Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Bagian V09/P086–V09/P087

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الملاعنة ومن رمى ولدها فعليه الحد يعني من رماه بأنه ولد زنا وإذا وجب بقذف ابن الملاعنة بذلك فبقذف غيره أولى ولأن أصحاب الرأي أوجبوا الحد على من نفى رجلا عن أبيه إذا كان أبواه حرين مسلمين أو كانا ميتين والحد إنما وجب للولد لأن الحد لا يورث عندهم فأما إن قذفت أمه بعد موتها وهو مشرك أو عبد فلا حد عليه في ظاهر كلام الخرقي سواء كانت الأم حرة مسلمة أو لم تكن وقال أبو ثور وأصحاب الرأي إذا قال لكافر أو عبد لست لأبيك وأبواه حران مسلمان فعليه الحد وإن قال لعبد أمه حرة وأبوه عبد لست لأبيك فعليه الحد وإن كان العبد للقاذف عند أبي ثور وقال أصحاب الرأي يصح أن يحد المولى لعبده واحتجوا بأن هذا قذف لأمه فيعتبر إحصانها دون إحصانه لأنها لو كانت حية كان القذف لها فكذلك إذا كانت ميتة ولأن معنى هذا أن أمك زنت فأتت بك من الزنا فإذا كان من الزنا منسوبا إليها كانت هي المقذوفة دون ولدها ولنا ما ذكرناه ولأنه لو كان القذف لها لم يجب الحد لأن الكافر لا يرث المسلم والعبد لا يرث الحر ولأنهم لا يوجبون الحد بقذف ميتة بحال فيثبت أن القذف له فيعتبر إحصانه دون إحصانها والله أعلم فصل وإن قذفت جدته فقياس قول الخرقي أنه كقذف أمه إن كانت حية فالحق لها ويعتبر بإحصانها وليس لغيرها المطالبة عنها وإن كانت ميتة فله المطالبة إذا كان محصنا لأن ذلك قدح في نسبه فأما إن قذف أباه أو جده أو أحدا من أقاربه غير أمهاته بعد موته لم يجب الحد بقذفه في ظاهر كلام الخرقي لأنه إنما أوجب بقذف أمه حقا له لنفي نسبه لا حقا للميت ولهذا لم يعتبر إحصان المقذوفة واعتبر إحصان الولد ومتى كان المقذوف من غير أمهاته لم يتضمن نفي نسبه فلم يجب الحد وهذا قول أبي بكر وأصحاب الرأي وقال الشافعي إن كان الميت محصنا فلوليه المطالبة به وينقسم انقسام الميراث لأنه قذف محصنا فيجب الحد على قاذفه كالحي ولنا إنه قذف من لا يتصور منه المطالبة فلم يجب الحد بقذفه كالمجنون أو نقول قذف من لا يجب الحد له فلم يجب كقذف غير المحصن وفارق قذف الحي فإن الحد يجب له مسألة قال ( ومن قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما كان أو كافرا ) يعني أن حده القتل ولا تقبل توبته نص عليه أحمد وحكى أبو الخطاب رواية أخرى أن توبته تقبل وبه قال أبو حنيفة والشافعي مسلما كان أو كافرا لأن هذا منه ردة والمرتد يستتاب وتصح توبته ولنا إن هذا حد قذف فلا يسقط بالتوبة كقذف غير أم النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه لو قبلت توبته وسقط حده لكان أخف حكما من قذف آحاد الناس لأن قذف غيره لا يسقط بالتوبة ولا بد من إقامته واختلفت الرواية عن أحمد فيما إذا كان القاذف كافرا فأسلم فروي أنه لا يسقط بإسلامه لأنه حد قذف فلم يسقط بالإسلام كقذف غيره وروي أنه يسقط لأنه لو سب الله تعالى في كفره ثم أسلم سقط عنه القتل فسب نبيه أولى ولأن الإسلام يجب ما قبله والخلاف في سقوط القتل عنه فأما توبته فيما بينه وبين الله تعالى فمقبولة فإن الله تعالى يقبل التوبة من الذنوب كلها والحكم في قذف النبي صلى الله عليه وسلم كالحكم في قذف أمه لأن قذف أمه إنما أوجب القتل لكونه قاذفا للنبي صلى الله عليه وسلم وقدحا في نسبه

Bagian V09/P087–V09/P088

فصل وقذف النبي صلى الله عليه وسلم وقذف أمه ردة عن الإسلام وخروج عن الملة وكذلك سبه بغير القذف إلا أن سبه بغير القذف يسقط بالإسلام لأن سب الله تعالى يسقط بالإسلام فسب النبي صلى الله عليه وسلم أولى وقد جاء في الأثر إن الله تعالى يقول شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني أما ستمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولا خلاف في أن إسلام النصراني القائل لهذا القول يمحو ذنبه مسألة قال ( وإذا قذف الجماعة بكلمة واحدة فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم ) وبهذا قال طاوس والشعبي والزهري والنخعي وقتادة وحماد ومالك والثوري وأبو حنيفة وصاحباه وابن أبي ليلى وإسحاق وقال الحسن وأبو ثور وابن المنذر لكل واحد حد كامل وعن أحمد مثل ذلك وللشافعي قولان كالروايتين ووجه هذا أنه قذف كل واحد منهم فلزمه له حد كامل وكما لو قذفهم بكلمات ولنا قول الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة النور 4 ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة فلم يحدهم عمر إلا حدا واحدا ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد كما لو قذف واحدا ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فوجب أن يكتفى به بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفا مفردا فإن كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في آخر ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده للآخر فإذا ثبت هذا فإنهم إن طلبوه جملة حد لهم وإن طلبه واحد أقيم الحد لأن الحق ثابت لهم على سبيل البدل فأيهم طالب به استوفى وسقط فلم يكن لغيره الطلب به كحق المرأة على أوليائها تزويجها إذا قام به واحد سقط عن الباقين وإن أسقطه أحدهم فلغيره المطالبة به واستيفاؤه لأن المعرة عنه لم تزل بعفو صاحبه وليس للعافي الطلب به لأنه قد أسقط حقه منه وروي عن أحمد رحمه الله رواية أخرى أنهم إن طلبوه دفعة واحدة فحد واحد وكذلك إن طلبوه واحدا بعد واحد إلا أنه إن لم يقم حتى طلبه الكل فحد واحد وإن طلبه واحد فأقيم له ثم طلبه آخر أقيم له وكذلك جميعهم وهذا قول عروة لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه وقع استيفاؤه بجميعهم وإذا طلبه واحد منفردا كان استيفاؤه له وحده فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم ولا إسقاطهم فصل وإن قذف الجماعة بكلمات فلكل واحد حد وبهذا قال عطاء والشعبي وقتادة وابن أبي ليلى وأبو حنيفة والشافعي وقال حماد ومالك لا يجب إلا حد واحد لأنها جناية توجب حدا فإذا تكررت كفى حد واحد كما لو سرق من جماعة أو زنى بنساء أو شرب أنواعا من المسكر ولنا إنها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص وفارق ما قاسوا عليه فإنه حق لله تعالى فصل وإذا قال الرجل يا ابن الزانيين فهو قاذف لهما بكلمة واحدة فإن كانا ميتين ثبت الحق لولدهما ولم يجب إلا حد واحد وجها واحدا وإن قال يا زاني ابن الزاني فهو قذف لهما بكلمتين فإن كان أبوه حيا فلكل واحد منهما حد وإن كان ميتا فالظاهر في المذهب أنه لا يجب الحد بقذفه وإن قال يا زاني ابن الزانية وكانت أمه في الحياة فلكل واحد حد وإن كانت ميتة فالقذفان جميعا له وإن قال زنيت بفلانة فهو قذف لهما بكلمة واحدة وكذلك إذا قال يا ناكح أمه ويخرج فيه الروايات الثلاث والله أعلم

Bagian V09/P088–V09/P089

فصل وإن قذف رجلا مرات فلم يحد فحد واحد رواية واحدة سواء قذفه بزنا واحد أو بزنيات وإن قذفه فحد ثم أعاد قذفه نظرت فإن قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل العلم وحكي عن ابن القاسم أنه أوجب حدا ثانيا وهذا يخالف إجماع الصحابة فإن أبا بكر لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حدا ثانيا فروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر أنه زان فبلغ ذلك عمر فكبر عليه وقال شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة وجاء زياد فقال ما عندك فلم يثبت فأمر بهم فجلدوا وقال شهود زور فقال أبو بكرة أليس ترضى إن أتاك رجل عدل يشهد برجمه قال نعم والذي نفسي بيده فقال أبو بكرة وأنا أشهد أنه زان فأراد أن يعيد عليه الجلد فقال علي يا أمير المؤمنين إنك إن أعدت عليه الجلد أوجبت عليه الرجم وفي حديث آخر فلا يعاد في فرية جلد مرتين قال الأثرم قلت لأبي عبد الله قول علي إن جلدته فارجم صاحبك قال كأنه جعل شهادته شهادة رجلين قال أبو عبد الله وكنت أنا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث فأعجبني ثم قال يقول إذا جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهدا آخر فأما إن حد له ثم قذفه بزنا ثان نظرت فإن قذفه بعد طول الفصل فحد ثان لأنه لا يسقط حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف أبدا بحيث يمكن من قذفه بكل حال وإن قذفه عقيب حده ففيه روايتان إحداهما يحد أيضا لأنه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد فيلزم فيه حد كما لو طال الفصل ولأن سائر أسباب الحد إذا تكررت بعد أن حد للأول ثبت الثاني حكمه كالزنا والسرقة وغيرهما من الأسباب والثانية لا يحد لأنه قد حد له مرة فلم يحد له بالقذف عقبه كما لو قذفها بالزنا الأول فصل وإذا قال من رماني فهو ابن الزانية فرماه رجلا فلا حد عليه في قول أحد من أهل العلم وكذلك إن اختلف رجلان في شيء فقال أحدهما الكاذب هو ابن الزانية فلا حد عليه نص عليه أحمد لأنه لم يعين أحدا بالقذف وكذلك ما أشبه هذا ولو قذف جماعة لا يتصور صدقه في قذفهم مثل أن يقذف أهل بلدة كثيرة بالزنا كلهم لم يكن عليه حد لأنه لم يلحق العار بأحد غير نفسه للعلم بكذبه فصل وإن ادعى على رجل أنه قذفه فأنكر لم يستحلف وبه قال الشعبي وحماد والثوري وأصحاب الرأي وعن أحمد رحمه الله أنه يستحلف حكاها ابن المنذر وهو قول الزهري ومالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه ولأنه حق لآدمي فيستحلف فيه كالدين ووجه الأولى أنه حد فلا يستحلف فيه كالزنا والسرقة فإن نكل عن اليمين لم يقم عليه الحد لأن الحد يدرأ بالشبهات فلا يقضى فيه بالنكول كسائر الحدود مسألة قال ( ومن قتل أو أتى حدا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم ولم يبايع ولم يشار حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد ) وجملته أن من جنى جناية توجب قتلا خارج الحرم ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه وهذا قول ابن عباس وعطاء وعبيد بن عمير والزهري ومجاهد وإسحاق والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه وأما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس فعن أحمد فيه روايتان إحداهما لا يستوفى من الملتجىء إلى الحرم فيه والثانية يستوفى وهو مذهب أبي حنيفة لأن المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن القتل بقوله عليه السلام فلا يسفك فيها دم وحرمة النفس أعظم فلا يقاس غيرها عليها ولأن الحد بالجلد جرى مجرى التأديب فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده والأولى ظاهر كلام الخرقي وهي ظاهر المذهب قال أبو بكر هذه مسألة وجدتها مفردة لحنبل عن عمه أن الحدود كلها تقام في الحرم

Bagian V09/P089–V09/P090

إلا القتل والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه حد جنايته حتى يخرج منه وإن هتك حرمة الحرم بالجناية فيه هتكت حرمته بإقامة الحد عليه فيه وقال مالك والشافعي وابن المنذر يستوفى منه فيه لعموم الأمر بجلد الزاني وقطع السارق واستيفاء القصاص من غير تخصيص بمكان دون مكان وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بجزية ولا دم وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ابن حنظل وهو متعلق بأستار الكعبة حديث حسن صحيح ولأنه حيوان أبيح دمه لعصيانه فأشبه الكلب العقور ولنا قول الله تعالى ومن دخله كان آمنا آل عمران 97 يعني الحرم بدليل قوله فيه آيات بينات مقام إبراهيم آل عمران 97 والخبر أريد به الأمر لأنه لو أريد به الخبر لأفضى إلى وقوع الخبر خلاف المخبر وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرىء مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وإنما حلت لي ساعة من نهار ثم عادت إلى حرمتها فلا يسفك فيها دم متفق عليهما فالحجة فيه من وجهين أحدهما أنه حرم سفك الدم بها على الإطلاق وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه أراد العموم فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم يختص به مكة فلا يكون التخصيص مفيدا والثاني قوله إنما حلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها ومعلوم أنه إنما حل له سفك دم حلال في غير الحرم فحرمها الحرم ثم أحلت له ساعة ثم عادت الحرمة ثم أكد هذا بمنعه قياس غيره عليه والاقتداء به فيه بقوله فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وهذا يدفع ما احتجوا به من قتل ابن حنظل فإنه من رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي منع الناس أن يقتدوا به فيها وبين أنها له على الخصوص وما رووه من الحديث فهو من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يرد به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين روى له أبو شريح هذا الحديث وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع وأما جلد الزاني وقطع السارق والأمر بالقصاص فإنما هو مطلق في الأمكنة والأزمنة فإنه يتناول مكانا غير معين ضرورة أنه لا بد من مكان فيمكن إقامته في مكان غير الحرم ثم لو كان عموما فإن ما رويناه خاص يخص به مع أنه قد خص مما ذكروه الحامل والمريض المرجو برؤه فتأخر الحد عنه وتأخر قتل الحامل فجاز أن يخص أيضا بما ذكرناه والقياس على الكلب العقور غير صحيح فإن ذلك طبعه الأذى فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله فأما الأذى فالأصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة وإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات فإن الحرم يعصمها إذا ثبت هذا فإنه لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يؤوى ويقال له اتق الله واخرج إلى الحل ليستوفى منك الحق الذي قبلك فإذا خرج استوفي حق الله منه وهو قول جميع من ذكرناه وإنما كان كذلك لأنه لو أطعم وأوى لتمكن من الإقامة دائما فيضيع الحق الذي عليه وإذا منع من ذلك كان وسيلة إلى خروجه فيقام فيه حق الله تعالى وليس علينا إطعامه كما أن الصيد لا يصاد في الحرم وليس علينا القيام به قال ابن عباس رحمه الله من أصاب حدا ثم لجأ إلى الحرم فإنه لا يجالس ولا يبايع ولا يؤوى ويأتيه من يطلبه فيقول أي فلان اتق الله فإذا خرج من الحرم أقيم عليه الحد رواه الأثرم

Bagian V09/P090–V09/P092

فإن قتل من له عليه القصاص في الحرم وأقام حدا بجلد أو قتل أو قطع طرف أساء ولا شيء عليه لأنه استوفى حقه في حال لم يكن له استيفاؤه فيه فأشبه ما لو اقتص في شدة الحر أو برد مفرط مسألة قال ( ومن قتل أو أتى حدا في الحرم أقيم عليه في الحرم ) وجملته أن من انتهك حرمة الحرم بجناية فيه توجب حدا أو قصاصا فإنه يقام عليه حدها لا نعلم فيه خلافا وقد روى الأثرم بإسناده عن ابن عباس أنه قال من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء وقد أمر الله تعالى بقتال من قاتل في الحرم فقال تعالى ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم البقرة 191 فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم لتعطلت حدود الله تعالى في حقهم وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها ولا يجوز الإخلال بها ولأن الجاني في الحرم هاتك لحرمته فلا ينتهض الحرم لتحريم ذمته وصيانته بمنزلة الجاني في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك بخلاف الملتجىء إليها بجناية صدرت منه في غيرها فصل فأما حرم مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمنع إقامة حد ولا قصاص لأن النصف إنما ورد في حرم الله تعالى وحرم المدينة دونه في الحرمة فلا يصح قياسه عليه وكذلك سائر البقاع لا تمنع من استيفاء حق ولا إقامة حد لأن أمر الله تعالى باستيفاء الحقوق وإقامة الحد مطلق في الأمكنة والأزمنة خرج منها الحرم لمعنى لا يكفي في غيره لأنه محل الإنساك وقبلة المسلمين وفيه بيت الله المحجوج وأول بيت وضع للناس ومقام إبراهيم وآيات بينات فلا يلتحق به سواه ولا يقاس عليه ما ليس في معناه والله أعلم باب القطع في السرقة والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38 وأما السنة فروت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما هلك من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه متفق عليهما في أخبار سوى هذين نذكرها إن شاء الله في مواضعها وأجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( إذا سرق ربع دينار من العين أو ثلاثة دراهم من الورق أو قيمة ثلاثة دراهم طعاما كان أو غيره وأخرجه من الحرز قطع ) وجملته أن القطع لا يجب إلا بشروط سبعة أحدها السرقة ومعنى السرقة أخذ المال على وجه الخفية والاستتار ومنه استراق السمع ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك فإن اختطف أو اختلس لم يكن سارقا ولا قطع عليه عند أحد علمناه غير إياس بن معاوية قال أقطع المختلس لأنه يستخفي بأخذه فيكون سارقا وأهل الفقه والفتوى من علماء الأمصار على خلافه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس على الخائن ولا المختلس قطع وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على المنتهب قطع رواهما أبو داود وقال لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير ولأن الواجب قطع السارق وهذا غير سارق ولأن الاختلاس نوع من الخطف والنهب وإنما يستخفي في ابتداء اختلاسه بخلاف السارق

Bagian V09/P092–V09/P093

واختلفت الرواية عن أحمد في جاحد العارية فعنه عليه القطع وهو قول إسحاق لما روي عن عائشة أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها فأتى أهلها أسامة فكلموه فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا أراك تكلمني في حد من حدود الله تعالى ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذ سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لقطعت يدها قالت فقطع يدها قال أحمد لا أعرف شيئا يدفعه متفق عليه وعنه لا قطع عليه وهو قول الخرقي وأبي إسحاق بن شاقلا وأبي الخطاب وسائر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قطع على الخائن ولأن الواجب قطع السارق والجاحد غير سارق وإنما هو خائن فأشبه جاحد الوديعة والمرأة التي كانت تستعير المتاع إنما قطعت لسرقتها لا بجحدها ألا ترى قوله إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه وقوله والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لقطعت يدها وفي بعض ألفاظ رواية هذه القصة عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت وذكرت القصة رواه البخاري وفي حديث أنها سرقت قطيفة فروى الأثرم بإسناده عن مسعود بن الأسود قال لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمنا ذلك وكانت امرأة من قريش فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا نحن نفديها بأربعين أوقية قال تطهر خير لها فلما سمعنا لين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أتينا أسامة فقلنا كلم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث نحو سياق عائشة وهذا ظاهر في أن القصة واحدة وأنها سرقت فقطعت بسرقتها وإنما عرفتها عائشة بجحدها للعارية لكونها مشهورة بذلك ولا يلزم أن يكون ذلك سببا كما لو عرفتها بصفة من صفاتها وفيما ذكرنا جمع بين الأحاديث وموافقة لظاهر الأحاديث والقياس وفقهاء الأمصار فيكون أولى فأما جاحد الوديعة وغيرها من الأمانات فلا نعلم أحدا يقول بوجوب القطع عليه الشرط الثاني أن يكون المسروق نصابا ولا قطع في القليل في قول الفقهاء كلهم إلا الحسن وداود وابن بنت الشافعي والخوارج قالوا يقطع في القليل والكثير لعموم الآية ولما روى أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده متفق عليه ولأنه سارق من حرز فتقطع يده كسارق الكثير ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا متفق عليه وإجماع الصحابة على ما سنذكره وهذا يخص عموم الآية والحبل يحتمل أن يساوي ذلك وكذلك البيضة يحتمل أن يراد بها بيضة السلاح وهي تساوي ذلك واختلفت الرواية عن أحمد في قدر النصاب الذي يجب القطع بسرقته فروى عنه أبو إسحاق الجوزجاني أنه ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما وهذا قول مالك وإسحاق

Bagian V09/P093–V09/P094

وروى عنه الأثرم أنه إن سرق من غير الذهب والفضة ما قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم قطع فعلى هذا يقوم غير الأثمان بأدنى الأمرين من ربع دينار أو ثلاثة دراهم وعنه أن الأصل الورق ويقوم الذهب به فإن نقص ربع دينار عن ثلاثة دراهم لم يقطع سارقه وهذا يحكى عن الليث وأبي ثور وقالت عائشة لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وروي هذا عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وبه قال الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والشافعي وابن المنذر لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وقال عثمان البتي تقطع اليد في درهم فما فوقه وعن أبي هريرة وأبي سعيد أن اليد تقطع من أربعة دراهم فصاعدا وعن عمر أن الخمس لا تقطع إلا في الخمس وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ليلى وابن شبرمة وروي ذلك عن الحسن وقال أنس قطع أبو بكر في مجن قيمته خمسة دراهم رواه الجوزجاني بإسناده وقال عطاء وأبو حنيفة وأصحابه لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم لما روى الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قطع إلا في عشرة دراهم وروى ابن عباس قال قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم وعن النخعي لا تقطع اليد إلا في أربعين درهما ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم متفق عليه قال ابن عبد البر هذا أصح حديث يروى في هذا الباب لا يختلف أهل العلم في ذلك وحديث أبي حنيفة الأول يرويه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف والذي يرويه عن الحجاج ضعيف أيضا والحديث الثاني لا دلالة فيه على أنه لا يقطع بما دونه فإن من أوجب القطع بثلاثة دراهم أوجبه بعشرة يدل هذا الحديث على أن العرض يقوم بالدراهم لأن المجن قوم بها ولأن ما كان الذهب فيه أصلا كان الورق فيه أصلا كنصب الزكاة والديات وقيم المتلفات وقد روى أنس أن سارقا سرق مجنا ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم أو ما يساوي ثلاثة دراهم فقطعه أبو بكر وأتي عثمان برجل قد سرق أترجة فأمر بها عثمان فأقيمت فبلغت قيمتها ربع دينار فأمر به عثمان فقطع فصل وإذا سرق ربع دينار من المضروب الخالص ففيه القطع وإن كان فيه غش أو تبر يحتاج إلى تصفية لم يجب القطع حتى يبلغ ما فيه من الذهب ربع دينار لأن السبك ينقصه وإن سرق ربع دينار قراضة أو تبرا خالصا أو حليا ففيه القطع نص عليه أحمد في رواية الجوزجاني قال قلت له كيف يسرق ربع دينار فقال قطعة ذهب أو خاتما أو حليا وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي وذكر القاضي في وجوب القطع احتمالين أحدهما لا قطع عليه وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن الدينار اسم للمضروب

Bagian V09/P094–V09/P095

ولنا إن ذلك ربع دينار لأنه يقال دينار قراضة ومكسر أو دينار خالص ولأنه لا يمكنه سرقة ربع دينار مفرد في الغالب إلا مكسورا وقد أوجب عليه القطع بذلك ولأنه حق الله تعالى تعلق بالمضروب فتعلق بما ليس بمضروب كالزكاة والخلاف فيما إذا سرق من المكسور والتبر مالا يساوي ربع دينار صحيح فإن بلغ ذلك ففيه القطع والدينار هو المثقال من مثاقيل الناس اليوم وهو الذي كل سبعة منها عشرة دراهم وهو الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله ولم يتغير وإنما كانت الدراهم مختلفة فجمعت وجعلت كل عشرة منها سبعة مثاقيل فهي التي يتعلق القطع بثلاثة منها إذا كانت خالصة مضروبة كانت أو غير مضروبة على ما ذكرناه في الذهب وعند أبي حنيفة أن النصاب إنما يتعلق بالمضروب منها وقد ذكر ما دل عليه ويحتمل ما قاله في الدراهم لأن إطلاقها يتناول الصحاح المضروبة بخلاف ربع الدينار على أننا قد ذكرنا فيها احتمالا متقدما فهاهنا أولى وما قوم من غيرهما بهما فلا قطع فيه حتى يبلغ ثلاثة دراهم صحاحا لأن إطلاقها ينصرف إلى المضروب دون المكسر الشرط الثالث أن يكون المسروق مالا فإن سرق ما ليس بمال كالحر فلا قطع فيه صغيرا كان أو كبيرا وبهذا قال الشافعي والثوري وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال الحسن والشعبي ومالك وإسحاق يقطع بسرقة الحر الصغير لأنه غير مميز أشبه العبد وذكره أبو الخطاب رواية عن أحمد ولنا إنه ليس بمال فلا يقطع بسرقته كالكبير النائم إذا ثبت هذا فإنه إن كان عليه حلي أو ثياب تبلغ نصابا لم يقطع وبه قال أبو حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي وذكر أبو الخطاب وجها آخر أنه يقطع وبه قال أبو يوسف وابن المنذر لظاهر الكتاب ولأنه سرق نصابا من الحلي فوجب فيه القطع كما لو سرقه منفردا ولنا إنه تابع لما لا قطع في سرقته أشبه ثياب الكبير ولأن يد الصبي على ما عليه بدليل أن ما يوجد مع اللقيط يكون له وهكذا لو كان الكبير نائما على متاع فسرقه ومتاعه لم يقطع لأن يده عليه فصل وإن سرق عبدا صغيرا فعليه القطع في قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم الحسن ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة ومحمد والصغير الذي يقطع بسرقته هو الذي لا يميز فإن كان كبيرا لم يقطع سارقه إلا أن يكون نائما أو مجنونا أو أعجميا لا يميز بين سيده وبين غيره في الطاعة فيقطع سارقه وقال أبو يوسف لا يقطع سارق العبد وإن كان صغيرا لأن من لا يقطع بسرقته كبيرا لا يقطع بسرقته صغيرا كالحر ولنا إنه سرق مالا مملوكا تبلغ قيمته نصابا فوجب القطع عليه كسائر الحيوانات وفارق الحر فإنه ليس بمال ولا مملوك وفارق الكبير لأن الكبير لا يسرق وإنما يخدع بشيء إلا أن يكون في حال زوال عقله بنوم أو جنون فتصح سرقته ويقطع سارقه فإن كان المسروق في حال نومه أو جنونه أم ولد ففي قطع سارقها وجهان أحدهما لا يقطع لأنها لا يحل بيعها ولا نقل الملك فيها فأشبهت الحرة

Bagian V09/P095–V09/P097

والثاني يقطع لأنها مملوكة تضمن بالقيمة فأشبهت القن وحكم المدبر حكم القن لأنه يجوز بيعه ويضمن بقيمته فأما المكاتب فلا يقطع سارقه لأن ملك سيده ليس بتام عليه لكونه لا يملك منافعه ولا استخدامه ولا أخذ أرش الجناية عليه ولو جنى السيد عليه لزمه له الأرش ولو استوفى منافعه كرها لزمه عوضها ولو حبسه لزمه أجرة مثله مدة حبسه أو إنظاره مقدار مدة حبسه ولا يجب القطع لأجل ملك المكاتب ثابت في مال نفسه إلا أن يكون السارق سيده فلا قطع عليه لأن له في ماله حقا وشبهة تدرأ الحد ولذلك لو وطىء جاريته لم يحد فصل وإن سرق ماء فلا قطع فيه قاله أبو بكر وأبو إسحاق بن شاقلا لأنه مما لا يتمول عادة ولا أعلم في هذا خلافا وإن سرق كلأ أو ملحا فقال أبو بكر لا قطع فيه لأنه مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه فأشبه الماء وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيه القطع لأنه يتمول عادة فأشبه التبن والشعير وأما الثلج فقال القاضي هو كالماء لأنه ماء جامد فأشبه الجليد والأشبه كالملح لأنه يتمول عادة فهو كالملح المنعقد من الماء وأما التراب فإن كان مما تقل الرغبات فيه كالذي يعد للتطيين والبناء فلا قطع فيه لأنه لا يتمول وإن كان مما له قيمة كثيرة كالطين الأرمني الذي يعد للدواء أو المعد للغسل به أو الصبغ كالمغرة احتمل وجهين أحدهما لا قطع فيه لأنه من جنس ما لا يتمول أشبه الماء والثاني فيه القطع لأنه يتمول عادة ويحمل إلى البلدان للتجارة فيه فأشبه العود الهندي ولا يقطع بسرقة السرجين لأنه إن كان نجسا فلا قيمة له وإن كان طاهرا فلا يتمول عادة ولا تكثر الرغبات فيه فأشبه التراب الذي للبناء وما عمل من التراب كاللبن والفخار ففيه القطع لأنه يتمول عادة فصل وما عدا هذا من الأموال ففيه القطع سواء كان طعاما أو ثيابا أو حيوانا أو أحجارا أو قصبا أو صيدا أو نورة أو جصا أو زرنيخا أو توابل أو فخارا أو زجاجا أو غيره وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة لا قطع على سارق الطعام الرطب الذي يتسارع إليه الفساد كالفواكه والطبائخ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قطع في ثمر ولا كثر رواه أبو داود ولأن هذا معرض للهلاك أشبه ما لم يحرز ولا قطع فيما كان أصله مباحا في دار الإسلام كالصيود والخشب إلا في الساج والأبنوس والصندل والقنا والمعمول من الخشب فإنه يقطع به وما عدا هذا لا يقطع به لأنه يوجد كثيرا مباحا في دار الإسلام فأشبه التراب ولا قطع في القرون وإن كانت معمولة لأن الصنعة لا تكون غالبة عليها بل القيمة لها بخلاف معمول الخشب ولا قطع عنده في التوابل والنورة والجص والزرنيخ والملح والحجارة واللبن والفخار والزجاج وقال الثوري ما يفسد في يومه كالثريد واللحم لا قطع فيه ولنا عموم قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38 وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فذكر الحديث ثم قال ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع رواه أبو داود وغيره وروي أن عثمان رضي الله عنه أتى برجل قد سرق أترجة فأمر بها عثمان فأقيمت فبلغت قيمتها ربع دينار فأمر به عثمان فقطع رواه سعيد ولأن هذا مال يتمول في العادة ويرغب فيه فيقطع سارقه إذا اجتمعت الشروط كالمجفف ولأن ما وجب القطع في معموله وجب فيه قبل العمل كالذهب والفضة وحديثهم أراد به الثمر المعلق بدليل حديثنا فإنه مفسر له وتشبهه بغير المحرز لا يصح لأن غير المحرز مضيع وهذا محفوظ ولهذا افترق سائر الأموال بالحرز وعدمه وقولهم يوجد مباحا في دار الإسلام ينتقض بالذهب والفضة والحديد والنحاس وسائر المعادن والتراب قد سبق القول فيه

Bagian V09/P097–V09/P098

فصل فإن سرق مصحفا فقال أبو بكر والقاضي لا قطع فيه وهو قول أبي حنيفة لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه واختار أبو الخطاب وجوب قطعه وقال هو ظاهر كلام أحمد فإنه سئل عمن سرق كتابا فيه علم لينظر فيه فقال كل ما بلغت قيمته ثلاثة دراهم فيه القطع وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وابن المنذر لعموم الآية في كل سارق ولأنه متقوم تبلغ قيمته نصابا فوجب بسرقته ككتب الفقه ولا خلاف بين أصحابنا في وجوب القطع بسرقة كتب الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية فإن كان المصحف محلى بحلية تبلغ نصابا خرج فيه وجهان عند من لم ير القطع بسرقة المصحف أحدهما لا يقطع وهذا قول أبي إسحاق بن شاقلا ومذهب أبي حنيفة لأن الحلي تابعة لما لا يقطع بسرقته أشبهت ثياب الحر والثاني يقطع وهو قول القاضي لأنه سرق نصابا من الحلي فوجب قطعه كما لو سرقه منفردا وأصل هذين الوجهين من سرق صبيا عليه حلي فصل وإن سرق عينا موقوفة وجب القطع عليها لأنها مملوكة للموقوف عليه ويحتمل أن لا يقطع بناء على الوجه الذي يقول إن الموقوف لا يملكه الموقوف عليه الشرط الرابع أن يسرق من حرز يخرجه منه وهذا قول أكثر أهل العلم وهذا مذهب عطاء والشعبي وأبي الأسود الدؤلي وعمر بن عبد العزيز والزهري وعمرو بن دينار والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم عن أحد من أهل العلم خلافهم إلا قولا حكي عن عائشة والحسن والنخعي فيمن جمع المتاع ولم يخرج به من الحرز عليه القطع وعن الحسن مثل قول الجماعة وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز لأن الآية لا تفصيل فيها وهذه أقوال شاذة غير ثابتة عمن نقلت عنه قال ابن المنذر وليس فيه خبر ثابت ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرناه فهو كالإجماع والإجماع حجة على من خالفه وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا من مزينة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الثمار فقال ما أخذ في غير كمامه فاحتمل ففيه قيمته ومثله معه وما كان في الخزائن ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهما وهذا الخبر يخص الآية كما خصصناها في اعتبار النصاب إذا ثبت اعتبار الحرز والحرز ما عد حرزا في العرف فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه علم أنه ذلك إلى أهل العرب لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته فيرجع إليه كما رجعنا إليه في معرفة القبض والفرقة في البيع وأشباه ذلك إذا ثبت هذا فإن من حرز الذهب والفضة والجواهر الصناديق تحت الأغلاق والأقفال الوثيقة في العمران وحرز الثياب وما خف من المتاع كالصفر والنحاس والرصاص في الدكاكين والبيوت المقفلة في العمران أو يكون فيها حافظ فيكون حرزا وإن كانت مفتوحة وإن لم تكن مغلقة ولا فيها حافظ فليست بحرز وإن كانت فيها خزائن مغلقة فالخزائن حرز لما فيها وما خرج عنها فليس بمحرز وقد روي عن أحمد في البيت الذي ليس عليه غلق يسرق منه أراه سارقا وهذا محمول على أن أهله فيه

Bagian V09/P098–V09/P099

فأما البيوت التي في البساتين أو الطرق أو الصحراء فإن لم يكن فيها أحد فليست حرزا سواء كانت مغلقة أو مفتوحة لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران وانصرف عنه لا يعد حافظا له وإن أغلق عليه وإن كان فيها أهلها أو حافظ فهي حرز سواء كانت مغلقة أو مفتوحة وإذا كان لابسا للثوب أو متوسدا له نائما أو مستيقظا أو مفترشا له أو متكئا عليه في أي موضع كان من البلد أو بربة فهو محرز بدليل أن رداء صفوان سرق وهو متوسد له فقطع النبي صلى الله عليه وسلم سارقه وإن تدحرج عن الثوب زال الحرز إن كان نائما وإن كان الثوب بين يديه أو غيره من المتاع كبز البزازين وقماش الباعة وخبز الخبازين بحيث يشاهده وينظر إليه فهو محرز وإن نام أو كان غائبا عن موضع مشاهدته فليس بمحرز وإن جعل المتاع في الغرائز وعلم عليها ومعها حافظ يشاهدها فهي محرز وإلا فلا فصل والخيمة والخركاه إن نصبت وكان فيها أحد نائما أو منتبها فهي محرزة وما فيها لأنها هكذا تحرز في العادة وإن لم يكن فيها أحد ولا عندها حافظ فلا قطع على سارقها وممن أوجب القطع في السرقة من الفسطاط الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي إلا أن أصحاب الرأي قالوا يقطع السارق من الفسطاط دون سارق الفسطاط ولنا إنه محرز بما جرت به العادة أشبه ما فيه فصل وحرز البقل وقدور الباقلاء ونحوها بالشرائح من القصب أو الخشب إذا كان في السوق حارس وحرز الخشب والحطب والقصب في الحظائر وتعبئة بعضه على بعض وتقييده بقيد بحيث يعسر أخذ شيء منه على ما جرت به العادة إلا أن يكون في فندق مغلق عليه فيكون محرزا وإن لم يقيد فصل والإبل على ثلاثة أضراب باركة وراعية وسائرة فأما الباركة فإن كان معها حافظ لها وهي معقولة فهي محرزة وإن لم تكن معقولة وكان الحافظ ناظرا إليها أو مستيقظا بحيث يراها فهي محرزة وإن كان نائما أو مشغولا عنها فليست محرزة لأن العادة أن الرعاة إذا أرادوا النوم عقلوا إبلهم ولأن حل المعقولة ينبه النائم والمشتغل وإن لم يكن معها أحد فهي محرزة سواء كانت معقولة أو لم تكن وأما الراعية فحرزها بنظر الراعي إليها فما غاب عن نظره أو نام عنه فليس بمحرز لأن الراعية إنما تحرز بالراعي ونظره وأما السائرة كان معها من يسوقها فحرزها نظره إليها سواء كانت مقطرة أو غير مقطرة وما كان منها بحيث لا يراه فليس بمحرز وإن كان معها قائد فحرزها أن يكثر الالتفات إليها والمراعاة لها ويكون بحيث يراها إذا التفتوبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحرز القائد إلا التي زمامها بيده لأنه يوليها ظهره ولا يراها إلا نادرا فيمكن أخذها من حيث لا يشعر ولنا إن العادة في حفظ الإبل المقطرة بمراعاتها بالالتفات وإمساك زمام الأول فكان ذلك حرزا لها كالتي زمامها في يده فإن سرق من أحمال الجمال السائرة المحرزة متاعا قيمته نصاب قطع وكذلك إن سرق الحمل وإن سرق الجمل بما عليه وصاحبه نائم عليه لم يقطع لأنه في يد صاحبه وإن لم يكن صاحبه نائما عليه قطع وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لأن ما في الحمل محرز به فإذا أخذ جميعه لم يهتك حرز المتاع فصار كما لو سرق أجزاء الحرز ولنا إن الجمل محرز بصاحبه ولهذا لو لم يكن محرزا فقد سرقه من حرز مثله فأشبه ما لو سرق المتاع ولا نسلم أن سرقة الحرز من حرزه لا توجب القطع فإنه لو سرق الصندوق بما فيه من بيت هو محرز فيه وجب قطعه وهذا التفصيل في الإبل التي في الصحراء فأما التي في البيوت والمكان المحصن على الوجه الذي ذكرناه في الثياب فهي محرزة والحكم في سائر المواشي كالحكم في الإبل على ما ذكرناه من التفصيل فيها

Bagian V09/P099–V09/P100

فصل وإذا سرق من الحمام ولا حافظ فيه فلا قطع عليه في قول عامتهم وإن كان ثم حافظ فقال أحمد ليس على سارق الحمام قطع وقال في رواية ابن منصور لا يقطع سارق الحمام إلا أن يكون على المتاع قاعد مثل ما صنع بصفوان وهذا قول أبي حنيفة لأنه مأذون للناس في دخوله فجرى مجرى سرقة الضيق من البيت المأذون له في دخوله ولأن دخول الناس إليه يكثر فلا يتمكن الحافظ من حفظ ما فيه قال القاضي وفيه رواية أخرى أنه يجب القطع إذا كان فيه حافظ وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر لأنه متاع له حافظ فيجب قطع سارقه كما لو كان في بيت والأول أصح وهذا يفارق ما في البيت من الوجهين اللذين ذكرناهما فأما إن كان صاحب الثياب قاعدا عليها أو متوسدا لها أو جالسا وهي بين يديه يحفظها قطع سارقها بكل حال كما قطع سارق رداء صفوان من المسجد وهو متوسد له وكذلك إن كان نائب صاحب الثياب إما الحمامي وإما غيره حافظا لها على هذا الوجه قطع سارقها لأنها محرزة وإن لم تكن كذلك فقال القاضي إن نزع الداخل ثيابه على ما جرت به العادة ولم يستحفظها لأحد فلا قطع على سارقها ولا غرم على الحمامي لأنه غير مودع فيضمن ولا هي محرزة فيقطع سارقها وإن استحفظها الحمامي فهو مودع يلزمه مراعاتها بالنظر والحفظ فإن تشاغل عنها أو ترك النظر إليها فسرقت فعليه الغرم لتفريطه ولا قطع على السارق ولأنه لم يسرق من حرز وإن تعاهدها الحمامي بالحفظ والنظر فسرقت فلا غرم عليه لعدم تفريطه وعلى السارق القطع لأنها محرزة وهذا مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد أنه لا قطع عليه في هذه الصورة لما تقدم قال ابن المنذر قال أحمد أرجو أن لا قطع عليه لأنه مأذون للناس في دخوله ولو استحفظ رجل آخر متاعه في المسجد فسرق فإن كان قد فرط في مراعاته ونظره إليه فعليه الغرم إذا كان التزم حفظه وأجابه إلى ما سأله وإن لم يجبه لكن سكت لم يلزمه غرم لأنه ما قبل الاستيداع ولاقبض المتاع ولا قطع على السارق في الموضعين لأنه غير محرز وإن حفظ المتاع بنظره إليه وقربه منه فسرق فلا غرم عليه وعلى السارق القطع لأنه سرق من حرز ويفارق المتاع في الحمام فإن الحفظ فيه غير ممكن لأن الناس يضع بعضهم ثيابه عند ثياب بعض ويشتبه على الحمامي صاحب الثياب فلا يمكنه منع أخذها لعدم علمه بمالكها فصل وحرز حائط الدار كونه مبنيا فيها إذا كانت في العمران أو كانت في الصحراء وفيها حافظ فإن أخذ من أجزاء الحائط أو خشبه نصابا في هذه الحال وجب قطعه لأن الحائط حرز لغيره فيكون حرزا لنفسه وإن هدم الحائط ولم يأخذه فلا قطع عليه فيه كما لو أتلف المتاع في حرز ولم يسرقه فإن كانت الدار بحيث لا تكون حرزا لما فيها كدار في الصحراء لا حافظ فيها فلا قطع على من أخذ من حائطها شيئا لأنها إذا لم تكن حرزا لما فيها فلنفسها أولى وأما باب الدار فإن كان منصوبا في مكانه فهو محرز سواء كان مغلقا أو مفتوحا لأنه هكذا يحفظ وعلى سارقه القطع إذا كانت الدار محرزة بما ذكرناه وأما أبواب الخزائن في الدار فإن كان باب الدار مغلقا فهي محرزة سواء كانت مفتوحة أو مغلقة وإن كان مفتوحا لم تكن محرزة إلا أن تكون مغلقة أو يكون في الدار حافظ والفرق بين باب الدار وباب الخزانة أن أبواب الخزائن تحرز بباب الدار وباب الدار لا يحرز إلا بنصبه ولا يحرز بغيره وأما حلقة الباب فإن كانت مسمورة فهي محرزة وإلا فلا لأنها تحرز بتسميرها

Bagian V09/P100–V09/P101

فصل وإن سرق باب مسجد منصوبا أو باب الكعبة المنصوب أو سرق من سقفه شيئا أو تأزيره ففيه وجهان أحدهما عليه القطع وهو مذهب الشافعي وأبو القاسم صاحب مالك وأبي ثور وابن المنذر لأنه سرق نصابا محرزا يحرز مثله لا شبهة له فيه فيلزمه القطع كباب بيت الآدمي والثاني لا قطع عليه وهو قول أصحاب الرأي لأنه لا مالك له من المخلوقين فلا يقطع فيه كحصر المسجد وقناديله فإنه لا يقطع بسرقة ذلك وجها واحدا لكونه مما ينتفع به فيكون له فيه شبهة فلم يقطع به كالسرقة من بيت المال وقال أحمد لا يقطع بسرقة ستارة الكعبة الخارجة منها وقال القاضي هذا محمول على ما ليست بمخيطة لأنها إنما تحرز بخياطتها وقال أبو حنيفة لا قطع فيها بحال لما ذكرنا في الباب فصل وإذا أجر داره ثم سرق منها مال المستأجر فعليه القطع وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وقال صاحباه لا قطع عليه لأن المنفعة تحدث في ملك الآجر ثم تنتقل إلى المستأجر ولنا إنه هتك حرزا وسرق منه نصابا لا شبهة له فوجب القطع كما لو سرق من ملك المستأجر وما قالاه لا نسلمه ولو استعار دارا فنقبها المعير وسرق مال المستعير منها قطع أيضا وبهذا قال الشافعي في أحد الوجهين وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لأن المنفعة ملك له فما هتك حرز غيره ولأن له الرجوع متى شاء وهذا يكون رجوعا ولنا ما تقدم في التي قبلها ولا يصح ما ذكره ولأن هذا قد صار حرزا لمال غيره لا يجوز له الدخول إليه وإنما يجوز له الرجوع في العارية والمطالبة برده إليه فصل وإن غصب بيتا فأحرز فيه ماله فسرقه منه أجنبي أو المغصوب منه فلا قطع عليه لأنه لا حكم بحرزه وإذا كان متعديا به ظالما فيه فصل وإذا سرق الضيف من مال مضيفه شيئا نظرت فإن سرقه من الموضع الذي أنزل فيه أو موضع لم يحرزه عنه لم يقطع لأنه لم يسرق من حرز وإن سرق من موضع محرز دونه نظرت فإن كان منعه قراه فسرق بقدره فلا ققطع عليه أيضا وإن لم يمنعه قراه فعليه القطع وقد روي عن أحمد أنه لا قطع على الضيف وهو محمول على إحدى الحالتين الأوليين وقال أبو حنيفة لا قطع عليه بحال لأن المضيف بسطه في بيته وماله فأشبه ابنه ولنا إن سرق مالا محرزا عنه لا شبهة له فيه فيلزمه القطع كالأجنبي وقوله إنه بسطه فيه لا يصح فإنه أحرز عنه هذا المال ولم يبسطه فيه وتبسطه في غيره لا يوجب تبسطه فيه كما لو تصدق على مسكين بصدقة أو أهدى إلى صديقه هدية فإنه لا يسقط عنه القطع بالسرقة من غير ما تصدق به عليه أو أهدى إليه فصل وإذا أحرز المضارب مال المضاربة أو الوديعة أو العارية أو المال الذي وكل فيه فسرقه أجنبي فعليه القطع لا نعلم فيه مخالفا لأنه ينوب مناب المالك في حفظ المال وإحرازه ويده كيده وإن غصب عينا وأحرزها أو سرقها وأحرزها فسرقها سارق فلا قطع عليه وقال مالك عليه القطع لأنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه وللشافعي قولان كالمذهبين وقال أبو حنيفة كقولنا في السارق وكقولهم في الغاصب ولنا إنه لم يسرق المال من مالكه ولا ممن يقوم مقامه فأشبه ما لو وجده ضائعا فأخذه وفارق السارق من المالك أو نائبه فإنه أزال يده وسرق من حرزه فصل وإن سرق نصابا أو غصبه فأحرزه فجاء المالك فهتك الحرز وأخذ ماله فلا قطع عليه عند أحد سواء أخذه سرقة أو غيرها لأنه أخذ ماله وإن سرق غيره ففيه وجهان أحدهما لا قطع فيه لأن له شبهة في هتك الحرز وأخذ ماله فصار كالسارق من غير حرز ولأن له شبهة في أخذ قدر ماله لذهاب بعض العلماء إلى جواز أخذ الإنسان قدر دينه من مال من هو عليه

Bagian V09/P101–V09/P102

والثاني عليه القطع لأنه سرق نصابا من حرزه لا شبهة له فيه وإنما يجوز له أخذ قدر ماله إذا عجز عن أخذ ماله وهذا أمكنه أخذ ماله فلم يجز له أخذ غيره وكذلك الحكم إذا أخذ ماله وأخذ من غيره نصابا متميزا عن مالك فإن كان مختلطا بماله غير متميز منه فلا قطع عليه لأنه أخذ ماله الذي له أخذه وحصل غيره مأخوذا ضرورة أخذه فيجب أن لا يقطع فيه ولأن له في أخذه شبهة والحد يدرأ بالشبهات فأما إن سرق مالا آخر منه غير الحرز الذي فيه ماله أو كان له دين على إنسان فسرق من ماله قدر دينه من حرزه نظرت فإن كان الغاصب أو الغريم باذلا لما عليه غير ممتنع من أدائه أو قدر المالك على أخذ ماله فتركه وسرق مال الغاصب أو الغريم فعليه القطع لأنه لا شبهة له فيه وإن عجز عن استيفاء دينه أو أرش جنايته فسرق قدر دينه أو حقه فلا قطع عليه وقال القاضي عليه القطع بناء على أصلنا في أنه ليس له أخذ قدر دينه ولنا إن هذا مختلف في حله فلم يجب الحد به كما لو وطىء في نكاح مختلف في صحته وتحريم الأخذ لا يمنع الشبهة الناشئة عن الاختلاف والحدود تدرأ بالشبهات فإن سرق أكثر من دينه فهو كالمغصوب منه إذا سرق أكثر من ماله على ما مضى فصل ولا بد من إخراج المتاع من الحرز لما قدمنا من الإجماع على اشتراطه فمتى أخرجه من الحرز وجب عليه القطع سواء حمله إلى منزله أو تركه خارجا من الحرز وسواء أخرجه بأن حمله أو رمى به إلى خارج الحرز أو شد فيه حبلا ثم خرج فمده به أو شده على بهيمة ثم ساقها به حتى أخرجها أو تركه في نهر جار فخرج به ففي هذا كله يجب القطع لأنه هو المخرج له إما بنفسه وإما بآلته فوجب عليه القطع كما لو حمله فأخرجه وسواء دخل الحرز فأخرجه أو نقبه ثم أدخل إليه يده أو عصا لها شجنة فاجتذبه بها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه إلا أن يكون البيت صغيرا لا يمكنه دخوله لأنه لم يهتك الحرز بما أمكنه فأشبه المختلس ولنا إنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه وهو من أهل القطع فوجب عليه كما لو كان البيت ضيقا ويخالف المختلس فإنه لم يهتك الحرز وإن رمى المتاع فأطارته الريح فأخرجته فعليه القطع لأنه متى كان ابتداء الفعل منه لم يؤثر فعل الريح كما لو رمى صيدا فأعانت الريح السهم حتى قتل الصيد حل ولو رمى الجمار فأعانتها الريح حتى وقعت في المرمى احتسب به وصار هذا كما لو ترك المتاع في الماء فجرى به فأخرجه ولو أمر صبيا لا يميز فأخرج المتاع وجب عليه القطع لأنه آلة له فأما إن ترك المتاع على دابة فخرجت بنفسها من غير سوقها أو ترك المتاع في ماء راكد فانفتح فخرج المتاع أو على حائط في الدار فأطارته الريح ففي ذلك وجهان أحدهما عليه القطع لأن فعله سبب خروجه فأشبه ما لو ساق البهيمة أو فتح الماء وحلق الثوب في الهواء والثاني لا قطع عليه لأن الماء لم يكن آلة للإخراج وإنما خرج المتاع بسبب حادث من غير فعله والبهيمة لها اختيار لنفسها فصل وإذا أخرج المتاع من بيت في الدار أو الخان إلى الصحن فإن كان البيت مغلقا ففتحه أو نقبه فقد أخرج المتاع من الحرز وإن لم يكن مغلقا فما أخرجه من الحرز وقد قال أحمد إذا خرج المتاع من البيت إلى الدار يقطع وهو محمول على الصورة الأولى

Bagian V09/P102–V09/P104

فصل قال أحمد الطرار سرا يقطع وإن اختلس لم يقطع ومعنى الطرار الذي يسرق من جيب الرجل أو كمه أو صفنه وسواء بطل ما أخذ منه المسروق أو قطع الصفن فأخذه أو أدخل يده في الجيب فأخذ ما فيه فإن عليه القطع وروي عن أحمد في الذي يأخذ من جيب الرجل وكمه لا قطع عليه فيكون في ذلك روايتان فصل وإذا دخل السارق حرزا فاحتلب لبنا من ماشية وأخرجه فعليه القطع وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لأنه من الأشياء الرطبة وقد مضى الكلام معه في هذا وإن شربه في الحرز أو شرب منه ما ينقص النصاب فلا قطع عليه لأنه لم يخرج من الحرز نصابا وإن ذبح الشاة في الحرز أو شق الثوب ثم أخرجهما وقيمتهما بعد الشق والذبح نصاب فعليه القطع وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه في الشاة لأن اللحم لا يقطع عنده بسرقته والثوب إن شق أكثره فلا قطع فيه لأن صاحبه مخير بين أن يضمنه قيمة جميعه فيكون قد أخرجه وهو ملك له وقد تقدم الكلام معه في هذه الأصول وإن دخل الحرز فابتلع جوهرة وخرج فلم تخرج فلا قطع عليه لأنه أتلفها في الحرز وإن خرجت ففيه وجهان أحدهما يجب لأنه أخرجها في وعائها فأشبه إخراجها في كمه والثاني لا يجب لأنه صمنها بالبلع فكان إتلافا لها ولأنه ملجأ إلى إخراجها لأنه لا يمكنه الخروج بدونها وإن تطيب في الحرز بطيب وخرج ولم يبق عليه من الطيب ما إذا جمع كان نصابا فلا قطع عليه لأن ما لا يجتمع قد أتلفه باستعماله فأشبه ما لو أكل الطعام وإن كان يبلغ نصابا فعليه القطع لأنه أخرج نصابا وذكر فيه وجه آخر فيما إذا كان ما تطيب به يبلغ نصابا فعليه القطع وإن نقص ما يجتمع عن النصاب لأنه أخرج نصابا والأول أولى وإن جر خشبة فألقاها بعد أن أخرج بعضها من الحرز فلا قطع عليه سواء خرج منها ما يساوي نصابا أو لم يكن لأن بعضها لا ينفرد عن بعض وكذلك لو أمسك الغاصب طرف عمامته والطرف الآخر في يد مالكها لم يضمنها وكذلك إذا سرق ثوبا أو عمامة فأخرج بعضهما فصل وإذا نقب الحرز ثم دخل فأخرج ما دون النصاب ثم دخل فأخرج ما يتم به النصاب نظرت فإن كان في وقتين متباعدين أو ليلتين لم يجب القطع لأن كل واحدة منهما سرقة مفردة لا تبلغ نصابا وكذلك إن كانا في ليلة واحدة وبينهما مدة طويلة وإن تقاربا وجب قطعه لأنها سرقة واحدة وإذا بنى فعلى أحد الشريكين على فعل شريكه فبناء فعل الواحد بعضه على بعض أولى الشرط الخامس والسادس والسابع كون السارق مكلفا وثبتت السرقة ويطالب بها المالك بالمعروف وتنتفي الشبهات ويذكر ذلك في مواضعه مسألة قال ( إلا أن يكون المسروق ثمرا أو أكثر فلا قطع فيه ) يعني به الثمر في البستان قبل إدخاله الحرز فهذا لا قطع فيه عند أكثر الفقهاء كذلك الكثر المأخوذ من النخل وهو جمار النخل روي معنى هذا القول عن ابن عمر وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور إن كان من ثمر أو بستان محرز ففيه القطع وبه قال ابن المنذر إن لم يصح خبر رافع قال ولا أحسبه ثابتا واحتجا بظاهر الآية وبقياسه على سائر المحرزات

Bagian V09/P104–V09/P105

ولنا ما روى رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قطع في ثمر ولا كثر أخرجه أبو داود وابن ماجة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع وهذا يخص عموم الآية ولأن البستان ليس بحرز لغير الثمر فلا يكون حرزا له كما لو لم يكن محوطا فأما إن كانت نخلة أو شجرة في دار محرز فسرق منها نصابا ففيه القطع لأنه سرق من حرز والله أعلم فصل وإن سرق من الثمر المعلق فعليه غرامة مثليه وبه قال إسحاق للخبر المذكور وقال أحمد لا أعلم سببا يدفعه وقال أكثر الفقهاء لا يجب فيه أكثر من مثله قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليه وبه قال إسحاق للخبر المذكور وقال أحمد لا أعلم سببا يدفعه وقال أكثر الفقهاء لا يجب فيه أكثر من مثله قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليه واعتذر بعض أصحاب الشافعي عن هذا الخبر بأنه كان حين كانت العقوبة في الأموال ثم نسخ ذلك ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو حجة لا تجوز مخالفته إلا بمعارضة مثله أو أقوى منه وهذا الذي اعتذر به هذا القائل دعوى للفسخ بالاحتمال من غير دليل عليه وهو فاسد بالإجماع ثم هو فاسد من وجه آخر لقوله ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤيه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع فقد بين وجوب القطع مع إيجاب غرامة مثليه وهذا يبطل ما قاله وقد احتج أحمد بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين انتحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها وروى الأثرم الحديثين في سننه قال أصحابنا وفي الماشية تسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة مثلا قيمتها للحديث وهو ما جاء في سياق حديث عمرو بن شعيب أن السائل قال الشاة الحريسة منهن يا نبي الله قال ثمنها ومثله معه والفكاك وما كان في المراح ففيه القطع إذا كان ما يأخذه من ذلك ثمن المجن هذا لفظ رواية ابن ماجة وما عدا هذين لا يغرم بأكثر من قيمته أو مثله إن كان مثليا هذا قول أصحابنا وغيرهم إلا أبا بكر فإنه ذهب إلى إيجاب غرامة المسروق من غير حرز بمثليه قياسا على الثمر المعلق وحريسة الحبل استدلالا بحديث حاطب ولنا إن الأصل وجوب غرامة المثلي بمثله والمتقوم بقيمته بدليل المتلف والمغصوب والمنتهب والمختلس وسائر ما تجب غرامته خولف في هذين الموضعين للأثر ففيما عداه يبقى على الأصل مسألة قال ( وابتداء قطع السارق أن تقطع يده اليمنى من مفصل الكف ويحسم فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت )

Bagian V09/P105–V09/P106

لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى من مفصل الكف وهو الكوع وفي قراءة عبد الله بن مسعود فاقطعوا أيديهما المائدة 38 وهذا إن كان قراءة وإلا فهو تفسير وقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع ولا مخالف لهما في الصحابة ولأن البطش بها أقوى فكانت البداية بها أردع ولأنها آلة السرقة فناسب عقوبته بإعدام آلتها وإذا سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى وبذلك قال الجماعة إلا عطاء حكى عنه أنه تقطع يده اليسرى لقوله سبحانه فاقطعوا أيديهما ولأنها آلة السرقة والبطش فكانت العقوبة بقطعها أولى وروي ذلك عن ربيعة وداود وهذا شذوذ يخالف قول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الفقه والأثر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السارق إذا سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ولأنه في المحاربة الموجبة قطع عضوين إنما تقطع يده ورجله ولا تقطع يداه فنقول جناية أوجبت قطع عضوين فكانا رجلا ويدا كالمحاربة ولأن قطع يديه يفوت منفعة الجنس فلا تبقى له يد يأكل بها ولايتوضأ ولا يستطيب ولا يدفع عن نفسه فيصير كالهالك فكان قطع الرجل الذي لا يشتمل على هذه المفسدة أولى وأما الآية فالمراد بها قطع يد كل واحد منهما بدليل أنه لا تقطع اليدان في المرة الأولى وفي قراءة عبد الله فاقطعوا أيديهما وإنما ذكر بلفظ الجمع لأن المثنى إذا أضيف إلى المثنى ذكر بلفظ الجمع كقوله تعالى فقد صغت قلوبكما التحريم 4 إذا ثبت هذا فإنه تقطع رجله اليسرى لقول الله تعالى أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف المائدة 33 ولأن قطع اليسرى أرفق به لأنه يمكنه المشي على خشبة ولو قطعت رجله اليمنى لم يمكنه المشي بحال وتقطع الرجل من مفصل الكعب في قول أكثر أهل العلم وفعل ذلك عمر رضي الله عنه وكان علي رضي الله عنه يقطع من نصف القدم من معقد الشرك ويدع له عقبا يمشي عليها وهو قول أبي ثور ولنا إنه أحد العضوين المقطوعين في السرقة فيقطع من المفصل كاليد وإذا قطع حسم وهو أن يغلي الزيت فإذا قطع غمس عضوه في الزيت لتفسد أفواه العروق لئلا ينزف الدم فيموت وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق سرق شملة فقال اقطعوه واحسموه وهو حديث فيه مقال قاله ابن المنذر وممن استحب ذلك الشافعي وأبو ثور وغيرهما من أهل العلم ويكون الزيت من بيت المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به القاطع وذلك يقتضي أن يكون من بيت المال فإن لم يحسم فذكر القاضي أنه لا شيء عليه لأن عليه القطع لا مداواة المحدود ويستحب للمقطوع حسم نفسه فإن لم يفعل لم يأثم لأنه ترك التداوي في المرض وهذا مذهب الشافعي فصل ويقطع السارق بأسهل ما يمكن فيجلس ويضبط لئلا يتحرك فيجني على نفسه وتشد يده بحبل وتجر حتى يبين مفصل الكف من مفصل الذراع ثم يوضع بينهما سكين حاد ويدق فوقهما بقوة ليقطع في مرة واحدة أو توضع السكين على المفصل وتمدى مدة واحدة وإن علم قطع أوحى من هذا قطع به فصل ويسن تعليق اليد في عنقه لما روى فضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق قطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه رواه أبو داود وابن ماجة وفعل ذلك علي رضي الله عنه ولأن فيه ردعا وزجرا

Bagian V09/P106–V09/P107

فصل ولا تقطع في شدة حر ولا برد لأن الزمان ربما أعان على قتله والغرض الزجر دون القتل ولا تقطع حامل حال حملها ولا بعد وضعها حتى ينقضي نفاسها لئلا يفضي إلى تلفها وتلف ولدها ولا يقطع مريض في مرضه لئلا يأتي على نفسه ولو سرق فقطعت يده ثم سرق قبل اندمال يده لم يقطع ثانيا حتى يندمل القطع الأول وكذلك لو قطعت رجله قصاصا لم تقطع اليد في السرقة حتى تبرأ الرجل فإن قيل أليس لو وجب عليه قصاص في اليد الأخرى لقطعت قبل الاندمال والمحارب تقطع يده ورجله دفعة واحدة وقد قلتم في المريض الذي وجب عليه الحد لا ينتظر برؤه فلم خالفتم ذلك هاهنا قلنا القصاص حق آدمي يخاف فوته وهو مبني على الضيق لحاجته إليه ولأن القصاص قد يجب في يد ويجب في يدين وأكثر في حالة واحدة فلهذا جاز أن نوالي بين قصاصين ونخالف لأن كل معصية لها حد مقدر لا تجوز الزيادة عليه فإذا والى بين حدين صار كالزيادة على الحد فلم يجز وأما قطاع الطريق فإن قطع اليد والرجل حد واحد بخلاف ما نحن فيه وأما تأخير الحد للمريض ففيه منع وإن سلمنا فإن الجلد يمكن تخفيفه فيأتي به في المرض على وجه يؤمن معه التلف والقطع لا يمكن تخفيفه فصل وإذا سرق مرات قبل القطع أجزأ قطع واحد عن جميعها وتداخلت حدودها لأنه حد من حدود الله تعالى فإذا اجتمعت أسبابه تداخل كحد الزنا وذكر القاضي فيما إذا سرق من جماعة وجاؤوا متفرقين رواية أخرى أنها لا تتداخل ولعله يقيس ذلك على حد القذف والصحيح أنها تتداخل لأن القطع خالص حق الله تعالى فتتداخل كحد الزنا والشرب وفارق حد القذف فإنه حق الآدمي ولهذا يتوقف على المطالبة باستيفائه ويسقط بالعفو عنه فأما إن سرق فقطع ثم سرق ثانيا قطع ثانيا سواء سرق من الذي سرق منه أولا أو من غيره وسواء سرق تلك العين التي قطع بها أو غيرها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قطع بسرقة عين مرة لم يقطع بسرقتها مرة ثانية إلا أن يكون قد قطع بسرقة غزل سرقه منسوجا أو قطع بسرقة رطب ثم سرقة تمرا واحتيج بأن هذا يتعلق استيفاؤه بمطالبة آدمي فإذا تكرر سببه في العين الواحدة لم يتكرر كحد القذف ولنا إنه حد يجب في عين فتكرره في عين واحدة كتكرره في الأعيان كالزنا وما ذكره يبطل بالغزل إذا نسج والرطب إذا أثمر ولا نسلم حد القذف فإنه متى قذفه بغير ذلك الزنا حد وإن قذفه بذلك الزنا عقيب حده لم يحد لأن الغرض إظهار كذبه وقد ظهر وها هنا الغرض ردعه عن السرقة ولم يرتدع بالأول فيردع بالثاني كالمودع إذا سرق عينا أخرى فصل ومن سرق ولا يمنى له قطعت رجله اليسرى كما يقطع في السرقة الثانية وإن كانت يمناه شلاء ففيها روايتان إحداهما تقطع رجله اليسرى لأن الشلاء لا نفع فيها ولا جمال فأشبهت كفا لا أصابع عليه قال إبراهيم الحربي عن أحمد فيمن سرق ويمناه جافة تقطع رجله والرواية الثانية أنه يسأل أهل الخبرة فإن قالوا إنها إذا قطعت رقأ دمها وانحسمت عروقها قطعت لأنه أمكن قطع يمينه فوجب كما لو كانت صحيحة وإن قالوا لا يرقأ دمها لم تقطع لأنه يخاف تلفه وقطعت رجله وهذا مذهب الشافعي وإن كانت أصابع اليمنى كلها ذاهبة فيها وجهان أحدهما لا تقطع وتقطع الرجل لأن الكف لا تجب فيه دية اليد فأشبه الذراع والثاني تقطع لأن الراحة بعض ما يقطع في السرقة فإذا كان موجودا قطع كما لو ذهب الخنصر أو البنصر وإن ذهب بعض الأصابع نظرنا فإن ذهب الخنصر والبنصر أو ذهبت واحدة سواهما قطعت لأن معظم نفعها باق وإن لم يبق إلا واحدة فهي كالتي ذهب جميع أصابعها وإن بقي اثنتان فهل تلحق بالصحيحة أو بما قطع جميع أصابعها على وجهين والأولى قطعها لأن نفعها لم يذهب الكلية

Bagian V09/P107–V09/P108

فصل ومن سرق وله يمنى فقطعت في قصاص أو ذهبت بأكلة أو تعدى عليه متعد فقطعها سقط القطع ولا شيء على العادي إلا الأدب وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال قتادة يقتص من القاطع وتقطع رجل السارق وهذا غير صحيح فإن يد السارق ذهبت والقاطع قطع عضوا غير معصوم وإن قطعها قاطع بعد السرقة وقبل ثبوت السرقة والحكم بالقطع ثم ثبت ذلك فكذلك ولو شهد بالسرقة فحبسه الحاكم ليعدل الشهود فقطعه قاطع ثم عدلوا فكذلك وإن لم يعدلوا وجب القصاص على القاطع وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا قصاص عليه لأن صدقهم محتمل فيكون ذلك شبهة ولنا إنه قطع طرفا ممن يكافئه عمدا بغير حق فلزمه القطع كما لو قطعه قبل إقامة البينة فصل وإن سرق فقطع الجذاذ يساره بدلا عن يمينه أجزأت ولا شيء على القاطع إلا الأدب وبهذا قال قتادة والشعبي وأصحاب الرأي وذلك لأن قطع يمين السارق يفضي إلى تفويت منفعة الجنس وقطع يديه بسرقة واحدة فلا يشرع وإذا انتفى قطع يمينه حصل قطع يساره مجزئا عن القطع الواجب فلا يجب على فاعله قصاص وقال أصحابنا في وجوب قطع يمين السارق وجهان وللشافعي فيما إذا لم يعلم القاطع كونها يسارا أو ظن أن قطعها يجزىء قولان أحدهما لا تقطع يمين السارق كيلا تقطع يداه بسرقة واحدة والثاني تقطع كما لو قطعت يسراه قصاصا فأما القاطع فاتفق أصحابنا والشافعي على أنه إن قطعها عن غير اختيار من السارق أو كان السارق أخرجها دهشة أو ظنا منه أنها تجزىء وقطعها القاطع عالما بأنها يسراه وأنها لا تجزىء فعليه القصاص وإن لم يعلم أنها يسراه أو ظن أنها مجزئة فعليه ديتها وإن كان السارق أخرجها مختارا عالما بالأمرين فلا شيء على القاطع لأنه أذن في قطعها فأشبه غير السارق والمختار عندنا ما ذكرناه والله أعلم مسألة قال ( فإن عاد حبس ولا يقطع غير يد ورجل ) يعني إذا عاد فسرق بعد قطع يده ورجله لم يقطع منه شيء آخر وحبس وبهذا قال علي رضي الله عنه والحسن والشعبي والنخعي والزهري وحماد والثوري وأصحاب الرأي وعن أحمد أنه تقطع في الثالثة يده اليسرى وفي الرابعة رجله اليمنى وفي الخامسة يعزر ويحبس وروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قطعا يد أقطع اليد والرجل وهذا قول قتادة ومالك والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وروي عن عثمان وعمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة والرجل اليمنى في الرابعة ويقتل في الخامسة لأن جابرا قال جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق فقال اقطعوه قال فقطع ثم جيء به الثانية فقال اقتلوه قالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه فقطع ثم جيء به الثالثة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه قال ثم أتي به الرابعة فقال اقتلوه قالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ثم أتي به الخامسة قال اقتلوه قال فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فألقيناه في بئر رواه أبو داود وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق وإن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ولأن اليسار تقطع قودا فجاز قطعها في السرقة كاليمنى ولأنه فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر

Bagian V09/P108–V09/P109

ولنا ما روى سعيد حدثنا أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه قال حضرت علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتي برجل مقطوع اليد والرجل وقد سرق فقال لأصحابه ما ترون في هذا قالوا اقطعه يا أمير المؤمنين قال قتلته إذا وما عليه القتل بأي شيء يأكل الطعام بأي شيء يتوضأ للصلاة بأي شيء يغتسل من جنابته بأي شيء يقوم على حاجته فرده إلى السجن أياما ثم أخرجه فاستشار أصحابه فقالوا مثل قولهم الأول وقال لهم مثل ما قال أول مرة فجلده جلدا شديدا ثم أرسله وروي عنه أنه قال إني لأستحيي من الله أن لا أدع له يدا يبطش بها ولا رجلا يمشي عليها ولأن في قطع اليدين تفويت منفعة الجنس فلم يشرع في حد كالقتل ولأنه لو جاز قطع اليدين لقطع اليسرى في المرة الثانية لأنها آلة البطش كاليمنى وإنما لم تقطع للمفسدة في قطعها لأن ذلك بمنزلة الإهلال فإنه لا يمكنه أن يتوضأ ولا يغتسل ولا يستنجي ولا يحترز من نجاسة ولا يزيلها عنه ولا يدفع عن نفسه ولا يأكل ولا يبطش وهذه المفسدة حاصلة بقطعها في المرة الثالثة فوجب أن يمنع قطعه كما منعه في المرة الثانية وأما حديث جابر ففي حق شخص استحق القتل بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في أول مرة وفي كل مرة وفعل ذلك في الخامسة ورواه النسائي وقال حديث منكر وأما الحديث الآخر وفعل أبي بكر وعمر فقد عارضه قول علي وقد روي عن عمر أنه رجع إلى قول علي فروى سعيد حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عابد قال أتي عمر برجل أقطع اليد والرجل قد سرق فأمر به عمر أن تقطع رجله فقال علي إنما قال الله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا المائدة 33 وقد قطعت يد هذا ورجله فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها إما أن تعزره وإما أن تستودعه السجن فاستودعه السجن فصل وإن سرق من يده اليسرى مقطوعة أو شلاء أو مقطوعة الأصابع أو كانت يداه صحيحتين فقطعت اليسرى أو شلت قبل قطع يمناه لم تقطع يمناه على الرواية الأولى وتقطع على الثانية وإن قطع يسراه قاطع متعمدا فعليه القصاص لأنه قطع طرفا معصوما وإن قطعه غير متعمد فعليه ديته ولا تقطع يمين السارق وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي وفي قطع رجل السارق وجهان أصحهما لا يجب لأنه لم يجب بالسرقة وسقوط القطع عن يمينه لا يقتضي قطع رجله كما لو كان المقطوع يمينه والثاني تقطع رجله لأنه تعذر قطع يمينه فقطعت رجله كما لو كانت اليسرى مقطوعة حال السرقة وإن كانت يمناه صحيحة ويسراه ناقصة نقصا يذهب بمعظم نفعها مثل أن يذهب منها الإبهام أو الوسطى أو السبابة احتمل أن يكون كقطعها وينتقل إلى رجله وهذا قول أصحاب الرأي واحتمل أن تقطع يمناه لأن له يدا ينتفع بها أشبه ما لو قطعت خنصرها وإن كانت يداه صحيحتين ورجله اليمنى شلاء أو مقطوعة فلا أعلم فيها قولا لأصحابنا ويحتمل وجهين أحدهما تقطع يمينه وهو مذهب الشافعي لأنه سارق له يمنى فقطعت عملا بالكتاب والسنة ولأنه سارق له يدان فتقطع يمناه كما لو كانت المقطوعة رجله اليسرى والثاني لا يقطع منه شيء وهو قول أصحاب الرأي لأن قطع يمناه يذهب بمنفعة المشي من الرجلين فأما إن كانت رجله اليسرى شلاء ويداه صحيحتان قطعت يده اليمنى لأنه لا يخشى تعدي ضرر القطع إلى غير المقطوع وعلى قياس هذه المسألة لو سرق ويده اليسرى مقطوعة أو شلاء لم يقطع منه شيء لذلك وأنكر هذا ابن المنذر وقال أصحاب الرأي بقولهم هذا خالفوا كتاب الله بغير حجة مسألة قال ( والحر والحرة والعبد والأمة في ذلك سواء ) أما الحر والحرة فلا خلاف فيهما وقد نص الله تعالى على الذكر والأنثى بقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38 ولأنهما استويا في سائر الحدود

Pertanyaan