Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Bagian V06/P036–V06/P037

فإن تركه الكل أثموا ومن أنفق عليه متبرعا فلا شيء له سواء كان الملتقط أو غيره وإن لم يتبرع بالإنفاق عليه فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع عليه إذا أيسر وكان ذلك بأمر الحاكم لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصدا بالمعروف بوهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وإن أنفق بغير أمر الحاكم محتسبا الرجوغ عليه فقال أحمد تؤدي النفقة من بيت المال وقال شريح والنخعي يرجع عليه بالنفقة إذا أشهد عليه وقال عمر بن عبد العزيز يحلف ما أنفق احتسابا فإن حلف استسعى وقال الشعبي ومالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي وابن المنذر هو متبرع به ولنا إنه أدى ما وجب على غيره فكان له الرجوع على من كان الوجوب عليه كالضامن إذا قضى عن المضمون عنه وقد ذكرنا حكم هذا الأصل في موضعه فصل فأما إن وجد مع اللقيط شيء فهو له وينفق عليه منه وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وذلك لأن الطفل يملك وله يد صحيحة بدليل أنه يرث ويورث ويصح أن يشتري له وليه ويبيع ومن له ملك صحيح فله يد صحيحة كالبالغ إذا ثبت هذا فكل ما كان متصلا به أو متعلقا بمنفعته فهو تحت يده ويثبت بذلك ملكا له في الظاهر فمن ذلك ما كان لابسا له أو مشدودا في ملبوسه أو في يديه أو مجعولا فيه كالسرير والسفط وما فيه من فرش أو دراهم والثياب التي تحته والتي عليه وإن كان مشدودا على دابة أو كانت مشدودة في ثيابه أو كان في خيمة أو في دار فهي له وأما المنفصل عنه فإن كان بعيدا منه فليس في يده وإن كان قريبا منه كثوب موضوع إلى جانبه فيه وجهان أحدهما ليس هو له لأنه منفصل عنه فهو كالعبيد والثاني هو له وهو أصح لأن الظاهر أنه ترك له فهو له بمنزلة ما هو تحته ولأن القريب من البالغ يكون في يده ألا ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه ويحكم بأنه في يده والحمال إذا جلس لاستراحة ترك حمله قريبا منه فأما المدفون تحته فقال ابن عقيل إن كان الحفر طريا فهو له وإلا فلا لأن الظاهر أنه إذا كان طريا فواضع اللقيط حفره وإذا لم يكن طريا كان مدفونا قبل وضعه وقيل ليس هو بحال لأنه بموضع لا يستحقه إذا لم يكن الحفر طريا فلم يكن له إذا كان طريا كالبعيد منه ولأن الظاهر أنه لو كان له لشدة واضعه في ثيابه ليعلم به ولم يتركه في مكان لا يطلع عليه وكلما حكمنا بأنه ليس له فحكمه حكم اللقطة وما هو له أنفق عليه منه فإن كان فيه كفايته لم تجب نفقته على أحد لأنه ذو مال فأشبه غيره من الناس إذا ثبت هذا فإن لملتقطه الإنفاق عليه بغير إذن الحاكم ذكره أبو عبدالله بن حامد لأنه ولي له فلم يعتبر فيه الإنفاق عليه في حقه إذن الحاكم كوصي اليتيم ولأن هذا من الأمر بالمعروف فاستوى فيه الإمام وغيره كتبديد الخمر وروى أبو الحارث عن أحمد في رجل أودع رجلا مالا وغاب وطالت غيبته وله ولد ولا نفقة له هل ينفق عليهم هذا المستودع من مال الغائب فقال تقوم امرأته إلى الحاكم حتى يأمره بالإنفاق عليهم فلم يجعل له الإنفاق عليهم من غير إذن الحاكم فقال بعض أصحابنا هذا مثله والصحيح أن هذا مخالف له من وجهين أحدهما أن الملتقط له ولاية على اللقيط وعلى ماله فإن له ولاية أخذه وحفظه

Bagian V06/P037–V06/P039

والثاني أنه ينفق على اللقيط من ماله وهذا بخلافه ولأن الإنفاق على الصبي من مال أبيه مشروط يكون الصبي محتاجا إلى ذلك لعدم ماله وعدم نفقة تركها أبوه برسمه وذلك لا يقبل فيه قول المودع فاحتيج إلى إثبات ذلك عند الحاكم ولا كذلك في مسألتنا فلا يلزم من وجوب استئذان الحاكم ثم وجوبه في اللقيط ومتى لم يجد حاكما فله الإنفاق بكل حال لأنه حال ضرورة وقال الشافعي ليس له أن ينفق بغير إذن الحاكم في موضع يجد حاكما وإن أنفق ضمن بمنزلة ما لو كان لأبي الصغير ودائع عند إنسان فأنفق عليه منه وذلك لأنه لا ولاية له على ماله وإنما له حق الحضانة وإن لم يجد حاكما ففي جواز الإنفاق وجهان ولنا ما ذكرناه ابتداء ولا نسلم أنه لا ولاية له على ماله فإنا قد بينا أن له أخذه وحفظه وهو أولى الناس به وذكرنا الفرق بين اللقيط وبين ما قاسوا عليه فإذا ثبت هذا فالمستحب أن يستأذن الحاكم في موضع يجد حاكما لأنه أبعد من التهمة وأقطع للظنة وفيه خروج به من الخلاف وحفظ لماله من أن يرجع عليه بما أنفق فإذا ثبت هذا فينبغي أن ينفق بالمعروف كما ذكرنا في ولي اليتيم فإذا بلغ اللقيط واختلفا في قدر نما أنفق وفي التفريط في الإنفاق فالقول قول المنفق لأنه أمين فكان القول قوله في ذلك كولي اليتيم مسألة قال ( وولاؤه لسائر المسلمين ) يعني ميراثه لهم فإن اللقيط حر الأصل ولا ولاء عليه وإنما يرثه الملسمون لأنهم خولوا كل مال لا مالك له ولأنهم يرثونه ماله من لا وارث له غير اللقيط فكذلك اللقيط وقول الخرقي وولاؤه لسائر المسلمين تجوز في اللفظ لاشتراك سائر المسلمين ومن له الولاء في أخذ الميراث وحيازته كله عند عدم الوارث هذا هو الظاهر وهو قول مالك والشافعي وأكثر أهل العلم و شريح وإسحاق عليه الولاء لملتقطه لما روى واثلة بن الأسقع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة تحوز ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وقال عمر لأبي جميلة في لقطته هو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق ولأنه لم يثبت عليه رق ولا على آبائه فلم يثبت عليه ولاء كالمعروف نسبه ولأنه إن كان ابن حرين فلا ولاء عليه وإن كان ابن معتقين فلا يكون عليه ولاء لغيره معتقهما وحديث واثلة لا يثبت ما قاله ابن المنذر وخبر عمر قال ابن المنذر أبو جميلة رجل مجهول لا تقوم بحديثه حجة ويحتمل أن عمر رضي الله عنه عنى بقوله لك ولاؤه أي لك ولايته القيام به وحفظه لذلك ذكره عقيب قول عريفه إنه رجل صالح وهذا يقتضي تفويض الولاية إليه لكونه مأمونا عليه دون الميراث إذا ثبت هذا فإن حكم اللقيط في الميراث حكم من عرف نسبه وانقرض أهله يدفع إلى بيت المال إذا لم يكن له وارث فإن كان له زوجة فلها الربع والباقي لبيت المال وإن كانت امرأة لها زوج فله النصف والباقي لبيت المال وإن كانت له بنت أو ذو رحم كبنت بنت أخذت جميع المال لأن الرد وذا الرحم مقدم على بيت المال والله أعلم مسألة قال ( وإن لم يكن من وجد اللقيط أمينا منع من السفر به ) وجملة ذلك أن الملتقط إن كان أمينا أقر اللقيط في يده لأن عمر رضي الله عنه أقر اللقيظ في يد أبي جميلة حين قال له عريفه إنه رجل صالح ولأنه سبق إليه فكان أولى به لقول النبي صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به وهل يجب الإشهاد عليه فيه وجهان أحدهما لا يجب كما لا يجب الإشهاد في اللقطة

Bagian V06/P039–V06/P040

والثاني يجب لأن القصد بالإشهاد حفظ النسب والحرية فاختص بوجوب الشهادة كالنكاح وفارق اللقطة فإن المقصود منها حفظ المال فلم يجب الإشهاد فيها كالبيع فأما إن كان غير أمين فظاهر كلام الخرقي أنه يقر في يديه ويمنع من السفر به لئلا يدعي رقه ويبيعه ويبنغي أن يجب الإشهاد عليه ويضم إليه من يشرف عليه لأننا إذا ضممنا إليه في اللقطة من يشرف عليه فها هنا أولى وقال القاضي المذهب أنه ينزع من يديه وهذا قول الشافعي لأنه ليس في حفظ اللقيط إلا الولاية ولا ولاية لفاسق وفارق اللقطة من أوجه أحدها أن في اللقطة معنى الكسب وليس ها هنا إلا الولاية والثاني أن اللقطة لو انتزعناها منه رددناها إليه بعد الحول فاحتطنا عليها مع بقائها في يديه وها هنا لا ترد إليه بعد الانتزاع منه بحال فكان الانتزاع أحوط والثالث أن المقصود ثم حفظ المال ويمكن الاحتياط عليه بأن يستظهر عليه في التعريف أو ينصب الحاكم من يعرفها وها هنا المقصود حفظ الحرية والنسب ولا سبيل إلى الاستظهار عليه لأنه قد يدعي رقه في بعض البلدان أو في بعض الزمان ولأن اللقطة إنما يحتاج إلى حفظها والاحتياط عليها عاما واحدا وهذا يحتاج إلى الاحتياط عليه في جميع زمانه وأما على ظاهر قول الخرقي فلا ينزع منه لأنه قد ثبتت له الولاية بالتقاطه إياه وسبقه إليه وأمكن حفظ اللقيط في يديه بالإشهاد عليه وضم أمين يشارفه إليه ويشيع أمره فيعرف أنه لقيط فينحفظ بذلك من غير زوال ولايته جمعا بين الحقين كما في اللقطة وكما لو كان الوصي خائنا وما ذكر من الترجيح للقطة فيمكن معارضته بأن اللقيط ظاهر مكشوف لا تخفى الخيانة فيه واللقطة مستورة خفية تتطرق إليها الخيانة ولا يعلم بها ولأن اللقطة يمكن أخذ بعضها وتنقيصها وإبدالها ولا يتمكن من ذلك في اللقيط ولأن المال محل الخيانة والنفوس إلى تناوله وأخذه داعية بخلاف النفوس فعلى هذا متى أراد الملتقط السفر باللقيط منه منه لأنه يبعده ممن عرف حاله فلا يؤمن أن يدعي رقه ويبيعه فصل وإذا التقط اللقيط من هو مستور الحال لم تعرف منه حقيقة العدالة ولا الخيانة أقر اللقيط في يديه لأن حكمه حكم العدل في لقطة المال والولاية في النكاح والشهادة فيه وفي أكثر الأحكام ولأن الأصل في المسلم العدالة ولذلك قال عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض فإن أراد السفر بلقطته ففيه وجهان أحدهما لا يقر في يديه وهذا مذهب الشافعي لأنه لم يتحقق أمانته فلم تؤمن الخيانة منه والثاني يقر في يديه لأنه يقر في يديه في الحضر من غير مشرف يضم إليه فأشبه العدل ولأن الظاهر الستر والصيانة فأما من عرفت عدالته وظهرت أمانته فيقر اللقيط في يده في سفره وحضره لأنه مأمون عليه إذا كان سفره لغير النقلة فصل فإن كان سفر الأمين باللقيط إلى مكان يقيم به نظرنا فإن كان التقطه من الحضر فأراد النقل به إلى البادية لم يقر في يده لوجهين أحدهما أن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه وأرفه له والثاني أنه إذا وجد في الحضر فالظاهر أنه ولد فيه فبقاؤه فيه أرجح لكشف نسبه وظهور أهله واعترافهم به فإن أراد النقلة به إلى بلد آخر من الحضر ففيه وجهان أحدهما لا يقر في يده ولأن بقاءه في بلده أرجى لكشف نسبه فلم يقر في يده المنتقل عنه قياسا على المنتقل به إلى البادية والثاني يقر في يده لأن ولايته ثابتة والبلد الثاني كالأول في الرفاهية فيقر في يده كما لو انتقل من أحد جانبي البلد إلى الجانب الآخر وفارق المنتقل به إلى البادية لأنه يضر به بتفويت الرفاهية عليه وإن التقطه من البادية فله نقله إلى الحضر لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى الرفاهية والدعة والدين وإن إقام به في حلة يستوطنها فله ذلك وإن كان ينتقل به إلى المواضع احتمل أن يقر في يديه لأن الظاهر أنه ابن بدويين

Bagian V06/P040–V06/P041

وإقراره في يدي ملتقطه أرجى لكشف نسبه ويحتمل أن يؤخذ منه فيدفع إلى صاحب قرية لأنه أرفه له وأخف عليه وكل موضع قلنا ينزع من ملتقطه فإنما يكون ذلك إذا وجد من يدفع إليه ممن هو أولى به فإن لم يوجد من يقوم به أقر في يدي ملتقطه لأن إقراره في يديه مع قصوره أولى من إهلاكه وإن لم يوجد إلا مثل ملتقطه فملتقطه أولى به إذ لا فائدة في نزعه من يده ودفعه إلى مثله فصل وليس للعبد التقاط الطفل المنبوذ إذا وجد من يلتقطه سواه لأن منافعه لسيده فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه ولأنه لا يثبت على اللقيط إلا الولاية ولا ولاية لعبد فإن التقطه لم يقر في يديه إلا أن يأذن له السيد فإن أذن له أقر في يديه لأنه استعان به في ذلك فصار كما لو التقطه بيديه وسلمه إليه قال ابن عقيل إن أذن له السيد لم يكن له الرجوع بعد ذلك وصار كما لو التقطه والحكم في الأمة كالحكم في المكاتب فأما إن لم يجد أحدا يلتقطه سواه وجب التقاطه لأنه تخليص له من الهلاك فأشبه تخليصه من الغرق والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة كالقن وكذلك المكاتب لأنه ليس له التبرع بماله ولا بمنافعه إلا أن يأذن له سيده في ذلك فصل وليس لكافر التقاط مسلم لأنه لا ولاية لكافر على مسلم ولأنه لا يؤمن أن يفتنه ويعلمه الكفر بل الظاهر أنه يربيه على دينه وينشأ على ذلك كولده فإن التقطه لم يقر في يده وإن كان الطفل محكوما بكفره فله التقاطه لأن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض فصل وإن التقطه اثنان وتناولاه تناولا واحدا لم يخل من ثلاثة أقسام أحدها أن يكون ممن يقر في يديه كالمسلم العدل الحر والآخر ممن لا يقر في يديه كالكافر إذا كان اللقيط مسلما والفاسق والعبد إذا لم يأذن له سيده والمكاتب فإنه يسلم إلى من يقر في يده وتكون مشاركة هؤلاء كعدمها لأنه لو التقطه وحده لم يقر في يده فإذا شاركه من هو من أهل الالتقاط أولى الثاني أن يكونا جميعا ممن لا يقر في يدي واحد منهما فإنه ينزع منهما ويسلم إلى غيرهما الثالث أن يكون كل واحد منهما ممن يقر في يده لو انفرد إلا أن أحدهما أحظ للقيط من الآخر مثل أن يكون أحدهما موسرا والآخر معسرا فالموسر أحق لأن ذلك أحظ للطفل وإن التقط مسلم وكافر طفلا محكوما بكفره فالمسلم أحق وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي هما سواء لأن للكافر ولاية على الكافر ويقر في يده إذا انفرد بالتقاطه فساوى المسلم في ذلك ولنا إن دفعه إلى المسلم أحظ له لأنه يصير مسلما فيسعد في الدنيا والآخرة وينجو من النار ويتخلص من الجزية والصغار فالترجيح بهذا أولى من الترجيح باليسار الذي إنما يتعلق به توسعة عليه في الإنفاق وقد يكون الموسر بخيلا فلا تحصل التوسعة فإن تعارض الترجيحان فكان المسلم فقيرا والكافر موسرا فالمسلم أولى لأن النفع الحاصل له بإسلامه أعظم من النفع الحاصل بيساره مع كفره وعلى قياس قولهم في تقديم الموسر ينبغي أن يقدم الجواد على البخيل لأن حظ الطفل عنده أكثر من الجهة التي يحصل له الحظ فيها باليسار وربما تخلق بأخلاقه وتعلم من جوده الرابع أن يتساويا في كونهما مسلمين عدلين حرين مقيمين فهما سواء فيه فإن رضي أحدهما بإسقاط حقه وتسليمه إلى صاحبه جاز لأن الحق له فلا يمنع من الإيثار به وإن تشاحا أقرع بينهما لقول الله تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم آل عمران 44 ولأنه لا يمكن كونه عندهما لأنه لا يمكن أن يكون عندهما في حالة واحدة وإن تهايآه فجعل عند كل واحد يوما أو أكثر من ذلك أضر بالطفل لأنه تختلف عليه الأغذية والأنس والألف ولا يمكن دفعه إلى أحدهما دون الآخر بغير قرعة لأن حقهما متساو

Bagian V06/P041–V06/P042

فتعين أحدهما بالتحكم لا يجوز فتعين الإقراع بينهما كما يقرع بين الشركاء في تعيين السهام في القسمة وبين النساء في البداية بالقسمة وبين العبيد في الإعتاق والرجل والمرأة سواء ولا ترجح المرأة ها هنا كما ترجح في حضانة ولدها على أبيه لأنها رجحت لشفقتها على ولدها وتوليها لحضانته بنفسها والأب يحضنه بأجنبية فكانت أمه أحظ له وأرفق به أما ها هنا فإنها أجنبية من اللقيط والرجل يحضنه بأجنبية فاستويا ومذهب الشافعي في هذا الفصل جميعه على ما ذكرنا فإن كان أحدهما مستور الحال والآخر ظاهر العدالة احتمل أن يرجح العدل لأن المانع من الالتقاط منتف في حقه بغير شك والأمر مشكوك فيه فيكون الحظ للطفل في تسليمه إليه أتم ويحتمل أن يتساويا لأن احتمال وجود المانع لا يؤثر في المنع فلا يؤثر في الترجيح فصل وإن رأياه جميعا فسبق أحدهما فأخذه أو وضع يده عليه فهو أحق به لقوله عليه السلام من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به وإن رآه أحدهما قبل صاحبه فسبق إلى أخذه الآخر فالسابق إلى أخذه أحق لأن الالتقاط هو الأخذ لا الرؤية ولو قال أحدهما لصاحبه ناولنيه فأخذه الآخر نظرنا إلى نيته فإن نوى أخذه لنفسه فهو أحق كما لو لم يأمره الآخر بمناولته إياه وإن نوى مناولته فهو للآمر لأنه فعل ذلك بنية النيابة عنه فأشبه ما لو توكل في تحصيل مباح فصل فإن اختلفا فقال كل واحد منهما أنا التقطه ولا بينة لأحدهما وكان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه أنه التقطه ذكر ذلك أبو الخطاب وهذا قول الشافعي وقال القاضي قياس المذهب أنه لا يحلف كما في الطلاق والنكاح ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه مسلم فإن كان في يديهما أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وسلم إليه وعلى قول القاضي لا تشرع اليمين ها هنا ويسلم إليه بمجرد وقوع القرعة له وإن لم يكن في يد واحد منهما فقال القاضي وأبو الخطاب يسلمه الحاكم إلى من يرى منهما أو من غيرهما لأنه حق لهما والأولى أن يقرع بينهما كما لو كان في أيديهما لأنهما تنازعا حقا في يد غيرهما فأشبه ما لو تنازعا وديعة عند غيرهما فإن وصفه أحدهما مثل أن يقول في ظهره شامة أو بجسده علامة وذكر شيئا في جسده مستورا فقال أبو الخطاب يقدم بالصفة وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي لا يقدم بالصفة كما لو وصف المدعي المدعى فإنه لا تقدم به دعواه ولنا إن هذا نوع من اللقطة فقدم بوصفها كلقطة المال ولأن ذلك يدل على قوة يده فكان مقدما بها وقياس اللقيط على اللقطة أولى من قياسه على غيرها لأن اللقيط لقطة أيضا وإن كان لأحدهما بينة قدم بها وإن كان لكل واحد منهما بينة قدم أسبقهما تاريخا لأن الثاني إنما أخذ ممن قد ثبت الحق فيه لغيره وإن استوى تاريخهما أو أطلقتا معا أو أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى فقد تعارضتا وهل يسقطان أو يستعملان فيه وجهان أحدهما يسقطان فيصيران كمن لا بينة لهما والثاني يستعملان ويقرع بينهما فيمن قرع صاحبه كان أولى وسنذكر ذلك في بابه إن شاء الله تعالى وإن كان اللقيط في يد أحدهما فهل تقدم بينته على بينة الآخر أو تقدم بينة الخارج فيه وجهان مبنيان على الروايتين في دعوى المال وإن كان أحد المتداعيين ممن لا تقر يده على اللقيط أقر في يد الآخر ولم يلتفت إلى دعوى من لا يقر في يده بحال مسألة قال ( وإن دعاه مسلم وكافر أري القافة فبأيهما ألحقوه لحق )

Bagian V06/P042–V06/P044

يعني إذا ادعى نسبه فلا تخلو دعوى نسب اللقيط من قسمين أحدهما أن يدعيه واحد ينفرد بدعواه فينظر فإن كان المدعي رجلا مسلما حرا لحق نسبه به غير خلاف بين أهل العلم إذا أمكن أن يكون منه لأن الإقرار محض نفع للطفل لاتصال نسبه ولا مضرة على غيره فيه فقبل كما لو أقر له بمال ثم إن كان المقر به ملتقطه أقر في يده وإن كان غيره فله أن ينتزعه من الملتقط لأنه قد ثبت أنه أبوه فيكون أحق بولده كما لو قامت به بينة وإن كان المدعي له عبدا لحق به أيضا لأن لمائه حرمة فلحق به نسبه كالحر وهذا قول الشافعي وغيره غير أنه لا تثبت له حضانة لأنه مشغول بخدمة سيده ولا تجب عليه نفقته لأنه لا مال له ولا على سيده لأن الطفل محكوم بحريته فتكون نفقته في بيت المال وإن كان المدعي ذميا لحق به لأنه أقوى من العبد في ثبوت الفراش فإنه يثبت له بالنكاح والوطء في الملك وقال أبو ثور لا يلحق به لأنه محكوم بإسلامه ولنا إنه أقر بنسب مجهول النسب يمكن أن يكون منه وليس في إقراره إضرار بغيره فيثت إقراره كالمسلم إذا ثبت هذا فإنه يلحق به من النسب لا في الدين ولا حق له في حضانته وقال الشافعي في أحد قوليه يتبعه في دينه لأن كل ما لحق به نسبه لحق به في دينه كالبينة إلا أنه يحال بينه وبينه ولنا إن هذا حكم بإسلامه فلا يقبل قول الذمي في كفره كما لو كان معروف النسب ولأنها دعوى تخالف الظاهر فلم تقبل بمجردها كدعوى الرق أما بمجرد النسب بدون اتباعه في الدين فمصلحة عارية عن الضرر فقبل قوله فيه ولا يجوز قبوله فيما هو أعظم الضرر والخزي في الدنيا والآخرة وإن كان المدعي امرأة فاختلف عن أحمد رحمه الله فروي أن دعوتها تقبل ويلحقها نسبه لأنها أحد الأبوين فثبت النسب بدعواها كالأب ولأنه يمكن أن يكون منها كما يكون ولد الرجل بل أكثر لأنها تأتي به من زوج ووطء بشبهة ويلحقها ولدها من الزنا دون الرجل ولأن في قصة داود وسليمان عليهما السلام حين تحاكم إليهما امرأتان كان لهما ابنان فذهب الذئب بأحدهما فادعت كل واحدة منهما أن الباقي ابنها وأن الذي أخذه الذئب ابن الأخرى فحكم به داود للكبرى وحكم به سليمان للأخرى بمجرد الدعوى منهما وهذا قول بعض أصحاب الشافعي فعلى هذه الرواية يلحق بها دون زوجها لأنه لا يجوز أن يلحقه نسب ولد لم يقر به وكذلك إذا ادعى الرجل نسبه لم يلحق بزوجته فإن قيل الرجل يمكن أن يكون له ولد من امرأة أخرى أو من أمته والمرأة لا يحل لها نكاح غير زوجها ولا يحل وطؤها لغيره قلنا يمكن أن تلد من وطء شبهة أو غيره وإن كان الولد يحتمل أن يكون موجودا قبل أن يتزوجها هذا الزوج أمكن أن يكون من زوج آخر فإن قيل إنما قبل الإقرار بالنسب من الزوج لما فيه من المصلحة بدفع العار عن الصبي وصيانته عن النسبة إلى كونه ولد زنا ولا يحصل هذا بإلحاق نسبه بالمرأة بل إلحاقها بها دون زوجها تطرق للعار إليه وإليها قلنا بل قبلنا دعواه لأنه يدعي حقا لا منازع له فيه ولا مضرة على أحد فيه فقبل قوله فيه كدعوى المال وهذا متحقق في دعوى المرأة والرواية الثانية أنها إن كان لها زوج لم يثبت النسب بدعواها لإفضائه إلى إلحاق النسب بزوجها بغير إقراره ولا رضاه أو إلى امرأته وطئت بزنا أو شبهة وفي ذلك ضرر عليه فلا يقبل قولها فيما يلحق الضرر به وإن لم يكن لها زوج قبلت دعواها لعدم هذا الضرر وهذا أيضا وجه لأصحاب الشافعي والرواية الثالثة نقلها الكوسج عن أحمد في امرأة ادعت ولدا إن كان لها إخوة او نسب معروف لا تصدق إلا ببينة

Bagian V06/P044–V06/P045

وإن لم يكن لها دافع لم يحل بينها وبينه لأنه إذا كان لها أهل ونسب معروف لم تخف ولادتها عليهم ويتضررون بإلحاق النسب بها لما فيه من تعييرهم بولادتها من غير زوجها وليس كذلك إذا لم يكن لها أهل ويحتمل أن لا يثبت النسب بدعواها بحال وهذا قول الثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن النسب لا يثبت بدعوى المرأة لأنها يمكنها إقامة البينة على الولادة فلا يقبل قولها بمجرده كما لو علق زوجها طلاقها بولادتها ولنا إنها أحد الوالدين فأشبهت الأب وإمكان البينة لا يمنع قبول القول كالرجل فإنه تمكنه البينة أن هذا ولد على فراشه وإن كان المدعي أمة فهي كالحرة إلا أننا إذا قبلنا دعواها في نسبه لم نقبل قولها في رقه لأننا لا نقبل الدعوى فيما يضره كما لم نقبل الدعوى في كفره إذا ادعى نسبه كافر القسم الثاني أن يدعي اثنان فصاعدا والكلام في ذلك في فصول أحدها أنه إذا ادعاه مسلم وكافر أو حر وعبد فهما سواء وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة المسلم أولى من الذمي والحد أولى من العبد لأن على اللقيط ضررا في إلحاقه بالعبد والذمي فكان إلحاقه بالحر المسلم أولى كما لو تنازعوا في الحضانة ولنا إن كل واحد لو انفرد صحت دعواه فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى كالأحرار المسلمين وما ذكروه من الضرر لا يتحقق فإننا لا نحكم برقه ولا كفره ولا يشبه النسب الحضانة بدليل أننا نقدم في الحضانة الموسر والحضري ولا نقدمهما في دعوى النسب قال ابن المنذر إذا كان عبد امرأته أمة في أيديهما صبي فادعى رجل من العرب امرأته عربية أنه ابنه من امرأته فأقام العبد بينة بدعواه أنه ابنه فهو ابنه في قول أبي ثور وغيره وقال أصحاب الرأي يقضى به للعربي الذي يدخل فيه وكذلك لو كان المدعى من الموالي عبدهم وقولهم هذا غير صحيح لأن العرب وغيرهم في أحكام الله ولحوق النسب بهم سواء الفصل الثاني أنه إذا ادعاه اثنان فكان لأحدهما به بينة فهو ابنه وإن أقامات بينتين تعارضتا وسقطتا ولا يمكن استعمالها ها هنا لأن استعمالهما في المال إما بقسمته بين المتداعيين ولا سبيل إليه ها هنا وإما بالإقراع بينهما والقرعة لا يثبت بها النسب فإن قيل فإنه ثبوته ها هنا يكون بالبينة لا بالقرعة وإنما القرعة مرجحة قلنا فيلزم أنه إذا اشترك رجلان في وطء امرأة فأنت بولد يقرع بينهما ويكون لحوقه بالوطء لا بالقرعة الفصل الثالث أنه إذا لم تكن به بينة أو تعارضت به بينتان وسقطتا فإنا نريه القافة معهما أو مع عصبتهما عند فقدهما فنلحقه بمن ألحقته به منهما وهذا قول أنس وعطاء ويزيد بن عبد الملك والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور وقال أصحاب الرأي لا حكم للقافة ويلحق بالمدعيين جميعا لأن الحكم بالقافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين فإن الشبه يوجد بين الأجانب وينفي بين الأقارب ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا أتاه فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاما أسود فقال هل لك من إبل قال نعم قال فما ألوانها قال حمر قال فهل فيها من أورق قال نعم قال أتى أتاها ذلك قال لعل عرقا نزع قال وهذا لعل عرقا نزع متفق عليه قالوا ولو كان الشبه كافيا لاكتفى به في ولد الملاعنة وفيما إذا أقر أحد الورثة بأخ فأنكره الباقون ولنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوما مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال ألم تري أن محرزا المدلجي نظر آنفا إلى زيد وإسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض متفق عليه

Bagian V06/P045–V06/P046

فلولا جواز الاعتماد على القافة لما سر به النبي صلى الله عليه وسلم ولا اعتمد عليه ولأن عمر رضي الله عنه قضى به بحضرة الصحابة فلم ينكره منكر فكان إجماعا ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ولد الملاعنة انظروها فإن جاءت به أحمش الساقين كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب عليها وإن جاءت به أكحل جعدا جماليا سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو للذي رميت به فأتت به على النعت المكروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا الأيمان لكان لي ولها شأن فقد حكم به النبي صلى الله عليه وسلم للذي أشبهه منهما وقوله لولا الأيمان لكان لي ولها شأن يدل على أنه لم يمنعه من العمل بالشبه إلا الأيمان فإذا انتفى المانع يجب العمل به لوجود مقتضيه وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن أمة زمعة حين رأى به شبها بينا بعتبة بن أبي وقاص احتجبي منه يا سودة فعمل بالشبه في خجب سودة عنه فإن قيل فالحديثان حجة عليكم إذ لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالشبه فيهما بل ألحق الولد بزمعة وقال لعبد بن زكعة هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر ولم يعمل بشبه ولد الملاعنة في إقامة الحد عليها لشبهه بالمقذوف قلنا إنما لم يعمل به في ابن أمة زمعة لأن الفراش أقوى وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منه لا يوجب الإعراض عنه إذا خلت عن المعارض وكذلك ترك إقامة الحد عليها من أجل أيمانها بدليل قوله لولا الأيمان لكان لي ولها شأن على أن ضعف الشبه عن إقامة الحد لا يوجب ضعفه عن إلحاق النسب فإن الحد في الزنا لا يثبت إلا بأقوى البينات وأكثرها عددا وأقوى الإقرار حتى يعتبر فيه تكراره أربع مرات ويدرأ بالشبهات والنسب يثبت بشهادة امرأة واحدة على الولادة ويثبت بمجرد الدعوى ويثبت مع ظهور انتفائه حتى لو أن امرأة أتت بولد وزوجها غائب عنها منذ عشرين سنة لحقه ولدها فكيف يحتج على نفيه بعدم إقامة الحد ولأنه حكم بظن غالب ورأي راجح ممن هو من أهل الخبرة فجاز كقول المقومين وقولهم إن الشبه يجوز وجوده وعدمه قلنا الظاهر وجوده ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت أم سلمة أو ترى ذلك المرأة قال فمن أين يكون الشبه والحديث الذي احتجوا به حجة عليهم لأن إنكار الرجل ولده لمخالفة لونه وعزمه على نفيه لذلك يدل على أن العادة خلافه وأن في طباع الناس إنكاره وأن ذلك إنما يوجد نادرا وإنما ألحقه النبي صلى الله عليه وسلم به لوجود الفراش وتجوز مخالفة الظاهر لدليل ولا يجوز تركه من غير ذلك ولأن ضعف الشبه عن نفي النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته فإن النسب يحتاط لإثباته ويثبت بأدنى دليل ويلزم من ذلك التشديد في نفيه وأنه لا ينتفى إلا بأقوى الأدلة كما أن الحد لما انتفى بالشبه لم يثبت إلا بأقوى دليل فلا يلزم حينئذ من المنع من نفيه بالشبه في الخبر المذكور أن لا يثبت به النسب في مسألتنا فإن قيل فها هنا إذا علمتم بالقيافة فقد نفيتم النسب عمن لم تلحقه القافة به قلنا إنما انتفى النسب ها هنا لعدم دليله لأنه لم يوجد إلا مجرد الدعوى وقد عارضها مثلها فسقط حكمها وكان الشبه مرجحا لأحدهما فانتفت دلالة أخرى فلزم انتفاء النسب لانتفاء دليله وتقديم اللعان لا يمنع العمل به عند عدمه كاليد تقدم عليها البينة ويعمل بها فصل والقافة قوم يعرفون الأنساب بالشبه ولا يختص بقبيلة معينة بل من عرف منه المعرفة بذلك وتكررت منه الإصابة فهو قائف وقيل أكثر ما يكون في بني مدلج رهط محرز المدلجي الذي رأى أسامة وأباه زيدا قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض وكان إياس بن معاوية المزني قائفا وكذلك قيل في شريح

Bagian V06/P046–V06/P047

ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون ذكرا عدلا مجريا في الإصابة حرا لأن قوله حكم والحكم تعتبر له هذه الشروط قال القاضي وتعتبر معرفة القائف بالتجربة وهو أن يترك الصبي مع عشرة من الرجال غير من يدعيه ويرى إياهم فإن ألحقه بواحد منهم سقط قوله لأنا تبينا خطأه وإن لم يلحقه بواحد منهم أريناه إياه مع عشرين فيهم مدعيه فإن ألحقه به لحق ولو اعتبر بأن يرى صبيا معروف النسب مع قوم فيهم أبوه أو أخوه فإذا ألحقه بقريبه علمت إصابته وإن ألحقه بغيره سقط قوله جاز وهذه التجربة عند عرضه على القائف للاحتياط في معرفة إصابته وإن لم نجربه في الحال بعد أن يكون مشهورا بالإصابة أو صحة المعرفة في مرات كثيرة جاز وقد روينا أن رجلا شريفا شك في ولد له من جاريته وأبى أن يستلحقه فمر به إياس بن معاوية في المكتب وهو لا يعرفه فقال ادع لي أباك فقال له المعلم ومن أبو هذا قال فلان قال من أين علمت أنه أبوه قال هو أشبه به من الغراب بالغراب فقام المعلم مسرورا إلى أبيه فأعلمه بقول إياس فخرج الرجل وسأل إياسا فقال من أين علمت أن هذا ولدي فقال سبحان الله وهل يخفى على أحد أنه أشبه بك من الغراب بالغراب فسر الرجل واستلحق ولده وهل يقبل قول واحد أو لا يقبل إلا قول اثنين فظاهر كلام أحمد أنه لا يقبل إلا قول اثنين فإن الأثرم روي عنه أنه قيل له إذا قال أحد القافة هو لهذا وقال الآخر هو لهذا قال لا يقبل واحد حتى يجتمع اثنان فيكونان شاهدين فإذا شهد اثنان من القافة أنه لهذا فهو لهذا لأنه قول يثبت به النسب فأشبه الشهادة وقال القاضي يقبل قول الواحد لأنه حكم ويقبل في الحكم قول واحد وحمل كلام أحمد على ما إذا تعارض قول القائفين فقال إذا خالف القائف غيره تعارضا وسقطا فإن قال اثنان قولا وخالفهما واحد فقولهما أولى لأنهما شاهدان فقولهما أقوى من قول واحد وإن عارض قول اثنين قول اثنين سقط قول الجميع وإن عارض قول الاثنين ثلاثة أو أكثر لم يرجح وسقط الجميع كما لو كانت إحدى البينتين اثنين والأخرى ثلاثة فأكثر فأما إن ألحقته القافة بواحد ثم جاءت قافة أخرى فألحقته بآخر كان لاحقا بالأول لأن القائف جرى مجرى حكم الحاكم ومتى حكم الحاكم حكما لم ينتقض بمخالفة غيره له وكذلك إن ألحقته بواحد ثم عادت فألحقته بغيره لذلك فإن أقام الآخر بينة أنه ولده حكم له به وسقط قول القائف لأنه بدل فيسقط وجود الأصل كالتيمم مع الماء فصل وإن ألحقته القافة بكافر أو رقيق لم يحكم بكفره ولا رقه لأن الحرية والإسلام ثبتا له بظاهر الدار فلا يزول ذلك بمجرد الشبه والظن كما لم يزل ذلك بمجرد الدعوى من المنفرد وإنما قبلنا قول القائف في النسب للحاجة إلى إثباته ولكونه غير مخالف للظاهر ولهذا اكتفينا فيه بمجرد الدعوى من المنفرد ولا حاجة إلى إثبات رقه وكفره وإثباتهما يخالف الظاهر ولو ادعى نسب اللقيط إنسان فألحق نسبه به لانفراده بالدعوى ثم جاء آخر فادعاه لم يزل نسبه عن الأول لأنه حكم له به فلا يزول بمجرد الدعوى فإن ألحقته به القافة لحق به وانقطع عن الأول لأنها بينة في إلحاق النسب ويزول بها الحكم الثابت بمجرد الدعوى كالشهادة فصل وإذا ادعاه اثنان فألحقته القافة بهما لحق بهما وكان ابنهما يرثهما ميراث ابن ويرثانه جميعا ميراث أب واحد وهذا يروى عن عمر وعلي رضي الله عنهما وهو قول أبي ثور

Bagian V06/P047–V06/P048

وقال أصحاب الرأي يلحق بهما بمجرد الدعوى وقال الشافعي لا يلحق بأكثر من واحدة فإذا ألحقته بهما سقط قولهما ولم يحكم لهما واحتج برواية عن عمر رضي الله عنه أن القافة قالت قد اشتركا فيه فقال عمر وال أيهما شئت ولأنه لا يتصور كونه من رجلين فإذا ألحقته القافة بهما تبينا كذبهما فسقط قولهما كما لو ألحقته بأمين ولأن المدعيين لو اتفقا على ذلك لم يثبت ولو ادعاه كل واحد منهما وأقام بينة سقطتا ولو جاز أن يلحق بهما لثبت باتفاقهما وألحق بهما عند تعارض بينتهما ولنا ما روى سعيد في سننه ثنا سفيان عن يحيى عن سعيد عن سليمان بن يسار عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال القائف قد اشتركا فيه جميعا فجعله بينهما وبإسناده عن الشعبي قال وعلي يقول هو ابنهما وهما أبواه يرثهما ويرثانه ورواه الزبير بن بكار بإسناده عن عمر وقال الإمام أحمد حديث قتادة عن سعيد عن عمر جعله بينهما وقابوس عن أبيه عن علي جعله بينهما وروى الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسب في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت فولدت غلاما يشبههما فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعا القافة فنظروا فقالوا نراه يشبههما فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه قال سعيد عصبته الباقي منهما وما ذكروه عن عمر لا نعلم صحته وإن صح فيحتمل أنه ترك قول القافة لأمر آخر إما لعدم ثقتهما وإما لأنه ظهر له من قولهما واختلافه ما يوجب تركه فلا ينحصر المانع من قبول قولهما في أنهما اشتركا فيه قال أحمد إذا ألحقته القافة بهما ورثهما وورثاه فإن مات أحدهما فهو للباقي منهما ونسبه من الأول قائم لا يزيله شيء ومعنى قوله هو للباقي منهما والله أعلم أنه يرثه ميراث أب كامل كما أن الجدة إذا انفردت أخذت ما يأخذه الجدات والزوجة تأخذ وحدها ما يأخذه جميع الزوجات فصل وإن ادعاه أكثر من اثنين فألحقته بهم القافة فنص أحمد في رواية منها أنه يلحق بثلاثة ومقتضى هذا أنه يلحق بمن ألحقته القافة وإن كثروا قال أبو عبدالله بن حامد لا يلحق بأكثر من اثنين وهو قول أبي يوسف لأنا صرنا إلى ذلك للأثر فيقتصر عليه وقال القاضي لا يلحق بأكثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن وروي ذلك عن أبي يوسف أيضا ولنا إن المعنى الذي لأجله لحق باثنين موجود فيما زاد عليه فيقاس عليه وإذا جاز أن يلحق من اثنين جاز أن يلحق من أكثر من ذلك وقولهم إن إلحاقه بالاثنين على خلاف الأصل ممنوع وإن سلمناه لكنه ثبت لمعنى موجود في غيره فيجب تعدية الحكم به كما أن إباحة أكل الميتة عند المخمصة أبيح على خلاف الأصل لا يمنع من أن يقاس على ذلك مال غيره والصيد الحرمي وغيرهما من المحرمات لوجود المعنى وهو إبقاء النفس وتخليصها من الهلاك وأما قول من قال إنه يجوز إلحاقه بثلاثة ولا يزاد على ذلك فتحكم فإنه لم يقتصر على المنصوص عليه ولا عدي الحكم إلى كل ما وجد فيه المعنى ولا نعلم في الثلاثة معنى خاصا يقتضي إلحاق النسب بهم فلم يجز الاقتصار عليه بالتحكم

Bagian V06/P048–V06/P049

فصل وإذا لم توجد قافة أو أشكل الأمر عليها أو تعارضت أقوالها أو وجد من لا يوثق بقوله لم يرجح أحدهما بذكر علامة في جسده لأن ذلك لا يرجح به في سائر الدعاوى سوى الالتقاط في المال واللقيط ويضيع نسبه هذا قول أبي بكر وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله في رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد إلى أن الابن يخير أيهما أحب وهو قول أبي عبدالله بن حامد قال يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من أحب منهما وهو قول الشافعي الجديد وقال في القديم حتى يميز لقول عمر وال أيهما شئت ولأن الإنسان يميل بطبعه إلى قريبه دون غيره ولأنه مجهول نسبه أقربه من هو من أهل الإقرار وصدقه المقر له فيثبت نسبه كما لو انفرد وقال أصحاب الرأي يلحق بالمدعيين بمجرد الدعوى لأن كل واحد منهما لو انفرد سمعت دعواه فإذا اجتمعا وأمكن العمل بهما وجب كما لو أقر له بمال ولنا إن دعواهما تعارضتا ولا حجة لواحد منهما فلم تثبت كما لو ادعيا رقه وقولهم يميل طبعه إلى قرابته قلنا إنما يميل إلى قرابته بعد معرفته بأنها قرابته فالمعرفة بذلك سبب الميل ولا سبب قبله ولو ثبت أنه يميل إلى قرابته لكنه قد يميل إلى من أحسن إليه فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وقد يميل إليه لإساءة الآخر إليه وقد يميل إلى أحسنهما خلقا أو أعظمهما قدرا أو جاها أو مالا فلا يبقى للميل أثر في الدلالة على النسب وقولهم إنه صدق المقر بنسبه قلنا لا يحل له تصديقه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه وهذا لا يعلم أنه أبوه فلا يأمن أن يكون ملعونا بتصديقه ويقارق ما إذا انفرد فإن المنفرد ثبت النسب بقوله من غير تصديق وأما قول عمر وآل من شئت فلم يثبت ولو ثبت لم يكن في حجة فإنه إنما أمره بالموالاة لا بالانتساب وعلى قول من جعل له الانتساب إلى أحدهما لو انتسب إلى أحدهما ثم عاد وانتسب إلى الآخر ونفى نسبه من الأول أو لم ينتسب إلى واحد لم يقبل منه لأنه قد ثبت نسبه فلا يقبل رجوعه عنه كما لو ادعى منفرد نسبه ثم أنكره ويفارق الصبي الذي يخير بين أبويه فيختار أحدهما ثم يرد الآخر إذا ختاره فإنه لا حكم لقول الصبي وإنما تبع اختياره وشهوته فأشبه ما لو اشتهى طعاما في يوم ثم اشتهى غيره في يوم آخر وإن قامت للآخر بنسبه بينة عمل بها وبطل انتسابه لأنها تبطل قول القافة الذي هو مقدم على الانتساب فلأن تبطل الانتساب أولى وإن وجدت قافة بعد انتسابه فألحقته بغير من انتسب إليه بطل أيضا لأنه أقوى فبطل به الانتساب كالبينة مع قول القافة فصل وإن ادعت امرأتان نسب ولد فذلك مبني على قبول دعوتهما فإن كانتا ممن لا تقبل دعوتهما لم تسمع دعوتهما وإن كانت إحداهما ممن تسمع دعوتهما دون الأخرى فهو ابن لها كالمنفردة به وإن كانتا جميعا ممن تسمع دعوتهما فهما في إثباته بالبينة أو كونه يرى القافة مع عدمها كالرجلين قال أحمد في رواية بكر بن محمد في يهودية ومسلمة ولدتا فادعت اليهودية ولد المسلمة فتوقف فقيل يرى القافة فقال ما أحسنه ولأن الشبه يوجد بينها وبين ابنها كوجوده بين الرجل وابنه بل أكثر لاختصاصهما بحمله وتغذيته والكافرة والمسلمة والحرة والأمة في الدعوى واحدة كما قلنا في الرجل وهذا قول أصحاب الشافعي على الوجه الذي يقولون فيه بقبول دعوتهما وإن ألحقته القافة بأمين لم يلحق بهما وبطل قول القافة لأننا نعلم خطأه يقينا وقال أصحاب الرأي يلحق بهما بمجرد الدعوى لأن الأم أحد الأبوين فجاز أن يلحق باثنين كالآباء

Bagian V06/P049–V06/P051

ولنا إن كونه منهما محال يقينا فلم يجز الحكم به كما لو كان أكبر منهما أو مثلهما وفارق الين فإن كونه منهما ممكن فإنه يجوز اجتماع النطفتين لرجلين في رحم امرأة فيمكن أن يخلق منهما ولد كما يخلق من نطفة الرجل والمرأة ولذلك قال القائف لعمر قد اشتركا فيه ولا يلزم من إلحاقه بمن يتصور كونه منه إلحاقه بمن يستحيل كونه منه كما لم يلزم من إلحاقه بمن يولد مثله لمثله إلحاقه بأصغر منه فصل فإن ادعى نسبه رجل وامرأة فلا تنافي بينهما لأنه يمكن أن يكون منهما بنكاح كان بينهما أو وطء شبهة فيلحق بهما جميعا ويكون ابنهما بمجرد دعواهما كما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوى وإن قال الرجل هذا ابني من زوجتي وادعت زوجته ذلك وادعته امرأة أخرى فهو ابن الرجل وهل ترجح زوجته على الأخرى يحتمل وجهين أحدهما ترجح لأن زوجها أبوه فالظاهر أنها أمه ويحتمل أن يتساويا لأن كل واحدة منهما لو انفردت لألحق بها فإذا اجتمعتا تساوتا فصل وإن ولدت امرأتان ابنا وبنتا فادعت كل واحدة منهما أن الابن ولدها دون البنت احتمل وجهين أحدهما أن ترى المرأتين القافة مع الولدين فيلحق كل واحد منهما بمن ألحقته به كما لو لم يكن لهما ولد آخر والثاني أن نعرض لبنيهما على أهل الطب والمعرفة فإن لبن الذكر يخالف لبن الأنثى في طبعه وزنته وقد قيل لبن الابن ثقيل ولبن البنت خفيف بطباعهما ووزنهما وما يختلفان به عند أهل المعرفة فمن كان لبنها لبن الابن فهو ولدها والبنت الأخرى فإن لم يوجد قافة اعتبرنا اللبن خاصة وإن تنازعا أحد الولدين وهما جميعا ذكران أو أنثيان عرضوا على القافة كما ذكرنا فيما تقدم فصل ولو ادعى اللقيط رجلان فقال أحدهما هو ابني وقال الآخر هو ابنتي نظرنا فإن كان ابنا فهو لمدعيه وإن كانت بنتا فهي لمدعيها لأن كل واحد منهما لا يستحق غير ما ادعاه وإن كانت خنثى مشكلا أري القافة معهما لأنه ليس قول واحد منهما أولى من الآخر وإن أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه فالحكم فيهما كالحكم فيما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوى لأن بينة الكاذب منهما كاذبة وجودها كعدمها والأخرى صادقة فيتعين الحكم بها فصل وإذا وطىء رجلان امرأة في طهر واحد وطأ يلحق النسب بمثله فأتت بولد يمكن أن يكون منهما مثل أن يطأ جارية مشتركة بينهما في طهر أو يطأ رجل امرأة آخر أو أمته بشبهة في الطهر الذي وطئها زوجها أو سيدها فيه بأن يجدها على فراشه فيظنها زوجته أو أمته أو يدعو زوجته في ظلمة فتجيبه زوجة آخر أو جاريته أو يتزوجها كل واحد منهما تزويجا فاسدا أو يكون نكاح أحدهما صحيحا والآخر فاسدا مثل أن يطلق رجل امرأته فنكحها آخر في عدتها ووطئها أو يبيع جارية فيطؤها المشتري قبل استبرئها وتأتي بولد يمكن أن يكون منهما فإنه يرى القافة معهما فبأيهما ألحقوه لحق والخلاف فيه كالخلاف في اللقيط فصل وإذا ادعى رق اللقيط مدع سمعت دعواه لأنها ممكنة وإن كانت مخالفة لظاهر الدار فإن لم تكن له بينة فلا شيء له لأنها دعوى تخالف الظاهر وتخالف دعوى النسب من وجهين أحدهما أن دعوى النسب لا تخالف الظاهر ودعوى الرق مخالفة له فصل والثاني أن دعوى النسب نثبت بها حقا للقيط ودعوى الرق نثبت حقا عليه فلم تقبل بمجردها كما لو ادعى رق غير اللقيط فإذا لم تكن له بينة سقطت الدعوى وإن كانت له بينة لم تخل إما أن تشهد باليد أو بالملك أو بالولادة فإن شهدت بالملك أو باليد لم تقبل فيه إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين وإن شهدت بالولادة قبل فيه امرأة واحدة أو رجل واحد لأنه مما لا يطلع عليه الرجال ثم ننظر فإن شهدت البينة باليد فإن كانت للملتقط لم يثبت به ملك لأننا عرفنا سبب يده فإن كانت لأجنبي حكم له باليد والقول قوله مع يمينه في الملك

Bagian V06/P051–V06/P052

وإن شهدت بالملك فقالت نشهد أن عبده أو مملوكه حكم بها وإن لم تذكر سبب الملك كما لو شهدت بملك دار أو ثوب فإن شهدت بأن أمته ولدته في ملكه حكم له به لأن أمته لا تلد في ملكه إلا ملكه وإن شهدت أنه ابن أمته أو أن أمته ولدته ولم تقل في ملكه احتمل أن يثبت له الملك بذلك كقولها في ملكه لأن أمته ملكه فنماؤها ملكه كسمنها واحتمل أن لا يثبت الملك لأنه يجوز أن تلده قبل ملكه لها فلا تكون له وهو ابن أمته فصل وإن ادعى رق اللقيط بعد بلوغه مدع كلف إجابته فإن أنكر ولا بينة للمدعى لم تقبل دعواه وإن كانت له بينة حكم له بها فإن كان اللقيط قد تصرف قبل ذلك ببيع أو شراء نقضت تصرفاته لأنه بان أنه تصرف بغير إذن سيده وإن لم تكن بينة فأقر الرق نظرنا فإن كان اعترف لنفسه بالحرية قبل ذلك لم يقبل إقراره بالرق لأنه اعترف بالحرية وهو حق لله تعالى فلا يقبل رجوعه في إبطاله وإن لم يكن اعترف بالحرية احتمل وجهين أحدهما يقبل وهو قول أصحاب الرأي لأنه مجهول الحال أقر بالرق فيقبل كما لو قدم رجلان من دار الحرب فأقر أحدهما للآخر بالرق كما لو أقر بقصاص أو حد فإنه يقبل وإن تضمن ذلك فوات نفسه ويحتمل أن لا يقبل وهو الصحيح لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها فلم يصح كما لو أقر قبل ذلك بالحرية ولأنه محكوم بحريته فلم يقبل إقراره بالرق كما ذكرنا ولأن الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه ولا حريتها ولم يتجدد له حال يعرف به رق نفسه لأنه في تلك الحال ممن لا يعقل ولم يتجدد له رق بعد التقاطه فكان إقراره باطلا وهذا قول القاسم وابن المنذر وللشافعي وجهان كما ذكرنا فإن قلنا يقبل إقراره صارت أحكامه أحكام العبيد فيما عليه دون ماله وبهذا قال أبو حنيفة والمزني وهو أحد قولي الشافعي لأنه أقر بما يوجب حقا له فوجب أن يثبت ما عليه دون ما له كما لو قال لفلان علي ألف درهم ولي عنده رهن ويحتمل أن يقبل إقراره في الجميع وهو القول الثاني للشافعي لأنه ثبت ما عليه فيثبت ما له كالبينة ولأن هذه الأحكام تبع للرق فإذا ثبت الأصل بقول ثبت التبع كما لو شهدت امرأة بالولادة تثبت ويثبت النسب تبعا لها وأما إن أقر بالرق ابتداء لرجل فصدقه فهو كما لو أقر به جوابا وإن كذبه بطل إقراره ثم إن أقر به بعد ذلك لرجل آخر جاز وقال بعض أصحابنا يتوجه أن لا يسمع إقراره الثاني لأن إقراره الأول تضمن الاعتراف بنفي مالك له سوى هذا المقر فإذا بطل إقراره برد المقر له بقي الاعتراف بنفي مالك له غيره فلم يقبل إقراره بما نفاه كما لو أقر بالحرية ثم أقر بعد ذلك بالرق ولنا إنه إقرار لم يقبله المقر له فلم يمنع إقراره ثانيا كما لو أقر له بثوب ثم أقر به لآخر بعد رد الأول وفارق الإقرار بالحرية فإن إقراره بها لم يبطل ولم يرد فصل إذا قبلنا إقراره بالرق بعد نكاحه لم يخل من أن يكون ذكرا أو أنثى

Bagian V06/P052–V06/P053

فإن كان ذكرا فإن كان قبل الدخول فسد نكاحه في حقه لأنه مقر أنه عبد تزوج بغير إذن سيده ولها عليه نصف المهر لأنه حق عليه فلم يسقط بقوله وإن كان بعد الدخول فسد نكاحه أيضا ولها عليه المهر جميعه لما ذكرنا لأن الزوج يملك الطلاق فإذا أقر بما يوجب الفرقة لزمته وولده حر تابع لأمه وإن كان في يده كسب استوفى المهر منه لأنه لم يثبت إقراره به لسيده بالنسبة إلى امرأته فلا ينقطع حقها منه بإقراره وإن قلنا يقبل قوله في جميع الأحكام فالنكاح فاسد لكونه تزوج بغير إذن سيده ويفرق بينهما ولا مهر لها عليه إن لم تكن مدخولا بها وإن كان دخل بها فلها عليه المهر المسمى جميعه في إحدى الروايتين والأخرى خمساه وإن كان اللقيط أنثى فالنكاح صحيح في حقه وإن كان قبل الدخول فلا مهر لها لإقرارها بفساد نكاحها وأنها أمة تزوجت بغير إذن سيدها والنكاح الفاسد لا يجب المهر فيه إلا بالدخول وإن كان دخل بها لم يسقط مهرها ولسيدها الأقل من المسمى أو مهر المثل لأن المسمى إن كان أقل فالزوج ينكر وجوب الزيادة عليه وقولها غير مقبول في حقه وإن كان الأقل مهر المثل فهي وسيدها يقران بفساد النكاح وأن الواجب مهر المثل فلا يجب أكثر منه إلا على الرواية التي يجب فيها المسمى في النكاح الفاسد فيجب ها هنا المسمى قل أو كثر لاعتراف الزوج بوجوبه وأما الأولاد فأحرار ولا تجب قيمتهم لأنه لو وجب لوجب بقولها ولا يجب بقولها حق على غيرها ولا يثبت الرق في حق أولادها بإقرارها فأما بقاء النكاح فيقال للزوج قد ثبت أنها أمة ولدها رقيق لسيدها فإن اخترت المقام على ذلك فأقم وإن شئت ففارقها وسواء كان ممن يجوز له نكاح الإماء أو لم يكن لأننا لو اعتبرنا ذلك وأفسدنا نكاحه لكان إفسادا للعقد جميعه بقولها لأنه شروط نكاح الأمة لا تعتبر في استدامة العقد إنما تعتبر في ابتدائه فإن قيل فقد قبلتم قولها في أنها أمة في المستقبل وفيه ضرر على الزوج قلنا لم يقبل قولها في إيجاب حق لم يدخل في العقد عليه فأما الحكم في المستقبل فيمكن إيفاء حقه وحق من ثبت له الرق عليها بأن يطلقها فلا يلزمه ما لم يدخل عليه أو يقم على نكاحها فلا يسقط حق سيدها فإن طلقها اعتدت عدة الحرة لأن عدة الطلاق حق للزوج بدليل أنها لا تجب إلا بالدخول وسببها النكاح السابق فلا يقبل قولها في تنقيصها وإن مات اعتدت عدة الأمة لأن المغلب فيها حق الله تعالى بدليل وجوبها قبل الدخول فقبل قولها فيها ومن قال بقبول قولها في جميع الأحكام فهذه أمة قد تزوجت بغير إذن سيدها فنكاحها فاسد ويفرق بينهما وإن كان قبل الدخول فلا مهر لها وإن كان دخل بها وجب لها مهر أمة نكحت بغير إذن سيدها على ما ذكر في موضعه وهل ذلك مهر المثل أو المسمى فيه روايتان وتعتد حيضتين لأنه وطء في نكاح فاسد وأولاده أحرار لاعتقاده حريتها فإنه مغرور بحريتها وعليه قيمتهم يوم الوضع وإن مات عنها لم تجب عدة الوفاة فصل وإن كان قد تصرف ببيع أو شراء فتصرفه صحيح وما عليه من الحقوق والأثمان يؤدي مما في يديه وما فضل عليه ففي ذمته لأن معامله لا يعترف برقه ومن قال بقبول إقراره في جميع الأحكام قال بفساد عقوده كلها وأوجب رد الأعيان إلى أربابها إن كانت باقية وإن كانت تالفة وجبت قيمتها في رقبته إن قلنا إنما استدان العبد بغير إذن سيده فهو في رقبته وإن قلنا بأن استدانة العبد في ذمته فهذا كذلك ويتبع به بعد العتق لأنه ثبت رضى صاحبه فصل وإن كان قد جنى جناية موجبة للقصاص فعليه القود حرا كان المحني عليه أو عبدا لأن إقراره بالرق يقتضي وجوب القود عليه فيما إذا كان المجني عليه عبدا أو حرا فقبل إقراره فيه وإن كانت الجناية خطأ تعلق أرشها برقبته لأن ذلك مضر به

Bagian V06/P053–V06/P054

فإن كان أرشها أكثر من قيمته وكان في يده مال استوفى منه وإن كان مما تحمله العاقلة لم يقبل قوله في إسقاط الزيادة لأن ذلك يضر بالمجني عليه فلا يقبل قوله فيه وقيل تجب الزيادة في بيت المال لأن ذلك كان واجبا للمجني عليه فلا يقبل قوله في إسقاطه وإن جنى عليها جناية موجبة للقود وكان الجاني حرا سقط لأن الحر لا يقاد منه للعبد وقد أقر المجني عليه بما يسقط القصاص وإن كانت موجبة لمال يقل بالرق وجب أقل الأمرين وإن كان مساويا للواجب قبل الإقرار وجب ويدفع الواجب إلى سيده وإن كان الواجب يكثر لكون قيمته عبدا أكثر من ديته حرا لم يجب إلا أرش الجناية على الحر ومن قبل قوله في الأحكام كلها أوجب أرش الجناية على العبد وإن كان الأرش تحمله العاقلة إذا كان حرا سقط عن العاقلة ولم يجب على الجاني لأن إقراره بالرق يتضمن إقراره بالسقوط عن العاقلة ولم يقبل في إيجابه على الجاني فسقط وقيل لا يتحول عن العاقلة ومن قال لا يقبل إقراره في الأحكام كلها أوجب الأرش على الجاني كتاب الوصايا الوصايا جمع وصية مثل العطايا جمع عطية والوصية بالمال هي التبرع به بعد الموت والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله سبحانه وتعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية البقرة 180 وقال الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء 11 وأما السنة فروى سعد بن أبي وقاص قال جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله فقد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي قال لا قلت فبالشطر يا رسول الله قال لا قلت فبالثلث قال الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده متفق عليهما وروى أبو أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث رواه سعيد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن علي رضي الله عنه قال إنكم تقرؤون هذه الآية من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء 11 وإن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الدين قبل الوصية ورواه الترمذي وأجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية فصل ولا تجب الوصية إلا على من عليه دين أو عنده وديعة أو عليه واجب يوصي بالخروج منه فإن الله تعالى فرض أداء الأمانات وطريقه في هذا الباب الوصية فتكون مفروضة عليه فأما الوصية بجزء من ماله فليست بواجبة على أحد في قول الجمهور وبذلك قال الشعبي والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم وقال ابن عبد البر أجمعوا على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه حقوق بغير بينة وأمانة بغير إشهاد إلا طائفة شذت فأوجبتها روي عن الزهري أنه قال جعل الله الوصية حقا مما قل أو كثر وقيل لأبي مجلز على كل ميت وصية قال إن ترك خيرا وقال أبو بكر عبد العزيز هي واجبة للأقربين الذين لا يرثون وهو قول داود وحكي ذلك عن مسروق وطاوس وإياس وقتادة وابن جرير واحتجوا بالآية وخبر ابن عمر وقالوا نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين وبقيت فيمن لا يرث من الأقربين

Bagian V06/P054–V06/P055

ولنا أن أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنهم وصية ولم ينقل لذلك نكير ولو كانت واجبة لم يخلوا بذلك ولنقل عنهم نقلا ظاهرا ولأنها عطية لا تجب في الحياة فلا تجب بعد الموت كعطية الأجانب فأما الآية فقال ابن عباس نسخها قوله سبحانه للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون النساء 7 وقال ابن عمر نسختها آية الميراث وبه قال عكرمة ومجاهد ومالك والشافعي وذهب طائفة ممن يرى نسخ القرآن بالسنة إلى أنها نسخت بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وحديث ابن عمر محمول على من عليه واجب أو عنده وديعة فصل وتستحب الوصية بجزء من الماء لمن ترك خيرا لأن الله تعالى قال كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية البقرة 180 فنسخ الوجوب وبقي الاستحباب في حق من لا يرث وقد روي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن آدم جعلت لك نصيبا من مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك وأزكيك وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم رواهما ابن ماجه وقال الشعبي من أوصى بوصية فلم يجر ولم يحف كان له من الأجر مثل ما لو أعطاها وهو صحيح وأما الفقير الذي له ورثة محتاجون فلا يستحب له أن يوصي لأن الله قال في الوصية إن ترك خيرا البقرة 180 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وقال ابدأ بنفسك ثم بمن تعول وقال علي رضي الله عنه لرجل أراد أن يوصي إنك لن تدع طائلا إنما تركت شيئا يسيرا فدعه لورثتك وعنه أربعمائة دينار ليس فيها فضل عن الورثة وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال لها لي ثلاثة آلاف درهم وأربعة أولاد أفأوصي فقالت اجعل الثلاثة للأربعة وعن ابن عباس قال من ترك سبعمائة درهم ليس عليه وصية وقال عروة دخل على علي صديق له يعوده فقال الرجل إني أريد أن أوصي فقال له إن الله تعالى يقول إن ترك خيرا وإنك إنما تدع شيئا يسيرا فدعه لورثتك واختلف أهل العلم في القدر الذي لا يستحب له لمالكه فروي عن أحمد إذا ترك دون الألف لا تستحب الوصية وعن علي أربعمائة دينار وقال ابن عباس إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي وقال من ترك ستين دينارا ما ترك خيرا وقال طاوس الخير ثمانون دينارا وقال النخعي ألف وخمسمائة وقال أبو حنيفة القليل أن يصيب أقل الورثة منها خمسون درهما والذي يقوى عندي أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة فلا تستحب الوصية لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل المنع من الوصية بقوله أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبي فمتى لم يبلغ الميراث غناهم كان تركه لهم كعطيتهم إياه فيكون ذلك أفضل من الوصية به لغيرهم فعند هذا يختلف الحال باختلاف الورثة في كثرتهم وقلتهم وغناهم وحاجتهم فلا يتقيد بقدر من المال والله أعلم وقد قال الشعبي ما من مال أعظم أجرا من مال يتركه الرجل لولده يغنيهم به عن الناس

Bagian V06/P055–V06/P057

فصل والأولى أن لا يستوعب الثلث بالوصية وإن كان غنيا لقول النبي صلى الله عليه وسلم والثلث كثير قال ابن عباس لو أن الناس غضوا من الثلث فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال الثلث كثير متفق عليه وقال القاضي وأبو الخطاب إن كان غنيا استحب الوصية بالثلث ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد والثلث كثير مع إخباره إياه بكثرة ماله وقلة عياله فإنه قال في الحديث إن لي مالا كثيرا ولا يرثني إلا ابنتي وروى سعيد ثنا خالد بن عبد الله ثنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد بن مالك قال مرضت مرضا فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي أوصيت فقلت فقلت نعم أوصيت بمالي كله للفقراء وفي سبيل الله فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أوص بالعشر يا رسول الله إن مالي كثير وورثتي أغنياء فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناقصني وأناقصه حتى قال أوص بالثلث والثلث كثير وقال أبو عبد الرحمن لمن يكن أحد منا يبلغ في وصيته الثلث حتى ينقص منه شيئا لقول النبي صلى الله عليه وسلم الثلث والثلث كثير إذا ثبت هذا فالأفضل للغني الوصية بالخمس ونحو هذا يروى عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وهو ظاهر قول السلف وعلماء أهل البصرة ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه جاءه شيخ فقال يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير ومالي كثير ويرثني أعراب موالي كلالة منزوح نسبهم أفأوصي بمالي كله قال لا قال فلم يزل يحط حتى بلغ العشر وقال إسحاق السنة الربع إلا أن يكون رجلا يعرف في ماله حرمة شبهات أو غيرها فله استيعاب الثلث ولنا إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أوصى بالخمس وقال رضيت بما رضي الله به لنفسه يعني قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 وروي أن أبا بكر وعليا رضي الله عنهما أوصيا بالخمس وعن علي رضي الله عنه أنه قال لأن أوصي بالخمس أحب إلي من الربع وعن إبراهيم قال كانوا يقولون صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع وعن الشعبي قال كان الخمس أحب إليهم من الثلث فهو منتهى الجامح وعن العلاء بن زياد قال أوصى أبي أن أسأل العلماء أي الوصية أعدل فما تتابعوا عليه فهو وصيته فتتابعوا على الخمس فصل والأفضل أن يجعل وصيته لأقاربه الذين لا يرثون إذا كانوا فقراء في قول عامة أهل العلم قال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء علمت في ذلك إذا كانوا ذوي حاجة وذلك لأن الله تعالى كتب الوصية للوالدين والأقربين فخرج منه الوارثون بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وبقي سائر الأقارب لهم وأقل ذلك الاستحباب وقد قال الله تعالى وآت ذا القربى حقه الإسراء 26 وقال تعالى وآتى المال على حبه ذوي القربى البقرة 177 فبدأ بهم ولأن الصدقة عليهم في الحياة أفضل فكذلك بعد الموت فإن أوصى لغيرهم وتركهم صحت وصيته في قول أكثر أهل العلم منهم سالم وسليمان بن يسار وعطاء ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وحكي عن طاوس والضحاك وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا ينزع عنهم ويرد إلى قرابته وعن سعيد بن المسيب والحسن وجابر بن زيد للذي أوصى له ثلث الثلث والباقي يرد إلى قرابة الموصي لأنه لو أوصى بماله كله لجاز منه الثلث والباقي رد على الورثة وأقاربه الذين لا يرثونه في استحقاق الوصية كالورثة في استحقاق المال كله ولنا ما روى عمران بن حصين أن رجلا أعتق في مرضه ستة أعبد لم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة فأجاز العتق في ثلثه لغير قرابته ولأنها عطية فجازت لغير قرابته كالعطية في الحياة مسألة قال ( ولا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة ذلك )

Bagian V06/P057–V06/P058

وجملة ذلك أن الإنسان إذا وصى لوارثه بوصية فلم يجزها سائر الورثة لم تصح بغير خلاف بين العلماء قال ابن المنذر وابن عبد البر أجمع أهل العلم على هذا وجاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فروى أبو أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي ولأن النبي صلى الله عليه وسلم منع من عطية بعض ولده وتفضيل بعضهم على بعض في حال الصحة وقوة الملك وإمكان تلافي العدل بينهم بإعطاء الذي لم يعطه فيما بعد ذلك لما فيه من إيقاع العداوة والحسد بينهم ففي حال موته أو مرضه وضعف ملكه وتعلق الحقوق به وتعذر تلافي العدل بينهم أولى وأحرى وإن أجازها جازت في قول الجمهور من العلماء وقال بعض أصحابنا الوصية باطلة وإن أجازها سائر الورثة إلا أن يعطوه عطية مبتدأة أخذا من ظاهر قول أحمد في رواية حنبل لا وصية لوارث وهذا قول المزني وأهل الظاهر وهو قول للشافعي واحتجوا بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وظاهر مذهب أحمد والشافعي أن الوصية صحيحة في نفسها وهو قول جمهور العلماء لأنه تصرف صدر من أهله في محله فصح كما لو وصى لأجنبي والخبر قد روي فيه إلا أن يجيز الورثة والاستثناء من النفي إثبات فيكون ذلك دليلا من صحة الوصية عند الإجازة ولو خلا من الاستثناء كان معناه لا وصية نافذة أو لازمة أو ما أشبه هذا أو يقدر فيه لا وصية لوارث عند عدم الإجازة من غيره من الورثة وفائدة الخلاف أن الوصية إذا كانت صحيحة فإجازة الورثة تنفيذ وإجازة محضة يكفي فيها قول الوارث أجزت أو أمضيت أو نفذت فإذا قال ذلك لزمت الوصية وإن كانت باطلة كانت الإجازة هبة مبتدأة تفتقر إلى شروط الهبة من اللفظ والقبول والقبض كالهبة المبتدأة ولو رجع المجيز قبل القبض فما يعتبر فيه القبض صح رجوعه فصل وإن أسقط عن وارثه دينا أو أوصى بقضاء دينه أو أسقطت المرأة صداقها عن زوجها أو عفا عن جناية موجبها المال فهو كالوصية وإن عفا عن القصاص وقلنا الواجب القصاص عينا سقط إلى غير بدل وإن قلنا الواجب أحد شيئين سقط القصاص ووجب المال وإن عفا عن حد القذف سقط مطلقا وإن وصى لغريم وارثه صحت الوصية وكذلك إن وهب له وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وقال أبو يوسف هو وصية للوارث لأن الوارث ينتفع بهذه الوصية وتستوفى ديونه منها ولنا إنه وصى لأجنبي فصح كما لو وصى لمن عادته الإحسان إلى وارثه وإن وصى لولد وارثه صح فإن كان يقصد بذلك نفع الوارث لم يجز فيما بينه وبين الله تعالى قال طاوس في قوله عز وجل فمن خاف من موص جنفا أو إثما البقرة 182 قال أن يوصي لولد ابنته وهو يريد ابنته رواه سعيد قال ابن عباس الجنف في الوصية والإضرار فيها من الكبائر فصل وإن وصى لكل وارث بمعين من ماله بقدر نصيبه كرجل خلف ابنا وبنتا وعبدا قيمته مائة وجارية قيمتها خمسون فوصى لابنه بعبده ولابنته بأمته احتمل أن تصح الوصية لأن حق الوارث في القدر لا في العين بدليل ما لو عاوض المريض بعض ورثته أو أجنبيا بجميع ماله صح إذا كان ذلك بثمن المثل وإن تضمن فوات عين المال واحتمل أن تقف على الإجازة لأن في الأعيان غرضا صحيحا وكما لا يجوز إبطال حق الوارث في قدر حقه لا يجوز من عينه

Bagian V06/P058–V06/P059

فصل وإذا ملك المريض من يعتق عليه بغير عوض عتق وورث وبهذا قال مالك وبعض أصحاب الشافعي وحكاه الخبري مذهبا للشافعي ولا خلاف بين هؤلاء في أنه إذا ملكه بالميراث أنه يعتق ويرث وقال أبو حنيفة إن حمله لاثلث عتق وورث وإلا سعى فيما بقي عليه ولم يرث ولم يفرق بين أن يملكه بعوض أو غيره وقال أبو يوسف ومحمد يحتسب ميراثهم من قيمتهم فإن فضل شيء أخذه وإن فضل عليهم شيء سعوا فيه ولنا إن المريض لم يضع فيهم شيئا من ماله وإنما تعاطى سبب ملكهم على وجه لم يستقر وزال بغير إزالته فلم يحتسب عليه من ثلثه كما لو اتهب شيئا فرجع الواهب فيه قبل قبضه أو اشترى شيئا فيه غبطة بشرط الخيار ففسخ البائع أو وجد بالثمن عيبا فسخ البيع أو تزوجت المرأة فطلقت قبل الدخول وإذا لم تكن وصية لم تحتسب عليه من الثلث لم يمنع الميراث كما لو ملكه بالميراث عند من سلمه أو كما لو كان ذلك في صحته فإن ملكه بعوض كالشراء فحكى الخبري عن أحمد أنه يعتق ويرث وهذا قول ابن الماجشون وأهل البصرة وقال القاضي في المجرد إن ملكه بعوض وخرج من الثلث عتق وورث وإلا عتق منه بقدر الثلث وهذا قول مالك وقال الخبري وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وحكى غيره عن الشافعي أنه لا فرق عنده بين أن يملكه بعوض أو غيره وأنه إن خرج من الثلث عتق وإلا عتق منه بقدر الثلث ولا يرث في الحالين لأنه لو ورث لكان إعتاقه وصية لوارث فيبطل عتقه ويبطل ميراثه لبطلان عتقه فيؤدي توريثه إلى إبطال توريثه فصححنا عتقه ولم نورثه لئلا يفضي إلى ذلك ومذهب أبي حنيفة وصاحبيه في هذا كمذهبهم فيما إذا ملكه بغير عوض ولنا على إعتاقه قول النبي صلى الله عليه وسلم من ملك ذا رحم محرم فهو حر ولأنه ملك وجد معه ما ينافيه فبطل كملك النكاح مع ملك الرقبة أعني فيما إذا اشترى أحد الزوجين صاحبه وإذا أعتق ورث لأنه وجد سبب الميراث عريا عن الموانع فورث كما لو ورثه وقولهم إن عتقه وصية لا يصح لأن الوصية فعله والعتق ها هنا يحصل من غير اختياره ولا إرادته ولأن رقبة المعتق لا تحصل له وإنما تتلف ماليته وتزول فيصير ذلك كتلفه بقتل بعض رقيقه أو كإتلاف ماله في بناء مسجد مثال ذلك مريض وهب له ابنه فقبله وقيمته مائة ثم مات المريض وخلف ابنا آخر ومائتين فإنه يعتق ويقاسم أخاه المائتين في قول الأكثرين وعند الشافعي فيما حكى عنه غير الخبري يعتق ولا يورث شيئا وعند صاحبي أبي حنيفة يعتق وله نصف التركة يحتسب عليه بقيمته ويبقى له خمسون وإن كان باقي التركة خمسين فعندنا يعتق وله نصف الخمسين وهو قول مالك وعند أبي حنيفة يعتق نصفه ويسعى في باقيه والخمسون كلها لأخيه وقال صاحباه تعتق ثلاثة أرباعه وعند الشافعي في قول غير الخبري يعتق نصفه ويرق نصفه ونصفه الرقيق والخمسون كلها لأخيه وإن كان باقي التركة ثلاثمائة فعندنا يعتق وله مائة وخمسون وعند الشافعي يعتق ولا يرث شيئا وعند صاحبي أبي حنيفة يعتق وله مائة فإن كان اشترى ابنه بمائة ومات وخلف ابنا آخر ومائة أخرى فعلى الرواية الأولى يعتق ويقسم أخاه المائة الباقية وعلى ما حكاه القاضي يعتق منه ثلثاه ويرث أربعين ويعتق باقيه على أخيه ولا يرث بذلك الجزء شيئا لأن عتقه حصل بعد موت أبيه وعند الشافعي يعتق ثلثاه ولا يرث وقال أبو حنيفة يعتق ثلثاه ويسعى في باقيه ولا يرث وعند صاحبيه يعتق كله ولا يرث شيئا فإن كان قد تصدق قبل ذلك بثلثه أو حابى به لم يعتق لأن الثلث قد ذهب

Bagian V06/P059–V06/P060

فصل وإن ملك من ورثته من لا يعتق عليه كبني عمه فأعتقهم في مرضه فعتقهم وصية لأنه حصل بفعله واختياره وحكمهم في العتق حكم الأجانب إن خرجوا من الثلث عتقوا وإلا عتق منهم بقدر الثلث وينبغي أن يعتقوا ولا يرثوا لأنهم لو ورثوا لكانت وصية لوارث فيبطل عتقهم ثم يبطل ميراثهم وقال قال أبو الخطاب في رجل ملك ابن عمه فأقر في مرضه أنه كان أعتقه في صحته عتق ولم يرث وهذا في معنى ما ذكرنا لأن إقراره لوارث غير مقبول فمنعنا ميراثه ليقبل إقراره له بالإعتاق فصل مريض اشترى أباه بألف لا مال له سواه فعلى رواية الخبري يعتق كله وعلى القول الآخر يعتق ثلثه على المعتق ويعتق باقيه على ابنه وهذا قول مالك وقال أبو حنيفة يعتق ثلثه ويسعى للابن في ثلثيه وعلى قول صاحبيه يعتق سدسه ويسعى في خمسة أسداسه وقيل على قياس قول الشافعي يفسخ الشراء إلا أن يجيز الابن عتقه وقيل يعتق ثلثه ويفسخ البيع في ثلثيه وإن خلف ألفين سواه عتق وورث سدسهما وبه قال مالك وأبو حنيفة وفي قول صاحبيه يعتق نصفه ويسعى في قيمة نصفه فصل وإذا وهب الإنسان أبوه أو أوصى له به استحب له أن يقبله ولم يجب وهذا قول الشافعي ويحتمل أن يجب عليه قبوله لأن فيه إعتاقا لأبيه من غير التزام مال ولنا إنه استجلاب ملك على الأب فلم يلزمه كما لو بذل له بعوض أو كما لو بذل له ابنه أو غيره من أقاربه ولأنه يلزمه ضرر بلحوق المنة به وتلزمه نفقته وكسوته فصل إذا وصى لوارثه وأجنبي بثلثه فأجاز سائر الورثة وصية الوارث فالثلث بينهما وإن وصى لكل واحد منهما بمعين قيمتهما الثلث فأجاز سائر الورثة وصية الوارث جازت الوصية لهما وإن ردوا بطلت وصية الوارث في المسألتين وللأجنبي السدس في الأولى والمعين الموصى له به في الثانية وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم وإن كانت الوصيتان بثلثي ماله فأجاز الورثة لهما جازت لهما وإن عينوا نصيب الوارث بالرد وحده فللأجنبي الثلث كاملا لأنهم خصوا الوارث بالإبطال فالثلث كله للأجنبي وسقطت وصية الوارث فصار كأنه لم يوص له وإن أبطلوا الزائد عن الثلث من غير تعيين نصيب أحدهما فالثلث الباقي بين الوصيين لكل واحد منهما السدس هذا الذي ذكره القاضي وهو قول مالك والشافعي وذلك لأن الوارث يزاحم الأجنبي إذا أجاز الورثة الوصيتين فيكون لكل واحد منهما الثلث فإذا أبطلوا نصفهما بالرد كان البطلان راجعا إليهما وما بقي منهما بينهما كما لو تلف ذلك بغير الرد واختار أبو الخطاب أن الثلث جميعه للأجنبي وحكي نحو هذا عن أبي حنيفة لأنهم لا يقدرون على إبطال الثلث فما دون إذا كان للأجنبي ولو جعلنا الوصية بينهما لملكوا إبطال ما زاد على السدس فإن صرح الورثة بذلك فقالوا إجزنا الثلث لكما ورددنا ما زاد عليه في وصيتكما أو قالوا رددنا من وصية كل واحد منكما نصفها وبقينا له نصفها كان ذلك آكد في جعل السدس لكل واحد منهما لتصريحهم به وإن قالوا أجزنا وصية الوارث كلها ورددنا نصف وصية الأجنبي فهو على ما قال لأن لهم أن يجيزوا لهما ويردوا عليهما فكان لهم أن يجيزوا لأحدهما ويردوا على الآخر وإن أجازوا للأجنبي جميع وصيته وردوا على الوارث نصف وصيته جاز كما قلنا وإن أرادوا أن ينقصوا الأجنبي عن نصف وصيته لم يملكوا ذلك سواء أجازوا للوارث أو ردوا عليه فإن ردوا جميع وصية الوارث ونصف وصية الأجنبي فعلى قول القاضي لهم ذلك لأن لهم أن يجيزوا الثلث فلهما فيشتركان فيه ويكون لكل واحد منهما نصفه ثم إذا رجعوا فيما للوارث لم يزد الأجنبي على ما كان له في حالة الإجازة للوارث وعلى قول أبي الخطاب يتوفر الثلث كله للأجنبي لأنه إنما ينقص منه بمزاحمة الوارث فإذا زالت المزاحمة وجب توفير الثلث لأنه قد أوصى له به ولو خلف ابنين ووصى لهما بثلثي ماله ولأجنبي بالثلث فردا الوصية فقال أبو الخطاب عندي للأجنبي الثلث كاملا وعند القاضي له التسع ويجيء فيه من الفروع مثل ما ذكرنا في التي قبلها

Pertanyaan