Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Section V01/P351–V01/P352

قال : لا ، قال : فسورة يوسف ، قال : لا ، قال : فمعك قيم مائة ألف وأنت تشكو الفقر فأصبح وقد سرى عنه همه ، وهكذا جاء في الخبر : تغنوا بالقرآن أي استغنوا به ومن لم يستغن بآيات الله تعالى فلا أغناه الله عز وجل وإن القرآن هو الغنى الذي لا فقر معه ولا غنى بعده ، ومن آتاه الله القرآن فظن أن أحدا أغنى منه فقد استهزأ بآيات الله تعالى ، وفي لفظ آخر : فقد استخف بما أنزل الله عز وجل ، وفي الخبر : من لم يتغن بالقرآن فليس منا ، وفي الخبر المجمل كفى باليقين غنى والقرآن هو حق اليقين . وروينا عن بعض السلف يقول الله عز وجل : إن عبدا أغنيته عن ثلاث فقد أتممت عليه نعمتي عن سلطان يأتيه وطبيب يداويه وعما في يد أخيه . وروينا في مناجاة أيوب عليه السلام : إن الله تبارك وتعالى أوحى إليه : ما من عبد لي من الآدميين إلا ومعه ملكان فإذا شكر على نعمائي قال الملكان : اللهم زده نعما على نعمه ، فإنك أهل الشكر والحمد فكن من الشاكرين قريبا وزدهم شكرا وزدهم من النعماء وكفى بالشاكرين ياأيوب علو الرتبة عندي وعند ملائكتي ، فأنا أشكر شكرهم وملائكتي تدعو لهم والبقاع تحبهم والآثار تبكي عليهم فكن لي ياأيوب شاكرا ولآلائي ذاكرا ولا تذكرني حتى أذكرك ولا تشكرني حتى أشكر أعمالك أنا أوفق أوليائي لصالح الأعمال وأشكرهم على ما وفقتهم وأقتضيهم الشكر ورضيت به مكافأة فرضيت بالقليل عن الكثير وتقبلت القليل وجازيت عليه بالجزيل وشر العبيد عندي من لم يشكرني إلا في وقت حاجته ، ولم يتضرع بين يدي إلا في وقت عقوبته وذكر الكلام وقد جعل الله تعالى الشاكرين بوصف الصالحين والمقربين والعالمين ؛ وهذه الأوصاف الثلاث من أعالي مقامات الموقنين ، فقال عز وجل : وقليل من عبادي الشكور كما قال الله تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) ص : 24 وكما قال في وصف المقربين : ( ثلة من الأولين ) ( وقليل من الآخرين ) الواقعة : 13 - 14 وكما قال عز وجل : ( ما يعلمهم إلا قليل ) الكهف : 22 وفي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : سلوا الله العافية وما أعطى عبد أفضل من العافية إلا اليقين ففضل العافية على كل عطاء ورفع اليقين ، فوق العافية لأن بالعافية يتم نعيم الدنيا واليقين معه وجود نعيم الآخرة ؛ فلليقين فضل على العافية كفضل الدوام على الانتقال ، والعافية سلامة الأبدان من الأسقام والعلل واليقين سلامة الأديان من الزيغ والأهواء : فهاتان نعمتان تستوعبان عظيم الشكر من العبد كما استوعب القلب والجسم جسيم النعم من الملك ، ومن أقوى المعاني في قوله تعالى : ( يوم لا ينفع مال ولا بنون ) ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) الشعراء : 88 - 89 قيل : سالم من الشك والشرك والسالم الصحيح المعافى وبوجود عافية اليقين في القلوب عدم الشك والنفاق وهي أمراض القلوب ، كما قال تعالى : ( في قلوبهم مرض ) البقرة : 10 قيل : شك ونفاق وعافية القلب أيضا من الكبائر كما قال تعالى : ( فيطمع الذي في قلبه مرض ) الأحزاب : 32 يعني الرياء ، ويقال : ما من مصيبة إلا ولله تعالى فيها خمس نعم ؛ أولها : أنها لم تكن في الدين ويقال كل مصيبة في غير الدين فهي طريق من الدين ، والثانية : إنها لم تكن أكبر منها ، والثالثة : أنها كانت مكتوبة عليه لا محالة فقد نفدت واستراح منها ، والرابعة : إنها عجلت في الدنيا ولم تؤجل في الآخرة فتعظم على مقدار عذاب الآخرة ، والخامسة : أن ثوابها خير منها فإن المصيبة إذا كانت في أمر الدنيا فإنها طريق إلى الآخرة وعندنا في قوله تعالى : ( إن الإنسان لظلوم كفار ) إبراهيم : 34 قيل : ظلوم بالتسخط كفار بالمعاصي وبالنعم ، وحدثت أن العباس رضي الله عنه لما توفي قعد ابنه عبد الله رضي الله عنه للتعزية فدخل الناس أفواجا يعزونه فكان فيمن دخل أعرابي فأنشده : اصبر نكن بك صابرين فإنما .

Section V01/P352–V01/P353

. . صبر الرعية بعد صبر الراس خير من العباس أجرك بعده . . . والله خير منك للعباس فقال ابن عباس : ماعزاني أحد تعزية الأعرابي واستحسن ذلك ، وفي قوله تعالى : ( إن الإنسان لربه لكنود ) العاديات : 6 قيل : هو الذي يشكو المصائب وينسى النعم ، ولو علم أن مع كل مصيبة عشر نعم بحذائها وزيادة قلت شكواه وبدلها شكرا ، ثم إن المصائب لا تخلو من ثلاثة أقسام كلها نعم من الله تعالى ، إما أن تكون درجة وهذا للمقربين والمحسنين ، واما أن تكون كفارة ، وهذا لخصوص أصحاب اليمين وللأبرار ، أو تكون هذا عقوبة وهذا للكافة من المسلمين ، فتعجيل العقوبة في الدنيا رحمة ونعمة ومعرفة هذه النعم طريق الشاكرين ، ومن أفضل النعم عند العلماء نعمة الإيمان ثم دوامه ، لأن دوام الشيء نعمة ثانية لأنه بحكم ثان عن مشيئة ثانية لأن الإرادة منه تعالى بحكم الإظهار لا توجب دوام المظهر فكان الشيء يظهر بإرادته ثم يتلاشى كأن لم يكن إلا أن يحكم سبحانه وتعالى حكما ثانيا بنعمة ثانية بالثبات والدوام إذ لو لم يرد دوام السموات والأرض ما داما ولو لم يرد دوام ثبات الجبال ما ثبتت ، كذلك لو لم يرد دوام الإيمان وثباته في القلوب بعد الكتب لظهر بالكتب ثم انمحى ورجع القلب إلى الكفر لكنه أنعم نعما لا تحصى بدوامه وثباته في القلب ، ومنه قوله تعالى : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت ) الرعد : 39 أي يمحو ما لايشاء ثبوته ويثبت ما يحب ولا يستطيع العبد شكر نعمة الإيمان ومعرفة بداية التفضل به وقديم الإحسان من غير قدم من العبد ولا استحقاق بل بفضل الله وبرحمته ، وهذا أحد الوجوه في قوله تعالى : ( كلا لما يقض ما أمره ) عبس : 23 أي لا يقضي العبد أبدا شكر ما أمره الله تعالى من نعمة الإسلام الي هي أصول النعم في الدنيا والآخرة وهي سبب النجاة من النار ومفتاح دخول الجنة ولا أول للعبد فيها ولاشفيع كان له إلى الله تعالى بها ثم دوام ذلك وثباته مع الطرف والأنفاس بمدد منه نعم مترادفة . ومن هذا قوله تعالى : ( كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ) المجادلة : 22 أي قواهم بمدد يثبته ويقويه وهو معنى قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) إبراهيم : 27 ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : يامقلب القلوب أي عن الإيمان ومقلبها في الشك والشرك ثبت قلبي على طاعتك ، ومعرفة هذه النعمة اللطيفة العظيمة تستخرج من القلب خوف سوء الخاتمة لمشاهدة سرعة تقليب القلب بالمشيئة وذلك مزيد شكرها وهذا داخل في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : أحبوا الله تعالى لما أسدى إليكم من نعمه ولما يغذوكم به أيضا ، فمن أفضل ما غذانا به نعمة الإيمان له والمعرفة به وغذاؤه لنا منه دوام ذلك ومدده بروح منه وتثبيتنا عليه في تصريف الأحوال إذ هو أصل الأعمال التي هي مكان النوال ، فلو قلب قلوبنا عن التوحيد كما يقلب جوارحنا في الذنوب ، ولو قلب قلوبنا في الشك والضلال كما يقلب نياتنا في الأعمال أي شيء كنا نصنع وعلى أي شيء كنا نعول وبأي شيء كنا نطمئن ونرجو ؛ فهذا من كبائر النعم ومعرفته هو من شكر نعمة الإيمان والجهل بهذا غفلة عن نعمة الإيمان يوجب العقوبة وادعاء الإيمان أنه عن كسب معقول أو استطاعة بقوة وحول هو كفر نعمة الإيمان وأخاف على من توهم ذلك أن يسلب الإيمان لأنه بدل شكر نعمة الله كفرا .

Section V01/P353–V01/P354

وقد جعل الله تعالى الخيرات من كسب الإيمان وليس لنا فيما يكسبنا الخيرات مكان بل الله تعالى من علينا أن هدانا للإيمان وجعله سببا يكسب لنا بإحسانه الإحسان كما قال تعالى : ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) الأنعام : 158 قيل التوبة ، وقيل : الصالحات كلها كسب الإيمان ومن النعم بعد الإيمان توفيقنا للحسنى وتيسيرنا لليسرى ، ثم صرف الكفر وأخلاق الكفرة وأعمالهم ثم تزيين الإيمان وتحبيبه إلينا وتكريه الفسوق والعصيان فضلا منه ونعمة إلى ما لا يحصى من نعمه فشكر ذلك لايقام به إلا بما وهب أيضا وأنعم به من المعرفة بذلك والمعونة عليه ، والحياء من تتابع النعم هو من الشكر والمعرفة بالتقصير عن الشكر شكر ، والاعتذار من قلة الشكر شكر ، والمعرفة بعظيم الحلم وكثيف الستر شكر ، والاعتراف بما أعطى من حسن الثناء وجميل النشر أنه من النعم من غير استحقاق من العبد بل هو مضاف إلى نعمه بل هو من الشكر ، وحسن التواضع بالنعم والتذلل فيها شكر ، وشكر الخلق بالدعاء لهم وحسن الثناء عليهم لأنهم ظروف العطاء وأسباب المعطى تخلقا بأخلاق المولى جل وعلا هو من الشكر ، وقلة الاعتراض وحسن الأدب بين يدي المنعم شكر ، وتلقي النعم بحسن القبول وتكثير تصغيرها وتعظيم حقيرها من الشكر ، لأن طائفة هلكت باستصغار الأشياء واستحقار وجود المنافع بها جهلا بحكمة الله تعالى واستصغار النعمة فكان ذلك كفرا بالنعم ، ومن الناس من يقول إن الصبر أفضل من الشكر وليس يمكن التفضيل بينهما عند أهل التحصيل من قبل أن الشكر مقام لجملة من المؤمنين والترجيح بين جماعة على جماعة لا يصح من قبل تفاوتهم في اليقين في المشاهدات لأن بعض الصابرين أفضل من بعض الشاكرين لفضل معرفته وحسن صبره ، وخصوص الشاكرين أفضل من عموم الصابرين لحسن يقينه وعلو مشاهدته ، ولكن تفضيل ذلك من طريق الأحوال والمقامات أنا نقول : والله أعلم أن الصبر عن النعيم أفضل لأن فيه الزهد والخوف ؛ وهما أعلى المقامات وأن الشكر على المكاره أفضل لأن فيه البلاء والرضا ، وأن الصبر على الشدائد والضراء أفضل من الشكر على النعم والسراء من قبل أنه أشق على النفس وأن الصبر مع حال الغنى والمقدرة أن يعصي بذلك أفضل من الشكر على النعم من قبل أن الصبر عن المعاصي بالنعم أفضل من الطاعة بها لمن جاهد نفسه فيها ، فإذا شكر على ما يصبر عليه فقد صار البلاء عنده نعمة ، وهذا أفضل لأنها مشاهدة المقربين ، وإذا صبر عما يشكر عليه من النعم كان أفضل لأنها حال المجاهدة .

Section V01/P354–V01/P355

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل يعني الأقرب شبها بنا فالأقرب ، فرفع أهل البلاء إليه ووصف نفسه به وجعلهم الأمثل فالأمثل منه فمن كان برسول الله صلى الله عليه وسلم أمثل كان هو الأفضل ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شاكرا على شدة بلائه كذلك الشاكر من الصابرين يكون أفضل لشكره على البلاء إذ هو الأقرب والأمثل بالأنبياء ، وكل مقام من مقامات المقربين يحتاج إلى صبر وشكر ، وأحدهما لا يتم إلا بالآخر لأن الصبر يحتاج إلى شكر عليه ليكمل ، والشكر يحتاج إلى صبر عليه ليستوجب المزيد ، وقد قرن الله تعالى بينهما ووصف المؤمنين بهما فقال : ( إن في ذلك لأيات لكل صبار شكور ) لقمان : 31 فذكرالشكر بلفظ المبالغة في الوصف على وزن فعول ، كما ذكرالصبر على وزن فعال وهو وصف المبالغة أيضا ، ولذلك اقتسما الإيمان نصفين ، كما جاء في الخبر : الصبر نصف الإيمان ، والشكر نصف الإيمان ، واليقين الإيمان كله ؛ لأن اليقين أصلهما وهما ثمرتاه عنه يوجدان لأن الشاكر أيقن بالنعمة أنها من المنعم وأيقن بإنجاز ما وعده من المزيد فشكر كما أيقن الصابر بمسه بالبلاء لأنه هو المبتلي وأيقن بثواب المبلي وحسن ثنائه على الصابرين فصبر فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ؛ فهما حالا الموقن إذ لا يخلو في أدنى وقت من أحد اثنين ؛ بلية وتحية ، إذ في كل شيء له آية فحاله في البلية الصبر ، وحاله في التحية الشكر ، والله يحب الصابرين ويحب الشاكر وهذا آخر شرح مقام الشكر والحمد لله رب العالمين .

Section V01/P355

شرح مقام الرجاء ووصف الراجين وهو الرابع من مقامات اليقين

Section V01/P355–V01/P356

قال الله تعالى : ( الله لطيف بعباده يرزق من يشاء ) الشورى : 19 وقال : جلت قدرته : ( وكان بالمؤمنين رحيما ) الأحزاب : 43 وقال تعالى : ( ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) الزمر : 53 وروينا في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : ولا يبالي أنه هو الغفور الرحيم ، وفي الأخبار لمشهورة فقبض قبضة فقال : هؤلاء في الجنة ولا أبالي المعنى والله أعلم أن رحمتي وسعت كل شيء فليس يضيق هولاء عنها ولا أبالي بدخولهم فيها ، ويكون هؤلاء أيضا في الجنة ، ولا أبالي بأعمالهم السيئة كلها ، وقال سبحانه وتعالى في وصف المتقين : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ) آل عمران : 135 فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ، وقال عز وجل في وصف المتوكلين : ( إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ) النجم : 32 وقال تعالى مخبرا عن الملائكة الحافين حول عرشه : ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ) الشورى : 5 وأخبر عز وجل أن النار أعدها لأعدائه وأنه خوف بها أولياءه ، فقال تعالى : ( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده ) الزمر : 16 ومثله قول عز وجل : ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) آل عمران : 131 وقال : ( فأنذرتكم نارا تلظى ) الليل : 14 لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ، وقال تعالى في عفوه عن الظالمين ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) الرعد : 6 ورينا أن النبي عليه السلام لم يزل يسأل في أمته حتى قيل له : أما ترضى وقد أنزلت عليك هذه الآية : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) آل عمران : 135 وفي تفسير قوله تعالى : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) الضحى : 5 قال : لا يرضى محمد صلى الله عليه وسلم أن يدخل واحد من أمته النار ، وكان أبوجعفر محمد بن علي رضي الله عنه يقول : أنتم أهل العراق تقولون أرجى آية في كتاب الله تعالى قوله تعالى : ( ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ) الزمر : 53 الآية ، ونحن أهل البيت نقول أرجى آية في كتاب الله تعالى : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) الضحى : 5 وعده ربه عز وجل أن يرضيه في أمته ، وروينا في حديث أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى : أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة جعل عقابها في الدنيا الزلازل والفتن فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من أمتي رجلا من أهل الكتاب فيقال هذا فداؤك من النار ، وروينا في لفظ آخر : يأتي كل رجل من هذه الأمة بيهودي أو نصراني إلى جهنم فيقول : هذا فدائي من النار فيلقي فيها ، وفي الخبر : إن الحمى من فيح جهنم وهي حظ المؤمنين من النار ، وروينا في تفسير قوله تعالى : ( يوم لايخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) التحريم : 8 ، إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم : تريد أن أجعل حساب أمتك إليك ؟ فقال : لا يارب أنت خير لهم مني ، قال : إذا لا نخزيك فيهم ، وقال سفيان الثوري رضي الله عنه : ما أحب أن يجعل حسابي إلى أبوي لأني أعلم أن الله تبارك وتعالى أرحم بي منهما .

Section V01/P356–V01/P357

وروينا في خبر سلمة بن وردان عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه تعالى في ذنوب أمته فقال : يارب اجعل حسابهم إلي لئلا يطلع على مساوئهم غيري فأوحى الله تعالى إلىه : هم أمتك وهم عبادي وأنا أرحم بهم منك لا أجعل حسابهم إلى غيري كيلا تنظر في مساوئهم أنت ولا غيرك ، وقد روينا عنه صلى الله عليه وسلم : أنه قال حياتي خير لكم وموتي خيرلكم ، أما حياتي فإني أبين لكم السنن وأشرع الشرائع ، وأما موتي فأعمالكم تعرض علي فما رأيت منها حسنا حمدت الله عز وجل وما رأيت منها شيئا استغفرت الله عز وجل لكم . وروينا في الأثر : إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله عز وجل ملائكته وبقاع الأرض معاصيه وبدلها حسنات حتى يرد القيامة وليس شيء يشهد عليه ، وكذلك يقال : إن المؤمن إذا عصاه ستره الله تعالى عن أبصار الملائكة كيلا تراه فتشهد عليه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم : ياكريم العفو ، فقال له جبريل عليه السلام : تدري ما تفسير يا كريم العفو هو أنه عفا عن السيئات برحمته ثم بدلها حسنات بكرمه ، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقول : اللهم إني أسألك تمام النعمة ، فقال : هل تدري ما تمام النعمة ؟ قال : لا ، قال : دخول الجنة ، وقد أخبرنا الله تعالى أنه قد أتم نعمته علينا برضاه الإسلام لنا ؛ فهذا دليل على دخول الجنة ، فقال عز وجل : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) المائدة : 3 وقد اشتركنا في ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نرجو المغفرة لذنوبنا بفضله ، فقال عز من قائل : ( ليغفرلك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر يتم نعمته عليك ) ، و في خبر علي رضي الله عنه : من أذنب ذنبا فستره الله تعالى عليه في الدنيا ، فالله تبارك وتعالى أكرم من أن يكشف ستره في الآخرة ، ومن أذنب ذنبا فعوقب عليه في الدنيا فالله تعالى أعدل من أن يثني عقوبته على عبده في الآخرة ، وفي لفظ آخر : لا يذنب عبد في الدنيا فيستره الله تعالى عليه إلا غفر له في الآخرة . وعن بعض السلف : كل عاص فإنه يعصي تحت كنف الرحمن ، والكنف من الإنسان حضنه ما بين يديه وصدره ، قال : فمن ألقى عليه كنفه ستر عورته ومن رفع عنه كنفه افتضح ، ويقال : إن من فضح في الدنيا بذنب فهو كفارته ولا يفضح به في الآخرة . وفي الخبر : إذا أذنب العبد فاستغفر الله ، يقول الله سبحانه وتعالى لملائكته : انظروا إلى عبد أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفرالذنب فيأخذ بالذنب ، أشهدكم أني قد غفرت له ، وحدثت عن محمد بن مصعب قال : كتب إلى أسود بن سالم بخطه : إن العبد إذا كان مسرفا على نفسه ؛ يرفع يديه يدعو يقول : يارب فإذا قال يارب ، حجبت الملائكة صوته ، فإذا قال الثانية يارب ، حجبت الملائكة صوته ، فإذا قال الثالثة يا رب حجبت الملائكة صوته ، فإذا قال الرابعة يقول الله تعالى حتى متى تحجبوا صوت عبدي عني ، قد علم عبدي أنه ليس له رب يغفر الذنوب غيري ، أشهدكم أني قد غفرت له ، وفي الحديث إذا أذنب العبد حتى تبلغ ذنوبه عنان السماء غفرتها له ما استغفرني ورجاني .

Section V01/P357

وفي حديث آخر : لو لقيني عبدي بقراب الأرض ذنوبا ، لقيته بقرابها مغفرة ما لم يشرك بي شيئا ، وفي الخبر : إن الملك ليرفع القلم عن العبد إذا أذنب ست ساعات ، فإن تاب واستغفر لم يكتبه عليه وإلا كتبها سيئة ، وفي لفظ آخر : فإذا كتبها عليه وعمل حسنة ، قال صاحب الشمال وهو أمير عليه : ألق هذه السيئة حتى ألقي من حسناته واحدة من تضعيف العشرة وأرفع تسع حسنات فيلقي عنه هذه السيئة ويقال : إن الله تعالى جعل في قلب صاحب اليمين من الرحمة للعبد أضعاف ما جعل في قلب صاحب الشمال مع أنه أمره عليه ، فإذا عمل العبد حسنة فرح بها ملك اليمين ، ويقال : فرح بها الملائكة فيكتب للعبد بفرحه الحسنات . وروينا في حديث أنس بن مالك الطويل : إذا أذنب العبد ذنبا كتب عليه ، فقال الأعرابي : فإن تاب ؟ محي من صحيفته ، قال : فإن عاد ؟ قال رسول صلى الله عليه وسلم يكتب عليه ، قال الأعرابي : فإن تاب ؟ قال محي من صحيفته ، قال : إلى متى يارسول الله ؟ قال : إلى أن يستغفر : ويتوب إلى الله تعالى ، وأن الله لا يمل من المغفرة حتى يمل العبد من الاستغفار ، فإذا هم العبد بحسنة كتبها صاحب اليمين حسنة قبل أن يعملها فإذا عملها كتبها عشر حسنات ثم ضاعفها الله عز وجل إلى سبعمائة ضعف ، وإذا هم بخطيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت خطيئة واحدة وراءها حسن عفوالله تعالى : وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني لا أصوم إلا الشهر لا أزيد عليه ولاأصلي إلا الخمس لا أزيد عليهن وليس لله تبارك وتعالى في مالي صدقة ولاحج ولا أتطوع أين أنا إذا مت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : في الجنة ، قال : يا رسول الله معك فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نعم معي إن حفظت قلبك من اثنين الغل والحسد ولسانك من اثنين : الغيبة والكذب ، وعينك من اثنين : النظر إلى ما حرم الله تعالى وإن تزدري بهما مسلما دخلت معي الجنة على راحتي هاتين . وروينا في الخبر الطويل عن أنس رضي الله عنه : أن الأعرابي قال : يا رسول الله من يلي حساب الخلق ؟ قال : الله عز وجل قال : هو بنفسه ؟ قال : نعم ، قال : فتبسم الأعرابي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مم ضحكت ياأعرابي ؟ فقال : إن الكريم إذا قدر عفا وروي تجاوز ، وإذا حاسب سامح ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق ألا ولا كريم أكرم من اله عز وجل هو أكرم الأكرمين ، ثم قال عليه السلام : فقه الأعرابي ، وفيه أيضا : إن الله تبارك وتعالى شرف الكعبة وعظمها ، ولو أن عبدا هدمها حجرا حجرا ثم أحرقها ما بلغ جرم من استخف بولي من أولياء الله تعالى ، قال الأعربي من أولياء الله ؟

Section V01/P357–V01/P359

قال : المؤمنون كلهم أولياء الله تعالى ، أما سمعت الله تعالى يقول : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) البقرة : 257 ، وفي الخبر المفرد عن النبي صلى الله عليه وسلم : المؤمن أفضل من الكعبة ، والمؤمن طيب طاهر والمؤمن أكرم على الله تعالى من الملائكة ، وفي الخبر المشهورعن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة رضي الله عنهما وكعب الأحبار أنه نظر إلى الكعبة فقال : ما أشرفك وما أعظمك وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك ، وقد أمر الله سبحانه وتعالى أنبياءه بتطهير بيته لأوليائه إجلالا لهم فشرف البيت بهم ، وفي الخبر عن الله تعالى : من أهان وليا فقد بارزني بالمحاربة وأنا الثائر لوليي في الدنيا والآخرة ، وفي أخبار يعقوب عليه السلام أن الله تعالى أوحى إلىه : تدري لم فرقت بينك وبين يوسف عليه السلام هذه المدة ؟ قال : لا قال : لقولك لإخوته أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ، لم خفت الذئب عليه ولم ترجني له ، ولم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي له ، ومن سبق عنايتي بك أن جعلت نفسي عندك أرحم الراحمين ، فرجوتني ولولا ذلك لكنت أجعل نفسي عندك أبخل الباخلين ، فالرجاء هو اسم لقوة الطمع في الشيء بمنزلة الخوف اسم لقوة الحذر من الشيء ، ولذلك أقام الله تعالى الطمع مقام الرجاء في التسمية وأقام الحذر مقام الخوف فقال : علت كلمته : ( يدعون ربهم خوفا وطمعا ) وقال تعالى : ( يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) وهو وصف من أوصاف المؤمنين وخلق من أخلاق الإيمان لا يصح إلا به كما لا يصح الإيمان إلا بالخوف ، فالرجاء بمنزلة أحد جناحي الطير لايطير إلا بجناحيه ، كذلك لا يؤمن من لا يرجو من آمن به ويخافه وهو أيضا مقام من حسن الظن بالله تعالى وجميل التأميل له ، فلذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا يموتن أحدكم إلاوهو حسن الظن بالله تعالى لأنه قال عن الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يحلف بالله تعالى ماأحسن عبد بالله تعالى ظنه إلا أعطاه الله تعالى ذلك لأن الخير كله بيده أي فإذا أعطاه حسن الظن بالله تعالى فقد أعطاه ما يظنه لأن الذي حسن ظنه به هو الذي أراد أن يحققه له . وروينا عن يوسف بن أسباط قال : سمعت سفيان الثوري رضي الله عنه يقول في قوله تعالى : ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) البقرة : 195 قال : أي أحسنوا بالله تعالى الظن ، وكذلك دخل رسول الله على الرجل وهو في سياق الموت فقال : كيف تجدك ؟ فقال : أجدني أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي ، فقال عليه السلام : ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله تعالى ما رجا وأمنه مما يخاف ، ولذلك قال علي كرم الله وجهه للرجل الذي أطار الخوف عقله حتى أخرجه إلى القنوط فقال له : يا هذا أيأسك من رحمة الله تعالى أعظم من ذنبك ؟ صدق رضي الله عنه لأن الإياس من روح الله تعالي الذي يستريح إليه المكروب من الذنوب والقنوط من رحمة الله تعالى التي يرجوها المبتلي بالذنوب أعظم من ذنوبه وهو أشد من جميع ذنوبه لأنه قطع بهواه على صفات الله تعالى المرجوة وحكم على كرم وجهه بصفته المذمومة فكان ذلك من أكبر الكبائر وإن كانت ذنوبه كبائر .

Section V01/P359–V01/P360

وهكذا جاء في التفسير : ولاتلقوا بأيدكم إلى التهلكة قال : هو العبد يذنب الكبائر ويلقى بيده ولا يتوب ويقول : قد هلكت لا ينفعني عمل فنهوا عن ذلك إلا أن الرجاء مقام جليل وحال شريف نبيل لا يصلح إلا للكرماء من أهل العلم ، والحياء وهو حال يحول عليهم بعد مقام الخوف ، يروحون به من الكرب ويستريحون إلىه من مقارفة الذنب ، ومن لم يعرف الخوف لم يعرف الرجاء ، ومن لم يقم في مقام الخوف لم يرفع إلى مقامات أهل الرجاء على صحة وصفاء ورجاء ، كل عبد من حيث خوفه ومكاشفته عن أخلاق مرجوة من معنى ما كان كوشف به من صفات مخوفة ، فإن كان أقيم مقام المخوفات من المخلوقات مثل الذنوب والعبوب والأسباب ، رفع من حيث تلك المقامات إلى مقامات الرجاء ، بتحقيق الوعد وغفران الذنب وتشويق الجنان وما فيها من الأوصاف الحسان ؛ وهذه مواجهات أصحاب اليمين وإن كان أقيم مقام مخاوف الصفات عن مشاهدة معاني الذات مثل سابق العلم وسوء الخاتمة وخفي المكر وباطن الاستدارج وبطش القدرة وحكم الكبر والجبروت ، رفع من هذه المقامات إلى مقام المحبة والرضا ، فرجا من معاني الأخلاق وأسماء الكرم والإحسان والفضل والعطف واللطف والإمتنان ، وليس يصح أن نخبر بكل ما نعلم من شهادة أهل الرجاء في مقامات الرجاء من قبل أنه لا يصلح لعموم المؤمنين ، وهو يفسد من لم يرزقه أشد الفساد فليس يصلح إلا بخصوصة ولا يجديه ولا يستجيب له ولا يستخرج إلا من المحبة ولا محبة إلا بعد نصح القلب من الخوف ، وأكثر النفوس لا يصلح إلاعلى الخوف ، كعبيد السوء لا يستقيمون إلا بالسوط والعصا ثم يواجهون بالسيوف صلتا ، ومن علامة صحة الرجاء في العبد كون الخوف باطنا في رجائه لأنه لما تحقق برجاء شيء خاف فوته لعظم المرجو في قلبه وشدة اغتباطه به ، فهو لا ينفك في حال رجائه من خوف فوت الرجاء ؛ والرجاء هو ترويحات الخائفين ، ولذلك سمت العرب الرجاء خوفا لأنهما وصفان لا ينفك أحدهماعن الآخر ، ومن مذهبهم أن الشيء إذا كان لازما لشيء أو وصفا له أو سببا منه ، أن يعبروا عنه به فقالوا : مالك لا ترجو كذا وهم يريدون ما لك لا تخاف ؟ وعلى هذه اللغة جاء قول الله تعالى : ( ما لكم لا ترجون لله وقارا ) نوح : 13 أجمعوا على تفسيره : مالكم لا تخافون لله عظمة ، وهو أيضا أحد وجهي تفسير قوله تعالى : ( فمن كان يرجو لقاء ربه ) الكهف : 110 أي يخاف من لقائه ومثل الخوف من الرجاء ، مثل اليوم من الليلة لما لم ينفك أحدهما عن الآخر جاز أن يعبر عن المدة بأحدهما فيقال : ثلاثة أيام وثلاث ليال ، ومنه قول الله تعالى مخبرا عن قصة واحدة فقال عز وجل : ( آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ) مريم : 10 ثم قال تعالى : ( ثلاثة أيام إلا رمزا ) آل عمران : 41 فلما لم يكن اليوم ينفك عن ليلته والليلة لا تنفك عن يومها أخبر عن أحدهما بالآخر لأن أحدهما يشبه الآخر مندرج فيه ، ولا يظهر إلا أحدهما بحكمة الله تعالى وقدرته لتفاوت أحكامه فيهما ، وافتراق إنعامه بهما ، فإذا ظهر النهار اندرج الليل فيه بقدرته تعالى ، وإذا ظهر الليل استتر النهار بحكمه تعالى ، وهو حقيقة إيلاجه أحدهما في الآخر ، وتحقيق تكويره أحدهما على صاحبه ، فكذلك حقيقة الرجاء والخوف في معاني الملكوت إذا ظهر الخوف كان العبد خائفا ، وظهرت عليه أحكام الخوف عن مشاهدة التجلي بوصف مخوف ، فسمي العبد خائفا لغلبته عليه وبطن الرجاء في خوفه ، وإذا ظهر الرجاء كان العبد راجيا وظهرت منه أحكام الرجاء عن مشاهدة تجلي الربوبية بوصف مرجو فوصف العبد به لأنه هو الأغلب عليه وبطن الخوف في رجائه لأنهما وصفان للإيمان كالجناحين للطير ، فالمؤمن بين الخوف والرجاء كالطائر بين جناحيه وكلسان الميزان بين كفتيه ومنه قول مطرف : لو وزن خوف المؤمن ورجاءه لاعتدلا فهذا أصل في معرفة حقيقة الرجاء وصدق الطمع في المرجو ، فالمؤمنين في اعتدال الخوف والرجاء مقامان ؛ أعلاهما مقام المقربين ، وهو ما حال عليهم من مقام مشاهدة الصفات المخوفة والأخلاق المرجوة ، والثاني مقام أصحاب اليمين وهو ماعرفوه من بدائع الأحكام وتفاوت الأقسام ، من ذلك أنه أنعم سبحانه وتعالى على الخلق بفضله عن كرمه اختيارا لا إجبارا ، فلما أعلمهم ذلك رجو تمام النعمة من حيث ابتداؤها ، ومن ههنا طمع السحرة في المغفرة لما ابتدؤا بالإيمان فقالوا : إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا إن كنا أول المؤمنين ، أي من حيث جعلنا أول المؤمنين من هذا المكان نرجو أن يغفر لنا بأن جعلنا مؤمنين به فرجوه منه ، وقد ذم الله تعالى عبدا أوجده نعمة ثم سلبها فأيس من عودها عليه فقال تعالى : ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ) هود : 9 ثم استثنى عباده الصابرين عليه الصالحين له فقال تعالى : ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ) هود : 11 وروي أن لقمان عليه السلام قال لابنه خف الله تعالى خوفا لا تأمن فيه مكره ، وارجه رجاء أشد من خوفك ، قال : وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد ؟

Section V01/P360–V01/P362

قال : أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ، ويرجو بالآخر ؟ والمعنى أن الخوف والرجاء وصف الإيمان لا يخلو منهما قلب مؤمن ، فصار كذي قلبين حينئذ ثم إن الخلق خلقوا على أربع طبقات ، في كل طبقة طائفة فمنهم من يعيش مؤمنا ويموت مؤمنا ، فمن ههنا رجاؤهم لأنفسهم ولغيرهم من المؤمنين ، إذ قد أعطاهم فرجوا أن يتم عليهم نعمته وأن لا يسلبهم بفضله ما به بدأهم ، ومن الناس من يعيش مؤمنا ويموت كافرا فهذا موضع خوفهم عليهم وعلى غيرهم لمكان علمهم بهذا الحكم ولغيب حكم الله تعالى بعلمه السابق فيهم ، ومن الناس من يعيش كافرا ويموت مؤمنا ، ومنهم من يعيش كافرا ويموت كافرا ؛ فهذان الحكمان أوجبا رجاءهم الثاني للمشترك إذا رأوه فلم يقنطوا بظاهره أيضا خوف هذا الرجاء خوفا ثانيا أن يموت على تلك الحال وأن يكون ذلك هو حقيقة عند الله تعالى ، فعلم المؤمن بهذه الأحكام الأربعة ورثه الخوف والرجاء معا ، فاعتدل حاله بذلك لاعتدال إيمانه به ، وحكم على الخالق بالظاهر ، ووكل إلى علام الغيوب السرائر ، ولم يقطع على عبد بظاهره من الشر ، بل يرجو له ما بطن عند الله تعالى من الخير ، ولم يشهد لنفسه ولا لغيره بظاهر الخير ، بل يخاف أن يكون قد استسر عند الله تعالى باطن شر ، إلا أن حال التمام أن يخاف العبد على نفسه ويرجو لغيره لأن ذلك هو وجد المؤمنين من قبل أنهم متعبدون بحسن الظن ، فهم يحسنون الظن بالناس ، ويخرجون لهم المعاذير بسلامة الصدور ، وتسليم ما غاب إلى من إليه تصير الأمور ، ثم هم في ذلك يسيئون الظن بنفوسهم لمعرفتهم بصفاتها ، ويوقعون الملاوم عليها ولا يحتجون لها لباطن الإشفاق منهم عليهم ، ولخوف التزكية منهم لهم ، فمن قلب عليه هذان المعنيان فقد مكر به حتى يحسن الظن بنفسه ويسيء ظنه بغيره ، فيكون خائفا على الناس ، راجيا لنفسه ، عاذرا لنفسه ، محتجا لها ، لائما للناس ، ذاما لهم ؛ فهذه أخلاق المنافقين ، ثم إن للراجي حالا من مقامه ولحاله علامة من رجائه ، فمن علامة الرجاء عن مشاهدة المرحو ، دوام المعاملة وحسن التقرب إليه وكثرة التقرب بالنوافل لحسن ظنه به وجميل أمله منه ، وأنه يتقبل صالح ما أمر به تفضلا منه من حيث كرمه ، لا من حيث الواجب عليه ، ولا الاستحقاق منا وأنه أيضا يكفر سئ ما عمله إحسانا منه ورحمة من حيث لطفه بنا وعطفه علينا لأخلاقه السنية وألطافه الخفية لا من حيث اللزوم له بل من حيث حسن الظن به ، كما قال سفيان الثوري رضي الله عنه : من أذنب ذنبا ، فعلم أن الله تعالى قدره عليه ورجا غفرانه غفر الله عز وجل له ذنبه ، قال : لأن الله تعالى غير قوما فقال تعالى : ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ) فصلت : 23 وقد قال سبحانه وتعالى في مثله : ( وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ) الفتح : 12 أي هلكى ، ففي دليل خطابه عز وجل أن من ظن حسنا كان من أهل النجاة ، وقد جاء في الأثر : إن من أذنب ذنبا فأحزنه ذلك غفر له ذنبه وإن لم سيغفر ، ومقام الرجاء كسائر مقامات اليقين منها فرض وفضل ، فعلى العبد فرض أن يرجو مولاه وخالقه معبوده ورازقه ، من حيث كرمه وفضله ، لا من حيث نظره إلى صفات نفسه ولؤمه ، وقد كان سهل رحمه الله تعالى يقول : من سأل الله تبارك وتعالى شيئا فنظر إلى شيء وإلى أعماله لا يرى الإجابة حتى يكون ناظرا إلى الله تبارك وتعالى وحده وإلى لطفه وكرمه ، ويكون موقنا بالإجابة ، ولعمري أن من سأل الله تعالى ورغب إلىه في شيء ، ورجاه ناظرا إلى نفسه وعمله ، فإنه غير مخلص في الرجاء له تعالى لشركه في النظر إليه ، وإذا لم يكن مخلصا لم يكن موقنا ، ولا يقبل الله تعالى عملا ولا دعاء إلا من موقن بالإجابة مخلص ، فإذا شهد التوحيد ونظر إلى الوحدانية فقد أخلص وأيقن ، وهكذا جاء في الخبر : إذا دعوتم فكونوا موقنين بالإجابة ، فإن الله تعالى لا يقبل إلا من موقن ومن داع دعاء بينا من قلبه ، لأن من استعمله الله تعالى بالدعاء له فقد فتح له بابا من العبادة .

Section V01/P362–V01/P363

وفي الخبر : الدعاء نصف العبادة ولايقبل الله تعالى من الدعاء إلا الناخلة بمعنى المنخول وهو الخالص ، فأقل ما يعطيه من دعائه أن يكون ذلك حسنة منه ، يضعفه له عشرا إلى سبعمائة ضعف ، وأعلاه أن يدخر له في الآخرة ماهو خير له من جيمع الدنيا وما فيها مما لم يخطر على قلبه قط ، ويكون ذلك حسن نظر من الله تعالى له واختيار ، وأوسط ذلك أن يصرف عنه من البلاء الذي هو لو كان علمه كان صرفه أهم عليه وأحب إليه مما سأل فيه ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من داع دعا موقنا بالإجابة في غير معصية ولا قطيعة رحم ، إلا إعطاه الله تعالى إحدى ثلاث ؛ إما أن يجيب دعوته فيما سأل ، أو يصرف عنه من السوء مثله ، أو يدخر له في الآخرة ما هو خير له ، وفي أخبار موسى عليه السلام : يارب أي خلقك أنت عليه أشد تسخطا ؟ فقال تعالى : من لم يرض بقضائي ، ومن يستخيرني في أمر فإذا قضيت له كره ذلك ، وفي الخبر الآخر : إنه قال يارب أي الأشياء أحب إليك وأيها أبغض ؟ فقال سبحانه وتعالى : أحب الأشياء إلي الرضا بقضائي وأبغضها إلي أن تطري نفسك . وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم : أنه قال للرجل الذي قال : أوصني فقال : لاتتهم الله تعالى في شيء قضاه عليك ، وفي الخبر الآخر : أنه نظر إلى السماء وضحك صلى الله عليه وسلم فسئل عن ذلك فقال : عجبت لقضاء الله تعالى للمؤمن في كل قضائه له خير ، إن قضي له بالسراء رضي ؛ وكان خيرا له وإن قضي عليه بالضراء رضي به وكان خيرا له ، ومن حسن الظن بالله تعالى لطف التملق له سبحانه وتعالى ، وهو من قوة الطمع فيه ، وفي خبر : حسن الظن بالله عز وجل من حسن عبادة الله عز وجل ، كما روينا في تفسير قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) البقرة : 73 إن الكلمات هي قوله عليه السلام : يارب هذا الذنب الذي أصبته كان من قبل نفسي أو من شيء سبق في علمك قبل أن تخلقني قضيته علي ، فقال : بل شيء سبق في علمي كتبته عليك ، قال : يارب فكما قضيته علي فاغفر لي ، قال : فهي الكلمات التي لقاه الله تعالى إياها . وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة : ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره ؟

Section V01/P363–V01/P364

قال : فإن لقن الله تعالى العبد حجته قال : يارب رجوتك وخفت الناس ، قال : لقد غفرت له ، وفي الخبرالمشهور : أن رجلا كان يداين الناس فيسمح لهم ويتجاوز عن المعسر فلقي الل تعالى ولم يعمل خيرا قط ، فقال الله تعالى سبحانه وتعالى : نحن أحق بذلك منك قال : فغفر له برجائه وظنه ، ثم يتفاوت الراجون في فضائل الرجاء ، فالمقربون منهم رجوا النصيب الأعلى من القرب والمجالسة والتجلي بمعاني الصفات مما عرفوه ؛ وهذا عن علمهم به وأصحاب اليمين من الراجين رجوا النصيب الأوفر من مزيده والفضل الأجزل من عطائه يقينا بما وعد ، ومن الرجاء : انشراح الصدر بأعمال البر وسرعة السبق والمبادرة بها خوف فوتها ورجاء قبولها ، ثم مهاجرة السوء ومجاهدة النفس رجاء انتجاز الموعور وتقربا إلى الرحيم الودود ، ومنه قول أصدق القائلين : ( إن الذين آمنواوالذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ) البقرة : 218 وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرة والمجاهدة فقال المهاجر : من هجر السوء ، والمجاهد : من جاهد نفسه في الله تعالى ، وأقام الصلاة التي هي خدمة المعبود ، وبذل المال سرا وعلانية وقليلا وكثيرا ، وأن لا يشتغل عن ذلك بتجارة الدنيا ، كما وصف الله سبحانه وتعالى المحققين من الراجين إذ يقول عز من قائل : ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ) فاطر : 29 ومن الرجاء القنوت في ساعات الليل ؛ وهو طول القيام للتهجد ، والدعاء عند تجافي الجنوب عن المضاجع لما وقر في القلوب من المخاوف ، ولذلك وصف الله الراجين بهذا في قوله تعالى : ( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) الزمر : 9 فسمى أهل الرجاء والحذر وأهل التهجد آناء الليل علماء ، وحصل من دليل الكلام : أن من لم يخف ولم يرج غير عالم لنفيه المساواة بينهما ، وهذا مما يحذف خبره اكتفاء بأحد وصفيه إذ في الكلام دليل عليه فالرجاء هو أول مقام من اليقين عند المقربين وهو ظاهر أوصاف الصديقين ، ولايكمل في قلب عبد ، ولا يتحقق به صاحبه حتى يجتمع فيه هذه الأوصاف ؛ الإيمان بالله تعالى ، والمهاجرة إليه سبحانه وتعالى ، والمجاهدة فيه وتلاوة القرآن ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق في سبيل الله تعالى ، ثم السجود آناء الليل ، والقيام والحذر مع ذلك كله ؛ فهذه جملة صفات الراجين ، وهو أول أحوال الموقنين ثم تتزايد الأعمال في ذلك ظاهرا وباطنا بالجوارح والقلوب عن تزايد الأنوار والعلوم ومكاشفات الغيوب بالأوصاف الموجودة وفصل الخطاب ، إن الخوف والرجاء طريقان إلى مقامين ؛ فالخوف طريق العلماء إلى مقام العلم ، والرجاء طريق العمال إلى مقام العاملين ، وقد وصف الله عز وجل الراجين مع الأعمال الصالحة لقوة رجائهم بالخوف ، تكملة لصدق الرجاء وتتمة لعظيم الغبطة به ، فقال تعالى وتقدس : ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ) المؤمنون : 60 وقال عز وجل مخبرا عنهم في حال وفائهم وأعمال برهم : ( إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ) ( فمن الله علينا ) الطور : 26 - 27 وقال عز وجل : ( يوفون بالنذر ويخافون يوما ) الإنسان : 7 من قبل أن الخوف مرتبط بالرجاء ، فمن تحقق بالرجاء صارعه الخوف أن يقطع به دون ما رجا ، وقال أهل العربية في معنى قوله تعالى : ( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) ( الجاثية : 14 أي للذين لايخافون عقوبات الله تعالى ، فإذا كان هذا أمره بالمغفرة لمن لا يرجو فكيف يكون غفره وفضله على من يرجو ، وبعضهم يقول في معنى قوله تعالى : ( ويرجون من الله ما لا يرجون ) النساء : 104 أي تخافون منه ما لا يخافون ، فلولا أنهما عند العلماء كشيء واحد ما فسر أحدهما بالآخر ، ومن الرجاء الأنس بالله تعالى في الخلوات ، ومن الأنس به الأنس بالعلماء والتقرب من الأولياء ، وارتفاع الوحشة بمجالسة أهل الخير ، وسعة الصدر والروح عندهم ، ومن الرجاء سقوط ثقل المعاونة على البر والتقوى ، لوجود حلاوة الأعمال والمسارعة إليها ، والحث لأهلها عليها والحزن على فوتها والفرح بدركها ، ومن ذلك الخبر المأثور من سرته حسنته وساءته سيئته ، فهو مؤمن ، والخبر المأثور : خيار أمتي الذين إذا أحسنوا استبشروا ، وإذا أساؤوا استغفروا لأن المؤمن على يقين من أمره وبصيرة من دينه ، والخوف والرجاء وصف الموقن بالله تعالى فهو إذا عمل حسنة ، أيقن بثوابها لصدق الوعد وكرم الموعد ، وإذا عمل سيئة أيقن بالكراهة لها ، وخاف المقت عليها لخوف الوعيد وعظمة المتوعد من قبل أن دخوله في الطاعة ، دخول في محبة الله تعالى ومرضاته لما دل العلم عليه ؛ فهذا رضا الله سبحانه وتعالى في الدنيا ، فكيف لا يسره رضاه ومن قبل أن دخوله في المعصية دخول في غضب الله تعالى ومكارهه ، بما دل العلم عليه فذلك الذي يسوءه لأن مقت الله تعالى اليوم معاصيه وسخطه غدا تعذيبه ، ومن هذا قول الله عز وجل وهو أصدق القائلين : ( ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم ) غافر : 10 قال : لما نظروا إلى أنفسهم بتشويه خلقهم في النار مقتوها فنودوا لمقت الله في الدنيا على معاصيه أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم في العذاب ، كما أن رضاه غدا تنعيمهم في جنته كذلك رضاه اليوم عملهم بطاعته ومرضاته ؛ وهذا وصف عبد مراد مكاشف بعلم اليقين .

Section V01/P364–V01/P366

ومن هذا حديث زيد الخيل إذ قال للنبي صلى الله عليه وسلم : جئتك أسألك عن علامة الله تعالى فيمن يريد وعلامته فيمن لا يريد فقال : كيف أصبحت فقال : أصبحت أحب الخير وأهله وإذا قدرت على شيء منه سارعت إليه وأيقنت بثوابه وإذا فاتني شيء منه حزنت عليه وحننت إليه فقال صلى الله عليه وسلم : هذه علامة الله تعالى فيمن يريد ولو أرادك للأخرى هيأك لها ، ثم لم يبال في أي أوديتها هلكت ، ومن الرجاء التلذذ بدوام حسن الإقبال والتنعم بمناجاة ذي الجلال وحسن الإصغاء إلى محادثة القريب والتلطف في التملق للحبيب وحسن الظن به في العفو الجميل ومنال الفضل الجزيل ، وقال بعض العارفين : للتوحيد نور وللشرك نار ، ونور التوحيد أحرق لسيئات المؤمن من نار الشرك لحسنات المشرك ، ولما احتضر سليمان التيمي قال لابنه : يابني حدثني بالرخص واذكر لي الرجاء حتى ألقى الله تعالى على حسن الظن به ، وكذلك لما حضر سفيان الثوري رضي الله عنه الوفاة جعل العلماء حوله يرجونه ، وحدثنا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال لابنه عند الموت : اذكر لي الأخبار التي فيها الرجاء وحسن الظن ، فلولا أن الرجاء وحسن الظن من فواضل المقامات ما طلبه العلماء في آخر الأوقات عند فراق العمر ولقاء المولى لتكون الخاتمة به وهم يسألون الله حسن الخاتمة طول الحياة ، ولذلك قيل : إن الخوف أفضل مادام حيا فإذا حضر الموت فالرجاء أفضل ، وقد كان يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى يقول في مقامات الرجاء : إذا كان توحيد ساعة يحبط ذنوب خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة ماذا سيصنع بالذنوب ؟ وقال أبو محمد سهل رضي الله عنه : لا يصبح الخوف إلا لأهل الرجاء ، وقال مرة : العلماء مقطوعون إلا الخائفين ، والخائفون مقطوعون إلا الراجين ، وكان يجعل الرجاء مقاما في المحبة وهو عند العلماء أول مقامات المحبة ، ثم يعلو في الحب على قدر ارتفاعه في الرجاء وحسن الظن ، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في الرجاء لا يصلح ذكرها لعموم الناس ولكن نذكر من ذلك ما ظهر خلق الله تعالى لجهنم من فضل رحمته سوطا يسوق الله عز وجل به عباده إلى الجنة ، وخبر آخر ، يقول الله تعالى : إنما خلقت الخلق ليربحوا علي ولم أخلقهم لأربح عليهم ، وفي حديث عطاء بن يسارعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ماخلق الله تعالى شيئا إلا جعل له ما يغلبه وجعل رحمته تغلب غضبه ، والخبر المشهور : إن الله تعالى كتب على نفسه قبل أن يخلق الخلق : إن رحمتي تغلب غضبي ، والأخبار المشهورة عن معاذ بن جبل وأنس بن مالك رضي الله عنهما : من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ، ومن كان آخركلامه قول : لا إله إلا الله لم تمسه النار ، ومن لقي الله تعالى لا يشرك به شيئا حرمت عليه النار ولا يدخل النار من في قلبه وزن ذرة من إيمان ، وقد قال في خبر آخر : لو يعلم الكافر سعة رحمة الله تعالى ما أيس من رحمته أحد وقد قال تعالى في حسن عفوه عن أكبر الكبائر بعد ظهور الآيات : ( ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك ) النساء : 153 ، وقال في خطاب لطيف لأوليائه يعرفهم نفاذ أحكامه فيهم وجريان مشيئته عليهم : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم ، عزيز لا يوصل إليه إلا به ، حكيم حكم بمشيئته على عباده ، ثم يغفر الذنوب جميعا فلا يبالي كما أجرى على من فضله على العالمين ، مقالة الكافرين فلم يضرهم مع تفضيله لهم إذ قالوا لموسى عليه السلام : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، فقال : أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ؛ وبهذا المعنى عارض علي كرم الله وجهه رأس الجالوت لما قال له : لم تلبثوا بعد نبيكم عليه السلام إلا ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف فقال علي كرم الله وجهه : أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة .

Section V01/P366–V01/P367

وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بمايفزعهم وينفرهم ، وقال في حديث آخر : بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا ، ولما وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا الحديث ، فهبط جبريل عليه السلام فقال : إن الله تعالى يقول : لم تقنط عبادي ؟ فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجاهم وشوقهم ، ولما تلا الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) الحج : 1 قال : أتدرون أي يوم ؟ هذا يوم يقال لآدم عليه السلام : قم فابعث نصيب النار من ذرتك ، فقال : كم ؟ قيل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة ، قال : فبكوا يومهم ذلك وتركوا الأشغال والعمل ، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما بالكم أنتم في الأمم مثل شعرة بيضاء في جلد ثور أسود ، والخبر المشهور : لو لم تذنبون لخلق الله تعالى خلقا يذنبون ليغفر لهم ، وفي لفظ آخر : لذهب بكم وجاء بقوم يذنبون فيغفر لهم ، إنه هو الغفور الرحيم أي أن وصفه سبحانه وتعالى المغفرة والرحمة ، فلابد أن يخلق مقتضى وصفه حتى يحق وصفه عليه هذا كما يقول في علم المعرفة : إن له سبحانه وتعالى من كل اسم وصفا ومن كل وصف فعل ، وفي هذا سر المعرفة ومنه معرفة الخصوص ، وحكي لنا معناه عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه قال : خلا لي الطواف ذات ليلة ، وكانت ليلة مطيرة مظلمة فوقفت في الملتزم عند الباب فقلت : يارب اعصمني حتى لاأعصيك أبدا ، فهتف بي هاتف من البيت : ياإبراهيم أنت تسألني العصمة وكل عبادي المؤمنين يطلبون ذلك ، فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر ؟ وكان الحسن البصري رضي الله عنه يقول : لو لم يذنب المؤمن لكان يطير طيرا ولكن الله تعالى قمعه بالذنوب . وفي الخبر مثله : لوم لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو شر من الذنوب ، قيل : وما هو ؟ قال : العجب ، ولعمري أن العجب من صفات النفس المتكبرة ، وهو يحبط الأعمال ، وهو من كبائر أعمال القلوب والذنوب من أخلاق النفس الشهوانية ، ولأن يبتلي العبد الشهواني بعشر شهوات من شهوات النفس خير له من أن يبتلي بصفة من صفات النفس مثل الكبر ، والعجب ، والبغي ، والحسد ، وحب المدح ، وطلب الذكر ؛ لأن هذه منها ؛ معاني صفات الربوبية ، ومنها أخلاق الأباسلة ، وبها هلك إبليس ، وشهوات النفس من وصف الخلقة وبها عصى أدم ربه فاجتباه بعدها وتاب عليه وهدى ، وقد قال بشر بن الحرث : سكون النفس إلى المدح أضر عليها من العاصي ، ورأى يوسف بن الحسين مخنثا فأعرض عنه إزراء عليه ، فالتفت إليه المخنث وقال : وأنت أيضا يكفيك مابك ففزع من قوله ، فقال : وأي شيء تعلم ؟ قال : لأن عندك أنك خير مني ، فاعترف يوسف بقوله ، فتاب واستغفر وكان بعض الراجين من العارفين إذا تلا هذه الآية ، آية الدين التي في سورة البقرة ، يسر بذلك ويستبشر لها ويعظم رجاؤه عندها ، فقيل له في ذلك : إنها ليس فيها رجاء ولا ما يوجب الاستبشار فقال : بلى فيها رجاء عظيم ، قيل : وكيف ذلك ؟ فقال : إن الدنيا كلها قليل ورزق الإنسان فيها قليل من قليل وهذا الدين من رزقه قليل ، ثم إن الله تبارك وتعالى احتاط في ذلك ورفق النظر لي بأن وكد ديني بالشهود والكتاب وأنزل فيه أطول آية في كتابه ، ولو فاتني ذلك لم أبال به فكيف يكون فعله بي في الآخرة التي لا عوض لي من نفسي فيها .

Section V01/P367–V01/P368

وكذلك كان بعض الراجين يفهم من قوله تعالى إذا تلا : ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) الزمر : 47 يرجو من ذلك بوادي الجود والإحسان مما لم يحسبه في الدنيا قط ، وقد كان الجنيد رحمه الله يقول : إن بدت عين من الكرم ألحقت المسيئين بالمحسنين ، وعلى ذلك جاء في الخبر : ليغفرن الله تعالى يوم القيامة مغفرة ماخطرت قط على قلب أحد حتى أن إبليس يتطاول رجاء أن تصيبه ، وفي الخبر : إن لله تعالى تسعا وتسعين رحمة أظهر منها في الدنيا رحمة واحدة بها يتراحم الخلائق فتحن الوالدة إلى ولدها وتعطف البهيمة على ولدها ، فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى تلك التسعة والتسعين ، ثم بسطها على جميع خلقه وكل رحمة منها طباق السموات والأرضين ، قال : فلا يهلك على الله تعالى إلا هالك ، وقد قال بعض العلماء : إن الله تعالى إذا غفر لعبد في موقف القيامة ذنبا غفر ذلك الذنب لكل من عمله ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : اعملوا وأبشروا واعلموا أن أحدا لن ينجيه عمله . وفي الحديث الآخر : ما منكم من أحد يدخله عمله الجنة ولا ينجيه من النار ، قالوا : ولا أنت يارسول الله ، قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة وفضل ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : إني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، وفي لفظ آخرأترونها للمصفين المتقين بل هي للمخلصين المتلوثين وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنهما ، وقد بعثهما واليين على اليمن فأوصاهما فيما أمرهما به فقال يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ، فعلم المؤمنين بكرم الله تعالي وخفي لطفه ، ولطيف منه لا يقعدهم عن تأميله ، ولا يقصر بهم عن رجاءه ، ولا حسن ظنهم به ، ولا يقوى الخوف فيخرجهم إلى الأياس من رحمته ، لأجل علمهم بجبريته وكبريائه ، من قبل أن المهوب هو المحبوب فمحبته تؤنسهم وترجيهم ، وهيبته تزعجهم وتخيفهم فخوفهم في المهابة في لذاذة ونعيمهم بالحب في مهابة فهم في مقام الخوف والمحبة معتدلون ، وبقوة العلم بهما متمكنون ، وفي مشاهدة المخوف والمحبوب مستقيمون ، وهذا المقام هو وصف العارفين من الموقنين ؛ وهم أهل كمال الإيمان وصفوة خصوص ذوي الإيقان إذ قد عرفوا أن الله تبارك وتعالى كامل في صفاته لا يعتريه نقصان في وصف دون وصف وإنما الرحمة لسعة العلم ، كما العلم لسعة القدرة لما شهدوا من وصفه بما سمعوا من كلامه أنه كان عليما قديرا .

Section V01/P368–V01/P369

كذلك قال تعالى : ( وسعت كل شيء رحمة وعلما ) غافر : 7 وكذلك فهموا من قوله تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) الأعراف : 156 فدخلت جهنم وغيرها في توسعة الرحمة من حيث كن شيئا وقوله عز وجل : ( فسأكتبها للذين يتقون ) الإسراء : 44 معناه خصوص الرحمة ، وصفها لا كنهها ، إذ لا نهاية للرحمة ، لأنها صفة الراحم الذي لا حد له ، ولأنه لم يخرج من رحمته شيء كما لم يخرج من حكمته وقدرته شيء ، لأن جهنم والنار الكبرى وغيرهما ليس كنه عذابه ولا كلية تعذيبه ، فمن ظن ذلك به لم يعرفه ، ولأنه لما أظهر من عذابه مقدار طاقة الخلق كما أنه أظهر من ملكه ونعمه مقدار مصالح الخلق وما لا يصلح للخلق ، ولا يطيقون إظهاره أكثر مما أظهر من النعيم والعذاب ، بل لا ينبغي لهم أن يعرفوا فوق ما أبدى لأن نهاية تعذبيه وتنعيمه من نهاية ملكه الذي هو قائم به وملكه عن غاية قدرته وسلطانه ، ولانهاية لذلك ، ولا يطيق الخلق كله إظهار ذلك ، وذلك أيضا عن تعالي صفاته وبهاء أسمائه المتناهيات ، ولا سبيل إلى كشف ذلك من الغيوب ، فسبحان من لا نهاية لقدرته ولا حد لعظمته ولا أمد لسلطانه ، وكذلك شهدوا ما سمعوا من قوله عز وجل : ( إنه كان حليما غفورا ) الإسراء : 44 ، وقال : ( وكان الله عليما حليما ) الأحزاب : 51 ، فعلموا أن المغفرة على سعة الحلم ، كما أن الحلم سعة العلم ، فلما رأوا عظيم حلمه رجو عظيم مغفرته ، ولما شهدوا كثيف ستره أملوا جميل عفوه ، وكذلك يقال : إن حملة العرش يتجاوبون بأصوات سبحانك على حلمك بعد علمك ، سبحانك على عفوك بعد قدرتك ، فللراجين من العارفين فهوم من السمع للكلام نحو علو نظرهم عن سمو علومهم بمعاني الصفات ، وكل صاحب مقام يشهد من مقامه ويسمع من حيث شهادته ، فأعلاهم شهادة الصديقون ، ثم الشهداء ثم الصالحون ، ثم خصوص المؤمنين ، فبه تبارك وتعالى استدلوا عليه ، ومنه إليه نظروا ، هم درجات عند الله والله بصير بمايعلمون ، وكان سهل رضي الله عنه يقول : المحسن يعيش في سعة الرحمة والمسيء يعيش في سعة الحلم ، وصفاته تبارك وتعالى كاملات ، فمن شهد ترجيح بعضها على بعض دخل عليه النقص من مشاهدته لقصور علمه عن تمام علم من فوقه من الشهداء ، ولأجل مقامه المراد به دون طريق الصديقين من الأقوياء ، فعاد ذلك على العبد فصار ذلك مقاما له في القرب والبعد تعالى وصف المشهود عن النقصان والحد ، ومثل الرجاء من الخوف مثل الرخصة في الدين من العزائم ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه ، وفي لفظ آخر أبلغ من هذا : وأؤكد أن الله يحب أن يقبل رخصه كما يكره أن يوتى معاصيه .

Section V01/P369–V01/P370

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق : ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله تعالى ، وخيرالدين أيسره ، وقال هلك المتعمقون ، هلك المتنطعون ، وقال عليه الصلاة والسلام : بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ، وقال صلى الله عليه وسلم : أحب أن يعلم أهل الكتاب أن في ديننا سماحة ، وقال الله عز وجل : ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) الأعراف : 157 ، واستجاب للمؤمنين في قولهم : ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، فقال عز وجل : قد فعلت ؛ فهذه العلوم هي أسباب قوة الرجاء في أولي الألباب كيف وقد جاء ما يغلب حكم الرجاء من غير اغترار ماروي عن الله تعالى أنا إلى الرحمة والعفو أقرب مني إلى العقوبة ، وفي الخبر : إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم ويشق عليهم ، وفي كلام لعلي رضي الله عنه : إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة الله تعالى ولا يؤمنهم مكر الله تعالى ، وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى داود عليه السلام : ما لك وحدانيا ؟ قال : عاديت الخلق فيك ، قال : أما علمت أن محبتي أن تعطف على عبادي وتأخذ عليهم بالفضل هنالك ، أكتبك من أوليائي وأحبابي ولا تنظر إلى عبيدي نظرة جفاء ولا قسوة ، فإذا أنت قد أبطلت أجرك فاحفظ عني ثلاثا : خالص حبيبي مخالصة ، وخالف أهل الدنيا مخالفة ، ودينك فقلدنيه ، وعن داود وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام : أحبني وأحب من يحبني وحببني إلى خلقي ، قال : يا رب هذا أحبك وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ فقال عز وجل : اذكرني لحسن الجميل واذكر آلائي وإحساني وذكرهم ذلك فإنهم لايعرفون مني إلا الجميل . وروي عن يزيد الرقاشي عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا أخبركم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله تعالى على منابر من نور يعرفون عليها ، قالوا : من هم ؟ قال : الذين يحببون عباد الله إلى الله تعالى ويحببون الله عز وجل إلى عباده ويمشون في الأرض نصحاء ، فقلنا هذا حببوا الله إلى عباده فكيف يحببون عباد الله إلى الله ؟ قال : يأمرونهم بما يحب الله وينهونهم عما حرم الله فإذا أطاعوهم أحبهم الله ، ورؤي أبان بن عياش في النوم بعد موته ، وكان من أكثر الناس حديثا بالرخص وأبواب الرجاء فقال : أوقفني ربي عز وجل بين يديه فقال : ما حملك على أن حدثت عني بما حدثت به من الرخص ؟ قال : فقلت يا رب أردت أن أحببك إلى خلقك ، قال : قد غفرت لك ، وحدثت عن مالك بن دينار : أنه لقي أبانا فقال : إلى كم تحدث للناس بالرخص فقال : يا أبا يحيى إني لأرجو أن ترى من عفو الله تعالى يوم القيامة ما تخرق له كساءك هذا من الفرح . وفي حديث ربعي بن حراش عن أخيه ، وكان من خيار التابعين وهو ممن تكلم بعد الموت ، قال : لما مات أخي سجي بثوبه وألقيناه على نعشه فكشف الثوب عن وجهه واستوى قاعدا وقال : إن لقيت ربي عز وجل فحياني بروح وريحان ورب غير غضبان ، وإني رأيت الأمر أيسر مما تظنون ولا تغتروا فإن محمدا صلى الله عليه وسلم ينتظرني وأصحابه حتى أرجع إليهم قال : ثم طرح نفسه فكأنه كانت حصاة وقعت في طست فحملناه فدفناه ، وقال بكر بن سليمان : دخلنا على مالك رحمه الله تعالى في العشية التي قبض فيها فقلنا كيف تجدك ؟

Section V01/P370–V01/P371

قال : ما أدري ما أقول لكم إلا أنكم ستعاينون غدا من عفو الله تعالى ما لم يكن لكم في حساب ، قال : فما برحنا حتى أغمضناه ودفناه ، ورؤي يحيى بن أكثم في النوم فقيل : ما فعل الله تعالى بك : فقال : أوقفني بين يديه وقال : ياشيخ السوء فعلت وفعلت قال : فأخذني من الرعب والفزع ما يعلم الله تعالى ، ثم قلت يارب ما هكذا حدثت عنك ، فقال : وما حدثت عني ؟ فقلت : حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس بن مالك عن نبيك صلى الله عليه وسلم عنك أنك قلت : تباركت وتعاليت أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ، وقد كنت أظن بك أن لا تعذبني ، فقال عز وجل : صدق نبيي وصدق أنس صدق الزهري وصدق معمر وصدق عبد الرزاق وصدقت ، قال : فغلفت وخلع علي وألبست ومشى بين يدي الولدان إلى الجنة فقلت يا لها من فرحة . وفي الخبر : أن رجلا من بني إسرائيل كان يشدد على الناس ويقنطهم من رحمة الله تعالى فيقول الله تعالى له يوم القيامة : اليوم أؤيسك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي منها ، وفي الحديث : أن رجلين تواخيا في الله تعالى من بين إسرائيل فكان أحدهما عابدا والآخر مسرفا على نفسه ، فكان هذا العابد ينهاه ويزجره فيقول له : دعني وربي أبعثت علي رقيبا ؟ حتى رآه ذات يوم على كبيرة فغضب فقال : لا يغفر الله لك قال : فيقول الله تعالى له يوم القيامة : أتستطيع أن تحظر رحمتي على عبادي اذهب فقد غفرت لك ، ثم قال للعابد : وأنت فقد أوجبت لك النار ، قال : فوالذي نفسي بيده لقد تكلم بكلمة أهلكت دنياه وآخرته ، وروينا في معناه أن لصا كان يقطع الطريق أربعين سنة في بني إسرائيل فمر عليه عيسى عليه السلام وخلفه عابد من عباد بني اسرائيل من الحواريين فقال للص في نفسه : هذا نبي الله يمر وإلى جنبه حواريه لو نزلت فكنت معهما ثالثا ، قال : فنزل فجعل يريد أن يدنو من الحواري ويزدري نفسه تعظيما للحواري ويقول في نفسه : مثلي لا يمشي إلى جنب هذا العابد قال وأحس به الحواري فقال في نفسه : هذا يمشي إلى جانبي قال : فضم نفسه وتقدم إلى عيسى عليه السلام فمشى إلى جانبه فبقي اللص خلفه ، قال : فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام : قل لهما يستأنفان العمل فقد أحبطت ما سلف من أعمالهما ، أما الحواري فقد أحبطت حسناته لعجبه بنفسه وأما الآخر فقد أحبطت سيئاته بما ازدرى على نفسه قال : فأخبرهما بذلك وضم اللص إلىه سياحته وجعله من حواريه . وروينا عن مسروق بن الأجدع : إن نبيا من الأنبياء كان ساجدا فوطئ بعض العتاة على عنقه حتى الزق الحصى بجبهته قال : فرفع النبي عليه السلام رأسه مغضبا فقال : اذهب فلن يغفر الله قال : فأوحى الله تعالى إليه تتألى علي في عبادي أني قد غفرت له . قال ابن عباس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت يدعو علي لمشركين ويلعنهم في صلاته فنزلت ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم إلي قوله : ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم ) آل عمران : 128 قال : فترك الدعاء عليهم ، قال : فهدى الله تعالى عامة أولئك الإسلام . والأخبار فيما يوجب الرجاء وحسن الظن أكثر من أن تجمع ولم نقصد جمعها ، وإنما دللنا بقليل على كثير ، ونبهنا عقول ذوي التبصير ، وقد قال الله سبحانه وتعالى : ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) الانفطار : 6 فنبه العبد مع غرته على كرمه ، وذكره مع جهله حسن تسويته إياه بتعديله ، يدل على نعمته .

Section V01/P371–V01/P373

وروينا عن الضحاك إن العبد ليدنو من ربه تبارك وتعالى عند العرض فيقول : عبدي أتحصي عملك ؟ فيقول : إلهي كيف أحصيه من دونك وأنت الحافظ للأشياء ، فيذكره الله تعالى جميع ذنوبه في الدنيا في ساعاتها ، فيقول : أنت عبدي فقر بما عرفتك وذكرتك ، فيقول نعم سيدي ، فيقول الله سبحانه أنا الذي سترتها عليك في الدنيا ، فلم أجعل للذنوب رائحة توجد منك ، ولم أجعل في وجهك شينها ، وأنا أغفرها لك اليوم على ما كان منك ، بإيمانك بي وتصديقك المرسلين . وروينا عن محمد الحنفية عن أبيه علي كرم الله وجهه قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فاصفح الصفح الجميل ) الحجر : 85 قال : يا جبريل وما الصفح الجميل ؟ قال : يا محمد إذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتب ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا جبريل فالله مع كرمه تعالى أولى أن لا يعاتب من عفا عنه ، قال فبكى جبريل وبكى النبي صلى الله عليه وسلم ، فبعث الله عز وجل إليهما ميكائيل فقال : إن ربكما يقرئكما السلام ويقول لكما : كيف أعاتب من عفوت عنه ، هذا ما لا يشبه كرمي . ومن الرجاء شدة الشوق إلى ما شوق إليه الكريم وسرعة التنافس في كل نفيس ندب إليه الرحيم ، فأما الرجاء الذي هو همة جملة الناس من الإقامة في المعاصي والانهماك في الخطايا وهو يرجو المغفرة وينتظر الكرامة ، فليس هذا برجاء عند العلماء ، لأن الرجاء مقام من اليقين ، وليس هذا وصف الموقنين ؛ لأن هذا اسمه هو اغترار بالله تعالى ، وغفلة عن الله تعالى ، وجهل بأحكام الله تعالى . وقد تهدد الله تعالى قوما ظنوا مثل هذا ، وأصروا على حب الدنيا والرضا بها ، وتمنوا المغفرة على ذلك ، فسماهم خلفا ، والخلف : الرديء من الناس ، وتوعدهم بشديد البأس في قوله عز وجل : ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ) الأعراف : 169 والأخبار في حقيقة الرجاء تزيد المغترين اغترارا وتزيد المستدرجين بالستر والنعيم خسارا ، وهي مزيد للتوابين الصادقين ، وقرة عين المحبين المخلصين ، وسرور لأهل الكرم والحياء ، وروح ارتياح لذوي العصمة والوفاء ، ينتفع به ، ويشتد عنده حياؤه ، ويروح به كروبهم ، وترتاح إليه عقولهم ، فهؤلاء يستخرج منهم الرجاء وحسن الظن من العبادات ما لا يستروحه الخوف ، إذ المخاوف تقطع عن أكثر المعاملات ، فصار الرجاء طريقا لأهله وصاروا رائجين به كما قال عمر رضي الله عنه : رحم الله صهيبا لو لم يخف الله تعالى لم يعصه : أي يترك المعاصي للرجاء لا للخوف ، فصار الرجاء طريقه ، فهؤلاء هم الراجون حقا وهذه علامتهم ، ولمثل هذا ذكرنا الأسباب التي توجب الرجاء ، وتولد حسن الظن في قلوب أهل الصفاء . ومن الرجاء تحسين الأخلاق مع الخلق ، وجميل الصبر عليهم ، وحسن الصفح ، ولطيف المداراة لهم تقربا إلى الله عز وجل بذلك ، وتخلقا بأخلاقه رجاء ثوابه ، وطمعا في تنجيز وعده ، واتباعا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . ومن الرجاء ترك الأهواء الرديئة ، والشهوات المطغية ويحتسب في ذلك على الله نفيس الذخائر العالية . فقد روينا عن حميد عن أنس قال : مقابل عرش الرحمن غرفة يرسل إليها جبريل عليه السلام ، فإذا انتهى إليها خر لله ساجدا ، ثم يقول : يارب لمن خلقت هذه ، لأي نبي ؟ لأ صديق ؟ لأي شهيد ؟ قال : فيرد عليه عز وجل : لمن آثر هواي على هواه . ومن الرجاء افتعال الطاعات ، وحسن الموافقات ، ينوي بها ، ويسأل مولاه الكريم عظيم الرغائب وجليل المواهب ، لما وهب له من حسن الظن به .

Questions