Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn
ويروى عن رجل من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال صليت خلف علي رضي الله تعالى عنه الفجر فلما سلم انفتل عن يمينه وعليه كآبة فمكث حتى طلعت الشمس ثم قلب يده وقال والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما أرى اليوم شيئا يشبههم كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم وكانوا إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم وكأن القوم باتوا غافلين يعنى من كان حوله وكان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطا في مسجد بيته يخوف به نفسه وكان يقول لنفسه قومى فوالله لأزحفن بك زحفا حتى يكون الكلل منك لا منى فإذا دخلت الفترة تناول سوطه وضرب به ساقه ويقول أنت أولى بالضرب من دابتى وكان يقول أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به دوننا كلا والله لنزاحمهم عليه زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا وكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل له القيامة غدا ما وجد متزايدا وكان إذا جاء الشتاء اضطجع على السطح ليضر به البرد وإذا كان في الصيف اضطجع داخل البيوت ليجد الحر فلا ينام وانه مات وهو ساجد وانه كان يقول اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي وقال القاسم بن محمد غدوت يوما وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها أسلم عليها فغدوت يوما إليها فإذا هى تصلى صلاة الضحى وهى تقرأ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم وتبكى وتدعو وتردد الآية فقمت حتى مللت وهى كما هى فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فقلت أفرغ من حاجتى ثم أرجع ففرغت من حاجتى ثم رجعت وهى كما هى تردد الآية وتبكى وتدعو وقال محمد بن إسحاق لما ورد علينا عبد الرحمن ابن الأسود حاجا اعتلت إحدى قدميه فقام يصلى على قدم واحدة حتى صلى الصبح بوضوء العشاء وقال بعضهم ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بيني وبين قيام الليل وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه سيما الصالحين صفرة الألوان من السهر وعمش العيون من البكاء وذبول الشفاه من الصوم عليهم غبرة الخاشعين وقيل للحسن ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها فقال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره وكان عامر بن عبد القيس يقول إلهى خلقتنى ولم تؤامرنى وتميتنى ولا تعلمنى وخلقت معى عدوا وجعلته يجرى منى مجرى الدم وجعلته يرانى ولا أراه ثم قلت لى استمسك إلهى كيف أستمسك إن لم تمسكنى إلهى في الدنيا الهموم والأحزان وفي الآخرة العقاب والحساب فأين الراحة والفرح وقال جعفر بن محمد كان عتبة الغلام يقطع الليل بثلاث صيحات كان إذا صلى العتمة وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا مضى ثلث الليل صاح صيحة ثم وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا مضى الثلث الثانى صاح صيحة ثم وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا كان السحر صاح صيحة قال جعفر بن محمد فحدثت به بعض البصريين فقال لا تنظر الى صياحه ولكن انظر إلى ما كان فيه بين الصيحتين حتى صاح وعن القاسم بن راشد الشيبانى قال كان زمعة نازلا عندنا بالمحصب وكان له أهل وبنات وكان يقوم فيصلى ليلا طويلا فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته أيها الركب المعرسون أكل هذا الليل ترقدون أفلا تقومون فترحلون فيتواثبون فيسمع من ههنا باك ومن ههنا داع من ههنا قارئ ومن ههنا متوضئ فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته عند الصباح يحمد القوم السرى
وقال بعض الحكماء إن لله عبادا أنعم عليهم فعرفوه وشرح صدورهم فأطاعوه وتوكلوا عليه فسلموا الخلق والأمر إليه فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين وبيوتا للحكمة وتوابيت للعظمة وخزائن للقدرة فهم بين الخلق مقبلون ومدبرون وقلوبهم تجول في الملكوت وتلوذ بمحجوب الغيوم ثم ترجع ومعها طوائف من لطائف الفوائد وما لا يمكن واصفا أن يصفه فهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا وهم الظاهر مناديل مبذولون لمن أرادهم تواضعا وهذه طريقة لا يبلغ إليها بالتكلف وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء وقال بعض الصالحين بينما أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس إذ هبطت إلى واد هناك فإذا أنا بصوت قد علا وإذا تلك الجبال تجيبه لها دوى عال فاتبعت الصوت فإذا أنا بروضة عليها شجر ملتف وإذا أنا برجل قائم فيها يردد هذه الآية يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا إلى قوله ويحذركم الله نفسه قال فجلست خلفه أسمع كلامه وهو يردد هذه الآية إذ صاح صيحة خر مغشيا عليه فقلت وا أسفاه هذا لشقائى ثم انتظرت إفاقته فأفاق بعد ساعة فسمعته وهو يقول أعوذ بك من مقام الكذابين أعوذ بك من أعمال البطالين أعوذ بك من إعراض الغافلين ثم قال لك خشعت قلوب الخائفين وإليك فزعت آمال المقصرين ولعظمتك ذلت قلوب العارفين ثم نفض يده فقال مالى وللدنيا وما للدنيا وما لى عليك يا دنيا بأبناء جنسك وألاف نعيمك إلى محبيك فاذهبى وإياهم فاخدعى ثم قال أين القرون الماضية وأهل الدهور السالفة في التراب يبلون وعلى الزمان يفنون فناديته يا عبد الله أنا منذ اليوم خلفك أنتظر فراغك فقال وكيف يفرغ من يبادر الأوقات وتبادره يخاف سبقها بالموت إلى نفسه أم كيف يفرغ من ذهبت أيامه وبقيت آثامه ثم قال أنت لها ولكل شدة أتوقع نزولها ثم لها عنى ساعة وقرأ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ثم صاح صيحة أخرى أشد من الأولى وخر مغشيا عليه فقلت قد خرجت روحه فدنوت منه فإذا هو يضطرب ثم أفاق وهو يقول من أنا ما خطرى هب لى إساءتى من فضلك وجللني بسترك واعف عن ذنوبى بكرم وجهك إذا وقفت بين يديك فقلت له بالذى ترجوه لنفسك وتثق به إلا كلمتنى فقال عليك بكلام من ينفعك كلامه ودع كلام من أو بقته ذنوبه إنى لفى هذا الموضع مذ شاء الله أجاهد إبليس ويجاهدنى فلم يجد عونا على ليخرجنى مما أنا فيه غيرك فإليك عنى يا مخدوع فقد عطلت على لسانى وميلت إلى حديثك شعبة من قلبى وأنا أعوذ بالله من شرك ثم أرجو أن يعيذنى من سخطه ويتفضل على برحمته قال فقلت هذا ولى الله أخاف أن أشغله فأعاقب فى موضعى هذا فانصرفت وتركته وقال بعض الصالحين بينما أنا أسير في مسير لى إذ ملت إلى شجرة لأستريح تحتها فإذا أنا بشيخ قد أشرف على فقال لى يا هذا قم فإن الموت لم يمت ثم هام على وجه فاتبعته فسمعته وهو يقول كل نفس ذائقة الموت اللهم بارك لى في الموت فقلت وفيما بعد الموت فقال من أيقن بما بعد الموت شمر مئزر الحذر ولم يكن له في الدنيا مستقر ثم قال يا من لوجهه عنت الوجوه بيض وجهى بالنظر إليك واملأ قلبى من المحبة لك وأجرنى من ذلك التوبيخ غدا عندك فقد آن لى الحياء منك وحان لى الرجوع عن الإعراض عنك قم قال لولا حلمك لم يسعنى أجلى ولولا عفوك لم ينبسط فيما عندك أملى ثم مضى وتركنى وقد أنشدوا في هذا المعنى نحيل الجسم مكتئب الفؤاد ... تراه بقمة أو بطن وادى ينوح على معاص فاضحات ... يكدر ثقلها صفو الرقاد فإن هاجت مخاوفه وزادت ... فدعوته أغثنى يا عمادى فأنت بما ألاقيه عليم كثير الصفح عن زلل العباد وقيل أيضا ألذ من التلذذ بالغوانى ... إذا أقبلن في حلل حسان منيب فر من أهل ومال ... يسيح إلى مكان من مكان ليخمل ذكره ويعيش فردا ... ويظهر في العبادة بالأمانى
تلذذه التلاوة أين ولى ... وذكر بالفؤاد وباللسان وعند الموت يأتيه بشير ... يبشر بالنجاة من الهوان فيدرك ما أراد وما تمنى ... من الراحات في غرف الجنان وكان كرز بن وبرة يختم القرآن في كل يوم ثلاث مرات ويجاهد نفسه في العبادات غاية المجاهدة فقيل له قد أجهدت نفسك فقال كم عمر الدنيا فقيل سبعة آلاف سنة فقال كم مقدار يوم القيامة فقيل خمسون ألف سنة فقال كيف يعجز أحدكم أن يعمل سبع يوم حتى يأمن ذلك اليوم يعنى أنك لو عشت عمر الدنيا واجتهدت سبعة آلاف سنة وتخلصت من يوم واحد كان مقداره خمسين ألف سنة لكان ربحك كثيرا وكنت بالرغبة فيه جديرا فكيف وعمرك قصير والآخرة لا غاية لها فهكذا كانت سيرة السلف الصالحين في مرابطة النفس ومراقبتها فمهما تمردت نفسك عليك وامتنعت من المواظبة على العبادة فطالع أحوال هؤلاء فإنه قد عز الآن وجود مثلهم ولو قدرت على مشاهدة من اقتدى بهم فهو أنجع في القلب وأبعث على الاقتداء فليس الخبر كالمعاينة وإذا عجزت عن هذا فلا تغفل عن سماع أحوال هؤلاء فإن لم تكن إبل فمعزى وخير نفسك بين الاقتداء بهم والكون في زمرتهم وغمارهم وهم العقلاء والحكماء وذوو البصائر في الدين وبين الاقتداء بالجهلة الغافلين من أهل عصرك ولا ترض لها أن تنخرط في سلك الحمقى وتقنع بالتشبه بالأغبياء وتؤثر مخالفة العقلاء فإن حدثتك نفسك بأن هؤلاء رجال أقوياء لا يطاق الاقتداء بهم فطالع أحوال النساء المجتهدات وقل لها يا نفس لا تستنكفى أن تكونى أقل من امرأة فأخسس برجل يقصر عن امرأة في أمر دينها ودنياها ولنذكر الآن نبذة من أحوال المجتهدات فقد روى عن حبيبة العدوية أنها كانت إذا صلت العتمة قامت على سطح لها وشدت عليها درعها وخمارها ثم قالت إلهى قد غارت النجوم ونامت العيون وغلقت الملوك أبوابها وخلا كل حبيب بحبيبه وهذا مقامى بين يديك ثم تقبل على صلاتها فإذا طلع الفجر قالت إلهى هذا الليل قد أدبر وهذا النهار قد أسفر فليت شعرى أقبلت منى ليلتى فأهنا أم رددتها على فأعزى وعزتك لهذا دأبى ودأبك ما أبقيتنى وعزتك لو انتهرتنى عن بابك ما برحت لما وقع في نفسى من جودك وكرمك ويروى عن عجزة أنها كانت تحيى الليل وكانت مكفوفة البصر فإذا كان في السحر نادت بصوت لها محزون إليك قطع العابدون دجى الليالى يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك فبك يا إلهى أسألك لا بغيرك أن تجعلنى في أول زمرة السابقين وأن ترفعنى لديك في عليين في درجة المقربين وان تلحقنى بعبادك الصالحين فأنت أرحم الرحماء وأعظم العظماء وأكرم الكرماء يا كريم ثم تخر ساجدة فيسمع لها وجبة ثم لا تزال تدعو وتبكى إلى الفجر وقال يحيى بن بسطام كنت أشهد مجلس شعوانة فكنت أرى ما تصنع من النياحة والبكاء فقلت لصاحب لى لو أتيناها إذا خلت فأمرناها بالرفق بنفسها فقال أنت وذاك قال فأتينا فقلت لها لو رفقت بنفسك وأقصرت عن هذا البكاء شيئا فكان لك أقوى على ما تريدين قال فبكت ثم قالت والله لوددت أنى أبكى حتى تنفد دموعى ثم أبكى دما حتى لا تبقى قطرة من دم في جارحة من جوارحى وأنى لى بالبكاء وأنى لى بالبكاء فلم تزل تردد وأنى لى بالبكاء حتى غشى عليها وقال محمد بن معاذ حدثتنى امرأة من المتعبدات قالت رأيت في منامى كأنى أدخلت الجنة فإذا أهل الجنة قيام على أبوابهم فقلت ما شأن أهل الجنة قيام فقال لى قائل خرجوا ينظرون إلى هذه المرأة التى زخرفت الجنان لقدومها فقلت ومن هذه المرأة فقيل أمة سوداء من أهل الأيكة يقال لها شعوانة
قالت فقلت أختى والله قالت فبينما أنا كذلك إذ أقبل بها على نجيبة تطير بها في الهواء فلما رأيتها ناديت يا أختى أما ترين مكانى من مكانك فلو دعوت لى مولاك فألحقنى بك قالت فتبسمت إلى وقالت لم يأن لقدومك ولكن احفظى عنى اثنتين ألزمى الحزن قلبك وقدمى محبة الله على هواك ولا يضرك متى مت وقال عبد الله بن الحسن كانت لى جارية رومية وكنت بها معجبا فكانت في بعض الليالى نائمة إلى جنبى فانتبهت فالتمستها فلم أجدها فقمت أطلبها فإذا هى ساجدة وهي تقول بحبك لي الا ما غفرت لي ذنوبي فقلت لها لا تقولي بحبك لي ولكن قولي بحبى لك فقالت يا مولاي بحبه لي أخرجني من الشرك إلى الاسلام وبحبه لي أيقظ عيني وكثير من خلقه نيام وقال أبو هاشم القرشي قدمت علينا امرأة من أهل اليمن يقال لها سرية فنزلت في بعض ديارنا قال فكنت أسمع لها من الليل أنينا وشهيقا فقلت يوما لخادم لي أشرف على هذه المرأة ماذا تصنع قال فأشرف عليها فما رآها تصنع شيئيا غير أنها لا ترد طرفها عن السماء وهي مستقبلة القبلة تقول خلقت سرية ثم غذيتها بنعمتك من حال إلى حال وكل أحوالك لها حسنة وكل بلائك عندها جميل وهي مع ذلك متعرضة لسخطك بالتوثب على معاصيك فلتة بعد فلتة أتراها تظن أنك لا ترى فعالها وأنت عليم خبير وأنت على كل شيء قدير وقال ذو النون المصري خرجت ليلة من وادي كنعان فلما علوت الوادي إذا سواد مقبل على وهو يقول وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ويبكي فلما قرب مني السواد اذا هي امرأة عليها جبة صوف وبيدها ركوة فقالت لي من أنت غير فزعة مني فقلت رجل غريب فقالت يا هذا وهل يوجد مع الله غربة قال فبكيت لقولها فقالت ما الذي أبكاك فقلت قد وقع الدواء على داء قد قرح فأسرع في نجاحه قالت فإن كنت صادقا فلم بكيت قلت يرحمك الله والصادق لا يبكي قالت لا قلت ولم ذاك قالت لأن البكاء راحة القلب فسكت متعجبا من قولها وقال أحمد بن علي استأذنا على عفيرة فحجبتنا فلازمنا الباب فلما علمت ذلك قامت لتفتح الباب لنا فسمعتها وهي تقول اللهم إني أعوذ بك ممن جاء يشغلني عن ذكرك ثم فتحت الباب ودخلنا عليها فقلنا لها يا أمة الله ادعي لنا فقالت جعل الله قراءكم في بيتى المغفرة ثم قالت لنا مكث عطاء السلمي أربعين سنة فكان لا ينظر إلى السماء فحانت منه نظرة فخر مغشيا عليه فأصابه فتق في بطنه فيا ليت عفيرة إذا رفعت رأسها لم تعص وياليتها إذا عصت لم تعد وقال بعض الصالحين خرجت يوما إلى السوق ومعى جارية حبشية فاحتبستها في موضع بناحية السوق وذهبت في بعض حوائجى وقلت لا تبرحى حتى أنصرف إليك قال فانصرفت فلم أجدها في الموضع فانصرفت إلى منزلى وأنا شديد الغضب عليها فلما رأتنى عرفت الغضب في وجهى فقالت يا مولاى لا تعجل على إنك أجلستنى في موضع لم أر فيه ذاكرا لله تعالى فخفت أن يخسف بذلك الموضع فعجبت لقولها وقلت لها أنت حرة فقالت ما صنعت كنت أخدمك فيكون لى أجران وأما الآن فقد ذهب عنى أحدهما وقال ابن العلاء السعدى كانت لى ابنة عم يقال لها بريرة تعبدت وكانت كثيرة القراءة في المصحف فكلما أتت على آية فيها ذكر النار بكت فلم تزل تبكى حتى ذهبت عيناها من البكاء فقال بنو عمها انطلقوا بنا إلى هذه المرأة حتى نعدلها في كثرة البكاء قال فدخلنا عليها فقلنا يا بريرة كيف أصبحت قالت أصبحنا أضيافا منيخين بأرض غربة ننتظر متى ندعى فنجيب فقلنا لها ما هذا البكاء قد ذهبت عيناك منه فقالت إن يكن لعينى عند الله خير فما يضرهما ما ذهب منهما في الدنيا وإن كان لهما عند الله شر فسيزيدهما بكاء أطول من هذا ثم أعرضت
قال فقال القوم قوموا بنا فهى والله في شىء غير ما نحن فيه وكانت معاذة العدوية إذا جاء النهار تقول هذا يومى الذى أموت فيه فما تطعم حتى تمسى فإذا جاء الليل تقول هذه الليلة التى أموت فيها فتصلى حتى تصبح وقال أبو سليمان الداراني بت ليلة عند رابعة فقامت إلى محراب لها وقمت أنا إلى ناحية من البيت فلم تزل قائمة إلى السحر فلما كان السحر قلت ما جزاء من قوانا على قيام هذه الليلة قالت جزاؤه أن تصوم له غدا وكانت شعوانة تقول في دعائها إلهى ما أشوقنى إلى لقائك وأعظم رجائى لجزائك وأنت الكريم الذى لا يخيب لديك أمل الآملين ولا يبطل عندك شوق المشتاقين إلهى إن كان دنا أجلى ولم يقربنى منك عمل فقد جعلت الاعتراف بالذنب وسائل عللى فإن عفوت فمن أولى منك بذلك وإن عذبت فمن أعدل منك هنالك إلهى قد جرت على نفسى في النظر لها وبقى لها حسن نظرك فالويل لها إن لم تسعدها إلهى إنك لم تزل بى برا أيام حياتى فلا تقطع عنى برك بعد مماتى ولقد رجوت ممن تولانى في حياتى بإحسانه أن يسعفنى عند مماتى بغفرانه إلهى كيف أيأس من حسن نظرك بعد مماتى ولم تولنى إلا الجميل في حياتى إلهى إن كانت ذنوبى قد أخافتنى فإن محبتى لك قد أجارتنى فتول من أمرى ما أنت أهله وعد بفضلك على من غره جهله إلهى لو أردت إهانتى لما هديتنى ولو أردت فضيحتى لم تسترنى فمتعنى بما له هديتنى وأدم لى ما به سترتنى إلهى ما أظنك تردنى في حاجة أفنيت فيها عمرى إلهى لولا ما قارفت من الذنوب ما خفت عقابك ولولا ما عرفت من كرمك ما رجوت ثوابك وقال الخواص دخلنا على رحلة العابدة وكانت قد صامت حتى اسودت وبكت حتى عميت وصلت حتى أقعدت وكانت تصلى قاعدة فسلمنا عليها ثم ذكرناها شيئا من العفو ليهون عليها الأمر قال فشهقت ثم قالت علمى بنفسى قرح فؤادى وكلم كبدى والله لوددت أن الله لم يخلقنى ولم أك شيئا مذكورا ثم أقبلت على صلاتها فعليك إن كنت من المرابطين المراقبين لنفسك أن تطالع أحوال الرجال والنساء من المجتهدين لينبعث نشاطك ويزيد حرصك وإياك أن تنظر إلى أهل عصرك فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك على سبيل الله وحكايات المجتهدين غير محصورة وفيما ذكرناه كفاية للمعتبر وإن أردت مزيدا فعليك بالمواظبة على مطالعة كتاب حلية الأولياء فهو مشتمل على شرح أحوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم وبالوقوف عليه يستبين لك بعدك وبعد أهل عصرك من أهل الدين فإن حدثتك نفسك بالنظر إلى أهل زمانك وقالت إنما تيسر الخير في ذلك الزمانلكثرة الأعوان والآن فإن خالفت أهل زمانك رأوك مجنونا وسخروا بك فوافقهم فيما هم فيه وعليه فلا يجرى عليك إلا ما يجرى عليهم والمصيبة إذا عمت طابت فإياك أن تتدلى بحبل غرورها وتنخدع بتزويرها وقل لها أرأيت لو هجم سيل جارف يغرق أهل البلد وثبتوا على مواضعهم ولم يأخذوا حذرهم لجهلهم بحقيقة الحال وقدرت أنت على أن تفارقيهم وتركبى في سفينة تتخلصين بها من الغرق فهل يختلج في نفسك أن المصيبة إذا عمت طابت أم تتركين موافقتهم وتستجهلينهم في صنيعهم وتأخذين حذرك مما دهاك فإذا كنت تتركين موافقتهم خوفا من الغرق وعذاب الغرق لا يتمادى إلا ساعة فكيف لا تهربين من عذاب الأبد وأنت متعرضة له في كل حال ومن أين تطيب المصيبة إذا عمت ولأهل النار شغل شاغل عن الالتفات إلى العموم والخصوص ولم يهلك الكفار إلا بموافقة أهل زمانهم حيث قالو إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون فعليك إذا اشتغلت بمعاتبة نفسك وحملها على الاجتهاد فاستعصت أن لا تترك معاتبتها وتوبيخها وتعريفها سوء نظرها لنفسها فعساها تنزجر عن طغيانها المرابطة السادسة في توبيخ النفس ومعاتبتها
اعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك وقد خلقت أمارة بالسوء ميالة إلى الشر فرارة من الخير وأمرت بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها ومنعها عن شهواتها وفطامها عن لذاتها فإن أهملتها جمحت وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والعذل والملامة كانت نفسك هى النفس اللوامة التى أقسم الله بها ورجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية قال تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها ولا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولا بوعظ نفسك أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس إلا فاستحى منى وقال تعالى وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وسبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جهلها وغباوتها وأنها أبدا تتعزر بفطنتها وهدايتها ويشتد أنفها واستنكافها إذا نسبت إلى الحمق فتقول لها يا نفس ما أعظم جهلك تدعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقا أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب فما لك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم وعساك اليوم تختطفين أو غدا فأراك ترين الموت بعيدا ويراه الله قريبا أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب وأن البعيد ما ليس بآت أما تعلمين أن الموت يأتى بغتة من غير تقديم رسول ومن غير مواعدة ومواطأة وأنه لا يأتى في شيء دون شيء ولا في شتاء دون صيف ولا في صيف دون شتاء ولا في نهار دون ليل ولا في ليل دون نهار ولا يأتى في الصبا دون الشباب ولا في الشباب دون الصبا بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة فإن لم يكن الموت فجأة فيكون المرض فجأة ثم يفضى إلى الموت فما لك لا تستعدين للموت وهو أقرب إليك من كل قريب أما تتدبرين قوله تعالى اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم ويحك يا نفس إن كانت جراءتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم كفرك وإن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك وأقل حياءك ويحك يا نفس لو واجهك عبد من عبيدك بل أخ من إخوانك بما تكرهينه كيف كان غضبك عليه ومقتك له فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله وغضبه وشديد عقابه أفتظنين أنك تطيقين عذابه هيهات هيهات جربي نفسك إن ألهاك البطر عن أليم عذابه فاحتبسي ساعة في الشمس أو في بيت الحمام أو قربي أصبعك من النار ليتبين قدر طاقتك أمتغترين بكرم الله وفضله واستغنائه عن طاعتك وعبادتك فما لك لا تعولين على كرم الله تعالى في مهمات دنياك فإذا قصدك عدو فلم تستنبطين الحيل في دفعه ولا تكلينه إلى كرم الله تعالى وإذا أرهقتك حاجة إلى شهوة من شهوات الدنيا مما لا ينقضي إلا بالدينار والدرهم فما لك تنزعين الروح في طلبها وتحصيلها من وجوه الحيل فلا تعولين على كرم الله تعالى حتى يعثر بك على كنز أو يسخر عبدا من عبيده فيحمل إليك حاجتك من غير سعي منك ولا طلب أفتحسبين أن الله كريم في الآخرة دون الدنيا وقد عرفت أن سنة الله لا تبديل لها وأن رب الآخرة والدنيا واحد وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
ويحك يا نفس ما أعجب نفاقك ودواعيك الباطلة فإنك تدعين الإيمان بلسانك وأثر النفاق ظاهر عليك ألم يقل لك سيدك ومولاك وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وقال في أمر الآخرة وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فقد تكفل لك بأمر الدنيا خاصة وصرفك عن السعى فيها فكذبته بأفعالك وأصبحت تتكالبين على طلبها تكالب المدهوش المستهتر ووكل أمر الآخرة إلى سعيك فأعرضت عنها إعراض المغرور المستحقر ما هذا من علامات الإيمان لو كان الإيمان باللسان فلم كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار ويحك يا نفس كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب وتظنين أنك إذا مت انفلت وتخلصت وهيهات أتحسبين أنك تتركين سدى ألم تكونى نطفة من مني يمنى ثم كنت علقة فخلق فسوى أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى فإن كان هذا من إضمارك فما أكفرك وأجهلك أما تتفكرين أنه مماذا خلقك من نطفة خلقك فقدرك ثم السبيل يسرك ثم أماتك فأقبرك أفتكذبينه في قوله ثم إذا شاء أنشرك فإن لم تكونى مكذبة فما لك لا تأخذين حذرك ولو أن يهوديا أخبرك في ألذ أطعمتك بأنه يضرك في مرضك لصبرت عنه وتركته وجاهدت نفسك فيه أفكان قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات وقول الله تعالى في كتبه المنزلة أقل عندك تأثيرا من قول يهودى يخبرك عن حدس وتخمين وظن مع نقصان عقل وقصور علم والعجب أنه لو أخبرك طفل بأن في ثوبك عقربا لرميت ثوبك في الحال من غير مطالبة له بدليل وبرهان أفكان قول الأنبياء والعلماء والحكماء وكافة الأولياء أقل عندك من قول صبى من جملة الأغبياء أم صار حر جهنم وأغلالها وأنكالها وزقومها ومقامعها وصديدها وسمومها وأفاعيها وعقاربها أحقر عندك من عقرب لا تحسين بألمها إلا يوما أو أقل منه ما هذه أفعال العقلاء بل لو انكشف للبهائم حالك لضحكوا منك وسخروا من عقلك فإن كنت يا نفس قد عرفت جميع ذلك وآمنت به فما لك تسوفين العمل والموت لك بالمرصاد ولعله يختطفك من غير مهلة فبماذا أمنت استعجال الأجل وهبك أنك وعدت بالإمهال مائة سنة أفتظنين أن من يطعم الدابة في حضيض العقبة يفلح ويقدر على قطع العقبة بها إن ظننت ذلك فما أعظم جهلك أرأيت لو سافر رجل ليتفقه في الغربة فأقام فيها سنين متعطلا بطالا يعد نفسه بالتفقه فى السنة الأخيرة عند رجوعه إلى وطنه هل كنت تضحكين من عقله وظنه أن تفقيه النفس مما يطمع فيه بمدة قريبة أو حسبانه أن مناصب الفقهاء تنال من غير تفقه اعتمادا على كرم الله سبحانه وتعالى ثم هبى أن الجهد في آخر العمر نافع وأنه موصل إلى الدرجات العلا فلعل اليوم آخر عمرك فلم تشتغلين فيه بذلك فإن أوحى إليك بالإمهال فما المانع من المبادرة وما الباعث لك على التسويف هل له سبب إلا عجزك عن مخالفة شهواتك لما فيها من التعب والمشقة أفتنتظرين يوما يأتيك لا تعسر فيه مخالفة الشهوات هذا يوم لم يخلقه الله قط ولا يخلقه فلا تكون الجنة قط إلا محفوفة بالمكاره ولا تكون المكاره قط خفيفة على النفوس وهذا محال وجوده أما تتأملين مذ كم تعدين نفسك وتقولين غدا غدا فقد جاء الغد وصار يوما فكيف وجدته أما علمت أن الغد الذى جاء وصار يوما كان له حكم الأمس لا بل الذى تعجزين عنه اليوم فأنت غدا عنه أعجز وأعجز لأن الشهوة كالشجرة الراسخة التى تعبد العبد بقلعها فإذا عجز العبد عن قلعها للضعف وأخرها كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شاب قوى فأخرها إلى سنة أخرى مع العلم بأن طول المدة يزيد الشجرة قوة ورسوخا ويزيد القالع ضعفا ووهنا فما لا يقدر عليه في الشباب لا يقدر عليه قط فى المشيب بل من العناء رياضة الهرم ومن التعذيب تهذيب الذيب والقضيب الرطب يقبل الانحناء فإذا جف وطال عليه الزمان لم يقبل ذلك فإذا كنت أيتها النفس لا تفهمين هذه الأمور الجلية وتركنين إلى التسويف فما بالك تدعين الحكمة وأية حماقة تزيد على هذه الحماقة
ولعلك تقولين ما يمنعنى عن الاستقامة إلا حرصى على لذة الشهوات وقلة صبرى على الآلام والمشقات فما أشد غباوتك وأقبح اعتذارك إن كنت صادقة في ذلك فاطلبى التنعم بالشهوات الصافية عن الكدورات الدائمة أبد الآباد ولا مطمع في ذلك إلا في الجنة فإن كنت ناظرة لشهوتك فالنظر لها في مخالفتها قرب أكلة تمنع أكلات وما قولك في عقل مريض أشار عليه الطبيب بترك الماء البارد ثلاثة أيام ليصح ويهنأ بشربة طول عمره وأخبره أنه إن شرب ذلك مرض مرضا مزمنا وامتنع عليه شربه طول العمر فما مقتضى العقل في قضاء حق الشهوة أيصبر ثلاثة أيام ليتنعم طول العمر أم يقضى شهوته في الحال خوفا من ألم المخالفة ثلاثة أيام حتى يلزمه ألم المخالفة ثلثمائة يوم وثلاثة آلاف يوم وجميع عمرك بالإضافة إلى الأبد الذى هو مدة نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار أقل من ثلاثة أيام بالإضافة إلى جميع العمر وإن طالت مدته وليت شعرى ألم الصبر عن الشهوات أعظم شدة وأطول مدة أو ألم النار في دركات جهنم فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة كيف يطيق ألم عذاب الله ما أراك تتوانين عن النظر لنفسك إلا لكفر خفى أو لحمق جلى أما الكفر الخفى فهو ضعف إيمانك بيوم الحساب وقلة معرفتك بعظم قدر الثواب والعقاب وأما الحمق الجلى فاعتمادك على كرم الله تعالى وعفوه من غير التفات إلى مكره واستدراجه واستغنائه عن عبادتك مع أنك لا تعتمدين على كرمه في لقمة من الخبز أو حبة من المال أو كلمة واحدة تسمعينها من الخلق بل تتوصلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل وبهذا الجهل تستحقين لقب الحماقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسههواها وتمنى على الله الأماني ويحك يا نفس لا ينبغى أن تغرك الحياة الدنيا ولا يغرنك بالله الغرور فانظرى لنفسك فما أمرك بمهم لغيرك ولا تضيعى أوقاتك فالأنفاس معدودة فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك فاغتنمى الصحة قبل السقم والفراغ قبل الشغل والغنى قبل الفقر والشباب قبل الهرم والحياة قبل الموت واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها يا نفس أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته فتجمعين له القوت والكسوة والحطب وجميع الأسباب ولا تتكلين في ذلك على فضل الله وكرمه حتى يدفع عنك البرد من غير جبة ولبد وحطب وغير ذلك فإنه قادر على ذلك أفتظنين أيتها النفس أن زمهرير جهنم أخف بردا وأقصر مدة من زمهرير الشتاء أم تظنين أن ذلك دون هذا كلا أن يكون هذا كذلك أو أن يكون بينهما مناسبة في الشدة والبرودة أفتظنين أن العبد ينجو منها يغير سعي هيهات كما لا يندفع برد الشتاء إلا بالجبة والنار وسائر الأسباب فلا يندفع حر النار وبردها إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات وإنما كرم الله تعالى في أن عرفك طريق التحصن ويسر لك أسبابه لا فى أن يندفع عنك العذاب دون حصنه كما أن كرم الله تعالى فى دفع برد الشتاء أن خلق النار وهداك لطريق استخراجها من بين حديدة وحجر حتى تدفعى بها برد الشتاء عن نفسك وكما ان شراه الحطب والجبة مما يستغنى عنه خالقك ومولاك وإنما تشترينه لنفسك إذ خلقه سببا لاستراحتك فطاعاتك ومجاهداتك أيضا هو مستغن عنها وإنما هى طريقك إلى نجاتك فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها والله غنى عن العالمين
ويحك يا نفس انزعى عن جهلك وقيسى آخرتك بدنياك فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة وكما بدأنا أول خلق نعيده وكما بدأكم تعودون وسنة الله تعالى لا تجدين لها تبديلا ولا تحويلا ويحك يا نفس ما أراك إلا ألفت الدنيا وأنست بها فعسر عليك مفارقتها وأنت مقبلة على مقاربتها وتؤكدين في نفسك مودتها فاحسن أنك غافلة عن عقاب الله وثوابه وعن أهوال القيامة وأحوالها فما أنت مؤمنة بالموت المفرق بينك وبين محابك أفترين أن من يدخل دار ملك ليخرج من الجانب الآخر فمد بصره إلى وجه مليح يعلم أنه يستغرق ذلك قلبه ثم يضطر لا محالة إلى مفارقته أهو معدود من العقلاء أم من الحمقى أما تعلمين أن الدنيا دار لملك الملوك ومالك فيها إلا مجاز وكل ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت ولذلك قال سيد البشر صلى الله عليه وسلم إن روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزى به وعش ما شئت فإنك ميت ويحك يا نفس أتعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا ويأنس بها مع أن الموت من ورائه فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة وإنما يتزود من السم المهلك وهو لا يدرى أو ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا ثم ذهبوا وخلوا وكيف أورث الله أرضهم وديارهم أعداءهم أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون ويبنون ما لا يسكنون ويؤملون ما لا يدركون يبنى كل واحد قصرا مرفوعا إلى جهة السماء ومقره قبر محفور تحت الأرض فهل في الدنيا حمق وانتكاس أعظم من هذا يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينا ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعا أما تستحيين يا نفس من مساعدة هؤلاء الحمقى على حماقتهم واحسبى أنك لست ذات بصيرة تهتدى إلى هذه الأمور وإنما تميلين بالطبع إلى التشبه والاقتداء فقيسى عقل الأنبياء والعلماء والحكماء بعقل هؤلاء المنكبين على الدنيا واقتدى من الفريقين بمن هو أعقل عندك إن كنت تعتقدين في نفسك العقل والذكاء يا نفس ما أعجب أمرك وأشد جهلك وأظهر طغيانك عجبا لك كيف تعمين عن هذه الأمور الواضحة الجليلة ولعلك يا نفس أسكرك حب الجاه وأدهشك عن فهمها أو ما تتفكرين أن الجاه لا معنى له إلا ميل القلوب من بعض الناس إليك فاحسبى أن كل من على وجه الأرض سجد لك وأطاعك أفما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا تبقين انت ولا أحد ممن على وجه الأرض ممن عبدك وسجد لك وسيأتى زمان لا يبقى ذكرك ولا ذكر من ذكرك كما أتى على الملوك الذين كانوا من قبلك فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا فكيف تبيعين يا نفس ما يبقى أبد الآباد بما لا يبقى أكثر من خمسين سنة إن بقى هذا إن كنت ملكا من ملوك الأرض سلم لك الشرق والغرب حتى أذعنت لك الرقاب وانتظمت لك الأسباب كيف ويأبى إدبارك وشقاوتك أن يسلم لك أمر محلتك بل أمر دارك فضلا عن محلتك فإن كنت يا نفس لا تتركين الدنيا رغبة في الآخرة لجهلك وعمى بصيرتك فما لك لا تتركينها ترفعا عن خسة شركائها وتنزها عن كثرة عنائها وتوقيا من سرعة فنائها أم ما لك لا تزهدين في قليلها بعد أن زهد فيك كثيرها وما لك تفرحين بدنيا إن ساعدتك فلا تخلو بلدك من جماعة من اليهود والمجوس يسبقونك بها ويزيدون عليك في نعيمها وزينتها فأف لدنيا يسبقك بها هؤلاء الأخساء فما أجهلك وأخس همتك وأسقط رأيك إذ رغبت عن ان تكونى في زمرة المقربين من النبيين والصديقين في جوار رب العالمين أبد الآبدين لتكونى في صف النعال من جملة الحمقى الجاهلين أياما قلائل فيا حسرة عليك إن خسرت الدنيا والدين فبادرى ويحك يا نفس فقد أشرفت على الهلاك واقترب الموت وورد النذير فمن ذا يصلى عنك بعد الموت ومن ذا يصوم عنك بعد الموت ومن ذا يترضى عنك ربك بعد الموت
ويحك يا نفس مالك إلا أيام معدودة هى بضاعتك إن اتجرت فيها وقد ضيعت أكثرها فلو بكيت بقية عمرك على ما ضيعت منها لكنت مقصرة في حق نفسك فكيف إذا ضيعت البقية وأصررت على عادتك أما تعلمين يا نفس أن الموت موعدك والقبر بيتك والتراب فراشك والدود أنيسك والفزع الأكبر بين يديك أما علمت يا نفس أن عسكر الموتى عندك على باب البلد ينتظرونك وقد آلوا على أنفسهم كلهم بالأيمان المغلظة أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يأخذوك معهم أما تعلمين يا نفس أنهم يتمنون الرجعة إلى الدنيا يوما ليشتغلوا بتدارك ما فرط منهم وأنت في أمنيتهم ويوم من عمرك لو بيع منهم بالدنيا بحذافيرها لا شتروه لو قدروا عليه وأنت تضيعين أيامك في الغفلة والبطالة ويحك يا نفس أما تستحيين تزينين ظاهرك للخلق وتبارزين الله في السر بالعظائم أفتستحيين من الخلق ولا تستحيين من الخالق ويحك أهو أهون الناظرين عليك أتأمرين الناس بالخير وأنت متلطخة بالرذائل تدعين إلى الله وأنت عنه فارة وتذكرين بالله وأنت له ناسية أما تعلمين يا نفس أن المذنب أنتن من العذرة وأن العذرة لا تطهر غيرها فلم تطمعين في تطهير غيرك وأنت غير طيبة في نفسك ويحك يا نفس لو عرفت نفسك حق المعرفة لظننت أن الناس ما يصيبهم بلاء إلا بشؤمك ويحك يا نفس قد جعلت نفسك حمارا لإبليس يقودك إلى حيث يريد ويسخر بك ومع هذا فتعجبين بعملك وفيه من الآفات ما لو نجوت منه رأسا برأس لكان الربح في يديك وكيف تعجبين بعملك مع كثرة خطاياك وزللك وقد لعن الله إبليس بخطيئة واحدة بعد أن عبده مائتى ألف سنة وأخرج آدم من الجنة بخطيئة واحدة مع كونه نبيه وصفيه ويحك يا نفس ما أغدرك ويحك يا نفس ما أوقحك ويحك يا نفس ما أجهلك وما أجرأك على المعاصى ويحك كم تعقدين فتنقضين ويحك كم تعهدين فتغدرين ويحك يا نفس أتشتغلين مع هذه الخطايا بعمارة دنياك كأنك غير مرتحلة عنها أما تنظرين إلى أهل القبور كيف كانوا جمعوا كثيرا وبنوا مشيدا وأملوا بعيدا فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم قبورا وأملهم غرورا ويحك يا نفس أما لك بهم عبرة أما لك إليهم نظرة أتظنين أنهم دعوا إلى الآخرة وأنت من المخلدين هيهات هيهات ساء ما تتوهمين ما أنت إلا فى هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فابنى على وجه الأرض قصرك فإن بطنها عن قليل يكون قبرك أما تخافين إذا بلغت النفس منك التراقى أن تبدو رسل ربك منحدرة إليك بسواد الألوان وكلح الوجوه وبشرى بالعذاب فهل ينفعك حينئذ الندم أو يقبل منك الحزن أو يرحم منك البكاء والعجب كل العجب منك يا نفس أنك مع هذا تدعين البصيرة والفطنة ومن فطنتك أنك تفرحين كل يوم بزيادة مالك ولا تحزنين بنقصان عمرك وما نفع مال يزيد وعمر ينقص ويحك يا نفس تعرضين عن الآخرة وهى مقبلة عليك وتقبلين على الدنيا وهى معرضة عنك فكم من مستقبل يوما لا يستكمله وكم من مؤمل لغد لا يبلغه فأنت تشاهدين ذلك في إخوانك وأقاربك وجيرانك فترين تحسرهم عند الموت ثم لا ترجعين عن جهالتك فاحذرى أيتها النفس المسكينة يوما آلى الله فيه على نفسه أن لا يترك عبد أمره في الدنيا ونهاه حتى يسأله عن عمله دقيقه وجليله سره وعلانيته فانظرى يا نفس بأي بدن تقفين بين يدي الله وبأي لسان تجيبين وأعدي للسؤال جوابا وللجواب صوابا واعملي بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال وفي دار زوال لدار مقامة وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود اعملى قبل أن لا تعملى اخرجى من الدنيا اختيارا خروج الأحرار قبل أن تخرجى منها على الاضطرار ولا تفرحى بما يساعدك من زهرات الدنيا فرب مسرور مغبون ورب مغبون لا يشعر فويل لمن له الويل ثم لا يشعر يضحك ويفرح ويلهو ويمرح ويأكل ويشرب وقد حق له في كتاب الله انه من وقود النار فليكن نظرك يا نفس إلى الدنيا اعتبارا وسعيك لها اضطرارا ورفضك لها اختيارا وطلبك للآخرة ابتدارا ولا تكونى ممن يعجز عن شكر ما أوتى ويبتغى الزيادة فيما بقى وينهى الناس ولا ينتهى واعلمى يا نفس أنه ليس للدين عوض ولا للإيمان بدل ولا للجسد خلف ومن كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن لم يسر
فاتعظي يا نفس بهذه الموعظة واقبلي هذه النصيحة فإن من أعرض عن الموعظة فقد رضى بالنار وما أراك بها راضية ولا لهذه الموعظة واعية فإن كانت القساوة تمنعك عن قبول الموعظة فاستعينى عليها بدوام التهجد والقيام فإن لم تزل فالمواظبة على الصيام فإن لم يزل فبقلة المخالطة والكلام فإن لم تزل فبصلة الأرحام واللطف بالأيتام فإن لم تزل فاعلمى أن الله قد طبع على قلبك وأقفل عليه وأنه قد تراكمت ظلمة الذنوب على ظاهره وباطنه فوطنى نفسك على النار فقد خلق الله الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا فكل ميسر لما خلق له فإن لم يبق فيك مجال للوعظ فاقنطى من نفسك والقنوط كبيرة من الكبائر نعوذ بالله من ذلك فلا سبيل لك إلى القنوط ولا سبيل لك إلى الرجاء مع انسداد طرق الخير عليك فإن ذلك اغترار وليس برجاء فانظرى الآن هل يأخذك حزن على هذه المصيبة التى ابتليت بها وهل تسمح عينك بدمعة رحمة منك على نفسك فإن سمحت فمستقى الدمع من بحر الرحمة فقد بقى فيك موضع للرجاء فواظبي على النياحة والبكاء واستعينى بأرحم الراحمين واشتكى إلى أكرم الأكرمين وأدمنى الاستغاثة ولا تملى طول الشكاية لعله أن يرحم ضعفك ويغيثك فإن مصيبتك قد عظمت وبليتك قد تفاقمت وتماديك قد طال وقد انقطعت منك الحيل وراحت عنك العلل فلا مذهب ولا مطلب ولا مستغاث ولا مهرب ولا ملجأ ولا منجا إلا إلى مولاك فافزعى إليه بالتضرع واخشعى في تضرعك على قدر عظم جهلك وكثرة ذنوبك لأنه يرحم المتضرع الذليل ويغيث الطالب المتلهف ويجيب دعوة المضطر وقد أصبحت إليه اليوم مضطرة وإلى رحمته محتاجة وقد ضاقت بك السبل وانسدت عليك الطرق وانقطعت منك الحيل ولم تنجح فيك العظات ولم يكسرك التوبيخ فالمطلوب منه كريم والمسئول جواد والمستغاث به بر رءوف والرحمة واسعة والكرم فائض والعفو شامل وقولى يا أرحم الراحمين يا رحمن يا رحيم يا حليم يا عظيم يا كريم أنا المذنب المصر أنا الجرىء الذى لا أقلع أنا المتمادى الذى لا أستحى هذا مقام المتضرع المسكين والبائس الفقير والضعيف الحقير والهالك الغريق فعجل إغاثتى وفرجى وأرنى آثار رحمتك وأذقنى برد عفوك ومغفرتك وارزقنى قوة عظمتك يا أرحم الراحمين اقتداء بأبيك آدم عليه السلام فقد قال وهب بن منبه لما أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض مكث لا ترقأ له دمعة فاطلع الله عز وجل عليه في اليوم السابع وهو محزون كئيب كظيم منكس رأسه فأوحى الله تعالى إليه يا آدم ما هذا الجهد الذى أرى بك قال يا رب عظمت مصيبتى وأحاطت بى خطيئتى وأخرجت من ملكوت ربى فصرت في دار الهوان بعد الكرامة وفي دار الشقاء بعد السعادة وفي دار النصب بعد الراحة وفي دار البلاء بعد العافية وفي دار الزوال بعد القرار وفي دار الموت والفناء بعد الخلود والبقاء فكيف لا أبكى على خطيئتى فأوحى الله تعالى إليه يا آدم ألم أصطفك لنفسى وأحللتك دارى وخصصتك بكرامتى وحذرتك سخطى ألم أخلقك بيدى ونفخت فيك من روحى وأسجدت لك ملائكتى فعصيت أمرى ونسيت عهدى وتعرضت لسخطى فو عزتى وجلالى لو ملأت الأرض رجالا كلهم مثلك يعبدونني ويسبحونني ثم عصونى لأنزلتهم منازل العاصين فبكى آدم عليه السلام عند ذلك ثلثمائة عام وكان عبيد الله البجلى كثير البكاء يقول في بكائه طول ليله إلهى أنا الذى كلما طال عمرى زادت ذنوبى أنا الذى كلما هممت بترك خطيئة عرضت لى شهوة أخرى واعبيداه خطيئة لم تبل وصاحبها في طلب أخرى واعبيداه إن كانت النار لك مقيلا ومأوى واعبيداه إن كانت المقامع برأسك تهيأ واعبيداه قضيت حوائج الطالبين ولعل حاجتك لا تقضى
وقال منصور بن عمار سمعت في بعض الليالى بالكوفة عابدا يناجى ربه وهو يقول يا رب وعزتك ما أرد بمعصيتك مخالفتك ولا عصيتك إذ عصيتك وأنا بمكانك جاهل ولا لعقوبتك متعرض ولا لنظرك مستخف ولكن سولت لى نفسى وأعاننى على ذلك شقوتى وغرنى سترك المرخى على فعصيتك بجهلى وخالفتك بفعلى فمن عذابك الآن من يستنقذنى أو بحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنى واسوأتاه من الوقوف بين يديك غدا إذا قيل للمخفين جوزوا وقيل للمثقلين حطوا أمع المخفين أجوز أم مع المثقلين أحط ويلى كلما كبرت سنى كثرت ذنوبى ويلى كلما طال عمرى كثرت معاصى فإلى متى أتوب وإلى متى أعود أما آن لى أن أستحيى من ربي فهذه طرق القوم في مناجاة مولاهم وفي معاتبة نفوسهم وإنما مطلبهم من المناجاة الاسترضاء ومقصدهم من المعاتبة التنبيه والاسترعاء فمن أهمل المعاتبة والمناجاة لم يكن لنفسه مراعيا ويوشك أن لا يكون الله تعالى عنه راضيا والسلام ثم كتاب المحاسبة والمراقبة يتلوه كتاب التفكر إن شاء الله تعالى والحمد لله وحده وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه كتاب التفكر وهو الكتاب التاسع من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لم يقدر لانتهاء عزته نحوا ولا قطرا ولم يجعل لمراقى أقدام الأوهام ومرمى سهام الأفهام إلى حمى عظمته مجرى بل ترك قلوب الطالبين في بيداء كبريائه والهة حيرى كلما اهتزت لنيل مطلوبها ردتها سبحات الجلال قسرا وإذا همت بالانصراف آيسة نوديت من سرادقات الجمال صبرا صبرا ثم قيل لها أجيلى فى ذل العبودية منك فكرا لأنك لو تفكرت في جلال الربوبية لم تقدرى له قدرا وإن طلبت وراء الفكر في صفاتك أمرا فانظرى في نعم الله تعالى وأياديه كيف توالت عليك تترى وجددى لكل نعمة منها ذكرا وشكرا وتأملى في بحار المقادير كيف فاضت على العالمين خيرا وشرا ونفعا وضرا وعسرا ويسرا وفوزا وخسرا وجبرا وكسرا وطيا ونشرا وإيمانا وكفرا وعرفانا ونكرا فإن جاوزت النظر في الأفعال إلى النظر في الذات فقد حاولت أمرا إمرا وخاطرت بنفسك مجاوزة حد طاقة البشر ظلما وجورا فقد انبهرت العقول دون مبادى إشراقهوانتكصت على أعقابها اضطرارا وقهرا والصلاة على محمد سيد ولد آدم وإن كان لم يعد سيادته فخرا صلاة تبقى لنا في عرصات القيامة عدة وذخرا وعلى آله وأصحابه الذين أصبح كل واحد منهم في سماء الدين بدرا ولطوائف المسلمين صدرا وسلم تسليما كثيرا أما بعد فقد وردت السنة بأن تفكر ساعة خير من عبادة سنة وكثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار والنظر والافتكار ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته لكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره ومورده ومجراه ومسرحه وطريقه وكيفيته ولم يعلم أنه كيف يتفكر وفيماذا يتفكر ولماذا يتفكر وما الذى يطلب به أهو مراد لعينه أم لثمرة تستفاد منه فإن كان لثمرة فما تلك الثمرة أهى من العلوم أو من الأحوال أو منهما جميعا وكشف جميع ذلك مهم ونحن نذكر أولا فضيلة التفكر ثم حقيقة التفكر وثمرته ثم مجارى الفكر ومسارحه إن شاء الله تعالى فضيلة التفكر قد أمر الله تعالى بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى وأثنى على المتفكرين فقال تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما إن قوما تفكروا في الله عز وجل فقال صلى الله عليه وسلم تفكروا في
خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على قوم ذات يوم وهم يتفكرون فقال ما لكم لا تتكلمون فقالوا نتفكر في خلق الله عز وجل قال فكذلك فافعلوا تفكروا في خلقه ولا تتفكروا فيه فإن بهذا المغرب أرضا بيضاء نورها بياضها وبياضها نورها مسيرة الشمس أربعين يوما بها خلق من خلق الله عز وجل لم يعصوا الله طرفة عين قالوا يا رسول الله فأين الشيطان منهم قال ما يدرون خلق الشيطان أم لا قالوا من ولد آدم قال لا يدرون خلق آدم أم لا وعن عطاء قال انطلقت يوما أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة رضي الله عنها فكلمتنا وبيننا وبينها حجاب فقالت يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا قال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم زر غبا تزدد حبا قال ابن عمير فأخبرينا بأعجب شئ رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فبكت وقالت كل أمره كان عجبا أتانى في ليلتى حتى مس جلده جلدى ثم قال ذرينى أتعبد لربى عز وجل فقام إلى القربة فتوضأ منها ثم قام يصلي فبكى حتى بل لحيته ثم سجد حتى بل الأرض ثم اضطجع على جنبه حتى أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح فقال يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال ويحك يا بلال وما يمنعنى أن أبكى وقد أنزل الله تعالى على في هذه الليلة إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب ثم قال ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها فقيل للأوزاعى ما غاية التفكير فيهن قال يقرؤهن ويعقلهن وعن محمد بن واسع إن رجلا من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موت أبى ذر فسألها عن عبادة أبى ذر فقالت كان نهاره أجمع في ناحية البيت يتفكر وعن الحسن قال تفكر ساعة خير من قيام ليلة وعن الفضيل قال الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك وقيل لإبراهيم إنك تطيل الفكرة فقال الفكرة مخ العقل وكان سفيان بن عيينة كثيرا ما يتمثل بقول القائل إذا المرء كانت له فكرة ... ففى كل شئ له عبرة وعن طاوس قال قال الحواريون لعيسى بن مريم يا روح الله هل على الأرض اليوم مثلك فقال نعم من كان منطقه ذكرا وصمته فكرا ونظره عبرة فإنه مثلى وقال الحسن من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو وفي قوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض يغير الحق قال أمنع قلوبهم التفكر في أمرى وعن أبى سعيدى الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطوا أعينكم حظها من العبادة فقالوا يا رسول الله وما حظها من العبادة قال النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه وعن امرأة كانت تسكن البادية قريبا من مكة أنها قالت لو تطالعت قلوب المتقين بفكرها إلى ما قد ادخر لها في حجب الغيب من خير الآخرة لم يصف لهم في الدنيا عيش ولم تقر لهم في الدنيا عين وكان لقمان يطيل الجلوس وحده فكان يمر به مولاه فيقول يا لقمان إنك تديم الجلوس وحدك فلو جلست مع الناس كان آنس لك فيقول لقمان إن طول الوحدة أفهم للفكر وطول الفكر دليل على طريق الجنة وقال وهب بن منبه ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم وما علم امرؤ قط إلا عمل وقال عمر بن عبد العزيز الفكرة في نعم الله عز وجل من أفضل العبادة وقال عبد الله بن المبارك يوما لسهل بن على ورآه ساكتا متفكرا أين بلغت قال الصراط وقال بشر لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل وعن ابن عباس ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب
وبينا أبو شريح يمشى إذ جلس فتقنع بكسائه فجعل يبكى فقيل له ما يبكيك قال تفكرت في ذهاب عمرى وقلة عملى واقتراب أجلى وقال أبو سليمان عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر وقال أبو سليمان الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة وعقوبة لأهل الولاية والفكر في الآخرة يورث الحكمة ويحيى القلوب وقال حاتم من العبرة يزيد العلم ومن الذكر يزيد يزيد الحب ومن التفكر يزيد الخوف وقال ابن عباس التفكر في الخير يدعو إلى العمل به والندم على الشر يدعو إلى تركه ويروى أن الله تعالى قال في بعض كتبه إنى لست أقبل كلام كل حكيم ولكن انظر إلى همه وهواه فإذا كان همه وهواه لى جعلت صمته تفكرا وكلامه حمدا وإن لم يتكلم وقال الحسن إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة وقال إسحاق بن خلف كان داود الطائي رحمة الله تعالى على سطح في ليلة قمراء فتفكر في ملكوت السموات والأرض وهو ينظر إلى السماء ويبكى حتى وقع في دار جار له قال فوثب صاحب الدار من فراشه عريانا وبيده سيف وظن أنه لص فلما نظر إلى داود رجع ووضع السيف وقال من ذا الذى طرحك من السطح قال ما شعرت بذلك وقال الجنيد اشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد والتنسم بنسيم المعرفة والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد والنظر بحسن الظن لله عز وجل ثم قال يا لها من مجالس ما أجلها ومن شراب ما ألذه طوبى لمن رزقه وقال الشافعي رحمه الله تعالى استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر وقال أيضا صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور والعزم في الرأي سلامة من التفريط والندم والروية والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة ومشاورة الحكماء ثبات في النفس وقوة في البصيرة ففكر قبل أن تعزم وتدبر قبل أن تهجم وشاور قبل أن تقدم وقال أيضا الفضائل أربع إحداها الحكمة وقوامها الفكرة والثانية العفة وقوامها في الشهوة والثالثة القوة وقوامها في الغضب والرابعة العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس فهذه أقاويل العلماء في الفكرة وما شرع أحد منهم في ذكر حقيقتها وبيان مجاريها بيان حقيقة الفكر وثمرته أعلم أن معنى الفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة ومثاله أن من مال إلى العاجلة وآثر الحياة الدنيا وإراد أن يعرف أن الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة فله طريقان {أحدهما} أن يسمع من غيره أن الآخرة أولى بالإيثار من الدنيا فيقلده ويصدقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتمادا على مجرد قوله وهذا يسمى تقليدا ولا يسمى معرفة والطريق الثاني أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار ثم يعرف أن الآخرة أبقى فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة وهو أن الآخرة أولى بالإيثار ولا يمكن تحقق المعرفة بأن الآخرة أولى بالإيثار إلا بالمعرفتين السابقتين فإحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصل به إلى المعرفة الثالثة يسمى تفكرا واعتبارا وتذكرا ونظرا وتأملا وتدبرا أما التدبر والتأمل والتفكر فعبارات مترادفة على معنى واحد ليس تحتها معان مختلفة وأما اسم التذكر والاعتبار والنظر فهى مختلفة المعانى وإن كان أصل المسمى واحد كما أن اسم الصارم والمهند والسيف يتوارد على شيء واحد ولكن باعتبارات مختلفة فالصارم يدل على السيف من حيث هو قاطع والمهند يدل عليه من حيث نسبته إلى موضعه والسيف يدل دلالة مطلقة من غير إشعار بهذه الزوائد فكذلك الاعتبار ينطلق على إحضار المعرفتين من حيث إنه يعبر منهما إلى معرفة ثالثة وإن لم يقع العبور ولم يمكن إلا الوقوف على المعرفتين فينطلق عليه اسم التذكر لا اسم الاعتبار وأما النظر والتفكر فيقع عليه من حيث إن فيه طلب معرفة ثالثة فمن ليس يطلب المعرفة الثالثة لا يسمى ناظرا فكل متفكر فهو متذكر وليس كل متذكر متفكرا وفائدة التذكار تكرار المعارف على القلب لترسخ ولا تنمحى عن القلب وفائدة التفكر تكثير العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة فهذا هو الفرق بين التذكر والتفكر
والمعارف إذا اجتمعت في القلب وازدوجت في القلب على ترتيب مخصوص أثمرت معرفة أخرى فالمعرفة نتاج المعرفة فإذا حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل من ذلك نتاج آخر وهكذا يتمادى النتاج وتتمادى العلوم ويتمادى الفكر إلى غير نهاية وإنما تنسد طريق زيادة المعارف بالموت أو بالعوائق وهذا لمن يقدر على استثمار العلوم ويهتدى إلى طريق التفكير وأما أكثر الناس فإنما منعوا الزيادة في العلوم لفقدهم رأس المال وهو المعارف التى بها تستثمر العلوم كالذى لا بضاعة له فإنه لا يقدر على الربح وقد يملك البضاعة ولكن لا يحسن صناعة التجارة فلا يربح شيئا فكذلك قد يكون معه من المعارف ما هو رأس مال العلوم ولكن ليس يحسن استعمالها وتأليفها وإيقاع الازدواج المفضى إلى النتاج فيها ومعرفة طريق الاستعمال والاستثمار تارة تكون بنور إلهى في القلب يحصل بالفطرة كما كان للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وذلك عزيز جدا وقد تكون بالتعلم والممارسة وهو الأكثر ثم المتفكر قد تحضره هذه المعارف وتحصل له الثمرة وهو لا يشعر بكيفية حصولها ولا يقدر على التعبير عنها لقلة ممارسته لصناعة التعبير في الإيراد فكم من إنسان يعلم أن الآخرة أولى بالإيثار علما حقيقيا ولو سئل عن سبب معرفته لم يقدر على إيراده والتعبير عنه مع أنه لم تحصل معرفته إلا عن المعرفتين السابقتين وهو أن الأبقى أولى بالإيثار وأن الآخرة أبقى من الدنيا فتحصل له معرفة ثالثة وهو أن الآخرة أولى بالإيثار فرجع حاصل حقيقة التفكر إلى إحضار معرفتين للتوصل بهما إلى معرفة ثالثة وأما ثمرة الفكر فهى العلوم والأحوال والأعمال ولكن ثمرته الخاصة العلم لا غير نعم إذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح فالعمل تابع الحال والحال تابع العلم والعلم تابع الفكر فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها وهذا هو الذى يكشف لك فضيلة التفكر وأنه خير من الذكر والتذكر لأن الفكر ذكر وزيادة وذكر القلب خير من عمل الجوارح بل شرف العمل لما فيه من الذكر فإذن التفكر أفضل من جملة الأعمال ولذلك قيل تفكر ساعة خير من عبادة سنة فقيل هو الذى ينقل من المكاره إلى المحاب ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة وقيل هو الذى يحدث مشاهدة وتقوى ولذلك قال تعالى {لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا} وإن أردت أن تفهم كيفية تغير الحال بالفكر فمثاله ما ذكرناه من أمر الآخرة فإن الفكر يعرفنا أن الآخرة أولى بالإيثار فإذا رسخت هذه المعرفة يقينا في قلوبنا تغيرت القلوب إلى الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا وهذا ما عنيناه بالحال إذ كان حال القلب قبل هذه المعرفة حب العاجلة والميل إليها والنفرة عن الآخرة وقلة الرغبة فيها وبهذه المعرفة تغير حال القلب وتبدلت إرادته ورغبته ثم أثمر تغير الإرادة أعمال الجوارح في إطراح الدنيا والإقبال على أعمال الآخرة فههنا خمس درجات أولاها التذكر وهو إحضار المعرفتين في القلب وثانيتها التفكر وهو طلب المعرفة المقصودة منهما والثالثة حصول المعرفة المطلوبة واستنارة القلب بها والرابعة تغير حال القلب عما كان بسبب حصول نور المعرفة {والخامسة} خدمة الجوارح للقلب بحسب ما يتجدد له من الحال فكما يضرب الحجر على الحديد فيخرج منه نار يستضىء بها الموضع فتصير العين مبصرة بعد أن لم تكن مبصرة وتنتهض الأعضاء للعمل فكذلك زناد نور المعرفة هو الفكر فيجمع بين المعرفتين كما يجمع بين الحجر والحديد ويؤلف بينهما تأليفا مخصوصا كما يضرب الحجر على الحديد ضربا مخصوصا فينبعث نور المعرفة كما تنبعث النار من الحديد ويتغير القلب بسبب هذا النور حتى يميل إلى ما لم يكن يميل إليه كما يتغير البصر بنور النار فيرى ما لم يكن يراه ثم تنتهض الأعضاء للعمل بمقتضى حال القلب كما ينتهض العاجز عن العمل بسبب الظلمة للعمل عند إدراك البصر ما لم يكن يبصره فإذن ثمرة الفكر العلوم والأحوال والعلوم لا نهاية لها والأحوال التى تتصور أن تتقلب على القلب لا يمكن حصرها
ولهذا لو أراد مريد أن يحصر فنون الفكر ومجاريه وأنه فيماذا يتفكر لم يقدر عليه لأن مجارى الفكر غير محصورة وثمراته غير متناهية نعم نحن نجتهد في ضبط مجاريه بالإضافة إلى مهمات العلوم الدينية وبالإضافة إلى الأحوال التى هى مقامات السالكين ويكون ذلك ضبطا جمليا فإن تفصيل ذلك يستدعى شرح العلوم كلها وجملة هذه الكتب كالشرح لبعضها فإنها مشتملة على علوم تلك العلوم تستفاد من أفكار مخصوصة فلنشر إلى ضبط الجامع فيها ليحصل الوقوف على مجارى الفكر بيان مجارى الفكر أعلم أن الفكر قد يجرى في أمر يتعلق بالدين وقد يجرى فيما يتعلق بغير الدين وإنما غرضنا ما يتعلق بالدين فلنترك القسم الآخر ونعنى بالدين المعاملة التى بين العبد وبين الرب تعالى فجميع أفكار العبد إما أن تتعلق بالعبد وصفاته وأحواله وإما أن تتعلق بالمعبود وصفاته وأفعاله لا يمكن أن يخرج عن هذين القسمين وما يتعلق بالعبد إما أن يكون نظرا فيما هو محبوب عند الرب تعالى أو فيما هو مكروه ولا حاجة إلى الفكر في غير هذين القسمين وما يتعلق بالرب تعالى إما ان يكون نظرا في ذاته وصفاته وأسمائه الحسنى وإما أن يكون في أفعاله وملكه وملكوته وجميع ما في السموات والأرض وما بينهما وينكشف لك انحصار الفكر في هذه الأقسام بمثال وهو أن حال السائرين إلى الله تعالى والمشتاقين إلى لقائه يتعلق بمعشوقه أو يتعلق بنفسه فإن تفكر في معشوقه فإما أن يتفكر في جماله وحسن صورته في ذاته ليتنعم بالفكر فيه وبمشاهدته وإما ان يتفكر في أفعاله اللطيفة الحسنة الدالة على أخلاقه وصفاته ليكون ذلك مضعفا للذة ومقويا لمحبته وإن تفكر في نفسه فيكون فكره في صفاته التى تسقطه من عين محبوبه حتى يتنزه عنها أو في الصفات التى تقربه منه وتحببه إليه حتى يتصف بها فإن تفكر في شيء خارج عن هذه الأقسام فذلك خارج عن حد العشق وهو نقصان فيه لأن العشق التام الكامل ما يستغرق العاشق ويستوفي القلب حتى لا يترك فيه متسعا لغيره فمحب الله تعالى ينبغى أن يكون كذلك فلا يعدو نظره وتفكره محبوبه ومهما كان تفكره محصورا في هذه الأقسام الأربعة لم يكن خارجا عن مقتضى المحبة أصلا فلنبدأ بالقسم الأول وهو تفكره في صفات نفسه وأفعال نفسه ليميز المحبوب منها عن المكروه فإن هذا الفكر هو الذى يتعلق بعلم المعاملة الذى هو المقصود بهذا الكتاب وأما القسم الآخر فيتعلق بعلم المكاشفة ثم كل واحد مما هو مكروه عند الله أو محبوب ينقسم إلى ظاهر كالطاعات والمعاصى وإلى باطن كالصفات المنجيات والمهلكات التى محلها القلب وذكرنا تفصيلها في ربع المهلكات والمنجيات والمعاصى تنقسم إلى ما يتعلق بالأعضاء السبعة وإلى ما ينسب إلى جميع البدن كالفرار من الزحف وعقوق الوالدين والسكون في المسكن الحرام ويجب في كل واحد من المكاره التفكر في ثلاثة أمور {الأول} التفكر في أنه هل هو مكروه عند الله أم لا فرب شيء لا يظهر كونه مكروها بل يدرك بدقيق النظر والثاني التفكر في أنه إن كان مكروها فما طريق الاحتراز عنه والثالث أن هذا المكروه هل هو متصف به في الحال فيتركه أو هو متعرض له في الاستقبال فيحترز عنه أو قارفه فيما مضى من الأحوال فيحتاج إلى تداركه وكذلك كل واحد من المحبوبات ينقسم إلى هذه الانقسامات فإذا جمعت هذه الاقسام زادت مجارى الفكر في الأقسام على مائة والعبد مدفوع إلى الفكر إما في جميعها أو في أكثرها وشرح آحاد هذه الانقسامات يطول ولكن انحصر هذا القسم في أربعة أنواع الطاعات والمعاصى والصفات المهلكات والصفات المنجيات فلنذكر في كل نوع مثالا ليقيس به المريد سائرها وينفتح له باب الفكر ويتسع عليه طريقه النوع الأول المعاصى ينبغى أن يفتش الإنسان صبيحة كل يوم جميع أعضائه السبعة تفصيلا ثم بدنه على الجملة هل هو في الحال ملابس لمعصية بها فيتركها أو لابسها بالأمس فيتداركها بالترك والندم أو هو متعرض لها في نهاره فيستعد للاحتراز والتباعد عنها
فينظر في اللسان ويقول إنه متعرض للغيبة والكذب وتزكية النفس والاستهزاء بالغير والمماراة والممازحة والخوض فيما لا يعني إلى غير ذلك من المكاره فيقرر أولا في نفسه أنها مكروهة عند الله تعالى ويتفكر في شواهد القرآن والسنة على شدة العذاب فيها ثم يتفكر في أحواله أنه كيف يتعرض لها من حيث لا يشعر ثم يتفكر أنه كيف يحترز منه ويعلم أنه لا يتم له ذلك إلا بالعزلة والانفراد أو بأن لا يجالس إلا صالحا تقيا ينكر عليه مهما تكلم بما يكرهه الله وإلا فيضع حجرا في فيه إذا جالس غيره حتى يكون ذلك مذكرا له فهكذا يكون الفكر في حيلة الاحتراز ويتفكر في سمعه يصغي به إلى الغيبة والكذب وفضول الكلام وإلى اللهو والبدعة وأن ذلك إنما يسمعه من زيد وعمرو وأنه ينبغى أن يحترز عنه بالاعتزال أو بالنهى عن المنكر فمهما كان ذلك فيتفكر في بطنه أنه إنما يعصي الله تعالى فيه بالأكل والشرب إما بكثرة الأكل من الحلال فإن ذلك مكروه عند الله ومقوى للشهوة التى هى سلاح الشيطان عدو الله وإما بأكل الحرام أو الشبهة فينظر من أين مطعمه وملبسه ومسكنه ومكسبه وما مكسبه ويتفكر في طريق الحلال ومداخله ثم يتفكر في طريق الحيلة في الاكتساب منه والاحتراز من الحرام ويقرر على نفسه أن العبادات كلها ضائعة مع أكل الحرام وأن أكل الحلال هو أساس العبادات كلها وأن الله تعالى لا يقبل صلاة عبد في ثمن ثوبه درهم حرام كما ورد الخبر به فهكذا يتفكر في أعضائه ففى هذا القدر كفاية عن الاستقصاء فمهما حصل بالتفكر حقيقة المعرفة بهذه الأحوال اشتغل بالمراقبة طول النهار حتى يحفظ الأعضاء عنها وأما النوع الثاني وهو الطاعات فينظر أولا في الفرائض المكتوبة عليه أنه كيف يؤديها وكيف يحرسها عن النقصان والتقصير أو كيف يجبر نقصانها بكثرة النوافل ثم يرجع إلى عضو عضو فيتفكر في الأفعال التى تتعلق بها مما يحبه الله تعالى فيقول مثلا إن العين خلقت للنظر في ملكوت السموات والأرض عبرة ولتستعمل في طاعة الله تعالى وتنظر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأنا قادر على أن أشغل العين بمطالعة القرآن والسنة فلم لا أفعله وأنا قادر على أن أنظر إلى فلان المطيع بعين التعظيم فأدخل السرور على قلبه وأنظر إلى فلان الفاسق بعين الازدراء فأزجره بذلك عن معصيته فلم لا أفعله وكذلك يقول في سمعه إلى قادر على استماع كلام ملهوف أو استماع حكمة وعلمالسرور على قلبه وأنظر إلى فلان الفاسق بعين الازدراء فأزجره بذلك عن معصيته فلم لا أفعله وكذلك يقول في سمعه إلى قادر على استماع كلام ملهوف أو استماع حكمة وعلم أو استماع قراءة وذكر فمالى أعطله وقد أنعم الله علي به وأودعنيه لأشكره فمالى أكفر نعمة الله فيه بتضييعه أو تعطيله وكذلك يتفكر في اللسان ويقول إني قادر على أن أتقرب إلى الله تعالى بالتعليم والوعظ والتودد إلى قلوب أهل الصلاح وبالسؤال عن أحوال الفقراء وإدخال السرور على قلب زيد الصالح وعمرو العالم بكلمة طيبة وكل كلمة طيبة فإنها صدقة وكذلك يتفكر في ماله فيقول أنا قادر على أن أتصدق بالمال الفلاني فإنا مستغن عنه ومهما احتجت إليه رزقني الله تعالى مثله وإن كنت محتاجا الآن فأبا إلى ثواب الإيثار أحوج مني إلى ذلك المال وهكذا يفتش عن جميع أعضائه وجملة بدنه وأمواله بل عن دوابه وغلمانه وأولاده فإن كل ذلك أدواته وأسبابه ويقدر على أن يطيع الله تعالى بها فيستنبط بدقيق الفكر وجوه الطاعات الممكنة بها ويتفكر فيما يرغبه في البدار إلى تلك الطاعات ويتفكر في إخلاص النية فيها ويطلب لها مظان الاستحقاق حتى يزكو بها عمله وقس على هذا سائر الطاعات
وأما النوع الثالث فهى الصفات المهلكة التي محلها القلب فيعرفها مما ذكرناه في ربع المهلكات وهي استيلاء الشهوة والغضب والبخل والكبر والعجب والرياء والحسد وسوء الظن والغفلة والغرور وغير ذلك ويتفقد من قلبه هذه الصفات فإن ظن أن قلبه منزه عنها فيتفكر في كيفية امتحانه والاستشهاد بالعلامات عليه فإن النفس أبدا تعد بالخير من نفسها وتخلف فإذا ادعت التواضع والبراءة من الكبر فينبغى أن تجرب بحمل حزمة حطب في السوق كما كان الأولون يجربون به أنفسهم وإذا ادعت الحلم تعرض لغضب يناله من غيره ثم يجربها في كظم الغيظ وكذلك في سائر الصفات وهذا تفكر في أنه هل هو موصوف بالصفة المكروهة أم لا ولذلك علامات ذكرناها في ربع المهلكات فإذا دلت العلامة على وجودها فكر في الأسباب التى تقبح تلك الصفات عنده وتبين أن منشأها من الجهل والغفلة وخبث الدخلة كما لو رأى من نفسه عجبا بالعمل فيتفكر ويقول إنما عمل ببدني وجارحتى وبقدرتى وإرادتى وكل ذلك ليس مني ولا إلى وإنما هو من خلق الله وفضله علي فهو الذي خلقني وخلق جارحتي وخلق قدرتي وإرادتي وهو الذي حرك أعضائي بقدرته وكذلك قدرتي وإرادتي فكيف أعجب بعملي أو بنفسي ولا أقوم لنفسي بنفسي فإذا أحس في نفسه بالكبر قرر على نفسه ما فيه من الحماقة ويقول لها لم ترين نفسك أكبر والكبير من هو عند الله كبير وذلك ينكشف بعد الموت وكم من كافر في الحال يموت مقربا إلى الله تعالى بنزوعه عن الكفر وكم من مسلم يموت شقيا بتغير حاله عند الموت بسوء الخاتمة فإذا عرف أن الكبر مهلك وأن أصله الحماقة فيتفكر في علاج إزالة ذلك بأن يتعاطى أفعال المتواضعين وإذا وجد في نفسه شهوة الطعام وشرهه تفكر في أن هذه صفة البهائم ولو كان في شهوة الطعام والوقاع كمال لكان ذلك من صفات الله وصفات الملائكة كالعلم والقدرة ولما اتصف به البهائم ومهما كان الشره عليه أغلب كان بالبهائم أشبه وعن الملائكة المقربين أبعد وكذلك يقرر على نفسه في الغضب ثم يتفكر في طريق العلاج وكل ذلك ذكرناه في هذه الكتب فمن يريد أن يتسع له طريق الفكر فلا بد له من تحصيل ما في هذه الكتب وأما النوع الرابع وهو المنجيات فهو التوبة والندم على الذنوب والصبر على البلاء والشكر على النعماء والخوف والرجاء والزهد في الدنيا والإخلاص والصدق في الطاعات ومحبة الله وتعظيمه والرضا بأفعاله والشوق إليه والخشوع والتواضع له وكل ذلك ذكرناه في هذا الربع وذكرنا أسبابه وعلاماته فليتفكر العبد كل يوم في قلبه ما الذي يعوزه من هذه الصفات التي هي المقربة إلى الله تعالى فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم أنها أحوال لا يثمرها إلا علوم وأن العلوم لا يثمرها إلا أفكار فإذا أراد أن يكتسب لنفسه أحوال التوبة والندم فليفتش ذنوبه أولا وليتفكر فيها وليجمعها على نفسه وليعظمها في قلبه ثم لينظر في الوعيد والتشديد الذي ورد في الشرع فيها وليتحقق عند نفسه أنه متعرض لمقت الله تعالى حتى ينبعث له حال الندم وإذا أراد أن يستثير من قلبه حال الشكر فلينظر في إحسان الله إليه وأياديه عليه وفي إرساله جميل ستره عليه على ما شرحنا بعضه في كتاب الشكر فليطالع ذلك
وإذا أراد حال المحبة والشوق فليتفكر في جلال الله وجماله وعظمته وكبريائه وذلك بالنظر في عجائب حكمته وبدائع صنعه كما سنشير إلى طرف منه في القسم الثاني من الفكر وإذا أراد حال الخوف فلينظر أولا في ذنوبه الظاهرة والباطنة ثم لينظر في الموت وسكراته ثم فيما بعده من سؤال منكر ونكير وعذاب القبر وحياته وعقاربه وديدانه ثم في هول النداء عند نفخة الصور ثم في هول المحشر عند جمع الخلائق على صعيد واحد ثم في المناقشة في الحساب في النقير والقطمير ثم في الصراط ودقته وحدته ثم في خطر الأمر عنده أنه يصرف إلى الشمال فيكون من أصحاب النار أو يصرف إلى اليمين فينزل دار القرار ثم ليحضر بعد أهوال القيامة في قلبه صورة جهنم ودركاتها ومقامعها وأهوالها وسلاسلها وأغلالها وزقومها وصديدها وأنواع العذاب فيها وقبح صور الزبانية الموكلين بها وأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها وأنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وأنهم إذا رأوها من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وهلم جرا إلى جميع ما ورد في القرآن من شرحها وإذا أراد أن يستجلب حال الرجاء فلينظر إلى الجنة ونعيمها وأشجارها وأنهارها وحورها وولدانها ونعيمها المقيم وملكها الدائم فهكذا طريق الفكر الذي يطلب به العلوم التي تثمر اجتلاب أحوال محبوبة أو التنزه عن صفات مذمومة وقد ذكرنا في كل واحد من هذه الأحوال كتابا مفردا يستعان به على تفصيل الفكر أما بذكر مجامعه فلا يوجد فيه أنفع من قراءة القرآن بالتفكر فإنه جامع لجميع المقامات والأحوال وفيه شفاء للعالمين وفيه ما يورث الخوف والرجاء والصبر والشكر والمحبة والشوق وسائر الأحوال وفيه ما يزجر عن سائر الصفات المذمومة فينبغي أن يقرأه العبد ويردد الآية التي هو محتاج إلى التفكر فيها مرة بعد أخرى ولو مائة مرة فقراءة آية بتفكر وفهم خير من ختمة بغير تدبر وفهم فليتوقف في التأمل فيها ولو ليلة واحدة فإن تحت كل كلمة منها أسرارا لا تنحصر ولا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب بعد صدق المعاملة وكذلك مطالعة أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد أوتي جوامع الكلم وكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة ولو تأملها العالم حق التأمل لم ينقطع فيها نظره طول عمره وشرح آحاد الآيات والأخبار يطول فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم إن روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت فإنك مفارقه وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزى به فإن هذه الكلمات جامعة حكم الأولين والآخرين وهي كافية للمتأملين فيها طول العمر إذ لو وقفوا على معانيها وغلبت على قلوبهم غلبة يقين لاستغرقتهم ولحال ذلك بينهم وبين التلفت إلى الدنيا بالكلية فهذا هو طريق الفكر في علوم المعاملة وصفات العبد من حيث هي محبوبة عند الله تعالى أو مكروهة والمبتدئ ينبغي أن يكون مستغرق الوقت في هذه الأفكار حتى يعمر قلبه بالأخلاق المحمودة والمقامات الشريفة وينزه باطنه وظاهره عن المكاره وليعلم أن هذا مع أنه أفضل من سائر العبادات فليس هو له غاية المطلب بل المشغول به محجوب عن مطلب الصديقين وهوالتنعم بالفكر في جلال الله تعالى وجماله واستغراق القلب بحيث يفنى عن نفسه أي ينسى نفسه وأحواله ومقاماته وصفاته فيكون مستغرق الهم بالمحبوب كالعاشق المستهتر عند لقاء الحبيب فإنه لا يتفرغ للنظر في أحوال نفسه وأوصافها بل كالمبهوت الغافل عن نفسه وهو منتهى لذة العشاق فأما ما ذكرناه فهو تفكر في عمارة الباطن ليصلح للقرب والوصال فإذا ضيع جميع عمره في إصلاح نفسه فمتى يتنعم بالقرب ولذلك كان الخواص يدور في البوادي فلقيه الحسين بن منصور وقال فيم أنت قال أدور في البوادي أصلح حالي في التوكل فقال الحسين أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد فالفناء في الواحد الحق هو غاية مقصد الطالبين ومنتهى نعيم الصديقين وأما التنزه عن الصفات المهلكات فيجري مجرى الخروج عن العدة في النكاح
وأما الاتصاف بالصفات المنجيات وسائر الطاعات فيجري مجرى تهيئة المرأة وجهازها وتنظيفها ووجهها ومشطها شعرها لتصلح بذلك للقاء زوجها فإن استغرقت جميع عمرها في تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجابا لها عن لقاء المحبوب فهكذا ينبغي أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة وإن كنت كالعبد السوء لا يتحرك إلا خوفا من الضرب وطمعا في الأجرة فدونك وإلعاب البدن بالأعمال الظاهرة فإن بينك وبين القلب حجابا كثيفا فإذا قضيت حق الأعمال كنت من أهل الجنة ولكن للمجالسة أقوم آخرون وإذا عرفت مجال الفكر في علوم المعاملة التى بين العبد وبين ربه فينبغي أن تتخذ ذلك عادتك وديدنك صباحا ومساء فلا تغفل عن نفسك وعن صفاتك المبعدة من الله تعالى وأحوالك المقربة إليه سبحانه وتعالى بل كل مريد فينبغي أن يكون له جريدة يثبت فيها جملة الصفات المهلكات وجملة الصفات المنجيات وجملة المعاصي والطاعات ويعرض نفسه عليها كل يوم ويكفيه من المهلكات النظر في عشرة فإنه إن سلم منها سلم من غيرها وهي البخل والكبر والعجب والرياء والحسد وشدة الغضب وشره الطعام وشره الوقاع وحب المال وحب الجاه ومن المنجيات عشرة الندم على الذنوب والصبر على البلاء والرضا بالقضاء والشكر على النعماء واعتدال الخوف والرجاء والزهد في الدنيا والإخلاص في الأعمال وحسن الخلق مع الخلق وحب الله تعالى والخشوع له فهذه عشرون خصلة عشرة مذمومة وعشرة محمودة فمهما كفى من المذمومات واحدة فيخط عليها في جريدته ويدع الفكر فيها ويشكر الله تعالى على كفايته إياها وتنزيه قلبه عنها ويعلم أن ذلك لم يتم إلا بتوفيق الله تعالى وعونه ولو وكله إلى نفسه لم يقدر على محو أقل الرذائل عن نفسه فيقبل على التسعة الباقية وهكذا يفعل حتى يخط على الجميع وكذا يطالب نفسه بالاتصاف بالمنجيات فإذا اتصف بواحدة منها كالتوبة والندم مثلا خطعليها واشتغل بالباقي وهذا يحتاج إليه المريد المشمر وأما أكثر الناس من المعدودين من الصالحين فينبغي أن يثبتوا في جرائدهم المعاصي الظاهرة كأكل الشبهة وإطلاق اللسان بالغيبة والنميمة والمراء والثناء على النفس والإفراط في معاداة الأعداء وموالاة الأولياء والمداهنة مع الخلق في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أكثر من يعد نفسه من وجوه الصالحين لا ينفك عن جملة من هذه المعاصي في جوارحه وما لم يظهر الجوارح عن الآثام لا يمكن الاشتغال بعمارة القلب وتطهيره بل كل فريق من الناس يغلب عليهم نوع من المعصية فينبغي أن يكون تفقدهم لها وتفكرهم فيها لا في معاص هم بمعزل عنها مثاله العالم الورع فإنه لا يخلو في غالب الأمر عن إظهار نفسه بالعلم وطلب الشهرة وانتشار الصيت إما بالتدريس أو بالوعظ ومن فعل ذلك تصدى لفتنة عظيمة لا ينجو منها إلا الصديقون فإنه إن كان كلامه مقبولا حسن الوقع في القلوب لم ينفك عن الإعجاب والخيلاء والتزين والتصنع وذلك من المهلكات وإن رد كلامه لم يخل عن غيظ وأنفة وحقد على من يرده وهو أكثر من غيظه على من يرد كلام غيره وقد يلبس الشيطان عليه ويقول إن غيظك من حيث إنه رد الحق وأنكره فإن وجد تفرقة بين أن يرد عليه كلامه أو يرد على عالم آخر فهو مغرور وضحكة للشيطان ثم مهما كان له ارتياح بالقبول وفرح بالثناء واستنكاف من الرد أو الإعراض لم يخل عن تكلف وتصنع لتحسين اللفظ والإيراد حرصا على استجلاب الثناء والله لا يحب المتكلفين والشيطان قد يلبس عليه ويقول إنما حرصك على تحسين الألفاظ والتكلف فيها لينتشر الحق ويحسن موقعه في القلب إعلاء لدين الله
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Qu'a enseigné le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) sur le bon caractère ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?