İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
في وقته وذلك حين وضع الولد قضى بذلك عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم وهو قول الشافعي وقال أبو ثور والثوري وأصحاب الرأي يضمنهم بقيمتهم يوم الخصومة لأنه إنما يضمنهم بالمنع ولم يمنعهم إلا حال الخصومة ولنا إنه محكوم بحريته عند الوضع فوجب أن يضمنه لأنه فات رقه من حينئذ ولأن القيمة التي تزيد بعد الوضع لم تكن مملوكة لمالك الأمة فلم يضمنها كما بعد الخصومة فإن قيل فقد كان محكوما بحريته وهو حين قلنا إلا أنه لم يمكن تضمينه حينئذ لعدم قيمته والاطلاع عليه فأوجبنا ضمانه في أول حال يمكن تضمينه وهو حال الوضع المسألة الثانية في صفة الفداء وفيها ثلاث روايات إحداهن بقيمتهم وهو قول أكثر الفقهاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شقصا من عبد قوم عليه نصيب شريكه ولأن الحيوان من المتقومات لا من ذوات الأمثال فيجب ضمانه بقيمته كما لو أتلفه والثانية يضمنهم بمثلهم عبيدا الذكر بذكر والأنثى بأثنى لما روى سعيد بن المسيب قال أبقت جارية لرجل من العرب وانتمت إلى بعض العرب فتزوجها رجل من بني عذرة ثم إن سيدها دب فاستاقها واستاق ولدها فاختصموا إلى عمر رضي الله عنه فقضى للعذري بفداء ولده بغرة غرة مكان كل غلام ومكان كل جارية بجارية وكان عمر يقوم الغرة على أهل القرى ومن لم يجد غرة ستين دينارا ولأن ولد المغرور حر فلا يضمن بقيمته كسائر الأحرار فعلى هذه الرواية ينبغي أن ينظر إلى مثلهم في الصفات تقريبا لأن الحيوان ليس من ذوات الأمثال ويحتمل أن يجب مثلهم في القيمة وهو قول أبي بكر الثالثة هو مخير بين فدائهم بمثلهم أو قيمتهم قال أحمد في رواية الميموني إما القيمة أو رأس برأس لأنهما جميعا يرويان عن عمر ولكن لا أدري أي الإسنادين أقوى وهذا اختيار أبي بكر وقال في المقنع الفدية غرة بغرة بقدر القيمة أو القيمة وأيها أعطى أجزأه ووجه ذلك أنه تردد بين الجنين الذي يضمن بغرة وبين إلحاقه بغيره من المضمونات فاقتضى التخيير بينهما والصحيح أنه يضمن بالقيمة كسائر المضمونات المتقومات وقول عمر قد اختلف عنه فيه قال أحمد في رواية أبي طالب وعليه قيمتهم مثل قول عمر وإذا تعارضت الروايات عنه وجب الرجوع إلى القياس المسألة الثالثة فيمن يضمن منهم وهو من ولد حيا لوقت يعيش لمثله سواء عاش أو مات بعد ذلك وقال مالك والثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي لا ضمان على الأب لمن مات منهم قبل الخصومة وهذا مبني على وقت الضمان وقد ذكرناه فأما السقط ومن ولد لوقت لا يعيش في مثله وهو دون ستة أشهر فلا ضمان لأنه لا قيمة له الفصل الرابع في المهر ولا يخلو أن يكون ممن يجوز له نكاح الإماء أو لا فإن كان ممن يجوز له نكاح الإماء وقد نكحها نكاحا صحيحا فلها المسمى وإن لم يدخل بها واختار الفسخ فلا مهر لها لأن الفسخ تعذر من جهتها فهي كالمعيبة يفسخ نكاحها وإن كان ممن لا يجوز له نكاح الإماء فالعقد فاسد من أصله ولا مهر فيه قبل الدخول فإن دخل بها فعليه مهرها وهل يجب المسمى أو مهر المثل على روايتين ذكرناهما فيما مضى وكذلك إن كان ممن يجوز له نكاح الإماء لكن تزوجها بغير إذن سيدها أو نحو ذلك مما يفسد به النكاح
الفصل الخامس أنه يرجع بما غرمه على من غره في المهر وقيمة الأولاد وهذا اختاره الخرقي ورواية عن أحمد قال ابن المنذر كذلك قضى عمر وعلي وابن عباس وبه قال الشافعي في القديم والرواية الأخرى لا يرجع بالمهر وهو اختيار أبي بكر قال وهو قول علي وبه قال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد لأنه وجب عليه في مقابلة نفع وصل إليه وهو الوطء فلم يرجع به كما لو اشترى مغصوبا فأكله بخلاف قيمة الولد فإنها لم تحصل في مقابلة عوض لأنها وجبت بحرية الولد وحرية الولد للولد لا لأبيه قال القاضي والمذهب أنه يرجع بالمهر لأن أحمد قال كنت أذهب إلى حديث علي ثم كأني هبته وكأني أميل إلى حديث عمر يعني في الرجوع ولأن العاقد ضمن له سلامة الوطء كما ضمن له سلامة الولد فكما يرجع عليه بقيمة الولد كذلك يرجع بالمهر قال وعلى هذا الأصل يرجع بأجرة الخدمة إذا غرمها كما يرجع بالمهر ولا أعرف عن أصحابنا بينهما فرقا وقال إذا ثبت هذا فإن كان الغرور من السيد فقال هي حرة عتقت وإن كان بلفظ غير هذا لم تثبت به الحرية فلا شيء له لأنه لا فائدة في أن يجب له ما يرجع به عليه وإن كان الغرور من وكيله رجع عليه في الحال وإن كان من أجنبي رجع عليه أيضا وإن كان منها فليس لها في الحال مال فيتخرج فيها وجهان بناء على دين العبد بغير إذن سيده هل يتعلق برقبته أو بذمته يتبع به بعد العتق قال القاضي قياس قول الخرقي أنه يتعلق بذمتها لأنه قال في الأمة إذا خالعت زوجها بغير إذن سيدها يتبعها به إذا عتقت كذا ها هنا ويتبعها بجميعه وظاهر كلام أحمد أن الغرور إذاكان من الأمة لم يرجع على أحد فإنه قال إذا جاءت الأمة فقالت إني حرة فولت أمرها رجلا فزوجها من رجل ثم ظهر عليها مولاها قال فكاك ولده على الأب لأنه لم يغره أحد وأما إذا غره رجل فزوجها على أنها حرة فالفداء على من غره يروى هذا عن علي وإبراهيم وحماد وكذلك قال الشعبي وإن قلنا يتعلق برقبتها فالسيد مخير بين فدائها بقيمتها إن كانت أقل مما يرجع به عليها أو يسلمها فإن اختار فداءها بقيمتها سقط قدر ذلك عن الزوج فإنه لا فدائة في أن نوجبه عليه ثم ترده إليه وإن اختار تسليمها سلمها وأخذ ما وجب له وذكر القاضي أن الغرور الموجب للرجوع أن يكون اشتراط الحرية مقارنا للعقد فيقول زوجتكها على أنها حرة فإن لم تكن كذلك لم تملك الفسخ وهذا مذهب الشافعي والصحيح خلاف هذا قال لأن الصحابة الذين قضوا بالرجوع لم يفرقوا بين أنواع الغرور ولم يستفصلوا والظاهر أن العقد لم يقع هكذا ولم تجر العادة به في العقود فلا يجوز حمل قضائهم المطلق على صورة نادرة لم تنقل ولأن الغرور قد يكون من المرأة ولا لفظ لها في العقد ولأنه متى أخبره بحريتها أو أوهمه ذلك بقرائن تغلب على ظنه حريتها فنكحها على ذلك ورغب فيها بناء عليه وأصدقها صداق الحرائر ثم لزمه الغرم فقد استضر بناء على قول المخبر له والغار فتجب إزالة الضرر عنه بإثبات الرجوع على من غره وأضر به فعلى هذا إن كان الغرور من اثنين أو أكثر فالرجوع على جميعهم وإن كان الغرر منها ومن الوكيل فعلى كل واحد منهما نصفه والله أعلم
الفصل السادس أن الزوج إن كان ممن يحرم عليه نكاح الإماء وهو ممن يجد الطول أو لا يخشى العنت فإنه يفرق بينهما لأننا بينا أن النكاح فاسد من أصله لعدم شرطه وهكذا لو كان تزويجها بغير إذن سيدها أو اختل شرط من شروط النكاح فهو فاسد يفرق بينهما والحكم في الرجوع على ما ذكرنا وإن كان ممن يجوز له نكاح الإماء وكانت شرائط النكاح مجتمعة فالعقد صحيح وللزوج الخيار بين الفسخ والمقام على النكاح وهذا معنى قول الخرقي فرضي بالمقام معها وهذا الظاهر من مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة لا خيار له لأن الكفاءة غير معتبرة في جانب المرأة لأنه يملك الطلاق ولنا إنه عقد غر فيه أحد الزوجين بحرية الآخر فثبت له الخيار كالآخر لأن الكفاءة وإن لم تعتبر لأن عليه ضررا في استرقاق ولده ورق امرأته وذلك أعظم من فقد الكفاءة فأما الطلاق فلا يندفع به الضرر فإنه يسقط نصف المسمى والفسخ يسقط جميعه فإذا فسخ قبل الدخول فلا مهر لها وإن رضي بالمقام معها فله ذلك لأنه يحل له نكاح الإماء وما ولدت بعد ذلك فهو رقيق لسيدها لأن المانع من رقهم في الغرور اعتقاد الزوج حريتها وقد زال ذلك بالعلم ولو وطئها قبل علمه فعلقت منه ثم علم قبل الوضع فهو حر لأنه وطئها يعتقد حريتها فصل والحكم في المدبرة وأم الولد والمعتقة بصفة كالأمة القن لأنها ناقصة بالرق إلا أن ولد أم الولد والمدبرة يقوم كأنه عبد له حكم أمه وكذلك من أعتق بعضها إلا أنه إذا فدى الولد لم يلزمه إلا فداء ما فيه من الرق لأن بقيته حر بحرية أمه لا باعتقاد الوطء فإن كانت مكاتبة فكذلك إلا أن مهرها لها لأنه من كسبها وكسبها لها وتجب قيمة ولدها على الرواية المشهورة قال أبو بكر ويكون ذلك لها تستعين به في كتابتها فإن كان الغرور منها فلا شيء لها إذ لا فائدة في إيجاب شيء لها يرجع به عليها وإن كان الغرور من غيرها غرمه لها ويرجع به على من غره فصل ولا يثبت أنها أمة بمجرد الدعوى فإن قام بذلك بينة ثبت وإن أقرت أنها أمة فقال أحمد في رواية أبي الحارث لا يستحقها بإقرارها لأن إقرارها يزيل النكاح عنها ويثبت حقا على غيرها فلم يقبل كإقرارها بمال على غيرها وقال في رواية حنبل لا شيء له حتى يثبت أو تقر هي أنها أمة فظاهر هذا أنه يقبل إقرارها لأنها مقرة على نفسها بالرق أشبه غير الزوجة والأول أولى ولا نسلم أنه يقبل من غير ذات الزوج إقرارها بالرق بعد إقرارها بالحرية لأنها أقرت بما يتعلق به حق الله تعالى فصل إذا حملت المغرور بها فضرب بطنها ضارب فألقت جنينا ميتا فعلى الضارب غرة لأن هذا الجنين محكوم بحريته ويرثها ورثته من كانوا وعلى الضارب كفارة القتل وإن كان الضارب أباه لم يرثه وورثه أقاربه ولا يجب بذل هذا الولد للسيد لأنه إنما يستحق بذل حى وهذا ميت ويحتمل أن يجب له عشر قيمة أمه لأن الواطىء فوت ذلك عليه باعتقاد الحرية ولولاه لوجب له ذلك
فصل إذا تزوجت المرأة عبدا على أنه حر فالنكاح صحيح وهذا قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لأن اختلاف الصفة لا يمنع صحة العقد كما لو تزوج أمة على أنها حرة وهذا إذا كملت شروط النكاح وكان ذلك بإذن سيده وإن كانت المرأة حرة وقلنا الحرية ليست من شروط الكفاءة أو إن فقد الفكاءة لا يبطل النكاح فهو صحيح وللمرأة الخيار بين الفسخ والإمضار فإن اختارت إمضاءه فلأوليائها الاعتراض عليها لعدم الكفاءة وإن كانت أمة فينبغي أن يكون لها الخيار أيضاف لأنه لما ثبت الخيار للعبد إذا غر من أمة ثبت للأمة إذا غرت بعبد وكل موضع حكمنا بفساد العقد ففرق بينهما قبل الدخول فلا مهر لها وإن كان بعده فلها مهر المثل أو المسمى على ما قدمنا من الاختلاف وكل موضع فسخ النكاح مع القول بصحته قبل الدخول فلا شيء لها وإن كان بعده فلها المسمى لأنه فسخ طرأ على نكاح فأشبه الطلاق فصل فإن غرها بنسب فبان دونه وكان ذلك مخلا بالكفاءة وقلنا بصحة النكاح فلها الخيار فإن اختارت الإمضاء فلأوليائها الاعتراض عليها وإن لم يخل بالكفاءة فلا خيار لها لأن ذلك ليس بمعتبر في النكاح فأشبه ما لو شرطه فقيها فبان بخلافه وكذلك إن شرطت غير النسب فإن كان مما يعتبر في الكفاءة فهو كما لو تبين أنه غير مكافىء لها في النسب وإن لم يعتبر في الكفاءة كالفقه والجمال وإشباه ذلك فلا خيار لها لأن ذلك مما لا يعتبر في النكاح فلا يؤثر اشتراطه وذكر فيما إذا بان نسبه دون ما ذكر وجه في ثبوت الخيار لها إن لم يخل بالكفاءة والأولى ما ذكرناه والله أعلم مسألة قال ( وإذا كان المغرور عبدا فولده أحرار ويفيدهم إذا عتق ويرجع به على من غره ) وجملة ذلك أن المغرور إذا كان عبدا فولده أحرار وقال أبو حنيفة يكون رقيقا لأن أبويه رقيق وليس ذلك بصحيح فإنه وطئها معتقدا حريتها فكان ولده حرا كولد الحر فإن هذا هو العلة المقتضية للحرية في محل الوفاق ولولا ذلك لكان رقيقا فإن علة رق الولد رق الأم خاصة ولا عبرة بحال الأب بدليل ولد الحر من الأمة وولد الحر من العبد وعلى العبد فداؤهم لأنه فوت رقهم باعتقاده وفعله ولا مال له في الحال فيخرج في ذلك وجهان أحدهما يتعلق برقبته بمنزلة جنايته والثاني بذمته يتبع به بعد العتق بمنزلة عوض الخلع من الأمة إذا بذلته بغير إذن سيدها ويفارق الاستدانة والجناية لأنه إذا استدان أتلف مال الغريم فكان جناية منه وها هنا لم يجن في الأولاد جناية وإنما عتقوا من طريق الحكم وما حصل له منهم عوض فيكون ذلك في ذمته يتبع به بعد العتق ويرجع به حين يغرمه فإنه لا ينبغي أن يجب له بذل ما لم يفت عليه وأما الحرية فتتعجل في الحل وإن قلنا إن الفداء يتعلق برقبته وجب في الحال ويرجع به سيده في الحال ويثبت للعبد الخيار إذا علم كما ثبت للحر لمن يحل له نكاح الإماء لأن عليه ضررا في رق ولده ونقصا في استمتاعه فإنها لا تبيت معه ليلا ونهارا ولم يرض به ويحتمل أن لا يثبت له خيار لأنه فقد صفة لا ينقص بها عن رقبته فأشبه ما لو شرط نسب امرأة فبانت بخلافه لأنها مساوية لنسبه بخلاف تغرير الحر وقال بعض الشافعية لا خيار له قولا واحدا وقال بعضهم فيه قولان والأولى ما ذكرناه وإذا اختار الإقامة فالمهر واجب لا يرجع به على أحد وإن اختار الفسخ قبل الدخول فلا مهر وإن كان بعده والنكاح بإذن سيده فالمهر واجب عليه وفي الرجوع به خلاف ذكرناه فيما مضى وإن كان بغير إذنه فالنكاح فاسد فإن دخل بها ففي قدر ما يجب عليه وجهان أحدهما مهر المثل والثاني الخمسان وهل يرجع به على وجهين فصل فإن شرط أنها مسلمة فبانت كافرة فله الخيار لأنه نقص وضرر يتعدى إلى الولد فأشبه ما لو شرطها حرة فبانت أمة
فصل فإن شرطها بكرا فبانت ثيبيا فعن أحمد كلام يحتمل أمرين أحدهما لا خيار له لأن النكاح لا يرد فيه بعيب سوى ثمانية عيوب فلا يرد منه بمخالفة الشرط والثاني له الخيار لأنه شرط صفة مقصودة فبان خلافها فيثبت له الخيار كما لو شرط الحرية وعلى هذا لو شرطها ذات نسب فبانت دونه أو شرطها بيضاء فبانت سوداء أو شرطها طويلة فبانت قصيرة أو حسناء فبانت شوهاء خرج في ذلك كله وجهان ونحو هذا مذهب الشافعي وقال أبو ثور القياس أن له الرد إن كان فيه اختلاف وإن كان إجماعا فالإجماع أولى من النظر قال ابن المنذر لا أعلم أحدا وافق أبا ثور على مقالته وممن ألزم الزوج من هذه صفتها الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وروى الزهري أن رجلا تزوج امرأة فلم يجدها عذراء كانت الحيضة خرقت عذرتها فأرسلت إليه عائشة أن الحيضة تذبه العذرة يقينا وعن الحسن والشعبي وإبراهيم في الرجل إذا لم يجد امرأته عذراء ليس عليه شيء العذرة تذهبها الوثبة وكثرة الحيض والتعيش والحمل الثقيل والله أعلم فصل وإذا تزوج امرأة يظنها حرة فبانت أمة أو يظنها مسلمة فبانت كافرة أو تزوجت عبدا تظنه حرا فلهم الخيار كما لو شرط ذلك نص عليه أحمد في امرأة تزوجت عبدا تظنه حرا فلها الخيار وقال الشافعي في الأمة لا خيار له وفي الكافرة له الخيار وقال بعضهم فيهما جميعا قولان ولنا إن بعض الرق أعضم ضررا فإنه يؤثر في رق ولده ويمنع كمال استمتاعه فكان له الخيار كما لو كانت كافرة فصل وإن شرطها أمة فبانت حرة أو ذات نسب فبانت أشرف منه أو على صفة دنيئة فبانت خيرا من شرطه أو كافرة فبانت مسلمة فلا خيار له في ذلك لأنه زيادة وقال أبو بكر له الخيار إذا بانت مسلمة لأنه قد يكون له غرض في عدم وجوب العبادات والأول أولى فصل وكل موضع ثبت له الخيار ففسخ قبل الدخول فلا مهر عليه وإن فسخ بعده وكان التغرير ممن له المهر فلا شيء عليه أيضا وإن كان من غيره فعليه المهر يدفعه ثم يرجع به على الغار فإن كان التغرير من وأليائها رجع عليهم وإن علم بعضهم احتمل أن يرجع عليه وحده لأنه الغار واحتمل أن يرجع على جميعهم لأن حقوق الآدميين في العمد والسهو سواء سألة قال ( وإذا قال قد جعلت عتق أمتي صداقها بحضرة شاهدين فقد ثبت العتق والنكاح وإذا قال أشهد أني قد أعتقتها وجعلت عتقها صداقها كان العتق والنكاح أيضا ثابتين سواء تقدم القول العتق أو تأخر إذا لم يكن بينهما فصل فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف قيمتها ) في هذه المسألة خمسة فصول الفصل الأول أن ظاهر المذهب أن الرجل إذا أعتق أمته وجعل عتقها صداقها فهو نكاح صحيح نص عليه أحمد في رواية جماعة وروري ذلك عن علي رضي الله عنه وفعله أنس بن مالك وبه قال سعيد ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن والحسن والزهري وإسحاق وقال الأوزاعي يلزمها أن تتزوجه وروى المروذي عن أحمد إذا أعتق أمته وجعل عتقها صداقها يوكل رجلا يزوجه وظاهر هذا أنه لم يحكم بصحة النكاح وقال أبو الخطاب هي الصحيحة واختارها القاضي وابن عقيل وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لأنه لم يوجد إيجاب وقبول فلم يصح لعدم أركانه كما لو قال أعتقتك وسكت ولأنها بالعتق تملك نفسها فيجب أن يعتبر رضاها كما لو فصل بينهما ولأن العتق يزيل ملكه عن الاستمتاع بحق الملك فلا يجوز أن يستبيح الوطء بالمسمى فإنه لو قال بعتك هذه الأمة على أن تزوجنيها بالثمن لم يصح
ولنا ما روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها متفق عليه وفي لفط أعتقها وتزوجها فقلت يا أبا حمزة ما أصدقها قال نفسها عتقها وروى الأثرم بإسناده عن صفية قالت أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل عتقي صداقي وبإسناده عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول إذا أعتق الرجل أم ولده فجعل عتقها صداقها فلا بأس بذلك ومتى ثبت العتق صداقا ثبت النكاح لأن الصداق لا يتقدم النكاح ولو تأخر العتق عن النكاح لم يجز فدل على أنه انعقد بهذا اللفظ ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استأنف عقدا ولو استأنفه لظهر ونقل كما نقل غيره ولأن من جاز له تزويج امرأة لغيره من غير قرابة جاز له أن يتزوجها كالإمام وقولهم لم يوجد إيجاب ولا قبول عديم التأثير فإنه لو وجد لم يحكموا بصحته وعلى أنه إن لم يوجد فقد وجد ما يدل عليه وهو جعل العتق صداقا فأشبه ما لو تزوج امرأة هو وليها وكما لو قال الخاطب للولي أزوجت فقال نعم وقال للزوج أقبلت قال نعم عند أصحابنا وكما لو أتى بالكنايات عند أبي حنيفة ومن وافقه الفصل الثاني أن النكاح ينعقد بقوله أعتقتك وجعلت عتقك صداقنك وتزوجتك وبذلك خاليا عن قوله وتزوجتك وهذا لفظ الخرقي هو الذي جاء في حديث أنس وبقوله جعلت عتقك صداقك وجعلت صداقك عتقك وهذا معنى قول الخرقي سواء تقدم العتق أو تأخر ونص أحمد على هذا في رواية صالح إذا قال جعلت عتقك صداقك أو صداقك عتقك كل ذلك جائز الفصل الثالث أن لا يكون بينهما فصل ولو قال أعتقتك وسكت سكوتا يمكنه الكلام فيه أو تكلم بكلام أجنبي ثم قال جعلت عتقك صداقك لم يصح النكاح لأنها صارت بالعتق حرة فيحتاج إلى تزويجها برضاها بصداق جديد الفصل الرابع أنه لا بد من شاهدين إذا قلنا باشتراط الشهادة في النكاح نص عليه أحمد في رواية الجماعة وذلك لقوله لا نكاح إلا بولي وشاهدين الفصل الخامس أنه إذا طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف قيمتها لأن الطلاق قبل الدخول يوجب الرجوع في نصف ما فرض لها وقد فرض لها نفسها ولا سبيل إلى الرجوع في الرق بعد زواله فرجع بنصف قيمة نفسها وبهذا قال الحسن والحكم وقال الأوزاعي يرجع بربع قيمتها ولنا إنه طلاق قبل الدخول فأوجب الرجوع النصف كسائر الطلاق وتعتبر القيمة حالة الإعتاق لأنها حالة الإتلاف فإن لم تكن قادرة على نصف القيمة فهل تستسعى فيها أو تكون دينا تنظر به إلى حال القدرة على روايتين وإن قلنا إن النكاح لا ينعقد بهذا القول فعليها قيمة نفسها لأنه أزال ملكه بعوض لم يسلم له فرجع إلى قيمة المفوت كالبيع الفاسد وكذلك إن قلنا إن النكاح انعقد به فارتدت قبل الدخول أو فعلت ما ينفسخ به نكاحها مثل أن أرضعت زوجة له صغيرة ونحو ذلك انفسخ نكاحها وعليها قيمة نفسها فصل وإن قال لأمته أعتقتك على أن تزوجيني نفسك ويكون عتقك صداقك أو لم يقل ويكون عتقك صداقك فقبلت عتقت ولم يلزمها أن تزوجه نفسها لأنه سلف في نكاح فلم يلزمها كما لو كان أسلف حرة ألفا على أن يتزوجها ولأنها أسقطت حقها من الخيار قبل وجود سببه فلم يسقط كالشفيع يسقط شفعته قبل البيع ويلزمها قيمة نفسها أومأ إليه أحمد في رواية عبدالله وهو مذهب الشافعي لأنه أزال ملكه منها بشرط عوض لم يسلم له فاستحق الرجوع بقيمته كالبيع الفاسد إذا تلفت السلعة في يد المشتري والنكاح الفاسد إذا اتصل به الدخول ويحتمل أن لا يلزمها شيء بناء على ما إذا قال لعبده أعتقتك على أن تعطيني ألفا وهذا قول مالك وزفر لأن هذا ليس بلفظ شرط
فأشبه ما لو قال أعتقتك وزوجيني نفسك وتعتبر القيمة حالة العتق ويطالبها بها في الحال إن كانت قادرة عليها وإن كانت معسرة فهل تنظر إلى الميسرة أو تجبر على الكسب على روايتين أصلهما في المفلس هل يجبر على الكسب على روايتين فصل وإن اتفق السيد وأمته على أن يعتقها وتزوجه نفسها فتزوجها على ذلك صح ولا مهر لها غير ما شرط من العتق وبه قال أبو يوسف وقال أبو حنيفة والشافعي لا يكون العتق صداقا لكن إن تزوجها على القيمة التي له في ذمتها وهما يعلمان القيمة صح الصداق ولنا إن العتق صلح صداقا في حق النبي صلى الله عليه وسلم فيجوز في حق أمته كالدراهم ولأنه يصلح عوضا في البيع فإنه لو قال أعتق عبدك على ألف جاز فلأن يكون عوضا في النكاح أولى فإن النكاح لا يقصد فيه العوض وعلى هذا لو تزوجها على أن يعتق أباها صح نص عليه أحمد في رواية عبدالله إذا ثبت هذا فإن العتق يصير صداقا كما لو دفع إليها مالا ثم تزوجها عليه فإن بذلت له نفسها ليتزوجها فامتنع لم يجبر وكانت له القيمة لأنها إذا لم تجبر على تزويجه نفسها لم يجبر هو على قبولها وحكم المدبرة والمعتقة بصفة وأم الولد حكم الأمة القن في جميع ما ذكرناه فصل فإن أعتقت امرأة عبدها بشرط أن يتزوجها عتق ولا شيء عليه لأن النكاح يحصل به الملك للزوج وليس بمملوك به فإذا اشترطت عليه إثبات الملك له لم يلزمه ذلك كما لو اشترطت عليه أن تملكه دارا ولو أراد العبد تزوجها لم تجبر لأن الشرط لها فلا يوجب عليها كما لو شرط السيد على أمته أن تزوجه نفسها لم يلزمه ذلك فصل ولا بأس أن يعتق الرجل الأمة ثم يتزوجها سواء أعتقها لوجه الله تعالى أو أعتقها ليتزوجها وكره أنس تزويج من أعتقها لله تعالى قال الأثرم قلت لأبي عبدالله روى شعبة عن قتادة عن أنس أنه كره أن يعتق الأمة ثم يتزوجها فقال نعم قال إذا أعتقها لله كره أن يرجع في شيء منها ولنا ما روى أبو موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت عنده جارية فعلمها وأحسن إليها ثم أعقتها وتزوجها فذلك له أجران متفق عليه ولأنه إذا تزوجها فقد أحسن إليها بإعفافها وصيانتها فلم يكره كما لو زوجها غيره وليس في هذا رجوع فيما جعل لله فإنه إنما يتزوجها بصداقها فهو بمنزلة من اشترى منها شيئا فصل وإذا أراد أن يتزوجها بعد عتقها لم يحتج إلى استبراء سواء كان يطؤها أو لم يكن لأن الاستبراء لصيانة الماء ولا يصان ذلك عنه فإن اشترى أمة فأعتقها قبل أن يستبرئها لم يحل له أن يتزوجها ولا يزوجها حتى يستبرئها لأنه كان واجبا فلا يسقط بإعتاقه له قال أحمد في الرجل تكون له الأمة لا يطؤها فيعتقها لا يتزوجها من يومها حتى يستبرئها فإن كان يطؤها فأعتقها تزوجها من يومه ومتى شاء لأنها في مائه قال القاضي معنى قوله إن كان يطؤها أي يحل له وطؤها وهي التي قد استبرأها وقوله إن كان لا يطؤها أي لا يحل له وطؤها وهي التي لم يمض عليها زمان الاستبراء فلا يحل له تزوجها حتى يستبرئها وإذا مضى لها بعض الاستبراء قبل عتقها أتمته بعده ولا يلزمه استئناف الاستبراء لأن الاستبراء وجب بالشراء لا بالعتق فيحسب ابتداؤه من حين وجد سببه فصل وإن قال أعتق عبدك على أن أزوجك ابنتي فأعتقه لم يلزمه أن يزوجه ابنته لأنه سلف في النكاح وعليه قيمة العبد وقال الشافعي في أحد قوليه لا يلزمه شيء لأنه لا فائدة له في العتق ولنا إنه أزال ملكه عن عبده بعوض شرطه فلزمه عوضه كما لو قال أعتق عبدك عني وعلي ثمنه وكما لو قال طلق زوجتك وعلي ألف فطلقها أو قال ألق متاعك في البحر وعلي ثمنه وبهذه الأصول يبطل قولهم إنه لا فائدة له في العتق
مسألة قال ( وإذا قال الخاطب للولي أزوجت فقال نعم وقال للزوج أقبلت قال نعم فقد انعقد النكاح إذا حضره شاهدان ) وقال الشافعي لا ينعقد حتى يقول معه زوجتك ابنتي ويقول الزوج قبلت هذا التزويج لأن هذين ركنا العقد ولا ينعقد بدونهما ولنا إن نعم جواب لقوله أزوجت وقبلت السؤال يكون مضمرا في الجواب معادا فيه فيكون معنى نعم من الولي زوجته ابنتي ومعنى نعم من المتزوج قبلت هذا التزويج ولا احتمال فيه فيجب أن ينعقد به ولذلك لما قال الله تعالى فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم الأعراف 44 كان إقرارا منهم بوجدان ذلك أنهم وجدوا ما وعدهم ربهم حقا ولو قيل لرجل لي عليك ألف درهم قال نعم كان إقرارا صحيحا لا يفتقر إلى نية ولا يرجع في ذلك إلى تفسيره وبمثله تقطع اليد في السرقة فوجب أن ينعقد به التزويج كما لو لفظ بذلك فصل ولو قال زوجتك ابنتي فقال قبلت انعقد النكاح وقال الشافعي في أحد قوليه لا ينعقد حتى يقول قبلت هذا النكاح أو هذا التزويج لأنه كناية في النكاح يفتقر إلى النية والإضمار فلم ينعقد به كلفظ الهبة والبيع ولنا إن القبول صريح في الجواب فانعقد به كما ينعقد به البيع وسائر العقود وقولهم يفتقر إلى النيبة ممنوع فإنه جواب فلا ينصرف إلا إلى المذكور فصل وينعقد النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج والجواب عنهما إجماعا وهما اللذان ورد بهما نص الكتاب في قوله سبحانه زوجناكها الأحزاب 37 وقوله سبحانه ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء النساء 22 وسواء اتفقا من الجانبين أو اختلفا مثل أن يقول زوجتك ابنتي هذه فيقول قبلت هذا النكاح أو هذا التزويج ولا ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء والزهري وربيعة والشافعي وقال الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأبو عبيد وداود ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع والتمليك وفي لفظ الإجارة عن أبي حنيفة روايتان وقال مالك ينعقد بذلك إذا ذكر المهر واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلا امرأة فقال قد ملكتكها بما معك من القرآن رواه البخاري ولأنه لفظ ينعقد به تزويج النبي صلى الله عليه وسلم فانعقد به نكاح أمته كلفظ الإنكاح والتزويج ولأنه أمكن تصحيحه بمجازه فوجب تصحيحه كأيقاع الطلاق بالكنايات ولنا قوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين الأحزاب 50 ( فذكر ذلك خالصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه لفظ ينعقد به غير النكاح كلفظ الإجارة والإباحة والإحلال ولأنه ليس بصريح في النكاح فلا ينعقد به كالذي ذكرنا وهذا لأن الشهادة شرط في النكاح والكناية إنما تعلم بالنية ولا يمكن الشهادة على النية لعدم اطلاعهم عليها فيجب أن لا ينعقد وبهذا فارق بقية العقود والطلاق وأما الخبر فقد روي زوجتكها وأنكحتكها وزوجناكها من طرق صحيحة والقصة واحدة والظاهر أن الراوي روى بالمعنى ظنا منه أن معناها واحد فلا تكون حجة وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الألفاظ فلا حجة لهم فيه لأن النكاح انعقد بأحدها والباقي فضلة فصل ومن قدر على لفظ النكاح بالعربية لم يصح بغيرها وهذا أحد قولي الشافعي وعند أبي حنيفة ينعقد لأنه أتى بلفظه الخاص فانعقد به كما ينعقد بلفظ العربية ولنا إن عدل عن لفظ الإنكاح والتزويج مع القدرة
فلم يصح كلفظ الإحلال فأما من لا يحسن العربية فيصح منه عقد النكاح بلسانه لأنه عاجز عما سواه فسقط عنه كالأخرس ويحتاج أن يأتي بمعناهما الخاص بحيث يشتمل على معنى اللفظ العربي وليس على من لا يحسن العربية تعلم ألفاظ النكاح بها وقال أبو الخطاب عليه أن يتعلم لأن ما كانت العربية شرطا فيه لزمه أن يتعلمها مع القدرة كالتكبير ووجه الأول أن النكاح غير واجب فلم يجب تعلم أركانه بالعربية كالبيع بخلاف التكبير فإن كان أحد المتعاقدين يحسن العربية دون الآخر أتى الذي يحسن العربية بها والآخر يأتي بلسانه فإن كان أحدهما لا يحسن لسان الآخر أحتاج أن يعلم أن اللفظة التي أتى بها صاحبه لفظة الإنكاح أن يخبره بذلك ثقة يعرف اللسانين جميعا فصل فأما الأخرس فإن فهمت إشارته صح نكاحه بها لأنه معنى لا يستفاد إلا من جهة واحدة فصح بأشارته كبيعه وطلاقه ولعانه وإن لم تفهم إشارته لم يصح منه كما لم يصح غيره من التصرفات القولية ولأن النكاح عقد بين شخصين ولا بد من فهم كل واحد منهما ما يصدر من صاحبه ولو فهم ذلك صاحبه العاقد معه لم يصح حتى يفهم الشهود أيضا لأن الشهادة شرط ولا يصح على ما لا يفهم قال أحمد لا يزوجه وليه يعني إذا كان بالغا لأن الخرس لا يوجب الحجر فهو كالصمم فصل إذا تقدم القبول على الإيجاب لم يصح رواية واحدة سواء كان بلفظ الماضي مثل أن يقول تزوجت ابنتك فيقول زوجتك أو بلفظ الطلب كقوله زوجني ابنتك فيقول زوجتكها وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي يصح فيهما جميعا لأنه قد وجب الإيجاب والقبول فيصح كما لو تقدم الإيجاب ولنا إن القبول إنما يكون للإيجاب فمتى وجد قبله لم يكمن قبولا لعدم معناه فلم يصح كما لو تقدم بلفظ الاستفهام ولأنه لو تأخر عن الإيجاب بلفظ الطلب لم يصح فإذا تقدم كان أولى كصيغة الاستفهام ولأنه لو أتى بالصيغة المشروعة متقدمة فقال قبلت هذا النكاح فقال الولي زوجتك ابنتي لم يصح فلأن لا يصح إذا أتى بغيرها أولى وأما البيع فلا يشترط فيه صيغة الإيجاب والقبول بل يصح بالمعاطاة ولأنه لا يتعين فيه لفظ بل يصح بأي لفظ كان مما يؤدي المعنى ولا يلزم الخلع لأنه يصح تعليقه على الشروط فصل وإذا عقد النكاح هازلا أو تلجئة صح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث هزلهن جد وجدهن جد الطلاق والنكاح والرجعة رواه الترمذي وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نكح لاعبا أو طلق لاعبا أو أعتق لاعبا جاز قال عمر أربع جائزات إذا تكلم بهن الطلاق والنكاح والعتاق والنذر وقال علي أربع لا لعب فيهن الطلاق والعتاق والنكاح والنذر فصل إذا تراخى القبول عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا عنه بغيره لأن حكم المجلس حكم حالة العقد بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه وثبوت الخيار في عقود المعاوضات فإن تفرقا قبل القبول بطل الإيجاب فإنه لا يوجد معناه فإن الإعراض قد وجد من جهته بالتفرق فلا يكون قبولا وكذلك إن تشاغلا عنه بما يقطعه لأنه معرض عن العقد أيضا بالاشتغال عن قبوله وقد نقل أبو طالب عن أحمد في رجل مشى إليه قوم فقالوا له زوج فلانا قال قد زوجته على ألف فرجعوا إلى الزوج فأخبروه فقال قد قبلت هل يكون هذا نكاحا قال نعم قال القاضي هذا محمول على أنه وكل من قبل العقد في المجلس وقال أبو بكر مسألة أبي طالب التوجه على قولين واختار أنه لا بد من القبول في المجلس وهو الصحيح إن شاء الله تعالى فصل فإن أوجب النكاح ثم زال عقله بجنون أو إغماء بطل حكم الإيجاب ولم ينعقد بالقبول بعده ما لم يضامه القبول لم يكن عقدا فبطل بزوال العقل كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون وهذا مذهب الشافعي وإن زال عقله بنوم لم يبطل حكم الإيجاب لأنه لا يبطل العقود الجائزة فكذلك هذا فصل ولا يثبت في النكاح خيار
وسواء في ذلك خيار المجلس وخيار الشرط ولا نعلم أحدا خالف في هذا وذلك لأن الحاجة غير داعية إليه فإنه لا يقع في الغالب إلا بعد ترو وفكر ومسألة كل واحد من الزوجين عن صاحبه والمعرفة بحاله بخلاف البيع الواقع في الأسواق من غير فكر ولا روية ولأن النكاح ليس بمعارضة محضة ولهذا لا يعتبر فيه العلم بالمعقود عليه برؤية ولا صفة ويصح من غير تسمية العوض ومع فساده ولأن ثبوت الخيار يفضي إلى فسخه بعد ابتذال المرأة فإن في فسخه بعد العقد ضررا بالمرأة ولذلك أوجب الطلاق قبل الدخول نصف الصداق فصل ويستحب أن يخطب العاقد أو غيره قبل التواجب ثم يكون العقد بعده لقول النبي صلى الله عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع وقال كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء رواهما ابن المنذر ويجزىء من ذلك أن يحمد الله ويتشهد ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمستحب أن يخطب بخطبة عبدالله بن مسعود التي قال علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة قال التشهد في الحاجة أن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويقرأ ثلاث آيات اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون آل عمران 012 واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا النساء 1 اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم الأحزاب 70 71 رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن قال الخلال حدثنا أبو سليمان إمام طرسوس قال كان الإمام أحمد بن حنبل إذا حضر عقد نكاح فلم يخطب فيه بخطبة عبدالله بن مسعود قام وتركهم وهذا كان من أبي عبدالله من المبالغة في استحبابها لا على الإيجاب فإن حرب بن إسماعيل قال قلت لأحمد فيجب أن تكون خطبة النكاح مثل قول ابن مسعود فوسع في ذلك وقد روي عن ابن عمر أنه إذا كان دعي ليزوج قال لا تغصوا علينا الناس الحمد لله وصلى الله على محمد إن فلانا يخطب إليكم فإن أنكحتموه فالحمد لله وإن رددتموه فسبحان الله والمستحب خطبة واحدة يخطبها الولي أو الزوج أو غيرهما وقال الشافعي المسنون خطبتان هذه التي ذكرناها في أوله وخطبة من الزوج قبل قبوله والمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف خطبة واحدة وهو أولى ما اتبع فصل والخطبة غير واجبة عند أحد من أهل العلم علمناه إلا داود فإنه أوجبها لما ذكرناه ولنا إن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله زوجنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجتكها بما معك من القرآن متفق عليه ولم يذكر خطبة وخطب إلى عمر مولاة له فما زاد على أن قال أنكحتك على ما أمر الله على إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقال جعفر بن محمد عن أبيه إن كان الحسين ليزوج بعض بنات الحسن وهو يتعرق العرق رواهما ابن المنذر وروى أبو داود بإسناده عن رجل من بني سليم قال خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامة بنت عبد المطلب فأنكحني من غير أن يتشهد ولأنه عقد معاوضة فلم تجب فيه الخطبة كالبيع وما استدلوا به يدل على عدم الكمال بدون الخطبة لا على الوجوب فصل ويستحب إعلان النكاح والضرب فيه بالدف قال أحمد يستحب أن يظهر النكاح ويضرب فيه بالدف حتى يشتهر ويعرف وقيل له ما الدف قال هذا الدف قال لا بأس بالغزل في العرس بمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم لولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السوداء ما سرت عذاريكم لا على ما يصنع الناس اليوم ومن غير هذا الوجه لولا الحنطة الحمراء ما سمنت عذاريكم
وقال أحمد أيضا يستحب ضرب الدف والضرب في الأملاك فقيل له ما الصوت قال يتكلم ويتحدث ويظهر والأصل في هذا ما روى محمد بن حاطب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف في النكاح رواه النسائي وقال عليه السلام أعلنوا النكاح وفي لفظ أظهروا النكاح وكان يجب أن يضرب عليها بالدف وفي لفظ واضربوا عليه بالغربال وعن عائشة أنها زوحت يتيمة رجلا من الأنصار وكانت عائشة فيمن أهداها إلى زوجها قالت فلما رجعنا قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلتم يا عائشة قالت سلمنا ودعونا بالبركة ثم انصرفنا فقال إن الأنصار قوم فيهم غزل ألا قلتم يا عائشة أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم روى هذا كله أبو عبدالله بن ماجة في سننه وقال أحمد رحمه الله لا بأس بالدف في العرس والختان وأكره الطبل وهو المنكر وهو الكوبة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم فصل فإن عقده يولي وشاهدين فأسروه أو تواصوا بكتمانه كره ذلك وصح النكاح وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر وممن كره نكاح السر عمر رضي الله عنه وعروة وعبدالله بن عبيد الله بن عتبة والشعبي ونافع مولى ابن عمر وقال أبو بكر عبد العزيز النكاح باطل لأن أحمد قال إذا تزوج بولي وشاهدين لا حتى يعلنه وهذا مذهب مالك والحجة لهما ما تقدم في الفصل الذي قبل هذا ولنا قوله لا نكاح إلا بولي مفهومه انعقاده بذلك وإن لم يوجد الإظهار ولأنه عقد معاوضة فلم يشترط إظهاره كالبيع وأخبار الإعلان يراد بها الاستحباب بدليل أمره فيها بالضرب بالدف والصوت وليس ذلك بواجب فكذلك ما عطف عليه وقول أحمد لا نهي كراهة فإنه قد صرح فيما حكينا عنه قبل هذا باستحباب ذلك ولأن إعلان النكاح والضرب فيه بالدف إنما يكون في الغالب بعد عقده ولو كان شرطا لاعتبر حالة العقد كسائر الشروط فصل ويستحب عقد النكاح يوم الجمعة لأن جماعة من السلف استحبوا ذلك منهم سمرة بن حبيب وراشد بن سعيد وحبيب بن عتبة ولأنه يوم شريف ويوم عيد فيه خلق الله آدم عليه السلام والمساية أولى بأن أبا حفص روى بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مسوا بالأملاك فإن أعظم للبركة ولأنه أقرب إلى مقصوده وأقل لانتظاره فصل ويستحب أن يقال للمتزوج بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير وعافية وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن أثر صفرة فقال ما هذا فقال إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب قال بارك الله لك أولم ولو بشاة متفق عليه قال بعض أهل العلم وزن النواة خمسة دراهم وذلك ثلاثة مثاقيل ونصف من الذهب وقال المبرد الصواب عند أهل العلم بالعربية أن يقال على نواة فحسب فإن النواة عندهم اسم خمسة دراهم كما أن الأوقية أربعون درهما والنش عشرون والله أعلم فصل ويستحب أن يقول إذا زفت إليه ما روى صالح بن أحمد في مسألة عن أبيه حدثنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال تزوج فحضره عبدالله بن مسعود وأبو ذر وحذيفة وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضرت الصلاة فقدموه وهو مملوك فصلى بهم ثم قالوا له إذا دخلت على أهلك فصل ركعتين ثم خذ برأس أهلك فقل اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهلي في وارزقهم مني وارزقني منهم ثم شأنك وشأن أهلك وروى أبو داود بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا تزوج أحدكم امرأة واشترى خادما فليقل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك مسألة قال ( وليس للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات )
أجمع أهل العلم على هذا ولا نعلم أحدا خالفه إلا شيئا يحكى عن ابن القاسم بن إبراهيم أنه أباح تسعا لقول الله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع النساء 3 والواو للجمع ولأن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع وهذا ليس بشيء لأنه خرق للإجماع وترك للسنة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن وقال نوفل بن معاوية أسلمت وتحتي خمس نسوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم فارق واحدة منهن رواهما الشافعي في مسنده وإذا منع من استدامة زيادة عن أربع فالابتداء أولى فالآية أريد بها التخيير بين اثنتين وثلاث وأربع كما قال أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع فاطر 1 ولم يرد أن لكل ملك تسعة أجنحة ولو أراد ذلك لقال تسعة ولم يكن للتطويل معنى ومن قال غير هذا فقد جهل اللغة العربية وأما النبي صلى الله عليه وسلم فمخصوص بذلك ألا ترى أنه جمع بين أربعة عشر مسألة قال ( وليس للعبد أن يجمع إلا اثنتين ) أجمع أهل العلم على أن للعبد أن ينكح اثنتين واختلفوا في إباحة الأربع فمذهب أحمد أنه لا يباح له إلا اثنتان وهذا قول عمر رضي الله عنه وعلي وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما وبه قال عطاء والحسن والشعبي وقتادة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبدالله وطاوس ومجاهد والزهري وربيعة ومالك وأبو ثور وداود له نكاح أربع لعموم الآية ولأن هذه طريقة اللذة والشهوة فساوى العبد الحر فيه كالمأكول ولنا قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا وقد روى ليث بن أبي سليم عن الحكم بن قتيبة قال أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن العبد لا ينكح أكثر من اثنتين ويقوي هذا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين أن عمر رضي الله عنه سأل الناس كم يتزوج العبد فقال عبد الرحمن بن عوف باثنتين وطلاقه باثنتين فدل هذا على أن ذلك كان بمحضر من الصحابة وغيرهم فلم ينكر وهذا يخص عموم الآية على أن فيها ما يدل على إرادة الأحرار وهو قوله أو ما ملكت أيمانهم المؤمنون 6 ويفارق النكاح المأكول فإنه مبني على التفضل ولهذا فارق النبي صلى الله عليه وسلم فيه أمته ولأن فيه ملكا والعبد ينقص في الملك عن الحر مسألة قال ( وله أن يتسرى بإذن سيده ) هذا هو المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة وهو قول ابن عمر وابن عباس والشعبي والنخعي والزهري ومالك والأوزاعي والثوري وأبي ثور وكره ذلك ابن سيرين وحماد بن أبي سليمان والثوري وأصحاب الرأي وللشافعي قولان مبنيان على أن العبد هل يملك بتمليك سيده أو لا وقال القاضي أبو يعلى يجب أن يكون في مذهب أحمد في تسري العبد وجهان مبنيان على الروايتين في ثبوت الملك له بتمليك سيده واحتج من منع بأن العبد لا يملك المال ولا يجوز الوطء إلا في نكاح أو ملك يمين لقول الله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون المؤمنون 6 7 ولنا قول ابن عمر وابن عباس ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفا وروى الأثرم بإسناده عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسا أن يتسرى العبد ونحوه عن ابن عباس ولأن العبد يملك النكاح فملك التسري كالحر
وقولهم إن العبد لا يملك المال ممنوع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال من اشترى عبدا وله مال فجعل المال له ولأنه آدمي فملك المال كالحر وذلك لأنه بآدميته يتمهد لأهلية الملك إذ كان الله تعالى خلق الأموال للآدميين ليستعينوا بها على القيام بوظائف التكاليف وأداء العبادات قال الله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا البقرة 29 والعبد داخل في العموم ومن أهل التكليف والعبادات فيكون أهلا للملك ولذلك ملك في النكاح وإذا ثبت الملك للجنين مع كونه نطفة لا حياة فيها باعتبار مآله إلى الآدمية فالعبد الذي هو آدمي مكلف أولى إذا ثبت هذا فلا يجوز له التسري إلا بإذن سيده ولو ملكه سيده جارية لم يبح له وطؤها حتى يأذن له فيه لأن ملكه ناقص ولسيده نزعه منه متى شاء من غير فسخ عقد فلم يكن له التصرف فيه إلا بإذن سيده فإن أذن له فقال تسر بها أو أذنت لك في وطئها أو ما دل عليه أبيح له وما ولد له من التسري فحكمه حكم ملكه لأن الجارية مملوكة له فكذلك ولدها وإن تسرى بغير إذن سيده فالولد ملك سيده فصل وله التسري بما شاء إذا أذن له السيد في ذلك نص عليه أحمد لأن من جاز له التسري جاز من غير حصر كالحر فإن أذن له وأطلق التسري تسرى بواحدة وكذلك إذا أذن له في التزويج لم يجز أن يتزوج أكثر من واحدة وبهذا قال أصحاب الرأي وأبو ثور وإذا أذن له في التزويج فعقد على اثنتين في عقد جاز ولنا إن الإذن المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم يقينا وما زاد مشكوك فيه فيبقي على الأصل كما لو أذن له في طلاق امرأته لم يكن له أن يطلق أكثر من واحدة ولأن الزائد على الواحدة يحتمل أن يكون غير مراد فيبقى على أصل التحريم كما لو شك هل أذن له أو لا فصل والمكاتب كالعبد القن لا يتزوج ولا يتسرى إلا بإذن سيده لأن في ذلك إتلافا للمال الذي في يديه وقد قال عليه السلام المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وأما المعتق بعضه فإذا ملك بجزئه الحر جارية فملكه تام وله الوطء بغير إذن سيده لقوله سبحانه أو ما ملكت أيمانهم المؤمنون 6 ولأن ملكه عليها غير تام له التصرف فيها بما شاء بغير إذن سيده فكذلك الوطء وما فيه من الرق لا يمنعه من استيفاء ما يملكه كما له أن يتصرف ويأكل ما ملكه بنصفه الحر وقال القاضي حكمه حكم الفن وهو منصوص الشافعي وقال بعض أصحابه كقولنا واحتج من منعنع ذلك بأنه ه يمكنه الوطء بنصفه ا الحر وحده و وكذلك منعنعناه التزويويحتى يأذنذنذن له سيده ولنا إنه لا حق لسيده فيها ولا يلحقه ضرر باستمتاعه منها فلم يعتبر إذنه فيها كاستخدامها وأما التزويج فإنه يلزمه به حقوق تتعلق بجملته فاعتبر رضى سيده ليكون راضيا بتعلق الحق بملكه بخلاف مسألتنا فإن الحق له لا عليه فأما إن أذن له سيده فيه جاز إلا عند من منع العبد التسري لأنه كالقن في قولهم فصل نقل محمد بن ماهان عن أحمد لا بأس للعبد أن يتسرى إذا أذن له سيده فإن رجع السيد فليس له أن يرجع إذا أذن له مرة وتسرى وكذلك نقل عنه إبراهيم بن هاني ويعقوب بن بختان ولم أر عنه خلاف هذا فظاهر هذا أنه إذا تسرى بإذن السيد لم يملك السيد الرجوع لأنه يملك به البضع فلم يملك سيده فسخه قياسا على النكاح وقال القاضي يحتمل أنه أراد بالتسري ها هنا ا تسريا مجازا ويكون للسيد الرجوع فيما ملك عبده وظاهر كلام أحمد خلاف هذا وذلك لأنه ملك بضعا أبيح له وطؤه فلم يملك رجوعه فيه كما لو زوجه
مسألة قال ( ومتى طلق الحر أو العبد طلاقا يملك الرجعة أو لا يملك لم يكن له أن يتزوج أختها حتى تنقضي عدتها وكذلك إذا طلق واحدة من أربع لم يتزوج حتى تنقضي عدتها وكذلك العبد إذا طلق إحدى زوجتيه ) وجملة ذلك أن الرجل إذا تزوج امرأة حرمت عليه أمها على التأبيد وتحرم عليه أختها وعمتها وخالتها وبنت أخيها وبنت أختها تحريم جمع وكذلك إن تزوج الحر أربعا حرمت الخامسة تحريم جمع وإن تزوج العبد اثنتين حرمت الثالثة تحريم جمع فإذا طلق زوجته طلاقا رجعيا فالتحريم باق بحاله في قولهم جميعا وإن كان الطلاق بائنا أو فسخا فكذلك عند إمامنا حتى تنقضي عدتها وروي ذلك عن علي وابن عباس وزيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب ومجاهد والنخعي والثوري وأصحاب الرأي وقال القاسم بن محمد وعروة وابن أبي ليلى ومالك والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر له نكاح جميع من سمينا في تحريم الجمع وروي ذلك عن زيد بن ثابت لأن المحرم الجمع بينهما في النكاح بدليل قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم النساء 23 أي نكاحهن ثم قال وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف النساء 23 معطوفا عليه والبائن ليست في نكاحه ولأنها بائن فأشبهت المطلقة قبل الدخول ولنا قول علي وابن عباس وروي عن عبيدة السلماني أنه قال ما أجمعت الصحابة على شيء كإجماعهم على أربع قبل الظهر وأن لا تنكح امرأة في عدة أختها وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين وروي عن أبي الزناد قال كان للوليد بن عبد الملك أربع نسوة فطلق واحدة البتة وتزوج قبل أن تحل فعاب ذلك عليه كثير من الفقهاء وليس كلهم عابه قال سعيد بن منصور إذا عاب عليه سعيد بن المسيب فأي شيء بقي ولأنها محبوسة عن النكاح لحقه أشبه ما لو كان الطلاق رجعيا ولأنها معتدة في حقه أشبهت الرجعية وفارق المطلقة قبل الدخول بها فصل ولو أسلم زوج المجوسية أو الوثنية أو انفسخ النكاح بين الزوجين بخلع أو رضاع أو فسخ بعيب أو إعسار أو غيره لم يكن له أن يتزوج أحدا ممن يحرم الجمع بينه وبين زوجته حتى تنقضي عدتها سواء قلنا بتعجيل الفرقة أو لم نقل وإن أسلمت زوجته فتزوج أختها في عدتها ثم أسلما في عدة الأولى اختار منهما واحدة كما لو تزوجهما معا وإن أسلم بعد انقضاء عدة الأولى بانت وثبت نكاح الثانية فصل إذا أعتق أم الولد أو أمة كان يصيبها فليس له أن يتزوج أختها حتى ينقضي استبراؤها نص عليه أحمد في أم الولد وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن يجوز لأنها ليست زوجة ولا في عدة من نكاح ولنا إنها معتدة منه فلم يجز له نكاح أختها كالمعتدة من نكاح أو وطء بشبهة ولأنه لا يأمن أن يكون ماؤه في رحمها فيكون داخلا في عموم من جمع ماءه في رحم أختين ولا يمنع من نكاح أربع سواها ومنعه زفر وهو غلط لأن ذلك جائز قبل إعتاقها فبعده أولى فصل ولا يمنع من نكاح أمة في عدة حرة بائن ومنعه أبو حنيفة كما يحرم عليه أن يتزوجها في صلب نكاحها ولنا إنه عادم للطول خائف للعنت فأبيح له نكاحها لقوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا النساء 25 ولا نسلم أنه لا يجوز في صلب نكاح الحرة بل يجوز إذا تحقق الشرطان فصل وإن زنى بامرأة فليس له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها وحكم العدة من الزنا والعدة من وطء السبهة كحكم العدة من النكاح فإن زنى بأخت امرأته فقال أحمد يمسك عن وطء امرأته حتى تحيض ثلاث حيض وقد ذكر عنه في المزني بها أنها تستبرىء بحيضة لأنه وطء من غير نكاح ولا أحكامه أحكام النكاح ويحتمل أن لا تحرم بذلك أختها ولا أربع سواها لأنها ليست منكوحة ومجرد الوطء لا يمنع بدليل الوطء في ملك اليمين لا يمنع أربعا سواها
فصل وإذا ادعى الزوج أن امرأته أخبرته بانقضاء عدتها في مدة يجوز انقضاؤها فيها وكذبته أبيح له نكاح أختها وأربع سواها في الظاهر فأما في الباطن فيبنى على صدقه في ذلك لأنه حق فيما بينه وبين الله تعالى فيقبل قوله فيه ولا يصدق في نفي نفقتها وسكناها ونفي النسب لأنه حق لها ولولدها فلا فيقبل قوله فيه وبه قال الشافعي وغيره وقال زفر لا يصدق في شيء لأنه قول واحد لا يصدق في بعض حكمه فلا يصدق في البعض الآخر قياسا لأحدهما على الآخر وذلك لأنه لا يمكن أن يكون القول الواحد صدقا وكذبا ولنا إنه قول يتضمن إبطال حق لغيره وحقا له لا ضرر على غيره فيه فوجب أن يصدق في أحدهما دون الآخر كما لو اشترى عبدا ثم أقر أن البائع كان أعتقه صدق في حريته ولم يصدق في الرجوع بثمنه وكما لو أقر أن امرأته أخته من الرضاع قبل الدخول صدق في بينونتها وتحريمها عليه ولم يصدق في سقوط مهرها مسألة قال ( ومن خطب امرأة فزوج بغيرها لم ينعقد النكاح ) معنى ذلك أن يخطب الرجل امرأة بعينها فيجاب إلى ذلك ثم يوجب له النكاح في غيرها وهو يعتقد أنها التي خطبها فيقبل فلا ينعقد النكاح لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه فلم يصح كما لو ساومه بثوب وأوجب العقد في غيره بغير علم المشتري فلو علم الحال بعد ذلك فرضي لم يصح قال أحمد في رجل خطب جارية فزوجوه أختها ثم علم بعد يفرق بينهما ويكون الصداق على وليها لأنه غره ويجهز إليه أختها التي خطبها بالصداق الأول فإن كانت تلك قد ولدت منه يلحق به الولد وقوله يجهز إليه أختها يعني والله أعلم بعقد جديد بعد انقضاء عدة هذه إن كان أصابها لأن العقد الذي عقده لم يصح في واحدة منهما لأن الإيجاب صدر في إحداهما والقبول في أخرى فلم ينعقد في هذه ولا في تلك فإن اتفقوا على تجديد عقد في إحداهما أيتهما كان جاز وقال أحمد في رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه أختها لها المهر بما أصاب منها ولأختها المهر قيل يلزمه مهران قال نعم ويرجع على وليها هذه مثل التي بها برص أو جذام علي يقول ليس عليه غرم وهذا ينبغي أن يكون في امرأة جاهلة بالحال أو بالتحريم أما إذا علمت أنها ليست زوجة وأنها محرمة عليه وأمكنته من نفسها فلا ينبغي أن يجب لها صداق لأنها زانية تطاوعه فأما إن جعلت الحال فلها المهر ويرجع به على من غره وروي عن علي رضي الله عنه في رجلين تزوجا امرأتين فزفت كل امرأة إلى زوج الأخرى لهما الصداق ويعتزل كل واحد منهما امرأته حتى تنقضي عدتها وبه قال النخعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي فصل من شرط صحة النكاح تعيين الزوجين لأن كل عاقد ومعقود عليه يجب تعيينهما كالمشتري والمبيع ثم ينظر فإن كانت المرأة حاضرة فقال زوجتك هذه صح فإن الإشارة تكفي في التعيين فإن زاد على ذلك فقال ابنتي هذه أو هذه فلانة كان تأكيدا وإن كانت غائبة فقال زوجتك ابنتي ولي له سواها جاز فإن سماها باسمها مع ذلك كان تأكيدا فإن كان له ابنتان أو أكثر فقال زوجتك ابنتي لم يصح حتى يضم إلى ذلك ما تتميز به من اسم أو صفة فيقول زوجتك ابنتي الكبرى أو الوسطى أو الصغرى فإن سماها مع ذلك كان تأكيدا وإن قال زوجتك ابنتي عائشة أو فاطمة صح وإن كانت له ابنة واحدة اسمها فاطمة فقال زوجتك فاطمة لم يصح لأن هذا الاسم مشترك بينها وبين سائر الفواطم حتى يقول مع ذلك ابنتي وقال بعض الشافعية يصح إذا نوياها جميعا وليس بصحيح لأن النكاح تعتبر فيه الشهادة على وجه يمكن أداؤها إذا ثبت به العقد
وهذا متعذر في النية فلذلك لو قال زوجتك ابنتي وله بنات لم يصح حتى يميزها بلفظه وإن قال زوجتك فاطمة ابنة فلان أحتاج أن يرفع في نسبها حتى يبلغ ما تتميز به عن النساء فصل فإن كان له ابنتنان كبرى اسمها عائشة وصغرى اسمها فاطمة فقال زوجتك ابنتي عائشة وقبل الزوج ذلك وهما ينويان الصغرى لم يصح ذكره أبو حفص وقال القاضي يصح في التي نوياها وهذا غير صحيح لوجهين أحدهما أنهما لم يتلفظا بما يصح العقد بالشهادة عليه فأشبه ما لو قال زوجتك عائشة فقط أو ما لو قال زوجتك ابنتي ولم يسمها وإذا لم يصح فيما إذا لم يسمها ففيما إذا سماها بغير اسمها أولى أن لا يصح والثاني أنه لا يصح النكاح حتى تذكر المرأة بما تتميز به ولم يوجد ذلك فإن اسم أختها لا يميزها بل يصرف العقد عنها وإن كان الولي يريد الكبرى والزوج يقصد الصغرى لم يصح كمسألة الخرقي فيما إذا خطب امرأة وزوج غيرها لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه ويحتمل أن يصح إذا لم يتقدم ذلك ما يصرف القبول إلى الصغرى من خطبة ونحوها فإن العقد بلفظه متناول للكبرى ولم يوجد ما يصرفه عنها فصح كما لو نوياها ولو نوى الولي الصغرى والزوج الكبرى أو نوى الولي الكبرى ولم يدر الزوج أيتهما هي فعلى الأول لا يصح التزويج لعدم النية منهما في التي يتناولها لفظهما وعلى الاحتمال الذي ذكرناه يصح في المعينة باللفظ لما ذكرناه فصل فإن كان له ابنة واحدة فقال لرجل زوجتك ابنتي وسماها بغير اسمها فقال القاضي يصح وهو قول أصحاب الشافعي لأن قوله ابنتي آكد من التسمية لأنها لا مشاركة فيها والاسم مشترك ولو قال زوجتك هذه وأشار إليها وسماها بغير اسمها يجب أن يصح على هذا التعليل فصل ولو قال زوجتك حمل هذه المرأة لم يصح لأنه لم يثبت له حكم البنات قبل الظهور في غير الإرث والوصية ولأنه لم يتحقق أن في البطن بنتا فأشبه ما لو قال زوجتك من في هذه الدار وهما لا يعلمان ما فيها ولو قال إذا ولدت امرأتي بنتا زوجتكها لم يصح لأنه تعليق للنكاح على شرط والنكاح لا يتعلق على شرط ولأن هذا مجرد وعد لا ينعقد به عقد مسألة قال ( وإذا تزوجها وشرط لها أن لا يخرجها من دارها وبلدها فلها شرطها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج وإن تزوجها وشرط لها أن لا يتزوج عليها فلها فراقه إذا تزوج عليها ) وجملة ذلك أن الشروط في النكاح تنقسم أقساما ثلاثة أحدها ما يلزم الوفاء به وهو ما يعود إليها نفعه وفائدته مثل أن يشترط لها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يسافر بها ولا يتزوج عليها ولا يتسرى عليها فهذا يلزمه الوفاء لها به فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح يروى هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وطاوس والأوزاعي وإسحاق وأبطل هذه الشروط الزهري وقتادة وهشام بن عروة ومالك والليث والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي قال أبو حنيفة والشافعي ويفسد المهر دون العقد ولها مهر المثل واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط وهذا ليس في كتاب الله لأن الشرع لا يقتضيه وقال النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا وهذا يحرم الحلال وهو التزويج والتسري والسفر ولأن هذا شرط ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه ولم يبن على التغليب والسراية فكان فاسدا كما لو شرطت أن لا تسلم نفسها
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج رواه سعيد وفي رواية إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج متفق عليه وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا نعلم لهم مخالفا في عصرهم فكان إجماعا وروى الأثرم بإسناده أن رجلا تزوج امرأة وشرط لها دارها ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر فقال لها شرطها فقال الرجل إذا تطلقينا فقال عمر مقاطع الحقوق عند الشروط ولأنه شرط لها فيه منفعة ومقصود لا يمنع المقصود من النكاح فكان لازما كما لو شرطت عليه زيادة في المهر أو غير نقد البلد وقوله عليه السلام كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل أي ليس في حكم الله وشرعه وهذا مشروع وقد ذكرنا ما دل على مشروعيته على أن الخلاف في مشروعيته وعلى من نفى ذلك الدليل وقولهم إن هذا يحرم الحلال قلنا لا يحرم حلالا وإنما يثبت للمرأة خيار الفسخ إن لم يف لها به وقولهم ليس من مصلحته قلنا لا نسلم ذلك فإنه من مصلحة المرأة وما كان من مصلحة العاقد كان من مصلحة عقده كاشتراط الرهن والضمين في البيع ثم يبطل بالزيادة على مهر المثل وشرط غير نقد البلد إذا ثبت أنه شرط لازم فلم يف لها به فلها الفسخ ولهذا قال الذي قضى عليه عمر بلزوم الشرط إذا تطلقينا فلم يلتفت عمر إلى ذلك وقال مقاطع الحقوق عند الشروط ولأنه شرط لازم فيعقد فيثبت حق الفسخ بترك الوفاء به كالرهن والضمين في البيع فصل فإن شرطت عليه أن يطلق ضرتها لم يصح الشرط لما روى أبو هريرة قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تشترط المرأة طلاق أختها وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تسأل المرأة طلاق أختها لتنكح والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ولأنها شرطت عليه فسخ عقده وإبطال حقه وحق امرأته فلم يصح كما لو شرطت عليه فسخ بيعه وقال أبو الخطاب هو شرط لازم لأنه لا ينافي العقد ولها فيه فائدة فأشبه ما لو شرطت عليه أن لا يتزوج عليها ولم أر هذا لغيره وقد ذكرنا ما يدل على فساده وعلى قياس هذا لو شرطت عليه بيع أمته القسم الثاني ما يبطل الشرط ويصح العقد مثل أن يشترط أن لا مهر لها أو أن لا ينفق عليها أو إن إصدقها رجع عليها أو تشترط عليه أن لا يطأها أو يعزل عنها أو يقسم لها أقل من قسم صاحبتها أو أكثر أو لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة أو شرط لها النهار دون الليل أو شرط على المرأة أن تنفق عليه أو تعطيه شيئا فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها لأنها تنافي مقتضى العقد ولأنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده فلم يصح كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع فأما العبد في نفسه فصحيح لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به فلم يبطل كما لو شرط في العقد صداقا محرما ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتاق فقد نص أحمد في رجل تزوج امرأة وشرط عليها أن يبيت عندها في كل جمعة ليلة ثم رجعت وقالت لا أرضى إلا ليلة وليلة فقال لها أن تنزل بطيب نفس منها فإن ذلك جائز وإن قالت لا أرضى إلا بالمقاسمة كان ذلك حقا لها تطالبه إن شاءت ونقل عنه الأثرم في الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها أن يأتيها في الأيام يجوز الشرط فإن شاءت رجعت وقال في الرجل يتزوج المرأة على أن تنفق عليه في كل شهر خمسة دراهم أو عشرة دراهم النكاح جائز ولها أن ترجع في هذا الشرط
وقد نقل عن أحمد كلام في بعض هذه الشروط يحتمل إبطال العقد نقل عنه المروذي في النهاريات والليليات ليس هذا من نكاح أهل الإسلام وممن كره تزويج النهاريات حماد بن أبي سليمان وابن شبرمة وقال الثوري الشرط باطل وقال أصحاب الرأي إذا سألته أن يعدل لها عدل وكان الحسن وعطاء لا يريان بنكاح النهاريات بأسا وكان الحسن لا يرى بأسا أن يتزوجها على أن يجعل لها في الشهر أياما معلومة ولعل كراهة من كره ذلك راجع إلى إبطال الشرط وإجازة من أجازه راجع إلى أصل النكاح فتكون أقوالهم متفقة على صحة النكاح وإبطال الشرط كما قلنا والله أعلم وقال القاضي إنما كره أحمد هذا النكاح لأنه يقع على وجه السر ونكاح السر منهي عنه فإن شرط عليه ترك الوطء احتمل أن يفسد العقد لأنه شرط ينافي المقصود من النكاح وهذا مذهب الشافعي وكذلك إن شرط عليه أن لا تسلم إليه فهو بمنزلة ما لو اشترى شيئا على أن لا يقبضه وإن شرط عليها أن لا يطأها لم يفسد لأن الوطء حقه عليها وهي لا تملكه عليه ويحتمل أن يفسد لأن لها فيه حقا ولذلك تملك مطالبته به إذا آلى والفسخ إذا تعذر بالجب والعنة القسم الثالث ما يبطل النكاح من أصله مثل أن يشترطا تأقيت النكاح وهو نكاح المتعة أو أن يطلقها في وقت بعينه أو يعلقه على شرط مثل أن يقول زوجتك إن رضيت أمها أو فلان أو يشترط الخيار في النكاح لهما أو لأحدهما فهذه شروط باطلة في نفسها ويبطل بها النكاح وكذلك إن جعل صداقها تزويج امرأة أخرى وهو نكاح الشغار ونذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى وذكر أبو الخطاب فيما إذا شرط الخيار إن رضيت أمها وإن جاءها بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما روايتين إحداهما النكاح الصحيح والشرط باطل وبه قال أبو ثور فيما إذا شرط الخيار وحكاه عن أبي حنيفة وزعم أنه لا خلاف فيها وقل ابن المنذر قال أحمد وإسحاق إذا تزوجها على أنه إن جاء بالمهر في وقت كذا وكذا وإلا فلا نكاح بينهما الشرط باطل والعقد جائز وهو قول عطاء والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي وروي ذلك عن الزهري وروى ابن منصور عن أحمد في هذا أن العقد والشرط جائزان لقوله صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم والرواية الأخرى يبطل العقد من أصله في هذا لأن النكاح لا يكون إلا لازما وهذا يوجب جوازه ولأنه إذا قال إن رضيت أمها أو إن جئتني في وقت كذا فقد وقف النكاح على الشرط ولا يجوز وقفه على شرط وهذا قول الشافعي ونحوه عن مالك وأبي عبيد فصل وإن شرط الخيار في الصداق خاصة لم يفسد النكاح لأن النكاح ينفرد عن ذكر الصداق ولو كان الصداق حراما أو فاسدا لم يفسد النكاح فلأن لا يفسد بشرط الخيار فيه أولى ويخالف البيع فإنه إذا فسد أحد العوضين فيه فسد الآخر فإذا ثبت هذا ففي الصداق ثلاثة أوجه أحدها يصح الصداق ويبطل شرط الخيار كما يفسد الشرط في النكاح ويصح النكاح والثاني يصح ويثبت الخيار فيه لأن عقد الصداق عقد منفرد يجري مجرى الأثمان فثبت فيه الخيار كالبياعات والثالث يبطل الصداق لأنها لم ترض به فلم يلزمها كما لو لم يوافقه على شيء مسألة قال ( ومن أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها ) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها وقد روى جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل قال فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها رواه أبو داود وفي هذا أحاديث كثيرة سوى هذا ولأن النكاح عقد يقتضي التمليك فكان للعاقد النظر إلى المعقود عليه كالنظر إلى الأمة المستامة
ولا بأس بالنظر إليها بإذنها وغير إذنها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالنظر وأطلق وفي حديث جابر فكنت أتخبأ لها وفي حديث عن المغيرة بن شعبة أنه استأذن أبويها في النظر إليها فكرهاه فأذنت له المرأة رواه سعيد ولا يجوز له الخلوة بها لأنها محرمة ولم يرد الشرع بغير النظر فبقيت على التحريم ولأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان ولا ينظر إليها نظرة تلذذ وشهوة ولا لريبة قال أحمد في رواية صالح ينظر إلى الوجه ولا يكون عن طريق لذة وله أن يردد النظر إليها ويتأمل محاسنها لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك فصل ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى وجهها وذلك لأنه ليس بعورة وهو مجمع المحاسن وموضع النظر ولا يباح له النظر إلى ما لا يظهر عادة وحكي عن الأوزاعي أنه ينظر إلى مواضع اللحم وعن داود أنه ينظر إلى جميعها لظاهر قوله عليه السلام انظر إليها ولنا قول الله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها النور 31 وروي عن ابن عباس أنه قال الوجه وبطن الكف ولأن النظر محرم أبيح للحاجة فيختص بما تدعو الحاجة إليه وهو ما ذكرنا والحديث مطلق ومن ينظر إلى وجه إنسان سمي ناظرا إليه ومن رآه وعليه أثوابه سمي رائيا له كما قال الله تعالى وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم المنافقون 4 وإذا رآك الذين كفروا الأنبياء 36 فأما ما يظهر غالبا سوى الوجه كالكفين والقدمين ونحو ذلك مما تظهره المرأة في منزلها ففيه روايتان إحداهما لا يباح النظر إليه لأنه عورة فلم يبح النظر إليه كالذي لا يظهر فإن عبدالله روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المرأة عورة حديث حسن ولأن الحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه فبقي ما عداه على التحريم والثانية له النظر إلى ذلك قال أحمد في رواية حنبل لا بأس أن ينظر إليها وإلى ما يدعوه إلى نكاحها من يد أو جسم ونحو ذلك قال أبو بكر لا بأس أن ينظر إليها عند الخطبة حاسرة وقال الشافعي ينظر إلى الوجه والكفين ووجه جواز النظر إلى ما يظهر غالبا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أذن في النظر إليها من غير علمها علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادة إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور ولأنه يظهر غالبا فأبيح النظر إليه كالوجه ولأنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر الشارع فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم وقد روى سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال خطب عمر بن الخطاب ابنة علي فذكر منها صفرا فقالوا له إنما ردك فعاوده فقال نرسل بها إليك تنظر أليها فرضيها فكشف عن ساقيها فقالت أرسل لولا أنك أمير المؤمنين للطمت الذي في عينك فصل ويجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبا كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك وليس له النظر إلى ما يستتر غالبا كالصدر والظهر ونحوهما قال الأثرم سألت أبا عبدالله عن الرجل ينظر إلى شعر امرأة أبيه أو امرأة ابنه فقال هذا في القرآن ولا يبدين زينتهن النور 31 إلا لكذا وكذا قلت ينظر إلى ساق امرأة أبيه وصدرها قال لا يعجبني ثم قال أنا أكره أن ينظر من أمه وأخته إلى مثل هذا وإلى كل شيء لشهوة وذكر القاضي أن حكم الرجل مع ذوات محارمه حكم الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة وقال أبو بكر كراهية أحمد النظر إلى ساق أمه وصدرها على التوقي لأن ذلك يدعو إلى الشهوة يعني أنه يكره ولا يحرم ومنع الحسن والشعبي والضحاك النظر إلى شعر ذوات المحارم فروي عن هند ابنة المهلب قالت قلت للحسن ينظر الرجل إلى قرط أخته وإلى عنقها قال لا ولا كرامة وقال الضحاك لو دخلت على أمي لقلت أيتها العجوز غطي شعرك
والصحيح أنه يباح النظر إلى ما يظهر غالبا لقول الله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن النور 31 وقالت سهلة بنت سهيل يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلى وقد أنزل فيهم ما علمت فكيف ترى فيه فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها رواه أبو داود وغيره وهذا دليل على أنه كان ينظر منها إلى ما يظهر غالبا فأنها قالت يراني فضلى ومعناه في ثياب البذلة التي لا تستر أطرافها وقال امرؤ القيس فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ولم يبق إلا لبسة المتفضل ومثل هذا يظهر منه الأطراف والشعر فكان يراها كذلك إذا اعتقدته ولدا ثم دلهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما يستديمون به ما كانوا يعتقدونه ويفعلونه وروى الشافعي في مسنده عن زينب بنت أبي سلمة أنها ارتضعت من أسماء امرأة الزبير قالت فكنت أراه أبا وكان يدخل علي وأنا أمشط رأسي فيأخذ ببعض قرون رأسي ويقول أقبلي علي ولأن التحرز من هذا لا يمكن فأبيح كالوجه وما لا يظهر غالبا لا يباح لأن الحاجة لا تدعو إلى نظره ولا تؤمن معه الشهوة ومواقعة المحظور فحرم النظر إليه كما تحت السرة فصل وذوات محارمه كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بنسب أو رضاع أو تحريم المصاهرة بسبب مباح لما ذكرنا من حديث سالم وزينب وعن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعد ما أنزل الحجاب فأبت أن تأذن له فقال النبي صلى الله عليه وسلم ائذني له فإنه عمك تربت يمينك وقد ذكر الله تعالى آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن النور 31 كما ذكر آبائهن وأبناءهن في إبداء الزينة لهم وتوقف أحمد عن النظر إلى شعر أم امرأته وبنتها لأنهما غير مذكورتين في الآية قال القاضي إنما حكى قول سعيد بن جبير ولم يأخذ به وقد صرح في رواية المروذي أنه محرم يجوز له المسافرة بها وقال في رواية أبي طالب ساعة يعقد عقدة النكاح تحرم عليه أم امرأته فله أن يرى شعرها ومحاسنها ليست مثل التي يزني بها لا يحل له أبدا أن ينظر إلى شعرها ولا إلى شيء من جسدها وهي حرام عليه فصل فأما أم المزني بها وابنتها فلا يحل له النظر إليهن وإن حرم نكاحهن لأن تحريمهن بسبب محرم فلم يفد إباحة النظر كالمحرمة باللعان وكذلك بنت الموطوءة بشبهة وأمها ليست من ذوات محارمه وكذلك الكافر ليس بمحرم لقرابته المسلمة قال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت ابنته لا يسافر بها ليس محرما لها والظاهر أنه أراد ليس محرما لها في السفر أما النظر فلا يجب عليها الحجاب منه لأن أبا سفيان أتى المدينة وهو مشرك فدخل على ابنته أم حبيبة فطوت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يجلس عليه ولم تحتجب منه ولا أمرها بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فصل وعبد المرأة له النظر إلى وجهها وكفيها لقول الله تعالى أو ما ملكت أيمانهم المؤمنون 6 وروت أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن أبي قلابة قال كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار رواه سعيد في سننه