İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
أي صدور الرحمة من الشخص لغيره وكأنه أشار إلى حديث بن مسعود رفعه قال لن تؤمنوا حتى ترحموا قالوا كلنا رحيم يا رسول الله قال انه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة الناس رحمة العامة أخرجه الطبراني ورجاله ثقات وقد ذكر فيه أحاديث الأول حديث مالك بن الحويرث وفيه وصلوا كما رأيتموني أصلي وقد سبق شرحه في كتاب الصلاة والغرض منه هنا 5662 قوله وكان رقيقا رحيما وهو للأكثر بقافين من الرقة وللقابسي والأصيلي والكشميهني بفاء ثم قاف من الرفق وقوله شببة بفتح المعجمة والموحدة جمع شاب مثل بار وبررة وقوله فقال ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم وفي الرواية الأخرى لو رجعتم إلى أهليكم فعلمتموهم استدل به بن التين على أن الهجرة قبل الفتح لم تكن واجبة على الأعيان بل على البعض وفيه نظر ومن أين له أن وفود مالك ومن معه كان قبل الفتح وقوله وصلوا كما رأيتموني أصلي حكى بن التين عن الداودي أنه فيه دلالة على إمامة الصبيان وزيفه فأجاد الحديث الثاني حديث أبي هريرة في كل ذات كبد رطبة أجر وفيه قصة الرجل الذي سقى الكلب وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب الشرب قبيل كتاب الاستقراض والرطوبة هنا كناية عن الحياة وقيل إن الكبد إذا ظمئت ترطبت بدليل أنها إذا ألقيت في النار ظهر منها الرشح والسبب في ذلك أن النار تخرج منها رطوبتها إلى خارج وقد تقدم في بدء الخلق أن القصة المذكورة وقع نحوها لامرأة وحمل على التعدد الحديث الثالث حديث أبي هريرة أيضا في قصة الأعرابي الذي قال اللهم ارحمني ومحمدا وقد تقدمت الإشارة إليه في كتاب الوضوء وأنه الذي بال في المسجد وأنه ذو الخويصرة اليماني وقيل الأقرع بن حابس وأخرج بن ماجة وصححه بن حبان من وجه آخر عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال دخل الأعرابي المسجد فقال اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد معنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد احتظرت واسعا ثم تنحى الأعرابي فبال في ناحية المسجد الحديث 5664 قوله لقد حجرت واسعا يريد رحمة الله حجرت بمهملة ثم جيم ثقيلة ثم راء أي ضيقت وزنا ومعنى ورحمة الله واسعة كما قال تعالى واتفقت الروايات على أن حجرت بالراء لكن نقل بن التين أنها في رواية أبي ذر بالزاي قال وهما بمعنى والقائل يريد رحمة الله بعض رواته وكأنه أبو هريرة قال بن بطال أنكر صلى الله عليه وسلم على الأعرابي لكونه بخل برحمة الله على خلقه وقد أثنى الله تعالى على من فعل خلاف ذلك حيث قال والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان وقوله في الرواية الأخرى احتظرت بحاء مهملة وظاء مشالة بمعنى امتنعت مأخوذ من الحظار بكسر أوله وهو الذي يمنع ما وراءه الحديث الرابع
5665 قوله زكريا هو بن أبي زائدة وعامر هو الشعبي قوله ترى المؤمنين في تراحمهم قال بن أبي جمرة المراد من يكون إيمانه كاملا قوله وتوادهم بتشديد الدال والأصل التوادد فأدغم والتوادد تفاعل من المودة والود والوداد بمعنى وهو تقرب شخص من آخر بما يحب قوله وتعاطفهم قال بن أبي جمرة الذي يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف وان كانت متقاربة في المعنى لكن بينها فرق لطيف فأما التراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضا بأخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضا كما يعطف الثوب عليه ليقويه اه ملخصا ووقع في رواية الأعمش عن الشعبي وخيثمة فرقهما عن النعمان عند مسلم المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وفي رواية خيثمة اشتكى وان اشتكى رأسه كله قوله كمثل الجسد أي بالنسبة إلى جميع أعضائه ووجه التشبيه فيه التوافق في التعب والراحة قوله تداعى أي دعا بعضه بعضا إلى المشاركة في الألم ومنه قولهم تداعت الحيطان أي تساقطت أو كادت قوله بالسهر والحمى أما السهر فلأن الألم يمنع النوم وأما الحمى فلأن فقد النوم يثيرها وقد عرف أهل الحذق الحمى بأنها حرارة غريزية تشتعل في القلب فتشب منه في جميع البدن فتشتعل اشتعالا يضر بالأفعال الطبيعية قال القاضي عياض فتشبيهه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل صحيح وفيه تقريب للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية وفيه تعظيم حقوق المسلمين والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضا وقال بن أبي جمرة شبه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالجسد وأهله بالأعضاء لأن الإيمان أصل وفروعه التكاليف فإذا أخل المرء بشيء من التكاليف شأن ذلك الاخلال الأصل وكذلك الجسد أصل كالشجرة وأعضاؤه كالأغصان فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها كالشجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب الحديث الخامس حديث أنس ما من مسلم غرس غرسا تقدم شرحه في المزارعة وقوله 5666 أو دابة إن كان مأخوذا من دب على الأرض فهو من عطف العام على الخاص وإن كان المراد الدابة في العرف فهو من عطف جنس على جنس وهو الظاهر هنا قال بن أبي جمرة يدخل الغارس في عموم قوله إنسان فإن فضل الله واسع وفيه التنويه بقدر المؤمن وأنه يحصل له الأجر وإن لم يقصد إليه عينا وفيه الترغيب في التصرف على لسان المعلم والحض على التزام طريق المصلحين والإرشاد إلى ترك المقاصد الفاسدة والترغيب في المقاصد الصالحة الداعية إلى تكثير الثواب وأن تعاطي الأسباب التي اقتضتها الحكمة الربانية من عمارة هذه الدار لا ينافي العبادة ولا طريق الزهد ولا التوكل وفيه التحريض على تعلم السنة ليعلم المرء ماله من الخير فيرغب فيه لأن مثل هذا الفضل المذكور في الغرس لا يدرك إلا من طريق السنة وفيه إشارة إلى أن المرء قد يصل إليه من الشر ما لم يعمل به ولا قصد إليه فيحذر من ذلك لأنه لما جاز حصول هذا الخير بهذا الطريق جاز حصول مقابله اه ملخصا الحديث السادس حديث جرير
5667 قوله عمر بن حفص أي بن غياث والسند كله كوفيون قوله من لا يرحم لا يرحم تقدم هذا المتن في أثناء حديث أبي هريرة في باب رحمة الولد ووقع في حديث جرير في رواية لمسلم من لا يرحم الناس لا يرحمه الله وهو عند الطبراني بلفظ من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء وله من حديث بن مسعود رفعه أرحم من في الأرض يرحمك من في السماء ورواته ثقات وهو في حديث عبد الله بن عمر وعند أبي داود والترمذي والحاكم بلفظ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء وهذا الحديث قد اشتهر بالمسلسل بالأولية وفي حديث الأشعث بن قيس عند الطبراني في الأوسط من لم يرحم المسلمين لم يرحمه الله قال بن بطال فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق فيدخل المؤمن والكافر والبهائم المملوك منها وغير المملوك ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والسقي والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب وقال بن أبي جمرة يحتمل أن يكون المعنى من لا يرحم غيره بأي نوع من الإحسان لا يحصل له الثواب كما قال تعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ويحتمل أن يكون المراد من لا يكون فيه رحمة الإيمان في الدنيا لا يرحم في الآخرة أو من لا يرحم نفسه بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه لا يرحمه الله لأنه ليس له عنده عهد فتكون الرحمة الأولى بمعنى الأعمال والثانية بمعنى الجزاء أي لا يثاب إلا من عمل صالحا ويحتمل أن تكون الأولى الصدقة والثانية البلاء أي لا يسلم من البلاء إلا من تصدق أو من لا يرحم الرحمة التي ليس فيها شائبة أذى لا يرحم مطلقا أو لا ينظر الله بعين الرحمة إلا لمن جعل في قلبه الرحمة ولو كان عمله صالحا اه ملخصا قال وينبغي للمرء أن يتفقد نفسه في هذه الأوجه كلها فما قصر فيه لجأ إلى الله تعالى في الإعانة عليه 1 ( قوله باب الوصاءة بالجار ) بفتح الواو وتخفيف الصاد المهملة مع المد لغة في الوصية وكذا الوصاية بإبدال الهمزة ياء وهما بمعنى لكن الأول من أوصيت والثاني من وصيت تنبيه وقع في شرح شيخنا بن الملقن هنا بسملة وبعدها كتاب البر والصلة ولم أر ذلك في شيء من الروايات التي اتصلت لنا ويؤيد ما عندنا أن أحاديث صلة الرحم تقدمت وأحاديث بر الوالدين قبلها والوصية بالجار وما يتعلق بها ذكرت هنا وتلاها باقي أبواب الأدب وقوله هنا بعد الباب واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا يؤيد ذلك لأنه بوب على ترتيب ما في هذه الآية فبدأ ببر الوالدين وثنى بذي القربى وثلث بالجار وربع بالصاحب ولم يقع ذلك أيضا في مستخرج الإسماعيلي ولا أبي نعيم قوله وقول الله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا الآية كذا لأبي ذر وللباقين بعد قوله إحسانا إلى قوله مختالا فخورا وللنسفي وقوله تعالى وبالوالدين إحسانا الآية والمراد من هذه الآية هنا قوله تعالى والجار ذي القربى والجار الجنب وثبت للنسفي البسملة قبل الباب وكأنه للانتقال إلى نوع غير الذي قبله ورأيت في شرح شيخنا سراج الدين بن الملقن كتاب البر والصلة ولم أره لغيره والجار القريب من بينهما قرابة والجار الجنب بخلافه وهذا قول الأكثر وأخرجه الطبري بسند حسن عن بن عباس وقيل الجار القريب المسلم والجار الجنب غيره وأخرجه أيضا الطبري عن نوف البكالي أحد التابعين وقيل الجار القريب المرأة والجنب الرفيق في السفر ثم ذكر فيه حديثين الأول حديث عائشة
5668 قوله أبو بكر بن محمد أي بن عمرو بن حزم وعمرة هي أمه والسند كله كوفيون وفيه ثلاثة من التابعين في نسق وقد سمع يحيى بن سعيد وهو الأنصاري من عمرة كثيرا وربما دخل بينهما واسطة مثل هذا وروايته عن أبي بكر المذكور من الأقران قوله ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه أي يأمر عن الله بتوريث الجار من جاره واختلف في المراد بهذا التوريث فقيل يجعل له مشاركة في المال بفرض سهم معطاه مع الأقارب وقيل المراد أن ينزل منزلة من يرث بالبر والصلة والأول أظهر فإن الثاني استمر والخبر مشعر بأن التوريث لم يقع ويؤيده ما أخرجه البخاري من حديث جابر نحو حديث الباب بلفظ حتى ظننت أنه يجعل له ميراثا وقال بن أبي جمرة الميراث على قسمين حسي ومعنوي فالحسي هو المراد هنا والمعنوي ميراث العلم ويمكن أن يلحظ هنا أيضا فإن حق الجار على الجار أن يعلمه ما يحتاج إليه والله أعلم واسم الجار يشمل المسلم والكافر والعابد والفاسق والصديق والعدو والغريب والبلدي والنافع والضار والقريب والأجنبي والأقرب دارا والأبعد وله مراتب بعضها أعلى من بعض فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك فيعطي كل حقه بحسب حاله وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوي وقد حمله عبد الله بن عمرو أحد من روى الحديث على العموم فأمر لما ذبحت له شاة أن يهدي منها لجاره اليهودي أخرجه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وحسنه وقد وردت الإشارة إلى ما ذكرته في حديث مرفوع أخرجه الطبراني من حديث جابر رفعه الجيران ثلاثة جار له حق وهو المشرك له حق الجوار وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام وجار له ثلاثة حقوق مسلم له رحم له حق الجوار والإسلام والرحم قال القرطبي الجار يطلق ويراد به الداخل في الجوار ويطلق ويراد به المجاور في الدار وهو الأغلب والذي يظهر أنه المراد به في الحديث الثاني لأن الأول كان يرث ويورث فإن كان هذا الخبر صدر قبل نسخ التوريث بين المتعاقدين فقد كان ثابتا فكيف يترجى وقوعه وإن كان بعد النسخ فكيف يظن رجوعه بعد رفعه فتعين أن المراد به المجاور في الدار وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة حفظ الجار من كمال الإيمان وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه ويحصل امتثال الوصية به بايصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة كالهدية والسلام وطلاقة الوجه عند لقائه وتفقد حاله ومعاونته فيما يحتاج إليه إلى غير ذلك وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية وقد نفى صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن لم يأمن جاره بوائقه كما في الحديث الذي يليه وهي مبالغة تنبئ عن تعظيم حق الجار وأن إضراره من الكبائر قال ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح وغير الصالح والذي يشمل الجميع إرادة الخير له وموعظته بالحسنى والدعاء له بالهداية وترك الإضرار له إلا في الموضع الذي يجب فيه الاضرار له بالقول والفعل والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم وغير الصالح كفه عن الذي يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه ويبين محاسنه والترغيب فيه برفق ويعظ الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضا ويستر عليه زلله عن غيره وينهاه برفق فإن أفاد فبه وإلا فيهجره قاصدا تأديبه على ذلك مع إعلامه بالسبب ليكف وسيأتي القول في حد الجار في باب حق الجوار قريبا انتهى ملخصا الحديث الثاني
5669 قوله عمر بن محمد أي بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وذكر لفظه مثل لفظ حديث عائشة وقد روى هذا المتن أيضا أبو هريرة وهو في صحيح بن حبان وعبد الله بن عمرو بن العاص وهو عند أبي داود والترمذي وأبو أمامة وهو عند الطبراني ووقع عنده في حديث عبد الله بن عمرو أن ذلك كان في حجة الوداع وله في لفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بالجار حتى ظننت أنه سيورثه فأفاد أنه وقع لعبد الله بن عمرو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نظير ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع جبريل ولأحمد من حديث رجل من الأنصار خرجت أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا به قائم ورجل مقبل عليه فجلست حتى جعلت أرثي له من طول القيام فذكرت له ذلك فقال أتدري من هذا قلت لا قال هذا جبريل فذكر مثل حديث بن عمر سواء وأخرج عبد بن حميد نحوه من حديث جابر فأفاد سبب الحديث ولم أر في شيء من طرقه بيان لفظ وصية جبريل إلا أن الحديث يشعر بأنه بالغ في تأكيد حق الجار وقال بن أبي جمرة يستفاد من الحديث أن من أكثر من شيء من أعمال البر يرجى له الانتقال إلى ما هو أعلى منه وأن الظن إذا كان في طريق الخير جاز ولو لم يقع المظنون بخلاف ما إذا كان في طريق الشر وفيه جواز الطمع في الفضل إذا توالت النعم وفيه جواز التحدث بما يقع في النفس من أمور الخير والله أعلم 1 ( قوله باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه ) البوائق بالموحدة والقاف جمع بائقة وهي الداهية والشيء المهلك والأمر الشديد الذي يوافى بغتة قوله يوبقهن يهلكهن موبقا مهلكا هما أثران قال أبو عبيدة في قوله تعالى أو يوبقهن بما كسبوا قال يهلكهن وقال في قوله تعالى وجعلنا بينهم موبقا أي متوعدا وأخرج بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى وجعلنا بينهم موبقا أي مهلكا
5670 قوله عن سعيد هو المقبري ووقع منسوبا غير مسمى عند الإسماعيلي عن محمد بن يحيى بن سليمان عن عاصم بن علي شيخ البخاري فيه وأخرجه أبو نعيم من طريق عمر بن حفص ومن طريق إبراهيم الحربي كلاهما عن عاصم بن علي مسمى منسوبا قال عن سعيد المقبري قوله عن أبي شريح هو الخزاعي ووقع كذلك عند أبي نعيم واسمه علي المشهور خويلد وقيل عمرو وقيل هانئ وقيل كعب قوله والله لا يؤمن وقع تكريرها ثلاثا صريحا ووقع عند أحمد والله لا يؤمن ثلاثا وكأنه اختصار من الراوي ولأبي يعلى من حديث أنس ما هو بمؤمن وللطبراني من حديث كعب بن مالك لا يدخل الجنة ولأحمد نحوه عن أنس بسند صحيح قوله قيل يا رسول الله ومن هذه الواو يحتمل أن تكون زائدة أو استئنافية أو عاطفة على شيء مقدر أي عرفنا ما المراد مثلا ومن المحدث عنه ووقع لأحمد من حديث بن مسعود أنه السائل عن ذلك وذكره المنذري في ترغيبه بلفظ قالوا يا رسول الله لقد خاب وخسر من هو وعزاه للبخاري وحده وما رأيته فيه بهذه الزيادة ولا ذكرها الحميدي في الجمع قوله قال الذي لا يأمن جاره بوائقه في حديث أنس من لم يأمن وفي حديث كعب من خاف زاد أحمد والإسماعيلي قالوا وما بوائقه قال شره وعند المنذري هذه الزيادة للبخاري ولم أرها فيه تنبيه في المتن جناس بليغ وهو من جناس التحريف وهو قوله لا يؤمن ولا يأمن فالأول من الإيمان والثاني من الآمان قوله تابعه شبابة وأسد بن موسى يعني عن بن أبي ذئب في ذكر أبي شريح فأما رواية شبابة وهو بن سوار المدائني فأخرجها الإسماعيلي وأما رواية أسد بن موسى وهو الأموي المعروف بأسد السنة فأخرجها الطبراني في مكارم الأخلاق قوله وقال حميد بن الأسود وعثمان بن عمر وأبو بكر بن عياش وشعيب بن إسحاق عن بن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة يعني اختلف أصحاب بن أبي ذئب عليه في صحابي هذا الحديث فالثلاثة الأول قالوا فيه عن أبي شريح والأربعة قالوا عن أبي هريرة وقد نقل أبو معين الرازي عن أحمد أن من سمع من بن أبي ذئب بالمدينة فإنه يقول عن أبي هريرة ومن سمع منه ببغداد فإنه يقول عن أبي شريح قلت ومصداق ذلك أن بن وهب وعبد العزيز الدراوردي وأبا عمرو العقدي وإسماعيل بن أبي أويس وبن أبي فديك ومعن بن عيسى إنما سمعوا من بن أبي ذئب بالمدينة وقد قالوا كلهم فيه عن أبي هريرة وقد أخرجه الحاكم من رواية بن وهب ومن رواية إسماعيل ومن رواية الدراوردي وأخرجه الإسماعيلي من رواية معن والعقدي وبن أبي فديك وأما حميد بن الأسود وأبو بكر بن عياش اللذان علقه البخاري من طريقهما فهما كوفيان وسماعهما من بن أبي ذئب أيضا بالمدينة لما حجا وأما عثمان بن عمر فهو بصري وقد أخرج أحمد الحديث عنه كذلك وأما رواية شعيب بن إسحاق فهو شامي وسماعه من بن أبي ذئب أيضا بالمدينة وقد أخرجه أحمد أيضا عن إسماعيل بن عمر فقال عن أبي هريرة وإسماعيل واسطي وممن سمعه ببغداد من بن أبي ذئب يزيد بن هارون وأبو داود الطيالسي وحجاج بن محمد وروح بن عبادة وآدم بن أبي إياس وقد قالوا كلهم عن أبي شريح وهو في مسند الطيالسي كذلك وعند الإسماعيلي من رواية يزيد وعند الطبراني من رواية آدم وعند أحمد من رواية حجاج وروح بن عبادة ويزيد واسطي سكن بغداد وأبو داود وروح بصريان وحجاج بن محمد مصيصي وآدم عسقلاني وكانوا كلهم يقدمون بغداد ويطلبون بها الحديث وإذا تقرر ذلك فالأكثر قالوا فيه عن أبي هريرة فكان ينبغي ترجيحهم ويؤيده أن الراوي إذا حدث في بلده كان أتقن لما يحدث به في حال سفره ولكن عارض ذلك أن سعيدا المقبري مشهور بالرواية عن أبي هريرة فمن قال عنه عن أبي هريرة سلك الجادة فكانت مع من قال عنه عن أبي شريح زيادة علم ليست عند الآخرين وأيضا فقد وجد معنى الحديث من رواية الليث عن سعيد المقبري عن أبي شريح كما سيأتي بعد باب فكانت فيه تقوية لمن رآه عن بن أبي ذئب فقال فيه عن أبي شريح ومع ذلك فصنيع البخاري يقتضي تصحيح الوجهين وان كانت الرواية عند أبي شريح أصح وقد أخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ذاهلا عن الذي أورده البخاري بل وعن تخريج مسلم له من وجه آخر عن أبي هريرة فقال بعد تخريجه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ وإنما أخرجاه من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه وتعقبه شيخنا في أماليه بأنهما لم يخرجا طريق أبي الزناد ولا واحد منهما وإنما أخرج مسلم طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة باللفظ الذي ذكره الحاكم قلت وعلى الحاكم تعقب آخر وهو أن مثل هذا لا يستدرك لقرب اللفظين في المعنى قال بن بطال في هذا الحديث تأكيد حق الجار لقسمه صلى الله عليه وسلم على ذلك وتكريره اليمين ثلاث مرات وفيه نفى الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو الفعل ومراده الإيمان الكامل ولا شك أن العاصي غير كامل الإيمان وقال النووي عن نفي الإيمان في مثل هذا جوابان أحدهما أنه في حق المستحل والثاني أن معناه ليس مؤمنا كاملا اه ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يجازى مجازاة المؤمن بدخول الجنة من أول وهلة مثلا أو أن هذا خرج مخرج الزجر والتغليظ وظاهره غير مراد والله أعلم وقال بن أبي جمرة إذا أكد حق الجار مع الحائل بين الشخص وبينه وأمر بحفظه وإيصال الخير إليه وكف أسباب الضرر عنه فينبغي له أن يراعي حق الحافظين اللذين ليس بينه وبينهما جدار ولا حائل فلا يؤذيهما بإيقاع المخالفات في مرور الساعات فقد جاء أنهما يسران بوقوع الحسنات ويحزنان بوقوع السيئات فينبغي مراعاة جانبهما وحفظ خواطرهما بالتكثير من عمل الطاعات والمواظبة على اجتناب المعصية فهما أولى برعاية الحق من كثير من الجيران اه ملخصا
1 ( قوله باب لا تحقرن جارة لجارتها ) كذا حذف المفعول اكتفاء بشهرة الحديث وأورد فيه حديث أبي هريرة في ذلك واتفق أن هذا الحديث ورد من طريق سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة والحديث قبله من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة ليس بينهما واسطة وكل من الطريقين صحيح لأن سعيدا أدرك أبا هريرة وسمع منه أحاديث وسمع من أبيه عن أبي هريرة أشياء كان يحدث بها تارة عن أبي هريرة بلا واسطة وقد ذكر البخاري بعضها وبين الاختلاف على سعيد فيها وهي محمولة على أنه سمعها من أبي هريرة واستثبت أباه فيها فكان يحدث بها تارة عن أبيه عن أبي هريرة وتارة عنه بلا واسطة ولم يكن مدلسا وإلا لحدث بالجميع عن أبي هريرة والله أعلم وبقية المتن ولو فرسن شاة بكسر الفاء وسكون الراء وكسر المهملة ثم نون حافر الشاة وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الهبة والكلام على إعراب يا نساء المسلمات وحاصله إن فيه اختصارا لأن المخاطبين يعرفون المراد منه أي لا تحقرن أن تهدى إلى جارتها شيئا ولو أنها تهدي لها ما لا ينتفع به في الغالب ويحتمل أن يكون من باب النهي عن الشيء أمر بضده وهو كناية عن التحابب والتوادد فكأنه قال لتوادد الجارة جارتها بهدية ولو حقرت فيتساوى في ذلك الغني والفقير وخص النهي بالنساء لأنهن موارد المودة والبغضاء ولأنهن أسرع إنفعالا في كل منهما وقال الكرماني يحتمل أن يكون النهي للمعطية ويحتمل أن يكون للمهدي إليها قلت ولا يتم حمله على المهدي إليها إلا بجعل اللام في 5671 قوله لجارتها بمعنى من ولا يمتنع حمله على المعنيين 1 ( قوله باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) ذكر فيه حديثا لأبي هريرة في ذلك وآخر لأبي شريح 5672 قوله أبو الأحوص هو سلام بالتشديد بن سليم وأبو حصين بفتح أوله هو عثمان بن عاصم وأبو صالح هو ذكوان قوله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر المراد بقوله يؤمن الإيمان الكامل وخصه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ والمعاد أي من آمن بالله الذي خلقه وآمن بأنه سيجازيه بعمله فليفعل الخصال المذكورات قوله فلا يؤذ جاره في حديث أبي شريح فليكرم جاره وقد أخرج مسلم حديث أبي هريرة من طريق الأعمش عن أبي صالح بلفظ فليحسن إلى جاره وقد ورد تفسير الأكرام والإحسان للجار وترك أذاه في عدة أحاديث أخرجها الطبراني من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأبو الشيخ في كتاب التوبيخ من حديث معاذ بن جبل قالوا يا رسول الله ما حق الجار على الجار قال إن استقرضك أقرضته وإن استعانك أعنته وإن مرض عدته وإن احتاج أعطيته وإن افتقر عدت عليه وإن أصابه خير هنيته وإن أصابته مصيبة عزيته وإذا مات اتبعت جنازته ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ولا تؤذيه بريح قدرك إلا أن تغرف له وإن اشتريت فاكهة فأهد له وإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده وألفاظهم متقاربة والسياق أكثره لعمرو بن شعيب وفي حديث بهز بن حكيم وإن أعوز سترته وأسانيدهم واهية لكن اختلاف مخارجها يشعر بأن للحديث أصلا ثم الأمر بالإكرام يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فقد يكون فرض عين وقد يكون فرض كفاية وقد يكون مستحبا ويجمع الجميع أنه من مكارم الأخلاق قوله ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه زاد في حديث أبي شريح جائزته قال وما جائزته يا رسول الله قال يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام الحديث وسيأتي شرحه بعد نيف وخمسين بابا في باب إكرام الضيف إن شاء الله تعالى قوله ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت بضم الميم ويجوز كسرها وهذا من جوامع الكلم لأن القول كله إما خير وإما شر وإما آيل إلى أحدهما فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها فأذن فيه على اختلاف أنواعه ودخل فيه ما يؤول إليه وما عدا ذلك مما هو شر أو يئول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت وقد أخرج الطبراني والبيهقي في الزهد من حديث أبي أمامة نحو حديث الباب بلفظ فليقل خيرا ليغنم أو ليسكت عن شر ليسلم واشتمل حديث الباب من الطريقين على أمور ثلاثة تجمع مكارم الأخلاق الفعلية والقولية أما الأولان فمن الفعلية وأولهما يرجع إلى الأمر بالتخلي عن الرذيلة والثاني يرجع إلى الأمر بالتحلي بالفضيلة وحاصله من كان حامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله قولا بالخير وسكوتا عن الشر وفعلا لما ينفع أو تركا لما يضر وفي معنى الأمر بالصمت عدة أحاديث منها حديث أبي موسى وعبد الله بن عمرو بن العاص المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه وقد تقدما في كتاب الإيمان وللطبراني عن بن مسعود قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل فذكر فيها أن يسلم المسلمون من لسانك ولأحمد وصححه بن حبان من حديث البراء رفعه في ذكر أنواع من البر قال فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير وللترمذي من حديث بن عمر من صمت نجا وله من حديثه كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسي القلب وله من حديث سفيان الثقفي قلت يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي قال هذا وأشار إلى لسانه وللطبراني مثله من حديث الحارث بن هشام وفي حديث معاذ عند أحمد والترمذي والنسائي أخبرني بعمل يدخلني الجنة فذكر الوصية بطولها وفي آخرها ألا أخبرك بملاك ذلك كله كف عليك هذا وأشار إلى لسانه الحديث وللترمذي من حديث عقبة بن عامر قلت يا رسول الله ما النجاة قال أمسك عليك لسانك
1 ( قوله باب حق الجوار في قرب الأبواب ) ذكر فيه حديث عائشة قلت يا رسول الله إن لي جارين فالي أيهما أهدي قال إلى أقربهما منك بابا وقد تقدم الكلام على سنده مستوفى في كتاب الشفعة وقوله أقربهما أي أشدهما قربا قيل الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوف لها بخلاف الأبعد وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات ولا سيما في أوقات الغفلة وقال بن أبي جمرة الاهداء إلى الأقرب مندوب لأن الهدية في الأصل ليست واجبة فلا يكون الترتيب فيها واجبا ويؤخذ من الحديث أن الأخذ في العمل بما هو أعلى أولى وفيه تقديم العلم على العمل واختلف في حد الجوار فجاء عن علي رضي الله عنه من سمع النداء فهو جار وقيل من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار وعن عائشة حد الجوار أربعون دارا من كل جانب وعن الأوزاعي مثله وأخرج البخاري في الأدب المفرد مثله عن الحسن وللطبراني بسند ضعيف عن كعب بن مالك مرفوعا ألا إن أربعين دارا جار وأخرج بن وهب عن يونس عن بن شهاب أربعون دارا عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه وهذا يحتمل كالأولى ويحتمل أن يريد التوزيع فيكون من كل جانب عشرة قوله باب كل معروف صدقة أورد فيه حديث جابر بهذا اللفظ وقد أخرج مسلم من حديث حذيفة وقد أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق عبد الحميد بن الحسن الهلالي عن بن المنكدر مثله وزاد في آخره وما أنفق الرجل على أهله كتب له به صدقة وما وقى به المرء عرضه فهو صدقة وأخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن المنكدر عن أبيه كالأول وزاد ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق وأن تلقى من دلوك في اناء أخيك قال بن بطال دل هذا الحديث على أن كل شيء يفعله المرء أو يقوله من الخير يكتب له به صدقة وقد فسر ذلك في حديث أبي موسى المذكور في الباب بعد حديث جابر وزاد عليه أن الإمساك عن الشر صدقة وقال الراغب المعروف اسم كل فعل يعرف حسنة بالشرع والعقل معا ويطلق على الاقتصاد لثبوت النهي عن السرف وقال بن أبي جمرة يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر سواء جرت به العادة أم لا قال والمراد بالصدقة الثواب فإن قارنته النية أجر صاحبه جزما وإلا ففيه احتمال قال وفي هذا الكلام إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه فلا تختص بأهل اليسار مثلا بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة وقوله
5676 على كل مسلم صدقة أي في مكارم الأخلاق وليس ذلك بفرض إجماعا قال بن بطال وأصل الصدقة ما يخرجه المرء من ماله متطوعا به وقد يطلق على الواجب لتحري صاحبه الصدق بفعله ويقال لكل ما يحابي به المرء من حقه صدقة لأنه تصدق بذلك على نفسه قوله فان لم يجد أي ما يتصدق به قال فيعمل بيديه قال بن بطال فيه التنبيه على العمل والتكسب ليجد المرء ما ينفق على نفسه ويتصدق به ويغنيه على ذل السؤال وفيه الحث على فعل الخير مهما أمكن وأن من قصد شيئا منها فتعسر فلينتقل إلى غيره قوله فان لم يستطع أو لم يفعل هو شك من الراوي قوله فيعين ذا الحاجة الملهوف أي بالفعل أو بالقول أبو بهما قوله فان لم يفعل أي عجزا أو كسلا قوله فليأمر بالخير أو قال بالمعروف هو شك من الراوي أيضا قوله فإن لم يفعل قال فليمسك عن الشر الخ قال بن بطال فيه حجة لمن جعل الترك عملا وكسبا للعبد خلافا لمن قال من المتكلمين أن الترك ليس بعمل ونقل عن المهلب أنه مثل الحديث الآخر من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة قلت وسيأتي الكلام على شرح هذا الحديث في كتاب الرقاق أن الحسنة إنما تكتب لمن هم بالسيئة فلم يعملها إذا قصد بتركها الله تعالى وحينئذ فيرجع إلى العمل وهو فعل القلب وقد مضى هذا مع شرح الحديث مستوفى في كتاب الزكاة واستدل بظاهر الحديث الكعبي لقوله ليس في الشرع شيء يباح بل إما أجر وإما وزر فمن اشتغل بشيء عن المعصية فهو مأجور عليه قال بن التين والجماعة على خلافه وقد ألزموه أن يجعل الزاني مأجورا لأنه يشتغل به عن غيره من المعصية قلت ولا يرد هذا عليه لأنه إنما أراد الاشتغال بغير المعصية نعم يمكن أن يرد عليه ما لو اشتغل بعمل صغيرة عن كبيرة كالقبلة والمعانقة عن الزنا وقد لا يرد عليه أيضا لأن الذي يظهر أنه يريد الاشتغال بشيء مما لم يرد النص بتحريمه 1 ( قوله باب طيب الكلام ) أصل الطيب ما تستلذه الحواس ويختلف باختلاف متعلقة قال بن بطال طيب الكلام من جليل عمل البر لقوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن الآية والدفع قد يكون بالقول كما يكون بالفعل قوله وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الكلمة الطيبة صدقة هو طرف من حديث أورده المصنف موصولا في كتاب الصلح وفي كتاب الجهاد وقد تقدم الكلام عليه هناك في باب من أخذ بالركاب قال بن بطال وجه كون الكلمة الطيبة صدقة أن إعطاء المال يفرح به قلب الذي يعطاه ويذهب ما في قلبه وكذلك الكلام الطيب فاشتبها من هذه الحيثية ثم ذكر حديث عدي بن حاتم وفيه اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة وقوله 5677 أخبرني عمرو كذا لهم وهو بن مرة وقد تقدم الحديث من طريق شعبة عنه في كتاب الزكاة مع شرحه وخيثمة شيخ عمرو هو بن عبد الرحمن وتقدم الحديث مبسوطا في علامات النبوة 1 ( قوله باب الرفق في الأمر كله ) الرفق بكسر الراء وسكون الفاء بعدها قاف هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف وذكر فيه حديثين أحدهما حديث عائشة في قصة اليهود لما قالوا السام عليكم وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الاستئذان وقوله
5678 ان الله يحب الرفق في الأمر كله في حديث عمرة عن عائشة عند مسلم أن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف والمعنى أنه يتأتى معه من الأمور ما لا يتأتى مع ضده وقيل المراد يثيب عليه ما لا يثيب على غيره والأول أوجه وله في حديث شريح بن هانئ عنها أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه وفي حديث أبي الدرداء من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير الحديث وأخرجه الترمذي وصححه وبن خزيمة وفي حديث جرير عند مسلم من يحرم الرفق يحرم الخير كله وقوله فيه عن صالح هو بن كيسان ثانيهما حديث أنس في قصة الذي بال في المسجد وقد تقدم مشروحا في كتاب الطهارة وقوله 5679 لا تزرموه بضم أوله وسكون الزاي وكسر الراء من الإزرام أي لا تقطعوا عليه بوله يقال زرم البول إذا انقطع وأزرمته قطعته وكذلك يقال في الدمع 1 ( قوله باب تعاون المؤمنين بعضهم بعض ) ا بجر بعضهم على البدل ويجوز الضم
5680 قوله سفيان هو الثوري وبريد بن أبي بردة بموحدة وراء مصغر هو بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى نسب لجده وكنية بريد أبو بردة أيضا وقد أخرجه النسائي من طريق يحيى القطان حدثنا سفيان حدثني أبو بردة بن عبد الله بن أبي بردة فذكره قوله المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا اللام فيه للجنس والمراد بعض المؤمنين للبعض وقوله يشد بعضه بعضا بيان لوجه التشبيه وقال الكرماني نصب بعضا بنزع الخافض وقال غيره بل هو مفعول يشد قلت ولكل وجه قال بن بطال والمعاونة في أمور الآخرة وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها وقد ثبت حديث أبي هريرة والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه قوله ثم شبك بين أصابعه هو بيان لوجه التشبيه أيضا أي يشد بعضهم بعضا مثل هذا الشد ويستفاد منه أن الذي يريد المبالغة في بيان أقواله يمثلها بحركاته ليكون أوقع في نفس السامع قوله وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل بوجهه فقال اشفعوا هكذا وقع في النسخ من رواية محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري وفي تركيبه قلق ولعله كان في الأصل كان إذا كان جالسا إذا جاء رجل الخ فحذف اختصارا أو سقط على الراوي لفظ إذا كان على أنني تتبعت ألفاظ الحديث من الطرق فلم أره في شيء منها بلفظ جالسا وقد أخرجه أبو نعيم من رواية إسحاق بن زريق عن الفريابي بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طالب الحاجة أقبل علينا بوجهه الحديث وهذا السياق لا إشكال فيه وأخرجه النسائي من طريق يحيى القطان عن سفيان مختصرا اقتصر على قوله اشفعوا تؤجروا الخ وأخرجه الإسماعيلي من رواية عمر بن علي المقدمي عن سفيان الثوري لكنه جعله كله من قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اني أوتي فأسأل أو تطلب إلى الحاجة وأنتم عندي فاشفعوا الحديث وقد أخرجه المصنف في الباب الذي يليه من رواية أبي أسامة عن بريد ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة ومن هذا الوجه أخرجه مسلم وتقدم في الزكاة من رواية عبد الواحد بن زياد عن بريد بلفظ كان إذا جاءه السائل أو طلبت إليه الحاجة وكذا أخرجه مسلم من رواية علي بن مسهر وحفص بن غياث كلاهما عن بريد بلفظ كان إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال فذكره قوله فلتؤجروا كذا للأكثر وفي رواية كريمة تؤجروا وقال القرطبي وقع في أصل مسلم اشفعوا تؤجروا بالجزم على جواب الأمر المضمن معنى الشرط وهو واضح وجاء بلفظ فلتؤجروا وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورة لأنها لام كي وتكون الفاء زائدة كما زيدت في حديث قوموا فلأصلي لكم ويكون معنى الحديث اشفعوا كي تؤجروا ويحتمل أن تكون لام الأمر والمأمور به التعرض للأجر بالشفاعة فكأنه قال اشفعوا فتعرضوا بذلك للأجر وتكسر هذه اللام على أصل لام الأمر ويجوز تسكينها تخفيفا لأجل الحركة التي قبلها قلت ووقع في رواية أبي داود اشفعوا لتؤجروا وهو يقوي أن اللام للتعليل وجوز الكرماني أن تكون الفاء سببية واللام بالكسر وهي لام كي وقال جاز اجتماعهما لأنهما لأمر واحد ويحتمل أن تكون جزائية جوابا للأمر ويحتمل أن تكون زائدة على رأي أو عاطفة على اشفعوا واللام لام الأمر أو على مقدر أي اشفعوا لتؤجروا فلتؤجر أو لفظ اشفعوا تؤجروا في تقدير ان تشفعوا تؤجروا والشرط يتضمن السببية فإذا أتى باللام وقع التصريح بذلك وقال الطيبي الفاء واللام زائدتان للتأكيد لأنه لو قيل اشفعوا تؤجروا صح أي إذا عرض المحتاج حاجته علي فاشفعوا له إلي فإنكم إن شفعتم حصل لكم الأجر سواء قبلت شفاعتكم أم لا ويجري الله على لسان نبيه ما شاء أي من موجبات قضاء الحاجة أو عدمها أي ان قضيتها أو لم أقضها فهو بتقدير الله تعالى وقضائه تنبيه وقع في حديث عن بن عباس سنده ضعيف رفعه من سعى لأخيه المسلم في حاجة قضيت له أو لم تقض غفر له قوله وليقض الله على لسان نبيه ما شاء كذا ثبت في هذه الرواية وليقض باللام وكذا في رواية أبي أسامة التي بعدها للكشميهني فقط وللباقين ويقضي بغير لام وفي رواية مسلم من طريق علي بن مسهر وحفص بن غياث فليقض أيضا قال القرطبي لا يصح أن تكون هذه اللام لام الأمر لأن الله لا يؤمر ولا لام كي لأنه ثبت في الرواية وليقض بغير ياء مد ثم قال يحتمل أن تكون بمعنى الدعاء أي اللهم أقض أو الأمر هنا بمعنى الخبر وفي الحديث الحض على الخير بالفعل وبالتسبب إليه بكل وجه والشفاعة إلى الكبير في كشف كربة ومعونة ضعيف إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى الرئيس ولا التمكن منه ليلج عليه أو يوضح له مراده ليعرف حاله على وجهه وإلا فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يحتجب قال عياض ولا يستثنى من الوجوه التي تستحب الشفاعة فيها إلا الحدود وإلا فما لأحد فيه تجوز الشفاعة فيه ولا سيما ممن وقعت منه الهفوة أو كان من أهل الستر والعفاف قال وأما المصرون على فسادهم المشتهرون في باطلهم فلا يشفع فيهم ليزجروا عن ذلك
1 ( قوله باب قول الله تعالى من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ) كذا لأبي ذر وساق غيره إلى قوله مقيتا وقد عقب المصنف الحديث المذكور قبله بهذه الترجمة إشارة إلى أن الأجر على الشفاعة ليس على العموم بل مخصوص بما تجوز فيه الشفاعة وهي الشفاعة الحسنة وضابطها ما أذن فيه الشرع دون ما لم يأذن فيه كما دلت عليه الآية وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن مجاهد قال هي في شفاعة الناس بعضهم لبعض وحاصله أن من شفع لأحد في الخير كان له نصيب من الأجر ومن شفع له بالباطل كان له نصيب من الوزر وقيل الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمن والسيئة الدعاء عليه قوله كفل نصيب هو تفسير أبي عبيدة وقال الحسن وقتادة الكفل الوزر والإثم وأراد المصنف أن الكفل يطلق ويراد به النصيب ويطلق ويراد به الأجر وأنه في آية النساء بمعنى الجزاء وفي آية الحديد بمعنى الأجر ثم ذكر حديث أبي موسى وقد أشرت إلى ما فيه في الذي قبله ووقع فيه إذا أتاه صاحب الحاجة وعند الكشميهني صاحب حاجة قوله قال أبو موسى كفلين أجرين بالحبشية وصله بن أبي حاتم من طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبي موسى الأشعري في قوله تعالى يؤتكم كفلين من رحمته قال ضعفين بالحبشية أجرين 1 ( قوله باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفاحشا ) كذا للأكثر وللكشميهني ولا متفحشا بالتشديد كما في لفظ حديث عبد الله بن عمر وفي الباب ووقع في بعضها بلفظ متفاحشا والفحش كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح ويدخل في القول والفعل والصفة يقال طويل فاحش الطول إذا أفرط في طوله لكن استعماله في القول أكثر والمتفحش بالتشديد الذي يتعمد ذلك ويكثر منه ويتكلفه وأغرب الداودي فقال الفاحش الذي يقول الفحش والمتفحش الذي يستعمل الفحش ليضحك الناس ذكر فيه أربعة أحاديث الحديث الأول حديث عبد الله بن عمر وأورده من طريق شعبة عن سليمان وهو الأعمش سمعت أبا وائل ومن طريق جرير عن الأعمش عن شقيق بن سلمة وهو أبو وائل المذكور وقد تقدم المتن بتمامه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء في معناه وفيه أيضا 5682 قوله ان من خيركم أحسنكم أخلاقا ووقع هنا للكشميهني أن خيركم وتبين بالرواية الأخرى أن من مرادة فيه ووقع للأكثر اخيركم بوزن أفضلكم ومعناه وهي على الأصل والرواية الأخرى بمعناها يقال فلان خير من فلان أي أفضل منه وقد أخرج أحمد والطبراني وصححه بن حبان من حديث أسامة رفعه ان الله لا يحب كل فحاش متفحش الحديث الثاني حديث عائشة في قصة اليهود وقد تقدم قريبا في باب الرفق وأن شرحه يأتي في الاستئذان ووقع هنا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش وقد حكى عياض عن بعض شيوخه أن عين العنف مثلثة والمشهور ضمها الحديث الثالث حديث أنس 5684 قوله سبابا بالمهملة وموحدتين الأولى ثقيلة قوله كان يقول لأحدنا عند المعتبة بفتح الميم وسكون المهملة وكسر المثناة الفوقية ويجوز فتحها بعدها موحدة وهي مصدر عتب عليه يعتب عتبا وعتابا ومعتبة ومعاتبة قال الخليل العتاب مخاطبة الادلال ومذاكرة الموجدة قوله ما له ترب جبينه قال الخطابي يحتمل أن يكون المعنى خر لوجهه فأصاب التراب جبينه ويحتمل أن يكون دعاء له بالعبادة كأن يصلي فيترب جبينه والأول أشبه لأن الجبين لا يصلي عليه قال ثعلب الجبينان يكتنفان الجبهة ومنه قوله تعالى وتله للجبين أي ألقاه على جبينه قلت وأيضا فالثاني بعيد جدا لأن هذه الكلمة استعملها العرب قبل أن يعرفوا وضع الجبهة بالأرض في الصلاة وقال الداودي قوله ترب جبينه كلمة تقولها العرب جرت على ألسنتهم وهي من التراب أي سقط جبينه للأرض وهو كقولهم رغم أنفه ولكن لا يراد معنى قوله ترب جبينه بل هو نظير ما تقدم في قوله تربت يمينك أي أنها كلمة تجري على اللسان ولا يراد حقيقتها الحديث الرابع حديث عائشة
5685 قوله حدثنا عمرو بن عيسى هو أبو عثمان الضبعي البصري ثقة مستقيم الحديث قاله بن حبان وما له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في كتاب الصلاة وشيخه محمد بن سواء هو أبو الخطاب السدوسي البصري ثقة أيضا له عند البخاري هذا الحديث وآخر في المناقب وشيخه روح بن القاسم مشهور كثير الحديث وقد تابعه عن محمد بن المنكدر سفيان بن عيينة كما سيأتي في باب اغتياب أهل الفساد وفي باب المداراة ومعمر عند مسلم وسياق روح أتم قوله عن عروة عن عائشة في رواية بن عيينة سمعت عروة أن عائشة أخبرته قوله أن رجلا قال بن بطال هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وكان يقال له الأحمق المطاع ورجا النبي صلى الله عليه وسلم بإقباله عليه تألفه ليسلم قومه لأنه كان رئيسهم وكذا فسره به عياض ثم القرطبي والنووي جازمين بذلك ونقله بن التين عن الداودي لكن احتمالا جزما وقد أخرجه عبد الغني بن سعيد في المبهمات من طريق عبد الله بن عبد الحكم عن مالك أنه بلغه عن عائشة استأذن عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال بئس بن العشيرة الحديث وأخرجه بن بشكوال في المبهمات من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أن عيينة استأذن فذكره مرسلا وأخرج عبد الغني أيضا من طريق أبي عامر الخراز عن أبي يزيد المدني عن عائشة قالت جاء مخرمة بن نوفل يستأذن فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته قال بئس أخو العشيرة الحديث وهكذا وقع لنا في أواخر الجزء الأول من فوائد أبي إسحاق الهاشمي وأخرجه الخطيب فيحمل على التعدد وقد حكى المنذر في مختصره القولين فقال هو عيينة وقيل مخرمة وأما شيخنا بن الملقن فاقتصر على أنه مخرمة وذكر أنه نقله من حاشية بخط الدمياطي فقصر لكنه حكى بعد ذلك عن بن التين أنه جوز أنه عيينة قال وصرح به بن بطال قوله بئس أخو العشيرة وبئس بن العشيرة في رواية معمر بئس أخو القوم وبن القوم وهي بالمعنى قال عياض المراد بالعشيرة الجماعة أو القبيلة وقال غيره العشيرة الأدنى إلى الرجل من أهله وهم ولد أبيه وجده قوله فلما جلس تطلق بفتح الطاء المهملة وتشديد اللام أي أبدى له طلاقة وجهه يقال وجهه طلق وطليق أي مسترسل منبسط غير عبوس ووقع في رواية بن عامر بش في وجهه ولأحمد من وجه آخر عن عائشة واستأذن آخر فقال نعم أخو العشيرة فلما دخل لم يهش له ولم ينبسط كما فعل بالآخر فسألته فذكر الحديث قال الخطابي جمع هذا الحديث علما وأدبا وليس في قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمته بالأمور التي يسميهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض بل الواجب عليه أن يبين ذلك ويفصح به ويعرف الناس أمره فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله وفي مداراته ليسلموا من شره وغائلته قلت وظاهر كلامه أن يكون هذا من جملة الخصائص وليس كذلك بل كل من اطلع من حال شخص على شيء وخشى أن غيره يغتر بجميل ظاهره فيقع في محذور ما فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدا نصيحته وإنما الذي يمكن أن يختص به النبي صلى الله عليه وسلم أن يكشف له عن حال من يغتر بشخص من غير أن يطلعه المغتر على حاله فيذم الشخص بحضرته ليتجنبه المغتر ليكون نصيحة بخلاف غير النبي صلى الله عليه وسلم فإن جواز ذمه للشخص يتوقف على تحقق الأمر بالقول أو الفعل ممن يريد نصحه وقال القرطبي في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى ثم قال تبعا لعياض والفرق بين المدارة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا وهي مباحة وربما استحبت والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ومع ذلك فلم يمدحه بقول فلم يناقض قوله فيه فعله فإن قوله فيه قول حق وفعله معه حسن عشرة فيزول مع هذا التقرير الاشكال بحمد الله تعالى وقال عياض لم يكن عيينة والله أعلم حينئذ أسلم فلم يكن القول فيه غيبة أو كان أسلم ولم يكن إسلامه ناصحا فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين ذلك لئلا يغتر به من لم يعرف باطنه وقد كانت منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده أمور تدل على ضعف إيمانه فيكون ما وصفه به النبي صلى الله عليه وسلم من جملة علامات النبوة وأما إلانة القول له بعد أن دخل فعلى سبيل التألف له ثم ذكر نحو ما تقدم وهذا الحديث أصل في المداراة وفي جواز غيبة أهل الكفر والفسق ونحوهم والله أعلم قوله متى عهدتني فاحشا في رواية الكشميهني فحاشا بصيغة المبالغة قوله من تركه الناس في رواية عيينة من تركه أو ودعه الناس قال المازري ذكر بعض النحاة أن العرب أماتوا مصدر يدع وماضيه والنبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب وقد نطق بالمصدر في قوله لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات وبماضيه في هذا الحديث وأجاب عياض بان المراد بقولهم أماتوه أي تركوا استعماله إلا نادرا قال ولفظ أماتوه يدل عليه ويؤيد ذلك أنه لم ينقل في الحديث إلا في هذين الحديثين مع شك الراوي في حديث الباب مع كثرة استعمال ترك ولم يقل أحد من النحاة إنه لا يجوز قوله اتقاء شره أي قبح كلامه لأن المذكور كان من جفاة العرب وقال القرطبي في هذا الحديث إشارة إلى أن عيينة المذكور ختم له بسوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم اتقى فحشه وشره أخبر أن من يكون كذلك يكون شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة قلت ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال فإن الحديث ورد بلفظ العموم فمن اتصف بالصفة المذكورة فهو الذي يتوجه عليه الوعيد وشرط ذلك أن يموت على ذلك ومن أين له أن عيينة مات على ذلك واللفظ المذكور يحتمل لأن يقيد بتلك الحالة التي قيل فيها ذلك وما المانع أن يكون تاب وأناب وقد كان عيينة ارتد في زمن أبي بكر وحارب ثم رجع وأسلم وحضر بعض الفتوح في عهد عمر وله مع عمر قصة ذكرت في تفسير الأعراف ويأتي شرحها في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى وفيها ما يدل على جفائه والحديث الذي فيه أنه أحمق مطاع أخرجه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم النخعي قال جاء عيينة بن حصن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة فقال من هذه قال أم المؤمنين قال ألا أنزل لك عن أجمل منها فغضبت عائشة وقالت من هذا قال هذا أحمق ووصله الطبراني من حديث جرير وزاد فيه أخرج فاستأذن قال أنها يمين على أن لا استأذن على مضري وعلى تقدير أن يسلم له ذلك وللقاضي قبله في عيينة لا يسلم له ذلك في مخرمة بن نوفل وسيأتي في باب المداراة ما يدل على أن تفسير المبهم هنا بمخرمة هو الراجح
1 ( قوله باب حسن الخلق والسخاء ) وما يكره من البخل جمع في هذه الترجمة بين هذه الأمور الثلاثة لأن السخاء من جملة محاسن الأخلاق بل هو من معظمها والبخل ضده فأما الحسن فقال الراغب هو عبارة عن كل مرغوب فيه إما من جهة العقل وإما من جهة العرض وإما من جهة الحسن وأكثر ما يقال في عرف العامة فيما يدرك بالبصر وأكثر ما جاء في الشرع فيما يدرك بالبصيرة انتهى ملخصا وأما الخلق فهو بضم الخاء واللام ويجوز سكونها قال الراغب الخلق والخلق يعني بالفتح وبالضم في الأصل بمعنى واحد كالشرب والشرب لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر وخص الخلق الذي بالضم بالقوي والسجايا المدركة بالبصيرة انتهى وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي أخرجه أحمد وصححه بن حبان وفي حديث علي الطويل في دعاء الافتتاح عند مسلم واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت وقال القرطبي في المفهم الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره وهي محمودة ومذمومة فالمحمودة على الإجمال أن تكون مع غيرك على نفسك فتنصف منها ولا تنصف لها وعلى التفصيل العفو والحلم والجود والصبر وتحمل الأذى والرحمة والشفقة وقضاء الحوائج والتوادد ولين الجانب ونحو ذلك والمذموم منها ضد ذلك وأما السخاء فهو بمعنى الجود وهو بذل ما يقتنى بغير عوض وعطفه على حسن الخلق من عطف الخاص على العام وإنما أفرد للتنويه به وأما البخل فهو منع ما يطلب مما يقتنى وشره ما كان طالبه مستحقا ولا سيما إن كان من غير مال المسئول وأشار بقوله وما يكره من البخل إلى أن بعض ما يجوز انطلاق اسم البخل عليه قد لا يكون مذموما ثم ذكر المصنف في الباب ثمانية أحاديث الأولان معلقان الحديث الأول قوله وقال بن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس تقدم موصولا في كتاب الإيمان وتقدم شرحه في كتاب الصيام وفيه بيان السبب في أكثرية جوده في رمضان الحديث الثاني قوله وقال أبو ذر لما بلغه مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه الخ كذا للأكثر بتكرير قال وفي رواية الكشميهني وكان أبو ذر الخ وهي أولى وهذا طرف من قصة إسلام أبي ذر وقد تقدمت موصولة مطولة في المبعث النبوي مشروحة والغرض منه هنا قوله ويأمر بمكارم الأخلاق والمكارم جمع مكرمة بضم الراء وهي من الكرم قال الراغب وهو اسم الأخلاق وكذلك الأفعال المحمودة قال ولا يقال للرجل كريم حتى يظهر ذلك منه ولما كان أكرم الأفعال ما يقصد به أشرف الوجوه وأشرفها ما يقصد به وجه الله تعالى وإنما يحصل ذلك من المتقى قال الله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم وكل فائق في بابه يقال له كريم الحديث الثالث حديث أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس أي أحسنهم خلقا وخلقا وأجود الناس أي أكثرهم بذلا لما يقدر عليه وأشجع الناس أي أكثرهم إقداما مع عدم الفرار وقد تقدم شرح الحديث المذكور في كتاب الهبة واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاث من جوامع الكلم لأنها أمهات الأخلاق فإن في كل إنسان ثلاث قوى أحدها الغضبية وكمالها الشجاعة ثانيها الشهوانية وكمالها الجود ثالثها العقلية وكمالها النطق بالحكمة وقد أشار أنس إلى ذلك بقوله أحسن الناس لأن الحسن يشمل القول والفعل ويحتمل أن يكون المراد بأحسن الناس حسن الخلقة وهو تابع لاعتدال المزاج الذي يتبع صفاء النفس الذي منه جودة القريحة التي تنشأ عنها الحكمة قاله الكرماني وقوله 5686 فزع أهل المدينة أي سمعوا صوتا في الليل فخافوا أن يهجم عليهم عدو وقوله فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت أي أنه سبق فاستكشف الخبر فلم يجد ما يخاف منه فرجع يسكنهم وقوله لم تراعوا هي كلمة تقال عند تسكين الروع تأنيسا وإظهارا للرفق بالمخاطب الحديث الرابع حديث جابر
5687 قوله سفيان هو الثوري قوله عن بن المنكدر في رواية الإسماعيلي من طريق أبي الوليد الطيالسي ومن طريق عبد الله وهو بن المبارك كلاهما عن سفيان سمعت محمد بن المنكدر قوله ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قط فقال لا كذا للجميع وكذا في الأدب المفرد من طريق بن عيينة سمعت بن المنكدر ووقع في رواية الإسماعيلي من الطريقين المذكورين وكذا عند مسلم من طريق سفيان بن عيينة عن بن المنكدر بلفظ ما سئل شيئا قط فقال لا قال الكرماني معناه ما طلب منه شيء من أمر الدنيا فمنعه قال الفرزدق ما قال لا قط إلا في تشهده قلت وليس المراد أنه يعطى ما يطلب منه جزما بل المراد أنه لا ينطق بالرد بل إن كان عنده أعطاه إن كان الإعطاء سائغا وإلا سكت وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية أخرجه بن سعد ولفظه إذا سئل فأراد أن يفعل قال نعم وإذا لم يرد أن يفعل سكت وهو قريب من حديث أبي هريرة الماضي في الأطعمة ما عاب طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام معناه لم يقل لا منعا للعطاء ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارا كما في قوله تعالى قلت لا أجد ما أحملكم عليه ولا يخفى الفرق بين قول لا أجد ما أحملكم وبين لا أحملكم قلت وهو نظير ما تقدم في حديث أبي موسى الأشعري لما سأل الأشعريون الحملان فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما عندي ما أحملكم لكن يشكل على ما تقدم أن في حديث الأشعري المذكور أنه صلى الله عليه وسلم حلف لا يحملهم فقال والله لا أحملكم فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر بما إذا سئل ما ليس عنده والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك أو حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة أو من حال السائل كأن يكون لم يعرف العادة فلو اقتصر في جوابه على السكوت مع حاجة السائل لتمادى على السؤال مثلا ويكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل والسر في الجمع بين قوله لا أجد ما أحملكم وقوله والله لا أحملكم أن الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجودا عنده والثاني أنه لا يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالقرض مثلا أو بالاستيهاب إذ لا اضطرار حينئذ إلى ذلك وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الأيمان والنذور وفهم بعضهم من لازم عدم قول لا اثبات نعم ورتب عليه أنه يلزم منه تحريم البخل لأن من القواعد أنه صلى الله عليه وسلم إذا واظب على شيء كان ذلك علامة وجوبه والترجمة تقتضي أن البخل مكروه وأجيب بأنه إذا تم هذا البحث حملت الكراهة على التحريم لكنه لا يتم لأن الذي يحرم من البخل ما يمنع الواجب سلمنا أنه يدل على الوجوب لكن على من هو في مقام النبوة إذ مقابله نقص منزه عنه الأنبياء فيختص الوجوب بالنبي صلى الله عليه وسلم والترجمة تتضمن أن من البخل ما يكره ومقابله أن منه ما يحرم كما أن فيه ما يباح بل ويستحب بل ويجب فلذلك اقتصر المصنف على قوله يكره الحديث الخامس حديث مسروق كنا جلوسا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ورجاله إلى الصحابة كوفيون وقد دخلها كما تقدم صريحا في هذا الحديث في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم قوله لم يكن فاحشا تقدم شرحه في الباب المذكور وهو الحديث السادس عشر منه وقوله
5688 فيه ان خياركم أحاسنكم أخلاقا في رواية الكشميهني أحسنكم ووقع في الرواية الماضية أن من خياركم وهي مرادة هنا وقد أخرج أبو يعلى من حديث أنس رفعه أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وللترمذي وحسنة والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة رفعه ان من أكمل المؤمنين أحسنهم خلقا ولأحمد بسند رجاله ثقات من حديث جابر بن سمرة نحوه بلفظ أحسن الناس إسلاما وللترمذي من حديث جابر رفعه إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا وأخرجه البخاري في الأدب المفرد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولأحمد والطبراني وصححه بن حبان من حديث أبي ثعلبة نحوه وقال أحاسنكم أخلاقا وسياقه أتم وللبخاري في الأدب المفرد وبن حبان والحاكم والطبراني من حديث أسامة بن شريك قالوا يا رسول الله من أحب عباد الله إلى الله قال أحسنهم خلقا وفي رواية عنه ما خير ما أعطى الإنسان قال خلق حسن ومن الأحاديث الصحيحة في حسن الخلق حديث النواس بن سمعان رفعه البر حسن الخلق أخرجه مسلم والبخاري في الأدب المفرد وحديث أبي الدرداء رفعه ما شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وصححه هو وبن حبان وزاد الترمذي فيه وهو عند البزار وأن صاحب حسن الخلق ليبلغ درجة صاحب الصوم والصلاة وأخرجه أبو داود وبن حبان أيضا والحاكم من حديث عائشة نحوه وأخرجه الطبراني في الأوسط والحاكم من حديث أبي هريرة وأخرجه الطبراني من حديث أنس نحوه وأحمد والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو وأخرج الترمذي وبن حبان وصححاه وهو عند البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال تقوى الله وحسن الخلق وللبزار بسند حسن من حديث أبي هريرة رفعه إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق والأحاديث في ذلك كثيرة وحكى بن بطال تبعا للطبري خلافا هل حسن الخلق غريزة أو مكتسب وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث بن مسعود أن الله قسم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم الحديث وهو عند البخاري في الأدب المفرد وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في كتاب القدر وقال القرطبي في المفهم الخلق جبلة في نوع الإنسان وهم في ذلك متفاوتون فمن غلب عليه شيء منها إن كان محمودا وإلا فهو مأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودا وكذا ان كان ضعيفا فيرتاض صاحبه حتى يقوى قلت وقد وقع في حديث الأشج العصري عند أحمد والنسائي والبخاري في الأدب المفرد وصححه بن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة قال يا رسول الله قديما كانا في أو حديثا قال قديما قال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما فترديده السؤال وتقريره عليه يشعر بأن في الخلق ما هو جبلى وما هو مكتسب الحديث السادس حديث سهل بن سعد في قصة البردة التي سأل الصحابي لتكون كفنه والغرض منه قولهم للذي طلبها سألته إياها وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في أوائل الجنائز وفي قولهم سألته إياها استعمال ثاني الضميرين منفصلا وهو المتعين هنا فرارا من الاستثقال إذ لو قاله متصلا فإنه يصير هكذا سألتموها قال بن مالك والأصل أن لا يستعمل المنفصل إلا عند تعذر المتصل لأن الاتصال أخصر وأبين لكن إذا اختلف الضميران وتقاربا فالأحسن الانفصال نحو هذا فإن اختلفا في الرتبة جاز الاتصال والانفصال مثل اعطيتكه وأعطيتك أياه الحديث السابع حديث أبي هريرة يتقارب الزمان وسيأتي شرحه في كتاب الفتن وقوله
5690 فيه وينقص العمل وقع في رواية الكشميهني وينقص العلم وهو المعروف في هذا الحديث وللآخر وجه وقوله فيه ويلقي الشح وهو مقصود الباب وهو أخص من البخل فإنه بخل مع حرص واختلف في ضبط يلقى فالأكثر على أنه بسكون اللام أي يوضع في القلوب فيكثر وهو على هذا بالرفع وقيل بفتح اللام وتشديد القاف أي يعطي القلوب الشح وهو على هذا بالنصب حكاه صاحب المطالع وقال الحميدي لم تضبط الرواة هذا الحرف ويحتمل أن يكون تلقى بالتشديد أي يتلقى ويتواصى به ويدعوه إليه من قوله وما يلقاها إلا الصابرون أي ما يعلمها وينبه عليها قال ولو قيل يلقى مخففة لكان بعيدا لأنه لو ألقى لترك وكان مدحا والحديث مساق للذم ولو كان بالفاء بمعنى يوجد لم يستقم لأنه لم يزل موجودا اه وقد ذكرت توجيه القاف الحديث الثامن حديث أنس
5691 قوله خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين تقدم نظيره في الوليمة من وجه آخر عن أنس ومثله عند أحمد وغيره عن ثابت عن أنس وكذا هو في معظم الروايات ووقع عند مسلم من طريق إسحاق بن أبي طلحة عن أنس والله لقد خدمته تسع سنين ولا مغايرة بينهما لأن ابتداء خدمته له كان بعد قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة وبعد تزويج أمه أم سليم بأبي طلحة فقد مضى في الوصايا من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له خادم فأخذ أبو طلحة بيدي الحديث وفيه أن أنسا غلام كيس فليخدمك قال فخدمته في السفر والحضر وأشار بالسفر إلى ما وقع في المغازي وغيرها من طريق عمرو بن أبي عمرو عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من أبي طلحة لما أراد الخروج إلى خيبر من يخدمه فأحضر له أنسا فأشكل هذا على الحديث الأول لأن بين قدومه المدينة وبين خروجه إلى خيبر ست سنين وأشهرا وأجيب بأنه طلب من أبي طلحة من يكون أسن من أنس وأقوى على الخدمة في السفر فعرف أبو طلحة من أنس القوة على ذلك فأحضره فلهذا قال أنس في هذه الرواية خدمته في الحضر والسفر وإنما تزوجت أم سليم بأبي طلحة بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بعدة أشهر لأنها بادرت إلى الإسلام ووالد أنس حي فعرف بذلك فلم يسلم وخرج في حاجة له فقتله عدو له وكان أبو طلحة قد تأخر إسلامه فاتفق أنه خطبها فاشترطت عليه أن يسلم فأسلم أخرجه بن سعد بسند حسن فعلى هذا تكون مدة خدمة أنس تسع سنين وأشهرا فألغى الكسر مرة وجبره أخرى وقوله في هذا الحديث والله ما قال لي أف قط قال الراغب أصل الأف كل مستقذر من وسخ كقلامة الظفر وما يجري مجراها ويقال ذلك لكل مستخف به ويقال أيضا عند تكره الشيء وعند التضجر من الشيء واستعملوا منها الفعل كاففت بفلان وفي أف عدة لغات الحركات الثلاث بغير تنوين وبالتنوين ووقع في رواية مسلم هنا أفا بالنصب والتنوين وهي موافقة لبعض القراءات الشاذة كما سيأتي وهذا كله مع ضم الهمزة والتشديد وعلى ذلك اقتصر بعض الشراح وذكر أبو الحسن الرماني فيها لغات كثيرة فبلغها تسعا وثلاثين ونقلها بن عطية وزاد واحدة أكملها أربعين وقد سردها أبو حيان في البحر واعتمد على ضبط القلم ولخص ضبطها صاحبه الشهاب السمين ولخصته منه وهي الستة المقدمة وبالتخفيف كذلك ستة أخرى وبالسكون مشددا ومخففا وبزيادة هاء ساكنة في آخره مشددا ومخففا وافى بالامالة وبين بين وبلا إمالة الثلاثة بلا تنوين وأفو بضم ثم سكون وافى بكسر ثم سكون فذلك اثنتان وعشرون وهذا كله مع ضم الهمزة ويجوز كسرها وفتحها فأما بكسرها ففي إحدى عشرة كسر الفاء وضمها ومشددا مع التنوين وعدمه أربعة ومخففا بالحركات الثلاث مع التنوين وعدمه ستة وافى بالامالة والتشديد وأفا بفتح الهمزة ففي ست بفتح الفاء وكسرها مع التنوين وعدمه أربعة وبالسكون وبألف مع التشديد والتي زادها بن عطية أفاه بضم أوله وزيادة ألف وهاء ساكنة وقرئ من هذه اللغات ست كلها بضم الهمزة فأكثر السبعة بكسر الفاء مشددا بغير تنوين ونافع وحفص كذلك لكن بالتنوين وبن كثير وبن عامر بالفتح والتشديد بلا تنوين وقرأ أبو السماك كذلك لكن بضم الفاء وزيد بن علي بالنصب والتنوين وعن بن عباس بسكون الفاء قلت وبقى من الممكن في ذلك أفى كما مضى لكن بفتح الفاء وسكون الياء وأفيه بزيادة هاء وإذا ضممت هاتين إلى التي زادها بن عطية وأضفتها إلى ما بديء به صارت العدة خمسا وعشرين كلها بضم الهمزة فإذا استعملت القياس في اللغة كان الذي بفتح الهمزة كذلك وبكسرها كذلك فتكمل خمسا وسبعين قوله ولا لم صنعت ولا ألا صنعت بفتح الهمزة والتشديد بمعنى هلا وفي رواية مسلم من هذا الوجه لشيء مما يصنعه الخادم وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة ما علمته قال لشيء صنعته لم فعلت كذا وكذا ولشيء تركته هل لا فعلت كذا وكذا وفي رواية عبد العزيز بن صهيب ما قال لشيء صنعته لم صنعت هذا كذا ولا لشيء لم اصنعه لم لم تصنع هذا كذا ويستفاد من هذا ترك العتاب على ما فات لأن هناك مندوحة عنه باستئناف الأمر به إذا احتيج إليه وفائدة تنزيه اللسان عن الزجر والذم واستئلاف خاطر الخادم بترك معاتبته وكل ذلك في الأمور التي تتعلق بحظ الإنسان وأما الأمور اللازمة شرعا فلا يتسامح فيها لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
1 ( قوله باب بالتنوين كيف يكون الرجل في أهله ) ذكر فيه حديث عائشة كان في مهنة أهله وقد تقدم شرحه في أبواب صلاة الجماعة من كتاب الصلاة وقوله 5692 في مهنة أهله المهنة بكسر الميم وبفتحها وأنكر الأصمعي الكسر وفسرها هناك بخدمة أهله وبينت أن التفسير من قول الراوي عن شعبة وأن جماعة رووه عن شعبة بدونها وكذا أخرجه بن سعد في الترجمة النبوية عن وهب بن جرير وعفان وأبي قطن كلهم عن شعبة بدونها لكن وقع عنده عن أبي النضر عن شعبة في آخره يعني بالمهنة في خدمة أهله وقد وقع في حديث آخر لعائشة أخرجه أحمد وبن سعد وصححه بن حبان من رواية هشام بن عروة عن أبيه قلت لعائشة ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته قالت يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم وفي رواية لابن حبان ما يعمل أحدكم في بيته وله ولأحمد من رواية الزهري عن عروة عن عائشة يخصف نعله ويخيط ثوبه ويرقع دلوه وله من طريق معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة بلفظ ما كان إلا بشرا من البشر كان يفلى ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه وأخرجه الترمذي في الشمائل والبزار وقال وروى عن يحيى عن القاسم عن عائشة وروى عن يحيى عن حميد المكي عن مجاهد عن عائشة وفي رواية حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة عند أبي سعد كان ألين الناس وأكرم الناس وكان رجلا من رجالكم إلا أنه كان بساما قال بن بطال من أخلاق الأنبياء التواضع والبعد عن التنعم وامتهان النفس ليستن بهم ولئلا يخلدوا إلى الرفاهية المذمومة وقد أشير إلى ذمها بقوله تعالى وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا 1 ( قوله باب المقة من الله ) أي ابتداؤها من الله المقة بكسر الميم وتخفيف القاف هي المحبة وقد ومق يمق والأصل الومق والهاء فيه عوض عن الواو كعدة ووعد وزنة ووزن وهذه الترجمة لفظ زيادة وقعت في نحو حديث الباب في بعض طرقه لكنها على غير شرط البخاري فأشار إليها في الترجمة كعادته أخرجه أحمد والطبراني وبن أبي شيبة من طريق محمد بن سعد الأنصاري عن أبي ظبية بمعجمة عن أبي أمامة مرفوعا قال المقة من الله والصيت من السماء فإذا أحب الله عبدا الحديث وللبزار من طريق أبي وكيع الجراح بن مليح عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه ما من عبد إلا وله صيت في السماء فإن كان حسنا وضع في الأرض وإن كان سيئا وضع في الأرض والصيت بكسر الصاد المهملة وسكون التحتانية بعدها مثناة أصله الصوت كالريح من الروح والمراد به الذكر الجميل وربما قيل لضده لكن بقيد
5693 قوله أبو عاصم هو النبيل وهو من كبار شيوخ البخاري وربما روى عنه بواسطة مثل هذا فقد علقه في بدء الخلق لأبي عاصم وقد نبهت عليه ثم قوله عن نافع هو مولى بن عمر قال البزار بعد أن أخرجه عن عمرو بن علي الفلاس شيخ البخاري فيه لم يروه عن نافع إلا موسى بن عقبة ولا عن موسى إلا بن جريج قلت وقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثوبان عند أحمد والطبراني في الأوسط وأبو أمامة عند أحمد ورواه عن أبي هريرة أبو صالح عند المصنف في التوحيد وأخرجه مسلم والبزار قوله إذا أحب الله العبد وقع في بعض طرقه بيان سبب هذه المحبة والمراد بها ففي حديث ثوبان ان العبد ليلتمس مرضاة الله تعالى فلا يزال كذلك حتى يقول يا جبريل ان عبدي فلانا يلتمس أن يرضيني ألا وان رحمتي غلبت عليه الحديث أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط ويشهد له حديث أبي هريرة الآتي في الرقاق ففيه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه الحديث قوله ان الله يحب فلانا فأحبه بفتح الموحدة المشددة ويجوز الضم ووقع في حديث ثوبان فيقول جبريل رحمة الله على فلان وتقوله حملة العرش قوله فينادي جبريل في أهل السماء الخ في حديث ثوبان أهل السماوات السبع قوله ثم يوضع له القبول في أهل الأرض زاد الطبراني في حديث ثوبان ثم يهبط إلى الأرض ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا وثبتت هذه الزيادة في آخر هذا الحديث عند الترمذي وبن أبي حاتم من طريق سهيل عن أبيه وقد أخرج مسلم إسنادها ولم يسق اللفظ وزاد مسلم فيه وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فساقه على منوال الحب وقال في آخره ثم يوضع له البغضاء في الأرض ونحوه في حديث أبي أمامة عند أحمد وفي حديث ثوبان عند الطبراني وان العبد يعمل بسخط الله فيقول الله يا جبريل إن فلانا يستسخطني فذكر الحديث على منوال الحب أيضا وفيه فيقول جبريل سخطة الله على فلان وفي آخره مثل ما في الحب حتى يقوله أهل السماوات السبع ثم يهبط إلى الأرض وقوله يوضع له القبول هو من قوله تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن أي رضيها قال المطرزي القبول مصدر لم أسمع غيره بالفتح وقد جاء مفسرا في رواية القعنبي فيوضع له المحبة والقبول والرضا بالشيء وميل النفس إليه وقال بن القطاع قبل الله منك قبولا والشيء والهدية أخذت والخبر صدق وفي التهذيب عليه قبول إذا كانت العين تقبله والقبول من الريح الصبا لأنها تستقبل الدبور والقبول أن يقبل العفو والعافية وغير ذلك وهو اسم للمصدر أميت الفعل منه وقال أبو عمرو بن العلاء القبول بفتح القاف لم أسمع غيره يقال فلان عليه قبول إذا قبلته النفس وتقبلت الشيء قبولا ونحوه لابن الأعرابي وزاد قبلته قبولا بالفتح والضم وكذا قبلت هديته عن اللحياني قال بن بطال في هذه الزيادة رد على ما يقوله القدرية ان الشر من فعل العبد وليس من خلق الله انتهى والمراد بالقبول في حديث الباب قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه ويؤخذ منه أن محبة قلوب الناس علامة محبة الله ويؤيده ما تقدم في الجنائز أنتم شهداء الله في الأرض والمراد بمحبة الله إرادة الخير للعبد وحصول الثواب له وبمحبة الملائكة استغفارهم له وإرادتهم خير الدارين له وميل قلوبهم إليه لكونه مطيعا لله محبا له ومحبة العباد له اعتقادهم فيه الخير وارادتهم دفع الشر عنه ما أمكن وقد تطلق محبة الله تعالى للشيء على إرادة إيجاده وعلى إرادة تكميله والمحبة التي في هذا الباب من القبيل الثاني وحقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا تحد وإنما يعرفها من قامت به وجدانا لا يمكن التعبير عنه والحب على ثلاثة أقسام إلهي وروحاني وطبيعي وحديث الباب يشتمل على هذه الأقسام الثلاثة فحب الله العبد حب إلهي وحب جبريل والملائكة له حب روحاني وحب العباد له حب طبيعي
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu hadis, dan bagaimana keasliannya dinilai?
- Apa saja koleksi hadis yang paling sahih?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Siapakah para sahabat (Sahabah) Nabi Muhammad (saw)?