Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Section V01/P099–V01/P101

شياطين إخوان المشركين يمدون المشركين في الغي ولا يقصرون عنهم في الإمداد وبمعنى هذا قوله تعالى : ( إنما سلطانه على الذين يتولونه و الذين هم به مشركون ) النحل : 100 الهاء الأولى المتصلة بيتولون كناية عن إبليس والهاء المتصلة بالباء من قوله هم به هي اسم الله عز وجل وقد قيل أيضا إنها عائدة على إبليس أيضا فيكون المعنى هم به قد أشركوا في التوحيد أي أشركوه بعبادة الله عز وجل ومثل هذا قوله عز وجل : ( فأثرن به نقعا ) ( فوسطن به جمعا ) العاديات : 4 - 5 ، الهاء الأولى كناية عن الحوافر وهن الموريات قدحا يعني الخيل تقدح بحوافرها فتوري النار فأثرن به أي بالحوافر النقع يعني التراب والهاء الثانية كناية عن الإغارة فوسطن أي توسطن به بالإغارة وهن المغيرات صبحا وسطن جمع المشركين أغاروا عليهم بجمعهم والمشركون غارون وبهذا المعنى قوله عز وجل : ( فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) الأعراف : 57 الهاء الأولى عائدة على السحاب أي أنزلنا بالسحابة الماء وفي قوله به مبدل ومكنى ، فالمكنى هو ما ذكرناه من أسماء السحاب والمبدل أن به بمعنى منه ومثل هذا قوله : ( يشرب بها عباد الله ) الإنسان : 6 أي منها وهو صريح قوله في المفسر : ( وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ) النبأ : 14 يعني السحاب وهو قوله : ( سقناه لبلد ميت ) الأعراف : 57 وقوله في الهاء الثانية أخرجنا به من كل الثمرات يعني بالماء فجمع بين اسم السحاب والماء بالهاء فأشكل ومن البيان الثاني والثالث للخطاب المجمل قوله تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) البقرة : 185 فلم يفهم إلا أن القرآن أنزل في شهر رمضان ولم يدر أنهارا أنزل فيه أو ليلا ، فقال في البيان الثاني : ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) الدخان : 3 ، فلم يفهم منه إلا أنه أنزل منه ليلا في ليلة مباركة ولم يدر أي ليلة هي فقال في البيان الثالث : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) القدر : 1 فهذا غاية البيان وبمعناه قوله تعالى : ( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه ) يوسف : 22 . فهذا البيان الأول زيادة على الأشد وهو الوصف إلا أنه غير مفسر ثم قال في البيان الثاني : ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ) الأحقاف : 15 ، ففسر الأشد بالأربعين إذا كانت الواو للمدح والوصف في أحد الوجهين ومعناه الجمع قوله تعالى : ( والعصر ) ( إن الإنسان لفي خسر ) العصر : 1 - 2 معناه أن الناس لفي خسر أي لفي خسران لقوله : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) مريم : 96 ولا يستثنى جماعة من واحد وإنما يستثنى جماعة من جماعة أكثر منهم وإنما وحد الاسم للجنس وكذلك قوله تعالى : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ) الانشقاق : 6 معناه يا أيها الناس إنكم كادحون دل عليه قوله عز وجل : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) الانشقاق : 7 ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ) الانشقاق : 10 وإنما وحد النعت لتوحيد الاسم وكذلك قوله عز وجل : ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) الأحزاب : 72 معناه حملها الناس كلهم وهذا أحب الوجهين إلي لقوله عز وجل : ( ليعذب الله المنافقين و المنافقات والمشركين والمشركات ) الأحزاب : 73 ومثله قوله عز وجل : ( و إنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ) الشورى : 48 معناه وإنا إذا أذقنا الناس منا رحمة فرحوا بها فلما وحد الاسم وحد نعته دل عليه قوله تعالى : ( وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ) الشورى : 48 فأظهر الجمع ومن الجمع المراد به الواحد قوله عز وجل : ( كذبت قوم نوح المرسلين ) الشعراء : 105 يعني نوحا وحده لأنه لم يرسل إلى قوم نوح غيره ودل عليه قوله تعالى : ( إذ قال لهم أخوهم نوح ) الشعراء : 106 ، فوحد الجمع ومثله فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء يعني بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وحده يوم خيبر ومن الجمع المكني قوله عز وجل : ( لخلق السموات و الأرض أكبر من خلق الناس ) غافر : 57 يعني في هذا الموضع الدجال ونزل ذلك في الذكر الدجال واستعظامهم لوصفه وكذلك قوله تعالى : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ) آل عمران : 173 يعني رجلا واحدا قاله لهم وهو عروة بن مسعود الثقفي ، فجمع لفظه لأجل جنسه والعرب تجمع الواحد للجنس ، وكذلك قيل في أحد الوجوه إن قوله عز وجل : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) البقرة : 199 يعني آدم صلى الله عليه وسلم وحده وهو أول من طاف بالبيت وأتاه جبريل وأشعر له المناسك وقد قرأت في بعض حروف السلف من حيث أفاض آدم فهذا شاهد له ومن المقدم والمؤخر لحسن تأليف الكلم ومزيد البيان والإظهار قوله عز وجل : ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا ) النحل : 106 اختصاره ومؤخره من كفر بالله بعد إيمانه وشرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن وكد بقوله ولكن من شرح بالكفر صدرا لما استثنى المكره وقلبه مطمئن بإيمان ولم يجعل المكره آخر الكلام لئلا يليه قوله : ( فعليهم غضب من الله ) النحل : 106 فيتوهم انه خبره وجعل آخر الكلام فعليهم غضب من الله وهو في المعنى مقدم خبر الأول من قوله من كفر بالله من بعد إيمانه فأخر ليليه قوله تعالى : ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) النحل : 107 لأنه من وصفهم فيكون هذا أحسن في تأليف الكلام وسياق المعنى وكذلك قوله تعالى : ( وقيله يا رب إن هؤلاء قوم ) الزخرف : 88 ، هذا من المعطوف المضمر ومن المقدم والمؤخر فعاطفه قوله وعنده علم الساعة وضميره قوله وعلم قيله والمعنى وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب هذا على حرف من كسر اللام فأما من نصبها فإنه مقدم أيضا ومحمول على أن المعنى أي وعنده علم الساعة ويعلم قيله يا رب ، فأما من رفع اللام فقرأ وقيله فتكون مستأنفة على الخبر وجوابها الفاء من قوله : ( فاصفح عنهم ) الزخرف : 89 أي قوله إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم ، وقد تكون الواو في قوله وقيله للجمع مضمومة إلى علم الساعة والمعنى وعنده علم الساعة وعنده قيله يا رب جمع بينهما بعند فهذا مجاز هذه المقارى الثلاث في العربية ومما حمل على المعنى قوله عز وجل : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ) الأنعام : 96 ثم قال : ( والشمس والقمر حسبانا ) الأنعام : 96 فلو لم يحمل على المعنى لكانت الشمس والقمر خفضا إتباعا للفظ قوله فالق وجاعل ولكن معناه وجعل الشمس والقمر حسبانا وهي على قراءة من قرأ وجعل الليل سكنا متبعة لجعل ظاهر أو بمعناه قوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ) المائدة : 6 في قراءة من نصب اللام محمولا على معنى الغسل من قوله عز وجل : ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) المائدة : 6 أيضا ، ومن قرأ وأرجلكم خفضا حمله على اتباع الإعراب من قوله عز وجل : ( برؤوسكم وأرجلكم ) المائدة : 6 فأتبع الإعراب بالإعراب قبله لأن مذهبه الغسل لا المسح واختيارنا نصب اللام في المقروء على نصب الغسل واتباع الوجه واليدين إلا أنه روي عن ابن عباس وأنس بن مالك نزل القرآن بغسلين ومسحين وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الأقدام فنحن نفعل كما فعل .

Section V01/P101–V01/P102

وقيله للجمع مضمومة إلى علم الساعة والمعنى وعنده علم الساعة وعنده قيله يا رب جمع بينهما بعند فهذا مجاز هذه المقارى الثلاث في العربية ومما حمل على المعنى قوله عز وجل : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ) الأنعام : 96 ثم قال : ( والشمس والقمر حسبانا ) الأنعام : 96 فلو لم يحمل على المعنى لكانت الشمس والقمر خفضا إتباعا للفظ قوله فالق وجاعل ولكن معناه وجعل الشمس والقمر حسبانا وهي على قراءة من قرأ وجعل الليل سكنا متبعة لجعل ظاهر أو بمعناه قوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ) المائدة : 6 في قراءة من نصب اللام محمولا على معنى الغسل من قوله عز وجل : ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) المائدة : 6 أيضا ، ومن قرأ وأرجلكم خفضا حمله على اتباع الإعراب من قوله عز وجل : ( برؤوسكم وأرجلكم ) المائدة : 6 فأتبع الإعراب بالإعراب قبله لأن مذهبه الغسل لا المسح واختيارنا نصب اللام في المقروء على نصب الغسل واتباع الوجه واليدين إلا أنه روي عن ابن عباس وأنس بن مالك نزل القرآن بغسلين ومسحين وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الأقدام فنحن نفعل كما فعل . وقوله عز وجل : ( ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ) طه : 129 من المقدم والمؤخر ، فالمعنى فيه ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما وبه ارتفاع الأجل ولولا ذلك لكان نصبا كاللزام فأخر لتحسين اللفظ وبمعناه قوله عز وجل : ( يسألونك كأنك حفي عنها ) الأعراف : 187 المعنى يسألونك عنها كأنك حفي بها أي ضنين بعلمها ومثله قوله تعالى : ( أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) البقرة : 106 أي نأت منها بخير فقدم بخير وأخر منها فأشكل ومن المؤخر بعد توسط الكلام قوله عز وجل : ( لتركبن طبقا عن طبق ) الانشقاق : 19 في قراءة من وحد الفعل هو متصل بقوله عز وجل : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ) الانشقاق : 6 لتركبن طبقا عن طبق أي حالا بعد حال في البرزخ فأخر الأحوال للقرار في الدار وكذلك هو في قراءة من جمع فقال لتركبن أيها الناس فيكون الإنسان في معنى الناس كما ذكرناه آنفا ، ويكون الجمع عطفا على المعنى وإنما وحد للجنس فكأنه قال يا أيها الناس لتركبن طبقا عن طبق فأخر هذا الخبر لما توسطه من الكلام المتصل بالقصة ومعناه التقديم ، ومثل هذا قوله عز وجل : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ) النساء : 83 وقوله : ( إلا قليلا ) النساء : 83 هو متصل بقوله : ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا ) النساء : 83 وآخر الكلام : ( لاتبعتم الشيطان ) النساء : 83 ، وقد قيل إن قوله إلا قليلا مستثنى من الأول في قوله : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ) النساء : 83 إلا قليلا منهم وفي هذا بعد والأول أحب إلي ، وعلى هذا المعنى قرأ ابن عباس في رواية عنه لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم جعله متصلا بقوله تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) النساء : 147 إلا من ظلم وصار آخر الكلام لا يحب الله الجهر بالسوء من القول فاصلا ومثل هذا قوله تعالى : ( و الذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ) الأنفال : 73 إنما هو من صلة قوله : ( وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ) الأنفال : 72 إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض .

Section V01/P102–V01/P103

وكذلك قوله في أول السورة : ( لهم مغفرة ورزق كريم ) الأنفال : 74 كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ليس هذا من صلة الكلام إنما هو مقدم ومتصل في المعنى بقوله : ( قل الأنفال لله والرسول ) الأنفال : 1 و ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) الأنفال : 5 ، أي فصارت أنفال الغنائم لك إذ أنت راض بإخراجك وهم كارهون فاعترض بينهما الأمر بالتقوى والإصلاح والوصف بحقيقة الإيمان والصلاح فأشكل فهمه ، وعلى هذا قوله عز وجل : ( حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) الممتحنة : 4 إنما هو موصول بقوله تعالى : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم و الذين معه إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) الممتحنة : 4 لأنها نزلت في قولهم فقد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك عند قوله : لأستغفر لك ربي فقالوا : فهلا نستغفر لآبائنا المشركين ، فنزلت هذه الآية ليستثني القدوة في إبراهيم في هذا ثم نزلت الآية الأخرى معذرة له أوعده إياه إلى أن علم موته على الكفر فقال وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه الآية ، وكذلك قوله عز وجل : ( ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم ) المائدة : 3 ، وهذا متصل بقوله : ( حرم عليكم الميتة ) النحل : 115 إلى آخر المحرمات ، ثم قال : ( فمن اضطر في مخمصة ) المائدة : 3 يعني مجاعة ومثل ما ذكرناه من علم القرآن كثير وإنما نبهنا بيسير على كثير ودللنا بنكت على جم غفير ليستدل بما ذكرناه على نحوه ويتطرق به إلى مثله وهذا كله على ضروب كلام العرب ومعاني استعمالهم ووجوه استحسانهم أنه في كلامهم المطول للبيان والمختصر للحفظ والمقدم والمؤخر للتحسين وكله فصيح بليغ ، لأن وصف البلاغة عندهم رد الكثير المنثور إلى القليل المجمل وبسط القليل المجمل إلى المبثوث المفسر فالمقصر من الكلام عندهم مع الحاجة إلى المعاني المتفرقة عجز والمطول منه مع الاكتفاء بالمعنى الجامع منه عي ، فلما خاطبهم بكلامهم أفهمهم بعقولهم ومستعملاتهم ليحسن ذلك عندهم فيكون حجة عليهم من حيث يعقلون لأنه أمرهم بما يعلمون وما يستحسنون حكمة منه ولطفا ، فذلك أيضا على هذه المعاني يفهم الخصوص من مكانهم ومشهدهم على علو مقامهم في مكان ما أظهر لهم من العلم به ونصيب ما قسم لهم من العقل عنه ، فهم متفاوتون في الأشهاد والفهوم حسب تفاوتهم في الأنصبة من العقول والعلوم إذ القرآن عموم وخصوص ومحكم ومتشابه وظاهر وباطن ؛ فعمومه لعموم الخلق ، وخصوصه لخصوصهم وظاهره لأهل الظاهر وباطنه لأهل الباطن والله واسع عليم .

Section V01/P103–V01/P105

فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فإذا صفا القلب بنور اليقين وأيد العقل بالتوفيق والتمكين وتجرد الهم من التعلق بالخلق وتأله السر بالعكوف على الخالق وخلت النفس من الهوى سرت الروح فجالت في الملكوت الأعلى كشف القلب بنور اليقين الثاقب ملكوت العرش عن معاني صفات موصوف وأحكام خلاق مألوف وباطن أسماء معروف وغرائب علم رحيم رؤوف فشهد عن الكشف أوصاف ماعرف فقام حينئذ بشهادة ما عرف فكان ممن قال سبحانه : ( يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) البقرة : 121 ، فحق التلاوة للمؤمنين لأنه إذا أعطاه حقيقة من الإيمان أعطاه مثلها من معناه ومعدنها حقيقة من مشاهدة ، فكانت تلاوته عن مشاهدة وكان مزيده عن معنى تلاوته وكان ذلك على معيار حقيقة من إيمانه كما قال : ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) الأنفال : 2 ، أولئك هم المؤمنون حقا فيكون العبد بوصف من نعت بالحضور والإنذار وخص بالمزيد والاستبشار في قوله عز وجل : ( فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ) الأحقاف : 29 وفي قوله عز وجل : ( فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ) التوبة : 124 ويكون من نعت من مدحه بالعلم وأثنى عليه بالرجاء وصفه بالخوف في قوله تعالى : ( يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) الزمر : 9 ، وقال عز وجل : ( يدعون ربهم خوفا وطمعا ) السجدة : 16 فكان هذا من أهل الله وخاصته ومن محبيه وخالصته . كما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل القرآن أهل الله وخاصته من خلقه وقال ابن مسعود لا على أحدكم أن يسأل عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله وإن لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله وهذا كما قال لأنك إذا أحببت متكلما أحببت كلامه وإذا كرهته كرهت مقاله ، وقال أبو محمد سهل : من علامة الإيمان حب الله عز وجل ، ومن علامة حب الله حب القرآن ومن علامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم اتباعه ، وعلامة اتباعه الزهد في الدنيا ، وحدثونا عن بعض المريدين قال : كنت في جدة إرادتي قد لهجت بتلاوة القرآن ثم رهقتني فترة فبقيت أياما لا أقرأ فهتف بي هاتف من قبل الله عز وجل : إن كنت تحبني فلم جفوت كتابي أما ترى ما فيه من لطيف عتابي وقال بعض العارفين لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرآن كل ما يريد ويعرف منه النقصان والمزيد ويستغني بالمولى عن العبيد وأقل ما قيل في العلوم التي يحويها القرآن من ظواهر المعاني المجموعة فيه أربعة وعشرون ألف علم وثمانمائة علم إذ لكل آية علوم أربعة : ظاهر ، وباطن ، وحد ، ومطلع ، وقد يقال إنه يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتين من علوم إذ لكل كلمة علم وكل علم وصف فكل كلمة تقتضي صفة وكل صفة موجبة أفعالا حسنة وغيرها على معانيها فسبحان الفتاح العليم .

Section V01/P105

الفصل الثامن عشر فيه كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين

Section V01/P105–V01/P106

فإذا خالف التالي هذا الوصف الذي شرحناه أو كان على ضد ذلك من السهو والغفلة والعمى والحيرة محدثا لنفسه مصغيا إلى هواه ووسوسة عدوه متوهما للظنون عاكفا على الأماني حقت عليه أن يكون بمعاني ما قال الله عز وجل : ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ) البقرة : 78 يعني إلا تلاوة القرآن لا غير وإن هم إلا يظنون فوصفهم بالظن وهو ضد اليقين ، كما أخبر عن الظانين في قولهم : إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين وبمعنى ما قال : ( وكأين من آية في السموات و الأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) يوسف : 105 ، فالقرآن من أجل آيات الأرضين والسموات الدالة على فاطرهما ومنزله ، وكان يوصف من يهدده بعلمه فيه عند استماعه لكلامه العزيز متهاونا به مناجيا لغيره أن يقول تعالى : ( نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ) الإسراء : 47 ، وبمثل من يسمع وقلبه مشغول عن المسموع بما يضره عما ينفعه حتى إذا خرج عن الكلام سأل من حضر بقلبه ماذا فهم من الخطاب الذي كان هو عنه بغفلته قد غاب وقد كان حاضرا بجسمه حجة عليه فمن ذلك قوله عز وجل : ( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ) محمد : 16 ، قال الله تعالى : ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ) محمد : 16 أي عن فقه الخطاب فلم تسمعه القلوب ولم تعه واتبعوا أهواءهم يعني أباطيلهم وظنونهم الكاذبة ، ويقال : إن العبد إذا تلا القرآن واستقام نظر الله إليه برحمته فإذا قرأ القرآن وخلط ناداه الله عز وجل ما لك ولكلامي وأنت معرض عني دع عنك كلامي إن لم تتب إلي . وروينا في الإسرائيليات أوحى الله عز وجل إلى نبيه موسى وداود عليهما السلام مر عصاة بني إسرائيل أن لا يذكروني فإني آليت على نفسي أن أذكر من ذكرني وإني أذكرهم بلعنة وكان بوصف من أخبر عنه إذ يقول تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأذنى ويقولون سيغفر لنا ) الأعراف : 169 الآية ، وهذا وصفهم الظن الكاذب والرجاء المختلف اللذان لم يفترقا إلى خوف وإشفاق عصوا خالقهم عاجلا وتمنوا عليه المغفرة آجلا جهلا منهم بحكمته وإعراضا عن أحكامه ، قال الله عز وجل : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ) الأعراف : 169 ، ثم أخبر عن علمهم بذلك علم قول وخبر لا علم يقين ومعاينة ، قال سبحانه : ( ودرسوا ما فيه ) الأعراف : 169 أي قرؤوا هذا وعلموه ولم يعملوا به فلم ينتفعوا بشيء منه ، فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا كقوله تعالى : ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) البقرة : 93 وفيها وجه غريب ودرسوا ما فيه أي محوه بترك العمل به والفهم له من قولك : درست الريح الآثار إذا محتها وخط دارس وربع دارس إذا محي وعفي أثره وهذا المعنى مواطئ لقوله تعالى : ( نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ) البقرة : 101 واتبعوا ما تتلو الشياطين أي ما تتبع وتهوى ومواطئ لقوله تعالى : ( فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ) آل عمران : 187 فسمي ترك العمل منهم به في كل حالة طرحا له وإلقاء ونفيا له وبيعا له وبالدنيا اشتراء وكل آية في التهدد والوعيد فللخائفين منها وعظ وتخويف وللغافلين عنها وصف وتعريف علمه من علمه كقوله تعالى في ذكر النار : ( ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون ) الزمر : 16 ، وقال في خبرها أعدت للكافرين ، وقال بعض السلف : إن العبد ليفتتح سورة فتصلي عليه الملائكة حتى يفرغ منها وإن العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها ، فقيل : وكيف ذلك ؟

Section V01/P106–V01/P107

قال إذا أحل حلالها وحرم حرامها صلت عليه وإلا لعنته ، وقال بعض العلماء : إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقول ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم ألا لعنة الله على الكاذبين وهو منهم ، وقال سفيان في قوله تعالى : ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) الأعراف : 146 ، قال : أصرف عنهم فهم القرآن ، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عظمت أمتي الدنيا والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي ، قال الفضيل : حرموا فهم القرآن وفي الأخبار من ذم قراءة البطالين أكثر من أن تذكر ، فمنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أكثر منافقي أمتي قراؤها ، وكان الحسن يقول : إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملا فأنتم تركبونه فتقطعون به مراحله وإن من كان قبلكم رأوه رسائل أتتهم من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار ، وكان ابن مسعود من قبله يقول أنزل عليهم القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به . وفي حديث ابن عمر وحديث جندب لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها وما ينبغي أن يقف عليه منها كما تعلمون أنتم القرآن ، ثم بعد لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرآ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما أمره ولا زجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل وهذا كما قال لأن المراد والمقصود بالقرآن الائتمار لأوامره والانتهاء عن زواجره إذ حفظ حدوده مفترض ومسؤول عنه العبد ومعاقب عليه وليس حفظ حروفه فريضة ولا عقاب على العبد إذا لم يحفظ ما وسعه منه قال الله عز وجل : ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) المزمل : 5 أي العمل به ثقيل وإلا فقد يسره للذكرى ، ومن ذلك الخبر المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت له جلودكم فإذا اختلفتم فلستم تقرؤونه وفي بعضها فإذا اختلفتم فقوموا عنه . وحدثني شيخ فاضل قرأت عليه القرآن قال : قرأت القرآن على شيخ لي فلما ختمت رجعت إليه لأقرأ فانتهرني وقال : جعلت القرآن علي عملا اذهب فأقرأ على الله عز وجل فانظر ماذا يسمعك منه ويفهمك عنه وقد كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لا يحفظ إلا الجزئ والجزءين والسور المعدودة وسورتين وكان من يحفظ الحزب منه وهو السبع أو البقرة والأنعام علما فيهم ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرين ألف صحابي لم يقرؤوا القرآن غير نظر فلم يحفظ القرآن كله منهم إلا ستة اختلف منهم في اثنين ، وقال بعضهم : ولم يكن جمعه من الخلفاء الأربعة أحد ، وختم ابن عباس على أبي بن كعب وقرأ عبد الرحمن ابن عوف على ابن عباس وقرأ عثمان بن عفان على زيد بن ثابت وقرأ أهل الصفة على أبي هريرة ، وكلهم كان متبعا لأوامره مجتنبا لزواجره عالما به فقيها فيه ، وقال يوسف بن أسباط : وقد قيل له إذا ختمت القرآن بأي شيء تدعو ؟

Section V01/P107–V01/P109

فقال بأي شيء أدعو أستغفر الله عز وجل مائة مرة من تلاوتي ، وكان يقول : إني لأهم بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح والإستغفار وأعلم أن للعبد في قراءة القرآن بحسب ما له من تعظيمه والفهم له والمشاهدة منه والمعاملة به لأنه من أكبر شعائر الله في خلقه وأعظم آياته في أرضه الدالات عليه وأسبغ نعمه الكاملة علينا وللعبد من التعظيم له بقدر تقواه ، وله من فهم الخطاب وتعظيم الكلام على نحو ما أعطي من معرفة المتكلم وهيبته وإجلاله فإذا عظم المتكلم في قلبه وكبر في فهمه أنعم تدبر كلامه وأطال الفكر في خطابه وأكثر ترداده وتكريره على قلبه وأسرع بذكره عند النازلة به والحاجة إليه فاتقى وحذى ولذلك قال سبحانه : ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) البقرة : 63 وقال كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ولعلهم يتذكرون لأن كل كلام موقوف على قائله يعظم بتعظيمه ويقع في القلب بعلو مكانه أو يهون بسهولة شأنه ، قال الله عز وجل : ( ليس كمثله شيء ) الشورى : 11 في العظمة والسلطان وليس ككلامه كلام في الأحكام والبيان ، وقرأت في سورة الحنين من التوراة : يا عبدي أما تستحي مني يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرؤه وتتدبره حرفا حرفا حتى لا يفوتك شيء منه ، وهذا كتابي أنزلته إليك أنظر كم وصلت لك فيه من القول وكم كررت عليك فيه فتأملت طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه ، أفكنت أهون عليك من بعض إخوانك أي عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغي إلى حديثه بكل قلبك فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كف وها أنا ذا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عني فجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك أو كما قال وإنما خف القيام على أهل الليل لفهم الخطاب وثقل على أهل النوم لانفصام القلوب عن الفقه وشدة الحجاب كما قال تعالى : ( ثقلت في السموات والأرض ) الأعراف : 187 أى خفي علمها يعني الساعة فثقلت عليهم فسمي ما خفي علمه ثقيلا والله أعلم .

Section V01/P109

الفصل التاسع عشر فيه كتاب الجهر بالقرآن وما في ذلك من النيات وتفصيل حكم الجهر والإخفات

Section V01/P109–V01/P110

روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : فضل قراءة السر على قراءة العلانية كفضل صدقة السر على صدقة العلانية ، وفي لفظ آخر الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة ، والمسر به كالمسر بالصدقة ، وفي الخير العام يفضل عمل السر على عمل العلانية بسبعين ضعفا ، وفي مثله من العموم خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي ، وفي الخبر لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة بين المغرب والعشاء ، وسمع سعيد بن المسيب ذات ليلة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد العزيز يجهر بالقرآن في صلاته وكان حسن الصوت فقال لغلامه برد اذهب إلى هذا المصلي فمره أن يخفض من صوته ، فقال الغلام : إن المسجد ليس لنا وإن للرجل فيه نصيبا فرفع سعيد صوته فقال : يا أيها المصلي إن كنت تريد الله عز وجل بصلاتك فاخفض صوتك وإن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ، قال : فسكت عمر وخفف ركعته فلما سلم أخذ نعليه وانصرف ، وهو يومئذ أمير المدينة ، وعلى ذلك فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع جماعة من أصحابه يجهرون بالقراءة في صلاة الليل فيصوب ذلك لهم ويسمع إليهم وقد أمر بالجهر . فيما روي عنه إذا قام أحدكم من الليل يصلي فليجهر بقراءته فإن الملائكة وعمار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة من أصحابه في الليل مختلفي الأحوال ؛ منهم من كان يخافت وهو أبو بكر رضي الله عنه فسأله عن ذلك فقال : إن الذي أناجيه هو يسمعني ومنهم من كان يجهر وهو عمر رضي الله عنه فسأله عن ذلك فقال : أوقظ الوسنان وأزجر الشيطان ، ومنهم من كان يقرأ آيا من هذه السورة ومن هذه السورة وهو بلال فسأله عن ذلك فقال : أخلط الطيب بالطيب فقال : كلكم قد أحسن وأصاب فنقول : والله أعلم إن المخافتة بالقراءة أفضل إذا لم تكن للعبد نية في الجهر أو كان ذاهبا عن المهمة والمعاملة بذلك لأنه أقرب إلى السلامة وأبعد من دخول الآفة وإن الجهر أفضل لمن كان له نية في الجهر ومعاملته مولاه به لأنه قد قام بسنة قراءة الليل لأن المخافت نفعه لنفسه والجهر نفعه له ولغيره وخير الناس من ينفع الناس والنفع بكلام الله عز وجل أفضل المنافع ولأنه قد أدخل عملا ثانيا يرجو به قربة ثانية على عمله الأول فكان في ذلك أفضل وليجعل العبد مفتاح درسه أن يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، رب أعوذ بك من همزات الشياطين ، وأعوذ بك رب أن يحضرون ، وليقرأ ( قل أعوذ برب الناس ) الناس : 1 ، وسورة : الحمد قبلها ، وليقل عند فراغه من كل سورة : صدق الله ، وبلغ رسول الله ، اللهم انفعنا به ، وبارك لنا فيه ، الحمد لله رب العالمين ، أستغفر الله الحي القيوم ، ومن حفظ جوارحه وقلبه عن المنهي فقد عمل بالقرآن إلى خاتمه لأنه مقسط على جملة العبد وجوارحه جملة ، وفي الجهر بالقراءة سبع نيات منها الترتيل الذي أمر به ، ومنها تحسين الصوت بالقرآن الذي ندب إليه في قوله صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم ، وفي قوله : ليس منا من لم يتغن بالقرآن أي يحسن به صوته وهو أحد الوجهين وأحبهما إلى أهل العربية ، والوجه الآخر أي من لم يستغن به من الغنية والاكتفاء ، وقد يقال : من هذا الوجه يتغانى به ومنها أن يسمع أذنيه ويوقظ قلبه ليتدبر الكلام ويتفهم المعاني ولا يكون ذلك كله إلا في الجهر ؛ ومنها أن يطرد الشيطان والنوم عنه برفع صوته ، ومنها أن يرجو بجهره يقظة نائم فيذكر الله عز وجل ، فيكون هو سبب إحيائه ؛ ومنها أن يراه بطال غافل فينشط للقيام ويشتاق إلى الخدمة فيكون معاونا له على البر والتقوى ؛ ومنها أن يكثر بجهره تلاوته ويدوم قيامه على حسب عادته للجهر ، ففي ذلك كثرة عمله ، فإذا كان العبد معتقدا لهذه النيات طالبا لها ومتقربا إلى الله سبحانه وتعالى عالما بنفسه مصححا لقصده ناظرا إلى مولاه الذي استعمله فيما يرضاه فجهره أفضل لأن له فيه أعمالا وإنما يفضل العمل بكثرة النيات فيه وارتفع العلماء وفضلت أعمالهم بحسن معرفتهم بنيات العمل واعتقادهم لها فقد يكون في العمل الواحد عشر نيات يعلم ذلك العلماء فيعملون بها فيعطون عشرة أجور وأفضل الناس في العمل أكثرهم نية فيه وأحسنهم قصدا وأدبا وفي بعض التفاسير في قوله عز وجل ( وأما بنعمة ربك فحدث ) الضحى : 11 ، قال : قراءة القرآن .

Section V01/P110–V01/P111

وفي الخبر من استمع إلى آية من كتاب الله عز وجل كانت له نورا يوم القيامة ، وفي خبر آخر كتب له عشر حسنات والتالي شريك المستمع في الأجر لأنه أكسبه ذلك ، وقال بعضهم : للقارئ أجر وللمستمع أجران ، وقال آخر : للمستمع تسعة أجور وكلاهما صحيح ، لأن كل واحد منهما على قدر إنصاته ونيته ، فإذا كان التالي مكسبا لغيره هذه الأجور فإن له بكل أجر أكسبه إياه أجرا يكتسبه لقوله صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله سيما إذا كان عالما بالقرآن فقيها فيه فيكون مقراه ووقوفه حجة وعلما لسامعه ، وفي الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينتظر عائشة رضي الله عنها فأبطأت عليه ، فقال : ماحبسك ؟ فقالت : يارسول الله كنت أستمع قراءة رجل ماسمعت صوتا أحسن منه ، فقام صلى الله عليه وسلم حتى استمع إليه طويلا ثم رجع فقال : هذا سلام مولى أبي حذيفة الحمد لله الذي جعل في أمتي مثله واستمع أيضا ذات ليلة إلى قراءة عبد الله بن مسعود ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهم فوقفوا طويلا ثم قال : من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود : اقرأ فقال يارسول الله أقرأ وعليك أنزل ، فقال إني أحب أن أسمعه من غيري فكان يقرأ وعينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تفيضان وذلك عند قوله : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ، واستمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى فقال : لقدأوتي هذا مزمارا من مزامير داود فبلغ ذلك أبا موسى فقال : يا رسول الله لو علمت أنك تسمع إلي لحبرت لك تحبيرا ، وكان ابن مسعود يأمر علقمة بن قيس أن يقرأ بين يديه فيقول له : رتل فداك أبي وأمي ، وكان حسن الصوت بالقرآن ، وفي الخبر كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورة من القرآن . وقد كان عمر يقول لأبي مسعود رضي الله عنهما : ذكرنا ربنا فيقرأ عنده حتى كاد وقت الصلاة أن يتوسط فيقال : ياأمير المؤمنين الصلاة الصلاة ، فيقول : أولسنا في صلاة ؟ فكأنه يتأول قوله عز وجل ، ولذكر الله أكبر ، وقال بعض عباد البصريين لما وضع بعض البغدادين كتابا في معاني الرياء ودقائق آفات النفوس ، قال : لقد كنت أمشي بالليل أسمع أصوات المتهجدين كأنها أصوات الميازيب ، فكان في ذلك أنس وحث على الصلاة والتلاوة حتى جاء البغداديون بدقائق الرياء وخفايا الآفات فسكت المتهجدون فلم يزل ذلك ينقص حتى ذهب وانقطع وترك إلى اليوم ، فإن لم يكن للتالي نية في شيء مما ذكرناه وكان ساهيا غافلا عن ذلك وكان واقفا مع شيء من الآفات أو لمح في قلبه شخص أو ساكن ذكرى هوى فقد اعتل فعليه أن يحتمي الجهر فإن جهر على ثقل قلبه فسد عمله لاستكنان الداء فيه وكان إلى النقصان أقرب ومن الإخلاص أبعد فعليه حينئذ بالإخلاص فهو دواؤه يعالج به حاله فإنه أصلح لقلبه وأسلم لعمله وأحمد في عاقبته ، وقد يكون العبد واجدا لحلاوة الهوى في الصلاة والتلاوة وهو يظن أن ذلك حلاوة الإخلاص وهذا من دقيق شأن الشهوة الخفية ولطيف الانتقاص ، وقد يلتبس ذلك على الضعفاء ولا يفطن له إلا العلماء ، وإنما يجد حلاوة الإخلاص الزاهدون في الدنيا وفي مدح الناس لهم به ويتلذذون بنصح المعاملة وصدق الخدمة المحبون لله عز وجل الخائفون منه واعتبار فقد ذلك بأحد شيئين : سقوط النفس باستواء المدح والذم وهذا حال في مقام الزهد ، أو الخلو من القلب بشهادة اليقين وهذا في مقام المعرفة ، وفي هذين المقامين يستوي السر والعلانية وقد تكون العلانية أفضل لأئمة التقوى والعدل .

Section V01/P111–V01/P113

وحدثت عن رجل من أهل الخير قال : كنت أقرأ في السحر في غرفة لي شارعة سورة طه فلما ختمتها غفوت بعدها فرأيت شخصا نزل من السماء بيده صحيفة بيضاء فنشرها بين يدي فإذا فيها سورة طه وإذا تحت كل كلمة عشر حسنات مثبتة إلا كلمة واحدة فإني رأيت مكانها محوا ولم أر تحتها شيئا فغمني ذلك فقلت : قد والله قرأت هذه الكلمة ولم أر لها ثوابا ولا أراها أثبتت فقال الشخص صدقت قد قرأتها وكتبناها لك الا أنا سمعنا مناديا ينادي امحوها وأسقطوا ثوابها فمحوناها فبكيت في منامي وقلت : لم فعلتم ذلك قالوا : مر رجل فرفعت صوتك بها لأجله فمحوناها . وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يجهر بقراءته فناداه : يافلان أسمع الله ولا تسمعني واعلم أن السمعة مقرونة بالرياء ومحكوم لها بحكمه من فساد العمل ونقصان العامل وهي مأخوذة من السمع ، كان العبد يسمع بعمله غير الله عز وجل ويحب أن يسمع به مخلوقا ليمدحه به لغلبة هواه وضعف نفسه فيكون قد أشرك في عمله غير الله عز وجل فيبطل عمله لجهله بالتوحيد إذ لو علم يقينا أن لا نافع إلا الله عز وجل ولاضار ولا معطي ولا مانع إلا إياه خلص له توحيد من الشرك فخلص له عمله من الرياء ، وكذلك الرياء مأخوذ من رأي العين فالسمعة هي بمعناه ، وفي الخبر : لايقبل الله عز وجل من مسمع ولا مراء ، وفي خبر آخر : من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به وصغره وحقره ، فأما من كانت له نية صالحة في أن يسمع أخاه كلام الله ليتعظ به ويتدبره أو ينتفع باستماعه ويتذكر به فليس داخلا في السمعة لوجود حسن النية وصحة القصد ولفقد اقتران الآفة لإرادة طمع عاجل من مدح أو غرض دنيا ، كماقال أبو موسى لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا ، فلم ينكر عليه لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به ، وقال الآخر الذي رفع صوته بالآية أسمع الله عز وجل ولاتسمعني فأنكر عليه لما شهد السمعة فيه . وقد روينا أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يظهر التأوه والوجل فقال : من كان معه يارسول الله ؟ أتراه مرائيا ؟ فقال : لابل أواه منيب واعلم أن الأكل والنوم على السلامة والصدق أفضل في الحال وأرفع في المقام وأحمد في المآل من القيام والصيام على يسير من التصنع والتزين للخلق ، ومعرفة هذا والقيام به هو موضع علم العلماء بالله عز وجل ، وحدثنا عن الحسن البصري قال : تفقد الحلاوة في ثلاث : فإن وجدتها فابشر وامض لقصدك وإن لم تجدها فاعلم أن بابك مغلق عند تلاوة القرآن وعند الذكر وفي السجود وزاد غيره وعند الصدقة وبالأسحار وقراءة القرآن في المصحف أفضل من قراءته عن ظهر قلب ، يقال : الختمة بسبع ختم لأن النظر في المصحف عبادة وكان كثير من الصحابة والتابعين يقرؤون في المصحف ويستحبون أن لا يخرجوا يوما إلا نظروا فيه وخرق عثمان مصحفين من كثرة درسه فيهما .

Section V01/P113–V01/P115

الفصل العشرون في ذكر أحياء الليالي المرجو فيها الفضل المستحب إحياؤها وذكر مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة ويستحب إحياء خمس عشرة ليلة في السنة خمس منها في شهر رمضان وهي وتر ليالي العشر الأخير منه وليلة سبع عشرة من رمضان هي صبيحة يوم الفرقان يوم التقى الجمعان فيه كانت وقعة بدر وكان ابن الزبير يذهب إلى أنها ليلة القدر وأما التسعة الأخر فأول ليلة من شهر المحرم وليلة عاشوراء وأول ليلة من شهر رجب وليلة النصف منه وليلة سبع وعشرين منه وفيه أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج وليلة عرفة وليلة العيدين وليلة النصف من شعبان وقد كانوا يصلون في هذه الليلة مائة ركعة بألف مرة : قل هو الله أحد عشرا في كل ركعة ويسمون هذه الصلاة صلاة الخير ويتعرفون بركتها ويجتمعون فيها وربما صلوها جماعة . وروينا عن الحسن قال : حدثني ثلاثون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن من صلى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله عز وجل إليه سبعين نظرة وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة ، وقد قيل : إن هذه الليلة هي التي قال الله عز وجل فيها ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) الدخان : 4 ، وأنه ينسخ فيها أمر السنة وتدبير الأحكام إلى مثلها من قابل والله أعلم ، والصحيح من ذلك عندي أنه في ليلة القدر وبذلك سميت لأن التنزيل يشهد له إذ في أول الآية إنا أنزلناه في ليلة مباركة ثم وصفها فقال : فيها يفرق كل أمر حكيم ، فالقرآن انما أنزل في ليلة القدر فكانت هذه الآية بهذا الوصف في هذه الليلة مواطئة لقوله عز وجل : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) القدر : 1 . ذكر مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة وهي تسعة عشر يوما تستحب فيها مواصلة الأوراد والدأب في العبادة يوم عاشوراء ويوم عرفة ويوم سبعة وعشرين من رجب ويوم سبعة عشر من شهر رمضان ويوم النصف من شعبان ويوم الجمعة ويوم العيد والأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة والأيام المعدودات وهي أيام التشريق ، وفي الخبر صوم يوم عرفة يكفر سنتين سنة ماضية وسنة مستقبلة ، وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة . وقد روينا عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سلم يوم الجمعة سلمت الأيام وإذا سلم شهر رمضان سلمت السنة وقال بعض علمائنا : من أخذ مهناه في هذه الأيام الخمسة في الدنيا لم ينل مهناه في الآخرة وقال هذه الأيام يرجى فيها الفضل من الله عز وجل والمزيد ، فإذا اشتغلت فيها بهواك وعاجل الدنيا فمتى ترجو الفضل والمزيد يعني بالأيام الخمسة العيدين ويوم الجمعة ويوم عرفة ويوم عاشوراء ، ومن فواضل الأيام بعد هذه يوم الاثنين ويوم الخميس يومان ترفع فيهما الأعمال إلى الله عز وجل ، ومن الفاضل الشهور الأربعة الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب خصهن الله عز وجل بالنهي عن الظلم فيهن لعظم حرمتهن ، فكذلك الأعمال لها فيهن فضل على غيرها وأفضلها ذو الحجة لوقوع الحج فيه ولما خص به من الأيام المعلومات والأيام المعدودات ثم ذو القعدة لجمعه الوصفين معا وهو من الأشهر الحرم ومن أشهر الحج فأما المحرم ورجب فليسا من أشهر الحج ، وأما شوال فليس من أشهر الحرم ولكنه من أشهر الحج وأفضل الأيام في الشهر العشران العشر الآخر والعشر الأول من ذي الحجة وبعدهما عشر المحرم من أوله فالأعمال في هذه الأيام لها فضل ومزيد على سائر الشهور . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صام ثلاثة أيام من شهر حرام بعده الله من النار سبعمائة عام يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت ، وفي خبر آخر صوم يوم من شهر حرام يعدل صوم ثلاثين يوما من غيره ، وصوم يوم من شهر رمضان يعدل صوم ثلاثين يوما من شهر حرام ، ثم إن أفضل الأوقات في جملة الأيام أوقات الصلوات الخمس . وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت العشر الأواخر من شهر رمضان طوى الفراش وشد المئزر ، وفي حديث آخر : إذا دخلت العشر الأواخر دأب وأدأب أهله يعني أدام وأداموا التعب والنصب في العبادة ، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب إلى الله عز وجل من أيام عشر ذي الحجة ، إن صوم يوم منه يعدل صيام سنة وقيام ليلة منه يعدل قيام ليلة القدر ، قيل : ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع منهما بشيء ، وفي لفظ آخر إلا من عقر جواده وأهرق دمه ، واذا أحب الله عز وجل عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة بأفضل الأعمال ليثيبه أفضل الثواب وإذا مقت عبدا استعمله بأسوأ الأعمال في أفاضل الأوقات ليضاعف له السيئات بانتقاص حرمات الشعائر وانتهاك المحرمات في الحرمات ، ويقال من علامات التوفيق ثلاث : دخول أعمال البر عليك من غير قصد لها ، وصرف المعاصي عنك مع الطلب لها ، وفتح باب اللجا والافتقار إلى الله عز وجل في الشدة والرخاء ، ومن علامات الخذلان ثلاث : تعسر الخيرات عليك مع الطلب لها ، وتيسر المعاصي لك مع الرهب منها وغلق باب اللجا والافتقار إلى الله عز وجل ، في كل حال فنسأل الله تعالى بفضله حسن التوفيق والاختيار ونعوذ به من سوء القضاء والأقدار .

Section V01/P115

الفصل الحادي والعشرون فيه كتاب الجمعة وذكر هيئاتها وآدابها وذكر ما يستحب للمريد في يوم الجمعة وليلتها

Section V01/P115–V01/P116

صلاة الجمعة واجبة بأوصاف وساقطة بأوصاف فوجوبها يكون بالإقامة والاستطاعة وحضور وقت الظهر وتكملة عدة أربعين رجلا أحرارا وسقوطها بالسفر ودخول وقت العصر ونقصان العدد ووقوع العذر وهي من أعمال الأمراء تصلي خلف كل من أقام بها منهم إلا اني أحب إعادتها ظهرا إذا صليت خلف مبتدع فإن اجتمع في بلد كبير جامعان صليت خلف الأفضل من إماميهما ، فإن استويا في الفضل صليت في القديم من الجامعين ، فإن تساويا صليت في الأقرب منهما إلا أن تكون له نية في الأبعد لاستماع علم أو نشره أو تعلمه ، فصلاتها في الجامع الأعظم وحيث يكون المسلمون أكثر وأفضل ، ومن صلى في أيهما أحب حسبت صلاته ، قال ابن جريج : قلت لعطاء إذا كان في المصر جامعان أو ثلاثة في أيها أصلي ؟ ، قال : صل حيث جمع المسلمون فإنها جمعة وهو يوم عظم الله تعالى به الإسلام وزينه وشرف به المسلمين وفضلهم قال عز وجل : ( ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ) الجمعة : 9 الآية ، فالبيع والشراء محرم بعد الأذان للجمعة عند طائفة من العلماء لعموم النهي عنه ، ومنهم من قال : يرد البيع لأنه فاسد إلا أني أحسب أن ذلك يحرم عند الأذان الثاني وهو مع خروج الإمام إذا قعد على المنبر لأن هذا كان هو الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، والأذان الأول أحدثه عثمان رضي الله عنه لما كثر الناس ، وقال الله عز وجل : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) الجمعة : 01 الآية ، فأمر عباده المؤمنين في يوم الجمعة بالذكر له ونهاهم عن البيع وأمرهم فيه بطلب الفضل منه ووعدهم الخير والفلاح وهما اسمان جامعان لغنيمة الدنيا والآخرة . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن الله عز وجل فرض عليكم الجمعة في يومي هذا في مقامي هذا وروي عنه صلى الله عليه وسلم من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه ، وفي لفظ حديث آخر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره واختلف رجل إلى ابن عباس فسأله عن رجل مات لم يكن يشهد جمعة ولا جماعة فقال : في النار ، فلم يزل يتردد إليه شهرا يسأل عنه ، كل ذلك يقول في النار ، وتقصد الجمعة من فرسخين أو ثلاثة ، واستحب لمن بكر إليها من أهل القرى فأدركها وأدركه الليل فأواه إلى أهله إذا رجع أن يشهدها إلا أنها ساقطة عن خمسة : الصبي ، والمملوك ، والمرأة ، والمسافر ، والمريض ، فمن شهدها من هؤلاء فصلاها أجزأت عنه وكان مؤديا لفرضه ، وفي الخبر أن أهل الكتابين أعطوا يوم الجمعة فقد اختلفوا فيه فصرفوا عنه وهدانا الله عز و جل برحمته له ادخره لهذه الأمة جعله عيدا لهم فهم أول الناس به سبقا وأهل الكتابين لهم تبع ، وفي حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه مرآة بيضاء فقال : هذه الجمعة يفرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولأمتك من بعدك ، قلت : فما لنا فيها ؟ قال : لكم فيها خير ساعة ، من دعا فيها بخير هو له قسم أعطاه الله عز وجل أو ليس من قسم أدخره ماهو أعظم أو يتعوذ من شر هو عليه مكتوب إلا أعاده الله تعالى من أعظم منه وهو سيد الأيام عندنا ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد ، قلت : ولم قال إن ربك عز وجل اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة نزل من عليين على كرسيه وذكر الحديث قال فيه : ويتجلى لهم حتى ينظروا إلى وجهه ذكرناه بتمامه في مسند الألف .

Section V01/P116–V01/P117

وروي عنه صلى الله عليه وسلم : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط إلى الأرض وفيه تقوم الساعة وهو عند الله يوم المزيد كذلك تسمية الملائكة في السماء وهو يوم النظر إلى الله عز وجل في الجنة في أخبار يطول ذكرها ، وفي الحديث : ما من دابة إلا وهي قائمة على ساق يوم الجمعة مصيخة أي مصغية تتوقع مشفقة من قيام الساعة إلا الشياطين شقي بني آدم ويقال : إن الطير والهوام يلقى بعضها بعضا في يوم الجمعة فتقول سلام سلام يوم صالح ، وفي الخبر أن الله عز وجل في كل يوم جمعة يعتق ستمائة ألف عتيق من النار ، وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا سلم يوم الجمعة سلم الأيام ، وقال كعب في الخبر : إن الله عز وجل فضل من كل شيء من خلقه شيئا ففضل من البلدان مكة ومن الشهور رمضان ومن الأيام الجمعة ، وفي الخبر أن جهنم تسعر في كل يوم قبل الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء فلا تصلوا في هذه الساعة إلا يوم الجمعة فإنه صلاة كله وإن جهنم لا تسعر فيه فأفضل مايعمله العبد في يوم الجمعة البكور إلى الجامع في الساعة الأولى فإن لم يفعل ففي الساعة الثانية فإن لم يفعل ففي الساعة الثالثة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راج في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما أهدى دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما أهدى بيضة ، فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفعت الأقلام واجتمعت الملائكة عند المنبر يسمعون الذكر ، فمن جاء بعد ذلك فكأنما جاء لحق الصلاة وليس من الفضل في شيء فالساعة الأولى تكون بعد صلاة الصبح والساعة الثانية تكون عند ارتفاع الشمس والثالثة تكون عند انبساطها وهي الضحى الأعلى إذا رمضت الأقدام بحر الشمس والساعة الرابعة تكون قبل الزوال والساعة الخامسة إذا زالت الشمس أو مع استوائها وليس الساعة الرابعة والخامسة مستحبتين للبكور ولا فضل لمصلي الجمعة بعد الساعة الخامسة لأن الإمام يخرج في آخرها فلا يبقى إلا فريضة الجمعة ، ويقال : إن الناس يكونون في قربهم من الله عز وجل عند الزيارة للنظر إليه تعالى على قدر بكورهم إلى الجمعة ، ودخل ابن مسعود يوم الجمعة بكرة فرأى ثلاثة نفر وقد سبقوه بالبكور فوجم لذلك وجعل يقول : رابع أربعة يعني نفسه وما رابع أربعة من الله ببعيد وهذا من اليقين في هذه المشاهدة للخبر ، وقد جاء في الأثران : الملائكة يفتقدون العبد إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة فيسأل بعضهم بعضا عنه مافعل فلان وما الذي أخره عن وقته فيقولون : اللهم إن كان أخره فقره فاغنه وإن كان أخره مرض فاشفه وإن كان أخره شغل عنه ففرغه لعبادتك وإن كان أخره لهو فأقبل بقلبه على طاعتك ولا تقعد إلى القصاص يوم الجمعة فقد كره ذلك ولا في حلقة قبل الصلاة . وروينا في خبر مقطوع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث لو يعلم الناس ما فيهن لركضوا الإبل في طلبهن : الأذان ، والصف الأول ، والغدو إلى الجمعة ، قال أحمد بن حنبل وقد ذكر هذا الحديث أفضلهن الغدو إلى الجمعة ، وقد يروى في خبر آخر إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب يكتبون الأول فالأول على مراتبهم .

Section V01/P117–V01/P118

وروينا في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة الا أن يكون عالما بالله تعالى ، يذكر بأيام الله عز وجل ويفقه في دين الله عز وجل ، يتكلم في الجامع بالغداة فيجلس إليه فيكون جامعا بين البكور إلى الجمعة والإستماع إلى العلم ولا يدع الغسل لها يوم الجمعة إلا من ضرورة فإنه عند بعض العلماء فرض والاغتسال في البيت أفضل . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : غسل الجمعة واجب على كل محتلم ، والمشهور من حديث نافع عن ابن عمر : من أتى الجمعة فليغتسل وكان أهل المدينة يتسابون بينهم فيقولون لأنت شر ممن لا يغتسل يوم الجمعة ، وقد قال عمر لعثمان رضي الله عنهما لما دخل وهو يخطب : أهذه الساعة فقال : مازدت بعد أن سمعت الأذان أن توضأت وخرجت ، فقال عمر : والوضوء أيضا ، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر الغسل ولكن في ترك بالغسل رخصة لوضوء عثمان مع علمه ويسند ذلك إلى الخبر المسند من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل . وروينا عن الصحابة : أمرنا بالغسل يوم الجمعة فلما جاء الشتاء كان من شاء اغتسل ومن لم يشأ ترك الغسل ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شهد الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل فلذلك قال مالك بن أنس إن النساء إذا حضرن الجمعة اغتسلن له ومن اغتسل من جنابة أجزأه لغسل الجمعة إذا نوى ولا بد من النية لغسل الجنابة لأجل الجمعة فهو أفضل ، ويكون الغسل للجمعة داخلا فيه ، فإذا أفاض عليه الماء ثانية بعد غسله للجنابة لأجل الجمعة فهو أفضل دخل بعض الصحابة على ابنه يوم الجمعة وهو يغتسل فقال : للجمعة غسلك هذا ؟ قال : لا بل من الجنابة ، قال : فأعد غسلا ثانيا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : واجب على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ، ومن اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأه ولكن أفضل الغسل لها عند الرواح إلى الجامع وأحب أن لايحدث وضوءا بعد الغسل حتى يفرغ من صلاة الجمعة فمن العلماء من كره ذلك ولكن إن بكر إلى الجامع فتوضأ هناك من حدث لحقه لامتداد الوقت فإنه على غسل الجمعة ويستحب أن يستاك وأن يلبس من صالح ثيابه ويجتنب الشهرة من الثياب ومن أفضل ما لبس البياض أو بردين يمانيين ولبس السواد يوم الجمعة ليس من السنة ولا من الفضل أن ينظر إلى لابسه وليقلم أظفاره ويأخذ من شاربه فقد روي فضل ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أمره .

Section V01/P118–V01/P119

وقد روينا عن ابن مسعود وغيره من قلم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله عز وجل منها داء وأدخل شفاء وليتطيب بالطيب طيبه مما ظهر ريحه وخفي لونه فذلك طيب الرجال وطيب النساء مما ظهر لونه وخفي ريحه ، روينا ذلك في الأثر وتستحب العمامة يوم الجمعة ، وقد روينا فيها حديثا شاذا عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة فإن أكربه الحر فلا بأس أن ينزعها قبل الصلاة وبعدها ولكن يخرج من منزله إلى الجامع وهو لابسها ولا يصلي إلا معتما بها لتحصل له فضيلة العمة ، فإن نزعها فليلبسها حينئذ عند صعود الإمام المنبر ثم ليصل وهي عليه فإن شاء نزعها بعد ذلك وليخرج إلى الله عز وجل خاشعا متواضعا ذا سكينة ووقار وإخبات وافتقار وليكثر من الدعاء والاستغفار وينوي في خروجه زيارة مولاه في بيته والتقرب إليه بأداء فريضته والعكوف في المسجد إلى حيث انقلابه ثم لينو كف جوارحه عن اللهو واللغو ويتق الشغل حين يخدم مولاه وليترك راحته في ذلك اليوم في مهناه من عاجل حظ دنياه وليواصل الأوراد فيه فيجعل أوله إلى انقضاء صلاة الجمعة للخدمة بالصلاة وأوسطه إلى صلاة العصر لاستماع العلم ومجالس الذكر وآخره إلى غروب الشمس للتسبيح والاستغفار ، فكذلك كان المتقدمون يقسمون يوم الجمعة هذه الأقسام الثلاثة وإن صامه فحسن يضم إليه يوم الخميس أو يضيف إليه يوم السبت وقد كره إفراده بصوم ومن لم يصمه وكان أهل فالمستحب أن يجامع فيه فقد روي فضل ذلك وكان بعض السلف يفعله . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من غسل واغتسل وغدا وبكر ودنا من الإمام ولم يلغ كان له بكل خطوة صيام سنة وقيامها ، وفي خبر آخر : ودنا من الإمام واستمع كان له ذلك كفارة لما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام ، وفي لفظ آخر : غفر له إلى الجمعة الأخرى وقد اشترط في بعضها ولم يتخط رقاب الناس ، فمعنى قوله : من غسل بالتشديد أي غسل أهله كناية عن الجماع ، وبعض الرواة يخففه فيقول : غسل واغتسل فيكون معناه غسل رأسه واغتسل لجسده وليتق أن يتخطى رقاب الناس فإن ذلك مكروه جدا وقد جاء فيه وعيد شديد إن من فعل ذلك جعل جسرا يوم القيامة على جهنم تتخطاه الناس وقال ابن جريج حديثا مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلا يتخطى رقاب الناس حتى تقدم وجلس فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته عارض الرجل حتى لقيه فقال يافلان مامنعك أن تجمع اليوم معنا ؟ فقال : يانبي الله قد جمعت فقال : أو لم أرك تتخطى رقاب الناس ؟ وفي حديث مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : مامنعك أن تصلي معنا الجمعة ؟ فقال : أو لم ترني ؟ قال : قد رأيتك تأنيت وآذيت ، أي تأخرت عن البكور وآذيت بالحضور ، ولا يقعد إلى القصاص في يوم الجمعة فقد كره ذلك ولا في حلقة قبل الصلاة .

Section V01/P119–V01/P120

فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة إلا أن يكون عالما بالله عز وجل يذكر بأيام الله ويفقه في الدين يتكلم في الجامع بالغداة فيجلس إليه فيكون جامعا بين البكور إلى الجمعة وبين الاستماع إلى العلم ، وقد روينا عن بعض علماء السلف قال : إن الله تعالى فضلا من الرزق سوى أرزاق العباد لا يعطي من ذلك الفضل إلا من سأله عشية الخميس ويوم الجمعة ، وفي الخبر المشهور : أن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه ، وفي لفظ آخر لا يصادفها عبد يصلي ، واختلف في وقت هذه الساعة فقيل : إنها عند طلوع الشمس ، وقيل : إذا قام الناس إلى الصلاة ، وقيل عند الزوال ، ويقال : مع الأذان ، وقيل : هي إذا صعد الإمام المنبر وأخذ في الذكر ، وقيل : بعد العصر من آخر أوقاتها ، وقيل : عند غروب الشمس إذا تدلى حاجبها الأسفل ، كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تراعي ذلك الوقت وتأمر خادمها أن ينظر إلى الشمس فيؤذنها بسقوطها فتأخذ في الدعاء والاستغفار في ذلك الوقت إلى أن تغرب الشمس وتخبر أن تلك الساعة هي المنتظرة وتؤثره عن أبيها صلى الله عليه وسلم فهذا جمل ماقيل في هذه الساعة بروايات جاءت في ذلك متفرقة حذفنا ذكرها للاختصار فليتوخ هذه الأوقات وليتعهد الدعاء فيها والصلاة فيما صلح منها . وقد قال بعض العلماء إن هذه الساعة مبهمة في جميع اليوم لا يعلمها إلا الله عز وجل كأنها بمنزلة ليلة القدر مبهمة في جميع شهر رمضان وكأنها مثل الصلاة الوسطى في جملة الصلوات الخمس ، وقد قيل : إنها تنتقل في ساعات يوم الجمعة كتنقل ليلة القدر عند بعضهم في ليالي الشهر ، ذلك ليكون العبد طالبا إلى الله عز وجل وراغبا متضرعا مفتقرا في جميع ذلك اليوم ، فمن واصل الأوراد فيه وعمر بالذكر كل ساعة صادفها بإذن الله عز وجل فإن لم يواصل الساعة في يوم واحد فليواصلها في جمع شتى وقتا على وقت على ترتيب أوقات يوم فإنها تقع في جميع الأوقات لا محالة وليكثر الدعاء والتضرع وفي وقتين خاصة عند صعود الإمام المنبر إلى أن تقام الصلاة ويدخل فيها وعند آخر ساعة وقت تدلي الشمس للغروب ، فهذان الوقتان من أفضل أوقات الجمعة ويقوي في نفسي أن في أحدهما الساعة المرجوة ، وقد اجتمع كعب الأحبار مع أبي هريرة واجتمع رأي كعب أنها في آخر ساعة من يوم الجمعة ، فقال أبو هريرة : كيف تكون آخر ساعة وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لايوافقها عبد يصلي ولات حين صلاة ، فقال كعب : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قعد ينتظر الصلاة فهو في صلاة ، قال : بلى ، قال : فذاك صلاة ، فسكت أبو هريرة فكأنه وافقه وليكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وليلتها وأقل ذلك أن يصلي عليه صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة مرة . وقد جاء في الخبر من صلى علي في يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين سنة ، قيل : يارسول الله كيف الصلاة عليك ؟ قال : تقول اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وتعقدها واحدة فكيف ما صلى عليه بعد أن يأتي بلفظ ذكر الصلاة عليه فهي صلاة ، والصلاة المشهورة هي التي رويت في التشهد وإن جعل من صلاته عليه أن يقول : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون لك رضاء ولحقه أداء وأعطه الوسيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وأجزه عنا ماهو أهله وأجزه أفضل ماجزيت نبيا عن أمته وصل على جميع إخوانه من النبيين والصالحين ياأرحم الراحمين .

Section V01/P120–V01/P121

تقول هذا سبع مرات ، ففي هذا فضل عظيم ويقال : من قاله سبع جمع في كل جمعة سبعة مرات وجبت له شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن زاد هذه الصلاة فهي مأثورة : اللهم اجعل فضائل صلواتك وشرائف زكواتك ونوامي بركاتك ورأفتك ورحمتك وتحيتك على محمد سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين ورسول رب العالمين قائد الخير وفاتح البر ونبي الرحمة وسيد الأمة ، اللهم ابعثه مقاما محمودا تزلف به قربه وتقربه عينه يغبطه به الأولون والآخرون ، اللهم أعطه الفضل والفضيلة والشرف والوسيلة والدرجة الرفيعة والمنزلة الشامخة المنيفة ، اللهم أعط محمدا سؤله وبلغه مأموله واجعله أول شافع وأول مشفع ، اللهم عظم برهانه وثقل ميزانه وأبلج حجته وارفع في أعلى المقربين درجته ، اللهم احشرنا في زمرته واجعلنا من أهل شفاعته وأحينا على سنته وتوفنا على ملته وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه غير خزايا ولانادمين ولاشاكين ولا مبدلين ولافتانين ولا مفتونين آمين ، رب العالمين ، وليكثر من الاستغفار يوم الجمعة وليلتها وأي لفظ ذكر فيه سؤال المغفرة فهو مستغفر ، وإن قال : اللهم اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم فهو أفضل ، وإن قال : رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت خير الراحمين فحسن ، واستحب له أن يقرأ ختمة يوم الجمعة ، فإن ضاق عليه ذلك فليشفع إليه ليلتها ليكون ابتداؤه من ليلة الجمعة ، وإن جعل ختمه للقرآن في ركعتي الفجر من يوم الجمعة أو في ركعتي المغرب ليلة الجمعة فحسن ، ليستوعب بذلك كله اليوم والليلة ، وإن جعل ختمه بين الأذان للجمعة والإقامة للصلاة ففيه عظيم ، ويستحب أن يصلي قبل الجمعة اثنتي عشرة ركعة وبعدها ست ركعات ، وإذا دخل الجامع فليصل أربع ركعات يقرأ فيهن : قل هو الله أحد مائتي مرة في كل ركعة خمسين مرة ففيه أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له ، وإذا دخل الجامع فلا يقعدن حتى يصلي ركعتين قبل أن يجلس وكذلك إن دخل والإمام يخطب صلاهما خفيفتين وإن سمعه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه قد جاء في حديث غريب أن النبي صلى الله عليه وسلم سكت له حتى صلاهما فقال الكوفيون إن سكت له الإمام صلاهما ، ولعل سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص له لوجوب قوله ، وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وأبي هريرة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أعطي نورا من حيث يقرأها إلى مكة وغفر له إلى الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وعوفي من الداء والدبيلة وذات الجنب والبرص والجذام وفتنة الدجال ، واستحب أن يصلي يوم الجمعة أربع ركعات بأربع سور سورة الأنعام ، وسورة الكهف ، وسورة طه ، وسورة يس ، فإن لم يحسن ذلك قرأ سورة يس وسجدة لقمان وسورة الدخان وسورة الملك ولا يدع قراءة الأربع سور في كل ليلة جمعة ففي ذلك أثر وفضل كبير فإن لم يحسن جميع القرآن قرأ ما يحسن منه فذلك له ختمة فقيل ختمة من حيث علمه ، وقد كان العابدون يستحبون أن يقرؤوا يوم الجمعة ألف مرة : قل هو الله أحد ، فإن قرأها في عشر ركعات أو عشرين فهو أفضل من ختمة ، وقد كانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ألف مرة ، ومن التسبيح والتهليل بالكلمات الأربع ألف مرة وهذه ثلاثة أوراد حسنة في يوم الجمعة أعني قراءة : قل هو الله أحد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتسبيح والتهليل ألفا ألفا فلا يدعن ذلك من رزقها أو أحدها فإنه من أفضل الأعمال في هذا اليوم وإن صلى يوم الجمعة قبل الزوال صلاة التسبيح وهي ثلاثمائة تسبيحة في أربع ركعات فقد أكثر وأطاب .

Questions