İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
239 قوله عن الزهري كذا للاصيلي وغيره ولأبي ذر حدثنا الزهري قوله كل شراب أسكر أي كان من شأنه الإسكار سواء حصل بشربه السكر أم لا قال الخطابي فيه دليل على أن قليل المسكر وكثيره حرام من أي نوع كان لأنها صيغة عموم أشير بها إلى جنس الشراب الذي يكون منه السكر فهو كما لو قال كل طعام أشبع فهو حلال فأنه يكون دالا على حل كل طعام من شأنه الاشباع وأن لم يحصل الشبع به لبعض دون بعض ووجه احتجاج البخاري به في هذا الباب أن المسكر لا يحل شربه وما لا يحل شربه لا يجوز الوضوء به اتفاقا والله أعلم وسيأتي الكلام على حكم شرب النبيذ في الأشربة إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب غسل المرأة اباها ) منصوب على المفعولية والدم منصوب على الاختصاص أو على البدل وهو أما اشتمال أو بعض من كل ووقع في رواية بن عساكر غسل المرأة الدم عن وجه أبيها وهو بالمعنى قوله عن وجهه في رواية الكشميهني من وجهه وعن في رواية غيره إما بمعنى من أو ضمن الغسل معنى الإزالة وهذه الترجمة معقودة لبيان أن إزالة النجاسة ونحوها يجوز الاستعانة فيها كما تقدم في الوضوء وبهذا يظهر مناسبة أثر أبي العالية لحديث سهل قوله وقال أبو العالية هو الرياحي بكسر الراء وياء تحتانية وأثره هذا وصله عبد الرزاق عن معمر عن عاصم بن سليمان قال دخلنا على أبي العالية وهو وجع فوضؤوه فلما بقيت إحدى رجليه قال امسحوا على هذه فإنها مريضة وكان بها حمرة وزاد بن أبي شيبة أنها كانت معصوبة 240 قوله حدثنا محمد قال أبو علي الجياني لم ينسبه أحد من الرواة وهو عندي بن سلام قلت وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج وقد وقع في رواية بن عساكر حدثنا محمد يعني بن سلام قوله وسأله الناس جملة حالية وأراد بقوله وما بيني وبينه أحد أي عند السؤال ليكون أدل على صحة سماعه لقربه منه قوله دوى بضم الدال على البناء للمجهول وحذفت إحدى الواوين في الكتابة كداود قوله ما بقى أحد إنما قال ذلك لآنه كان آخر من بقي من الصحابة بالمدينة كما صرح به المصنف في النكاح في روايته عن قتيبة عن سفيان ووقع في رواية الحميدي عن سفيان اختلف الناس بأي شيء دوى جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي ذكر سبب هذا الجرح وتسمية فاعله في المغازي في وقعة أحد إن شاء الله تعالى وكان بينها وبين تحديث سهل بذلك أكثر من ثمانين سنة قوله فأخذ بضم الهمزة على البناء للمجهول وله في الطب فلما رأت فاطمة الدم يزيد على الماء كثرة عمدت إلى حصير فأحرقتها وألصقتها على الجرح فرقأ الدم وفي هذا الحديث مشروعية التداوى ومعالجة الجراح واتخاذ الترس في الحرب وأن جميع ذلك لا يقدح في التوكل لصدوره من سيد المتوكلين وفيه مباشرة المرأة لأبيها وكذلك لغيره من ذوي محارمها ومداواتها لأمراضهم وغير ذلك مما يأتي الكلام عليه في المغازي إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب السواك ) هو بكسر السين على الافصح ويطلق على الآلة وعلى الفعل وهو المراد هنا قوله وقال بن عباس هذا التعليق سقط من رواية المستملى وهو طرف من حديث طويل في قصة مبيت بن عباس عند خالته ميمونة ليشاهد صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل وقد وصله المؤلف من طرق منها بلفظه هذا في تفسير آل عمران واقتضى كلام عبد الحق أنه بهذا اللفظ من افراد مسلم وليس بجيد
241 قوله عن أبي بردة هو بن أبي موسى الأشعري قوله يستن بفتح أوله وسكون المهملة وفتح المثناة وتشديد النون من السن بالكسر أو الفتح إما لأن السواك يمر على الأسنان أو لأنه يسنها أي يحددها قوله يقول أي النبي صلى الله عليه وسلم أو السواك مجازا قوله اع اع بضم الهمزة وسكون المهملة كذا في رواية أبي ذر وأشار بن التين إلى أن غيره رواه بفتح الهمزة ورواه النسائي وبن خزيمة عن أحمد بن عبدة عن حماد بتقديم العين على الهمزة وكذا أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل القاضي عن عارم وهو أبو النعمان شيخ البخاري فيه ولأبي داود بهمزة مكسورة ثم هاء وللجوزقى بخاء معجمة بدل الهاء والرواية الأولى أشهر وإنما اختلف الرواة لتقارب مخارج هذه الأحرف وكلها ترجع إلى حكاية صوته إذ جعل السواك على طرف لسانه كما عند مسلم والمراد طرفه الداخل كما عند أحمد يستن إلى فوق ولهذا قال هنا كأنه يتهوع والتهوع التقيؤ أي له صوت كصوت المتقيئ على سبيل المبالغة ويستفاد منه مشروعية السواك على اللسان طولا أما الأسنان فالاحب فيها أن تكون عرضا وفيه حديث مرسل عند أبي داود وله شاهد موصول عند العقيلي في الضعفاء وفيه تأكيد السواك وأنه لا يختص بالأسنان وأنه من باب التنظيف والتطيب لا من باب إزالة القاذورات لكونه صلى الله عليه وسلم لم يختف به وبوبوا عليه استياك الإمام بحضرة رعيته 242 قوله عن حذيفة هو بن اليمان والإسناد كله كوفيون قوله يشوص بضم المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة والشوص بالفتح الغسل والتنظيف كذا في الصحاح وفي المحكم الغسل عن كراع والتنقية عن أبي عبيد والدلك عن بن الأنباري وقيل الامرار على الأسنان من أسفل إلى فوق واستدل قائله بأنه ماخوذ من الشوصة وهي ريح ترفع القلب عن موضعه وعكسه الخطابي فقال هو دلك الأسنان بالسواك أو الأصابع عرضا قال بن دقيق العيد فيه استحباب السواك عند القيام من النوم لأن النوم مقتض لتغير الفم لما يتصاعد إليه من ابخرة المعدة والسواك آلة تنظيفه فيستحب عند مقتضاه قال وظاهر قوله من الليل عام في كل حالة ويحتمل أن يخص بما إذا قام إلى الصلاة قلت ويدل عليه رواية المصنف في الصلاة بلفظ إذا قام للتهجد ولمسلم نحوه وحديث بن عباس يشهد له وكأن ذلك هو السر في ذكره في الترجمة وقد ذكر المصنف كثيرا من أحكام السواك في الصلاة وفي الصيام كما ستأتي في اماكنها إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب دفع السواك إلى الأكبر ) وقال عفان قال الإسماعيلي أخرجه البخاري بلا رواية قلت وقد وصله أبو عوانة في صحيحه عن محمد بن إسحاق الصغاني وغيره عن عفان وكذا أخرجه أبو نعيم والبيهقي من طريقه
243 قوله اراني بفتح الهمزة من الرؤية ووهم من ضمها وفي رواية المستملى رآني بتقديم الراء والأول أشهر ولمسلم من طريق على بن نصر الجهضمي عن صخر أراني في المنام وللإسماعيلي رأيت في المنام فعلى هذا فهو من الرؤيا قوله فقيل لي قائل ذلك له جبريل عليه السلام كما سيذكر من رواية بن المبارك قوله كبر أي قدم الأكبر في السن قوله قال أبو عبد الله أي البخاري اختصره أي المتن نعيم هو بن حماد وأسامة هو بن زيد الليثى المدني ورواية نعيم هذه وصلها الطبراني في الأوسط عن بكر بن سهل عنه بلفظ أمرني جبريل أن أكبر ورويناها في الغيلانيات من رواية أبي بكر الشافعي عن عمر بن موسى عن نعيم بلفظ أن أقدم الأكابر وقد رواه جماعة من أصحاب بن المبارك عنه بغير اختصار أخرجه أحمد والإسماعيلي والبيهقي عنهم بلفظ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستن فأعطاه أكبر القوم ثم قال أن جبريل أمرني أن أكبر وهذا يقتضى أن تكون القضية وقعت في اليقظة ويجمع بينه وبين رواية صخر أن ذلك لما وقع في اليقظة أخبرهم صلى الله عليه وسلم بما رآه في النوم تنبيها على أن أمره بذلك بوحى متقدم فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض ويشهد لرواية بن المبارك ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستن وعنده رجلان فأوحى إليه أن أعط السواك الأكبر قال بن بطال فيه تقديم ذي السن في السواك ويلتحق به الطعام والشراب والمشى والكلام وقال المهلب هذا ما لم يترتب القوم في الجلوس فإذا ترتبوا فالسنة حينئذ تقديم الأيمن وهو صحيح وسيأتي الحديث فيه في الأشربة وفيه أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه الا أن المستحب أن يغسله ثم يستعمله وفيه حديث عن عائشة في سنن أبي داود قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني السواك لاغسله فابدأ به فاستاك ثم اغسله ثم ادفعه إليه وهذا دال على عظيم أدبها وكبير فطنتها لأنها لم تغسله ابتداء حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه صلى الله عليه وسلم ثم غسلته تأدبا وامتثالا ويحتمل أن يكون المراد بأمرها بغسله تطييبه وتليينه بالماء قبل أن يستعمله والله أعلم 1 ( قوله باب فضل من بات على الوضوء ) ولغير أبي ذر على وضوء
244 قوله أخبرنا عبد الله هو بن المبارك وسفيان هو الثوري ومنصور هو بن المعتمر قوله فتوضأ ظاهره استحباب تجديد الوضوء لكل من أراد النوم ولو كان على طهارة ويحتمل أن يكون مخصوصا بمن كان محدثا ووجه مناسبته للترجمة من قوله فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة والمراد بالفطرة السنة وقد روى هذا الحديث الشيخان وغيرهما من طرق عن البراء وليس فيها ذكر الوضوء الا في هذه الرواية وكذا قال الترمذي وقد ورد في الباب حديث عن معاذ بن جبل أخرجه أبو داود وحديث عن على أخرجه البزار وليس واحد منهما على شرط البخاري وسيأتي الكلام على فوائد هذا المتن في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى قوله واجعلهن آخر ما تقول في رواية الكشميهني من آخر وهي تبين أنه لا يمتنع أن يقول بعدهن شيئا مما شرع من الذكر عند النوم قوله قال لا ونبيك الذي أرسلت قال الخطابي فيه حجة لمن منع رواية الحديث على المعنى قال ويحتمل أن يكون أشار بقوله ونبيك إلى أنه كان نبيا قبل أن يكون رسولا أو لأنه ليس في قوله ورسولك الذي أرسلت وصف زائد بخلاف قوله ونبيك الذي أرسلت وقال غيره ليس فيه حجة على منع ذلك لأن لفظ الرسول ليس بمعنى لفظ النبي ولا خلاف في المنع اذا اختلف المعنى فكأنه أراد أن يجمع الوصفين صريحا وأن كان وصف الرسالة يستلزم وصف النبوة أو لأن ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ وتقدير الثواب فربما كان في اللفظ سر ليس في الآخر ولو كان يرادفه في الظاهر أو لعله أوحى إليه بهذا اللفظ فرأى أن يقف عنده أو ذكره احترازا ممن أرسل من غير نبوة كجبريل وغيره من الملائكة لأنهم رسل لا أنبياء فلعله أراد تخليص الكلام من اللبس أو لأن لفظ النبي امدح من لفظ الرسول لأنه مشترك في الإطلاق على كل من أرسل بخلاف لفظ النبي فإنه لا اشتراك فيه عرفا وعلى هذا فقول من قال كل رسول نبي من غير عكس لا يصح إطلاقه وأما من استدل به على أنه لا يجوز إبدال لفظ قال نبي الله مثلا في الرواية بلفظ قال رسول الله وكذا عكسه ولو اجزنا الرواية بالمعنى فلا حجة فيه وكذا لا حجة فيه لمن أجاز الأول دون الثاني لكون الأول أخص من الثاني لأنا نقول الذات المخبر عنها في الرواية واحدة فبأي وصف وصفت به تلك الذات من اوصافها اللائقة بها علم القصد بالمخبر عنه ولو تباينت معاني الصفات كما لو أبدل اسما بكنية أو كنية باسم فلا فرق بين أن يقول الراوي مثلا عن أبي عبد الله البخاري أو عن محمد بن إسماعيل البخاري وهذا بخلاف ما في حديث الباب فإنه يحتمل ما تقدم من الأوجه التي بيناها من إرادة التوقيف وغيره والله أعلم تنبيه النكتة في ختم البخاري كتاب الوضوء بهذا الحديث من جهة أنه آخر وضوء آمر به المكلف في اليقظة ولقوله في نفس الحديث واجعلهن آخر ما تقول فاشعر ذلك بختم الكتاب والله الهادي للصواب خاتمة اشتمل كتاب الوضوء وما معه من أحكام المياه والاستطابه من الأحاديث المرفوعه على مائة وأربعة وخمسين حديثا الموصول منها مائة وستة عشر حديثا والمذكور منها بلفظ المتابعة وصيغة التعليق ثمانية وثلاثون حديثا فالمكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة وسبعون حديثا والخالص منها أحد وثمانون حديثا ثلاثة منها معلقة والبقية موصولة وافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة عشر حديثا وهي الثلاثة المعلقة وحديث بن عباس في صفة الوضوء وحديثه توضأ مرة مرة وحديث أبي هريرة ابغنى أحجارا وحديث بن مسعود في الحجرين والروثة وحديث عبد الله بن زيد في الوضوء مرتين مرتين وحديث أنس في ادخار شعر النبي صلى الله عليه وسلم وحديث أبي هريرة في الرجل الذي سقى الكلب وحديث السائب بن يزيد في خاتم النبوة وحديث سعد وعمر في المسح على الخفين وحديث عمرو بن أمية فيه وحديث سويد بن النعمان في المضمضة من السويق وحديث أنس إذا نعس في الصلاة فلينم وحديث أبي هريرة في قصة الذي بال في المسجد وحديث ميمونة في فأرة سقطت في سمن وحديث أنس في البزاق في الثوب وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين ثمانية وأربعون أثرا الموصول منها ثلاثة والبقية معلقة والله أعلم
1 ( قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الغسل ) كذا في روايتنا بتقديم البسملة وللاكثر بالعكس وقد تقدم توجيهه ذلك وحذفت البسملة من رواية الأصيلي وعنده باب الغسل وهو بضم الغين اسم للاغتسال وقيل إذا أريد به الماء فهو مضموم وأما المصدر فيجوز فيه الضم والفتح حكاه بن سيده وغيره وقيل المصدر بالفتح والاغتسال بالضم وقيل الغسل بالفتح فعل المغتسل وبالضم الماء الذي يغتسل به وبالكسر ما يجعل مع الماء كالاشنان وحقيقة الغسل جريان الماء على الأعضاء واختلف في وجوب الدلك فلم يوجبه الأكثر ونقل عن مالك والمزنى وجوبه واحتج بن بطال بالإجماع على وجوب امرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها قال فيجب ذلك في الغسل قياسا لعدم الفرق بينهما وتعقب بأن جميع من لم يوجب الدلك اجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير امرار فبطل الإجماع وانتفت الملازمة قوله وقول الله تعالى وأن كنتم جنبا فاطهروا قال الكرماني غرضه بيان أن وجوب الغسل على الجنب مستفاد من القرآن قلت وقدم الآية التي من سورة المائدة على الآية التي من سورة النساء لدقيقة وهي أن لفظ التي في المائدة فاطهروا ففيها اجمال ولفظ التي في النساء حتى تغتسلوا ففيها تصريح بالاغتسال وبيان للتطهير المذكور ودل على أن المراد بقوله تعالى فاطهروا فاغتسلوا قوله تعالى في الحائض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن أي اغتسلن اتفاقا ودلت آية النساء على أن استباحة الجنب الصلاة وكذا اللبث في المسجد يتوقف على الاغتسال وحقيقة الاغتسال غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عما للعادة بالنية 1 ( قوله باب الوضوء قبل الغسل ) أي استحبابه قال الشافعي رحمه الله في الأم فرض الله تعالى الغسل مطلقا لم يذكر فيه شيئا يبدأ به قبل شيء فكيفما جاء به المغتسل أجزأه إذا أتى بغسل جميع بدنه والاختيار في الغسل ما روت عائشة ثم روى حديث الباب عن مالك بسنده وهو في الموطأ كذلك قال بن عبد البر هو من أحسن حديث روى في ذلك قلت وقد رواه عن هشام وهو بن عروة جماعة من الحفاظ غير مالك كما سنشير إليه
245 قوله كان إذا اغتسل أي شرع في الفعل ومن في قوله من الجنابة سببية قوله بدأ فغسل يديه يحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما من مستقذر وسيأتي في حديث ميمونة تقوية ذلك ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم ويدل عليه زيادة بن عيينة في هذا الحديث عن هشام قبل أن يدخلهما في الإناء رواه الشافعي والترمذي وزاد أيضا ثم يغسل فرجه وكذا لمسلم من رواية أبي معاوية ولأبي داود من رواية حماد بن زيد كلاهما عن هشام وهي زيادة جليلة لأن بتقديم غسله يحصل الأمن من مسه في اثناء الغسل قوله كما يتوضأ للصلاة فيه احتراز عن الوضوء اللغوي ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل ويحتمل أن يكتفى بغسلها في الوضوء عن اعادته وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفا لها ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى وإلى هذا جنح الداودي شارح المختصر من الشافعية فقال يقدم غسل أعضاء وضوئه على ترتيب الوضوء لكن بنية غسل الجنابة ونقل بن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل وهو مردود فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث قوله فيخلل بها أي بأصابعه التي أدخلها في الماء ولمسلم ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر وللترمذي والنسائي من طريق بن عيينة ثم يشرب شعره الماء قوله أصول الشعر وللكشميهني أصول شعره أي شعر رأسه ويدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام عند البيهقي يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك وقال القاضي عياض احتج به بعضهم على تخليل شعر الجسد في الغسل أما لعموم قوله أصول الشعر وأما بالقياس على شعر الرأس وفائدة التخليل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة ومباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء وتأنيس البشرة لئلا يصيبها بالصب ما تتأذى به ثم هذا التخليل غير واجب اتفاقا الا أن كان الشعر ملبدا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله والله أعلم قوله ثم يدخل إنما ذكره بلفظ المضارع وما قبله مذكور بلفظ الماضي وهو الأصل لإرادة استحضار صورة الحال للسامعين قوله ثلاث غرف بضم المعجمة وفتح الراء جمع غرفة وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف وللكشميهني ثلاث غرفات وهو المشهور في جمع القلة وفيه استحباب التثليث في الغسل قال النووي ولا نعلم فيه خلافا الا ما تفرد به الماوردي فإنه قال لايستحب التكرار في الغسل قلت وكذا قال الشيخ أبو على السنجي في شرح الفروع وكذا قال القرطبي وحمل التثليث في هذه الرواية على رواية القاسم عن عائشة الآتية قريبا فإن مقتضاها أن كل غرفة كانت في جهة من جهات الرأس وسيأتي في آخر الكلام على حديث ميمونة زيادة في هذه المسألة قوله ثم يفيض أي يسيل والافاضة الإسالة واستدل به من لم يشترط الدلك وهو ظاهر وقال المازري لا حجة فيه لأن أفاض بمعنى غسل والخلاف في الغسل قائم قلت ولا يخفى ما فيه والله أعلم وقال القاضي عياض لم يأت في شيء من الروايات في وضوء الغسل ذكر التكرار قلت بل ورد ذلك من طريق صحيحة أخرجها النسائي والبيهقي من رواية أبي سلمة عن عائشة أنها وصفت غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة الحديث وفيه ثم يتمضمض ثلاثا ويستنشق ثلاثا ويغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا ثم يفيض على رأسه ثلاثا قوله على جلده كله هذا التأكيد يدل على أنه عمم جميع جسده بالغسل بعد ما تقدم وهو يؤيد الاحتمال الأول أن الوضوء سنة مستقلة قبل الغسل وعلى هذا فينوى المغتسل الوضوء أن كان محدثا وإلا فسنة الغسل واستدل بهذا الحديث على استحباب إكمال الوضوء قبل الغسل ولا يؤخر غسل الرجلين إلى فراغه وهو ظاهر من قولها كما يتوضأ للصلاة وهذا هو المحفوظ في حديث عائشة من هذا الوجه لكن رواه مسلم من رواية أبي معاوية عن هشام فقال في آخره ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه وهذه الزيادة تفرد بها أبو معاوية دون أصحاب هشام قال البيهقي هي غريبة صحيحة قلت لكن في رواية أبي معاوية عن هشام مقال نعم له شاهد من رواية أبي سلمة عن عائشة أخرجه أبو داود الطيالسي فذكر حديث الغسل كما تقدم عند النسائي وزاد في آخره فإذا فرغ غسل رجليه فأما أن تحمل الروايات عن عائشة على أن المراد بقولها وضوءه للصلاة أي أكثره وهو ما سوى الرجلين أو يحمل على ظاهره ويستدل برواية أبي معاوية على جواز تفريق الوضوء ويحتمل أن يكون قوله في رواية أبي معاوية ثم غسل رجليه أي أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أن كان غسلهما في الوضوء فيوافق قوله في حديث الباب ثم يفيض على جلده كله
246 قوله حدثنا محمد بن يوسف هو الفريابي وسفيان هو الثوري وجزم الكرماني بان محمد بن يوسف هو البيكندي وسفيان هو بن عيينة ولا أدري من أين له ذلك قوله وضوءه للصلاة غير رجليه فيه التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل الخ وهو مخالف لظاهر رواية عائشة ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز كما تقدم وإما بحمله على حالة أخرى وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين في الغسل وعن مالك إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما وإلا فالتقديم وعند الشافعية في الأفضل قولان قال النووي أصحهما واشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه قال لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك انتهى كذا قال وليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك بل هي إما محتملة كرواية توضأ وضوءه للصلاة أو ظاهرة تأخيرهما كرواية أبي معاوية المتقدمة وشاهدها من طريق أبي سلمة ويوافقها أكثر الروايات عن ميمونة أو صريحة في تأخيرهما كحديث الباب وراويها مقدم في الحفظ والفقه على جميع من رواه عن الأعمش وقول من قال إنما فعل ذلك مرة لبيان الجواز متعقب فإن في رواية أحمد عن أبي معاوية عن الأعمش ما يدل على المواظبة ولفظه كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه فذكر الحديث وفي آخره ثم يتنحى فيغسل رجليه قال القرطبي الحكمة في تأخير غسل الرجلين ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء قوله وغسل فرجه فيه تقديم وتأخير لأن غسل الفرج كان قبل الوضوء إذ الواو لا تقتضي الترتيب وقد بين ذلك بن المبارك عن الثوري عند المصنف في باب الستر في الغسل فذكر أولا غسل اليدين ثم غسل الفرج ثم مسح يده بالحائط ثم الوضوء غير رجليه وآتى بثم الدالة على الترتيب في جميع ذلك قوله هذه غسله الإشارة إلى الأفعال المذكورة أو التقدير هذه صفة غسله وللكشميهني هذا غسله وهو ظاهر وأشار الإسماعيلي إلى أن هذه الجملة الأخيرة مدرجة من قول سالم بن أبي الجعد وأن زائدة بن قدامة بين ذلك في روايته عن الأعمش واستدل البخاري بحديث ميمونة هذا على جواز تفريق الوضوء وعلى استحباب الافراغ باليمين على الشمال للمغترف من الماء لقوله في رواية أبي عوانة وحفص وغيرهما ثم أفرغ بيمينه على شماله وعلى مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة لقوله فيها ثم تمضمض واستنشق وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما وتعقب بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب الا إذا كان بيانا لمجمل تعلق به الوجوب وليس الأمر هنا كذلك قاله بن دقيق العيد وعلى استحباب مسح اليد بالتراب من الحائط أو الأرض لقوله في الروايات المذكورة ثم دلك يده بالأرض أو بالحائط قال بن دقيق العيد وقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسله واحدة لإزالة النجاسة والغسل من الجنابة لأن الأصل عدم التكرار وفيه خلاف انتهى وصحح النووي وغيره أنه يجزئ لكن لم يتعين في هذا الحديث أن ذلك كان لإزالة النجاسة بل يحتمل أن يكون للتنظيف فلا يدل على الاكتفاء وأما دلك اليد بالأرض فللمبالغة فيه ليكون انقى كما قال البخاري وأبعد من استدل به على نجاسة المني أو على نجاسة رطوبة الفرج لأن الغسل ليس مقصورا على إزالة النجاسة وقوله في حديث الباب وما أصابه من أذى ليس بظاهر في النجاسة أيضا واستدل به البخاري أيضا على أن الواجب في غسل الجنابة مرة واحدة وعلى أن من توضأ بنية الغسل أكمل باقي أعضاء بدنه لايشرع له تجديد الوضوء من غير حدث وعلى جواز نفض اليدين من ماء الغسل وكذا الوضوء وفيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره ولفظه لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان قال بن الصلاح لم أجده وتبعه النووي وقد أخرجه بن حبان في الضعفاء وبن أبي حاتم في العلل من حديث أبي هريرة ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحا أن يحتج به وعلى استحباب التستر في الغسل ولو كان في البيت وقد عقد المصنف لكل مسألة بابا وأخرج هذا الحديث فيه لكن بمغايرة الطرق ومدارها على الأعمش وعند بعض الرواة عنه ما ليس عند الآخر وقد جمعت فوائدها في هذا الباب وصرح في رواية حفص بن غياث عن الأعمش بسماع الأعمش من سالم فأمن تدليسه وفي الإسناد ثلاثة من التابعين على الولاء الأعمش وسالم وكريب وصحابيان بن عباس وخالته ميمونة بنت الحارث وفي الحديث من الفوائد أيضا جواز الاستعانة بإحضار ماء الغسل والوضوء لقولها في رواية حفص وغيره وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسلا وفي رواية عبد الواحد ما يغتسل به وفيه خدمة الزوجات لأزواجهن وفيه الصب باليمين على الشمال لغسل الفرج بها وفيه تقديم غسل الكفين على غسل الفرج لمن يريد الاغتراف لئلا يدخلهما في الماء وفيهما ما لعله يستقذر فأما إذا كان الماء في إبريق مثلا فالأولى تقديم غسل الفرج لتوالى أعضاء الوضوء ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء وتمسك به المالكية لقولهم إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس بل يكتفى عنه بغسله واستدل بعضهم بقولها في رواية أبي حمزة وغيره فناولته ثوبا فلم يأخذه على كراهة التنشيف بعد الغسل ولا حجة فيه لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف بل لأمر يتعلق بالخرقة أو لكونه كان مستعجلا أو غير ذلك قال المهلب يحتمل تركه الثوب لابقاء بركة الماء أو للتواضع أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ وقد وقع عند أحمد والإسماعيلي من رواية أبي عوانة في هذا الحديث عن الأعمش قال فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال لا بأس بالمنديل وإنما رده مخافة أن يصير عادة وقال التيمي في شرحه في هذا الحديث دليل على أنه كان يتنشف ولولا ذلك لم تأته بالمنديل وقال بن دقيق العيد نفضه الماء بيده يدل على أن لاكراهة في التنشيف لأن كلا منهما إزالة وقال النووي اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه اشهرها أن المستحب تركه وقيل مكروه وقيل مباح وقيل مستحب وقيل مكروه في الصيف مباح في الشتاء واستدل به على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهر خلافا لمن غلا من الحنفية فقال بنجاسته
1 ( قوله باب غسل الرجل مع امرأته ) عن عروة أي بن الزبير كذا رواه أكثر أصحاب الزهري وخالفهم إبراهيم بن سعد فرواه عنه عن القاسم بن محمد أخرجه النسائي ورجح أبو زرعة الأول ويحتمل أن يكون للزهري شيخان فإن الحديث محفوظ عن عروة والقاسم من طرق أخرى 247 قوله أنا والنبي يحتمل أن يكون مفعولا معه ويحتمل أن يكون عطفا على الضمير وهو من باب تغليب المتكلم على الغائب لكونها هي السبب في الاغتسال فكأنها أصل في الباب قوله من إناء واحد من قدح من الأولى ابتدائية والثانية بيانية ويحتمل أن يكون قدح بدلا من إناء بتكرار حرف الجر وقال بن التين كان هذا الإناء من شبه وهو بفتح المعجمة والموحدة كما تقدم توضيحه في صفة الوضوء من حديث عبد الله بن زيد وكأن مستندة ما رواه الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه ولفظه تور من شبة قوله يقال له الفرق ولمالك عن الزهري هو الفرق وزاد في روايته من الجنابة أي بسبب الجنابة ولأبي داود الطيالسي عن بن أبي ذئب وذلك القدح يومئذ يدعي الفرق قال بن التين الفرق بتسكين الراء ورويناه بفتحها وجوز بعضهم الامرين وقال القتيبي وغيره هو بالفتح وقال النووي الفتح أفصح وأشهر وزعم أبو الوليد الباجي أنه الصواب قال وليس كما قال بل هما لغتان قلت لعل مستند الباجي ما حكاه الأزهري عن ثعلب وغيره الفرق بالفتح والمحدثون يسكنونه وكلام العرب بالفتح انتهى وقد حكى الاسكان أبو زيد وبن دريد وغيرهما من أهل اللغة والذي في روايتنا هو الفتح والله أعلم وحكى بن الأثير أن الفرق بالفتح ستة عشر رطلا وبالاسكان مائة وعشرون رطلا وهو غريب واما مقداره فعند مسلم في آخر رواية بن عيينة عن الزهري في هذا الحديث قال سفيان يعني بن عيينة الفرق ثلاثة آصع قال النووي وكذا قال الجماهير وقيل الفرق صاعان لكن نقل أبو عبيد الاتفاق على أن الفرق ثلاثة آصع وعلى أن الفرق ستة عشر رطلا ولعله يريد اتفاق أهل اللغة وإلا فقد قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم أن الصاع ثمانية أرطال وتمسكوا بما روى عن مجاهد في الحديث الاتي عن عائشة أنه حزر الإناء ثمانية أرطال والصحيح الأول فإن الحزر لا يعارض به التحديد وأيضا فلم يصرح مجاهد بأن الإناء المذكور صاع فيحمل على اختلاف الأوانى مع تقاربها ويؤيد كون الفرق ثلاثة آصع ما رواه بن حبان من طريق عطاء عن عائشة بلفظ قدر ستة اقساط والقسط بكسر القاف وهو باتفاق أهل اللغة نصف صاع والاختلاف بينهم أن الفرق ستة عشر رطلا فصح أن الصاع خمسة أرطال وثلث وتوسط بعض الشافعية فقال الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث وهو ضعيف ومباحث المتن تقدمت في باب وضوء الرجل مع امرأته واستدل به الداودي على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه ويؤيده ما رواه بن حبان من طريق سليمان بن موسى أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته فقال سألت عطاء فقال سألت عائشة فذكرت هذا الحديث بمعناه وهو نص في المسألة والله أعلم 1 ( قوله باب الغسل بالصاع ) أي بملء الصاع ونحوه أي ما يقاربه والصاع تقدم أنه خمسة أرطال وثلث برطل بغداد وهو على ما قال الرافعي وغيره مائة وثلاثون درهما ورجح النووي أنه مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة اسباع درهم وقد بين الشيخ الموفق سبب الخلاف في ذلك فقال أنه في الأصل مائة وثمانية وعشرين وأربعة اسباع ثم زادوا فيه مثقالا لإرادة جبر الكسر فصار مائة وثلاثين قال والعمل على الأول لأنه هو الذي كان موجودا وقت تقدير العلماء به
248 قوله حدثنا عبد الله بن محمد هو الجعفي وعبد الصمد هو بن عبد الوارث وأبو بكر بن حفص أي بن عمر بن سعد بن أبي وقاص شارك شيخه أبا سلمة وهو بن عبد الرحمن بن عوف في كونه زهريا مدنيا مشهورا بالكنية وقد قيل إن اسم كل منهما عبد الله قوله وأخو عائشة زعم الداودي أنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وقال غيره هو أخوها لأمها وهو الطفيل بن عبد الله ولا يصح واحد منهما لما روى مسلم من طريق معاذ والنسائي من طريق خالد بن الحارث وأبو عوانة من طريق يزيد بن هارون كلهم عن شعبة في هذا الحديث أنه أخوها من الرضاعة وقال النووي وجماعة إنه عبد الله بن يزيد معتمدين على ما وقع في صحيح مسلم في الجنائز عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد رضيع عائشة عنها فذكر حديثا غير هذا ولم يتعين عندي أنه المراد هنا لأن لها أخا آخر من الرضاعة وهو كثير بن عبيد رضيع عائشة روى عنها أيضا وحديثه في الأدب المفرد للبخاري وسنن أبي داود من طريق ابنه سعيد بن كثير عنه وعبد الله بن يزيد بصري وكثير بن عبيد كوفي فيحتمل أن يكون المبهم هنا أحدهما ويحتمل أن يكون غيرهما والله أعلم قوله فدعت بإناء نحو بالجر والتنوين صفة لإناء وفي رواية كريمة نحوا بالنصب على أنه نعت للمجرور باعتبار المحل أو بإضمار أعني قوله وبيننا وبينها حجاب قال القاضي عياض ظاهره أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل نظره للمحرم لأنها خالة أبي سلمة من الرضاع أرضعته أختها أم كلثوم وإنما سترت اسافل بدنها مما لا يحل للمحرم النظر إليه قال وإلا لم يكن لاغتسالها بحضرتهما معنى وفي فعل عائشة دلالة على استحباب التعليم بالفعل لأنه أوقع في النفس ولما كان السؤال محتملا للكيفية والكمية ثبت لهما ما يدل على الامرين معا أما الكيفية فبالاقتصار على إفاضة الماء وأما الكمية فبالاكتفاء بالصاع قوله قال أبو عبد الله أي البخاري المصنف قال يزيد بن هارون هذا التعليق وصله أبو عوانة وأبو نعيم في مستخرجيهما قوله وبهز بالزاى المعجمة هو بن أسد وحديثه موصول عند الإسماعيلي وزاد في روايتهما من الجنابة وعندهما أيضا على رأسها ثلاثا وكذا عند مسلم والنسائي قوله والجدى بضم الجيم وتشديد الدال نسبة إلى جدة ساحل مكة وكان أصله منها لكنه سكن البصرة قوله قدر صاع بالكسر على الحكاية ويجوز النصب كما تقدم والمراد من الروايتين أن الاغتسال وقع بملء الصاع من الماء تقريبا لا تحديدا
249 قوله حدثنا عبد الله بن محمد هو الجعفي قوله حدثنا يحيى بن ادم قال أبو علي الحياني ثبت لجميع الرواة إلا لأبي ذر عن الحموي فسقط من روايته يحيى بن آدم وهو وهم فلا يتصل السند الا به قوله زهير هو بن معاوية وأبو إسحاق هو السبيعي وأبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر قوله هو وأبوه أي علي بن الحسين وعنده أي عند جابر قوله قوم كذا في النسخ التي وقفت عليها من البخاري ووقع في العمدة وعنده قومه بزيادة الهاء وجعلها شراحها ضميرا يعود على جابر وفيه ما فيه وليست هذه الرواية في مسلم أصلا وذلك وارد أيضا على قوله أنه يخرج المتفق عليه قوله فسألوه عن الغسل أفاد إسحاق بن راهويه في مسنده أن متولى السؤال هو أبو جعفر الراوي فأخرج من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال سألت جابرا عن غسل الجنابة وبين النسائي في روايته سبب السؤال فأخرج من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي جعفر قال تمارينا في الغسل عند جابر فكان أبو جعفر تولى السؤال ونسب السؤال في هذه الرواية إلى الجميع مجازا لقصدهم ذلك ولهذا أفرد جابر الجواب فقال يكفيك وهو بفتح أوله وسيأتي مزيد لهذا الموضع في الباب الذي يليه قوله فقال رجل زاد الإسماعيلي منهم أي من القوم وهذا يؤيد ما ثبت في روايتنا لأن هذا القائل هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الذي يعرف أبوه بابن الحنفية كما جزم به صاحب العمدة وليس هو من قوم جابر لأنه هاشمي وجابر انصارى قوله أوفى يحتمل الصفة والمقدار أي أطول وأكثر قوله وخير منك بالرفع عطفا على أوفى المخبر به عن هو وفي رواية الأصيلي أو خيرا بالنصب عطفا على الموصول قوله ثم أمنا فاعل امنا هو جابر كما سيأتي ذلك واضحا من فعله في كتاب الصلاة ولا التفات إلى من جعله من مقوله والفاعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم والانقياد إلى ذلك وفيه جواز الرد بعنف على من يمارى بغير علم إذا قصد الراد إيضاح الحق وتحذير السامعين من مثل ذلك وفيه كراهية التنطع والاسراف في الماء 250 قوله عن عمرو هو بن دينار وفي مسند الحميدي حدثنا سفيان أخبرنا عمرو أخبرنا أبو الشعثاء وهو جابر بن زيد المذكور قوله قال أبو عبد الله هو المصنف قوله كان بن عيينة كذا رواه عنه أكثر الرواة وإنما رواه عنه كما قال أبو نعيم من سمع منه قديما وإنما رجح البخاري رواية أبي نعيم جريا على قاعدة المحدثين لأن من جملة المرجحات عندهم قدم السماع لأنه مظنة قوة حفظ الشيخ ولرواية الآخرين جهة أخرى من وجوه الترجيح وهي كونهم أكثر عددا وملازمة لسفيان ورجحها الإسماعيلي من جهة أخرى من حيث المعنى وهو كون بن عباس لا يطلع على النبي صلى الله عليه وسلم في حالة اغتساله مع ميمونة فيدل على أنه أخذه عنها وقد أخرج الرواية المذكورة الشافعي والحميدي وبن أبي عمر وبن أبي شيبة وغيرهم في مسانيدهم عن سفيان ومسلم والنسائي وغيرهما من طريقه ويستفاد من هذا البحث أن البخاري لا يرى التسوية بين عن فلان وبين أن فلانا وفي ذلك بحث يطول ذكره وقد حققته فيما كتبته على كتاب بن الصلاح وادعى بعض الشارحين أن حديث ميمونة هذا لا مناسبة له بالترجمة لأنه لم يذكر فيه قدر الإناء والجواب أن ذلك يستفاد من مقدمة أخرى وهي أن اوانيهم كانت صغارا كما صرح به الشافعي في عدة مواضع فيدخل هذا الحديث تحت قوله ونحوه أي نحو الصاع أو يحمل المطلق فيه على المقيد في حديث عائشة وهو الفرق لكون كل منهما زوجة له واغتسلت معه فتكون حصة كل منهما ازيد من صاع فيدخل تحت الترجمة بالتقريب والله أعلم 1 ( قوله باب من أفاض على رأسه ثلاثا )
تقدم حديث ميمونة وعائشة في ذلك 251 قوله حدثنا زهير هو بن معاوية الجعفي وقد علا عنه في هذا الإسناد ونزل في الباب الذي قبله وأبو إسحاق هو السبيعي أيضا وسليمان بن صرد خزاعي وهو من أفاضل الصحابة وأبوه بضم المهملة وفتح الراء وشيخه من مشاهير الصحابة ففيه رواية الأقران قوله أما أنا فأفيض بضم الهمزة وقسيم أما محذوف وقد ذكر أبو نعيم في المستخرج سببه من هذا الوجه وأوله عنده ذكروا عند النبي صلى الله عليه وسلم الغسل من الجنابة فذكره ولمسلم من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق تماروا في الغسل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعض القوم أما أنا فأغسل رأسي بكذا وكذا فذكر الحديث وهذا هو القسيم المحذوف ودل قوله ثلاثا على أن المراد بكذا وكذا أكثر من ذلك ولمسلم من وجه آخر أن الذين سألوا عن ذلك هم وفد ثقيف والسياق مشعر بأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يفيض الا ثلاثا وهي محتملة لأن تكون للتكرار ومحتملة لأن تكون للتوزيع على جميع البدن لكن حديث جابر في آخر الباب يقوي الاحتمال الأول وسنذكر ما فيه قوله كلتيهما كذا للأكثر وللكشميهني كلاهما وحكى بن التين أن في بعض الروايات كلتاهما وهي مخرجة على من يراها تثنية ويرى أن التثنية لا تتغير كقوله قد بلغا في المجد غايتاها وهكذا القول في رواية الكشميهني وهو مذهب الفراء في كلا خلافا للبصريين ويمكن أن يخرج الرفع فيهما على القطع 252 قوله حدثني وللأصيلي حدثنا محمد بن بشار هو بندار كما صرح به الإسماعيلي في روايته حيث أخرجه عن الحسن بن سفيان وغيره عنه وأبوه بالموحدة وتثقيل المعجمة بلا خلاف وليس في الصحيحين بهذه الصورة غيره قاله أبو علي الجياني وجماعة بعده وغفل بعض المتأخرين فضبطه بمثناة وسين مهملة وإنما نبهت عليه لئلا يغتر به فإنه لا يخفى على من له أدنى ممارسة في هذا الشأن قوله مخول بكسر أوله وإسكان المعجمة وبوزن محمد أيضا وهذان الوجهان في رواية أبي ذر والأول للأكثر والثاني لابن عساكر وليس له في البخاري سوى هذا الحديث ومحمد بن علي شيخه هو أبو جعفر المعروف بالباقر قوله يفرغ بضم أوله قوله ثلاثا أي غرفات زاد الإسماعيلي قال شعبة أظنه من غسل الجنابة وفيه وقال رجل من بني هاشم إن شعري كثير فقال جابر شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر من شعرك وأطيب
253 قوله حدثنا معمر بإسكان العين في أكثر الروايات وبه جزم المزي وفي رواية القابسي بوزن محمد وبه جزم الحاكم وليس له أيضا في البخاري غير هذا الحديث وقد ينسب إلى جده سام فيقال معمر بن سام وهو بالمهملة وتخفيف الميم قوله بن عمك فيه تجوز فإنه بن عم والده علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والحنفية كانت زوج علي بن أبي طالب تزوجها بعد فاطمة رضي الله عنها فولدت له محمدا فاشتهر بالنسبة إليها وقول جابر أتاني يشعر بأن سؤال الحسن بن محمد كان في غيبة أبي جعفر فهو غير سؤال أبي جعفر الذي تقدم في الباب قبله لأن ذلك كان عن الكمية كما أشعر بذلك قوله في الجواب يكفيك صاع وهذا عن الكيفية وهو ظاهر من قوله كيف الغسل ولكن الحسن بن محمد في المسألتين جميعا هو المنازع لجابر في ذلك فقال في جواب الكمية ما يكفينى أي الصاع ولم يعلل وقال في جواب الكيفية إني كثير الشعر أي فأحتاج إلى أكثر من ثلاث غرفات فقال له جابر في جواب الكيفية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر شعرا منك وأطيب أي واكتفى بالثلاث فاقتضى أن الإنقاء يحصل بها وقال في جواب الكمية ما تقدم وناسب ذكر الخيرية لأن طلب الازدياد من الماء يلحظ فيه التحري في إيصال الماء إلى جميع الجسد وكان صلى الله عليه وسلم سيد الورعين وأتقى الناس لله وأعلمهم به وقد اكتفى بالصاع فأشار جابر إلى أن الزيادة على ما اكتفى به تنطع قد يكون مثاره الوسوسة فلا يلتفت إليه قوله ثلاث اكف وفي رواية كريمة ثلاثة أكف وهي جمع كف والكف تذكر وتؤنث والمراد أنه يأخذ في كل مرة كفين ويدل على ذلك رواية إسحاق بن راهويه من طريق الحسن بن صالح عن جعفر بن محمد عن أبيه قال في آخر الحديث وبسط يديه ويؤيده حديث جبير بن مطعم الذي في أول الباب والكف اسم جنس فيحمل على الإثنين ويحتمل أن تكون هذه الغرفات الثلاث للتكرار ويحتمل أن يكون لكل جهة من الرأس غرفة كما سيأتي في حديث القاسم بن محمد عن عائشة قريبا 1 ( قوله باب الغسل مرة واحدة ) قال بن بطال يستفاد ذلك من 254 قوله ثم أفاض على جسده لأنه لم يقيد بعدد فيحمل على أقل ما يسمى وهو المرة الواحدة لأن الأصل عدم الزيادة عليها قوله حدثنا عبد الواحد هو بن زياد وباقي الإسناد والمتن تقدم في باب الوضوء قبل الغسل قوله في هذه الرواية فغسل يده وللكشميهني يديه مرتين أو ثلاثا الشك من الأعمش كما سيأتي من رواية أبي عوانة عنه وغفل الكرماني فقال الشك من ميمونة قوله مذاكيره هو جمع ذكر على غير قياس وقيل واحدة مذكار وكأنهم فرقوا بين العضو وبين خلاف الأنثى قال الأخفش هو من الجمع الذي لا واحد له وقيل واحدة مذكار وقال بن خروف إنما جمعه مع أنه ليس في الجسد الا واحد بالنظر إلى ما يتصل به وأطلق على الكل اسمه فكأنه جعل كل جزء من المجموع كالذكر في حكم الغسل 1 ( قوله باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل )
مطابقة هذه الترجمة لحديث الباب أشكل أمرها قديما وحديثا على جماعة من الأئمة فمنهم من نسب البخاري فيها إلى الوهم ومنهم من ضبط لفظ الحلاب على غير المعروف في الرواية لتتجه المطابقة ومنهم من تكلف لها توجيها من غير تغيير فأما الطائفة الأولى فأولهم الإسماعيلي فإنه قال في مستخرجه رحم الله أبا عبد الله يعني البخاري من ذا الذي يسلم من الغلط سبق إلى قلبه أن الحلاب طيب وأي معنى للطيب عند الاغتسال قبل الغسل وانما الحلاب إناء وهو ما يحلب فيه يسمى حلابا ومحلبا قال وفي تأمل طرق هذا الحديث بيان ذلك حيث جاء فيه كان يغتسل من حلاب انتهى وهي رواية بن خزيمة وبن حبان أيضا وقال الخطابي في شرح أبي داود الحلاب إناء يسع قدر حلب ناقة قال وقد ذكره البخاري وتأوله على استعمال الطيب في الطهور وأحسبه توهم أنه أريد به المحلب الذي يستعمل في غسل الأيدي وليس الحلاب من الطيب في شيء وإنما هو ما فسرت لك قال وقال الشاعر صاح هل ريت أو سمعت براع رد في الضرع ما فرى في الحلاب وتبع الخطابي بن قرقول في المطالع وبن الجوزي وجماعة وأما الطائفة الثانية فأولهم الأزهري قال في التهذيب الحلاب في هذا الحديث ضبطه جماعة بالمهملة واللام الخفيفة أي ما يحلب فيه كالمحلب فصحفوه وإنما هو الجلاب بضم الجيم وتشديد اللام وهو ماء الورد فارسي معرب وقد أنكر جماعة على الأزهري هذا من جهة أن المعروف في الرواية بالمهملة والتخفيف ومن جهة المعنى أيضا قال بن الأثير لأن الطيب يستعمل بعد الغسل أليق منه قبله وأولى لأنه إذا بدأ به ثم اغتسل أذهبه الماء وقال الحميدي في الكلام على غريب الصحيحين ضم مسلم هذا الحديث مع حديث الفرق وحديث قدر الصاع في موضع واحد فكأنه تأولها على الإناء وأما البخاري فربما ظن ظان أنه تأوله على أنه نوع من الطيب يكون قبل الغسل لأنه لم يذكر في الترجمة غير هذا الحديث انتهى فجعل الحميدي كون البخاري أراد ذلك احتمالا أي ويحتمل أنه أراد غير ذلك لكن لم يفصح به وقال القاضي عياض الحلاب والمحلب بكسر الميم إناء يملؤه قدر حلب الناقة وقيل المراد أي في هذا الحديث محلب الطيب وهو بفتح الميم قال وترجمة البخاري تدل على أنه ألتفت إلى التأويلين قال وقد رواه بعضهم في غير الصحيحين الجلاب بضم الجيم وتشديد اللام يشير إلى ما قاله الأزهري وقال النووي قد أنكر أبو عبيد الهروي على الأزهري ما قاله وقال القرطبي الحلاب بكسر المهملة لا يصح غيرها وقد وهم من ظنه من الطيب وكذا من قاله بضم الجيم انتهى وأما الطائفة الثالثة فقال المحب الطبري لم يرد البخاري بقوله الطيب ماله عرف طيب وإنما أراد تطيب البدن بإزالة ما فيه من وسخ ودرن ونجاسة إن كانت وإنما أراد بالحلاب الإناء الذي يغتسل منه يبدأ به فيوضع فيه ماء الغسل قال وأو في قوله أو الطيب بمعنى الواو وكذا ثبت في بعض الروايات كما ذكره الحميدي ومحصل ما ذكره أنه يحمله على اعداد ماء الغسل ثم الشروع في التنظيف قبل الشروع في الغسل وفي الحديث البداءة بشق الرأس لكونه أكثر شعثا من بقية البدن من أجل الشعر وقيل يحتمل أن يكون البخاري أراد الإشارة إلى ما روى عن بن مسعود أنه كان يغسل رأسه بخطمي ويكتفى بذلك في غسل الجنابة كما أخرجه بن أبي شيبة وغيره عنه ورواه أبو داود مرفوعا عن عائشة بإسناد ضعيف فكأنه يقول دل هذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل الماء في غسل الجنابة ولم يثبت أنه كان يقدم على ذلك شيئا مما ينقى البدن كالسدر وغيره ويقوى ذلك ما في معظم الروايات بالحلاب أو الطيب فقوله أو يدل على أن الطيب قسيم الحلاب فيحمل على أنه من غير جنسه وجميع من اعترض عليه حمله على أنه من جنسه فلذلك أشكل عليهم والمراد بالحلاب على هذا الماء الذي في الحلاب فأطلق على الحال اسم المحل مجازا وقال الكرماني يحتمل أن يكون أراد بالحلاب الإناء الذي فيه الطيب فالمعنى بدأ تارة بطلب ظرف الطيب وتارة بطلب نفس الطيب فدل حديث الباب على الأول دون الثاني انتهى وهو مستمد من كلام بن بطال فإنه قال بعد حكايته لكلام الخطابي وأظن البخارى جعل الحلاب في هذه الترجمة ضربا من الطيب قال فإن كان ظن ذلك فقد وهم وإنما الحلاب الإناء الذي كان فيه طيب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يستعمله عند الغسل قال وفي الحديث الحض على استعمال الطيب عند الغسل تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم انتهى كلامه فكأنه جعل
255 قوله في الحديث فأخذ بكفه أي من الطيب الذي في الإناء فبدأ بشق رأسه الأيمن أي فطيبه الخ ومحصله أن الصفة المذكورة في الحديث صفة التطيب لا الاغتسال وهو توجيه حسن بالنسبة لظاهر لفظ الرواية التي ساقها البخاري لكن من تأمل طرق الحديث كما قال الإسماعيلي عرف أن الصفة المذكورة للغسل لا للتطيب فروى الإسماعيلي من طريق مكي بن إبراهيم عن حنظلة في هذا الحديث كان يغتسل بقدح بدل قوله بحلاب وزاد فيه كان يغسل يديه ثم يغسل وجهه ثم يقول بيده ثلاث غرف الحديث وللجوزقى من طريق حمدان السلمي عن أبي عاصم اغتسل فأتى بحلاب فغسل شق رأسه الأيمن الحديث فقوله اغتسل ويغسل يدل على أنه إناء الماء لا إناء الطيب وأما رواية الإسماعيلي من طريق بندار عن أبي عاصم بلفظ كان إذا أراد أن يغتسل من الجنابة دعا بشيء دون الحلاب فأخذ بكفه فبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه ماء فافرغ على رأسه فلولا قوله ماء لامكن حمله على التطيب قبل الغسل لكن رواه أبو عوانة في صحيحه عن يزيد بن سنان عن أبي عاصم بلفظ كان يغتسل من حلاب فيأخذ غرفة بكفيه فيجعلها على شقه الأيمن ثم الأيسر كذلك فقوله يغتسل وقوله غرفة أيضا مما يدل على أنه إناء الماء وفي رواية لابن حبان والبيهقي ثم يصب على شق رأسه الأيمن والتطيب لا يعبر عنه بالصب فهذا كله يبعد تأويل من حملة على التطيب ورأيت عن بعضهم ولا أحفظه الآن أن المراد بالطيب في الترجمة الإشارة إلى حديث عائشة أنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وسلم عند الإحرام قال والغسل من سنن الإحرام وكأن الطيب حصل عند الغسل فأشار البخاري هنا إلى أن ذلك لم يكن مستمرا من عادته انتهى ويقويه تبويب البخاري بعد ذلك بسبعة أبواب باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب ثم ساق حديث عائشة أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرما وفي رواية بعدها كأني انظر إلى وبيص الطيب أي لمعانه في مفرقه صلى الله عليه وسلم وهو محرم وفي رواية أخرى عنده قبيل هذا الباب ثم يصبح محرما ينضخ طيبا فاستنبط الاغتسال بعد التطيب من قولها ثم طاف على نسائه لأنه كناية عن الجماع ومن لازمه الاغتسال فعرف أنه اغتسل بعد أن تطيب وبقي أثر الطيب بعد الغسل لكثرته لأنه كان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب ويكثر منه فعلى هذا فقوله هنا من بدأ بالحلاب أي بإناء الماء الذي للغسل فاستدعى به لأجل الغسل أو من بدأ بالطيب عند إرادة الغسل فالترجمة مترددة بين الامرين فدل حديث الباب على مداومته على البداءة بالغسل وأما التطيب بعده فمعروف من شأنه وأما البداءة بالطيب قبل الغسل فبالإشارة إلى الحديث الذي ذكرناه وهذا أحسن الأجوبة عندي وأليقها بتصرفات البخاري والله اعلم وعرف من هذا أن قول الإسماعيلي وأي معنى للطيب عند الغسل معترض وكذا قول بن الأثير الذي تقدم وفي كلام غيرهما مما تقدم مؤاخذات لم نتعرض لها لظهورها والله الهادي للصواب تكميل أبو عاصم المذكور في الإسناد هو النبيل وهو من كبار شيوخ البخاري وقد أكثر عنه في هذا الكتاب لكنه نزل في هذا الإسناد فأدخل بينه وبينه واسطة وحنظلة هو بن أبي سفيان الجمحي والقاسم هو بن محمد بن أبي بكر وقوله كان إذا اغتسل أي إذا أراد أن يغتسل كما تبين من رواية الإسماعيلي وقوله دعا أي طلب وقوله نحو الحلاب أي إناء قريب من الإناء الذي يسمى الحلاب وقد وصفه أبو عاصم بأنه أقل من شبر في شبر أخرجه أبو عوانة في صحيحه عنه وفي رواية لابن حبان وأشار أبو عاصم بكفيه فكأنه حلق بشبريه يصف به دوره الأعلى وفي رواية للبيهقى كقدر كوز يسع ثمانية أرطال وزاد مسلم في روايته لهذا الحديث عن محمد بن المثنى أيضا بهذا الإسناد بعد قوله الأيسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه فأشار بقوله أخذ بكفيه إلى الغرفة الثالثة كما صرحت به رواية أبي عوانة وقوله بكفه وقع في رواية الكشميهني بكفيه بالتثنية وقوله على وسط رأسه هو بفتح السين قال الجوهري كل موضع صلح فيه بين فهو وسط بالسكون وأن لم يصلح فهو بالتحريك وفي الحديث استحباب البداءة بالميامن في التطهر وبذلك ترجم عليه بن خزيمة والبيهقي وفيه الاجتزاء بالغسل بثلاث غرفات وترجم على ذلك بن حبان وسنذكر الكلام على قوله فقال بهما في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى
1 ( قوله باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة ) أي في غسل الجنابة والمراد هل هما واجبان فيه أم لا وأشار بن بطال وغيره إلى أن البخاري استنبط عدم وجوبهما من هذا الحديث لأن في رواية الباب الذي بعده في هذا الحديث ثم توضأ وضوءه للصلاة فدل على إنهما للوضوء وقام الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب والمضمضة والاستنشاق من توابع الوضوء فإذا سقط الوضوء سقطت توابعه ويحمل ما روى من صفة غسله صلى الله عليه وسلم على الكمال والفضل 256 قوله حدثنا عمر بن حفص أي بن غياث كما ثبت في رواية الأصيلي قوله غسلا بضم أوله أي ماء الاغتسال كما سبق في باب الغسل مرة قوله ثم قال بيده الأرض كذا في روايتنا وللاكثر بيده على الأرض وهو من إطلاق القول على الفعل وقد وقع إطلاق الفعل على القول في حديث لا حسد الا في اثنتين قال فيه في الذي يتلو القرآن لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت مثل ما يفعل وسيأتي في باب نفض اليدين قريبا من رواية أبي حمزة عن الأعمش في هذا الموضع فضرب بيده الأرض فيفسر قال هنا بضرب قوله ثم تنحى أي تحول إلى ناحية قوله فلم ينفض بها زاد في رواية كريمة قال أبو عبد الله يعني لم يتمسح وأنث الضمير على إرادة الخرقة لأن المنديل خرقة مخصوصة وسيأتي في باب من أفرغ على يمينه قالت ميمونة فناولته خرقة وبقية مباحث الحديث تقدمت في باب الوضوء قبل الغسل 1 ( قوله باب مسح اليد بالتراب لتكون انقى ) أي لتصير اليد أنقى منها قبل المسح 257 قوله حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي كذا في روايتنا واقتصر الأكثر على حدثنا الحميدي وسفيان هو بن عيينة قوله فغسل فرجه هذه الفاء تفسيرية وليست تعقيبية لأن غسل الفرج لم يكن بعد الفراغ من الاغتسال وقد تقدمت مباحث هذا الحديث أيضا ومن فوائد هذا السياق الإتيان فيه بثم الدالة على ترتيب ما ذكر فيه من صفة الغسل 1 ( قوله باب هل يدخل الجنب يده في الإناء ) أي الذي فيه ماء الغسل قبل أن يغسلها أي خارج الإناء إذا لم يكن على يده قذر أي من نجاسة وغيرها غير الجنابة أي حكمها لأن أثرها مختلف فيه فدخل في قوله قذر وأما حكمها فقال المهلب أشار البخاري إلى أن يد الجنب إذا كانت نظيفة جاز له ادخالها الإناء قبل أن يغسلها لأنه ليس شيء من أعضائه نجسا بسبب كونه جنبا قوله وأدخل بن عمر والبراء بن عازب يده أي ادخل كل واحد منهما يده وفي رواية لأبي الوقت يديهما بالتثنية قوله في الطهور بفتح أوله أي الماء المعد للاغتسال وأثر بن عمر وصله سعيد بن منصور بمعناه وروى عبد الرزاق عنه أنه كان يغسل يده قبل التطهر ويجمع بينهما بأن ينزلا على حالين فحيث لم يغسل كان متيقنا أن لا قذر في يده وحيث غسل كان ظانا أو متيقنا أن فيها شيئا أو غسل للندب وترك للجواز وأثر البراء وصله بن أبي شيبة بلفظ أنه ادخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها وأخرج أيضا عن الشعبي قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها وهم جنب قوله ولم ير بن عمر وبن عباس أما أثر بن عمر فوصله عبد الرزاق بمعناه وأما أثر بن عباس فوصله بن أبي شيبة عنه وعبد الرزاق من وجه آخر أيضا عنه وتوجيه الاستدلال به للترجمة أن الجنابة الحكمية لو كانت تؤثر في الماء لامتنع الاغتسال من الإناء الذي تقاطر فيه ما لاقى بدن الجنب من ماء اغتساله ويمكن أن يقال إنما لم ير الصحابي بذلك بأسا لأنه مما يشق الاحتراز منه فكان في مقام العفو كما روى بن أبي شيبة عن الحسن البصري قال ومن يملك انتشار الماء إنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا
258 قوله حدثنا عبد الله بن مسلمة زاد مسلم بن قعنب قوله حدثنا ولكريمة أخبرنا أفلح وهو بن حميد كما رواه مسلم ولم يخرج البخاري عن أفلح بن سعيد شيئا والقاسم هو بن محمد وقد تقدم هذا المتن في باب غسل الرجل مع امرأته من طريق أخرى مع مغايرة في آخره وزاد مسلم في آخره من الجنابة أي لأجل الجنابة ولأبي عوانة وبن حبان من طريق بن وهب عن أفلح أنه سمع القاسم يقول سمعت عائشة فذكره وزاد فيه وتلتقى بعد قوله تختلف أيدينا فيه وللإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان عن أفلح تختلف فيه أيدينا يعني حتى تلتقى وللبيهقى من طريقه تختلف أيدينا فيه يعني وتلتقى وهذا يشعر بأن قوله وتلتقى مدرج وسيأتي في باب تخليل الشعر من وجه آخر عنها كنا نغتسل من إناء واحد نغترف منه جميعا فلعل الراوي قال وتلتقى بالمعنى ومعنى تختلف أنه كان يغترف تارة قبلها وتغترف هي تارة قبله ولمسلم من طريق معاذة عن عائشة فيبادرني حتى أقول دع لي زاد النسائي وأبادره حتى يقول دعي لي وفي هذا الحديث جواز اغتراف الجنب من الماء القليل وأن ذلك لا يمنع من التطهر بذلك الماء ولا بما يفضل منه ويدل على أن النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم إنما هو للتنزيه كراهية أن يستقذر لا لكونه يصير نجسا بانغماس الجنب فيه لأنه لافرق بين جميع بدن الجنب وبين عضو من أعضائه وأما توجيه الاستدلال به للترجمة فلأن الجنب لما جاز له أن يدخل يده في الإناء ليغترف بها قبل ارتفاع حدثه لتمام الغسل كما في حديث الباب دل على أن الأمر بغسل يده قبل ادخالها ليس لأمر يرجع إلى الجنابة بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسة متيقنة أو مظنونة 259 قوله حدثنا مسدد قال حدثنا حماد هو بن زيد ولم يسمع من حماد بن سلمة وهشام هو بن عروة قوله غسل يده هكذا أورده مختصرا وقد أخرجه أبو داود تاما عن مسدد بهذا السند لكن قال يديه بالتثنية وزاد يصب على يده اليمني أي من الإناء فيغسل فرجه يفرغ على شماله ثم يتوضأ وضوءه للصلاة الحديث وهكذا أخرجه الإسماعيلي من طرق عن حماد بن زيد وسيأتي نحوه من وجوه أخر عن هشام في باب تخليل الشعر قال المهلب حمل البخاري أحاديث الباب التي لم يذكر فيها غسل اليدين قبل ادخالهما على حال تيقن نظافة اليد وحديث هشام يعني هذا على ما إذا خشي أن يكون علق بها شيء فاستعمل من اختلاف الحديثين ما جمع بينهما ونفى التعارض عنهما انتهى ويمكن أن يحمل الفعل على الندب والترك على الجواز أو يقال حديث الترك مطلق وحديث الفعل مقيد فيحمل المطلق على المقيد لأن في رواية الفعل زيادة لم تذكر في الأخرى 260 قوله حدثنا أبو الوليد هو الطيالسي قوله من جنابة وللكشميهني من الجنابة أي لأجل الجنابة قوله وعن عبد الرحمن بن القاسم هو معطوف على قوله شعبة عن أبي بكر بن حفص فلشعبة فيه اسنادان إلى عائشة حدثه أحد شيخيه به عن عروة والآخر عن القاسم وقد وهم من زعم أن رواية عبد الرحمن معلقة وقد أخرجها أبو نعيم والبيهقي من طريق أبي الوليد بالإسنادين وقالا أخرجه البخاري عن أبي الوليد بالإسنادين جميعا وكذا قال أبو مسعود وغيره في الأطراف قوله مثله أي مثل المتن المذكور وللأصيلي بمثله بزيادة موحدة في أوله
261 قوله حدثنا أبو الوليد هو الطيالسي أيضا وهذا إسناد ثالث له عن شعبة أيضا في هذا المتن لكن من طريق صحابي آخر وهذا الإسناد بعينه تقدم لمتن آخر في باب علامة الإيمان قوله والمرأة يجوز فيه الرفع على العطف والنصب على المعية واللام فيها للجنس قوله زاد مسلم هو بن إبراهيم وهو من شيوخ البخاري قوله ووهب زاد الأصيلي وأبو الوقت بن جرير أي بن حازم وبذلك جزم أبو نعيم وغيره ووقع في رواية أبي ذر ووهيب بالتصغير وأظنه وهما فإن الحديث وجد بعد تتبع كثير من رواية وهب بن جرير ولم نجده من رواية وهيب بن خالد ووهب بن جرير من الرواة عن شعبة واما وهيب فهو من أقرانه ومراد البخاري أن مسلم بن إبراهيم ووهب بن جرير رويا هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد الذي رواه عنه أبو الوليد فزادا في آخره من الجنابة وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية وهب بن جرير بدون هذه الزيادة والله أعلم 1 ( قوله باب تفريق الغسل والوضوء ) أي جوازه وهو قول الشافعي في الجديد واحتج له بأن الله تعالى أوجب غسل أعضائه فمن غسلها فقد أتى بما وجب عليه فرقها أو نسقها ثم أيد ذلك بفعل بن عمر وبذلك قال بن المسيب وعطاء وجماعة وقال ربيعة ومالك من تعمد ذلك فعليه الإعادة ومن نسي فلا وعن مالك إن قرب التفريق بني وإن طال أعاد وقال قتادة والأوزاعي لا يعيد الا إن جف وأجازه النخعي مطلقا في الغسل دون الوضوء ذكر جميع ذلك بن المنذر وقال ليس مع من جعل الجفاف حدا لذلك حجة وقال الطحاوي الجفاف ليس بحدث فينقض كما لو جف جميع أعضاء الوضوء لم تبطل الطهارة قوله ويذكر عن بن عمر هذا الأثر رويناه في الأم عن مالك عن نافع عنه لكن فيه أنه توضأ في السوق دون رجليه ثم رجع إلى المسجد فمسح على خفيه ثم صلى والإسناد صحيح فيحتمل أنه إنما لم يجزم به لكونه ذكره بالمعنى قال الشافعي لعله قد جف وضوؤه لأن الجفاف قد يحصل بأقل مما بين السوق والمسجد 262 قوله حدثنا محمد بن محبوب هو البصري وعبد الواحد هو بن زياد البصري وقد تقدم هذا المتن من رواية موسى بن إسماعيل عنه في باب الغسل مرة وسياقهما واحد غالبا الا أن في ذلك ثم تحول من مكانه وفي هذا تنحى من مقامه وهما بمعنى وأبدى الكرماني من هذا احتمال أن يكون اغتسل قائما 1 ( قوله باب من افرغ ) هذا الباب مقدم عند الأصيلي وبن عساكر على الذي قبله واعترض على المصنف بأن الدعوى أعم من الدليل والجواب أن ذلك في غسل الفرج بالنص وفي غيره بما عرف من شأنه أنه كان يحب التيامن كما تقدم ومحله هنا فيما إذا كان يغترف من الإناء قاله الخطابي قال فأما إذا كان ضيقا كالقمقم فأنه يضعه عن يساره ويصب الماء منه على يمينه
263 قوله حدثنا موسى بن إسماعيل تقدم هذا الحديث من روايته أيضا في باب الغسل مرة لكن شيخه هناك عبد الواحد وهنا أبو عوانة وهو الوضاح البصري قوله وسترته زاد بن فضيل عن الأعمش بثوب والواو فيه حالية قوله فصب قيل هو معطوف على محذوف أي فأراد الغسل فكشف رأسه فأخذ الماء فصب على يده قاله الكرماني ولا يتعين ما قاله بل يحتمل أن يكون الوضع معقبا بالصب على ظاهره والإرادة والكشف يمكن كونهما وقعا قبل الوضع والأخذ هو عين الصب هنا والمعنى وضعت له ماء فشرع في الغسل ثم شرحت الصفة قوله قال سليمان أي الأعمش وقائل ذلك أبو عوانة وفاعل أذكر سالم بن أبي الجعد وقد تقدم من رواية عبد الواحد وغيره عن الأعمش فغسل يديه مرتين أو ثلاثا ولابن فضيل عن الأعمش فصب على يديه ثلاثا ولم يشك أخرجه أبو عوانة في مستخرجه فكان الأعمش كان يشك فيه ثم تذكر فجزم لأن سماع بن فضيل منه متأخر قوله ثم تمضمض وللأصيلي مضمض بغير تاء قوله وغسل قدميه كذا لأبي ذر وللاكثر فغسل بالفاء قوله فقال بيده أي أشار وهو من إطلاق القول على الفعل كما تقدم مثله قوله ولم يردها بضم أوله واسكان الدال من الإرادة والأصل يريدها لكن جزم بلم ومن قالها بفتح أوله وتشديد الدال فقد صحف وأفسد المعنى وقد حكى في المطالع أنها رواية بن السكن قال وهي وهم وقد رواه الإمام أحمد عن عفان عن أبي عوانة بهذا الإسناد وقال في آخره فقال هكذا وأشار بيده أن لا اريدها وسيأتي في رواية أبي حمزة عن الأعمش فناولته ثوبا فلم يأخذه والله أعلم 1 ( قوله باب إذا جامع ثم عاد ) أي ما حكمه وللكشميهني عاود أي الجماع وهو أعم من أن يكون لتلك المجامعة أو غيرها وقد اجمعوا على أن الغسل بينهما لا يجب ويدل على استحبابه حديث أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي رافع أنه صلى الله عليه وسلم طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه قال فقلت يا رسول الله الا تجعله غسلا واحدا قال هذا أزكى وأطيب واطهر واختلفوا في الوضوء بينهما فقال أبو يوسف لا يستحب وقال الجمهور يستحب وقال بن حبيب المالكي وأهل الظاهر يجب واحتجوا بحديث أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا أخرجه مسلم من طريق أبي حفص عن عاصم عن أبي المتوكل عنه وأشار بن خزيمة إلى أن بعض أهل العلم حمله على الوضوء اللغوي فقال المراد به غسل الفرج ثم رده بن خزيمة بما رواه من طريق بن عيينة عن عاصم في هذا الحديث فقال فليتوضأ وضوءه للصلاة وأظن المشار إليه هو إسحاق بن راهويه فقد نقل بن المنذر عنه أنه قال لا بد من غسل الفرج إذا أراد العود ثم استدل بن خزيمة على أن الأمر بالوضوء للندب لا للوجوب بما رواه من طريق شعبة عن عاصم في حديث أبي سعيد المذكور كرواية بن عيينة وزاد فأنه انشط للعود فدل على أن الأمر للارشاد أو للندب ويدل أيضا على أنه لغير الوجوب ما رواه الطحاوي من طريق موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يجامع ثم يعود ولا يتوضأ
264 قوله ويحيى بن سعيد هو القطان وينبغى أن يثبت في القراءة قبل قوله عن شعبة لفظ كلاهما لأن كلا من بن أبي عدي ويحيى رواه لمحمد بن بشار عن شعبة وحذف كلاهما من الخط اصطلاح قوله ذكرته أي قول بن عمر المذكور بعد باب وهو قوله ما أحب أن أصبح محرما انضخ طيبا وقد بينه مسلم في روايته عن محمد بن المنتشر قال سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما فذكره وزاد قال بن عمر لأن اطلى بقطران أحب إلى من أن أفعل ذلك وكذا ساقه الإسماعيلي بتمامه عن الحسن بن سفيان عن محمد بن بشار فكأن المصنف اختصره لكون المحذوف معلوما عند أهل الحديث في هذه القصة أو حدثه به محمد بن بشار مختصرا قوله أبا عبد الرحمن يعني بن عمر استرحمت له عائشة أشعارا بأنه قد سها فيما قاله إذ لو استحضر فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك قوله فيطوف كناية عن الجماع وبذلك تظهر مناسبة الحديث للترجمة وقال الإسماعيلي يحتمل أن يراد به الجماع وأن يراد به تجديد العهد بهن قلت والاحتمال الأول يرجحه الحديث الثاني لقوله فيه أعطى قوة ثلاثين ويطوف في الأول مثل يدور في الثاني قوله ينضخ بفتح أوله وبفتح الضاد المعجمة وبالخاء المعجمة قال الأصمعي النضخ بالمعجمة أكثر من النضح بالمهملة وسوى بينهما أبو زيد وقال بن كيسان إنه بالمعجمة لما ثخن وبالمهملة لما رق وظاهره أن عين الطيب بقيت بعد الإحرام قال الإسماعيلي بحيث أنه صار كأنه يتساقط منه الشيء بعد الشيء وسنذكر حكم هذه المسألة في كتاب الحج إن شاء الله تعالى
265 قوله معاذ بن هشام هو الدستوائي والإسناد كله بصريون قوله في الساعة الواحدة المراد بها قدر من الزمان لا ما اصطلح عليه أصحاب الهيئة قوله من الليل والنهار الواو بمعنى أو جزم به الكرماني ويحتمل أن تكون على بابها بأن تكون تلك الساعة جزءا من آخر أحدهما وجزءا من أول الآخر قوله وهن إحدى عشرة قال بن خزيمة تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه ورواه سعيد بن أبي عروبة وغيره عن قتادة فقالوا تسع نسوة انتهى وقد أشار البخاري إلى رواية سعيد بن أبي عروبة فعلقها هنا ووصلها بعد أثنى عشر بابا بلفظ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة وقد جمع بن حبان في صحيحه بين الروايتين بأن حمل ذلك على حالتين لكنه وهم في قوله أن الأولى كانت في أول قدومه المدينة حيث كان تحته تسع نسوة والحالة الثانية في آخر الأمر حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة وموضع الوهم منه أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يكن تحته امرأة سوى سودة ثم دخل على عائشة بالمدينة ثم تزوج أم سلمة وحفصة وزينب بنت خزيمة في السنة الثالثة والرابعة ثم تزوج زينب بنت جحش في الخامسة ثم جويرية في السادسة ثم صفية وأم حبيبة وميمونة في السابعة وهؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور واختلف في ريحانة وكانت من سبي بني قريظة فجزم بن إسحاق بأنه عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فاختارت البقاء في ملكه والأكثر على أنها ماتت قبله في سنة عشر وكذا ماتت زينب بنت خزيمة بعد دخولها عليه بقليل قال بن عبد البر مكثت عنده شهرين أو ثلاثة فعلى هذا لم يجتمع عنده من الزوجات أكثر من تسع مع أن سودة كانت وهبت يومها لعائشة كما سيأتي في مكانه فرجحت رواية سعيد لكن تحمل رواية هشام على أنه ضم مارية وريحانة إليهن وأطلق عليهن لفظ نسائه تغليبا وقد سرد الدمياطي في السيرة التي جمعها من اطلع عليه من أزواجه ممن دخل بها أو عقد عليها فقط أو طلقها قبل الدخول أو خطبها ولم يعقد عليها فبلغت ثلاثين وفي المختارة من وجه آخر عن أنس تزوج خمس عشرة دخل منهن بإحدى عشرة ومات عن تسع وسرد اسماءهن أيضا أبو الفتح اليعمري ثم مغلطاي فزدن على العدد الذي ذكره الدمياطي وأنكر بن القيم ذلك والحق أن الكثرة المذكورة محمولة على اختلاف في بعض الأسماء وبمقتضى ذلك تنقص العدة والله أعلم قوله أو كان بفتح الواو هو مقول قتادة والهمزة للاستفهام ومميز ثلاثين محذوف أي ثلاثين رجلا ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق أبي موسى عن معاذ بن هشام أربعين بدل ثلاثين وهي شاذة من هذا الوجه لكن في مراسيل طاوس مثل ذلك وزاد في الجماع وفي صفة الجنة لأبي نعيم من طريق مجاهد مثله وزاد من رجال أهل الجنة ومن حديث عبد الله بن عمر ورفعه أعطيت قوة أربعين في البطش والجماع وعند أحمد والنسائي وصححه الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة في الأكل والشرب والجماع والشهوة فعلى هذا يكون حساب قوة نبينا أربعة آلاف قوله وقال سعيد هو بن أبي عروبة كذا للجميع الا أن الأصيلي قال إنه وقع في نسخة شعبة بدل سعيد قال وفي عرضنا على أبي زيد بمكة سعيد قال أبو علي الجياني وهو الصواب قلت وقد ذكرنا قبل أن المصنف وصل رواية سعيد وأما رواية شعبة لهذا الحديث عن قتادة فقد وصلها الإمام أحمد قال بن المنير ليس في حديث دورانه على نسائه دليل على الترجمة فيحتمل أنه طاف عليهن واغتسل في خلال ذلك عن كل فعلة غسلا قال والاحتمال في رواية الليلة أظهر منه في الساعة قلت التقييد بالليلة ليس صريحا في حديث عائشة وأما حديث أنس فحيث جاء فيه التصريح بالليلة قيد الاغتسال بالمرة الواحدة كذا وقع في روايات للنسائي وبن خزيمة وبن حبان ووقع التقييد بالغسل الواحد من غير ذكر الليلة في روايات أخرى لهم ولمسلم وحيث جاء في حديث أنس التقييد بالساعة لم يحتج إلى تقييد الغسل بالمرة لأنه يتعذر أو يتعسر وحيث جاء فيها تكرار المباشرة والغسل معا وعرف من هذا أن قوله في الترجمة في غسل واحد أشار به إلى ما ورد في بعض طرق الحديث وأن لم يكن منصوصا فيما أخرجه كما جرت به عادته ويحمل المطلق في حديث عائشة على المقيد في حديث أنس ليتوافقا ومن لازم جماعهن في الساعة أو الليلة الواحدة عود الجماع كما ترجم به والله أعلم واستدل به المصنف في كتاب النكاح على استحباب الاستكثار من النساء وأشار فيه إلى أن القسم لم يكن واجبا عليه وهو قول طوائف من أهل العلم وبه جزم الإصطخري من الشافعية والمشهور عندهم وعند الأكثرين الوجوب ويحتاج من قال به إلى الجواب عن هذا الحديث فقيل كان ذلك برضا صاحبة النوبة كما استأذنهن أن يمرض في بيت عائشة ويحتمل أن يكون ذلك كان يحصل عند استيفاء القسمة ثم يستأنف القسمة وقيل كان ذلك عند اقباله من سفر لأنه كان إذا سافر أقرع بينهن فيسافر بمن يخرج سهمها فإذا انصرف استأنف وهو أخص من الاحتمال الثاني والأول أليق بحديث عائشة وكذا الثاني ويحتمل أن يكون ذلك كان يقع قبل وجوب القسمة ثم ترك بعدها وأغرب بن العربي فقال إن الله خص نبيه بأشياء منها أنه أعطاه ساعة في كل يوم لا يكون لأزواجه فيها حق يدخل فيها على جميعهن فيفعل ما يريد ثم يستقر عند من لها النوبة وكانت تلك الساعة بعد العصر فإن اشتغل عنها كانت بعد المغرب ويحتاج إلى ثبوت ما ذكره مفصلا وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم ما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من القوة على الجماع وهو دليل على كمال البنية وصحة الذكورية والحكمة في كثرة أزواجه أن الأحكام التي ليست ظاهرة يطلعن عليها فينقلنها وقد جاء عن عائشة من ذلك الكثير الطيب ومن ثم فضلها بعضهم على الباقيات واستدل به بن التين لقول مالك بلزوم الظهار من الإماء بناء على أن المراد بالزائدتين على التسع مارية وريحانة وقد أطلق على الجميع لفظ نسائه وتعقب بأن الإطلاق المذكور للتغليب كما تقدم فليس فيه حجة لما ادعى واستدل به بن المنير على جواز وطء الحرة بعد الأمة من غير غسل بينهما ولا غيره والمنقول عن مالك أنه لا يتأكد الاستحباب في هذه الصورة ويمكن أن يكون ذلك وقع لبيان الجواز فلا يدل على عدم الاستحباب
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu hadis, dan bagaimana keasliannya dinilai?
- Apa saja koleksi hadis yang paling sahih?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Siapakah para sahabat (Sahabah) Nabi Muhammad (saw)?