Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
فقال : فلان وفلان وسماهم فقال : ليس هؤلاء من أصحابي هؤلاء أصحاب المجلس ولم يخرج كأنه رآهم عموما لا يصلحون لتخصيص علمه فلم يذهب وقته لوقتهم وكذلك العالم خلوته تعز عليه فإن وافق خصوص أصحاب آثرهم على خلوته فكان ذلك مزيدا لهم وإن هو لم يوافق لم يؤثر على خلوته غيره فيكون مناخا للبطالين ، وقد كان ابن سالم أبو الحسن يخرج إلى إخوانه ممن يراه موضعا لعلمه فيجلس إليهم ويذاكرهم وربما أدخلهم إليه نهارا أو ليلا ولعمري أن المذاكرة تكون بين النظراء والمحادثة تكون مع الإخوان والجلوس للعلم يكون للأصحاب ، والجواب عن السوال نصيب العموم ، وكان عند أهل العلم أن علمهم مخصوص لا يصلح إلا للخصوص والخصوص قليل ، ولم يكونوا ينطقون به إلا عند أهله ويرون أن ذلك من حقه وأنه واجب عليهم كما وصفهم علي كرم الله وجهه في قوله حتى يودعوه أمثالهم ويزرعوه في قلوب أشكالهم وكذلك جاءت الآثار بذلك عن نبينا صلى الله عليه وسلم وعن عيسى عليه السلام : لا تضيعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ، كونوا كالطبيب الرفيق الذي يضع الدواء في موضع الداء ، وفي لفظ آخر : من وضع الحكمة في غيرأهلها جهل ومن منعها أهلها ظلم ، إن للحكمة حقا وإن له أهلا وإن لأهلها حقا فأعط كل ذي حق حقه وفي حديث عيسى صلاة الله وسلامه عليه لا تعلقوا الجوهر في أعناق الخنازير فإن الحكمة خير من الجوهر ومن كرهها فهو شر من الخنزير ، وكان بعض هذه الطائفة يقول : نصف هذا العلم سكوت ونصفه تدري أين تضعه . وقد قال بعض العارفين : من كلم الناس بمبلغ علمه وبمقدار عقله ولم يخاطبهم بقدر حدودهم فقد بخسهم حقهم ولم يقم بحق الله عز وجل فيهم وكان يحيى بن معاذ يقول : اغرف لكل واحد من نهره واسقه بكأسه ونحن نقول بمعناه كل لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان علمه حتى تسلم منه وينتفع بك وإلاوقع الإنكار لتفاوت المعيار ، وحدثني بعض أشياخنا من هذه الطائفة عن أبي عمران وهو المزين الكبير المكي قال سمعته يقول لأبي بكر الكتابي وكان سمحا بهذا العلم بذولا له لجميع الفقراء فجعل أبو عمران يعاتبه وينهاه عن بذله له وكثرة كلامه فيه إلى أن قال : أنا منذ عشرين سنة أسأل الله تعالى أن ينسيني هذا العلم قال : ولم ؟ قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فسمعته يقول إن لكل شيء عن الله تعالى حرمة ومن أعظم الأشياء حرمة الحكمة ، فمن وضعها في غير أهلها طالبه الله تعالى بحقها ومن طالبه خصمه وقد كان بعض السلف يقول : إذا استند الرجل إلى سارية أو أحب أن يسأل فلا تجلس إليه ولا ينبغي أن يسأل ولم ير في مجالس أهل هذا العلم فيما سلف ثلاثون رجلا ولاعشرون إلا نادرا غير لزام ولا دوام إنما كانوا من الأربعة إلى العشرة وبضعة عشر ، وقد كان يجتمع في مجالس القصاص والمذكرين والواعظين مئون من عهد الحسن إلى وقتنا هذا فهذا أيضا من الفرق بينهما أن العلم مخصوص لقليل وأن القصص عام لكثير .
وقال بعض علمائنا : كان في البصرة مائة وعشرون متكلما في الذكر والوعظ ولم يكن من يتكلم في علم المعرفة واليقين والمقامات والأحوال إلاستة منهم : أبو محمد سهل والصبيحي وعبد الرحيم ، وقد قيل من لم ينتفع بسكوت العالم لم ينتفع بكلامه أي ينتغي أن يتأدب بصمته وخشوعه وورعه ويقتدي بيقينه في ذلك كما يتأدب بنطقه ويقتدى بكلامه على أنهم كانوا يقولون علم الظاهر من علم الملك وعلم الباطن من علم الملكوت يعنون أن ذلك من علم الدنيا لأنه يحتاج إليه في أمور الدنيا وهذا من علم الآخرة لأنه من زادها وهذا كما قالوه لأن اللسان ظاهر فهو من الملك وهو خزانة العلم الظاهر والقلب خزانة الملكوت وهو باب العلم الباطن فقد صار فضل العلم الباطن على الظاهر كفضل الملكوت على الملك وهو الملك الباطن الخفي وكفضل القلب على اللسان وهو الظاهر الجلي . وقد كان بشر بن الحرث رحمه الله يقول : حدثنا وأخبرنا باب من أبواب الدنيا ، وقال مرة : الحديث ليس من زاد الآخرة ، وحدثنا بعض أشياخنا عن بعض أصحابه قال : دفنا له بضعة عشر ما بين قمطر وقوصرة كتبا لم يحدث منها بشيء إلا ما سمع منه نادرا في الفرد وكان رحمه الله تعالى يقول : إني أشتهي أن أحدث ولو ذهب عني شهوة الحديث لحدثت ثم قال : أنا أجاهد نفسي منذ أربعين سنة ، وقال إذا سمعت الرجل يقول حدثنا وأخبرنا فإنما يقول أوسعوا إلي وكان زاهدا عالما وقال هو وغيره : إذا اشتهيت أن تحدث فلا تحدث وإذا لم تشته أن تحدث فحدث ، وقد كانت رابعة العدوية رحمها الله تعالى قبله تقول للثوري رضي الله عنه : نعم الرجل سفيان لولا أنه يحب الحديث ، وكانت تقول : فتنة الحديث أشد من فتنةالمال والولد وقالت مرة : لولا أنه يحب الدنيا يعني اجتماع الناس حوله للحديث ، وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول : من تزوج أو كتب الحديث أو طلب معاشا فقد ركن إلى الدنيا ، وقال بعض هذه الطائفة : كل من أدرك العلوم غير العلم بالله عز وجل فقد استدرك والذي أدرك العلم بالله فقدتدورك ثم تلاقوله تعالى : ( لولا أن تداركه نعمةمن ربه لنبذ بالعراء ) القلم : 49 ، أي تدورك بعلم المعرفة لطرح في بعد الهوى والعرا البعد وعلم المعقول بعد إلى جنب علم اليقين ، وقال أيضا في فهم قوله تعالى : ( ولولا أن ثبتناك لقدكدت تركن إليهم ) الإسراء : 74 أي ثبتناك بالمعرفة لقد كدت تسكن إلى علوم العقل .
وقال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى في قوله عز وجل : ( واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) الإسراء : 80 قال لسانا ينطق عنك لاعن سواك وفضل العلم بالله عز وجل والعلم بالإيمان وعلم اليقين على العلم بالأحكام والقضايا كفضل المشاهدة على الخبر ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ليس الخبر كالمعاينة ، وفي لفظ آخر : ليس الخبر كالمعاين ، وقد روى عياض بن غنم عن النبي صلى الله عليه وسلم : في تفسير قوله عز وجل : ( ألهاكم التكاثر ) ( علم اليقين ) التكاثر : 1 - 5 ، كرأي العين ، وفي هذا الخبر أن من خيار أمتي قوما يضحكون جهرا من سعة رحمة ربهم ويبكون سرا من خوف عذابه أقدامهم في الأرض وقلوبهم في السماء أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة يمشون بالسكينة ويتقربون بالوسيلة ، فالفتيا هي الأخبار والاستفتاء هو الاستخبار ، ومنه قوله تعالى : ( فاستفتهم ) الصافات : 11 وقوله تعالى : ( ويستفتونك ) النساء : 127 أي يستخبرونك ، فعلم الخبر قد يدخله الظن والشك والمشاهدة ترفع الظن وتزيل الشك كما قال تعالى : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) النجم : 11 فأثبت الرؤية للقلب بالعين فرؤية القلب هو اليقين وذو القلب هو الموقن ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : كفى باليقين غنى ففي علم اليقين غنية عن جميع العلوم لأنه حقيقة العلم وخالصه وليس في جميع العلوم غنى عن علم اليقين ولأن الفقر بالشك والحاجة إلى اليقين في علم التوحيد وعلم الإيمان أشد من الفقر بالحاجة إلى علوم الفتيا وغيرها فلذلك صار الغني باليقين أعظم من الاستغناء بسائر العلوم ففي هذا العلم مثل من فاتحة الكتاب إلى سائر القرآن . كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب تجزي من كل القرآن وليس القرآن كله يجزي من فاتحة الكتاب ، فكذلك مثل العلم بالله عز وجل إلى العلم بما سواه ، ففي العلم بالله تعالى عوض من كل العلوم ، وليس في سائر العلوم عوض من العلم بالله عز وجل من حيث كان في الله تعالى عوض به عن كل ما سواه ، وكل علم موقوف على معلومه فعلم اليقين معلومه الله تعالى ففضله كفضل الله تعالى على ما سواه ، وقد قال بعض الحكماء في معنى ما ذكرناه : من عرف الله تعالى فماذا جهل ومن جهل الله تعالى فماذا عرف ؟ فالعلماء بالله تعالى هم ورثة الأنبياء لأنهم ورثوا عنهم الدلالة على الله تعالى فماذا عرف ؟ فالعلماء بالله تعالى هم ورثة الأنبياءلأنهم ورثوا عنهم الدلالة على الله تعالى والدعوة إليه والاقتداء بهم في أعمال القلوب ، وقد قال الله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ) فصلت : 33 ، وكما قال تعالى : ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة ) النحل : 125 ، وكما أمره بالدعاء وأشرك معه أتباعه في الدعاء إلى الله تعالى لا في البصيرة فقال تعالى : ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) يوسف : 108 ، ويحشرون يوم القيامة مع الأنبياء كما قال تعالى : ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) النساء : 69 ، وما قال تعالى : ( وجيء بالنبيين والشهداء ) الزمر : 69 ، ثم فسره فقال بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء .
وقد روينا معناه عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم وأهل الجهاد ، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الأنبياء وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل وعلماء الدنيا يحشرون مع الولاة والسلاطين ، وقد قال بعض السلف : العلماء يحشرون في زمرة الأنبياء والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين ، وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي من علماء أهل الدنيا ومن سادة القضاة وعقلائهم وكان مؤاخيا لأبي الحسن بن أبي الورد ، وكان هذا من أهل المعرفة فلما ولى إسماعيل القضاء هجره ابن أبي الورد ثم إنه اضطر إلى أن دخل عليه في شهادة فضرب بن أبي الورد يده على كتف إسماعيل القاضي وقال : يا إسماعيل علم أجلسك هذا المجلس لقد كان الجهل خيرا منه ، فوضع إسماعيل رداءه على وجهه وجعل يبكي حتى بله ، وعلماء الظاهر هم زينة الأرض والملك وعلماء الباطن زينة السماء والملكوت وعلماء الظاهر أهل الخبر واللسان وعلماء الباطن أرباب القلوب والعيان . وقال بعض العلماء : لما خلق الله تعالى اللسان قال هذا معقل خبري إن صدقني نجيته ولما خلق الله تعالى القلب قال هذا موضع نظري إن صفا لي صافيته ، وقال بعض الخلف : الجاهل ينجو بالعلم والعالم ينجو بالحجة والعارف ينجو بالجاه ، وقال بعض : العارفين : علم الظاهر حكم وعلم الباطن حاكم ، والحكم موقوف حتى يجيء الحاكم يحكم فيه ، وقد كان علماء الظاهر إذا أشكل عليهم العلم في مسألة لاختلاف الأدلة سألوا أهل العلم بالله لأنهم أقرب إلى التوفيق عندهم وأبعد من الهوى والمعصيةمنهم : الشافعي رحمه الله تعالى كان إذا اشتبهت عليه المسألة لاختلاف أقوال العلماء فيها وتكافؤ الاستدلال عليها رجع إ لى علماء أهل المعرفة فسألهم قال : وكان يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يجلس الصبي بين يدي المكتب ويسأله كيف يفعل في كذا وكيف يصنع في كذا فيقال له مثلك يا أبا عبد الله في علمك وفقهك تسأل هذا البدوي فيقول : إن هذا وفق لما علمناه ، وكان الشافعي رحمه الله قد اعتل علة شديدة وكان يقول : اللهم إن كان في هذا رضاك فزدني منه فكتب إليه المعافري من سواد مصر : يا أبا عبد الله لست وإياك من رجال البلاء فنسأل الرضا الأولى بنا أن نسأل الرفق والعافية ، فرجع الشافعي رحمه الله عن قوله هذا ، وقال : أشتغفر الله تعالى وأتوب إليه ، فكان بعد ذلك رحمه الله يقول : اللهم اجعل خيرتي فيما أحب وقد كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين رضي الله عنهما يختلفان إلى معروف بن فيروز الكرخي رحمهم الله ولم يكن يحسن من العلم والسنن ما يحسناته فكانا يسألانه ، وقد روي في الخبر قيل : يا رسول الله كيف نصنع إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله فقال سلوا الصالحين واجعلوه شورى بينهم ولا تقضوا فيه أمرا دونهم . وفي حديث معاذ رضي الله عنه : فإن جاءك ما ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله قال : أقضي فيه بما قضى الصالحون فقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسوله ، وفي بعضها اجتهد رأيي وحدثونا عن الجنيد قال : كنت إذا قمت من عند سري السقطي قال لي : إذا فارقتني من تجالس ؟
فقلت : الحارث المحاسبي فقال : نعم خذ من علمه وأدبه ودع عنك تشقيقه للكلام ورده على المتكلمين ، قال : فلما وليت سمعته يقول جعلك الله صاحب حديث صوفيا ولا جعلك صوفيا صاحب حديث يعني أنك إذا ابتدأت بعلم الحديث والأثر ومعرفة الأصول والسنن ثم تزهدت وتعبدت تقدمت في علم الصوفية وكنت صوفيا عارفا وإذا ابتدأت بالتعبد والتقوى والحال شغلت به عن العلم والسنن فخرجت إما شاطحا أو غالطا لجهلك بالأصول والسنن فأحسن أحوالك أن ترجع إلى العلم الظاهر ، وكتب الحديث لأنه هو الأصل الذي تفرع عليه العبادة والعلم وأنت قد بودئت بالفرع قبل الأصل ، وقد قيل : إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول هو كتب الحديث ومعرفة الآثار والسنن فإذا أنمت رددت إلى الأصل فقد انحططت عن مرتبة الناقدين ونزلت من درجة العارفين وفاتك مزيد اليقين والإيمان . وقال سفيان الثوري رضي الله عنه : كان الناس إذا طلبوا العلم عملوا فإذا عملوا أخلصوا فإذا أخلصوا هربوا وقال آخر : العالم إذا هرب من الناس فاطلبه وإذا طلب الناس فاهرب منه ، وقال أبو محمد : سهل العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ، وقال ذو النون : يقول اجلس إلى من تكلمك صفته ولا تجلس إلى من يكلمك لسانه ، وقد كان الحسن قبله يقول : جالس من تكلمك أعماله ولا تجالس من يخاطبك مقاله ، وقد كان طائفة يصحبون كثيرا من أهل المعرفة للتأدب بهم والنظر إلى هديهم وأخلاقهم إن لم يكونوا علماء لأن التأديب يكون بالأفعال والتعلم يكون بالمقال ، ومن أبلغ ما سمعت منهم في هذا المعنى ما قال بعض الحكماء : وعظ واحد لألف بفعل أنجح فيهم وأوقع من وعظ ألف لواحد بقول ، وكان سهل يقول : العلم كله دنيا والآخرة منه العمل به والعمل هباء إلا الإخلاص ، وقال مرة : الناس موتى إلا العلماء والعلماء سكارى إلا العاملين ، والعاملون مغرورون إلا المخلصين والمخلص على وجل حتى يختم له به ولم يكن العالم عند العلماء من كان عالما بعلم غيره ولا حافظا لفقه سواه ، هذا كان اسمه راوية وواعيا وحاملا وناقلا . وقد كان أبو حازم الزاهد يقول : ذهب العلماء وبقيت علوم في أوعية سود ، وقد كان الزهري يقول : كان فلان وعاء للعلم وحدثني فلان وكان من أوعية العلم ولا يقول كان عالما ، وكذلك جاء الخبر : رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، وكانوا يقولون حماد الراوية يعنون أنه كان راويا ودخول الهاء في الاسم للمبالغة في الوصف كما يقال علامة ونسابة ، وإنما كان العالم عندهم الغني بعلمه لا بعلم غيره وكان الفقيه فيهم هو الفقيه بفقه علمه وقلبه لا بحديث سواه ، كما جاء في الأثر : أي الناس أغنى ؟
قال : العالم الغني بعلمه إن احتيج إليه نفع وإلا اكتفى عن الناس بعلمه لأن كل عالم بعلم غيره فإنما صار عالما بمجموعه ، فمجموعه هم العلماء وكل فاضل بوصف سواه فموصوفه هم الفضلاء ، فإذا تركهم وانفرد سكت ، فلم يرجع إلى علم لنفسه يختص به فصار في الحقيقة موصوفا بالجهل واصفا لطرائق أهل الفضل موسوما بعلم السمع والنقل فمثل العالم بعلم غيره مثل الواصف لأحوال الصالحين العارف بمقامات الصديقين ولا حال له ولا مقام فليس يعود عليه من وصفه إلا الحجة بالعلم والكلام ، وسبق العارفون بالله في الحجة بالأعمال والمقام ، فمثله كما قال الله تعالى : ( ولكم الويل مما تصفون ) الأنبياء : 18 ، وكقوله عز وجل : ( كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ) البقرة : 20 لا يرجع إلى بصيرة فيه بما اشتبه من ظلمات الشبه عليه مما اختلف العلماء فيه ولا يتحقق بوجد منه فيه يجده عن حال ألبسها بوجده وإنما هو متواجد بوجد غيره فغيره هو الواجد وشاهد على شهادة سواه ، فالسوي هو الشاهد ، وقد كان الحسن يقول : إن الله تبارك وتعالى لا يعبأ بصاحب رواية إنما يعبأ بذي فهم ودراية ، وقال أيضا : من لم يكن له عقل يسومه لم تنفعه كثرة مروياته للحديث وقد أنشدنا لبعض الحكماء في معنى ذلك : العلم علمان فمصنوع ومطبوع . . . ولا ينفع مجموع إذا لم يك مصنوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع وكان الجنيد رحمه الله كثيرا ينشد : علم التصوف علم ليس يعرفه . . . إلا أخو فطنة بالحق معروف وليس يعرفه من ليس يشهده . . . وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف لأن الكتب والمجموعات محدثة والقول بمقالات الناس والفتيا بمذهب الواحد من الناس وانتحاء قوله والحكاية له في كل شيء والتفقه على مذهبه محدث لم يكن الناس قديما على ذلك في القرن الأول والثاني ، وهذه المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين ومائة من التاريخ وبعد وفاة كل الصحابة وعلية التابعين ، يقال إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف من التفاسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس بمكة ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن جمع فيه سننا منثورة مبوبة ، ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس رضي الله عنه في الفقه ثم جمع ابن عيينة كتاب الجوامع في السنن والأبواب وكتاب التفسير في أحرف من علم القرآن وجامع سفيان الثوري الكبير رضي الله عنه في الفقه والأحاديث ، فهذه من أول ما صنف ووضع من الكتب بعد وفاة سعيد بن المسيب وخيار التابعين وبعد سنة عشرين أو أكثر ومائة من التاريخ فكان العلماء الذين هم أئمة هؤلاء العلماء من طبقات الصحابة الأربعة ومن بعد موت الطبقة الأولى من خيار التابعين هم الذين انقرضوا قبل تصنيف الكتب وكانوا يكرهون كتب الحديث ووضع الناس الكتب لئلا يشتغل بها عن القرآن وعن الذكر والفكر ، وقالوا : احفظوا كما حفظنا ولئلا يشتغل الناس عن الله تعالى برسم ولا وسم كما كره أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعلية الصحابة تصحيف القرآن في مصحف وقالوا : كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
وخشوا اشتغال الناس بالصحف واتكالهم على المصاحف فقالوا : نترك القرآن يتلقاه الناس بعضهم من بعض تلقنا بالتلقين والإقراء ليكون هو شغلهم وهمتهم وذكرهم حتى أشار عليه عمر رضي الله عنه وبقية الصحابة أن يجمع القرآن في المصاحف لأنه أحفظ له وليرجع الناس إلى المصحف لما لا يؤمن من الاشتغال بأسباب الدنيا عنه فشرح الله تعالى صدر أبي بكر رضي الله عنه لذلك فجمع القرآن في الصحف المتفرقة في المصحف الواحد ، وكذلك كانوا يتلقون العلم بعضهم عن بعض ويحفظونه حفظا هذا لطهارة القلوب من الريب وفراغها من أسباب الدنيا وصفائها من الهوى وعلو الهمة وقوة العزيمة وحسن النية ثم ظهرت بعد سنة مائتين وبعد تقضي ثلاثة قرون في القرن الرابع المرفوض مصنفات الكلام وكتب المتكلمين بالرأي والمعقول والقياس وذهب علم المتقين وغابت معرفة الموقنين من علم التقوى وإلهام الرشد واليقين فخلف من بعدهم خلف فلم نزل في الخلف إلى هذا الوقت ثم اختلط الأمر بعد هذا التفصيل في زماننا هذا ، فصار المتكلمون يدعون علماء والقصاص يسمون عارفين والرواة والنقلة يقال علماء من غير فقه في دين ولا بصيرة في يقين . وروينا عن ابن أبي عبلة قال : كنا نجلس إلى عطاء الخراساني بعد الصبح فيتكلم علينا فاحتبس ذات غداة فتكلم رجل من المؤذنين لا بأس به بمثل ما كان يتكلم به عطاء فأنكر صوته رجاء بن أبي حيوة فقال : من هذا المتكلم ؟ فقال : أنا فلان فقال : اسكت فإنه يكره أن يسمع العلم إلا من أهله ، وكذلك كانوا يقولون أبى أهل العلم بالله تعالى أن يسمعوا هذا العلم إلا من أهله الزاهدين في الدنيا وكرهوا أن يسمعوه من أبناء الدنيا وزعموا أنه لا يليق بهم ، واعلم أن العبد إذا كان يذكر الله تعالى بالمعرفة وعلم اليقين لم يسعه تقليد أحد من العلماء ، وكذلك كان المتقدمون إذا افتتحوا هذا المقام خالفوا من حملوا عنه العلم لمزيد اليقين والإفهام ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان تعلم من زيد بن ثابت الفقه وقرأ على أبي بن كعب ثم خالف زيدا في الفقه وأبيا في القرءة . وقال بعض الفقهاء من السلف : ما جاءنا عن رسول الله قبلناه على الرأس والعين وما جاءنا عن الصحابة فنأخذ به ونترك وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال قالوا : ونقول ولأجل ذلك كان الفقهاء يكرهون التقليد ويقولون : لا ينبغي للرجل أن يفتي حتى يعرف اختلاف الفقهاء أي فيختار منها على علمه الأحوط للدين والأقوى باليقين ، فلو كانوا يستحبون أن يفتى العالم بمذهب غيره لم يحتج أن يعرف الاختلاف ولكان إذا عرف مذهب صاحبه كفاه ، ومن ثم قيل : إن العبد يسأل غدا فيقال ماذا عملت فيما علمت ؟ ولا يقال له فيما علم غيرك .
وقد قال الله تعالى : ( وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ) الروم : 56 ففرق بينهما يدل به أن من أوتي إيمانا أوتي علما كما أن من أوتى علما نافعا أوتي إيمانا وهذا أحد الوجوه في معنى قوله سبحانه : ( كتب في قلوبهم الإيمان وأيدههم بروح منه ) المجادلة : 22 أي قواهم بعلم الإيمان ، فعلم الإيمان هو روحه وتكون الهاء عائدة إلى الإيمان وكذا العالم الذي هو من أهل الاستنباط والاستدلال من الكتاب والسنة فإنه أداة الصنعة وآلة الصنع لأنه ذو تمييز وبصيرة ومن أهل التدبر والعبرة ، فأما الجاهل والعامي الغافل فله أن يقلد العلماء ولعالم عموم أيضا أن يقلد عالم خصوص وللعالم بالعلم الظاهر أن يقلد من فوقه ممن جعل على علم باطن من أهل القلوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد من علم الألسنة والفتيا إلى علم القلوب ولم يرد أهل القلوب في علمهم الذين يختصون به إلى المفتين لأنهم يأخذون من المفتين فتياهم ثم يجدون في قلوبهم حيكا وحزازة فيلزمهم فتيا القلب لقوله : استفت قلبك بعد قوله وإن أفتاك المفتون مع قوله الإثم حزاز القلوب إلى قوله ما حاك في صدرك فدعه وإن أفتوك وأفتوك ثم درس معرفة هذا فجهل فصار كل من نطق بكلام وصنعه غرب على السامعين لا يعرف حقه من باطله سمي عالما وكل كلام مستحسن زخرف رونقه لا أصل له يسمى عالما لجهل العامة بالعلم أي شيء هو ولقلة معرفة السامع بوصف من سلف من العلماء كيف كانوا فصار كثير من متكلمي الزمان فتنة المفتون وصار كثير من الكلام والرأي والمعقول الذي حقيقته جهل كأنه علم عند الجاهلين فلا يفرقون بين المتكلمين والعلماء ولا يميزون بين العلم والكلام ، وقد قلنا : إن خصوص الجهال يشبهون بالعلماء فيشتبهون على مجالسيهم في الحال ، فأعلم الناس في زمانك هذا أعرفهم بسيرة المتقدمين وأعلمهم بطرائق السالفين ثم أعلمهم بالعلم أي شيء هو وبالعالم من هو من المتعلم والمتعالم وهذا كالفرض على طالبي العلم أن يعرفوه لأنه لما قال صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة وجب عليهم أن يعرفوا أي شيء هو العلم حتى يطلبوه إذ لا يصح طلب ما لا يعرف ثم وجب عليهم من هذا أن يعرفوا العالم من هو ليطلبوا عنده العلم إذ العلم عرض ولا يقوم إلا بجسم فلا يوجد إلا عند أهله كما قيل لعلي كرم الله وجهه وقيل له إنك خالفت فلانا في كذا فقال خيرنا أتبعنا لهذا الدين ، وكما قيل لسعد أن ابن المسيب يقرأ ما ننسخ من آية أو ننسأها فقال : إن القرآن لم ينزل على ابن المسيب ولا على أبيه ثم قرأ أو ننسها فأعلم الناس في هذا الوقت وأقربهم من التوفيق والرشد أتبعهم لمن سلف وأشبههم بشمائل صالحي الخلف ، كيف وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل من أعلم الناس ؟ فقال : أعرفهم بالحق إذا اشتبهت الأمور .
وقال بعض السلف : أعلم الناس أعرفهم باختلاف الناس ، وكان الحسن البصري رضي الله عنه يقول : محدثان أحدثا في الإسلام ، رجل ذو رأي سوء زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه ، ومترف يعبد الدنيا لها يغضب ولها يرضى وإياها يطلب فارفضوهما إلى النار اعرفوا إنكارهم لربهم بأعمالهم أن رجلا أصبح في هذه الدنيا بين مترف يدعو إلى دنياه وصاحب هوى يدعو إلى هواه قد عصمه الله تعالى منهما يجيء إلى السف الصالح يسأل عن فعالهم ويقتص آثارهم لتعرض لأجر عظيم فكذلك فكونوا وكما روينا عن ابن مسعود رضي الله عنه وقد جاء مسندا إنما هما اثنان الكلام والهدى فأحسن الكلام كلام الله تعالى وأحسن الهدى هدى محمد لله ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها إن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم ، ألا كل ما هو آت قريب ، ألا إن البعيد ما ليس بآت ، وفي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم التي رويناها عن أبان عن أنس : طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية وخالط أهل الفقه والحكمة وجانب أهل الذل والمعصية ، طوبى لمن ذل في نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن الناس شره ، طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم يعدها إلى بدعة ، وقال بعض الأدباء كلاما منظوما في وصف زماننا هذا كأنه شاهده : ذهب الرجال المقتدى بفعالهم . . . والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت في خلف يزكي بعضهم . . . بعضا ليدفع معور عن معور أبني إن من الرجال بهيمة . . . في صورة الرجل السميع المبصر فطنا بكل مصيبة في ماله . . . فإذا أصيب بدينه لم يشعر فسل الفقيه تكن فقيها مثله . . . من يسع في أمر بفقه يظفر وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : حسن الهدى في آخر الزمان خير من كثير من العمل ، وقال في وصف زمانه باليقين وفي وصف زماننا بالشك فقال : إنكم في زمان خيركم في المسارع في الأمور وسيأتي بعدكم زمان يكون خيرهم فيه المتثبت المتوقف يعني لكثرة الشبهات ، وقال حذيفة رضي الله عنه : أعجب من هذا قال إن معروفكم هذا منكر زمان قد مضى ، وإن منكركم معروف زمان قد يأتي وإنكم لن تزالوا بخير ما عرفتم الحق ، وكان العالم فيكم غير مستخف وكان يقول أيضا : يأتي في آخر الزمان قوم يكون العالم فيهم بمنزلة الحمار الميت لا يلتفتون إليه يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فينا اليوم المؤمن فيهم أذل من الأمة ، وفي حديث علي كرم الله وجهه يأتي على الناس زمان ينكر الحق تسعة أعشارهم لا ينجو منهم يومئذ إلا كل مؤمن نومة يعني صموتا متغافلا أولئك مصابيح العلم وأئمة الهدى وليسوا بالمذاييع البذر يعني المتكلمين كثيرا المتظاهرين بالكلام افتخارا ، وفي خبر : يأتي على الناس زمان من عرف فيه الحق نجا قيل فأين العمل ؟
قال : لا عمل يومئذ لا ينجو فيه إلا من هرب بدينه من شاهق إلى شاهق وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه : يأتي على الناس زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا وفي بعضها بعشر ما يعلم ، وعن بعض الصحابة أنتم اليوم في زمان من ترك منكم عشر ما يعلم هلك ويأتي عيلكم زمان من علم فيه بعشر ما يعلم نجا ، وقال بعض الخلفاء : يأتي عليكم زمان يكون أفضل العلم الصمت وأفضل العمل النوم يعني لكثرة المنافقين بالشبهات فصار الصمت للجاهل علما ولكثرة العاملين بالشهوات فصار النوم عبادة البطال ولعمري إن الصمت والنوم أدنى أحوال العالم وهما أعلى أحوال الجاهل وكان يونس بن عبيد يقول أصبح اليوم من يعرف السنة غريبا وأغرب منه من يعرفه يعني طريقة السلف ، يقول : فمن يعرفه عرف طريق من مضى وهو غريب أيضا لأنه قد عرف غريبا ، وقال حذيفة المرعشي : كتب إلى يوسف بن أسباط ذهب الطاعة ومن يعرفها وكان أيضا يقول ما بقي من يؤنس به . وقال : ما ظنك بزمان مذاكرة العلم فيه معصية قيل ولم ذلك ؟ قال : لأنه لا يجد أهله وقد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول : إنكم لن تزالوا بخير ما أحببتم خياركم وقيل فيكم الحق فعرف ويل لكم إذا كان العالم فيكم كالشاة النطيح ، وقد كان للمتقدمين علوم يجتمعون عليها ويتفاوضونها بينهم قد درست في زماننا وكان للصالحين معان وطرائق يسلكونها ويسألون عنها قد ذهبت في وقتنا وكان لليقين والمعرفة مقامات وأحوال يتذاكرها أهلها ويطلبون أربابها قد عفت آثارها عندنا لقلة الطالبين لها ولعدم الراغبين فيها وفقد العلماء بها وذهاب السالكين في طرقها منها طلب الحلال وعلم الورع في المكاسب والمعاملات وعلم الإخلاص وعلم آفات النفوس وفساد الأعمال وعلم نفاق العلم والعمل والفرق بين نفاق العلم والعمل والفرق بين نفاق القلب ونفاق النفس وبين إظهار النفس شهوتها واخفائها ذلك والفرق بين سكون القلب بالله وسكون النفس بالأسباب والفرق بين خواطر الروح والنفس وبين خاطر الإيمان واليقين والعقل وعلم خلائق الأحوال وأحوال طرائق العمال وتفاوت مشاهدات العارفين وتلوينات الشواهد على المريدين وعلم القبض والبسط والتحقيق بصفات العبودية والتخلق بأخلاق الربوبية وتباين مقامات العلماء إلى غير ذلك مما لا نذكره من علم التوحيد ومعرفة معاني الصفات وعلوم المكاشفة بتجلي الذات وإظهار الأفعال الدالة على معاني الصفات الباطنة وظهور المعاني الدالة على النظر والإعراض والتقريب والإبعاد والنقص والمزيد والمثوبة والعقوبة والاختباء والاختيار ، وقد ذكرنا من جميع هذه المعاني فصولا ورسمنا جملا وأصولا تنبه على فروعها وندل على أشكالها لمن وفق لتدبرها وأريد بتذكرها وجعل له نصيب منها .
وقال بعض علمائنا : أعرف للمتقدمين سبعين علما كانوا يتحاورونها ويتعارفونها في هذا العلم لم يبق منها اليوم علم واحد يعرف ، قال : وأعرف في زماننا هذا علوما كثيرة من الأباطيل والدعاوى والغرور ، وقد ظهرت وسميت علوما لم تكن فيما مضى تعرف فهذا كالشراب الذي وصفه الله تعالى فقال : ( يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) النور : 39 ، وكان الجنيد رحمه الله تعالى من قبله يقول : علمنا هذا الذي نتكلم فيه قد طوي بساطه منذ عشرين سنة وإنما نتكلم في حواشيه وكان يقول أيضا قد كنت أجالس قوما سنين يتحاورون في علوم لا أفهمها ولا أدري ما هي وما بليت بالإنكار قط كنت أتقبلها وأحبها من غير أن أعرفها وكان أيضا يقول كنا نتجارى مع إخواننا قديما في علوم كثيرة ما تعرف في وقتنا هذا ولا سألني عنها أحد ، وهذا باب قد أغلق وردم ، ولما صنف شيخنا أبو سعيد بن الأعرابي كتاب طبقات النساك ووصف أول من تكلم في هذا العلم وأظهره ثم من بعده من البصريين والشاميين وأهل خراسان إلى أن كان آخرهم البغداديين ، وقال آخر : من تكلم في هذا صاحبنا جنيد القواريري وكانت له بصيرة فيه وحقيقة وحسن عبارة وما بقي بعده إلا من مجالسته غيظ ، وقال مرة أخرى : ما بقي بعد جنيد إلا من يستحي من ذكره وقد كان إمامنا أبو محمد سهل رحمه الله يقول بعد سنة ثلاثمائة لا يحل أن يتكلم بعلمنا هذا لأنه يحدث قوم يتصنعون للخلق ويتزينون بالكلام لتكون مواجيدهم لباسهم وحليتهم كلامهم ومعبودهم بطونهم ، وقد كان حذيفة رضي الله عنه إذا سئل أي الفتن أشد فقال : إن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تأخذ لكثرة الشبهات كما كان سهل يقول بعد سنة ثلاثمائة لا يصح لأحد توبة لأنه يفسد خبزهم وهم لا يصبرون عن الخبز يعني أن أول التوبة أكل الحلال وقد روينا في خبر يأتي على الناس زمان يضلون فيه دينهم فلا يعرفونه يصبح الرجل على دين ويمسي على دين يضل أمره على غير يقين وتسلب عقول أكثر أهل ذلك الزمان وأول ما يرفع عنهم الخشوع ثم الإجابة ثم الورع ويقال : أول ما يرفع من الناس الألفة .
ذكر ما أحدث الناس من القول والفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف
كان الناس قديما إذا التقوا يقول أحدهم : لصاحبه ما خبرك وما حالك ؟ يعنون بذلك ما خبر نفسك في مجاهدتها وصبرها وما حال قلبك من مزيد الإيمان وعلم اليقين ويريدون أيضا ما خبرك في المعاملة لمولاك وما حالك في أمور الدنيا والآخرة هل ازددت أم انتقصت فيتذاكرون أحوال قلوبهم ويصفون أعمال علومهم ويذكرون ما وهب الله تعالى لهم من حسن المعاملة وما فتح لهم من غرائب الفهوم فكان هذا من تعديد نعم الله تعالى عليهم ومن جميل شكرهم ويكون مزيدا لهم في المعرفة والمعاملة ، وقد كان بعضهم يقول : أكثر علومنا ومواجيدنا ما يعرفه بعضنا من بعض وما يخبر به أحدنا أخاه إذا التقينا فقد جهل هذا اليوم فترك ، فهم إذا تساءلوا عن الخبر والحال إنما يريدون به أمور الدنيا وأسباب الهوى ثم يشكو كل واحد مولاه الجليل سبحانه وتعالى إلى عبده الذليل ويتسخط أحكامه ويتبرأ بقضائه وينسى نفسه وما قدمت يداه فمثله كما قال تعالى : ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ) الكهف : 57 ، وكما قال تعالى : ( إن الإنسان لربه لكنود ) العاديات : 6 قيل كفور بنعمته يعدد المصائب وينسى النعم كل ذلك جهالة بالله تعالى وغفلة عنه ، ومنه قولهم : الآن كيف أصبحت وكيف أمسيت ؟ هذا محدث ، إنما كانوا إذا التقوا قالوا : السلام عليكم ورحمة الله . وفي الخبر : من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه وإنما حدث هذا في زمان الطاعون الذي كان يدعى طاعون عمواس بالشام من الموت الذريع ، كان الرجل يلقى أخاه غدوة فيقول كيف أصبحت من الطاعون ويلقاه عشية فيقول كيف أمسيت منه لأن أحدهم كان إذا أصبح لم يمس وإذا أمسى لم يصبح ، فبقي هذا إلى اليوم ونسي سببه وكان من عرف حدوثه من المتقدمين يكرهه ، حدثونا عن أحمد بن أبي الحواري قال : قال رجل لأبي بكر بن عياش : كيف أصبحت أو كيف أمسيت فلم يكلمه ، وقال : دعونا من هذه البدعة قال : وقلت لبعض السلف : كيف أصبحت فأعرض عني وقال ما كيف أصبحت قل بالسلام . وروى أبو معشر عن الحسن رضي الله عنه إنما كانوا يقولون السلام عليكم سلمت والله القلوب ، فأما اليوم كيف أصبحت أصلحك الله كيف أمسيت عافاك الله ، فإن أخذنا بقولهم كانت بدعة ألا ولا كرامة فإن شاؤوا غضبوا علينا ومن ذلك ابتداء الرجل في عنوان الكتاب باسم المكتوب إليه وإنما السنة أن يبتدئ بنفسه فيكتب من فلان إلى فلان ، قال ابن سيرين رحمه الله تعالى : غبت غيبة فكتبت إلى أبي فابتدأت باسمه فكتبت إلي يا بني إذا كتبت إلي فابدأ بأسمك في الكتاب فإن ابتدأت بإسمي قبل اسمك لا قرأت لك كتابا ولا رددت إليك جوابا ، وكتب العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ بنفسه وكتب من العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويقال أول من أحدثه زياد فعابه العلماء عليه وعدوه من إحداث بن أمية ، وقد بقي سنة هذا في كتب الخلفاء والأمراء إلى اليوم على نحو ما مضى فهم يقدمون أسماءهم في كتبهم ومن الأحداث قول الرجل إذا جاء منزل أخيه يا غلام يا جارية فيه مخالفة لأمر الله عز وجل وأمر رسوله عليه السلام ، قال الله عز وجل : ( لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) النور : 27 قال أهل التفسير : الاستئناس الدق أو التنحنح أو الحركة حتى يؤذن بذلك أن وراءها إنسانا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا جاء أحدكم منزل أخيه فليسلم ثلاثا فإن أذن له فليدخل وإلا فليرجع وكان السلف يقرع أحدهم باب أخيه ثم يسلم ثلاثا يقف بعد كل تسليمة هنيهة فإن أذن له دخل وقد لا يحب صاحب المنزل أن تدخل عليه في ذلك الوقت لسبب عذر له فيقول : وعليكم السلام ورحمة الله ارجع عافاك الله فإني على شغل فيرجع عنه غير كاره لرجوعه ولا يؤثر ذلك عليه في نفسه ، وقد يكون قوله ارجع أحب إليه لأنه أفضل له رجاء الإجابة والتزكية لقوله تعالى : ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ) النور : 28 ، فربما رجع في اليوم مرتين أو ثلاثا بعد رد صاحبه له وهو يعود لأن ذلك لم يؤثر في قلبه شيئا وهذا لو فعل ببعض الناس من أهل عصرنا هذا لكرهه ، ولعل أن لا يعود يومه ذلك فأما العلماء فقد كان بعض الناس لا يستأذن عليهم إلا لمهم لا بد منه بل كانوا يقعدون على أبوابهم وفي مساجدهم ينتظرون خروجهم لأوقات الصلاة إجلالا للعلم وهيبة للعلماء .
وحدثونا عن أبي عبيد قال : ما قرعت على عالم قط بابه كنت أجيء إلى منزله فأقعد على بابه انتظر خروجه من قبل نفسه أتأول قول الله عز وجل : ( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) الحجرات : 5 ، وقد روينا مثل هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما في موضعه من العلم والشرف أن المار كان يمر به وهو قائم على باب منزل الرجل من الأنصار تسفي عليها الرياح فيقول : ما يجلسك ههنا يا ابن عم رسول الله ؟ فيقول : انتظر خروج صاحب المنزل ، فيخرج الرجل فيقول ابن عم رسول الله : لو أرسلت إلي لجئتك فيقول : لا أنا كنت أحق أن آتيك ، فيسأله عما يريد من حديث بلغه أنه يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن هو سمعه منه ، ومن ذلك استقصاء الرجل في المسألة عن حال أخيه وخبره ، وقد كره ذلك ، تزوج سلمان الفارسي رضي الله عنه فلما دخل على أهله خرج إلى الناس من الغد فقال له رجل : كيف أنت يا أبا عبد الله قال بخير أحمد الله تعالى قال : كيف حالك وكيف بت البارحة . وفي لفظ آخر كيف وجدت أهلك فغضب سلمان وقال : لم يسأل أحدكم فيخفي المسألة وليسأل عما وراء البيوت يكفي أحدكم أن يسأل عن ظاهر الأمر وأما سليمان بن مهران الأعمش فإن رجلا قال له في منزله : كيف أنت يا أبا محمد ؟ قال : بخير قال : كيف حالك ؟ قال في عافية ، قال : كيف بت البارحة ؟ فصاح : يا جارية انزلي بالفراش والمخاد فأنزلت بذلك فقال : افشي واضطجعي حتى أضطجع إلى جنبك لنرى أخانا كيف بت البارحة وكان يقول يلقى أحدهم أخاه فيسأله عن كل شيء حتى عن الدجاج في البيت ولو سأله درهما ما أعطاه وكان من مضى من السلف إذا لقي أخاه لا يزيد على قول : كيف أنتم أو حياكم الله بالسلام ، ولو سأله شطر ماله قاسمه ، ومن ذلك قول الرجل لأخيه إذا لقيه ذاهبا في الطريق إلى أين تريد أو من أين جئت فقد كره هذا وليس من السنة ولا الأدب وهو داخل في التجسس والتحسس لأن التحسس في الآثار والتجسس في الأخبار وهذا السؤال عن ذلك يجمعهما وقد لا يحب الرجل أن يعلم صاحبه أين يذهب ولا من أين جاء .
وقد كره ذلك مجاهد وعطاء قالا : إذا لقيت أخاك في طريق فلا تسأله من أين جئت ولا أين يذهب فلعله أن يصدقك فتكره ذلك ولعله أن يكذبك فتكون قدحملته عليه وقد كانوا يكرهون بيع المصاحف وشراءها وكان بعضهم لبيعها أكره منه لشرائها ، وقد ابتدع الناس علوما لم تكن تعرف فيما سلف منها : علم الكلام والجدل وعلوم المقايس والنظر والإستدلال على سنن الرسول صلى الله عليه وسلم بأدلة الرأي والمعقول ومنها إيثار علم العقل والرأي والقياس على ظواهر القرآن وعلى الأخبار ومنها : إظهار الإشارات بالمواجيد من غير علومها ولا بيان تفصيلها ، وفي ذلك تحيير للسامعين وإضلال للعاملين وإنما كان العلماء بهذا العلم يظهرون علوم المواجيد ويخفون الإشارة بالوجد فيظهرون للناس ما ينفع ويخفون ما يضر ولأن المواجيد أحوال قلوبهم فكتمها أفضل وعلومها أنصبة المريدين والعاملين فإظهارها هو البغية لهم فأظهروه وأخفوا وجدهم لأنه سر لهم فسلموا من التصنع والدعوى وأعطوا السامعين نصيبهم ومنعوهم ما ليس لهم فعدلوا في الوصفين معا ففضلوا في الحالين جميعا فجهل هذا الآن فأظهر ضده وكان إلى الضرر أقرب ومن السلامة أبعد ، فمن لم يحسن التفصيل ولم يرزق العبارة فإنه يحسن الصمت فهو واسع إن من لم يتكلم بعلم على سنة فسكوته أقرب له إلى الله تعالى فمثله في ذلك كما قال الله عز وجل : ( ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) الطلاق : 7 ، ومما ظهر إظهار علوم المعرفة بمعاني الرغبة ليتميزوا عن الفقراء تكبرا منهم فلا يجعلون مجعلهم فليصرف إليهم من الأسباب على قدر أنسهم وأحوالهم ، وهذا من أكبر أبواب الدنيا وأضره على مريدي الآخرة وألطفه تمويها في الدين ومنها الكلام في التوحيد بمخالفة علم الشرع وأن الحقيقة تخالف العلم والحقيقة هي علم وهي أحد طرقات الشريعة وعلم الشرع عنها فكيف تنافيها وهي التي أوجبته وإنما هي عزيمة وضيقة وعلم الظاهر هو الرخصة والسعة فمن تكلم في علم الباطن على غير قواعد العلم الظاهر وأصوله فذلك من الإلحاد في الشريعة والوليجة بين الكتاب والسنة . وقد قال بعض العارفين : نظرت إلى هؤلاء الشاطحين فما وجدت إلا جاهلا مغرورا أو خاسئا حبورا أو مستظهرا بلا شيء ، ومنها الكلام في الدين بالوساوس والخطرات عن غير رد مواجيدها إلى الكتاب والسنة والواجب معرفة تفصيلها ، ونفى ما لم يشهد له الكتاب والسنة منها ، إذ في المواجيد ضلال وغرور وفي المشاهدات باطل وزور ، مع دعواهم المحبة وإنكارهم الصفة التي جاءت بها السنة وعن غير شهادة موصوف وادعائهم المعرفة من غير تعرف معروف ومما أحدثوا السجع في الدعاء والتغريب فيه ولم يرد الكتاب به ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة بل كانوا ينهون عن الاعتداء في الدعاء ويجتنبون محاوزة ما أخبر الله تعالى عن أوليائه من الأدعية الجامعة المختصرة المعروفة .
وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياكم والسجع في الدعاء ، حسب أحدكم أن يقول : اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ، وفي الخبر سيأتي قوم يعتدون في الدعاء والطهور ، وسمع عبد الله بن مغفل ابنه يدعو بدعاء يغمق فيه فقال : يا بني إياك والحدث والاعتداء في الدعاء ، وفي قوله عز وجل : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ) الأعراف : 55 ، قيل في الدعاء : فالاعتداء في الدعاء هو ترك ما أخبر الله عز وجل عن أوليائه الصالحين من الدعاء بالمغفرة والرحمة والتوبة ومعنى ذلك من الدعاء المعروف والقول المشهور إلى التنطع والتعميق والتغريب والتدقيق ، ويقال إن العلماء والأبدال لا يزيد أحدهم على سبع كلمات في الدعاء ووجدت تصديق ذلك في الكتاب إن الله تعالى ما أخبر عن عباده في الدعاء في مكان واحد أكثر من سبع دعوات ، وهي التي في أخر سورة البقرة ، وإلا إنما يخبر عنهم بالدعوتين والثلاث والأربع إلى الخمس في مواضع من الكتاب متفرقة . ومر بعض السلف بقاص يدعو يسجع في دعائه ويتعمق فقال له : ويلك على الله تبالغ ، أشهد لقد رأيت حبيبا العجمي يدعو وما يزيد على قوله : اللهم اجعلنا جيدين ، اللهم لا تفضحنا يوم القيامة ، اللهم وفقنا للخير ، قال : والناس يبكون من كل ناحية وكنا نتعرف إجابة دعائه وبركته ، وكان أبو يزيد البسطامي يقول : سله بلسان الحاجة لا بلسان الحكمة ، وقال الحسن : ادع بلسان الاستكانة والافتقار لا بالفصاحة والانطلاق ، ومما أحدثوه أخذ القرآن بالإدارة وتنازع الاثنين الآية أو تلقي الرجلين للآيتين في مكان واحد بمنزلة الاختلاس والنهبة من غير خشوع للقرآن ولا هيبة ، وقراءة القرآن تحتاج إلى حزن وسكون وخشوع ، ومن ذلك أخذ المقرئ على الاثنين وليته قام بقراءة الواحد لسهو القلب كما قيل لإبراهيم الحربي إن فلانا يأخذ على الاثنين فقال هاه يحتاج اثنان أن يأخذا على واحد ، ومن البدع التلحين في القراءة حتى لا تفهم التلاوة وحتى يجاوز إعراب الكلمة بمد المقصور وقصد الممدود وإدغام المظهر وإظهار المدغم ليستوي بذلك التلاحن ولا يبالي باعوجاج الكم وإحالته عن حقيقته فهو بدعة ومكروه استماعه ، قال بشر بن الحرث : سألت ابن داود الحربي أمر بالرجل يقرأ فأجلس إليه قال : يقول يطرب قلت : نعم ، قال : لا هذا قد أظهر بدعته ، ومن ذلك التلحين في الأذان وهو من البغي والاعتداء فيه ، قال رجل من المؤذنين لابن عمر رضي الله عنهما : إني لأحبك في الله تعالى فقال له : لكني أبغضك في الله تعالى قال : يا أبا عبد الرحمن لم : قال لأنك تبغي في أذانك وتأخذ عليه أجرا ، وكان أبو بكر الآجري رحمه الله يقول : خرجت من بغداد وما يحل لي المقام بها قد ابتدعوا في كل شيء حتى في قراء ةالقرآن وفي الأذان وكان يعني بذلك قراءة الإدارة والتلحين وقدم علينا مكة في سنة ثلاثين ومن جمل ما أحدث الخلف فخالفوا به سنن السلف أنهم شددوا في أشياء كان السلف يسهلون فيها وسهلوا أشياء كان السلف يشددون فيها ، فمثلهم في ذلك كالخوارج شددوا في الصغائر من الذنوب وسهلوا في الآثار والسنة وفي ترك مذهب الجماعة حتى فارقوهم فمما شدد فيه الخلف مما كان السلف يسهلونه كتب الأحاديث من أنواع طرقها وتتبع الغرائب من طرقاتها وتحري الألفاظ فيها .
وقد قال ابن عون : أدركت ثلاثة يرخصون في المعاني : إبراهيم ، والشعبي ، والحسن رحمهم الله تعالى ، وعن جماعة من علماء السلف والصحابة التوسعة في معاني الأحاديث وإن لم يؤد ألفاظها ومن ذلك تجريد الحروف وتحري المقرئ الواحد في جميع اختياره حتى كأنه فرض عليه ، ومن ذلك التدقيق في القياس والنظر والتبحر في علوم النحو والعربية ، كما قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى : أعربنا في الكلام فلم نلحن ولحنا في الأعمال فيا ليتنا لحنا في الكلام وأعربنا في الأعمال . وذكرت العربية عند القاسم بن المخيمرة فقال : أولها كبر وآخرها بغي ، وقد قال بعض السلف : النحو يذهب الخشوع من القلب ، وقال آخر : من أحب أن يزدري الناس كلهم فليتعلم العربية وشددوا في الطهارة بالماء وتنظيف الثياب وكثرة غسلها من عرق الجنب ولبس الحائض ومن أرواث ما يؤكل لحمه وأبواله وغسل اليسير من الدم ونحو ذلك وكان السلف يرخصون في هذا كله ومما سهلوه مما كان السلف يشددون فيه أمر المكاسب وترك التحري فيها والكلام فيما لا يعني والخوض في الباطل والغيبة وا لنميمة والاستماع إليهما والعقد على البلاغات وسوء الظن لأجلها ، وهو اشتراك في الغيبة والنميمة ، وكل بلاغة تزيد وتنقص إن كان شرا ازددت فيه وإن كان خيرا نقصت منه وسهلوا في النظر إلى الزور واللهو ومجالسة البطالين والمشي في أسباب الهوى والتعصب وشدة الحرص في الدنيا ، وهذا كله كان السلف يشددون فيه ومما أحدثوا دخول النساء الحمام من غير ضرورة ودخول الرجل بغير مئزر وهو فسق ، وسئل إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى عمن يشرب النبيذ ولا يسكر أيصلى خلفه ؟ قال : نعم ، قيل : فمن دخل الحمام بغير مئزر فقال لا يصلي خلفه ، هذا لأن شرب النبيذ يختلف فيه إذا لم يسكر ودخول الحمام بغير مئزر محرم بإجماع ، وكان بعض العلماء يقول : يحتاج داخل الحمام إلى مئزرين مئزر لوجهه ومئزر لعورته وإلا لم يسلم في دخوله ، وكان ابن عمر يقول : الحمام من النعيم الذي أحدثوه ، ومن المنكر في الحمام تولي القيم لعورة الرجل المسلم في الأطلاء بالنورة ، وقد كان من هدي العلماء في قعودهم أن يجتمع أحدهم في جلسته فينصب ركبتيه ومنهم من يقعد على قدميه ويضع مرفقيه على ركبتيه كذلك كان شمائل كل من تكلم في هذا العلم خاصة من عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن زمن الحسن البصري وهو أول من أظهر هذا العلم وفتق الألسن به إلى وقت أبي القاسم الجنيد قبل أن تظهر الكراسي ، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقعد القرفصاء ويحتبي بيديه ، وفي رواية أخرى : أنه كان يقعد على قدميه ويجعل مرفقيه على ركبتيه وأول من قعد على كرسي من أهل هذا العلم : يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى بمصر ، وتبعه أبو حمزة ببغداد ، فعاب الأشياخ عليهما ذلك ، ولم يكن ذلك من سيرة العارفين الذين يتكلمون في علم المعرفة واليقين إنما كان يجلس متربعا ، النحويون واللغويون وأبناء الدنيا من العلماء المفتين وهي جلسة المتكبرين ، ومن التواضع الاجتماع في الجلسة .
ذكر تفصيل العلوم ومعروفها وقديمها ومحدثها ومنكرها
اعلم أن العلوم تسعة : أربعة منها سنة معروفة من الصحابة والتابعين وخمسة محدثة لم تكن تعرف فيما سلف ، فأما الأربعة المعروفة فعلم الإيمان وعلم القرآن وعلم السنن والآثار ، وعلم الفتاوى والأحكام ، وأما الخمسة المحدثة ، فالنحو والعروض ، وعلم المقاييس ، الجدل وفي الفقه ، وعلم المعقول بالنظر ، وعلم علل الحديث وتطريق الطرقات فيه وتعليل الضعفاء وتضعيف النقلة للآثار فهذا العلم من المحدث إلا أنه علم لأهله فيسمعه أصحابه منهم ، وقد كانوا يرون القصص بدعة وينهون عنه ويكرهون مجالسة القصاص ، وقال بعض العلماء نعم الرجل فلان لولا أنه يقص ، وقال بعض هذه الطائفة : مثل أصحاب الحكايات في أهل المعرفة مثل القصاص في الفقهاء ، وقال آخر : مثل القصاص في العلماء مثل أهل السواد في أهل المدن ، فأما أكل الدنيا بالدين وأخذها على الصلاح وبيع العلم بالدنيا والتصنع والتزين للعموم فمن قبيح ما أحدث ، وهو أظهر من أن يدل على فساده عند من عرف ظاهر العلم ، وقد سمى هؤلاء في زماننا هذا الجاهلون بالعلم علماء وجعلهم الناقصون عن الفضل فضلاء لقلة معرفتهم بطريق المتقدمين وعدم بصيرتهم بحقيقة علم الدين ، وأعلم أن الكلام ينقسم عندنا سبعة أقسام : العلم منه قسم واحد ، وسائر الستة لغو مطرح يلتقطه من لا يعرفه ولا يفرق بين العلم والجهل ، والعرب تقول : لكل ساقطة لاقطة ولكل قائلة ناقلة ، فالستة إفك وسفه وخطأ وظن وزخرف ووسوسة ، فهذه أسماؤها عند العلماء يفصلون ذلك بما فصل الله تعالى لهم من بيانه واستحفظهم من كتابه وجعلهم شهداء على دينه وعباده ، فالقسم السابع من الكلام هو ما عدا هذه الستة ، ولم يقع عليه اسم منها مذموم ، فهو علم وهو نص القرآن والسنة أو ما دلا عليه ، واستنبط منهما أو وجد فيهما اسمه ومعناه من قول وفعل ، والتأويل إذا لم يخرج عن الإجماع داخل في العلم والاستنباط إذا كان مستودعا في الكتاب يشهد له المجمل ولا ينافيه النص فهو علم ، وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : أنتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعا للهوى . وقد جمع الله تعالى بين رونق العقل ومتعة الدنيا بتسمية الزخرف فقال تعالى : ( ولبيوتهم أبوابا وسررا علىها يتكئون ) الزخرف : 34 وزخرفا وكما قال زخرفا من القول غرورا فذهاب الجاهل بالاستحسان لزخرف القول من المموه من غل الدنيا كمتعة الجاهل من أبناء الدنيا بزخرف الذهب ذاهبا عن حقيقة الأمر والزخرف ما يموه على الذهب ، فيشبه به يحسبه الجاهل والصبي عين الذهب ، كذلك الزخرف من القول : ما يموه ويشبه على العلم يحسبه المستمع من الجهال علما ، فكذلك جمع بينهما في التسمية الزخرف ، وقد قيل إن الزخرف هو الذهب فعلى هذا شبه قول الغرور بالذهب الذي يذهب بقاؤه وتقل حقيقته عند الربانيين وأهل الحقيقة الزاهدين إذ شبهه الأنبياء والصديقون كالحجر والمدر ، وكان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول : تركوا العلم وأقبلوا على الغراس ، ما أقل العلم فيهم والله المستعان ، وقال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه : لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم ولم يكن العلماء يقولون حرام ولا حلال في أكثر الأمور أدركتهم يقولون مستحب ومكروه ، وكان مالك كثير التوقف في الأجوبة إذا سئل ويكثر أن يقول لا أدري سل غيري وقال رجل لعبد الرحمن بن مهدي ألا ترى إلى قول فلان في العلم حلال وحرام وقطعه في الأمور بعلمه يعني رجلا من أهل الرأي وإلى قول مالك : إذا سئل أحسب ، فقال عبد الرحمن : ويلك قول مالك أحسب أحسب أحب إلي من قول فلان : أشهد أشهد ، وكان هشام بن عروة يقول : لا تسألوهم اليوم عما أحدثوا فإنهم قد أعدوا له جوابا ، ولكن اسألوهم عن السنن فإنهم لا يعرفونها ، وكان الشعبي رحمه الله تعالى إذا نظر إلى ما أحدث الناس من الرأي والهوى يقول : لقد كان القعود في هذا المسجد أحب إلي مما يعدل به فمذ صار فيه هؤلاء المراؤون فقد بغضوا إلي الجلوس فيه ولأن أقعد على مزبلة أحب إلي من أن أجلس فيه وكان يقول ما حدثوك عن السنن والآثار فخذ به وما حدثوك عما أحدثوا من رأيهم فامخط عليه ، وقد قال مرة : فبل عليه ، وقد كان السلف يستحبون العي والبله عن علوم المعقول ، وقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان إذ قرنه بالحياء فقال : الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق .
وقال عليه السلام : أبغض الخلق إلى الله عز وجل البليغ الذي يتخلل الكلام بلسانه كما يتخلل الباقر الخلا بلسانها يعني الحشيش الرطب ، وقال في حديث آخر : العي عن اللسان لا عي القلب ، وقال : إن الله عز وجل كره لكم البيان كل البيان فصار الفقه إنما هو فقه القلب عن الرب سبحانه وتعالى وصار فقه اللسان بالبيان إنما هو عي القلب عن الشهادة والإيقان وعي اللسان وطول الصمت الذي كان يستحبه السلف هو اليوم عيب ، ومن المتكلمين من لا يعرف من كلام البدع وعلم المنافقين الذي ذمه القدماء هو اليوم سنة وأهل النطق به هم العلماء اليوم ، ولقد صار المعروف منكرا والمنكر معروفا وصار السنة بدعة والبدعة سنة ، وكذلك جاءت به الأخبار في وصف علماء آخر الزمان ، وفي الخبر المشهور : إن الله تعالى يبغض الثرثارين المتشدقين ، فمن غلب عليه هذا الوصف فكان متشدقا بليغا في علم الرأي والمعقول عيي القلب عن مشاهدة اليقين وعلم الإيمان كان إلى النفاق أقرب ، ومن حقيقة الإيمان أبعد ، وقد كان أبو سليمان الداراني يقول : لا ينبغي لمن ألهم شيئا من الخيرات أن يعمله حتى يسمع به في الأثر فيحمد الله تعالى إذا وافق ما في نفسه . وقال بعض العارفين : ما قبلت خاطرا من قلبي حتى يقيم لي شاهدي عدل من كتاب وسنة وكان إمامنا أبو محمد سهل رحمه الله تعالى يقول : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه هذه الأربع : أداء الفرائض بالسنة ، وأكل الحلال بالورع ، واجتناب النهي من الظاهر ، والباطن والصبر على ذلك حتى الممات ، وقد كانوا يعيبون على من تكلم بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بغير ذكر الله تعالى وكانوا يخرجون المتحدثين من المساجد فلا يبقى فيه إلا مصل أو ذاكر لله تعالى ، وقد كان السلف يستعظمون يسير الحديث في الدين ودقائق البدع في الإسلام لعظم الإيمان والسنة في قلوبهم ولمعرفتهم بحقيقة المعروف ، قال عبد الله بن مغفل لابنه وقد سمعه يقرأ خلف الإمام : يا بني إياك والحدث إياك والحدث ، وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لابنه عمر وقد سمعه يسجع في كلامه : هذا الذي يبغضك إلي لا قضيت حاجتك أبدا ، وكان قد جاءه يسأله حاجة له ، وقال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أتي امرؤ شرا من طلاقة في لسانه ، وقال صلى الله عليه وسلم لابن رواحة حين سجع سمعه فوالى بين ثلاث وقال : إياك والسجع يا ابن رواحة ، فكان السجع ما زاد على كلمتين ، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أمره بدية الجنين ، لما قال كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل فمثل هذا بطل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسجع كسجع الأعراب . وروينا أن مروان لما أحدث المنبر في صلاة العيد عند المصلى قام إليه أبو سعيد الخدري فقال : يا مروان ما هذه البدعة فقال : إنها ليست بدعة هي خير مما تعلم ، إن الناس قد كثروا فأردت أن يبلغهم الصوت ، قال أبو سعيد رضي الله عنه : ولا تأتون بخير مما أعلم أبدا والله لاصليت وراءك اليوم ، فانصرف ولم يصل معه صلاة العيد ، فالخطبة على منبر في صلاة العيد وخطبة الاستسقاء بدعة ، وكان عليه السلام يخطب فيهما على الأرض متوكئا على قوس أو عصا ، وروي أن عمر رضي الله عنه أخر صلاة المغرب ليلة حتى طلع نجم فأعتق رقبة ، وفعله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أيضا فأعتق رقبة استنانا بعمر وهو جده لأمه .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?