İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فإن تركه الكل أثموا ومن أنفق عليه متبرعا فلا شيء له سواء كان الملتقط أو غيره وإن لم يتبرع بالإنفاق عليه فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع عليه إذا أيسر وكان ذلك بأمر الحاكم لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصدا بالمعروف بوهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وإن أنفق بغير أمر الحاكم محتسبا الرجوغ عليه فقال أحمد تؤدي النفقة من بيت المال وقال شريح والنخعي يرجع عليه بالنفقة إذا أشهد عليه وقال عمر بن عبد العزيز يحلف ما أنفق احتسابا فإن حلف استسعى وقال الشعبي ومالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي وابن المنذر هو متبرع به ولنا إنه أدى ما وجب على غيره فكان له الرجوع على من كان الوجوب عليه كالضامن إذا قضى عن المضمون عنه وقد ذكرنا حكم هذا الأصل في موضعه فصل فأما إن وجد مع اللقيط شيء فهو له وينفق عليه منه وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وذلك لأن الطفل يملك وله يد صحيحة بدليل أنه يرث ويورث ويصح أن يشتري له وليه ويبيع ومن له ملك صحيح فله يد صحيحة كالبالغ إذا ثبت هذا فكل ما كان متصلا به أو متعلقا بمنفعته فهو تحت يده ويثبت بذلك ملكا له في الظاهر فمن ذلك ما كان لابسا له أو مشدودا في ملبوسه أو في يديه أو مجعولا فيه كالسرير والسفط وما فيه من فرش أو دراهم والثياب التي تحته والتي عليه وإن كان مشدودا على دابة أو كانت مشدودة في ثيابه أو كان في خيمة أو في دار فهي له وأما المنفصل عنه فإن كان بعيدا منه فليس في يده وإن كان قريبا منه كثوب موضوع إلى جانبه فيه وجهان أحدهما ليس هو له لأنه منفصل عنه فهو كالعبيد والثاني هو له وهو أصح لأن الظاهر أنه ترك له فهو له بمنزلة ما هو تحته ولأن القريب من البالغ يكون في يده ألا ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه ويحكم بأنه في يده والحمال إذا جلس لاستراحة ترك حمله قريبا منه فأما المدفون تحته فقال ابن عقيل إن كان الحفر طريا فهو له وإلا فلا لأن الظاهر أنه إذا كان طريا فواضع اللقيط حفره وإذا لم يكن طريا كان مدفونا قبل وضعه وقيل ليس هو بحال لأنه بموضع لا يستحقه إذا لم يكن الحفر طريا فلم يكن له إذا كان طريا كالبعيد منه ولأن الظاهر أنه لو كان له لشدة واضعه في ثيابه ليعلم به ولم يتركه في مكان لا يطلع عليه وكلما حكمنا بأنه ليس له فحكمه حكم اللقطة وما هو له أنفق عليه منه فإن كان فيه كفايته لم تجب نفقته على أحد لأنه ذو مال فأشبه غيره من الناس إذا ثبت هذا فإن لملتقطه الإنفاق عليه بغير إذن الحاكم ذكره أبو عبدالله بن حامد لأنه ولي له فلم يعتبر فيه الإنفاق عليه في حقه إذن الحاكم كوصي اليتيم ولأن هذا من الأمر بالمعروف فاستوى فيه الإمام وغيره كتبديد الخمر وروى أبو الحارث عن أحمد في رجل أودع رجلا مالا وغاب وطالت غيبته وله ولد ولا نفقة له هل ينفق عليهم هذا المستودع من مال الغائب فقال تقوم امرأته إلى الحاكم حتى يأمره بالإنفاق عليهم فلم يجعل له الإنفاق عليهم من غير إذن الحاكم فقال بعض أصحابنا هذا مثله والصحيح أن هذا مخالف له من وجهين أحدهما أن الملتقط له ولاية على اللقيط وعلى ماله فإن له ولاية أخذه وحفظه
والثاني أنه ينفق على اللقيط من ماله وهذا بخلافه ولأن الإنفاق على الصبي من مال أبيه مشروط يكون الصبي محتاجا إلى ذلك لعدم ماله وعدم نفقة تركها أبوه برسمه وذلك لا يقبل فيه قول المودع فاحتيج إلى إثبات ذلك عند الحاكم ولا كذلك في مسألتنا فلا يلزم من وجوب استئذان الحاكم ثم وجوبه في اللقيط ومتى لم يجد حاكما فله الإنفاق بكل حال لأنه حال ضرورة وقال الشافعي ليس له أن ينفق بغير إذن الحاكم في موضع يجد حاكما وإن أنفق ضمن بمنزلة ما لو كان لأبي الصغير ودائع عند إنسان فأنفق عليه منه وذلك لأنه لا ولاية له على ماله وإنما له حق الحضانة وإن لم يجد حاكما ففي جواز الإنفاق وجهان ولنا ما ذكرناه ابتداء ولا نسلم أنه لا ولاية له على ماله فإنا قد بينا أن له أخذه وحفظه وهو أولى الناس به وذكرنا الفرق بين اللقيط وبين ما قاسوا عليه فإذا ثبت هذا فالمستحب أن يستأذن الحاكم في موضع يجد حاكما لأنه أبعد من التهمة وأقطع للظنة وفيه خروج به من الخلاف وحفظ لماله من أن يرجع عليه بما أنفق فإذا ثبت هذا فينبغي أن ينفق بالمعروف كما ذكرنا في ولي اليتيم فإذا بلغ اللقيط واختلفا في قدر نما أنفق وفي التفريط في الإنفاق فالقول قول المنفق لأنه أمين فكان القول قوله في ذلك كولي اليتيم مسألة قال ( وولاؤه لسائر المسلمين ) يعني ميراثه لهم فإن اللقيط حر الأصل ولا ولاء عليه وإنما يرثه الملسمون لأنهم خولوا كل مال لا مالك له ولأنهم يرثونه ماله من لا وارث له غير اللقيط فكذلك اللقيط وقول الخرقي وولاؤه لسائر المسلمين تجوز في اللفظ لاشتراك سائر المسلمين ومن له الولاء في أخذ الميراث وحيازته كله عند عدم الوارث هذا هو الظاهر وهو قول مالك والشافعي وأكثر أهل العلم و شريح وإسحاق عليه الولاء لملتقطه لما روى واثلة بن الأسقع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة تحوز ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وقال عمر لأبي جميلة في لقطته هو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق ولأنه لم يثبت عليه رق ولا على آبائه فلم يثبت عليه ولاء كالمعروف نسبه ولأنه إن كان ابن حرين فلا ولاء عليه وإن كان ابن معتقين فلا يكون عليه ولاء لغيره معتقهما وحديث واثلة لا يثبت ما قاله ابن المنذر وخبر عمر قال ابن المنذر أبو جميلة رجل مجهول لا تقوم بحديثه حجة ويحتمل أن عمر رضي الله عنه عنى بقوله لك ولاؤه أي لك ولايته القيام به وحفظه لذلك ذكره عقيب قول عريفه إنه رجل صالح وهذا يقتضي تفويض الولاية إليه لكونه مأمونا عليه دون الميراث إذا ثبت هذا فإن حكم اللقيط في الميراث حكم من عرف نسبه وانقرض أهله يدفع إلى بيت المال إذا لم يكن له وارث فإن كان له زوجة فلها الربع والباقي لبيت المال وإن كانت امرأة لها زوج فله النصف والباقي لبيت المال وإن كانت له بنت أو ذو رحم كبنت بنت أخذت جميع المال لأن الرد وذا الرحم مقدم على بيت المال والله أعلم مسألة قال ( وإن لم يكن من وجد اللقيط أمينا منع من السفر به ) وجملة ذلك أن الملتقط إن كان أمينا أقر اللقيط في يده لأن عمر رضي الله عنه أقر اللقيظ في يد أبي جميلة حين قال له عريفه إنه رجل صالح ولأنه سبق إليه فكان أولى به لقول النبي صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به وهل يجب الإشهاد عليه فيه وجهان أحدهما لا يجب كما لا يجب الإشهاد في اللقطة
والثاني يجب لأن القصد بالإشهاد حفظ النسب والحرية فاختص بوجوب الشهادة كالنكاح وفارق اللقطة فإن المقصود منها حفظ المال فلم يجب الإشهاد فيها كالبيع فأما إن كان غير أمين فظاهر كلام الخرقي أنه يقر في يديه ويمنع من السفر به لئلا يدعي رقه ويبيعه ويبنغي أن يجب الإشهاد عليه ويضم إليه من يشرف عليه لأننا إذا ضممنا إليه في اللقطة من يشرف عليه فها هنا أولى وقال القاضي المذهب أنه ينزع من يديه وهذا قول الشافعي لأنه ليس في حفظ اللقيط إلا الولاية ولا ولاية لفاسق وفارق اللقطة من أوجه أحدها أن في اللقطة معنى الكسب وليس ها هنا إلا الولاية والثاني أن اللقطة لو انتزعناها منه رددناها إليه بعد الحول فاحتطنا عليها مع بقائها في يديه وها هنا لا ترد إليه بعد الانتزاع منه بحال فكان الانتزاع أحوط والثالث أن المقصود ثم حفظ المال ويمكن الاحتياط عليه بأن يستظهر عليه في التعريف أو ينصب الحاكم من يعرفها وها هنا المقصود حفظ الحرية والنسب ولا سبيل إلى الاستظهار عليه لأنه قد يدعي رقه في بعض البلدان أو في بعض الزمان ولأن اللقطة إنما يحتاج إلى حفظها والاحتياط عليها عاما واحدا وهذا يحتاج إلى الاحتياط عليه في جميع زمانه وأما على ظاهر قول الخرقي فلا ينزع منه لأنه قد ثبتت له الولاية بالتقاطه إياه وسبقه إليه وأمكن حفظ اللقيط في يديه بالإشهاد عليه وضم أمين يشارفه إليه ويشيع أمره فيعرف أنه لقيط فينحفظ بذلك من غير زوال ولايته جمعا بين الحقين كما في اللقطة وكما لو كان الوصي خائنا وما ذكر من الترجيح للقطة فيمكن معارضته بأن اللقيط ظاهر مكشوف لا تخفى الخيانة فيه واللقطة مستورة خفية تتطرق إليها الخيانة ولا يعلم بها ولأن اللقطة يمكن أخذ بعضها وتنقيصها وإبدالها ولا يتمكن من ذلك في اللقيط ولأن المال محل الخيانة والنفوس إلى تناوله وأخذه داعية بخلاف النفوس فعلى هذا متى أراد الملتقط السفر باللقيط منه منه لأنه يبعده ممن عرف حاله فلا يؤمن أن يدعي رقه ويبيعه فصل وإذا التقط اللقيط من هو مستور الحال لم تعرف منه حقيقة العدالة ولا الخيانة أقر اللقيط في يديه لأن حكمه حكم العدل في لقطة المال والولاية في النكاح والشهادة فيه وفي أكثر الأحكام ولأن الأصل في المسلم العدالة ولذلك قال عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض فإن أراد السفر بلقطته ففيه وجهان أحدهما لا يقر في يديه وهذا مذهب الشافعي لأنه لم يتحقق أمانته فلم تؤمن الخيانة منه والثاني يقر في يديه لأنه يقر في يديه في الحضر من غير مشرف يضم إليه فأشبه العدل ولأن الظاهر الستر والصيانة فأما من عرفت عدالته وظهرت أمانته فيقر اللقيط في يده في سفره وحضره لأنه مأمون عليه إذا كان سفره لغير النقلة فصل فإن كان سفر الأمين باللقيط إلى مكان يقيم به نظرنا فإن كان التقطه من الحضر فأراد النقل به إلى البادية لم يقر في يده لوجهين أحدهما أن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه وأرفه له والثاني أنه إذا وجد في الحضر فالظاهر أنه ولد فيه فبقاؤه فيه أرجح لكشف نسبه وظهور أهله واعترافهم به فإن أراد النقلة به إلى بلد آخر من الحضر ففيه وجهان أحدهما لا يقر في يده ولأن بقاءه في بلده أرجى لكشف نسبه فلم يقر في يده المنتقل عنه قياسا على المنتقل به إلى البادية والثاني يقر في يده لأن ولايته ثابتة والبلد الثاني كالأول في الرفاهية فيقر في يده كما لو انتقل من أحد جانبي البلد إلى الجانب الآخر وفارق المنتقل به إلى البادية لأنه يضر به بتفويت الرفاهية عليه وإن التقطه من البادية فله نقله إلى الحضر لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى الرفاهية والدعة والدين وإن إقام به في حلة يستوطنها فله ذلك وإن كان ينتقل به إلى المواضع احتمل أن يقر في يديه لأن الظاهر أنه ابن بدويين
وإقراره في يدي ملتقطه أرجى لكشف نسبه ويحتمل أن يؤخذ منه فيدفع إلى صاحب قرية لأنه أرفه له وأخف عليه وكل موضع قلنا ينزع من ملتقطه فإنما يكون ذلك إذا وجد من يدفع إليه ممن هو أولى به فإن لم يوجد من يقوم به أقر في يدي ملتقطه لأن إقراره في يديه مع قصوره أولى من إهلاكه وإن لم يوجد إلا مثل ملتقطه فملتقطه أولى به إذ لا فائدة في نزعه من يده ودفعه إلى مثله فصل وليس للعبد التقاط الطفل المنبوذ إذا وجد من يلتقطه سواه لأن منافعه لسيده فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه ولأنه لا يثبت على اللقيط إلا الولاية ولا ولاية لعبد فإن التقطه لم يقر في يديه إلا أن يأذن له السيد فإن أذن له أقر في يديه لأنه استعان به في ذلك فصار كما لو التقطه بيديه وسلمه إليه قال ابن عقيل إن أذن له السيد لم يكن له الرجوع بعد ذلك وصار كما لو التقطه والحكم في الأمة كالحكم في المكاتب فأما إن لم يجد أحدا يلتقطه سواه وجب التقاطه لأنه تخليص له من الهلاك فأشبه تخليصه من الغرق والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة كالقن وكذلك المكاتب لأنه ليس له التبرع بماله ولا بمنافعه إلا أن يأذن له سيده في ذلك فصل وليس لكافر التقاط مسلم لأنه لا ولاية لكافر على مسلم ولأنه لا يؤمن أن يفتنه ويعلمه الكفر بل الظاهر أنه يربيه على دينه وينشأ على ذلك كولده فإن التقطه لم يقر في يده وإن كان الطفل محكوما بكفره فله التقاطه لأن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض فصل وإن التقطه اثنان وتناولاه تناولا واحدا لم يخل من ثلاثة أقسام أحدها أن يكون ممن يقر في يديه كالمسلم العدل الحر والآخر ممن لا يقر في يديه كالكافر إذا كان اللقيط مسلما والفاسق والعبد إذا لم يأذن له سيده والمكاتب فإنه يسلم إلى من يقر في يده وتكون مشاركة هؤلاء كعدمها لأنه لو التقطه وحده لم يقر في يده فإذا شاركه من هو من أهل الالتقاط أولى الثاني أن يكونا جميعا ممن لا يقر في يدي واحد منهما فإنه ينزع منهما ويسلم إلى غيرهما الثالث أن يكون كل واحد منهما ممن يقر في يده لو انفرد إلا أن أحدهما أحظ للقيط من الآخر مثل أن يكون أحدهما موسرا والآخر معسرا فالموسر أحق لأن ذلك أحظ للطفل وإن التقط مسلم وكافر طفلا محكوما بكفره فالمسلم أحق وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي هما سواء لأن للكافر ولاية على الكافر ويقر في يده إذا انفرد بالتقاطه فساوى المسلم في ذلك ولنا إن دفعه إلى المسلم أحظ له لأنه يصير مسلما فيسعد في الدنيا والآخرة وينجو من النار ويتخلص من الجزية والصغار فالترجيح بهذا أولى من الترجيح باليسار الذي إنما يتعلق به توسعة عليه في الإنفاق وقد يكون الموسر بخيلا فلا تحصل التوسعة فإن تعارض الترجيحان فكان المسلم فقيرا والكافر موسرا فالمسلم أولى لأن النفع الحاصل له بإسلامه أعظم من النفع الحاصل بيساره مع كفره وعلى قياس قولهم في تقديم الموسر ينبغي أن يقدم الجواد على البخيل لأن حظ الطفل عنده أكثر من الجهة التي يحصل له الحظ فيها باليسار وربما تخلق بأخلاقه وتعلم من جوده الرابع أن يتساويا في كونهما مسلمين عدلين حرين مقيمين فهما سواء فيه فإن رضي أحدهما بإسقاط حقه وتسليمه إلى صاحبه جاز لأن الحق له فلا يمنع من الإيثار به وإن تشاحا أقرع بينهما لقول الله تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم آل عمران 44 ولأنه لا يمكن كونه عندهما لأنه لا يمكن أن يكون عندهما في حالة واحدة وإن تهايآه فجعل عند كل واحد يوما أو أكثر من ذلك أضر بالطفل لأنه تختلف عليه الأغذية والأنس والألف ولا يمكن دفعه إلى أحدهما دون الآخر بغير قرعة لأن حقهما متساو
فتعين أحدهما بالتحكم لا يجوز فتعين الإقراع بينهما كما يقرع بين الشركاء في تعيين السهام في القسمة وبين النساء في البداية بالقسمة وبين العبيد في الإعتاق والرجل والمرأة سواء ولا ترجح المرأة ها هنا كما ترجح في حضانة ولدها على أبيه لأنها رجحت لشفقتها على ولدها وتوليها لحضانته بنفسها والأب يحضنه بأجنبية فكانت أمه أحظ له وأرفق به أما ها هنا فإنها أجنبية من اللقيط والرجل يحضنه بأجنبية فاستويا ومذهب الشافعي في هذا الفصل جميعه على ما ذكرنا فإن كان أحدهما مستور الحال والآخر ظاهر العدالة احتمل أن يرجح العدل لأن المانع من الالتقاط منتف في حقه بغير شك والأمر مشكوك فيه فيكون الحظ للطفل في تسليمه إليه أتم ويحتمل أن يتساويا لأن احتمال وجود المانع لا يؤثر في المنع فلا يؤثر في الترجيح فصل وإن رأياه جميعا فسبق أحدهما فأخذه أو وضع يده عليه فهو أحق به لقوله عليه السلام من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به وإن رآه أحدهما قبل صاحبه فسبق إلى أخذه الآخر فالسابق إلى أخذه أحق لأن الالتقاط هو الأخذ لا الرؤية ولو قال أحدهما لصاحبه ناولنيه فأخذه الآخر نظرنا إلى نيته فإن نوى أخذه لنفسه فهو أحق كما لو لم يأمره الآخر بمناولته إياه وإن نوى مناولته فهو للآمر لأنه فعل ذلك بنية النيابة عنه فأشبه ما لو توكل في تحصيل مباح فصل فإن اختلفا فقال كل واحد منهما أنا التقطه ولا بينة لأحدهما وكان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه أنه التقطه ذكر ذلك أبو الخطاب وهذا قول الشافعي وقال القاضي قياس المذهب أنه لا يحلف كما في الطلاق والنكاح ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه مسلم فإن كان في يديهما أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وسلم إليه وعلى قول القاضي لا تشرع اليمين ها هنا ويسلم إليه بمجرد وقوع القرعة له وإن لم يكن في يد واحد منهما فقال القاضي وأبو الخطاب يسلمه الحاكم إلى من يرى منهما أو من غيرهما لأنه حق لهما والأولى أن يقرع بينهما كما لو كان في أيديهما لأنهما تنازعا حقا في يد غيرهما فأشبه ما لو تنازعا وديعة عند غيرهما فإن وصفه أحدهما مثل أن يقول في ظهره شامة أو بجسده علامة وذكر شيئا في جسده مستورا فقال أبو الخطاب يقدم بالصفة وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي لا يقدم بالصفة كما لو وصف المدعي المدعى فإنه لا تقدم به دعواه ولنا إن هذا نوع من اللقطة فقدم بوصفها كلقطة المال ولأن ذلك يدل على قوة يده فكان مقدما بها وقياس اللقيط على اللقطة أولى من قياسه على غيرها لأن اللقيط لقطة أيضا وإن كان لأحدهما بينة قدم بها وإن كان لكل واحد منهما بينة قدم أسبقهما تاريخا لأن الثاني إنما أخذ ممن قد ثبت الحق فيه لغيره وإن استوى تاريخهما أو أطلقتا معا أو أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى فقد تعارضتا وهل يسقطان أو يستعملان فيه وجهان أحدهما يسقطان فيصيران كمن لا بينة لهما والثاني يستعملان ويقرع بينهما فيمن قرع صاحبه كان أولى وسنذكر ذلك في بابه إن شاء الله تعالى وإن كان اللقيط في يد أحدهما فهل تقدم بينته على بينة الآخر أو تقدم بينة الخارج فيه وجهان مبنيان على الروايتين في دعوى المال وإن كان أحد المتداعيين ممن لا تقر يده على اللقيط أقر في يد الآخر ولم يلتفت إلى دعوى من لا يقر في يده بحال مسألة قال ( وإن دعاه مسلم وكافر أري القافة فبأيهما ألحقوه لحق )
يعني إذا ادعى نسبه فلا تخلو دعوى نسب اللقيط من قسمين أحدهما أن يدعيه واحد ينفرد بدعواه فينظر فإن كان المدعي رجلا مسلما حرا لحق نسبه به غير خلاف بين أهل العلم إذا أمكن أن يكون منه لأن الإقرار محض نفع للطفل لاتصال نسبه ولا مضرة على غيره فيه فقبل كما لو أقر له بمال ثم إن كان المقر به ملتقطه أقر في يده وإن كان غيره فله أن ينتزعه من الملتقط لأنه قد ثبت أنه أبوه فيكون أحق بولده كما لو قامت به بينة وإن كان المدعي له عبدا لحق به أيضا لأن لمائه حرمة فلحق به نسبه كالحر وهذا قول الشافعي وغيره غير أنه لا تثبت له حضانة لأنه مشغول بخدمة سيده ولا تجب عليه نفقته لأنه لا مال له ولا على سيده لأن الطفل محكوم بحريته فتكون نفقته في بيت المال وإن كان المدعي ذميا لحق به لأنه أقوى من العبد في ثبوت الفراش فإنه يثبت له بالنكاح والوطء في الملك وقال أبو ثور لا يلحق به لأنه محكوم بإسلامه ولنا إنه أقر بنسب مجهول النسب يمكن أن يكون منه وليس في إقراره إضرار بغيره فيثت إقراره كالمسلم إذا ثبت هذا فإنه يلحق به من النسب لا في الدين ولا حق له في حضانته وقال الشافعي في أحد قوليه يتبعه في دينه لأن كل ما لحق به نسبه لحق به في دينه كالبينة إلا أنه يحال بينه وبينه ولنا إن هذا حكم بإسلامه فلا يقبل قول الذمي في كفره كما لو كان معروف النسب ولأنها دعوى تخالف الظاهر فلم تقبل بمجردها كدعوى الرق أما بمجرد النسب بدون اتباعه في الدين فمصلحة عارية عن الضرر فقبل قوله فيه ولا يجوز قبوله فيما هو أعظم الضرر والخزي في الدنيا والآخرة وإن كان المدعي امرأة فاختلف عن أحمد رحمه الله فروي أن دعوتها تقبل ويلحقها نسبه لأنها أحد الأبوين فثبت النسب بدعواها كالأب ولأنه يمكن أن يكون منها كما يكون ولد الرجل بل أكثر لأنها تأتي به من زوج ووطء بشبهة ويلحقها ولدها من الزنا دون الرجل ولأن في قصة داود وسليمان عليهما السلام حين تحاكم إليهما امرأتان كان لهما ابنان فذهب الذئب بأحدهما فادعت كل واحدة منهما أن الباقي ابنها وأن الذي أخذه الذئب ابن الأخرى فحكم به داود للكبرى وحكم به سليمان للأخرى بمجرد الدعوى منهما وهذا قول بعض أصحاب الشافعي فعلى هذه الرواية يلحق بها دون زوجها لأنه لا يجوز أن يلحقه نسب ولد لم يقر به وكذلك إذا ادعى الرجل نسبه لم يلحق بزوجته فإن قيل الرجل يمكن أن يكون له ولد من امرأة أخرى أو من أمته والمرأة لا يحل لها نكاح غير زوجها ولا يحل وطؤها لغيره قلنا يمكن أن تلد من وطء شبهة أو غيره وإن كان الولد يحتمل أن يكون موجودا قبل أن يتزوجها هذا الزوج أمكن أن يكون من زوج آخر فإن قيل إنما قبل الإقرار بالنسب من الزوج لما فيه من المصلحة بدفع العار عن الصبي وصيانته عن النسبة إلى كونه ولد زنا ولا يحصل هذا بإلحاق نسبه بالمرأة بل إلحاقها بها دون زوجها تطرق للعار إليه وإليها قلنا بل قبلنا دعواه لأنه يدعي حقا لا منازع له فيه ولا مضرة على أحد فيه فقبل قوله فيه كدعوى المال وهذا متحقق في دعوى المرأة والرواية الثانية أنها إن كان لها زوج لم يثبت النسب بدعواها لإفضائه إلى إلحاق النسب بزوجها بغير إقراره ولا رضاه أو إلى امرأته وطئت بزنا أو شبهة وفي ذلك ضرر عليه فلا يقبل قولها فيما يلحق الضرر به وإن لم يكن لها زوج قبلت دعواها لعدم هذا الضرر وهذا أيضا وجه لأصحاب الشافعي والرواية الثالثة نقلها الكوسج عن أحمد في امرأة ادعت ولدا إن كان لها إخوة او نسب معروف لا تصدق إلا ببينة
وإن لم يكن لها دافع لم يحل بينها وبينه لأنه إذا كان لها أهل ونسب معروف لم تخف ولادتها عليهم ويتضررون بإلحاق النسب بها لما فيه من تعييرهم بولادتها من غير زوجها وليس كذلك إذا لم يكن لها أهل ويحتمل أن لا يثبت النسب بدعواها بحال وهذا قول الثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن النسب لا يثبت بدعوى المرأة لأنها يمكنها إقامة البينة على الولادة فلا يقبل قولها بمجرده كما لو علق زوجها طلاقها بولادتها ولنا إنها أحد الوالدين فأشبهت الأب وإمكان البينة لا يمنع قبول القول كالرجل فإنه تمكنه البينة أن هذا ولد على فراشه وإن كان المدعي أمة فهي كالحرة إلا أننا إذا قبلنا دعواها في نسبه لم نقبل قولها في رقه لأننا لا نقبل الدعوى فيما يضره كما لم نقبل الدعوى في كفره إذا ادعى نسبه كافر القسم الثاني أن يدعي اثنان فصاعدا والكلام في ذلك في فصول أحدها أنه إذا ادعاه مسلم وكافر أو حر وعبد فهما سواء وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة المسلم أولى من الذمي والحد أولى من العبد لأن على اللقيط ضررا في إلحاقه بالعبد والذمي فكان إلحاقه بالحر المسلم أولى كما لو تنازعوا في الحضانة ولنا إن كل واحد لو انفرد صحت دعواه فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى كالأحرار المسلمين وما ذكروه من الضرر لا يتحقق فإننا لا نحكم برقه ولا كفره ولا يشبه النسب الحضانة بدليل أننا نقدم في الحضانة الموسر والحضري ولا نقدمهما في دعوى النسب قال ابن المنذر إذا كان عبد امرأته أمة في أيديهما صبي فادعى رجل من العرب امرأته عربية أنه ابنه من امرأته فأقام العبد بينة بدعواه أنه ابنه فهو ابنه في قول أبي ثور وغيره وقال أصحاب الرأي يقضى به للعربي الذي يدخل فيه وكذلك لو كان المدعى من الموالي عبدهم وقولهم هذا غير صحيح لأن العرب وغيرهم في أحكام الله ولحوق النسب بهم سواء الفصل الثاني أنه إذا ادعاه اثنان فكان لأحدهما به بينة فهو ابنه وإن أقامات بينتين تعارضتا وسقطتا ولا يمكن استعمالها ها هنا لأن استعمالهما في المال إما بقسمته بين المتداعيين ولا سبيل إليه ها هنا وإما بالإقراع بينهما والقرعة لا يثبت بها النسب فإن قيل فإنه ثبوته ها هنا يكون بالبينة لا بالقرعة وإنما القرعة مرجحة قلنا فيلزم أنه إذا اشترك رجلان في وطء امرأة فأنت بولد يقرع بينهما ويكون لحوقه بالوطء لا بالقرعة الفصل الثالث أنه إذا لم تكن به بينة أو تعارضت به بينتان وسقطتا فإنا نريه القافة معهما أو مع عصبتهما عند فقدهما فنلحقه بمن ألحقته به منهما وهذا قول أنس وعطاء ويزيد بن عبد الملك والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور وقال أصحاب الرأي لا حكم للقافة ويلحق بالمدعيين جميعا لأن الحكم بالقافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين فإن الشبه يوجد بين الأجانب وينفي بين الأقارب ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا أتاه فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاما أسود فقال هل لك من إبل قال نعم قال فما ألوانها قال حمر قال فهل فيها من أورق قال نعم قال أتى أتاها ذلك قال لعل عرقا نزع قال وهذا لعل عرقا نزع متفق عليه قالوا ولو كان الشبه كافيا لاكتفى به في ولد الملاعنة وفيما إذا أقر أحد الورثة بأخ فأنكره الباقون ولنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوما مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال ألم تري أن محرزا المدلجي نظر آنفا إلى زيد وإسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض متفق عليه
فلولا جواز الاعتماد على القافة لما سر به النبي صلى الله عليه وسلم ولا اعتمد عليه ولأن عمر رضي الله عنه قضى به بحضرة الصحابة فلم ينكره منكر فكان إجماعا ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ولد الملاعنة انظروها فإن جاءت به أحمش الساقين كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب عليها وإن جاءت به أكحل جعدا جماليا سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو للذي رميت به فأتت به على النعت المكروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا الأيمان لكان لي ولها شأن فقد حكم به النبي صلى الله عليه وسلم للذي أشبهه منهما وقوله لولا الأيمان لكان لي ولها شأن يدل على أنه لم يمنعه من العمل بالشبه إلا الأيمان فإذا انتفى المانع يجب العمل به لوجود مقتضيه وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن أمة زمعة حين رأى به شبها بينا بعتبة بن أبي وقاص احتجبي منه يا سودة فعمل بالشبه في خجب سودة عنه فإن قيل فالحديثان حجة عليكم إذ لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالشبه فيهما بل ألحق الولد بزمعة وقال لعبد بن زكعة هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر ولم يعمل بشبه ولد الملاعنة في إقامة الحد عليها لشبهه بالمقذوف قلنا إنما لم يعمل به في ابن أمة زمعة لأن الفراش أقوى وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منه لا يوجب الإعراض عنه إذا خلت عن المعارض وكذلك ترك إقامة الحد عليها من أجل أيمانها بدليل قوله لولا الأيمان لكان لي ولها شأن على أن ضعف الشبه عن إقامة الحد لا يوجب ضعفه عن إلحاق النسب فإن الحد في الزنا لا يثبت إلا بأقوى البينات وأكثرها عددا وأقوى الإقرار حتى يعتبر فيه تكراره أربع مرات ويدرأ بالشبهات والنسب يثبت بشهادة امرأة واحدة على الولادة ويثبت بمجرد الدعوى ويثبت مع ظهور انتفائه حتى لو أن امرأة أتت بولد وزوجها غائب عنها منذ عشرين سنة لحقه ولدها فكيف يحتج على نفيه بعدم إقامة الحد ولأنه حكم بظن غالب ورأي راجح ممن هو من أهل الخبرة فجاز كقول المقومين وقولهم إن الشبه يجوز وجوده وعدمه قلنا الظاهر وجوده ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت أم سلمة أو ترى ذلك المرأة قال فمن أين يكون الشبه والحديث الذي احتجوا به حجة عليهم لأن إنكار الرجل ولده لمخالفة لونه وعزمه على نفيه لذلك يدل على أن العادة خلافه وأن في طباع الناس إنكاره وأن ذلك إنما يوجد نادرا وإنما ألحقه النبي صلى الله عليه وسلم به لوجود الفراش وتجوز مخالفة الظاهر لدليل ولا يجوز تركه من غير ذلك ولأن ضعف الشبه عن نفي النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته فإن النسب يحتاط لإثباته ويثبت بأدنى دليل ويلزم من ذلك التشديد في نفيه وأنه لا ينتفى إلا بأقوى الأدلة كما أن الحد لما انتفى بالشبه لم يثبت إلا بأقوى دليل فلا يلزم حينئذ من المنع من نفيه بالشبه في الخبر المذكور أن لا يثبت به النسب في مسألتنا فإن قيل فها هنا إذا علمتم بالقيافة فقد نفيتم النسب عمن لم تلحقه القافة به قلنا إنما انتفى النسب ها هنا لعدم دليله لأنه لم يوجد إلا مجرد الدعوى وقد عارضها مثلها فسقط حكمها وكان الشبه مرجحا لأحدهما فانتفت دلالة أخرى فلزم انتفاء النسب لانتفاء دليله وتقديم اللعان لا يمنع العمل به عند عدمه كاليد تقدم عليها البينة ويعمل بها فصل والقافة قوم يعرفون الأنساب بالشبه ولا يختص بقبيلة معينة بل من عرف منه المعرفة بذلك وتكررت منه الإصابة فهو قائف وقيل أكثر ما يكون في بني مدلج رهط محرز المدلجي الذي رأى أسامة وأباه زيدا قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض وكان إياس بن معاوية المزني قائفا وكذلك قيل في شريح
ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون ذكرا عدلا مجريا في الإصابة حرا لأن قوله حكم والحكم تعتبر له هذه الشروط قال القاضي وتعتبر معرفة القائف بالتجربة وهو أن يترك الصبي مع عشرة من الرجال غير من يدعيه ويرى إياهم فإن ألحقه بواحد منهم سقط قوله لأنا تبينا خطأه وإن لم يلحقه بواحد منهم أريناه إياه مع عشرين فيهم مدعيه فإن ألحقه به لحق ولو اعتبر بأن يرى صبيا معروف النسب مع قوم فيهم أبوه أو أخوه فإذا ألحقه بقريبه علمت إصابته وإن ألحقه بغيره سقط قوله جاز وهذه التجربة عند عرضه على القائف للاحتياط في معرفة إصابته وإن لم نجربه في الحال بعد أن يكون مشهورا بالإصابة أو صحة المعرفة في مرات كثيرة جاز وقد روينا أن رجلا شريفا شك في ولد له من جاريته وأبى أن يستلحقه فمر به إياس بن معاوية في المكتب وهو لا يعرفه فقال ادع لي أباك فقال له المعلم ومن أبو هذا قال فلان قال من أين علمت أنه أبوه قال هو أشبه به من الغراب بالغراب فقام المعلم مسرورا إلى أبيه فأعلمه بقول إياس فخرج الرجل وسأل إياسا فقال من أين علمت أن هذا ولدي فقال سبحان الله وهل يخفى على أحد أنه أشبه بك من الغراب بالغراب فسر الرجل واستلحق ولده وهل يقبل قول واحد أو لا يقبل إلا قول اثنين فظاهر كلام أحمد أنه لا يقبل إلا قول اثنين فإن الأثرم روي عنه أنه قيل له إذا قال أحد القافة هو لهذا وقال الآخر هو لهذا قال لا يقبل واحد حتى يجتمع اثنان فيكونان شاهدين فإذا شهد اثنان من القافة أنه لهذا فهو لهذا لأنه قول يثبت به النسب فأشبه الشهادة وقال القاضي يقبل قول الواحد لأنه حكم ويقبل في الحكم قول واحد وحمل كلام أحمد على ما إذا تعارض قول القائفين فقال إذا خالف القائف غيره تعارضا وسقطا فإن قال اثنان قولا وخالفهما واحد فقولهما أولى لأنهما شاهدان فقولهما أقوى من قول واحد وإن عارض قول اثنين قول اثنين سقط قول الجميع وإن عارض قول الاثنين ثلاثة أو أكثر لم يرجح وسقط الجميع كما لو كانت إحدى البينتين اثنين والأخرى ثلاثة فأكثر فأما إن ألحقته القافة بواحد ثم جاءت قافة أخرى فألحقته بآخر كان لاحقا بالأول لأن القائف جرى مجرى حكم الحاكم ومتى حكم الحاكم حكما لم ينتقض بمخالفة غيره له وكذلك إن ألحقته بواحد ثم عادت فألحقته بغيره لذلك فإن أقام الآخر بينة أنه ولده حكم له به وسقط قول القائف لأنه بدل فيسقط وجود الأصل كالتيمم مع الماء فصل وإن ألحقته القافة بكافر أو رقيق لم يحكم بكفره ولا رقه لأن الحرية والإسلام ثبتا له بظاهر الدار فلا يزول ذلك بمجرد الشبه والظن كما لم يزل ذلك بمجرد الدعوى من المنفرد وإنما قبلنا قول القائف في النسب للحاجة إلى إثباته ولكونه غير مخالف للظاهر ولهذا اكتفينا فيه بمجرد الدعوى من المنفرد ولا حاجة إلى إثبات رقه وكفره وإثباتهما يخالف الظاهر ولو ادعى نسب اللقيط إنسان فألحق نسبه به لانفراده بالدعوى ثم جاء آخر فادعاه لم يزل نسبه عن الأول لأنه حكم له به فلا يزول بمجرد الدعوى فإن ألحقته به القافة لحق به وانقطع عن الأول لأنها بينة في إلحاق النسب ويزول بها الحكم الثابت بمجرد الدعوى كالشهادة فصل وإذا ادعاه اثنان فألحقته القافة بهما لحق بهما وكان ابنهما يرثهما ميراث ابن ويرثانه جميعا ميراث أب واحد وهذا يروى عن عمر وعلي رضي الله عنهما وهو قول أبي ثور
وقال أصحاب الرأي يلحق بهما بمجرد الدعوى وقال الشافعي لا يلحق بأكثر من واحدة فإذا ألحقته بهما سقط قولهما ولم يحكم لهما واحتج برواية عن عمر رضي الله عنه أن القافة قالت قد اشتركا فيه فقال عمر وال أيهما شئت ولأنه لا يتصور كونه من رجلين فإذا ألحقته القافة بهما تبينا كذبهما فسقط قولهما كما لو ألحقته بأمين ولأن المدعيين لو اتفقا على ذلك لم يثبت ولو ادعاه كل واحد منهما وأقام بينة سقطتا ولو جاز أن يلحق بهما لثبت باتفاقهما وألحق بهما عند تعارض بينتهما ولنا ما روى سعيد في سننه ثنا سفيان عن يحيى عن سعيد عن سليمان بن يسار عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال القائف قد اشتركا فيه جميعا فجعله بينهما وبإسناده عن الشعبي قال وعلي يقول هو ابنهما وهما أبواه يرثهما ويرثانه ورواه الزبير بن بكار بإسناده عن عمر وقال الإمام أحمد حديث قتادة عن سعيد عن عمر جعله بينهما وقابوس عن أبيه عن علي جعله بينهما وروى الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسب في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت فولدت غلاما يشبههما فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعا القافة فنظروا فقالوا نراه يشبههما فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه قال سعيد عصبته الباقي منهما وما ذكروه عن عمر لا نعلم صحته وإن صح فيحتمل أنه ترك قول القافة لأمر آخر إما لعدم ثقتهما وإما لأنه ظهر له من قولهما واختلافه ما يوجب تركه فلا ينحصر المانع من قبول قولهما في أنهما اشتركا فيه قال أحمد إذا ألحقته القافة بهما ورثهما وورثاه فإن مات أحدهما فهو للباقي منهما ونسبه من الأول قائم لا يزيله شيء ومعنى قوله هو للباقي منهما والله أعلم أنه يرثه ميراث أب كامل كما أن الجدة إذا انفردت أخذت ما يأخذه الجدات والزوجة تأخذ وحدها ما يأخذه جميع الزوجات فصل وإن ادعاه أكثر من اثنين فألحقته بهم القافة فنص أحمد في رواية منها أنه يلحق بثلاثة ومقتضى هذا أنه يلحق بمن ألحقته القافة وإن كثروا قال أبو عبدالله بن حامد لا يلحق بأكثر من اثنين وهو قول أبي يوسف لأنا صرنا إلى ذلك للأثر فيقتصر عليه وقال القاضي لا يلحق بأكثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن وروي ذلك عن أبي يوسف أيضا ولنا إن المعنى الذي لأجله لحق باثنين موجود فيما زاد عليه فيقاس عليه وإذا جاز أن يلحق من اثنين جاز أن يلحق من أكثر من ذلك وقولهم إن إلحاقه بالاثنين على خلاف الأصل ممنوع وإن سلمناه لكنه ثبت لمعنى موجود في غيره فيجب تعدية الحكم به كما أن إباحة أكل الميتة عند المخمصة أبيح على خلاف الأصل لا يمنع من أن يقاس على ذلك مال غيره والصيد الحرمي وغيرهما من المحرمات لوجود المعنى وهو إبقاء النفس وتخليصها من الهلاك وأما قول من قال إنه يجوز إلحاقه بثلاثة ولا يزاد على ذلك فتحكم فإنه لم يقتصر على المنصوص عليه ولا عدي الحكم إلى كل ما وجد فيه المعنى ولا نعلم في الثلاثة معنى خاصا يقتضي إلحاق النسب بهم فلم يجز الاقتصار عليه بالتحكم
فصل وإذا لم توجد قافة أو أشكل الأمر عليها أو تعارضت أقوالها أو وجد من لا يوثق بقوله لم يرجح أحدهما بذكر علامة في جسده لأن ذلك لا يرجح به في سائر الدعاوى سوى الالتقاط في المال واللقيط ويضيع نسبه هذا قول أبي بكر وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله في رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد إلى أن الابن يخير أيهما أحب وهو قول أبي عبدالله بن حامد قال يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من أحب منهما وهو قول الشافعي الجديد وقال في القديم حتى يميز لقول عمر وال أيهما شئت ولأن الإنسان يميل بطبعه إلى قريبه دون غيره ولأنه مجهول نسبه أقربه من هو من أهل الإقرار وصدقه المقر له فيثبت نسبه كما لو انفرد وقال أصحاب الرأي يلحق بالمدعيين بمجرد الدعوى لأن كل واحد منهما لو انفرد سمعت دعواه فإذا اجتمعا وأمكن العمل بهما وجب كما لو أقر له بمال ولنا إن دعواهما تعارضتا ولا حجة لواحد منهما فلم تثبت كما لو ادعيا رقه وقولهم يميل طبعه إلى قرابته قلنا إنما يميل إلى قرابته بعد معرفته بأنها قرابته فالمعرفة بذلك سبب الميل ولا سبب قبله ولو ثبت أنه يميل إلى قرابته لكنه قد يميل إلى من أحسن إليه فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وقد يميل إليه لإساءة الآخر إليه وقد يميل إلى أحسنهما خلقا أو أعظمهما قدرا أو جاها أو مالا فلا يبقى للميل أثر في الدلالة على النسب وقولهم إنه صدق المقر بنسبه قلنا لا يحل له تصديقه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه وهذا لا يعلم أنه أبوه فلا يأمن أن يكون ملعونا بتصديقه ويقارق ما إذا انفرد فإن المنفرد ثبت النسب بقوله من غير تصديق وأما قول عمر وآل من شئت فلم يثبت ولو ثبت لم يكن في حجة فإنه إنما أمره بالموالاة لا بالانتساب وعلى قول من جعل له الانتساب إلى أحدهما لو انتسب إلى أحدهما ثم عاد وانتسب إلى الآخر ونفى نسبه من الأول أو لم ينتسب إلى واحد لم يقبل منه لأنه قد ثبت نسبه فلا يقبل رجوعه عنه كما لو ادعى منفرد نسبه ثم أنكره ويفارق الصبي الذي يخير بين أبويه فيختار أحدهما ثم يرد الآخر إذا ختاره فإنه لا حكم لقول الصبي وإنما تبع اختياره وشهوته فأشبه ما لو اشتهى طعاما في يوم ثم اشتهى غيره في يوم آخر وإن قامت للآخر بنسبه بينة عمل بها وبطل انتسابه لأنها تبطل قول القافة الذي هو مقدم على الانتساب فلأن تبطل الانتساب أولى وإن وجدت قافة بعد انتسابه فألحقته بغير من انتسب إليه بطل أيضا لأنه أقوى فبطل به الانتساب كالبينة مع قول القافة فصل وإن ادعت امرأتان نسب ولد فذلك مبني على قبول دعوتهما فإن كانتا ممن لا تقبل دعوتهما لم تسمع دعوتهما وإن كانت إحداهما ممن تسمع دعوتهما دون الأخرى فهو ابن لها كالمنفردة به وإن كانتا جميعا ممن تسمع دعوتهما فهما في إثباته بالبينة أو كونه يرى القافة مع عدمها كالرجلين قال أحمد في رواية بكر بن محمد في يهودية ومسلمة ولدتا فادعت اليهودية ولد المسلمة فتوقف فقيل يرى القافة فقال ما أحسنه ولأن الشبه يوجد بينها وبين ابنها كوجوده بين الرجل وابنه بل أكثر لاختصاصهما بحمله وتغذيته والكافرة والمسلمة والحرة والأمة في الدعوى واحدة كما قلنا في الرجل وهذا قول أصحاب الشافعي على الوجه الذي يقولون فيه بقبول دعوتهما وإن ألحقته القافة بأمين لم يلحق بهما وبطل قول القافة لأننا نعلم خطأه يقينا وقال أصحاب الرأي يلحق بهما بمجرد الدعوى لأن الأم أحد الأبوين فجاز أن يلحق باثنين كالآباء
ولنا إن كونه منهما محال يقينا فلم يجز الحكم به كما لو كان أكبر منهما أو مثلهما وفارق الين فإن كونه منهما ممكن فإنه يجوز اجتماع النطفتين لرجلين في رحم امرأة فيمكن أن يخلق منهما ولد كما يخلق من نطفة الرجل والمرأة ولذلك قال القائف لعمر قد اشتركا فيه ولا يلزم من إلحاقه بمن يتصور كونه منه إلحاقه بمن يستحيل كونه منه كما لم يلزم من إلحاقه بمن يولد مثله لمثله إلحاقه بأصغر منه فصل فإن ادعى نسبه رجل وامرأة فلا تنافي بينهما لأنه يمكن أن يكون منهما بنكاح كان بينهما أو وطء شبهة فيلحق بهما جميعا ويكون ابنهما بمجرد دعواهما كما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوى وإن قال الرجل هذا ابني من زوجتي وادعت زوجته ذلك وادعته امرأة أخرى فهو ابن الرجل وهل ترجح زوجته على الأخرى يحتمل وجهين أحدهما ترجح لأن زوجها أبوه فالظاهر أنها أمه ويحتمل أن يتساويا لأن كل واحدة منهما لو انفردت لألحق بها فإذا اجتمعتا تساوتا فصل وإن ولدت امرأتان ابنا وبنتا فادعت كل واحدة منهما أن الابن ولدها دون البنت احتمل وجهين أحدهما أن ترى المرأتين القافة مع الولدين فيلحق كل واحد منهما بمن ألحقته به كما لو لم يكن لهما ولد آخر والثاني أن نعرض لبنيهما على أهل الطب والمعرفة فإن لبن الذكر يخالف لبن الأنثى في طبعه وزنته وقد قيل لبن الابن ثقيل ولبن البنت خفيف بطباعهما ووزنهما وما يختلفان به عند أهل المعرفة فمن كان لبنها لبن الابن فهو ولدها والبنت الأخرى فإن لم يوجد قافة اعتبرنا اللبن خاصة وإن تنازعا أحد الولدين وهما جميعا ذكران أو أنثيان عرضوا على القافة كما ذكرنا فيما تقدم فصل ولو ادعى اللقيط رجلان فقال أحدهما هو ابني وقال الآخر هو ابنتي نظرنا فإن كان ابنا فهو لمدعيه وإن كانت بنتا فهي لمدعيها لأن كل واحد منهما لا يستحق غير ما ادعاه وإن كانت خنثى مشكلا أري القافة معهما لأنه ليس قول واحد منهما أولى من الآخر وإن أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه فالحكم فيهما كالحكم فيما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوى لأن بينة الكاذب منهما كاذبة وجودها كعدمها والأخرى صادقة فيتعين الحكم بها فصل وإذا وطىء رجلان امرأة في طهر واحد وطأ يلحق النسب بمثله فأتت بولد يمكن أن يكون منهما مثل أن يطأ جارية مشتركة بينهما في طهر أو يطأ رجل امرأة آخر أو أمته بشبهة في الطهر الذي وطئها زوجها أو سيدها فيه بأن يجدها على فراشه فيظنها زوجته أو أمته أو يدعو زوجته في ظلمة فتجيبه زوجة آخر أو جاريته أو يتزوجها كل واحد منهما تزويجا فاسدا أو يكون نكاح أحدهما صحيحا والآخر فاسدا مثل أن يطلق رجل امرأته فنكحها آخر في عدتها ووطئها أو يبيع جارية فيطؤها المشتري قبل استبرئها وتأتي بولد يمكن أن يكون منهما فإنه يرى القافة معهما فبأيهما ألحقوه لحق والخلاف فيه كالخلاف في اللقيط فصل وإذا ادعى رق اللقيط مدع سمعت دعواه لأنها ممكنة وإن كانت مخالفة لظاهر الدار فإن لم تكن له بينة فلا شيء له لأنها دعوى تخالف الظاهر وتخالف دعوى النسب من وجهين أحدهما أن دعوى النسب لا تخالف الظاهر ودعوى الرق مخالفة له فصل والثاني أن دعوى النسب نثبت بها حقا للقيط ودعوى الرق نثبت حقا عليه فلم تقبل بمجردها كما لو ادعى رق غير اللقيط فإذا لم تكن له بينة سقطت الدعوى وإن كانت له بينة لم تخل إما أن تشهد باليد أو بالملك أو بالولادة فإن شهدت بالملك أو باليد لم تقبل فيه إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين وإن شهدت بالولادة قبل فيه امرأة واحدة أو رجل واحد لأنه مما لا يطلع عليه الرجال ثم ننظر فإن شهدت البينة باليد فإن كانت للملتقط لم يثبت به ملك لأننا عرفنا سبب يده فإن كانت لأجنبي حكم له باليد والقول قوله مع يمينه في الملك
وإن شهدت بالملك فقالت نشهد أن عبده أو مملوكه حكم بها وإن لم تذكر سبب الملك كما لو شهدت بملك دار أو ثوب فإن شهدت بأن أمته ولدته في ملكه حكم له به لأن أمته لا تلد في ملكه إلا ملكه وإن شهدت أنه ابن أمته أو أن أمته ولدته ولم تقل في ملكه احتمل أن يثبت له الملك بذلك كقولها في ملكه لأن أمته ملكه فنماؤها ملكه كسمنها واحتمل أن لا يثبت الملك لأنه يجوز أن تلده قبل ملكه لها فلا تكون له وهو ابن أمته فصل وإن ادعى رق اللقيط بعد بلوغه مدع كلف إجابته فإن أنكر ولا بينة للمدعى لم تقبل دعواه وإن كانت له بينة حكم له بها فإن كان اللقيط قد تصرف قبل ذلك ببيع أو شراء نقضت تصرفاته لأنه بان أنه تصرف بغير إذن سيده وإن لم تكن بينة فأقر الرق نظرنا فإن كان اعترف لنفسه بالحرية قبل ذلك لم يقبل إقراره بالرق لأنه اعترف بالحرية وهو حق لله تعالى فلا يقبل رجوعه في إبطاله وإن لم يكن اعترف بالحرية احتمل وجهين أحدهما يقبل وهو قول أصحاب الرأي لأنه مجهول الحال أقر بالرق فيقبل كما لو قدم رجلان من دار الحرب فأقر أحدهما للآخر بالرق كما لو أقر بقصاص أو حد فإنه يقبل وإن تضمن ذلك فوات نفسه ويحتمل أن لا يقبل وهو الصحيح لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها فلم يصح كما لو أقر قبل ذلك بالحرية ولأنه محكوم بحريته فلم يقبل إقراره بالرق كما ذكرنا ولأن الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه ولا حريتها ولم يتجدد له حال يعرف به رق نفسه لأنه في تلك الحال ممن لا يعقل ولم يتجدد له رق بعد التقاطه فكان إقراره باطلا وهذا قول القاسم وابن المنذر وللشافعي وجهان كما ذكرنا فإن قلنا يقبل إقراره صارت أحكامه أحكام العبيد فيما عليه دون ماله وبهذا قال أبو حنيفة والمزني وهو أحد قولي الشافعي لأنه أقر بما يوجب حقا له فوجب أن يثبت ما عليه دون ما له كما لو قال لفلان علي ألف درهم ولي عنده رهن ويحتمل أن يقبل إقراره في الجميع وهو القول الثاني للشافعي لأنه ثبت ما عليه فيثبت ما له كالبينة ولأن هذه الأحكام تبع للرق فإذا ثبت الأصل بقول ثبت التبع كما لو شهدت امرأة بالولادة تثبت ويثبت النسب تبعا لها وأما إن أقر بالرق ابتداء لرجل فصدقه فهو كما لو أقر به جوابا وإن كذبه بطل إقراره ثم إن أقر به بعد ذلك لرجل آخر جاز وقال بعض أصحابنا يتوجه أن لا يسمع إقراره الثاني لأن إقراره الأول تضمن الاعتراف بنفي مالك له سوى هذا المقر فإذا بطل إقراره برد المقر له بقي الاعتراف بنفي مالك له غيره فلم يقبل إقراره بما نفاه كما لو أقر بالحرية ثم أقر بعد ذلك بالرق ولنا إنه إقرار لم يقبله المقر له فلم يمنع إقراره ثانيا كما لو أقر له بثوب ثم أقر به لآخر بعد رد الأول وفارق الإقرار بالحرية فإن إقراره بها لم يبطل ولم يرد فصل إذا قبلنا إقراره بالرق بعد نكاحه لم يخل من أن يكون ذكرا أو أنثى
فإن كان ذكرا فإن كان قبل الدخول فسد نكاحه في حقه لأنه مقر أنه عبد تزوج بغير إذن سيده ولها عليه نصف المهر لأنه حق عليه فلم يسقط بقوله وإن كان بعد الدخول فسد نكاحه أيضا ولها عليه المهر جميعه لما ذكرنا لأن الزوج يملك الطلاق فإذا أقر بما يوجب الفرقة لزمته وولده حر تابع لأمه وإن كان في يده كسب استوفى المهر منه لأنه لم يثبت إقراره به لسيده بالنسبة إلى امرأته فلا ينقطع حقها منه بإقراره وإن قلنا يقبل قوله في جميع الأحكام فالنكاح فاسد لكونه تزوج بغير إذن سيده ويفرق بينهما ولا مهر لها عليه إن لم تكن مدخولا بها وإن كان دخل بها فلها عليه المهر المسمى جميعه في إحدى الروايتين والأخرى خمساه وإن كان اللقيط أنثى فالنكاح صحيح في حقه وإن كان قبل الدخول فلا مهر لها لإقرارها بفساد نكاحها وأنها أمة تزوجت بغير إذن سيدها والنكاح الفاسد لا يجب المهر فيه إلا بالدخول وإن كان دخل بها لم يسقط مهرها ولسيدها الأقل من المسمى أو مهر المثل لأن المسمى إن كان أقل فالزوج ينكر وجوب الزيادة عليه وقولها غير مقبول في حقه وإن كان الأقل مهر المثل فهي وسيدها يقران بفساد النكاح وأن الواجب مهر المثل فلا يجب أكثر منه إلا على الرواية التي يجب فيها المسمى في النكاح الفاسد فيجب ها هنا المسمى قل أو كثر لاعتراف الزوج بوجوبه وأما الأولاد فأحرار ولا تجب قيمتهم لأنه لو وجب لوجب بقولها ولا يجب بقولها حق على غيرها ولا يثبت الرق في حق أولادها بإقرارها فأما بقاء النكاح فيقال للزوج قد ثبت أنها أمة ولدها رقيق لسيدها فإن اخترت المقام على ذلك فأقم وإن شئت ففارقها وسواء كان ممن يجوز له نكاح الإماء أو لم يكن لأننا لو اعتبرنا ذلك وأفسدنا نكاحه لكان إفسادا للعقد جميعه بقولها لأنه شروط نكاح الأمة لا تعتبر في استدامة العقد إنما تعتبر في ابتدائه فإن قيل فقد قبلتم قولها في أنها أمة في المستقبل وفيه ضرر على الزوج قلنا لم يقبل قولها في إيجاب حق لم يدخل في العقد عليه فأما الحكم في المستقبل فيمكن إيفاء حقه وحق من ثبت له الرق عليها بأن يطلقها فلا يلزمه ما لم يدخل عليه أو يقم على نكاحها فلا يسقط حق سيدها فإن طلقها اعتدت عدة الحرة لأن عدة الطلاق حق للزوج بدليل أنها لا تجب إلا بالدخول وسببها النكاح السابق فلا يقبل قولها في تنقيصها وإن مات اعتدت عدة الأمة لأن المغلب فيها حق الله تعالى بدليل وجوبها قبل الدخول فقبل قولها فيها ومن قال بقبول قولها في جميع الأحكام فهذه أمة قد تزوجت بغير إذن سيدها فنكاحها فاسد ويفرق بينهما وإن كان قبل الدخول فلا مهر لها وإن كان دخل بها وجب لها مهر أمة نكحت بغير إذن سيدها على ما ذكر في موضعه وهل ذلك مهر المثل أو المسمى فيه روايتان وتعتد حيضتين لأنه وطء في نكاح فاسد وأولاده أحرار لاعتقاده حريتها فإنه مغرور بحريتها وعليه قيمتهم يوم الوضع وإن مات عنها لم تجب عدة الوفاة فصل وإن كان قد تصرف ببيع أو شراء فتصرفه صحيح وما عليه من الحقوق والأثمان يؤدي مما في يديه وما فضل عليه ففي ذمته لأن معامله لا يعترف برقه ومن قال بقبول إقراره في جميع الأحكام قال بفساد عقوده كلها وأوجب رد الأعيان إلى أربابها إن كانت باقية وإن كانت تالفة وجبت قيمتها في رقبته إن قلنا إنما استدان العبد بغير إذن سيده فهو في رقبته وإن قلنا بأن استدانة العبد في ذمته فهذا كذلك ويتبع به بعد العتق لأنه ثبت رضى صاحبه فصل وإن كان قد جنى جناية موجبة للقصاص فعليه القود حرا كان المحني عليه أو عبدا لأن إقراره بالرق يقتضي وجوب القود عليه فيما إذا كان المجني عليه عبدا أو حرا فقبل إقراره فيه وإن كانت الجناية خطأ تعلق أرشها برقبته لأن ذلك مضر به
فإن كان أرشها أكثر من قيمته وكان في يده مال استوفى منه وإن كان مما تحمله العاقلة لم يقبل قوله في إسقاط الزيادة لأن ذلك يضر بالمجني عليه فلا يقبل قوله فيه وقيل تجب الزيادة في بيت المال لأن ذلك كان واجبا للمجني عليه فلا يقبل قوله في إسقاطه وإن جنى عليها جناية موجبة للقود وكان الجاني حرا سقط لأن الحر لا يقاد منه للعبد وقد أقر المجني عليه بما يسقط القصاص وإن كانت موجبة لمال يقل بالرق وجب أقل الأمرين وإن كان مساويا للواجب قبل الإقرار وجب ويدفع الواجب إلى سيده وإن كان الواجب يكثر لكون قيمته عبدا أكثر من ديته حرا لم يجب إلا أرش الجناية على الحر ومن قبل قوله في الأحكام كلها أوجب أرش الجناية على العبد وإن كان الأرش تحمله العاقلة إذا كان حرا سقط عن العاقلة ولم يجب على الجاني لأن إقراره بالرق يتضمن إقراره بالسقوط عن العاقلة ولم يقبل في إيجابه على الجاني فسقط وقيل لا يتحول عن العاقلة ومن قال لا يقبل إقراره في الأحكام كلها أوجب الأرش على الجاني كتاب الوصايا الوصايا جمع وصية مثل العطايا جمع عطية والوصية بالمال هي التبرع به بعد الموت والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله سبحانه وتعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية البقرة 180 وقال الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء 11 وأما السنة فروى سعد بن أبي وقاص قال جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله فقد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي قال لا قلت فبالشطر يا رسول الله قال لا قلت فبالثلث قال الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده متفق عليهما وروى أبو أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث رواه سعيد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن علي رضي الله عنه قال إنكم تقرؤون هذه الآية من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء 11 وإن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الدين قبل الوصية ورواه الترمذي وأجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية فصل ولا تجب الوصية إلا على من عليه دين أو عنده وديعة أو عليه واجب يوصي بالخروج منه فإن الله تعالى فرض أداء الأمانات وطريقه في هذا الباب الوصية فتكون مفروضة عليه فأما الوصية بجزء من ماله فليست بواجبة على أحد في قول الجمهور وبذلك قال الشعبي والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم وقال ابن عبد البر أجمعوا على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه حقوق بغير بينة وأمانة بغير إشهاد إلا طائفة شذت فأوجبتها روي عن الزهري أنه قال جعل الله الوصية حقا مما قل أو كثر وقيل لأبي مجلز على كل ميت وصية قال إن ترك خيرا وقال أبو بكر عبد العزيز هي واجبة للأقربين الذين لا يرثون وهو قول داود وحكي ذلك عن مسروق وطاوس وإياس وقتادة وابن جرير واحتجوا بالآية وخبر ابن عمر وقالوا نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين وبقيت فيمن لا يرث من الأقربين
ولنا أن أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنهم وصية ولم ينقل لذلك نكير ولو كانت واجبة لم يخلوا بذلك ولنقل عنهم نقلا ظاهرا ولأنها عطية لا تجب في الحياة فلا تجب بعد الموت كعطية الأجانب فأما الآية فقال ابن عباس نسخها قوله سبحانه للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون النساء 7 وقال ابن عمر نسختها آية الميراث وبه قال عكرمة ومجاهد ومالك والشافعي وذهب طائفة ممن يرى نسخ القرآن بالسنة إلى أنها نسخت بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وحديث ابن عمر محمول على من عليه واجب أو عنده وديعة فصل وتستحب الوصية بجزء من الماء لمن ترك خيرا لأن الله تعالى قال كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية البقرة 180 فنسخ الوجوب وبقي الاستحباب في حق من لا يرث وقد روي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن آدم جعلت لك نصيبا من مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك وأزكيك وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم رواهما ابن ماجه وقال الشعبي من أوصى بوصية فلم يجر ولم يحف كان له من الأجر مثل ما لو أعطاها وهو صحيح وأما الفقير الذي له ورثة محتاجون فلا يستحب له أن يوصي لأن الله قال في الوصية إن ترك خيرا البقرة 180 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وقال ابدأ بنفسك ثم بمن تعول وقال علي رضي الله عنه لرجل أراد أن يوصي إنك لن تدع طائلا إنما تركت شيئا يسيرا فدعه لورثتك وعنه أربعمائة دينار ليس فيها فضل عن الورثة وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال لها لي ثلاثة آلاف درهم وأربعة أولاد أفأوصي فقالت اجعل الثلاثة للأربعة وعن ابن عباس قال من ترك سبعمائة درهم ليس عليه وصية وقال عروة دخل على علي صديق له يعوده فقال الرجل إني أريد أن أوصي فقال له إن الله تعالى يقول إن ترك خيرا وإنك إنما تدع شيئا يسيرا فدعه لورثتك واختلف أهل العلم في القدر الذي لا يستحب له لمالكه فروي عن أحمد إذا ترك دون الألف لا تستحب الوصية وعن علي أربعمائة دينار وقال ابن عباس إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي وقال من ترك ستين دينارا ما ترك خيرا وقال طاوس الخير ثمانون دينارا وقال النخعي ألف وخمسمائة وقال أبو حنيفة القليل أن يصيب أقل الورثة منها خمسون درهما والذي يقوى عندي أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة فلا تستحب الوصية لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل المنع من الوصية بقوله أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبي فمتى لم يبلغ الميراث غناهم كان تركه لهم كعطيتهم إياه فيكون ذلك أفضل من الوصية به لغيرهم فعند هذا يختلف الحال باختلاف الورثة في كثرتهم وقلتهم وغناهم وحاجتهم فلا يتقيد بقدر من المال والله أعلم وقد قال الشعبي ما من مال أعظم أجرا من مال يتركه الرجل لولده يغنيهم به عن الناس
فصل والأولى أن لا يستوعب الثلث بالوصية وإن كان غنيا لقول النبي صلى الله عليه وسلم والثلث كثير قال ابن عباس لو أن الناس غضوا من الثلث فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال الثلث كثير متفق عليه وقال القاضي وأبو الخطاب إن كان غنيا استحب الوصية بالثلث ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد والثلث كثير مع إخباره إياه بكثرة ماله وقلة عياله فإنه قال في الحديث إن لي مالا كثيرا ولا يرثني إلا ابنتي وروى سعيد ثنا خالد بن عبد الله ثنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد بن مالك قال مرضت مرضا فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي أوصيت فقلت فقلت نعم أوصيت بمالي كله للفقراء وفي سبيل الله فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أوص بالعشر يا رسول الله إن مالي كثير وورثتي أغنياء فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناقصني وأناقصه حتى قال أوص بالثلث والثلث كثير وقال أبو عبد الرحمن لمن يكن أحد منا يبلغ في وصيته الثلث حتى ينقص منه شيئا لقول النبي صلى الله عليه وسلم الثلث والثلث كثير إذا ثبت هذا فالأفضل للغني الوصية بالخمس ونحو هذا يروى عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وهو ظاهر قول السلف وعلماء أهل البصرة ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه جاءه شيخ فقال يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير ومالي كثير ويرثني أعراب موالي كلالة منزوح نسبهم أفأوصي بمالي كله قال لا قال فلم يزل يحط حتى بلغ العشر وقال إسحاق السنة الربع إلا أن يكون رجلا يعرف في ماله حرمة شبهات أو غيرها فله استيعاب الثلث ولنا إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أوصى بالخمس وقال رضيت بما رضي الله به لنفسه يعني قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 وروي أن أبا بكر وعليا رضي الله عنهما أوصيا بالخمس وعن علي رضي الله عنه أنه قال لأن أوصي بالخمس أحب إلي من الربع وعن إبراهيم قال كانوا يقولون صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع وعن الشعبي قال كان الخمس أحب إليهم من الثلث فهو منتهى الجامح وعن العلاء بن زياد قال أوصى أبي أن أسأل العلماء أي الوصية أعدل فما تتابعوا عليه فهو وصيته فتتابعوا على الخمس فصل والأفضل أن يجعل وصيته لأقاربه الذين لا يرثون إذا كانوا فقراء في قول عامة أهل العلم قال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء علمت في ذلك إذا كانوا ذوي حاجة وذلك لأن الله تعالى كتب الوصية للوالدين والأقربين فخرج منه الوارثون بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وبقي سائر الأقارب لهم وأقل ذلك الاستحباب وقد قال الله تعالى وآت ذا القربى حقه الإسراء 26 وقال تعالى وآتى المال على حبه ذوي القربى البقرة 177 فبدأ بهم ولأن الصدقة عليهم في الحياة أفضل فكذلك بعد الموت فإن أوصى لغيرهم وتركهم صحت وصيته في قول أكثر أهل العلم منهم سالم وسليمان بن يسار وعطاء ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وحكي عن طاوس والضحاك وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا ينزع عنهم ويرد إلى قرابته وعن سعيد بن المسيب والحسن وجابر بن زيد للذي أوصى له ثلث الثلث والباقي يرد إلى قرابة الموصي لأنه لو أوصى بماله كله لجاز منه الثلث والباقي رد على الورثة وأقاربه الذين لا يرثونه في استحقاق الوصية كالورثة في استحقاق المال كله ولنا ما روى عمران بن حصين أن رجلا أعتق في مرضه ستة أعبد لم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة فأجاز العتق في ثلثه لغير قرابته ولأنها عطية فجازت لغير قرابته كالعطية في الحياة مسألة قال ( ولا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة ذلك )
وجملة ذلك أن الإنسان إذا وصى لوارثه بوصية فلم يجزها سائر الورثة لم تصح بغير خلاف بين العلماء قال ابن المنذر وابن عبد البر أجمع أهل العلم على هذا وجاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فروى أبو أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي ولأن النبي صلى الله عليه وسلم منع من عطية بعض ولده وتفضيل بعضهم على بعض في حال الصحة وقوة الملك وإمكان تلافي العدل بينهم بإعطاء الذي لم يعطه فيما بعد ذلك لما فيه من إيقاع العداوة والحسد بينهم ففي حال موته أو مرضه وضعف ملكه وتعلق الحقوق به وتعذر تلافي العدل بينهم أولى وأحرى وإن أجازها جازت في قول الجمهور من العلماء وقال بعض أصحابنا الوصية باطلة وإن أجازها سائر الورثة إلا أن يعطوه عطية مبتدأة أخذا من ظاهر قول أحمد في رواية حنبل لا وصية لوارث وهذا قول المزني وأهل الظاهر وهو قول للشافعي واحتجوا بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وظاهر مذهب أحمد والشافعي أن الوصية صحيحة في نفسها وهو قول جمهور العلماء لأنه تصرف صدر من أهله في محله فصح كما لو وصى لأجنبي والخبر قد روي فيه إلا أن يجيز الورثة والاستثناء من النفي إثبات فيكون ذلك دليلا من صحة الوصية عند الإجازة ولو خلا من الاستثناء كان معناه لا وصية نافذة أو لازمة أو ما أشبه هذا أو يقدر فيه لا وصية لوارث عند عدم الإجازة من غيره من الورثة وفائدة الخلاف أن الوصية إذا كانت صحيحة فإجازة الورثة تنفيذ وإجازة محضة يكفي فيها قول الوارث أجزت أو أمضيت أو نفذت فإذا قال ذلك لزمت الوصية وإن كانت باطلة كانت الإجازة هبة مبتدأة تفتقر إلى شروط الهبة من اللفظ والقبول والقبض كالهبة المبتدأة ولو رجع المجيز قبل القبض فما يعتبر فيه القبض صح رجوعه فصل وإن أسقط عن وارثه دينا أو أوصى بقضاء دينه أو أسقطت المرأة صداقها عن زوجها أو عفا عن جناية موجبها المال فهو كالوصية وإن عفا عن القصاص وقلنا الواجب القصاص عينا سقط إلى غير بدل وإن قلنا الواجب أحد شيئين سقط القصاص ووجب المال وإن عفا عن حد القذف سقط مطلقا وإن وصى لغريم وارثه صحت الوصية وكذلك إن وهب له وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وقال أبو يوسف هو وصية للوارث لأن الوارث ينتفع بهذه الوصية وتستوفى ديونه منها ولنا إنه وصى لأجنبي فصح كما لو وصى لمن عادته الإحسان إلى وارثه وإن وصى لولد وارثه صح فإن كان يقصد بذلك نفع الوارث لم يجز فيما بينه وبين الله تعالى قال طاوس في قوله عز وجل فمن خاف من موص جنفا أو إثما البقرة 182 قال أن يوصي لولد ابنته وهو يريد ابنته رواه سعيد قال ابن عباس الجنف في الوصية والإضرار فيها من الكبائر فصل وإن وصى لكل وارث بمعين من ماله بقدر نصيبه كرجل خلف ابنا وبنتا وعبدا قيمته مائة وجارية قيمتها خمسون فوصى لابنه بعبده ولابنته بأمته احتمل أن تصح الوصية لأن حق الوارث في القدر لا في العين بدليل ما لو عاوض المريض بعض ورثته أو أجنبيا بجميع ماله صح إذا كان ذلك بثمن المثل وإن تضمن فوات عين المال واحتمل أن تقف على الإجازة لأن في الأعيان غرضا صحيحا وكما لا يجوز إبطال حق الوارث في قدر حقه لا يجوز من عينه
فصل وإذا ملك المريض من يعتق عليه بغير عوض عتق وورث وبهذا قال مالك وبعض أصحاب الشافعي وحكاه الخبري مذهبا للشافعي ولا خلاف بين هؤلاء في أنه إذا ملكه بالميراث أنه يعتق ويرث وقال أبو حنيفة إن حمله لاثلث عتق وورث وإلا سعى فيما بقي عليه ولم يرث ولم يفرق بين أن يملكه بعوض أو غيره وقال أبو يوسف ومحمد يحتسب ميراثهم من قيمتهم فإن فضل شيء أخذه وإن فضل عليهم شيء سعوا فيه ولنا إن المريض لم يضع فيهم شيئا من ماله وإنما تعاطى سبب ملكهم على وجه لم يستقر وزال بغير إزالته فلم يحتسب عليه من ثلثه كما لو اتهب شيئا فرجع الواهب فيه قبل قبضه أو اشترى شيئا فيه غبطة بشرط الخيار ففسخ البائع أو وجد بالثمن عيبا فسخ البيع أو تزوجت المرأة فطلقت قبل الدخول وإذا لم تكن وصية لم تحتسب عليه من الثلث لم يمنع الميراث كما لو ملكه بالميراث عند من سلمه أو كما لو كان ذلك في صحته فإن ملكه بعوض كالشراء فحكى الخبري عن أحمد أنه يعتق ويرث وهذا قول ابن الماجشون وأهل البصرة وقال القاضي في المجرد إن ملكه بعوض وخرج من الثلث عتق وورث وإلا عتق منه بقدر الثلث وهذا قول مالك وقال الخبري وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وحكى غيره عن الشافعي أنه لا فرق عنده بين أن يملكه بعوض أو غيره وأنه إن خرج من الثلث عتق وإلا عتق منه بقدر الثلث ولا يرث في الحالين لأنه لو ورث لكان إعتاقه وصية لوارث فيبطل عتقه ويبطل ميراثه لبطلان عتقه فيؤدي توريثه إلى إبطال توريثه فصححنا عتقه ولم نورثه لئلا يفضي إلى ذلك ومذهب أبي حنيفة وصاحبيه في هذا كمذهبهم فيما إذا ملكه بغير عوض ولنا على إعتاقه قول النبي صلى الله عليه وسلم من ملك ذا رحم محرم فهو حر ولأنه ملك وجد معه ما ينافيه فبطل كملك النكاح مع ملك الرقبة أعني فيما إذا اشترى أحد الزوجين صاحبه وإذا أعتق ورث لأنه وجد سبب الميراث عريا عن الموانع فورث كما لو ورثه وقولهم إن عتقه وصية لا يصح لأن الوصية فعله والعتق ها هنا يحصل من غير اختياره ولا إرادته ولأن رقبة المعتق لا تحصل له وإنما تتلف ماليته وتزول فيصير ذلك كتلفه بقتل بعض رقيقه أو كإتلاف ماله في بناء مسجد مثال ذلك مريض وهب له ابنه فقبله وقيمته مائة ثم مات المريض وخلف ابنا آخر ومائتين فإنه يعتق ويقاسم أخاه المائتين في قول الأكثرين وعند الشافعي فيما حكى عنه غير الخبري يعتق ولا يورث شيئا وعند صاحبي أبي حنيفة يعتق وله نصف التركة يحتسب عليه بقيمته ويبقى له خمسون وإن كان باقي التركة خمسين فعندنا يعتق وله نصف الخمسين وهو قول مالك وعند أبي حنيفة يعتق نصفه ويسعى في باقيه والخمسون كلها لأخيه وقال صاحباه تعتق ثلاثة أرباعه وعند الشافعي في قول غير الخبري يعتق نصفه ويرق نصفه ونصفه الرقيق والخمسون كلها لأخيه وإن كان باقي التركة ثلاثمائة فعندنا يعتق وله مائة وخمسون وعند الشافعي يعتق ولا يرث شيئا وعند صاحبي أبي حنيفة يعتق وله مائة فإن كان اشترى ابنه بمائة ومات وخلف ابنا آخر ومائة أخرى فعلى الرواية الأولى يعتق ويقسم أخاه المائة الباقية وعلى ما حكاه القاضي يعتق منه ثلثاه ويرث أربعين ويعتق باقيه على أخيه ولا يرث بذلك الجزء شيئا لأن عتقه حصل بعد موت أبيه وعند الشافعي يعتق ثلثاه ولا يرث وقال أبو حنيفة يعتق ثلثاه ويسعى في باقيه ولا يرث وعند صاحبيه يعتق كله ولا يرث شيئا فإن كان قد تصدق قبل ذلك بثلثه أو حابى به لم يعتق لأن الثلث قد ذهب
فصل وإن ملك من ورثته من لا يعتق عليه كبني عمه فأعتقهم في مرضه فعتقهم وصية لأنه حصل بفعله واختياره وحكمهم في العتق حكم الأجانب إن خرجوا من الثلث عتقوا وإلا عتق منهم بقدر الثلث وينبغي أن يعتقوا ولا يرثوا لأنهم لو ورثوا لكانت وصية لوارث فيبطل عتقهم ثم يبطل ميراثهم وقال قال أبو الخطاب في رجل ملك ابن عمه فأقر في مرضه أنه كان أعتقه في صحته عتق ولم يرث وهذا في معنى ما ذكرنا لأن إقراره لوارث غير مقبول فمنعنا ميراثه ليقبل إقراره له بالإعتاق فصل مريض اشترى أباه بألف لا مال له سواه فعلى رواية الخبري يعتق كله وعلى القول الآخر يعتق ثلثه على المعتق ويعتق باقيه على ابنه وهذا قول مالك وقال أبو حنيفة يعتق ثلثه ويسعى للابن في ثلثيه وعلى قول صاحبيه يعتق سدسه ويسعى في خمسة أسداسه وقيل على قياس قول الشافعي يفسخ الشراء إلا أن يجيز الابن عتقه وقيل يعتق ثلثه ويفسخ البيع في ثلثيه وإن خلف ألفين سواه عتق وورث سدسهما وبه قال مالك وأبو حنيفة وفي قول صاحبيه يعتق نصفه ويسعى في قيمة نصفه فصل وإذا وهب الإنسان أبوه أو أوصى له به استحب له أن يقبله ولم يجب وهذا قول الشافعي ويحتمل أن يجب عليه قبوله لأن فيه إعتاقا لأبيه من غير التزام مال ولنا إنه استجلاب ملك على الأب فلم يلزمه كما لو بذل له بعوض أو كما لو بذل له ابنه أو غيره من أقاربه ولأنه يلزمه ضرر بلحوق المنة به وتلزمه نفقته وكسوته فصل إذا وصى لوارثه وأجنبي بثلثه فأجاز سائر الورثة وصية الوارث فالثلث بينهما وإن وصى لكل واحد منهما بمعين قيمتهما الثلث فأجاز سائر الورثة وصية الوارث جازت الوصية لهما وإن ردوا بطلت وصية الوارث في المسألتين وللأجنبي السدس في الأولى والمعين الموصى له به في الثانية وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم وإن كانت الوصيتان بثلثي ماله فأجاز الورثة لهما جازت لهما وإن عينوا نصيب الوارث بالرد وحده فللأجنبي الثلث كاملا لأنهم خصوا الوارث بالإبطال فالثلث كله للأجنبي وسقطت وصية الوارث فصار كأنه لم يوص له وإن أبطلوا الزائد عن الثلث من غير تعيين نصيب أحدهما فالثلث الباقي بين الوصيين لكل واحد منهما السدس هذا الذي ذكره القاضي وهو قول مالك والشافعي وذلك لأن الوارث يزاحم الأجنبي إذا أجاز الورثة الوصيتين فيكون لكل واحد منهما الثلث فإذا أبطلوا نصفهما بالرد كان البطلان راجعا إليهما وما بقي منهما بينهما كما لو تلف ذلك بغير الرد واختار أبو الخطاب أن الثلث جميعه للأجنبي وحكي نحو هذا عن أبي حنيفة لأنهم لا يقدرون على إبطال الثلث فما دون إذا كان للأجنبي ولو جعلنا الوصية بينهما لملكوا إبطال ما زاد على السدس فإن صرح الورثة بذلك فقالوا إجزنا الثلث لكما ورددنا ما زاد عليه في وصيتكما أو قالوا رددنا من وصية كل واحد منكما نصفها وبقينا له نصفها كان ذلك آكد في جعل السدس لكل واحد منهما لتصريحهم به وإن قالوا أجزنا وصية الوارث كلها ورددنا نصف وصية الأجنبي فهو على ما قال لأن لهم أن يجيزوا لهما ويردوا عليهما فكان لهم أن يجيزوا لأحدهما ويردوا على الآخر وإن أجازوا للأجنبي جميع وصيته وردوا على الوارث نصف وصيته جاز كما قلنا وإن أرادوا أن ينقصوا الأجنبي عن نصف وصيته لم يملكوا ذلك سواء أجازوا للوارث أو ردوا عليه فإن ردوا جميع وصية الوارث ونصف وصية الأجنبي فعلى قول القاضي لهم ذلك لأن لهم أن يجيزوا الثلث فلهما فيشتركان فيه ويكون لكل واحد منهما نصفه ثم إذا رجعوا فيما للوارث لم يزد الأجنبي على ما كان له في حالة الإجازة للوارث وعلى قول أبي الخطاب يتوفر الثلث كله للأجنبي لأنه إنما ينقص منه بمزاحمة الوارث فإذا زالت المزاحمة وجب توفير الثلث لأنه قد أوصى له به ولو خلف ابنين ووصى لهما بثلثي ماله ولأجنبي بالثلث فردا الوصية فقال أبو الخطاب عندي للأجنبي الثلث كاملا وعند القاضي له التسع ويجيء فيه من الفروع مثل ما ذكرنا في التي قبلها