنفسه ولا يليه إلا نائب الإمام أو من يستنيبه ولي الجناية وهذا مذهب الشافعي لأنه لا يؤمن مع العداوة وقصد التشفي الحيف في الاستيفاء بما لا يمكن تلافيه وربما أفضى إلى النزاع والاختلاف بأن يدعي الجاني الزيادة وينكرها المستوفي فصل وإذا أراد الاستيفاء من موضحة وشبهها فإن كان على موضعها شعر حلقه ويعمد إلى موضع الشجة من رأس المشجوج فيعلم منه طولها بخشبة أو خيط ويضعها على رأس الشاج ويعلم طرفيه بخط بسواد أو غيره ويأخذ حديدة عرضها كعرض الشجة فيضعها في أول الشجة ويجرها إلى آخرها مثل الشجة طولا وعرضا ولا يراعي العمق لأنه حده العظم ولو روعي العمق لتعذر الاستيفاء لأن الناس يختلفون في قلة اللحم وكثرته وهذا كما يستوفي في الطرف مثله وإن اختلفا في الصغر والكبر والدقة والغلظ ويراعى الطول والعرض لأنه ممكن فإن كان رأس الشاج والمشجوج سواء استوفى قدر الشجة وإن كان رأس الشاج أصغر لكنه يتسع للشجة استوفيت إن استوعب أن رأس الشاج كله وهي بعض رأس المشجوج لأنه استوفاها بالمساحة ولا يمنع الاستيفاء زيادتها على مثل موضعها من رأس الجاني لأن الجميع رأسه وإن كان قدر الشجة يزيد على رأس الجاني فإنه يستوفي الشجة من جميع رأس الشاج ولا يجوز أن ينزل إلى جبهته لأنه يقتص في عضو آخر غير العضو الذي جنى عليه وكذلك لا ينزل إلى قفاه لما ذكرناه ولا يستوفي بقية الشجة في موضع آخر من رأسه لأنه يكون مستوفيا لموضحتين وواضعا للحديدة في غير الموضع الذي وضعها فيه الجاني واختلف أصحابنا فيماذا يصنع فذكر القاضي أن ظاهر كلام أبي بكر أنه لا أرش له فيما بقي كي لا يجتمع قصاص ودية في جرح واحد وهذا مذهب أبي حنيفة فعلى هذا يتخير بين الاستيفاء في جميع رأس الشاج ولا أرش له وبين العفو إلى دية موضحة وقال أبو عبد الله بن حامد وبعض أصحابنا له أرش ما بقي وهو مذهب الشافعي لأنه تعذر القصاص فيما جنى عليه فكان له أرشه كما لو تعذر في الجميع فعلى هذا تقدر شجة الجاني وإن زادت أو نقصت عن هذا فبالحساب من أرش الموضحة ولا يجب له أرش موضحة كاملة لئلا يفضي إلى إيجاب القصاص
ودية موضحة في موضحة واحدة فإن أوضحه في جميع رأسه ورأس الجاني أكبر فللمجني عليه أن يوضح منه بقدر مساحة موضحته من أي الطرفين شاء لأنه جنى عليه في ذلك الموضع كله وإذا استوفى قدر موضحته ثم تجاوزها واعترف أنه عمد ذلك فعليه القصاص في ذلك القدر فإذا اندملت موضحته استوفى منه القصاص في موضع الاندمال لأنه موضع الجناية وإن ادعى الخطأ فالقول قوله لأنه محتمل وهو أعلم بقصده وعليه أرش موضحة فإن قيل فهذه الموضحة كلها لو كانت عدوانا لم يجب فيها إلا دية موضحة فكيف يجب في بعضها دية موضحة قلنا لأن المستوفي لم يكن جناية إنما يجاوز الزائد والزائد لو انفرد لكان موضحة فكذلك إذا كان معه ما ليس بجناية بخلاف ما إذا كان كلها عدوانا فإن الجميع جناية واحدة فصل وإذا أوضحه في جميع رأسه ورأس الجاني أكبر فأحب أن يستوفي القصاص بعضه من مقدم الرأس أو بعضه من مؤخره احتمل أن يمنع منه لأنه يأخذ موضحتين بواحدة وديتهما مختلفة واحتمل الجواز لأنه لا يجاوز موضع الجناية ولا قدرها إلا أن يقول أهل الخبرة إن في ذلك زيادة ضرر أو شين فلا يفعل ولأصحاب الشافعي كهذين فإن كان رأس المجني عليه أكبر فأوضحه الجاني في مقدمه ومؤخره موضحتين قدرهام جميع رأس الجاني فله الخيار بين أن يوضحه موضحة واحدة في جميع رأسه أو يوضحه موضحتين يقتصر في كل واحدة منهما على قدر موضحته ولا أرش لذلك وجها واحدا لأنه ترك الاستيفاء مع إمكانه وإن عفا إلى الأرش فله أرش موضحتين وإن شاء اقتص من أحدهما وأخذ دية الأخرى فصل وإذا كانت الجناية في غير الرأس والوجه فكانت في ساعد فزادت على ساعد الجاني لم ينزل إلى الكف ولم يصعد إلى العضد وإن كانت في الساق لم ينزل إلى القدم ولم يصعد إلى الفخذ لأنه عضو آخر فلا يقتص منه كما لم ينزل من الرأس إلى الوجه ولم يصعد من الوجه إلى الرأس فصل وإذا شج في مقدم رأسه أو مؤخره عرضا شجة لا يتسع لها مثل ذلك الموضع من رأس الشاج فأراد أن يستوفي من وسط الرأس فيما بين الأذنين لكونه يتسع لمثل تلك الموضحة ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لأنه غير الموضع الذي شجه فلم يجز له الاستيفاء منه كما لو أمكنه استيفاء حقه من محل شجته واحتمل أن يجوز لأن الرأس عضو واحد فإذا لم يمكنه استيفاء حقه من محل شجته جاز من غيره كما لو شجه في مقدم رأسه شجة قدرها جميع رأى الشاج جاز إتمام استيفائها في مؤخر رأس الجاني وهذا منصوص الشافعي وهكذا يخرج فيما إذا كان الجرح في موضع من الساق والقدم والذراع والعضد وإن أمكن الاستيفاء من محل الجناية لم يجز العدول عنه وجها واحدا مسألة قال ( وكذلك إذا قطع منه طرفا من مفصل قطع منه مثل ذلك المفصل إذا كان الجاني يقاد من المجني عليه لو قتله ) أجمع أهل العلم على جريان القصاص في الأطراف وقد ثبت ذلك بقوله تعالى والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص المائدة 45 وبخبر الربيع بنت النضر بن أنس ويشترط لجريان القصاص فيها شروط خمسة أحدها أن يكون عمدا على ما أسلفناه والثاني أن يكون المجني عليه مكافئا للجاني بحيث يقاد به لو قتله والثالث أن يكون الطرف متساويا للطرف ولا يؤخذ صحيح بأشل ولا كاملة الأصابع بناقصة ولا أصلية بزائدة ولا يشترط التساوي في الدقة والغلظ والصغر والكبر والصحة والمرض لأن اعتبار ذلك يفضي إلى سقوط القصاص بالكلية والرابع الاشتراك في الاسم الخاص فلا تؤخذ يمين بيسار ولا يسار بيمين ولا أصبع بمخالفة لها ولا جفن أو شفة إلا بمثلها
والخامس إمكان الاستيفاء من غير حيف وهو أن يكون القطع من مفصل فإن كان من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع بغير خلاف نعلمه وقد روى نمر بن جابر عن أبيه أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل فاستعدى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأمر له بالدية قال إني أريد القصاص قال خذ الدية بارك الله لك فيها ولم يقض له بالقصاص رواه ابن ماجة فصل وقي قطع اليد ثمان مسائل أحدها قطع الأصابع من مفاصلها فالقصاص واجب لأن لها مفاصل ويمكن القصاص من غير حيف وإن اختار الدية فله نصفها لأن في كل أصبع عشر الدية الثانية قطعها من نصف الكف فليس له القصاص من موضع القطع لأنه ليس بمفصل فلا يؤمن الحيف فيه وإن أراد قطع الأصابع ففيه وجهان أحدهما ليس له ذلك وهذا اختيار أبي بكر لأنه يقتص من غير موضع الجناية فلم يجز كما لو كان القطع من الكوع يحققه أن امتناع قطع الأصابع إذا قطع من الكوع إنما كان لعدم المقتضي أو وجود مانع وأيهما كان فهو متحقق إذا كان القطع من نصف الكف والثاني له قطع الأصابع ذكره أصحابنا وهو مذهب الشافعي لأنه يأخذ دون حقه لعجزه عن استيفاء حقه فأشبه ما لو شجه هاشمة فاستوفى موضحة ويفارق ما إذا قطع من الكوع لأنه أمكنه استيفاء حقه فلم يجز له العدول إلى غيره وهل له حكومة في نصف الكف فيه وجهان أحدهما ليس له ذلك لأنه يجمع بين القصاص والأرش في عضو واحد فلم يجز كما لو قطع من الكوع والثاني له أرش نصف الكف لأنه حق له تعذر استيفاؤه فوجب أرشه كسائر ما هذا حاله وإن اختار الدية فله نصفها لأن قطع اليد من الكوع لا يوجب أكثر من نصف الدية فما دونه أولى الثالثة قطع من الكوع فله قطع يده من الكوع لأنه مفصل وليس له قطع الأصابع لأنه غير محل الجناية فلا يستوفى منه مع إمكان الاستيفاء من محلها الرابعة قطع من نصف الذراع فليس له أن يقطع من ذلك الموضع لأنه ليس بمفصل وقد ذكرنا الخبر الوارد فيه فله نصف الدية وحكومة في المقطوع من الذراع وهل له أن يقطع من الكوع فيه وجهان كما ذكرنا فيمن قطع من نصف الكف ومن جوز له القطع من الكوع فعنده في وجوب الحكومة لما قطع من الذراع وجهان ويخرج أيضا في جواز قطع الأصابع وجهان فإن قطع منها لم يكن له حكومة في الكف لأنه أمكنه أخذه قصاصا فلم يكن له طلب أرشه كما لو كانت الجناية مع الكوع الخامسة قطع من المرفق فلع القصاص منه لأنه مفصل وليس له القطع من الكوع لأنه أمكنه استيفاء حقه بكماله والاقتصاص من محل الجناية عليه فلم يجز له العدول إلى غيره وإن عفا إلى الدية فله دية اليد وحكومة للساعد السادسة قطعها من العضد فلا قصاص فيها في أحد الوجهين وله دية اليد وحكومة للساعد وبعض العضد والثاني له القصاص من المرفق وهل له حكومة في الزائد على وجهين وهل له القطع من الكوع يحتمل وجهين السابعة قطع من المنكب فالواجب القصاص لأنه مفصل وإن اختار الدية فله دية اليد وحكومة لما زاد الثامنة خلع عظم المنكب ويقال له مشط الكف فيرجع فيه إلى اثنين من ثقات أهل الخبرة فإن قالوا يمكن الاستيفاء من غير أن تصير جائفة استوفي وإلا صار الأمر إلى الدية وفي جواز الاستيفاء من المرفق أو ما دونه مثل ما ذكرنا في نظائره ومثل هذه المسائل في الرجل والساق كالذراع والفخذ كالعضد والورك كعظم الكتف والقدم كالكف مسألة قال ( وليس في المأمومة ولا في الجائفة قصاص )
المأمومة شجاج الرأس وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ وتسمى تلك الجلدة أم الدماغ لأنها تجمعه فالشجة الواصلة إليها تسمى مأمومة وآمة لوصولها إلى أم الدماغ والجائفة في البدن وهي التي تصل إلى الجوف وليس فيها قصاص عند أحد من أهل العلم نعلمه إلا ما روي عن ابن الزبير أنه قص من المأمومة فأنكر الناس عليه وقالوا ما سمعنا أحدا قص منها قبل ابن الزبير وممن لم ير في ذلك قصاصا مالك والشافعي وأصحاب الرأي وروي عن علي رضي الله عنه لا قصاص في المأمومة وقاله مكحول والزهري والشعبي وقال عطاء والنخعي لا قصاص في الجائفة وروى ابن ماجة في سننه عن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قود في المأمومة ولا في الجائفة ولا في المنقلة ولأنهما جرحان لا تؤمن الزيادة فيهما فلم يجب فيها قصاص ككسر العظام فصل وليس في شيء من شجاج الرأس قصاص سوى الموضحة وسواء في ذلك ما دون الموضحة كالحارصة والبازلة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق وما فوقها وهي الهاشمة والمنقلة والآمة وبهذا قال الشافعي فأما ما فوق الموضحة فلا نعلم أحدا أوجب فيها القصاص إلا ما روي عن الزبير أنه أقاد من المنقلة وليس بثابت عنه وممن قال به عطاء وقتادة وابن شبرمة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابن المنذر لا أعلم أحدا خالف ذلك ولأنهما جراحتان لا تؤمن الزيادة فيهما أشبها المأمومة والجائفة وأما ما دون الموضحة فقد روي عن مالك وأصحاب الرأي أن القصاص يجب في الدامية والباضعة والسمحاق ولنا إنها جراحة لا تنتهي إلى عظم فلم يجب فيها قصاص كالمأمومة ولأنه لا يؤمن فيها الزيادة فأشبه كسر العظام وبيان ذلك أنه إن اقتص من غير تقدير أفضى إلى أن يأخذ أكثر من حقه وإن اعتبر مقدار العمق أفضى إلى أن يقتص من الباضعة والسمحاق موضحة ومن الباضعة سمحاقا لأنه قد يكون لحم المشجوج كثيرا بحيث يكون عمق باضعته كموضحة الشاج أو سمحاقة ولأننا لم نعتبر في الموضحة قدر عمقها فكذلك في غيرها وبهذا قال الحسن وأبو عبيد فصل وإن كانت الشجة فوق الموضحة فأحب أن يقتص موضحة جاز ذلك بغير خلاف بين أصحابنا وهو مذهب الشافعي لأنه يقتص على بعض حقه ويقتص من محل جنايبته فإنه إنما يضع السكين في موضع وضعها الجاني لأن سكين الجاني وصلت إلى العظم ثم تجاوزته بخلاف قاطع الساعد فإنه لم يضع سكينه في الكوع وهل له أرش ما زاد على الموضحة فيه وجهان أحدهما ليس له ذلك وهو اختيار أبي بكر لأنه جرح واحد فلا يجمع فيه بين قصاص ودية كما لو قطع الشلاء بالصحيحة وكما في الأنفس إذا قتل المسلم بالكافر والعبد بالحر والثاني له أرش ما زاد على الموضحة اختاره ابن حامد وهو مذهب الشافعي لأنه تعذر القصاص فيه فانتقل إلى البدل كما لو قطع أصبعيه ولم يكن الاستيفاء إلا من واحدة وفارق الشلاء بالصحيحة لأن الزيادة ثم من حيث المعنى وليست متميزة بخلاف مسألتنا مسألة قال ( وتقطع الأذن بالأذن ) أجمع أهل العلم على أن الأذن تؤخذ بالأذن وذلك لقول الله تعالى والأذن بالأذن المائدة 45 ولأنها تنتهي إلى حد فاصل فأشبهت اليد وتؤخذ الكبيرة بالصغيرة وتؤخذ أذن السميع بأذن السميع وتؤخذ أذن الأصم بكل واحدة منهما لتساويهما فإن ذهاب السمع نقص في الرأس لأنه محله وليس بنقص فيهما وتؤخذ الصحيحة بالمثقوبة لأن الثقب ليس بعيب وإنما يفعل في العادة للقرط والتزين به فإن كان الثقب في غير محله أو كانت مخرومة أخذت بالصحيحة ولم تؤخذ الصحيحة بها لأن الثقب إذا انخرم صار نقصا فيها والثقب في غير محله عيب ويخير المجني عليه بين أخذ الدية إلا قدر النقص وبين أن يقتص فيما سوى المعيب ويتركه من أذن الجاني وفي وجوب الحكومة له في قدر الثقب وجهان وإن قطعت بعض أذنه فله أن يقتص من أذن الجاني وتقدير ذلك بالأجزاء فيؤخذ النصف بالنصف
والثلث بالثلث وعلى حساب ذلك وقال بعض أصحاب الشافعي لا يجزي القصاص في البعض لأنه لا ينتهي إلى حد ولنا إنه يمكن تقدير المقطوع وليس فيها كسر عظم فجرى القصاص في بعضها كالذكر وبهذا ينتقص ما ذكره فصل وتؤخذ الأذن المستحشفة بالصحيحة وهل تؤخذ الصحيحة بها فيه وجهان أحدهما لا تؤخذ بها لأنها ناقصة معيبة فلم تؤخذ بها الصحيحة كاليد الشلاء وسائر الأعضاء والثاني تؤخذ بها لأن المقصود منها جمع الصوت وحفظ محل السمع والجمال وهذا يحصل بها كحصوله بالصحيحة بخلاف سائر الأعضاء فصل وإن قطع أذنه فأبانها فألصقها صاحبها فالتصقت وثبتت فقال القاضي يجب القصاص وهو قول الثوري والشافعي وإسحاق لأنه وجب بالإبانة وقد وجدت الإبانة وقال أبو بكر لا قصاص فيها وهو قول مالك لأنها لم تبين على الدوام فلم يستحق إبانة أذن الجاني داما وإن سقطت بعد ذلك قريبا أو بعيدا فله القصاص ويرده ما أخذ وعلى قول أبي بكر إذا لم تسقط له دية الأذن وهو قول أصحاب الرأي وكذلك قول الأولين إذا اختار الدية وقال مالك لا عقل لها إذا عادت مكانها فأما إن قطع بعض أذنه فالتصق فله أرش الجرح ولا قصاص فيه وإن قطع أذن إنسان فاستوفى منه فألصق الجاني أذنه فالتصقت وطلب المجني عليه إبانتها لم يكن له ذلك لأن الإبانة قد حصلت والقصاص قد استوفي فلم يبق له قبله حق فأما إن كان المجني عليه لم يقطع جميع الإذن إنما قطع بعضها فالتصق كان للمجني عليه قطع جميعها لأنه استحق إبانة جميعها ولم يكن إبانة والحكم في السن كالحكم في الأذن فصل ومن ألصق أذنه بعد إبانتها أو سنة فهل تلزمه إبانتها فيه وجهان مبنيان على الروايتين فيما بان من الآدمي هل هو نجس أو طاهر إن قلنا هو نجس لزمته إزالتها ما لم يخف الضرر بإزالتها كما لو جبر عظمه بعظم نجس وإن قلنا بطهارتها لم تلزمه إزالتها وهو اختيار أبي بكر وقول عطاء بن أبي رباح وعطاء الخراساني وهو الصحيح لأنه جزء آدمي طاهر في حياته وموته فكان طاهرا كحالة اتصاله فأما إن قطع بعض أذنه فالتصق لم تلزمه إبانتها لأنها طاهرة على الروايتين جميعا لأنها لم تصر ميتة لعدم إبانتها ولا قصاص فيها قاله القاضي وهو مذهب الشافعي لأنه لا يمكن المماثلة في المقطوع منها مسألة قال ( والأنف بالأنف ) وأجمعوا على جريان القصاص في الأنف أيضا للآية والمعنى ويؤخذ الكبير بالصغير والأقنى بالأفطس وأنف الأشم بأنف الأخشم الذي لا يشم لأن ذلك لعلة في الدماغ والأنف صحيح كما تؤخذ أذن السميع بأذن الأصم وإن كان بأنفه جذام أخذ به الأنف الصحيح ما لم يسقط منه شيء لأن ذلك مرض فإن سقط منه شيء لم يقطع به الصحيح إلا أن يكون من أحد جانبيه فيأخذ من الصحيح مثل ما بقي منه أو يأخذ أرش ذلك والذي يجب فيه القصاص أو الدية هو المارن وهو ما لان منه دون قصبة الأنف لأن ذلك حد ينتهي إليه فهو كاليد يجب القصاص فيما انتهى إلى الكوع وإن قطع الأنف كله من القصبة فعليه القصاص في المارن وحكومة للقصبة هذا قول ابن حامد ومذهب الشافعي وفيه وجه آخر أنه لا يجب مع القصاص حكومة كي لا يجتمع في عضو واحد قصاص ودية وقياس قول أبي بكر أنه لا يجب القصاص هاهنا لأنه يضع الحديدة في غير الموضع الذي وضعها الجاني فيه فلم يملك ذلك كقوله فيمن قطع اليد من نصف الذراع أو الكف وذكر القاضي هاهنا كقول أبي بكر وفي نظائره مثل قول ابن حامد ولا يصح التفريق مع التساوي وإن قطع بعض الأنف قدر بالأجزاء وأخذ منه بقدر ذلك كقولنا في الأذن ولا يؤخذ بالمساحة لئلا يفضي إلى قطع جميع أنف الجاني لصغره ببعض أنف المجني عليه لكبره ويؤخذ المنخر الأيمن بالأيمن والأيسر بالإيسر ولا يؤخذ أيمن بأيسر ولا أيسر بأيمن ويؤخذ الحاجز بالحاجز لأنه يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى حد مسألة قال ( والذكر بالذكر )
لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن القصاص يجري في الذكر لقوله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأن له حدا ينتهي إليه ويمكن القصاص فيه من غير حيف فوجب فيه القصاص كالأنف ويستوي في ذلك الصغير والكبير والشيخ والشاب والذكر الكبير والصغير والصحيح والمريض لأن ما وجب فيه القصاص من الأطراف لم يختلف بهذه المعاني كذلك الذكر ويؤخذ كل واحد من المختون والأغلف بصاحبه لأن الغلفة زيادة تستحق إزالتها فهي كالمعدومة وأما ذكر الخصي والعنين فذكر الشريف أن غيرهما لا يؤخذ بهما وهو قول مالك لأنه لا منفعة فيهما لأن العنين لا يطأ ولا ينزل والخصي لا يولد له ولا ينزل ولا يكاد يقدر على الوطء فهما كالأشل ولأن كل واحد منهما ناقص فلا يؤخذ به الكامل كاليد الناقصة بالكاملة وقال أبو الخطاب يؤخذ غيرهما بهما في أحد الوجهين وهو مذهب الشافعي لأنهما عضوان صحيحان ينقضان وينبسطان فيؤخذ بهما غيرهما كذكر الفحل غير العنين وإنما عدم الإنزال لذهاب الخصية والعنة لعلة في الظهر فلم يمنع ذلك من القصاص بهما كأذن الأصم وأنف الأخشم وقال القاضي لا يؤخذ ذكر الفحل بالخصي لتحقق نقصه والإياس من برئه وفي أخذه بذكر العنين وجهان أحدهما يؤخذ به غيره لأنه غير مأيوس من زوال عنته ولذلك يؤجل سنة بخلاف الخصي والصحيح الأول فإذا ترددت الحال بين كونه مساويا للآخر وعدمه لم يجب القصاص لأن الأصل عدمه فلا يجب بالشك سيما وقد حكمنا بانتفاء التساوي لقيام الدليل على عنته وثبوت عيبه ويؤخذ كل واحد من الخصي والعنين بمثله لتساويهما كما يؤخذ العبد بالعبد والذمي بالذمي فصل ويؤخذ بعضه ببعضه ويعتبر ذلك بالأجزاء دون المساحة فيؤخذ النصف بالنصف والربع بالربع وما زاد أو نقص فبحسب ذلك على ما ذكرناه في الأنف والأذن مسألة قال ( والأنثيان بالأنثيين ) ويجري القصاص في الأنثيين لما ذكرنا من النص والمعنى لا نعلم فيه خلافا فإن قطع إحداهما وقال أهل الخبرة إنه ممكن أخذها مع سلامة الأخرى جاز فإن قالوا لا يؤمن تلف الأخرى لم تؤخذ خشية الحيف ويكون فيها نصف الدية وإن أمن تلف الأخرى أخذت اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى لما ذكرناه في غيرهما فصل وفي القصاص في شفري المرأة وجهان وأحدهما لا قصاص فيهما لأنه لحم لا مفصل له ينتهي إليه فلم يجب فيه قصاص كلحم الفخذين هذا قول القاضي والثاني فيهما القصاص لأن انتهائهما معروف فأشبها الشفتين وجفني العين وهذا قول أبي الخطاب ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فصل وإن قطع ذكر خنثى مشكل أو أنثييه أو شفريه فاختار القصاص لم يكن له قصاص في الحال ويقف الأمر حتى يتبين حاله لأننا لا نعلم أن المقطوع عضو أصلي وإن اختار الدية وكان يرجى انكشاف حاله أعطيناه اليقين فيكون له حكومة في المقطوع وإن كان قد قطع جميعها فله دية امرأة في الشفرين وحكومة في الذكر والأنثيين وإن يئس من انكشاف حاله أعطي نصف دية الذكر والأنثيين ونصف دية الشفرين وحكومة في نصف ذلك كله فصل يجب القصاص في الأليتين الناتئتين بين الفخذين والظهر بجانبي الدبر وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال المزني لا قصاص فيهما لأنهما لحم متصل بلحم فأشبه لحم الفخذ ولنا قوله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأن لهما حدا ينتهيان إليه فجرى القصاص فيهما كالذكر والأنثيين مسألة قال ( وتقلع العين بالعين ) أجمع أهل العلم على القصاص في العين وممن بلغنا قوله في ذلك مسروق والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي والزهري والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي عن علي رضي الله عنه والأصل فيه قول الله تعالى والعين بالعين المائدة 45 ولأنها تنتهي إلى مفصل فجرى القصاص فيها كاليد وتؤخذ عين الشاب بعين الكبير المريضة وعين الصغير بعين الكبير والأعمش ولا تؤخذ صحيحة بقائمة لأنه يأخذ أكثر من حقه
فصل فإن قلع عينه بأصبعه لم يجز أن يقتص بأصبعه لأنه لا يمكن المماثلة فيه وإن لطمه فذهب ضوء عينه لم يجز أن يقتص منه باللطمة لأن المماثلة فيها غير ممكنة ولهذا لو انفردت من إذهاب الضوء لم يجب فيها قصاص ويجب القصاص في البصر فيعالج بما يذهب ببصره من غير أن يقلع عينه كما روى يحيى بن جعدة أن أعرابيا قدم بحلوبة له إلى المدينة فساومه فيها مولى لعثمان بن عفان رضي الله عنه فنازعه فلطمه ففقأ عينه فقال له عثمان هل لك أن أضعف لك الدية وتعفو عنه فأبي فرفعهما إلى علي رضي الله عنه فدعا علي بمرآة فأحماها ثم وضع القطن على عينه الأخرى ثم أخذ المرآة بكلبتين فأدناها من عينه حتى سأل إنسان عينه وإن وضع فيها كافورا يذهب بضوئها من غير أن يجني على الحدقة جاز وإن لم يمكن إلا بالجنابة على العضو سقط القصاص لتعذر المماثلة وذكر القاضي أنه يقتص منه باللطمة فيلطمه المجني عليه مثل لطمته فإن ذهب ضوء عينه وإلا كان له أن يذهبه بما ذكرنا وهذا مذهب الشافعي وهذا لا يصح فإن اللطمة لا يقتص منها منفردة فلا يقتص منها إذا سرت إلى العين كالشجة إن كانت دون الموضحة ولأن اللطمة إذا لم تكن في العين لا يقتص منها بمثلها مع الأمن من إفساد العضو في العين فمع خوف ذلك أولى ولأنه قصاص فيما دون النفس فلم يجز بغير الآلة المعدة كالموضحة وقال القاضي لا يجب القصاص إلا أن تكون اللطمة تذهب بذلك غالبا فإن كانت لا تذهب به غالبا فذهب فهو شبه عمد لا قصاص فيه وهو قول الشافعي لأنه فعل لا يفضي إلى الفوات غالبا فلم يجب به القصاص كشبه العمد في النفس وقال أبو بكر يجب القصاص بكل حال لعموم قوله والعين بالعين المائدة 45 ولأن اللطمة إذا أسألت إنسان العين كانت بمنزلة الجرح ولا يعتبر في الجرح الإفضاء إلى التلف غالبا فصل فلو لطم عينه فذهب بصرها وابيضت وشخصت فإن أمكن معالجة عين الجاني حتى يذهب بصرها وتبيض وتشخص من غير جناية على الحدقة فعل ذلك وإن لم يمكن إلا ذهاب بعض ذلك مثل أن يذهب البصر دون أن تبيض وتشخص فعليه حكومة للذي لم يمكن القصاص فيه كما لو جرح هاشمة فإنه يقتص موضحة ويأخذ أرش باقي جرحه وعلى قول أبي بكر لا يستحق مع القصاص أرش وقال القاضي إذا اقتص منه يعني لطمه مثل لطمته فذهب ضوء عينه ولم تبيض ولم تشخص فإن أمكن معالجتها حتى تبيض وتشخص من غير ذهاب الحدقة فعله وإن تعذر ذلك فلا شيء عليه كما لو اندملت موضحة المجني عليه وحشة قبيحة وموضحة الجاني حسنة جميلة لم يجب شيء كذلك هاهنا وهذا بناه على أن اللطمة حصل بها القصاص كما حصل بجرح الموضحة وقد بينا فساد هذا فصل وإن شجه شجة دون الموضحة فأذهب ضوء عينه لم يقتص منه مثل شجته بغير خلاف نعلمه لأنها لا قصاص فيها إذا لم يذهب ضوء العين فكذلك إذا ذهب ويعالج ضوء العين بمثل ما ذكرنا في اللطمة وإن كانت الشجة فوق الموضحة فله أن يقتص موضحة وهل له أرش الزيادة عليها فيه وجهان وإن ذهب ضوء العين وإلا استعمل فيه ما يزيله من غير أن يجني على الحدقة وإن شجه موضح فله أن يقتص منها وحكم القصاص في البصر على ما ذكرنا من قبل واختلف أصحاب الشافعي في القصاص في البصر في هذه المواضع كلها فقال بعضهم لا قصاص فيه لأنه لا يجب بالسراية كما لو قطع أصبعه فسرى القطع إلى التي تليها فأذهبها عندهم وقال بعضهم يحب القصاص هاهنا قولا واحدا لأن ضوء العين لا تمكن مباشرته بالجناية فيقتص منه بالسراية كالنفس فيقتص من البصر كما ذكرنا فيما قبل هذا فصل إذا قلع الأعور عين صحيح فلا قود وعليه دية كاملة روي ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما وبه قال 6 المسيب وعطاء
وقال الحسن والنخعي إن شاء الله اقتص وأعطاه نصف دية وقال مالك إن شاء اقتص وإن شاء أخذ دية كاملة وقال مسروق والشعبي وابن سيرين وابن مغفل والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر له القصاص ولا شيء عليه وإن عفا فله نصف الدية لقول الله تعالى والعين بالعين المائدة 45 وجعل النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية ولأنها إحدى شيئين فيهما الدية فوجب القصاص ممن له واحدة أو نصف الدية كما لو قطع الأقطع يد من له يدان ولنا قول عمر رضي الله عنهما ولم نعرف لهما مخالفا في عصرهما ولأنه لم يذهب بجميع بصره فلم يجز له الاقتصاص منه بجميع بصره كما لو كان ذا عينين وأما إذا قطع يد الأقطع فلنا فيه منع ومع التسليم فالفرق بينهما أن يد الأقطع لا تقوم مقام اليدين في النفع الحاصل بهما بخلاف عين الأعور فإن النفع الحاصل بالعينين حاصل بها وكل حكم يتعلق بصحيح العينين يثبت في الأعور مثله ولهذا صح عتقه في الكفارة دون الأقطع فأما وجوب الدية كاملة عليه وهو قول مالك فلأنه لما دفع عنه القصاص مع إمكانه لفضيلته ضوعفت الدية عليه كالمسلم إذا قتل ذميا عمدا ولو قلع الأعور إحدى عيني الصحيح خطأ لم يلزمه إلا نصف الدية بغير اختلاف لعدم المعنى المقتضي لتضعيف الدية فصل ولو قلع الأعور عين مثله ففيه القصاص بغير خلاف لتساويهما من كل وجه إذا كانت العين مثل العين في كونها يمينا أو يسارا وإن عفا إلى الدية فله جميعها وكذلك إن قلعها خطأ أو عفا بعض مستحقي القصاص لأنه ذهب بجميع بصره فأشبه ما لو قلع عيني صحيح فصل وإن قلع الأعور عيني صحيح فقال القاضي هو مخير إن شاء اقتص ولا شيء له سوى ذلك لأنه قد أخذ جميع بصره فإن اختار الدية فله دية واحدة لقول النبي صلى الله عليه وسلم وفي العينين الدية لأنه لم يتعذر القصاص فلم تتضاعف الدية كما لو قطع الأشل يد صحيح أو كان رأس الشاج أصغر أو يد القاطع أنقص وقال القاضي يقتضي الفقه أن يلزمه ديتان إحداهما للعين التي تقابل عينه والدية الثانية لأجل العين الناتئة لأنها عين أعور والصحيح ما قلنا وهو قول أكثر أهل العلم وأشد موافقة للنصوص وأصح في المعنى فصل وإن قلع صحيح العينين عين أعور فله القصاص من مثلها ويأخذ نصف الدية نص عليه أحمد لأنه ذهب بجميع بصره وأذهب الضوء الذي بدله دية كاملة وقد تعذر استيفاء جميع الضوء إذ لا يمكن أخذ عينين بعين واحدة ولا أخذ يمين بيسرى فوجب الرجوع ببدل نصف الضوء ويحتمل أنه ليس له إلا القصاص من غير زيادة أو العفو على الدية كما لو قطع الأشل يدا صحيحة ولأن الزيادة هاهنا غير متميزة فلم يكن لها بدل كزيادة الصحيحة على الشلاء هذا مع عموم قوله تعالى والعين بالعين المائدة 45 فصل وإن قطع الأقطع يد من له يدان فعليه القصاص وإن قطعت رجل الأقطع أو يده فله القصاص أو نصف الدية لأن يد الأقطع لا تقوم مقام يديه في الانتفاع والبطش ولا يجزىء في العتق عن الكفارة بخلاف عين الأعور فإنها تقوم مقام عينيه جميعا وقال القاضي إن كانت المقطوعة أو لا قطعت ظلما أو قصاصا ففي الباقية نصف الدية رواية واحدة وإن كانت الأولى قطعت في سبيل الله ففي الثانية روايتان إحداهما نصف الدية والثانية دية كاملة لأنه عطل منافعه من العضوين جملة وأما إن قطع الأقطع يد من ليس بأقطع فإن قلنا إن في يد الأقطع دية كاملة فلا قصاص
وإن قلنا لا تكمل فيها الدية فالقصاص واجب فيها واللائق بالفقه ما ذكرناه أولا والتعليل بتفويت منفعة العضوين ينتقض بما إذا قطعت الأولى قصاصا والقياس على عين الأعور غير صحيح لما بينهما من الفرق فأما إن قطعت أذن من قطعت إحدى أذنيه فليس له إلا نصف الدية رواية واحدة وإن قطع هو أذن ذي أذنين وجب عليه القصاص بغير خلاف علمناه لا في المذهب ولا في غيره لأنه نفع كل أذن لا يتعلق بالأخرى فصل ويؤخذ الجفن بالجفن لقوله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأنه يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل وهذا مذهب الشافعي ويؤخذ جفن البصير بجفن البصير والضرير وجفن الضرير بكل واحد منهما لأنهما تساويا في السلامة من النقص وعدم البصر نقص في غيره لأنه يمنع أخذ أحدهما بالآخر كالأذن إذا عدم السمع منها مسألة قال ( والسن بالسن ) أجمع أهل العلم على القصاص في السن للآية وحديث الربيع ولأن القصاص فيها ممكن لأنها محدودة في نفسها فوجب فيها القصاص كالعين وتؤخذ الصحيحة بالصحيحة وتؤخذ المكسورة بالصحيحة لأنه يأخذ بعض حقه وهل يأخذ مع القصاص أرش الباقي فيه وجهان ذكرناهما فيما مضى فصل ولا يقتص إلا من سن من أثغر أي سقطت رواضعه ثم نبتت يقال لمن سقطت رواضعه ثغر فهو مثغور فإذا نبتت قيل أثغر واثغر لغتان وإن قلع سن من لم يثغر لم يقتص من الجاني في الحال وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي لأنها تعود بحكم العادة فلا يقتص منها كالشعر ثم إن عاد بدل السن في محلها مثلها على صفتها فلا شيء على الجانب كما لو قلع شعرة ثم نبتت وإن عادت مائلة عن محلها أو متغيرة عن صفتها كان عليه حكومة لأنها لو لم تعد ضمن السن فإذا عادت ناقصة ضمن ما نقص منها بالحساب ففي ثلثها ثلث ديتها وفي ربعها ربعها وعلى هذا وإن عادت والدم يسيل ففيها حكومة لأنه نقص حصل بفعله وإن مضى زمن عودها ولم تعد سئل أهل العلم بالطب فإن قالوا قد يئس من عودها فالمجني عليه بالخيار بين القصاص أو دية السن فإن مات المجني عليه قبل الإياس من عودها فلا قصاص لأن الاستحقاق له غير متحقق فيكون ذلك شبهة في درئه وتجب الدية لأن القلع موجود والعود مشكوك فيه ويحتمل أنه إذا مات قبل مجيء وقت عودها أن لا يجب شيء لأن العادة عودها فأشبه ما لو حلق شعره فمات قبل نباته فأما إن قلع سن من قد ثغر وجب القصاص له في الحال لأن الظاهر عدم عودها وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وقال القاضي يسأل أهل الخبرة فإن قالوا لا تعود فله القصاص في الحال وإن قالوا يرجى عودها إلى وقت ذكروه لم يقتص حتى يأتي ذلك الوقت وهذا قول بعض أصحاب الشافعي لأنها تحتمل العود فأشبهت سن من لم يثغر وإذا ثبت هذا فإنها إن لم تعد بعد فلا كلام وإن عادت لم يجب قصاص ولا دية وهذا قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يسقط الأرش لأن هذه السن لا تستخلف عادة فإذا عادت كانت هبة مجددة ولذلك لا ينتظر عودها في الضمان ولنا إنها سن عادت فسقط الأرش كسن من لم يثغر وندرة وجودها لا يمنع ثبوت حكمها إذا وجدت فعلى هذا إن كان أخذ الأرش رده وإن كان استوفى القصاص لم يجز قلع هذه قصاصا لأنه لم يقصد العدوان وإن عادت سن الجاني دون سن المجني عليه ففيه وجهان أحدهما لا تقلع لئلا يأخذ سنين بسن واحدة وإنما قال الله تعالى والسن بالسن المائدة 45 والثاني تقلع وإن عادت مرات لأنه قلع سنه وأعدمها فكان له إعدام سنه ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فصل وإن قلع سنا فاقتص منه ثم عادت سن المجني عليه فقلعها الجاني ثانية فلا شيء عليه لأن سن المجني عليه لما عادت وجب للجاني عليه دية سنة فلما قلعها وجب على الجاني ديتها للمجني عليه فقد وجب لكل واحد منهما دية سن فيتقاصان
مسألة قال ( وإن كسر بعضها برد من سن الجاني مثله ) وجملته أن القصاص جار في بعض السن لأن الربيع كسرت سن جارية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص ولأن ما جرى القصاص في جملته جرى في بعضه إذا أمكن كالأذن فيقدر ذلك بالأجزاء فيؤخذ النصف بالنصف والثلث بالثلث وكل جزء بمثله ولا يؤخذ ذلك بالمساحة كي لا يفضي إلى أخذ جميع سن الجاني ببعض سن المجني عليه ويكون القصاص بالمبرد ليؤمن أخذ الزيادة فإنا لو أخذناها بالكسر لم نأمن أن تنصدع أو تنقلع أو تنكسر من غير موضع القصاص ولا يقتص حتى يقول أهل الخبرة إنه يؤمن انقلاعها أو السواد فيها لأن توهم الزيادة يمنع القصاص في الأعضاء كما لو قطعت يده من غير مفصل فإن قيل فقد أجزتم القصاص في الأطراف مع توهم سرايتها إلى النفس فلم منعتم منه لتوهم السراية إلى بعض العضو قلنا وهم السراية إلى النفس لا سبيل إلى التحرز منه فلو اعتبرناه في المنع لسقط القصاص في الأطراف بالكلية فسقط اعتباره أما السراية إلى بعض العضو فتارة نقول إنما منع القصاص فيها احتمال الزيادة في الفعل لا في السراية مثل من يستوفي بعض الذراع فإنه يحتمل أن يفعل أكثر مما فعل به وكذلك من كسر سنا ولم يصدعها فكسر المتوفي سنه وصدعها أو قلعها أو كسر أكثر مما كسر فقد زاد على المثل والقصاص يعتمد المماثلة وتارة نقول إن السراية في بعض العضو إنما منع إذا كانت ظاهرة ومثل هذا يمنع في النفس ولهذا منعناه من الاستيفاء بآلة كالة أو مسمومة وفي وقت إفراط الحرارة أو البرودة تحرزا من السراية فصل ومن قلع سنا زائدة وهي التي تنبت فضلة في غير سمت الأسنان خارجة عنها إما إلى داخل الفم وإما إلى الشفة كانت للجاني مثلها في موضعها فللمجني عليه القصاص أو أخذ حكومة في سنه وإن لم يكن له مثلها في محلها فليس للمجني عليه إلا الحكومة وإن كانت إحدى الزائدتين أكبر من الأخرى ففيه وجهان أحدهما لا تؤخذ الكبرى بالصغرى لأن الحكومة فيها أكبر فلا يقلع بها ما هو أقل قيمة منها والثاني تؤخذ بها لأنهما سنان متساويان في الموضع فتؤخذ كل واحدة منهما بالأخرى كالأصليتين ولأن قول الله تعالى والسن بالسن المائدة 45 عام فيدخل فيه محل النزاع وإن قلنا يثبت القياس في الزائدتين بالاجتهاد فالثابت بالاجتهاد معتبر بما ثبت بالنص واختلاف القيمة لا يمنع القصاص بدليل جريانه بين العبيد وبين الذكر والأنثى في النفس والأطراف على أن كبر السن لا يوجب كثرة قيمتها فإن السن الزائدة نقص وعيب وكثرة العيب زيادة في النقص لا في القيمة ولأن كبر السن الأصلية لا يزيد قيمتها فالزائدة كذلك فصل ويؤخذ اللسان باللسان لقوله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأن له حدا ينتهي إليه فاقتص منه كالعين ولا نعلم في هذا خلافا ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس لأنه أفضل منه ويؤخذ الأخرس بالناطق لأنه بعض حقه ويؤخذ بعض اللسان ببعض لأنه أمكن القصاص في جميعه فأمكن في بعضه كالسن ويقدر ذلك بالأجزاء ويؤخذ منه بالحساب فصل وتؤخذ الشفة بالشفة وهي ما جاوز الذقن والخدين علوا وسفلا لقول الله تعالى والجروح قصاص المائدة 45 ولأن له حدا ينتهي إليه يمكن القصاص منه فوجب كاليدين مسألة قال ( ولا تؤخذ يمين بيسار ولا يسار بيمين ) هذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن ابن سيرين وشريك أن إحداهما تؤخذ بالأخرى لأنهما يستويان في الخلقة والمنفعة
ولنا إن كل واحدة منهما تختص باسم فلا تؤخذ إحداهما بالأخرى كاليد مع الرجل فعلى هذا كل ما انقسم إلى يمين ويسار كاليدين والرجلين والأذنين والمنخرين والثديين والأليتين والأنثيين لا تؤخذ إحداهما بالأخرى فصل وما انقسم إلى أعلى وأسفل كالجفنين والشفتين لا يؤخذ الأعلى بالأسفل ولا الأسفل بالأعلى لما ذكرنا ولا تؤخذ أصبع بأصبع إلا أن يتفقا في الاسم والموضع ولا تؤخذ أنملة بأنملة إلا أن يتفقا في ذلك ولا تؤخذ عليا بسفلى ولا وسطى والوسطى والسفلى لا تؤخذان بغيرهما ولا تؤخذ السن بالسن إلا أن يتفق موضعهما واسمهما ولا تؤخذ أصبع ولا سن أصلية بزائدة ولا زائدة بأصلية ولا زائدة بزائدة في غير محلها لما ذكرناه فصل وما لا يجوز أخذه قصاصا لا يجوز بتراضيهما واتفاقهما عليه لأن الدماء لا تستباح بالاستباحة والبذل ولذلك لو بذلها له ابتداء لا يحل أخذها ولا يحل لأحد قتل نفسه ولا قطع طرفه فلا يحل لغيره ببذله فلو تراضيا على قطع إحدى اليدين بدلا عن الأخرى فقطعها المقتص سقط القود لأن القود في الأولى بإسقاط صاحبها وفي الثانية بإذن صاحبها في قطعها ودياتهما متساوية وهذا قول أبي بكر ولذلك قال لو قطع المقتص اليد الأخرى عدوانا لسقط القصاص لأنهما تساويا في الألم والدية والاسم فتقاصا وتساقطا ولأن إيجاب القصاص يفضي إلى قطع يدي كل واحد منهما وإذهاب منفعة الجنس وإلحاق الضرر العظيم بهما جميعا ولا تفريع على هذا القول لوضوحه وكل واحد من القطعتين مضمون بسرايته لأنه عدوان وقال ابن حامد إن كان أخذها عدوانا فلكل واحد منهما القصاص على صاحبه وإن أخذها بتراضيهما فلا قصاص في الثانية لرضا صاحبها ببذلها وإذنه في قطعها وفي وجوبه في الأولى وجهان أحدهما يسقط لما ذكرنا والثاني لا يسقط لأنه رضي بتركه بعوض لم يثبت فكان له الرجوع إلى حقه كما لو باعه سلعة بخمر وقبضه إياه فعلى هذا له القصاص إلا أنه لا يقتص إلا بعد اندمال الأخرى وللجاني دية يده فإذا وجب للمجني عليه دية يده وكانت الديتان واحدة تقاصا وإن كانت إحداهما أكبر من الأخرى كالرجل مع المرأة وجب القصاص لصاحبه فصل وإذا قال المقتص للجاني أخرج يمينك لأقطعها فأخرج يساره فقطعها فعلى قول أبي بكر يجزىء ذلك سواء قطعها عالما بها أو غير عالم وعلى قول ابن حامد إن أخرجها عمدا عالما بأنها يساره وإنها لا تجزىء فلا ضمان على قاطعها ولا وقود لأنه بذلها بإخراجه لها لا سبيل على العوض وقد يقوم الفعل في ذلك مقام النطق بدليل أنه لا فرق بين قوله خذ هذا فكله وبين استدعاء ذلك منه فيعطيه إياه ويفارق هذا ما لو قطع يد إنسان وهو ساكت لأنه لم يوجد منه البذل وينظر في المقتص فإن فعل ذلك عالما بالحال عذر لأنه ممنوع منه لحق الله تعالى وهل يسقط القصاص في اليمين على وجهين أحدهما يسقط لأن قاطع اليسار تعدى بقطعها ولأنه قطع إحدى يديه فلم يملك قطع اليد الأخرى كما لو قطع يد السارق اليسرى مكان يمينه فإنه لا يملك قطع يمينه والوجه الثاني أنه لايسقط وهو مذهب الشافعي وفرقوا بين القصاص وقطع السارق من ثلاثة أوجه أحدها أن الحد مبني على الإسقاط بخلاف القصاص والثاني أن اليسار لا تقطع في السرقة وإن عدمت يمينه لأنه يفوت منفعة الجنس في الحد بخلاف القصاص
والثالث أن اليد لو سقطت بأكلة أو قصاص سقط القطع في السرقة فجاز أن يسقط بقطع اليسار بخلاف القصاص فإنه لا يسقط وينتقل إلى البدل لكن لا تقطع يمينه حتى تندمل يساره لئلا يؤدي إلى ذهاب نفسه فإن قيل أليس له قطع يمين رجل ويسار آخر لم يؤخر أحدهما إلى اندمال الآخر قلنا الفرق بينهما أن القطعين مستحقان قصاصا فلهذا جمعنا بينهما وفي مسألتنا أحدهما غير مستحق فلم نجمع بينهما فإذا اندملت اليسار قطعنا اليمين فإن سرى قطع اليسار إلى نفسه كانت هدرا ويجب في تركته دية اليمين لتعذر الاستيفاء فيها بموته وإن قال المقتص منه لم أعلم أنها اليسار أو ظننت أنها تجزىء عن اليمين نظرت في المستوفي فإن علم أنها يساره وأنها لا تكون قصاصا ضمنها بديتها ويعزر وقال بعض الشافعية عليه القصاص لأنه قطعها مع العلم بأنه ليس له قطعها ولنا إنه قطعها ببذل صاحبها فلم يجب عليه القصاص كما لو علم باذلها وإن كان جاهلا فلا تعزير عليه وعليه الضمان بالدية لأنه بذلها على وجه البذل فكانت مضمونة عليه ولأنها مضمونة لو كان القاطع عالما بها وما وجب ضمانه في العمد وجب في الخطأ كإتلاف المال والقصاص باق له في اليمين ولا تقطع حتى تندمل اليسار فإذا اندملت فله قطع اليمين فإن عفا وجب بدلها ويتقاصان وإن سرت اليسار إلى نفسه كانت مضمونة بالدية الكاملة وقد تعذر قطع اليمين ووجب له نصف الدية فيتقاصان به ويبقى نصف الدية لورثة الجاني وإن اختلفا في بذلها فقال الجاني إنما بذلتها بدلا عن اليمين وقال المجني عليه بذلتها في غير عوض أو قال أخرجتها دهشة فقال بل عالما فالقول قول الجاني لأنه أعلم بنيته ولأن الظاهر أن الإنسان لا يبذل طرفه للقطع تبرعا مع أن عليه قطعا مستحقا وهذا مذهب الشافعي وإن كان باذل اليسار مجنونا مثل أن يجن بعد وجوب القصاص عليه فعلى قاطعها ضمانها بالقصاص إن كان عالما وبالدية إن كان مخطئا لأن بذل المجنون ليس بشبهة وإن كان من له القصاص مجنونا ومن عليه القصاص عاقلا فأخرج إليه يساره أو يمينه فقطعها ذهبت هدرا لأنه لا يصح منه الاستيفاء ولا يجوز البدل له ولا ضمان عليه لأنه أتلفها ببذل صاحبها لكن إن كان المقطوع اليمنى فقد تعذر استيفاء القصاص فيها لتلفها فيكون للمجنون ديتها وإن وثب المجنون عليه فقطع يده التي لا قصاص فيها فعلى عاقلته ديتها وله القصاص في الأخرى وإن قطع الأخرى فهو مستوف حقه في أحد الوجهين لأن حقه متعين فيها فإذا أخذها قهرا سقط حقه كما لو أتلف وديعته والثاني لا يسقط حقه وله عقل يده وعقل يد الجاني على عاقلته لأن المجنون لا يصح منه الاستيفاء ويفارق الوديعة إذا أتلفها لأنها تلفت بغير تفريط وليس لها بدل إذا تلفت بذلك واليد بخلافه فإنها لو تلفت بغير تفريط كانت عليه ديتها وكذلك الصغير وكذلك الحكم فيهما إذا قتلا قاتل أبيهما عمدا وإن اقتصا من الجاني ما لا تحمله عاقلته كما دون الثلث كقطع أصبع ونحوها سقط حقهما لأن ذلك يقتضي الدية في ذمتهما ولهما في ذمة الجاني مثل ذلك فيتقاصان وإن كانت ديتهما مختلفة كالمسلم والذمي والرجل والمرأة فإن قلنا يكونان مستوفيين لحقهما بالقطع لم يبق لهما حق كما لو أتلفا وديعتهما وإن قلنا لا يكونان مستوفيين يقاص من الديتين بقدر الأدنى منهما ووجب الفضل للصبي والمجنون وإن كانت الجناية عليهما أو على وليهما خطأ تحمله العاقلة فاستوفيا القصاص لم يسقط حقهما وجها واحدا وكانت دية من استوفيا منه على عاقلتهما مؤجلة ودية الجناية عليهما أو على وليهما على عاقلة الجاني مؤجلة
فصل وسراية القود غير مضمونة ومعناه أنه إذا قطع طرفا يجب القود فيه فاستوفى منه المجني عليه ثم مات الجاني بسراية الاستيفاء لم يلزم المستوفي شيء وبهذا قال الحسن وابن سيرين ومالك والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وابن المنذر وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم وقال عطاء وطاوس وعمرو بن دينار والحارث العكلي والشعبي والنخعي والزهري وأبو حنيفة عليه الضمان قال أبو حنيفة عليه كمال الدية في ماله وقال غيره هي على عاقلته لأنه فوت نفسه ولا يستحق إلا طرفه فلزمته ديته كما لو ضرب عنقه ولأنها سراية قطع مضمون فكانت مضمونة كسراية الجناية والدليل على أنه مضمون أنه مضمون بالقطع الأول لأنه في مقابلته ولنا إن عمر وعليارضي الله عنهما قالا من مات من حد أو قصاص لا دية له ألحق قتله رواه سعيد بمعناه ولأنه قطع مستحق مقدر فلا تضمن سرايته كقطع السارق وفارق ما قاسوا عليه فإنه ليس ما فعله مستحقا إذا ثبت هذا فلا فرق بين سرايته إلى النفس بأن يموت منها أو إلى ما دونها مثل أن يقطع أصبعا فتسري إلى كفه فصل وسراية الجناية مضمونة بلا خلاف لأنها أثر الجناية والجناية مضمونة فكذلك أثرها ثم إن سرت إلى النفس وما لا يمكن مباشرته بالإتلاف مثل أن يهشمه في رأسه فيذهب ضوء عينيه وجب القصاص فيه ولا خلاف في ذلك في النفس وفي ضوء العين خلاف قد ذكرناه فيما تقدم وإن سرت إلى ما يمكن مباشرته بالإتلاف مثل إن قطع أصبعا فتآكلت أخرى وسقطت من مفصل ففيه القصاص أيضا في قول إمامنا وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وقال أكثر الفقهاء لا قصاص في الثانية وتجب ديتها لأن ما أمكن مباشرته بالجناية لا يجب القود فيه بالسراية كما لو رمى سهما فمرق منه إلى آخر ولنا إن ما وجب فيه القود بالجناية وجب بالسراية كالنفس وضوء العين ولأنه أحد نوعي القصاص فأشبه ما ذكرنا وفارق ما ذكروه فإن ذلك فعل وليس بسراية ولأنه لو قصد ضرب رجل فأصاب آخر لم يجب القصاص ولو قصد قطع إبهامه فقطع سبابته وجب القصاص ولو ضرب إبهامه فمرق إلى سبابته وجب القصاص فيهما فافترقا ولأن الثانية تلفت بفعل أوجب القصاص فوجب القصاص فيها كما لو رمى إحداهما فمرق إلى الأخرى فأما إن قطع أصبعا فشلت إلى جانبها أخرى وجب القصاص في المقطوعة حسب الأرش في الشلاء وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا قصاص فيهما ويجب أرشهما جميعا لأن حكم السراية لا ينفرد عن الجناية بدليل ما لو سرت إلى النفس فإذا لم يجب القصاص في إحداهما لم يجب في الأخرى ولنا إنها جناية موجبة للقصاص لو لم تسر فأوجبته إذا سرت كالتي تسري إلى سقوط أخرى وكما لو قطع يد حبلى فسرى إلى جنينها وبهذا يبطل ما ذكره وفارق الأصل لأن السراية مقتضية للقصاص كاقتضاء الفعل له فاستوى حكمهما وهاهنا بخلافه ولأن ما ذكره غير صحيح فإن القطع إذا سرى إلى النفس سقط القصاص في القطع ووجب في النفس فحالف حكم الجناية حكم السراية فسقط ما قاله إذا ثبت هذا فإن الأرش يجب في ماله ولا تحمله العاقلة لأنه جناية عمد وإنما لم يجب القصاص فيه لعدم المماثلة في قطع والشلل فإذا قطع إصبعه فشلت أصابعه الباقية وكفه فعفا عن القصاص وجب له نصف الدية وإن اقتص من الإصبع فله في الأصابع الباقية أربعون من الإبل ويتبعها ما حاذاها من الكف وهو أربعة أخماسه فيدخل أرشه فيها ويبقى خمس الكف فيه وجهان أحدهما يتبعها في الأرش ولا شيء فيه والثاني فيه الحكومة لأن ما يقابل الأربع تبعها في الأرش لاستوائهما في الحكم وحكم التي اقتص منها مخالف لحكم الأرش فلم يتبعها فصل ولا يجوز القصاص في الطرف إلا بعد اندمال الجرح في قول أكثر أهل العلم منهم النخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وإسحاق وأبو ثور
وروي ذلك عن عطاء والحسن وقال ابن المنذر كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى الانتظار بالجرح حتى يبرأ ويتخرج لنا أنه يجوز الاقتصاص قبل البرء بناء على قولنا إنه إذا سرى إلى النفس يفعل كما فعل وهذا قول الشافعي قال ولو سأل القود ساعة قطعت أصبعه أقدته لما روى جابر أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فقال يا رسول الله أقدني قال حتى تبرأ فأبى وعجل فاستقاد له رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيبت رجل المستقيد وبرأت رجل المستقاد منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس لك شيء عجلت رواه سعيد مرسلا ولأن القصاص من الطرف لا يسقط بالسراية فوجب أن يملكه في الحال كما لو برأ ولنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد من الجروح حتى يبرأ المجروح ورواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأن الجرح لا يدري أقتل هو أم ليس بقتل فينبغي أن ينتظر ليعلم ما حكمه فأما حديثهم فقد رواه الدارقطني وفي سياقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك ثم نهى أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه وهذه زيادة يجب قبولها وهي متأخرة عن الاقتصاص فتكون ناسخة له وفي نفس الحديث ما يدل على أن استقادته قبل البرء معصية لقوله قد نهيتك فعصيتني وما ذكروه ممنوع وهو مبني على الخلاف فصل فإن اقتص قبل الاندمال هدرت سراية الجناية وقال أبو حنيفة والشافعي بل هي مضمونة لأنها سراية جناية فكانت مضمونة كما لو لم يقتص ولنا الخبر المذكور ولأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله فبطل حقه كقاتل موروثه وبهذا فارق من لم يقتص فعلى هذا لو سرى القطعان جميعا فمات الجاني والمستوفي فهما هدر وقال أبو حنيفة يجب ضمان كل واحد منهما مضمونة ثم يتقاصان فيسقطان وقال الشافعي إن مات المجني عليه أولا ثم مات الجاني كان قصاصا لأنه مات من سراية القطع فقد مات بفعل المجني عليه وإن مات الجاني فكذلك في أحد الوجهين وفي الآخر يكون الجاني هدرا ولولي المجني عليه نصف الدية فأما إن سرى أحد القطعين دون موت صاحبه فعندنا هو هدر لا ضمان فيه وعند أبي حنيفة يجب ضمان سرايته وعند الشافعي إن سرت الجناية فهي مضمونة وإن سرى الاستيفاء لم يجب ضمانه ومبنى ذلك على ما تقدم من الخلاف فصل وإن اندمل جرح الجناية فاقتص منه ثم انتقض فسرى فسرايته مضمونة وسراية الاستيفاء غير مضمونة لأنه اقتص بعد جواز الاقتصاص فعلى هذا لو قطع يد رجل فبرأ فاقتص ثم انتقض جرح المجني عليه فمات فلوليه قتل الجاني لأنه مات من جنايته وإن عفا إلى الدية فلا شيء له لأنه استوفى بالقطع ما قيمته دية وهو يداه وإن سرى الاستيفاء لم يجب أيضا شيء لأن القصاص قد سقط بموته والدية لا يمكن إيجابها لما ذكرنا وإن كان المقطوع بالجناية يدا فوليه بالخيار بين القصاص في النفس وبين العفو إلى نصف الدية ومتى سقط القصاص بموت الجاني أو غيره وجب نصف الدية في تركة الجاني أو ماله إن كان حيا فصل ولو قطع كتابي يد مسلم فبرأ أو اقتص ثم انتقض جرح المسلم فمات فلوليه قتل الكتابي والعفو إلى أرش الجرح وفي قدره وجهان أحدهما نصف الدية لأنه قد استوفى بدل يده بالقصاص وبدلها نصف ديته فبقي له نصفها كما لو كان القاطع مسلما
والثاني له ثلاثة أرباعها لأن يد اليهودي تعدل نصف ديته وذلك ربع دية المسلم فقد استوفى ربع ديته وبقي له ثلاثة أرباعها وإن كان قطع يدي المسلم فاقتص منه ثم مات المسلم فعفا وليه إلى مال انبنى على الوجهين إن قلنا تعتبر قيمة اليهودي فله هاهنا نصف الدية وإن قلنا الاعتبار بقيمة يد المسلم فلا شيء له هاهنا لأنه قد استوفى بدل يديه وهما جميع ديته ولو كان القطع في يديه ورجليه فعفا إلى الدية لم يكن له شيء وجها واحدا لأن دية ذلك دية مسلم ولو كان الجاني امرأة على رجل فالحكم على ما ذكرنا سواء لأن ديتها نصف دية الرجل فصل إذا قطع يد رجل من الكوع ثم قطعها من المرفق فمات بسرايتهما فلوليه قتل القاطعين وليس له أن يقطع طرفيهما في أحد الوجهين وفي الآخر له قطع يد القاطع من الكوع فإن قطعها ثم عفا عنه فله نصف الدية وأما الآخر فإن كانت يده مقطوعة من الكوع فقطعها من المرفق ثم عفا فله دية إلا قدر الحكومة في الذراع ولو كانت يد القاطع من المرفق صحيحة لم يجز قطعها رواية واحدة لأنه يأخذ صحيحة بمقطوعة وإن قطع أيديهما وهما صحيحتان أو قطع رجلان يديه فقطع يديهما ثم سرت الجناية فمات من قطعهما فليس لوليه العفو على الدية لأنه قد استوفى ما قيمته دية وإن اختار قتلهما فله ذلك فصل ولا يجوز أن يقتص من حامل قبل وضعها سواء كانت حاملا وقت الجناية أو حملت بعدها قبل الاستيفاء وسواء كان القصاص في النفس أو في الطرف أما في النفس فلقول الله تعالى فلا يسرف في القتل الإسراء 33 وقتل الحامل قتل لغير القاتل فيكون إسرافا وروى ابن ماجة بإسناده عن عبد الرحمن بن غنم قال ثنا معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا وحتى تكفل ولدها وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها وهذا نص ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للغامدية المقرة بالزنا ارجعي حتى تضعي ما في بطنك ثم قال لها ارجعي حتى ترضعيه ولأن هذا إجماع من أهل العلم لا نعلم بينهم فيه اختلافا وأما القصاص في الطرف فلأننا منعنا الاستيفاء فيه خشية السراية إلى الجاني أو إلى زيادة في حقه فلأن تمنع منه خشية السراية إلى غير الجاني تفويت نفس معصومة أولى وأحرى ولأن في القصاص منها قتلا لغير الجاني وهو حرام وإذا وضعت لم تقتل حتى تسقي الولد اللبأ لأن الولد لا يعيش إلا في الغالب ثم إن لم يكن للولد من يرضعه لم يجز قتلها حتى يجيء أوان فطامه لما ذكرنا من الخبرين ولأنه لما أخر الاستيفاء لحفظه وهو حمل فلأن يؤخر لحفظه بعد وضعه أولى إلا أن يكون القصاص فيما دون النفس ويكون الغالب بقاؤها وعدم ضرره بالاستيفاء منها فيستوف وإن وجد له مرضعة راتبة جاز قتلها لأنه يستغني بلبنها وإن كانت مترددة أو جماعة يتناوبنه أو أمكن أن يسقى من لبن شاة أو نحوها جاز قتلها ويستحب للولي تأخيرها لما على الولد من الضرر لاختلاف اللبن عليه وشرب لبن البهيمة فصل وإذا ادعت الحمل ففيه وجهان أحدهما تحبس حتى يتبين حملها لأن للحمل أمارات خفية تعلمها من نفسها ولا يعلمها غيرها فوجب أن يحتاط للحمل حتى يتبين انتفاء ما ادعته ولأنه أمر يختصها فقبل قولها فيه كالحيض الثاني ذكره القاضي أنها ترى أهل الخبرة فإن شهدن بحملها أخرت وإن شهدن ببراءتها لم تؤخر لأن الحق حال عليها فلا يؤخر بمجرد دعواها فصل وإن اقتص من حامل فقد أخطأ وأخطأ السلطان الذي مكنه من الاستيفاء وعليهما الإثم إن كانا عالمين أو كان منهما تفريط وإن علم أحدهما أو فرط فالإثم عليه ثم ننظر فإن لم تلق الولد فلا ضمان فيه لأنا لم نتحقق وجوده وحياته
وإن انفصل ميتا أو حيا لوقت لا يعيش في مثله ففيه غرة وإن انفصل حيا لوقت يعيش مثله ثم مات من الجناية وجبت فيه دية وعلى من يجب ضمانه ننظر فإن كان الإمام والولي عالمين بالحمل وتحريم الاستيفاء أو جاهلين بالأمرين أو بأحدهما أو كان الولي عالما بذلك دون الممكن له من الاستيفاء فالضمان عليه وحده لأنه مباشر والحاكم الممكن له صاحب سبب ومتى اجتمع المباشر مع المتسبب كان الضمان على المباشر دون المتسبب كالحافر مع الدافع وإن علم الحاكم دون الولي فالضمان على الحاكم وحده لأن المباشر معذور فكان الضمان على المتسبب كالسيد إذا أمر عبده بالقتل والعبد أعجمي لا يعرف تحريم القتل وكشهود القصاص إذا رجعوا عن الشهادة بعد الاستيفاء وقال القاضي إن كان أحدهما عالما وحده فالضمان عليه وحده وإن كانا عالمين فالضمان على الحاكم لأنه الذي يعرف الأحكام والولي إنما يرجع إلى حكمه واجتهاده وإن كانا جاهلين ففيه وجهان أحدهما الضمان على الإمام كما لو كانا عالمين والثاني على الولي وهذا مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب الضمان على الحاكم ولم يفرق وقال المزني الضمان على الولي في كل حال لأنه المباشر والسبب غير ملجىء فكان الضمان عليه كالحافر مع الدافع وكما لو أمر من يعلم تحريم القتل به فقتل وقد ذكرنا ما يقتضي التفريق والله أعلم مسألة قال ( وإذا كان القاطع سالم الطرف والمقطوعة شلاء فلا قود ) لا نعلم أحدا من أهل العلم قال بوجوب قطع يد أو رجل أو لسان صحيح بأشل إلا ما حكي عن داود أنه أوجب ذلك لأن كل واحد منهما مسمى باسم صاحبه فيؤخذ به كالأذنين ولنا إن الشلاء لا نفع فيها سوى الجمال فلا يؤخذ بها ما فيه نفع كالصحيحة لا تؤخذ بالقائمة وما ذكر له قياس وهو لا يقول بالقياس وإذا لم نوجب القصاص في العينين مع قول الله تعالى والعين بالعين المائدة 45 لأجل تفاوتهما في الصحة والعمى فلأن لا يجب ذلك فيما لا نص فيه أولى فصل وإن قطع أذنا شلاء أو أنفا أشل فهل يؤخذ به الصحيح فيه وجهان أحدهما لا يؤخذ به كسائر الأعضاء والثاني يؤخذ به لأن نفعه لا يذهب بشلله فإن نفع الأذن جمع الصوت ورد الهوام وستر موضع السمع ونفع الأنف جمع الريح ورد الهواء أو الهوام فقد ساوى الصحيح الجمال والنفع فوجب أخذ كل واحد منهما بالآخر كالصحيح بالصحيح بخلاف اليد والرجل وللشافعي قولان كالوجهين فصل ولا تؤخذ يد كاملة الأصابع بناقصة الأصابع فلو قطع من له خمس أصابع يد من له أربع أو ثلاث أو قطع من له أربع أصابع يد من له ثلاث لم يجب القصاص لأنها فوق حقه وهل له أن يقطع من أصابع الجاني بعدد أصابعه فيه وجهان ذكرناهما فيما إذا قطع من نصف الكف وإن قطع ذو اليد الكاملة يدا فيها أصبع شلاء وباقيها صحاح لم يجز أخذ الصحيحة بها لأنه أخذ كامل بناقص وفي الاقتصاص من الأصابع الصحاح وجهان فإن قلنا له أن يقتص فله الحكومة في الشلاء وأرش ما تحتها من الكف وهل يدخل ما تحت الأصابع الصحاح في قصاصها أو تجب فيه حكومة على وجهين فصل وإن قطع اليد الكاملة ذو يد فيها إصبع زائد وجب القصاص فيها ذكره أبو عبد الله بن حامد لأن الزائدة عيب ونقص في المعنى يرد بها المبيع فلم يمنع وجودها القصاص منها كالسلعة فيها والخراج واختار القاضي أنها لا تقطع بها وهو مذهب الشافعي لأنها زيادة