İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
6125 قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله عن أبي الزناد في رواية بن وهب عن مالك حدثني أبو الزناد أخرجه الدارقطني في الغرائب قوله عن الأعرج في رواية سعيد بن داود عن مالك حدثني أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز أخبره انه سمع أبا هريرة أخرجه الدارقطني أيضا وضاق مخرجه على أبي نعيم فأخرجه من طريق القاسم بن زكريا عن البخاري وأخرجه الإسماعيلي من طريق حميد بن قتيبة عن إسماعيل والدارقطني من وجهين عن إسماعيل قوله إذا نظر أحدكم إلى من فضل بالفاء والمعجمة على البناء للمجهول قوله في المال والخلق بفتح الخاء أي الصورة ويحتمل أن يدخل في ذلك الأولاد والأتباع وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدنيا ورأيته في نسخة معتمدة من الغرائب للدارقطني والخلق بضم الخاء واللام قوله فلينظر إلى من هو أسفل منه في رواية عبد العزيز بن يحيى عن مالك فلينظر إلى من تحته أخرجه الدارقطني أيضا ويجوز في أسفل الرفع والنصب والمراد بذلك ما يتعلق بالدنيا قوله ممن فضل عليه كذا ثبت في آخر هذا الحديث عند مسلم من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد وكذا ثبت لمالك الذي أخرجه البخاري من طريقه عند الدارقطني من رواية سعيد بن داود عنه بسند صحيح وزاد مسلم من طريق أبي صالح المذكورة فهو أجدر ان لا تزدروا نعمة الله عليكم أي هو حقيق بعدم الازدراء وهو افتعال من زريت عليه وأزريت به إذا تنقصته وفي معناه ما أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن الشخير رفعه أقلوا الدخول على الاغنياء فإنه احرى ان لا تزدروا نعمة الله قال بن بطال هذا الحديث جامع لمعاني الخير لان المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهدا فيها الا وجد من هو فوقه فمتى طلبت نفسه اللحاق به استقصر حاله فيكون أبدا في زيادة تقربه من ربه ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا الا وجد من أهلها من هو اخس حالا منه فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضل عليه بذلك من غير أمر اوجبه فيلزم نفسه الشكر فيعظم اغتباطه بذلك في معاده وقال غيره في هذا الحديث دواء الداء لان الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن ان يؤثر ذلك فيه حسدا ودواؤه ان ينظر إلى من هو أسفل منه ليكون ذلك داعيا إلى الشكر وقد وقع في نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه قال خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به وأما من نظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته فإنه لا يكتب شاكرا ولا صابرا 1 ( قوله باب من هم بحسنة أو بسيئة ) الهم ترجيح قصد الفعل تقول هممت بكذا أي قصدته بهمتي وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب
6126 قوله حدثنا أبو معمر هو عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف وعبد الوارث هو بن سعيد والسند كله بصريون وجعد بن دينار تابعي صغير وهو الجعد أبو عثمان الراوي عن أنس في أواخر النفقات وفي غيرها قوله عن بن عباس في رواية الحسن بن ذكوان عن أبي رجاء حدثني بن عباس أخرجه أحمد قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية مسدد عند الإسماعيلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر في شيء من الطرق التصريح بسماع بن عباس له من النبي صلى الله عليه وسلم قوله فيما يروى عن ربه هذا من الأحاديث الإلهية ثم هو محتمل أن يكون مما تلقاه صلى الله عليه وسلم عن ربه بلا واسطة ويحتمل أن يكون مما تلقاه بواسطة الملك وهو الراجح وقال الكرماني يحتمل أن يكون من الأحاديث القدسية ويحتمل أن يكون للبيان لما فيه من الإسناد الصريح إلى الله حيث قال ان الله كتب ويحتمل أن يكون لبيان الواقع وليس فيه ان غيره ليس كذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى بل فيه ان غيره كذلك إذ قال فيما يرويه أي في جملة ما يرويه انتهى ملخصا والثاني لا ينافي الأول وهو المعتمد فقد أخرجه مسلم من طريق جعفر بن سليمان عن الجعد ولم يسق لفظه وأخرجه أبو عوانة من طريق عفان وأبو نعيم من طريق قتيبة كلاهما عن جعفر بلفظ فيما يروى عن ربه قال ان ربكم رحيم من هم بحسنة وسيأتي في التوحيد من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول الله عز وجل إذا أراد عبدي ان يعمل وأخرجه مسلم بنحوه من هذا الوجه ومن طرق أخرى منها عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل إذا هم عبدي قوله ان الله عز وجل كتب الحسنات والسيئات يحتمل أن يكون هذا من قول الله تعالى فيكون التقدير قال الله ان الله كتب ويحتمل أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم يحكيه عن فعل الله تعالى وفاعل ثم بين ذلك هو الله تعالى وقوله فمن هم شرح ذلك قوله ثم بين ذلك أي فصله بقوله فمن هم والمجمل قوله كتب الحسنات والسيئات وقوله كتب قال الطوفي أي أمر الحفظة ان تكتب أو المراد قدر ذلك في علمه على وفق الواقع منها وقال غيره المراد قدر ذلك وعرف الكتبة من الملائكة ذلك التقدير فلا يحتاج إلى الاستفسار في كل وقت عن كيفية الكتابة لكونه أمرا مفروغا منه انتهى وقد يعكر على ذلك ما أخرجه مسلم من طريق همام عن أبي هريرة رفعه قال قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد ان يعمل سيئة وهو أبصر به فقال أرقبوه فإن عملها فاكتبوها فهذا ظاهره وقوع المراجعة لكن ذلك مخصوص بإرادة عمل السيئة ويحتمل أن يكون ذلك وقع في ابتداء الأمر فلما حصل الجواب استقر ذلك فلا يحتاج إلى المراجعة بعده وقد وجدت عن الشافعي ما يوافق ظاهر الخبر وان المؤاخذة انما تقع لمن هم على الشيء فشرع فيه لا من هم به ولم يتصل به العمل فقال في صلاة الخوف لما ذكر العمل الذي يبطلها ما حاصله ان من أحرم بالصلاة وقصد القتال فشرع فيه بطلت صلاته ومن تحرم وقصد إلى العدو لو دهمه دفعه بالقتال لم تبطل قوله فمن هم كذا في رواية بن سيرين عن أبي هريرة عند مسلم وفي رواية الأعرج في التوحيد إذا أراد وأخرجه مسلم من هذا الوجه بلفظ إذا هم وكذا عنده من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة فهما بمعنى واحد ووقع لمسلم أيضا من رواية همام عن أبي هريرة بلفظ إذا تحدث وهو محمول على حديث النفس لتوافق الروايات الأخرى ويحتمل أن يكون على ظاهره ولكن ليس قيدا في كتابة الحسنة بل بمجرد الإرادة تكتب الحسنة نعم ورد ما يدل على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي فعند أحمد وصححه بن حبان والحاكم من حديث خريم بن فاتك رفعه ومن هم بحسنة يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه وحرص عليها وقد تمسك به بن حبان فقال بعد إيراد حديث الباب في صحيحه المراد بالهم هنا العزم ثم قال ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهم بها وان لم يعزم عليها زيادة في الفضل قوله فلم يعملها يتناول نفي عمل الجوارح واما عمل القلب فيحتمل نفيه أيضا ان كانت الحسنة تكتب بمجرد الهم كما في معظم الأحاديث لا ان قيدت بالتصميم كما في حديث خريم ويؤيد الأول حديث أبي ذر عند مسلم أن الكف عن الشر صدقة قوله كتبها الله له أي للذي هم بالحسنة عنده أي عند الله حسنة كاملة كذا ثبت في حديث بن عباس دون حديث أبي هريرة وغيره وصف الحسنة بكونها كاملة وكذا قوله عنده وفيهما نوعان من التأكيد فأما العندية فإشارة إلى الشرف وأما الكمال فإشارة إلى رفع توهم نقصها لكونها نشأت عن الهم المجرد فكأنه قيل بل هي كاملة لا نقص فيها قال النووي أشار بقوله عنده إلى مزيد الاعتناء به وبقوله كاملة إلى تعظيم الحسنة وتأكيد أمرها وعكس ذلك في السيئة فلم يصفها بكاملة بل أكدها بقوله واحدة إشارة إلى تخفيفها مبالغة في الفضل والإحسان ومعنى قوله كتبها الله أمر الحفظة بكتابتها بدليل حديث أبي هريرة الآتي في التوحيد بلفظ إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها وفيه دليل على ان الملك يطلع على ما في قلب الآدمي اما باطلاع الله إياه أو بأن يخلق له علما يدرك به ذلك ويؤيد الأول ما أخرجه بن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني قال ينادى الملك اكتب لفلان كذا وكذا فيقول يا رب انه لم يعمله فيقول انه نواه وقيل بل يجد الملك للهم بالسيئة رائحة خبيثة وبالحسنة رائحة طيبة وأخرج ذلك الطبري عن أبي معشر المدني وجاء مثله عن سفيان بن عيينة ورأيت في شرح مغلطاي أنه ورد مرفوعا قال الطوفي انما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة لأن إرادة الخير سبب إلى العمل وإرادة الخير خير لآن إرادة الخير من عمل القلب واستشكل بأنه إذا كان كذلك فكيف لا تضاعف لعموم قوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأجيب بحمل الآية على عمل الجوارح والحديث على الهم المجرد واستشكل أيضا بأن عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة فكيف لم يعتبر في حصول السيئة وأجيب بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهم بها يكفرها لأنه قد نسخ قصده السيئة وخالف هواه ثم ان ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك سواء كان ذلك لمانع أم لا ويتجه ان يقال يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع فإن كان خارجيا مع بقاء قصد الذي هم بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر ولا سيما ان قارنها ندم على تفويتها واستمرت النية على فعلها عند القدرة وان كان الترك من الذي هم من قبل نفسه فهي دون ذلك الا ان قارنها قصد الاعراض عنها جملة والرغبة عن فعلها ولا سيما ان وقع العمل في عكسها كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلا فصرفه بعينه في معصية فالذي يظهر في الأخير أن لا تكتب له حسنة أصلا وأما ما قبله فعلى الاحتمال واستدل بقوله حسنة كاملة على أنها تكتب حسنة مضاعفة لأن ذلك هو الكمال لكنه مشكل يلزم منه مساواة من نوى الخير بمن فعله في أن كلا منهما يكتب له حسنة وأجيب بأن التضعيف في الآية يقتضي اختصاصه بالعامل لقوله تعالى من جاء بالحسنة والمجيء بها هو العمل وأما الناوي فإنما ورد أنه يكتب له حسنة ومعناه يكتب له مثل ثواب الحسنة والتضعيف قدر زائد على أصل الحسنة والعلم عند الله تعالى قوله فإن هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات يؤخذ منه رفع توهم ان حسنة الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف فتكون الجملة إحدى عشرة على ما هو ظاهر رواية جعفر بن سليمان عند مسلم ولفظه فإن عملها كتبت له عشر أمثالها وكذا في حديث أبي هريرة وفي بعض طرقه احتمال ورواية عبد الوارث في الباب ظاهرة فيما قلته وهو المعتمد قال بن عبد السلام في أماليه معنى الحديث إذا هم بحسنة فإن كتبت له حسنة عملها كملت له عشرة لأنا نأخذ بقيد كونها قد هم بها وكذا السيئة إذا عملها لا تكتب واحدة للهم وأخرى للعمل بل تكتب واحدة فقط قلت الثاني صريح في حديث هذا الباب وهو مقتضى كونها في جميع الطرق لا تكتب بمجرد الهم وأما حسنة الهم بالحسنة فالاحتمال قائم وقوله بقيد كونها قد هم بها يعكر عليه من عمل حسنة بغتة من غير أن يسبق له أنه هم بها فإن قضية كلامه أنه يكتب له تسعة وهو خلاف ظاهر الآية من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فإنه يتناول من هم بها ومن لم يهم والتحقيق أن حسنة من هم بها تندرج في العمل في عشرة العمل لكن تكون حسنة من هم بها أعظم قدرا ممن لم يهم بها والعلم عند الله تعالى قوله إلى سبعمائه ضعف الضعف في اللغة المثل والتحقيق أنه اسم يقع على العدد بشرط ان يكون معه عدد آخر فإذا قيل ضعف العشرة فهم أن المراد عشرون ومن ذلك لو أقر بأن له عندي ضعف درهم لزمه درهمان أو ضعفي درهم لزمه ثلاثة قوله إلى أضعاف كثيرة لم يقع في شيء من طرق حديث أبي هريرة إلى أضعاف كثيرة الا في حديثه الماضي في الصيام فان في بعض طرقه عند مسلم إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله وله من حديث أبي ذر رفعه يقول الله من عمل حسنة فله عشر أمثالها وازيد وهو بفتح الهمزة وكسر الزاي وهذا يدل على أن تضعيف حسنة العمل إلى عشرة مجزوم به وما زاد عليها جائز وقوعه بحسب الزيادة في الإخلاص وصدق العزم وحضور القلب وتعدى النفع كالصدقة الجارية والعلم النافع والسنة الحسنة وشرف العمل ونحو ذلك وقد قيل ان العمل الذي يضاعف إلى سبعمائة خاص بالنفقة في سبيل الله وتمسك قائله بما في حديث خريم بن فاتك المشار إليه قريبا رفعه من هم بحسنة فلم يعملها فذكر الحديث وفيه ومن عمل حسنة كانت له بعشر أمثالها ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت له بسبعمائة ضعف وتعقب بأنه صريح في أن النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة وليس فيه نفى ذلك عن غيرها صريحا ويدل على التعميم حديث أبي هريرة الماضي في الصيام كل عمل بن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف الحديث واختلف في قوله تعالى والله يضاعف لمن يشاء هل المراد المضاعفة إلى سبعمائة فقط أو زيادة على ذلك فالأول هو المحقق من سياق الآية والثاني محتمل ويؤيد الجواز سعة الفضل قوله ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة المراد بالكمال عظم القدر كما تقدم لا التضعيف إلى العشرة ولم يقع التقييد بكامله في طرق حديث أبي هريرة وظاهر الإطلاق كتابة الحسنة بمجرد الترك لكنه قيده في حديث الأعرج عن أبي هريرة كما سيأتي في كتاب التوحيد ولفظه إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها له بمثلها وان تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن لم يقع عنده من أجلي ووقع عنده من طريق همام عن أبي هريرة وان تركها فاكتبوها له حسنة انما تركها من جراي بفتح الجيم وتشديد الراء بعد الالف ياء المتكلم وهي بمعنى من اجلي ونقل عياض عن بعض العلماء انه حمل حديث بن عباس على عمومه ثم صوب حمل مطلقه على ما قيد في حديث أبي هريرة قلت ويحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير استحضار ما قيد به دون حسنة الآخر لما تقدم أن ترك المعصية كف عن الشر والكف عن الشر خير ويحتمل أيضا أن يكتب لمن هم بالمعصية ثم تركها حسنة مجردة فان تركها من مخافة ربه سبحانه كتبت حسنة مضاعفة وقال الخطابي محل كتابة الحسنة على الترك ان يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه لان الإنسان لا يسمى تاركا الا مع القدرة ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلا فيجد الباب مغلقا ويتعسر فتحه ومثله من تمكن من الزنا مثلا فلم ينتشر أو طرقه ما يخاف من اذاه عاجلا ووقع في حديث أبي كبشة الأنماري ما قد يعارض ظاهر حديث الباب وهو ما أخرجه أحمد وبن ماجة والترمذي وصححه بلفظ انما الدنيا لأربعة فذكر الحديث وفيه وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يعمل في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يرى لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل ورجل لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهما في الوزر سواء فقيل الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين فتحمل الحالة الأولى على من هم بالمعصية هما مجردا من غير تصميم والحالة الثانية على من صمم على ذلك وأصر عليه وهو موافق لما ذهب إليه الباقلاني وغيره قال المازري ذهب بن الباقلاني يعني ومن تبعه إلى أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن عليها نفسه أنه يأثم وحمل الأحاديث الواردة في العفو عمن هم بسيئة ولم يعملها على الخاطر الذي يمر بالقلب ولا يستقر قال المازري وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ونقل ذلك عن نص الشافعي ويؤيده قوله في حديث أبي هريرة فيما أخرجه مسلم من طريق همام عنه بلفظ فأنا اغفرها له ما لم يعملها فإن الظاهر أن المراد بالعمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم به وتعقبه عياض بأن عامة السلف وأهل العلم على ما قال بن الباقلاني لا تفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب لكنهم قالوا ان العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة لا السيئة التي هم أن يعملها كمن يأمر بتحصيل معصية ثم لا يفعلها بعد حصولها فإنه يأثم بالأمر المذكور لا بالمعصية ومما يدل على ذلك حديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل هذا القاتل فما بال المقتول قال انه كان حريصا على قتل صاحبه وسيأتي سياقه وشرحه في كتاب الفتن والذي يظهر أنه من هذا الجنس وهو أنه يعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقه ولا يعاقب عقاب من باشر القتل حسا وهنا قسم آخر وهو من فعل المعصية ولم يتب منها ثم هم أن يعود إليها فإنه يعاقب على الاصرار كما جزم به بن المبارك وغيره في تفسير قوله تعالى ولم يصروا على ما فعلوا ويؤيده أن الاصرار معصية اتفاقا فمن عزم على المعصية وصمم عليها كتبت عليه سيئة فإذا عملها كتبت عليه معصية ثانية قال النووي وهذا ظاهر حسن لا مزيد عليه وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر كقوله تعالى ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة الآية وقوله اجتنبوا كثيرا من الظن وغير ذلك وقال بن الجوزي إذا حدث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ فإن عزم وصمم زاد على حديث النفس وهو من عمل القلب قال والدليل على التفريق بين الهم والعزم ان من كان في الصلاة فوقع في خاطره ان يقطعها لم تنقطع فإن صمم على قطعها بطلت وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة إذا لم يعمل المقصود للفرق بين ما هو بالقصد وما هو بالوسيلة وقسم بعضهم ما يقع في النفس اقساما يظهر منها الجواب عن الثاني اضعفها ان يخطر له ثم يذهب في الحال وهذا من الوسوسة وهو معفو عنه وهو دون التردد وفوقه ان يتردد فيه فيهم به ثم ينفر عنه فيتركه ثم يهم به ثم يترك كذلك ولا يستمر على قصده وهذا هو التردد فيعفى عنه أيضا وفوقه ان يميل إليه ولا ينفر عنه لكن لا يصمم على فعله وهذا هو الهم فيعفى عنه أيضا وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر منه بل يصمم على فعله فهذا هو العزم وهو منتهى الهم وهو على قسمين القسم الأول أن يكون من أعمال القلوب صرفا كالشك في الوحدانية أو النبوة أو البعث فهذا كفر ويعاقب عليه جزما ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر كمن يحب ما يبغض الله ويبغض ما يحبه الله ويحب للمسلم الأذى بغير موجب لذلك فهذا يأثم ويلتحق به الكبر والعجب والبغي والمكر والحسد وفي بعض هذا خلاف فعن الحسن البصري أن سوء الظن بالمسلم وحسده معفو عنه وحملوه على ما يقع في النفس مما لا يقدر على دفعه لكن من يقع له ذلك مأمور بمجاهدته النفس على تركه والقسم الثاني أن يكون من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة فهو الذي وقع فيه النزاع فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلا ونقل عن نص الشافعي ويؤيده ما وقع في حديث خريم بن فاتك المنبه عليه قبل فإنه حيث ذكر الهم بالحسنة قال علم الله أنه اشعرها قلبه وحرص عليها وحيث ذكر الهم بالسيئة لم يقيد بشيء بل قال فيه ومن هم بسيئة لم تكتب عليه والمقام مقام الفضل فلا يليق التحجير فيه وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم وسأل بن المبارك سفيان الثوري أيؤاخذ العبد بما يهم به قال إذا جزم بذلك واستدل كثير منهم بقوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم وحملوا حديث أبي هريرة الصحيح المرفوع ان الله تجاوز لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم على الخطرات كما تقدم ثم افترق هؤلاء فقالت طائفة يعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصة بنحو الهم والغم وقالت طائفة بل يعاقب عليه يوم القيامة لكن بالعتاب لا بالعذاب وهذا قول بن جريج والربيع بن أنس وطائفة ونسب ذلك إلى بن عباس أيضا واستدلوا بحديث النجوى الماضي شرحه في باب ستر المؤمن على نفسه من كتاب الأدب واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهم بالمعصية ما يقع في الحرم المكي ولو لم يصمم لقوله تعالى ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب اليم ذكره السدى في تفسيره عن مرة عن بن مسعود وأخرجه أحمد من طريقه مرفوعا ومنهم من رجحه موقوفا ويؤيد ذلك أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه فمن هم بالمعصية فيه خالف الواجب بانتهاك حرمته وتعقب هذا البحث بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم ومع ذلك فمن هم بمعصيته لا يؤاخذه فكيف يؤاخذ بما دونه ويمكن أن يجاب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة الله لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله فصارت المعصية في الحرم أشد من المعصية في غيره وان اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى نعم من هم بالمعصية قاصدا الاستخفاف بالحرم وعصى ومن هم بمعصية الله قاصدا الاستخفاف بالله كفر وانما المعفو عنه من هم بمعصية ذاهلا عن قصد الاستخفاف وهذا تفصيل جيد ينبغي ان يستحضر عند شرح حديث لا يزني الزاني وهو مؤمن وقال السبكي الكبير الهاجس لا يؤاخذ به إجماعا والخاطر وهو جريان ذلك الهاجس وحديث النفس لا يؤاخذ بهما للحديث المشار إليه والهم وهو قصد فعل المعصية مع التردد لا يؤاخذ به لحديث الباب والعزم وهو قوة ذلك القصد أو الجزم به ورفع التردد قال المحققون يؤاخذ به وقال بعضهم لا واحتج بقول أهل اللغة هم بالشيء عزم عليه وهذا لا يكفي قال ومن أدلة الأول حديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما الحديث وفيه أنه كان حريصا على قتل صاحبه فعلل بالحرص واحتج بعضهم بأعمال القلوب ولا حجة معه لأنها على قسمين أحدهما لا يتعلق بفعل خارجي وليس البحث فيه والثاني يتعلق بالملتقيين عزم كل منهما على قتل صاحبه واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه وهو شهر السلاح واشارته به إلى الاخر فهذا الفعل يؤاخذ به سواء حصل القتل أم لا انتهى ولا يلزم من قوله فالقاتل والمقتول في النار أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق قوله فان هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة في رواية الأعرج فاكتبوها له بمثلها وزاد مسلم في حديث أبي ذر فجزاؤه بمثلها أو اغفر وله في آخر حديث أبن عباس أو يمحوها والمعنى أن الله يمحوها بالفضل أو بالتوبة أو بالاستغفار أو بعمل الحسنة التي تكفر السيئة والأول اشبه لظاهر حديث أبي ذر وفيه رد لقول من ادعى أن الكبائر لا تغفر الا بالتوبة ويستفاد من التأكيد بقوله واحدة ان السيئة لا تضاعف كما تضاعف الحسنة وهو على وفق قوله تعالى فلا يجزى الا مثلها قال بن عبد السلام في أماليه فائدة التأكيد دفع توهم من يظن أنه إذا عمل السيئة كتبت عليه سيئة العمل وأضيفت إليها سيئة الهم وليس كذلك انما يكتب عليه سيئة واحدة وقد استثنى بعض العلماء وقوع المعصية في الحرم المكي قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد هل ورد في شيء من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من واحدة قال لا ما سمعت الا بمكة لتعظيم البلد والجمهور على التعميم في الأزمنة والامكنة لكن قد يتفاوت بالعظم ولا يرد على ذلك قوله تعالى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين لأن ذلك ورد تعظيما لحق النبي صلى الله عليه وسلم لان وقوع ذلك من نسائه يقتضي أمرا زائدا على الفاحشة وهو أذى النبي صلى الله عليه وسلم وزاد مسلم بعد قوله أو يمحوها ولا يهلك على الله الا هالك أي من أصر على التجرى على السيئة عزما وقولا وفعلا وأعرض عن الحسنات هما وقولا وفعلا قال بن بطال في هذا الحديث بيان فضل الله العظيم على هذه الأمة لأنه لولا ذلك كاد لا يدخل أحد الجنة لأن عمل العباد للسيئات أكثر من عملهم الحسنات ويؤيد ما دل عليه حديث الباب من الاثابة على الهم بالحسنة وعدم المؤاخذة على الهم بالسيئة قوله تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت إذ ذكر في السوء الافتعال الذي يدل على المعالجة والتكلف فيه بخلاف الحسنة وفيه ما يترتب للعبد على هجران لذته وترك شهوته من أجل ربة رغبة في ثوابه ورهبة من عقابه واستدل به على أن الحفظة لا تكتب المباح للتقييد بالحسنات والسيئات وأجاب بعض الشراح بأن بعض الأئمة عد المباح من الحسن وتعقب بأن الكلام فيما يترتب على فعله حسنة وليس المباح ولو سمى حسنا كذلك نعم قد يكتب حسنة بالنية وليس البحث فيه وقد تقدم في باب حفظ اللسان قريبا شيء من ذلك وفيه أن الله سبحانه وتعالى بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة والفضل في الحسنة فضاعف الحسنة ولم يضاعف السيئة بل أضاف فيها إلى العدل الفضل فأدارها بين العقوبة والعفو بقوله كتبت له واحدة أو يمحوها وبقوله فجزاؤه بمثلها أو اغفر وفي هذا الحديث رد على الكعبي في زعمه أن ليس في الشرع مباح بل الفاعل اما عاص واما مثاب فمن اشتغل عن المعصية بشيء فهو مثاب وتعقبوه بما تقدم أن الذي يثاب على ترك المعصية هو الذي يقصد بتركها رضا الله كما تقدمت الإشارة إليه وحكى بن التين انه يلزمه أن الزاني مثلا مثاب لاشتغاله بالزنا عن معصية أخرى ولا يخفى ما فيه
1 ( قوله باب ما يتقى من محقرات الذنوب ) التعبير بالمحقرات وقع في حديث سهل بن سعد رفعه إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم وان محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه أخرجه أحمد بسند حسن ونحوه عند أحمد والطبراني من حديث بن مسعود وعند النسائي وبن ماجة عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا وصححه بن حبان 6127 قوله مهدي هو بن ميمون وغيلان بمعجمة ثم تحتانية وزن عجلان هو بن جامع والسند كله بصريون قوله هي ادق أفعل تفضيل من الدقة بكسر الدال إشارة إلى تحقيرها وتهوينها وتستعمل في تدقيق النظر في العمل والإمعان فيه أي تعملون اعمالا تحسبونها هينة وهي عظيمة أو تؤول إلى العظم قوله ان كنا لنعدها كذا للأكثر بلام التأكيد وفي رواية أبي ذر عن السرخسي والمستملي بحذفها وبحذف الضمير أيضا ولفظهما ان كنا نعد وله عن الكشميهني ان كنا نعدها وان مخففة من الثقيلة وهي للتأكيد قوله من الموبقات بموحدة وقاف وسقط لفظ من للسرخسي والمستملي أيضا قوله قال أبو عبد الله هو المصنف يعني بذلك المهلكات أي الموبقة هي المهلكة ووقع للإسماعيلي من طريق إبراهيم بن الحجاج عن مهدي كنا نعدها ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر وكأنه ذكره بالمعنى وقال بن بطال المحقرات إذا كثرت صارت كبارا مع الاصرار وقد اخرج أسد بن موسى في الزهد عن أبي أيوب الأنصاري قال ان الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها وينسى المحقرات فيلقى الله وقد احاطت به وان الرجل ليعمل السيئة فلا يزال منها مشفقا حتى يلقى الله آمنا 1 ( قوله باب الأعمال بالخواتيم ) وما يخاف منها ذكر فيه حديث سهل بن سعد في قصة الذي قتل نفسه وفي آخره وانما الأعمال بالخواتيم وتقدم شرح القصة في غزوة خيبر من كتاب المغازى ويأتي شرح آخره في كتاب القدر إن شاء الله تعالى حديث سهل بن سعد في قصة الذي قتل نفسه وفي آخره وإنما الأعمال بالخواتيم وتقدم شرح القصة في غزوة خيبر من كتاب المغازي ويأتي شرح آخره في كتاب القدر ان شاء الله تعالى وقوله 6128 غناء بفتح المعجمة بعدها نون ممدود أي كفاية وأغنى فلان عن فلان ناب عنه وجرى مجراه وذبابة السيف حده وطرفه قال بن بطال في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف لأنه لو علم وكان ناجيا اعجب وكسل وان كان هالكا ازداد عتوا فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء وقد روى الطبري عن حفص بن حميد قال قلت لابن المبارك رأيت رجلا قتل رجلا ظلما فقلت في نفسي انا أفضل من هذا فقال امنك على نفسك أشد من ذنبه قال الطبري لأنه لا يدري ما يؤول إليه الأمر لعل القاتل يتوب فتقبل توبته ولعل الذي انكر عليه يختم له بخاتمة السوء 1 ( قوله باب العزلة راحة للمؤمن من خلاط السوء )
لفظ هذه الترجمة أثر أخرجه بن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن عمر أنه قاله لكن في سنده انقطاع وخلاط بضم المعجمة وتشديد اللام للأكثر وهو جمع مستغرب وذكره الكرماني بلفظ خلط بغير الف وهو بضمتين مخففا كذا ذكره الصغاني في العباب قال الخطابي جمع خليط والخليط يطلق على الواحد كقول الشاعر بان الخليط ولو طوعت ما بانا وعلى الجمع كقوله ان الخليط اجدوا البين يوم نأوا ويجمع أيضا على خلط بضمتين مخففا قال الشاعر ضربا يفرق بين الجيرة الخلط قال والخلاط بالكسر والتخفيف المخالطة قلت فلعله الذي وقع في هذه الترجمة ووقع عند الإسماعيلي خلطاء بدل خلاط وأخرجه الخطابي في كتاب العزلة بلفظ خليط وقال بن المبارك في كتاب الرقائق عن شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم قال قال عمر خذوا حظكم من العزلة وما أحسن قول الجنيد نفع الله ببركته مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة وقال الخطابي لو لم يكن في العزلة الا السلامة من الغيبة ومن رؤية المنكر الذي لا يقدر على إزالته لكان ذلك خيرا كثيرا وفي معنى الترجمة ما أخرجه الحاكم من حديث أبي ذر مرفوعا بلفظ الوحدة خير من جليس السوء وسنده حسن لكن المحفوظ أنه موقوف عن أبي ذر أو عن أبي الدرداء وأخرجه بن أبي عاصم ثم ذكر في الباب حديثين الأول 6129 قوله وقال محمد بن يوسف هو الفريابي وقرنه هنا برواية أبي اليمان وأفردها في الجهاد فساقه على لفظه هناك وقد وصله مسلم عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن محمد بن يوسف قوله جاء أعرابي تقدم في أوائل الجهاد أني لم اقف على اسمه وأن أبا ذر سأل عن ذلك لكن لا يحسن ان يقال في حقه أعرابي قوله أي الناس خير تقدم في الجهاد بلفظ أفضل وسأذكر له ألفاظا أخرى قوله قال رجل جاهد هذا لاينافي جوابه الاخر الماضي في الإيمان من سلم الناس من لسانه ويده ولا غير ذلك من الأجوبة المختلفة لأن الاختلاف في ذلك بحسب اختلاف الأشخاص والاحوال والأوقات كما تقدم تقريره وقد تقدم شرح هذا الحديث في الجهاد قوله ورجل في شعب من الشعاب الخ هو محمول على من لا يقدر على الجهاد فيستحب في حقه العزلة ليسلم ويسلم غيره منه والذي يظهر انه محمول على ما بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم وقوله يعبد ربه زاد مسلم من وجه اخر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة حتى يأتيه اليقين ليس من الناس الا في خير وللنسائي من حديث بن عباس رفعه الا أخبركم بخير الناس رجل ممسك بعنان فرسه الحديث وفيه الا أخبركم بالذي يتلوه رجل معتزل في غنيمة يؤدي حق الله فيها وأخرجه الترمذي واللفظ له وقال حسن وقوله هنا تابعه النعمان هو بن راشد الجزري ومتابعته وصلها أحمد عن وهب بن جرير حدثنا أبي سمعت النعمان بن راشد به قوله والزبيدي هو محمد بن الوليد الشامي وطريقه وصلها مسلم أيضا من رواية يحيى بن حمزة عنه قوله وسليمان بن كثير هو العبدي وطريقه وصلها أبو داود عن أبي الوليد الطيالسي عنه بلفظ سئل أي المؤمنين أكمل ايمانا قوله وقال معمر عن الزهري عن عطاء أو عبيد الله هو بن عبد الله بن عتبة كذا بالشك وكذا أخرجه أحمد عن عبد الرزاق وقال في سياقه معمر يشك وقد أخرجه مسلم عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر فقال عن عطاء بغير شك وكذا وقع لنا بعلو في مسند عبد بن حميد ولم يشك قوله وقال يونس هو بن يزيد الأيلي وطريقه وصلها الذهلي في الزهريات وأخرجه بن وهب في جامعه عن يونس قوله وبن مسافر هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر وطريقه وصلها الذهلي في الزهريات من طريق الليث بن سعد عنه قوله ويحيى بن سعيد هو الأنصاري وطريقه وصلها الذهلي أيضا من طريق سليمان بن بلال عنه قوله عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذا لا يخالف الرواية الأولى لان الذي حفظ اسم الصحابي مقدم على من ابهمه وقد بينت لفظ معمر ولفظ الزبيدي في كتاب الجهاد الحديث الثاني
6130 قوله حدثنا الماجشون بكسر الجيم وبالشين المعجمة هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة وقد تقدم في علامات النبوة عن أبي نعيم أيضا ولكن قال فيه حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة بن الماجشون فنسبه إلى جده ولا مغايرة بين قوله الماجشون وبن الماجشون فإن كلا من عبد الله وأولاده يقال له الماجشون قوله عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة وقد روى مالك عنه هذا الحديث وجود نسبه وبينت ذلك في كتاب الإيمان في باب من الدين الفرار من الفتن قوله عن أبيه في رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبد الرحمن هذا أنه سمع أباه أخرجه أحمد والإسماعيلي قوله يأتي على الناس زمان خير مال المسلم الغنم كذا أورده هنا وفي الكلام حذف تقديره يكون فيه وتقدم في علامات النبوة عن أبي نعيم بهذا الإسناد بلفظ يأتي على الناس زمان يكون الغنم فيه خير مال المسلم ووقع في رواية مالك يوشك أن يكون خير مال المسلم الخ وتقدم إيضاحه ولفظه هنا صريح في أن المراد بخيرية العزلة أن تقع في آخر الزمان وأما زمنه صلى الله عليه وسلم فكان الجهاد فيه مطلوبا حتى كان يجب على الأعيان إذا خرج الرسول صلى الله عليه وسلم غازيا ان يخرج معه الا من كان معذورا وأما من بعده فيختلف ذلك باختلاف الأحوال وسيأتي مزيد بيان لذلك في كتاب الفتن ان شاء الله تعالى والشعب بكسر أوله الطريق في الجبل أو الموضع فيه وشعف بفتح المعجمة ثم المهملة ثم فاء رأس الجبل وذكر الخطابي في كتاب العزلة ان العزلة والاختلاط يختلف باختلاف متعلقاتهما فتحمل الأدلة الواردة في الحض على الاجتماع على ما يتعلق بطاعة الأئمة وأمور الدين وعكسها في عكسه وأما الاجتماع والافتراق بالأبدان فمن عرف الاكتفاء بنفسه في حق معاشه ومحافظة دينه فالأولى له الانكفاف عن مخالطة الناس بشرط ان يحافظ على الجماعة والسلام والرد وحقوق المسلمين من العيادة وشهود الجنازة ونحو ذلك والمطلوب انما هو ترك فضول الصحبة لما في ذلك من شغل البال وتضييع الوقت عن المهمات ويجعل الاجتماع بمنزلة الاحتياج إلى الغداء والعشاء فيقتصر منه على ما لا بد له منه فهو أروح للبدن والقلب والله اعلم وقال القشيري في الرسالة طريق من آثر العزلة أن يعتقد سلامة الناس من شره لا العكس فان الأول ينتجه استصغاره نفسه وهي صفة المتواضع والثاني شهوده مزية له على غيره وهذه صفة المتكبر 1 ( قوله باب رفع الأمانة ) هي ضد الخيانة والمراد برفعها اذهابها بحيث يكون الأمين معدوما أو شبه المعدوم وذكر فيه 1 ( ثلاثة أحاديث الحديث الأول )
6131 قوله حدثنا محمد بن سنان بكسر المهملة ونونين وقد تقدم في أول كتاب العلم بهذا الإسناد مقرونا برواية محمد بن فليح عن أبيه وساقه هناك على لفظه وفيه قصة الأعرابي الذي سأل عن قيام الساعة قوله إذا ضيعت الأمانة هذا جواب الأعرابي الذي سأل عن قيام الساعة وهو القائل كيف اضاعتها قوله إذا اسند قال الكرماني أجاب عن كيفية الاضاعة بما يدل على الزمان لأنه يتضمن الجواب لأنه يلزم منه بيان ان كيفيتها هي الإسناد المذكور وقد تقدم هناك بلفظ وسد مع شرحه والمراد من الأمر جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والامارة والقضاء والافتاء وغير ذلك وقوله إلى غير أهله قال الكرماني اتى بكلمة إلى بدل اللام ليدل على تضمين معنى الإسناد قوله فانتظر الساعة الفاء للتفريع أو جواب شرط محذوف أي إذا كان الأمر كذلك فانتظر قال بن بطال معنى اسند الأمر إلى غير أهله ان الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم فينبغي لهم تولية أهل الدين فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها الحديث الثاني حديث حذيفة في ذكر الأمانة وفي ذكر رفعها وسيأتي بسنده ومتنه في كتاب الفتن ويشرح هناك ان شاء الله تعالى والجذر بفتح الجيم وكسرها الأصل في كل شيء والوكت بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مثناة أثر النار ونحوه والمجل بفتح الميم وسكون الجيم بعدها لام هو أثر العمل في الكف والمنتبر بنون ثم مثناة مفتوحة ثم موحدة مكسورة وهو المتنفط
6132 قوله ولا يكاد أحدهم في رواية الكشميهني أحد بغير ضمير قوله من ايمان قد يفهم منه أن المراد بالأمانة في الحديث الإيمان وليس كذلك بل ذكر ذلك لكونها لازمة الإيمان قوله بايعت قال الخطابي تأوله بعض الناس على بيعة الخلافة وهذا خطأ وكيف يكون وهو يقول ان كان نصرانيا رده على ساعيه فهل يبايع النصراني على الخلافة وانما أراد مبايعة البيع والشراء قوله رده على الإسلام في رواية المستملي بالإسلام بزيادة موحدة قوله نصرانيا رده على ساعيه أي واليه الذي أقيم عليه لينصف منه وأكثر ما يستعمل الساعي في ولاة الصدقة ويحتمل أن يراد به هنا الذي يتولى قبض الجزية قوله الا فلانا وفلانا يحتمل ان يكون ذكره بهذا اللفظ ويحتمل أن يكون سمى اثنين من المشهورين بالأمانة إذ ذاك فأبهمهما الراوي والمعنى لست اثق بأحد آتمنه على بيع ولا شراء الا فلانا وفلانا قوله قال الفربري ثبت ذلك في رواية المستملي وحده وأبو جعفر الذي روى عنه هنا هو محمد بن أبي حاتم البخاري وراق البخاري أي ناسخ كتبه وقوله حدثت أبا عبد الله يريد البخاري وحذف ما حدثه به لعدم احتياجه له حينئذ وقوله فقال سمعت القائل هو البخاري وشيخه أحمد بن عاصم هو البلخي وليس له في البخاري الا هذا الموضع واخرج عنه البخاري في الأدب المفرد قوله سمعت أبا عبيد هو القاسم بن سلام المشهور صاحب كتاب غريب الحديث وغيره من التصانيف وليس له في البخاري الا هذا الموضع وكذا الأصمعي وأبو عمرو وقوله قال الأصمعي هو عبد الملك بن قريب وأبو عمرو هو بن العلاء قوله وغيرهما ذكره الإسماعيلي عن سفيان الثوري بعد أن اخرج الحديث من طريق عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان الثوري ثم قال في اخره قال سفيان الجذر الأصل قوله الجذر الأصل من كل شيء اتفقوا على التفسير ولكن عند أبي عمرو ان الجذر بكسر الجيم وعند الأصمعي بفتحها قوله والوكت اثر الشيء اليسير منه هذا من كلام أبي عبيد أيضا وهو أخص مما تقدم لتقييده باليسير الحديث الثالث حديث بن عمر وسنده معدود في أصح الأسانيد قوله انما الناس كالابل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة في رواية مسلم من طريق معمر عن الزهري تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة فعلى أن الرواية بغير الف ولام وبغير تكاد فالمعنى لا تجد في مائة ابل راحلة تصلح للركوب لان الذي يصلح للركوب ينبغي ان يكون وطيئا سهل الانقياد وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه ويلين جانبه والرواية بإثبات لا تكاد أولى لما فيها من زيادة المعنى ومطابقة الواقع وان كان معنى الأول يرجع إلى ذلك ويحمل النفي المطلق على المبالغة وعلى ان النادر لا حكم له وقال الخطابي العرب تقول للمائة من الإبل ابل يقولون لفلان ابل أي مائة بعير ولفلان ابلان أي مائتان قلت فعلى هذا فالرواية التي بغير الف ولام يكون قوله مائة تفسيرا لقوله ابل لأن قوله كإبل أي كمائة بعير ولما كان مجرد لفظ ابل ليس مشهور الاستعمال في المائة ذكر المائة توضحيا ورفعا للالباس وأما على رواية البخاري فاللام للجنس وقال الراغب الإبل اسم مائة بعير فقوله كالابل المائة المراد به عشرة آلاف لأن التقدير كالمائة المائة انتهى والذي يظهر على تسليم قوله لا يلزم ما قال ان المراد عشرة آلاف بل المائة الثانية للتأكيد قال الخطابي تأولوا هذا الحديث على وجهين أحدهما ان الناس في أحكام الدين سواء لافضل فيها لشريف على مشروف ولا لرفيع على وضيع كالابل المائة التي لا يكون فيها راحلة وهي التي ترحل لتركب والراحلة فاعلة بمعنى مفعولة أي كلها حمولة تصلح للحمل ولا تصلح للرحل والركوب عليها والثاني أن أكثر الناس أهل نقص وأما أهل الفضل فعددهم قليل جدا فهم بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة ومنه قوله تعالى ولكن أكثر الناس لا يعلمون قلت وأورد البيهقي هذا الحديث في كتاب القضاء في تسوية القاضي بين الخصمين اخذا بالتأويل الأول ونقل عن بن قتيبة ان الراحلة هي النجيبة المختارة من الإبل للركوب فإذا كانت في ابل عرفت ومعنى الحديث ان الناس في النسب كالابل المائة التي لا راحلة فيها فهي مستوية وقال الأزهري الراحلة عند العرب الذكر النجيب والأنثى النجيبة والهاء في الراحلة للمبالغة قال وقول بن قتيبة غلط والمعنى ان الزاهد في الدنيا الكامل فيه الراغب في الآخرة قليل كقلة الراحلة في الإبل وقال النووي هذا أجود وأجود منهما قول آخرين ان المرضى الأحوال من الناس الكامل الأوصاف قليل قلت هو الثاني الا انه خصصه بالزاهد والأولى تعميمه كما قال الشيخ وقال القرطبي الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل اثقال الناس والحمالات عنهم ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة وقال بن بطال معنى الحديث أن الناس كثير والمرضى منهم قليل والى هذا المعنى أومأ البخاري بإدخاله في باب رفع الأمانة لان من كانت هذه صفته فالاختيار عدم معاشرته وأشار بن بطال إلى ان المراد بالناس في الحديث من يأتي بعد القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم حيث يصيرون يخونون ولا يؤتمنون ونقل الكرماني هذا عن مغلطاي ظنا منه أنه كلامه لكونه لم يعزه فقال لا حاجة إلى هذا التخصيص لاحتمال أن يراد أن المؤمنين قليل بالنسبة للكفار والله اعلم
1 ( قوله باب الرياء والسمعة ) الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر وقال الغزالي المعنى طلب المنزلة في قلوب الناس بأن يريهم الخصال المحمودة والمرائي هو العامل وقال بن عبد السلام الرياء ان يعمل لغير الله والسمعة أن يخفي عمله لله ثم يحدث به الناس
6134 قوله يحيى هو بن سعيد القطان وسفيان في الطريقين هو الثوري والسند الثاني أعلى من الأول ولم يكتف به مع علوه لان في الرواية الأولى مزايا وهي جلالة القطان وما وقع في سياقه من تصريح سفيان بالتحديث ونسبة سلمة شيخ الثوري وهو سلمة بن كهيل بالتصغير بن حصين الحضرمي والسند الثاني كله كوفيون قوله ولم اسمع أحدا يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم غيره وثبت كذلك عند مسلم في رواية وقائل ذلك هو سلمة بن كهيل ومراده أنه لم يسمع من أحد من الصحابة حديثا مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا من جندب وهو بن عبد الله البجلي الصحابي المشهور وهو من صغار الصحابة وقال الكرماني مراده لم يبق من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ غيره في ذلك المكان قلت احترز بقوله في ذلك المكان عمن كان من الصحابة موجودا إذ ذاك بغير المكان الذي كان فيه جندب وليس كذلك فإن جندبا كان بالكوفة إلى أن مات وكان بها في حياة جندب أبو جحيفة السوائي وكانت وفاته بعد جندب بست سنين وعبد الله بن أبي أوفى وكانت وفاته بعد جندب بعشرين سنة وقد روى سلمة عن كل منهما فتعين ان يكون مراده انه لم يسمع منهما ولا من أحدهما ولا من غيرهما ممن كان موجودا من الصحابة بغير الكوفة بعد ان سمع من جندب الحديث المذكور عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا قوله من سمع بفتح المهملة والميم الثقيلة والثانية مثلها وقوله ومن يرائي بضم التحتية والمد وكسر الهمزة والثانية مثلها وقد ثبتت الياء في آخر كل منهما اما الأولى فللإشباع وأما الثانية فكذلك أو التقدير فإنه يرائي به الله ووقع في رواية وكيع عن سفيان عند مسلم من يسمع يسمع الله به ومن يرائي يرائي الله به ولابن المبارك في الزهد من حديث بن مسعود من سمع سمع الله به ومن راأى رأى الله به ومن تطاول تعاظما خفضه الله ومن تواضع تخشعا رفعه الله وفي حديث بن عباس عند بياض في الأصل من سمع سمع الله به ومن رأى رأى الله به ووقع عند الطبراني من طريق محمد بن جحادة عن سلمة بن كهيل عن جابر في آخر هذا الحديث ومن كان ذا لسانين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة قال الخطابي معناه من عمل عملا على غير اخلاص وانما يريد ان يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه وقيل من قصد بعمله الجاه والمنزلة عندالناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم ولا ثواب له في الآخرة ومعنى يرائي يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه ومنه قوله تعالى من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم اعمالهم فيها إلى قوله ما كانوا يعملون وقيل المراد من قصد بعمله ان يسمعه الناس ويروه ليعظموه وتعلو منزلته عندهم حصل له ما قصد وكان ذلك جزاءه على عمله ولا يثاب عليه في الآخرة وقيل المعنى من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه وسمعه المكروه وقيل المعنى من نسب إلى نفسه عملا صالحا لم يفعله وادعى خيرا لم يصنعه فإن الله يفضحه ويظهر كذبه وقيل المعنى من يرائي الناس بعمله أراه الله ثواب ذلك العمل وحرمه إياه وقيل معنى سمع الله به شهره أو ملأ اسماع الناس بسوء الثناء عليه في الدنيا أو في القيامة بما ينطوي عليه من خبث السريرة قلت ورد في عدة أحاديث التصريح بوقوع ذلك في الآخرة فهو المعتمد فعند أحمد والدارمي من حديث أبي هند الداري رفعه من قام مقام رياء وسمعه رأى الله به يوم القيامة وسمع به وللطبراني من حديث عوف بن مالك نحوه وله من حديث معاذ مرفوعا ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء الا سمع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة وفي الحديث استحباب اخفاء العمل الصالح لكن قد يستحب اظهاره ممن يقتدى به على ارادته الاقتداء به ويقدر ذلك بقدر الحاجة قال بن عبد السلام يستثنى من استحباب اخفاء العمل من يظهره ليقتدي به أو لينتفع به ككتابة العلم ومنه حديث سهل الماضي في الجمعة لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي قال الطبري كان بن عمر وبن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم ويتظاهرون بمحاسن اعمالهم ليقتدى بهم قال فمن كان إماما يستن بعمله عالما بما لله عليه قاهرا لشيطانه استوى ما ظهر من عمله وما خفي لصحة قصده ومن كان بخلاف ذلك فالاخفاء في حقه أفضل وعلى ذلك جرى عمل السلف فمن الأول حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ ويرفع صوته بالذكر فقال انه اواب قال فإذا هو المقداد بن الأسود أخرجه الطبري ومن الثاني حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قام رجل يصلي فجهر بالقراءة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا تسمعني واسمع ربك أخرجه أحمد وبن أبي خيثمة وسنده حسن
1 ( قوله باب من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل ) يعني بيان فضل من جاهد والمراد بالمجاهدة كف النفس عن ارادتها من الشغل بغير العبادة وبهذا تظهر مناسبة الترجمة لحديث الباب وقال بن بطال جهاد المرء نفسه هو الجهاد الاكمل قال الله تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى الآية ويقع بمنع النفس عن المعاصي وبمنعها من الشبهات وبمنعها من الإكثار من الشهوات المباحة لتتوفر لها في الآخرة قلت ولئلا يعتاد الإكثار فيألفه فيجره إلى الشبهات فلا يأمن ان يقع في الحرام ونقل القشيري عن شيخه أبي على الدقاق من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريق شمة وعن أبي عمرو بن بجيد من كرم عليه دينه هانت عليه نفسه قال القشيري أصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات وحملها على غير هواها وللنفس صفتان انهماك في الشهوات وامتناع عن الطاعات فالمجاهدة تقع بحسب ذلك قال بعض الأئمة جهاد النفس داخل في جهاد العدو فان الأعداء ثلاثة رأسهم الشيطان ثم النفس لأنها تدعو إلى اللذات المفضية بصاحبها إلى الوقوع في الحرام الذي يسخط الرب والشيطان هو المعين لها على ذلك ويزينه لها فمن خالف هوى نفسه قمع شيطانه فمجاهدته نفسه حملها على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه وإذا قوى العبد على ذلك سهل عليه جهاد أعداء الدين فالأول الجهاد الباطن والثاني الجهاد الظاهر وجهاد النفس أربع مراتب حملها على تعلم أمور الدين ثم حملها على العمل بذلك ثم حملها على تعليم من لا يعلم ثم الدعاء إلى توحيد الله وقتال من خالف دينه وجحد نعمه وأقوى المعين على جهاد النفس جهاد الشيطان بدفع ما يلقى إليه من الشبهة والشك ثم تحسين ما نهى عنه من المحرمات ثم ما يفضي الإكثار منه إلى الوقوع في الشبهات وتمام ذلك من المجاهدة أن يكون متيقظا لنفسه في جميع أحواله فإنه متى غفل عن ذلك استهواه شيطانه ونفسه إلى الوقوع في المنهيات وبالله التوفيق
6135 قوله همام هو بن يحيى قوله أنس عن معاذ بن جبل هكذا رواه همام عن قتادة ومقتضاه التصريح بأنه من مسند معاذ وخالفه هشام الدستوائي عن قتادة فقال عن أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ومعاذ رديفه على الرحل يا معاذ وقد تقدم في اواخر كتاب العلم ومقتضاه انه من مسند أنس والمعتمد الأول ويؤيده ان المصنف اتبع رواية هشام رواية سليمان التيمي عن أنس قال ذكر لي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ فدل على أن أنسا لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم واحتمل قوله ذكر على البناء للمجهول أن يكون أنس حمله عن معاذ بواسطة أو بغير واسطة وقد أشرت في شرحه في العلم إلى احتمال ان يكون أنس حمله عن عمرو بن ميمون الاودي عن معاذ أو من عبد الرحمن بن سمرة عن معاذ وهذا كله بناء على أنه حديث واحد وقد رجح لي انهما حديثان وان اتحد مخرجهما عن قتادة عن أنس ومتنهما في كون معاذ ردف النبي صلى الله عليه وسلم للاختلاف فيما وردا فيه وهو أن حديث الباب في حق الله على العباد وحق العباد على الله والماضي فيمن لقى الله لا يشرك به شيئا وكذا رواية أبي عثمان النهدي وأبي رزين وأبي العوام كلهم عن معاذ عند أحمد ورواية عمرو بن ميمون موافقة لرواية حديث الباب ونحوها رواية عبد الرحمن بن سمرة عن معاذ عند النسائي والرواية الأخرى موافقة لرواية هشام التي في العلم وقد أشرت إلى شيء من ذلك في باب اسم الفرس والحمار من كتاب الجهاد وقد جاء عن أنس عن معاذ نحو حديث الباب أخرجه أحمد من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن أنس قال أتينا معاذا فقلنا حدثنا من غرائب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثل حديث همام عن قتادة قوله بينا أنا رديف تقدم بيانه في أواخر كتاب اللباس قبل الأدب ببابين قوله ليس بيني وبينه الا آخرة الرحل بفتح الراء وسكون الحاء المهملة هو للبعير كالسرج للفرس وآخره بالمد وكسر المعجمة بعدها راء هي العود الذي يجعل خلف الراكب يستند إليه وفائدة ذكره المبالغة في شدة قربه ليكون اوقع في نفس سامعه أنه ضبط ما رواه ووقع في رواية مسلم عن هداب بن خالد وهو هدبة شيخ البخاري فيه بسنده هذا مؤخرة بدل آخرة وهي بضم الميم وسكون الهمزة وفتح الخاء ووقع في رواية عمرو بن ميمون عن معاذ كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير وقد تقدم ضبطه في الجهاد ووقع عند أحمد من رواية عبد الرحمن بن غنم عن معاذ ان النبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمار يقال له يعفور رسنه من ليف ويمكن الجمع بأن المراد بآخرة الرحل موضع اخرة الرحل للتصريح هنا بكونه كان على حمار وإلى ذلك أشار النووي ومشى بن الصلاح على انهما قضيتان وكأن مستنده أنه وقع في رواية أبي العوام عند أحمد على جمل أحمر ولكن سنده ضعيف قوله فقال يا معاذ قلت لبيك تقدم بيان ذلك في كتاب الحج قوله رسول الله بالنصب على النداء وحرف النداء محذوف ووقع في العلم بإثباته قوله ثم سار ساعة فيه بيان ان الذي وقع في العلم قال لبيك يا رسول الله وسعديك قال يا معاذ لم يقع النداء الثاني على الفور بل بعد ساعة قوله فقال في رواية الكشميهني ثم قال قوله يا معاذ بن جبل تقدم ضبطه في العلم قوله قال هل تدري وقع في رواية مسلم المشار إليها بعد قوله وسعديك الثانية ثم سار ساعة ثم قال هل تدري وفي رواية موسى بن إسماعيل عن همام الماضية في الاستئذان بعد المرة الأولى ثم قال مثله ثلاثا أي النداء والاجابة وقد تقدم نحوه في العلم وهو لتأكيد الإهتمام بما يخبره به ويبالغ في تفهمه وضبطه قوله هل تدري ما حق الله على عباده الحق كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة ويقال للكلام الصدق حق لان وقوعه متحقق لاتردد فيه وكذا الحق المستحق على الغير إذا كان لا تردد فيه والمراد هنا ما يستحقه الله على عباده مما جعله محتما عليهم قاله بن التيمي في التحرير وقال القرطبي حق الله على العباد هو ما وعدهم به من الثواب والزمهم إياه بخطابه قوله ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي وعطف عليها عدم الشرك لأنه تمام التوحيد والحكمة في عطفه على العبادة أن بعض الكفرة كانوا يدعون أنهم يعبدون الله ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى فاشترط نفي ذلك وتقدم ان الجملة حالية والتقدير يعبدونه في حال عدم الإشراك به قال بن حبان عبادة الله اقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح ولهذا قال في الجواب فما حق العباد إذا فعلوا ذلك فعبر بالفعل ولم يعبر بالقول قوله هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه الضمير لما تقدم من قوله يعبدوه ولا يشركوا به شيئا في رواية مسلم إذا فعلوا ذلك قوله حق العباد على الله ان لا يعذبهم في رواية بن حبان من طريق عمرو بن ميمون ان يغفر لهم ولا يعذبهم وفي رواية أبي عثمان يدخلهم الجنة وفي رواية أبي العوام مثله وزاد ويغفر لهم وفي رواية عبد الرحمن بن غنم ان يدخلهم الجنة قال القرطبي حق العباد على الله ما وعدهم به من الثواب والجزاء فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق وقوله الحق الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر ولا الخلف في الوعد فالله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بحكم الأمر إذ لا آمر فوقه ولا حكم للعقل لأنه كاشف لا موجب انتهى وتمسك بعض المعتزلة بظاهره ولا متمسك لهم فيه مع قيام الاحتمال وقد تقدم في العلم عدة أجوبة غير هذه ومنها ان المراد بالحق هنا المتحقق الثابت أو الجدير لأن إحسان الرب لمن لم يتخذ ربا سواه جدير في الحكمة ان لا يعذبه أو المراد أنه كالواجب في تحققه وتأكده أو ذكر على سبيل المقابلة قال وفي الحديث جواز ركوب اثنين على حمار وفيه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وفضل معاذ وحسن أدبه في القول وفي العلم برده لما لم يحط بحقيقته إلى علم الله ورسوله وقرب منزلته من النبي صلى الله عليه وسلم وفيه تكرار الكلام لتأكيده وتفهيمه واستفسار الشيخ تلميذه عن الحكم ليختبر ما عنده ويبين له ما يشكل عليه منه وقال بن رجب في شرحه لاوائل البخاري قال العلماء يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس لئلا يتكلوا ان أحاديث الرخص لاتشاع في عموم الناس لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها وقد سمعها معاذ فلم يزدد الا اجتهادا في العمل وخشية لله عز وجل فأما من لم يبلغ منزلته فلا يؤمن ان يقصر اتكالا على ظاهر هذا الخبر وقد عارضه ما تواتر من نصوص الكتاب والسنة ان بعض عصاة الموحدين يدخلون النار فعلى هذا فيجب الجمع بين الامرين وقد سلكوا في ذلك مسالك أحدها قول الزهري ان هذه الرخصة كانت قبل نزول الفرائض والحدود وسيأتي ذلك عنه في حديث عثمان في الوضوء واستبعده غيره من ان النسخ لا يدخل الخبر وبأن سماع معاذ لهذه كان متأخرا عن أكثر نزول الفرائض وقيل لا نسخ بل هو على عمومه ولكنه مقيد بشرائط كما ترتب الاحكام على اسبابها المقتضية المتوقفة على انتفاء الموانع فإذا تكامل ذلك عمل المقتضي عمله والى ذلك أشار وهب بن منبه بقوله المتقدم في كتاب الجنائز في شرح ان لا إله إلا الله مفتاح الجنة ليس من مفتاح الا وله اسنان وقيل المراد ترك دخول نار الشرك وقيل ترك تعذيب جميع بدن الموحدين لان النار لا تحرق مواضع السجود وقيل ليس ذلك لكل من وحد وعبد بل يختص بمن اخلص والإخلاص يقتضي تحقيق القلب بمعناها ولا يتصور حصول التحقيق مع الاصرار على المعصية لامتلاء القلب بمحبة الله تعالى وخشيته فتنبعث الجوارح إلى الطاعة وتنكف عن المعصية انتهى ملخصا وفي آخر حديث أنس عن معاذ في نحو هذا الحديث فقلت الا أخبر الناس قال لا لئلا يتكلوا فأخبر بها معاذ عند موته تأثما وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب العلم تنبيه هذا من الأحاديث التي أخرجها البخاري في ثلاثة مواضع عن شيخ واحد بسند واحد وهي قليلة في كتابه جدا ولكنه أضاف إليه في الاستئذان موسى بن إسماعيل وقد تتبع بعض من لقيناه ما أخرجه في موضعين بسند فبلغ عدتها زيادة على العشرين وفي بعضها يتصرف في المتن بالاختصار منه
1 ( قوله باب التواضع ) بضم الضاد المعجمة مشتق من الضعة بكسر أوله وهي الهوان والمراد بالتواضع إظهار التنزل عن المرتبة لمن يراد تعظيمه وقيل هو تعظيم من فوقه فضله وذكر في حديثين أحدهما حديث أنس في ذكر الناقة لما سبقت وقد تقدم شرحه في كتاب الجهاد في باب ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وزعم بعضهم أنه لا مدخل له في هذه الترجمة وغفل عما وقع في بعض طرقه عند النسائي بلفظ حق على الله ان لا يرفع شيء نفسه في الدنيا الا وضعه فإن فيه إشارة إلى الحث على عدم الترفع والحث على التواضع والاعلام بأن أمور الدنيا ناقصة غير كاملة قال بن بطال فيه هوان الدنيا على الله والتنبيه على ترك المباهاة والمفاخرة وأن كل شيء هان على الله فهو في محل الضعة فحق على كل ذي عقل أن يزهد فيه ويقل منافسته في طلبه وقال الطبري في التواضع مصلحة الدين والدنيا فإن الناس لو استعملوه في الدنيا لزالت بينهم الشحناء ولاستراحوا من تعب المباهاة والمفاخرة قلت وفيه أيضا حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وتواضعه لكونه رضى ان اعرابيا يسابقه وفيه جواز المسابقة وزهير في السند الأول هو بن معاوية أبو خيثمة الجعفي ومحمد في السند الثاني هو بن سلام وجزم به الكلاباذي ووقع كذلك في نسخة من رواية أبي ذر والفزاري هو مروان بن معاوية ووهم من زعم أنه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث نعم رواية أبي إسحاق الفزاري له قد تقدمت في الجهاد وأبو خالد الأحمر هو سليمان بن حيان الحديث الثاني
6137 قوله محمد بن عثمان بن كرامة بفتح الكاف والراء الخفيفة هو من صغار شيوخ البخاري وقد شاركه في كثير من شيوخه منهم خالد بن مخلد شيخه في هذا الحديث فقد أخرج عنه البخاري كثيرا بغير واسطة منها في باب الاستعاذة من الجبن في كتاب الدعوات وهو أقربها إلى هذا قوله عن عطاء هو بن يسار ووقع كذلك في بعض النسخ وقيل هو بن أبي رباح والأول أصح نبه على ذلك الخطيب وساق الذهبي في ترجمة خالد من الميزان بعد أن ذكر قول أحمد فيه له مناكير وقول أبي حاتم لا يحتج به وأخرج بن عدي عشرة أحاديث من حديثه استنكرها هذا الحديث من طريق محمد بن مخلد عن محمد بن عثمان بن كرامة شيخ البخاري فيه وقال هذا حديث غريب جدا لولا هيبة الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد فإن هذا المتن لم يرو الا بهذا الإسناد ولا خرجه من عدا البخاري ولا أظنه في مسند أحمد قلت ليس هو في مسند أحمد جزما وإطلاق أنه لم يرو هذا المتن الا بهذا الإسناد مردود ومع ذلك فشريك شيخ شيخ خالد فيه مقال أيضا وهو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه ونقص وقدم وأخر وتفرد فيه بأشياء لم يتابع عليها كما يأتي القول فيه مستوعبا في مكانه ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلا منها عن عائشة أخرجه أحمد في الزهد وبن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد من طريق عبد الواحد بن ميمون عن عروة عنها وذكر بن حبان وبن عدي أنه تفرد به وقد قال البخاري انه منكر الحديث لكن أخرجه الطبراني من طريق يعقوب بن مجاهد عن عروة وقال لم يروه عن عروة الا يعقوب وعبد الواحد ومنها عن أبي امامة أخرجه الطبراني والبيهقي في الزهد بسند ضعيف ومنها عن علي عند الإسماعيلي في مسند علي وعن بن عباس أخرجه الطبراني وسندهما ضعيف وعن أنس أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني وفي سنده ضعف أيضا وعن حذيفة أخرجه الطبراني مختصرا وسنده حسن غريب وعن معاذ بن جبل أخرجه بن ماجة وأبو نعيم في الحلية مختصرا وسنده ضعيف أيضا وعن وهب بن منبه مقطوعا أخرجه أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية وفيه تعقب على بن حبان حيث قال بعد إخراج حديث أبي هريرة لا يعرف لهذا الحديث الا طريقان يعني غير حديث الباب وهما هشام الكناني عن أنس وعبد الواحد بن ميمون عن عروة عن عائشة وكلاهما لا يصح وسأذكر ما في رواياتهم من فائدة زائدة قوله ان الله تعالى قال الكرماني هذا من الأحاديث القدسية وقد تقدم القول فيها قبل ستة أبواب قلت وقد وقع في بعض طرقه ان النبي صلى الله عليه وسلم حدث به عن جبريل عن الله عز وجل وذلك في حديث أنس قوله من عادى لي وليا المراد بولي الله العالم بالله المواظب على طاعته المخلص في عبادته وقد استشكل وجود أحد يعاديه لأن المعاداة انما تقع من الجانبين ومن شأن الولي الحلم والصفح عمن يجهل عليه وأجيب بأن المعاداة لم تنحصر في الخصومة والمعاملة الدنيوية مثلا بل قد تقع عن بغض ينشأ عن التعصب كالرافضي في بغضه لأبي بكر والمبتدع في بغضه للسني فتقع المعاداة من الجانبين أما من جانب الولي فلله تعالى وفي الله وأما من جانب الآخر فلما تقدم وكذا الفاسق المتجاهر ببغضه الولي في الله وببغضه الاخر لانكاره عليه وملازمته لنهيه عن شهواته وقد تطلق المعاداة ويراد بها الوقوع من أحد الجانبين بالفعل ومن الاخر بالقوة قال الكرماني قوله لي هو في الأصل صفة لقوله وليا لكنه لما تقدم صار حالا وقال بن هبيرة في الإفصاح قوله عادى لي وليا أي اتخذه عدوا ولا أرى المعنى الا انه عاداه من أجل ولايته وهو وان تضمن التحذير من ايذاء قلوب أولياء الله ليس على الإطلاق بل يستثنى منه ما إذا كانت الحال تقتضي نزاعا بين وليين في مخاصمة أو محاكمة ترجع إلى استخراج حق أو كشف غامض فإنه جرى بين أبي بكر وعمر مشاجرة وبين العباس وعلي إلى غير ذلك من الوقائع انتهى ملخصا موضحا وتعقبه الفاكهاني بأن معاداة الولي لكونه وليا لا يفهم الا ان كان على طريق الحسد الذي هو تمنى زوال ولايته وهو بعيد جدا في حق الولي فتأمله قلت والذي قدمته أولى أن يعتمد قال أبن هبيرة ويستفاد من هذا الحديث تقديم الاعذار على الإنذار وهو واضح قوله فقد آذنته بالمد وفتح المعجمة بعدها نون أي اعلمته والايذان الاعلام ومنه أخذ الأذان قوله بالحرب في رواية الكشميهني بحرب ووقع في حديث عائشة من عادى لي وليا وفي رواية لأحمد من آذى لي وليا وفي أخرى له من آذى وفي حديث ميمونة مثله فقد استحل محاربتي وفي رواية وهب بن منبه موقوفا قال الله من أهان ولي المؤمن فقد استقبلني بالمحاربة وفي حديث معاذ فقد بارز الله بالمحاربة وفي حديث أبي امامة وأنس فقد بارزني وقد استشكل وقوع المحاربة وهي مفاعلة من الجانبين مع أن المخلوق في أسر الخالق والجواب أنه من المخاطبة بما يفهم فإن الحرب تنشأ عن العداوة والعداوة تنشأ عن المخالفة وغاية الحرب الهلاك والله لا يغلبه غالب فكأن المعنى فقد تعرض لاهلاكي إياه فأطلق الحرب وأراد لازمه أي اعمل به ما يعمله العدو المحارب قال الفاكهاني في هذا تهديد شديد لان من حاربه الله أهلكه وهو من المجاز البليغ لان من كره من أحب الله خالف الله ومن خالف الله عانده ومن عانده أهلكه وإذا ثبت هذا في جانب المعاداة ثبت في جانب الموالاة فمن والى أولياء الله أكرمه الله وقال الطوفي لما كان ولي الله من تولى الله بالطاعة والتقوى تولاه الله بالحفظ والنصرة وقد أجرى الله العادة بأن عدو العدو صديق وصديق العدو عدو فعدو ولي الله عدو الله فمن عاداه كان كمن حاربه ومن حاربه فكأنما حارب الله قوله وما تقرب الي عبدي بشيء أحب الي مما افترضت عليه يجوز في أحب الرفع والنصب ويدخل تحت هذا اللفظ جميع فرائض العين والكفاية وظاهره الاختصاص بما ابتدأ الله فرضيته وفي دخول ما أوجبه المكلف على نفسه نظر للتقييد بقوله افترضت عليه الا ان أخذ من جهة المعنى الأعم ويستفاد منه أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله قال الطوفي الأمر بالفرائض جازم ويقع بتركها المعاقبة بخلاف النفل في الامرين وان اشترك مع الفرائض في تحصيل الثواب فكانت الفرائض أكمل فلهذا كانت احب إلى الله تعالى وأشد تقريبا وأيضا فالفرض كالاصل والأس والنفل كالفرع والبناء وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال الأمر واحترام الآمر وتعظيمه بالانقياد إليه وإظهار عظمة الربوبية وذل العبودية فكان التقرب بذلك أعظم العمل والذي يؤدي الفرض قد يفعله خوفا من العقوبة ومؤدى النفل لا يفعله الا إيثارا للخدمة فيجازى بالمحبة التي هي غاية مطلوب من يتقرب بخدمته قوله وما زال في رواية الكشميهني وما يزال بصيغة المضارعة قوله يتقرب الي التقرب طلب القرب قال أبو القاسم القشيري قرب العبد من ربه يقع أولا بايمانه ثم بإحسانه وقرب الرب من عبده ما يخصه به في الدنيا من عرفانه وفي الآخرة من رضوانه وفيما بين ذلك من وجوه لطفه وامتنانه ولا يتم قرب العبد من الحق الا ببعده من الخلق قال وقرب الرب بالعلم والقدرة عام للناس وباللطف والنصرة خاص بالخواص وبالتأنيس خاص بالأولياء ووقع في حديث أبي امامة يتحبب الي بدل يتقرب وكذا في حديث ميمونة قوله بالنوافل حتى أحببته في رواية الكشميهني أحبه ظاهره أن محبة الله تعالى للعبد تقع بملازمة العبد التقرب بالنوافل وقد استشكل بما تقدم أولا ان الفرائض احب العبادات المتقرب بها إلى الله فكيف لا تنتج المحبة والجواب ان المراد من النوافل ما كانت حاوية للفرائض مشتملة عليها ومكملة لها ويؤيده أن في رواية أبي أمامة بن آدم انك لن تدرك ما عندي الا بأداء ما افترضت عليك وقال الفاكهاني معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض ودام على اتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى وقال بن هبيرة يؤخذ من قوله ما تقرب الخ أن النافلة لا تقدم على الفريضة لأن النافلة انما سميت نافلة لأنها تأتي زائدة على الفريضة فما لم تؤد الفريضة لا تحصل النافلة ومن أدى الفرض ثم زاد عليه النفل وأدام ذلك تحققت منه إرادة التقرب انتهى وأيضا فقد جرت العادة أن التقرب يكون غالبا بغير ما وجب على المتقرب كالهدية والتحفة بخلاف من يؤدي ما عليه من خراج أو يقضي ما عليه من دين وأيضا فإن من جملة ما شرعت له النوافل جبر الفرائض كما صح في الحديث الذي أخرجه مسلم انظروا هل لعبدي من تطوع فتكمل به فريضته الحديث بمعناه فتبين أن المراد من التقرب بالنوافل أن تقع ممن أدى الفرائض لا من أخل بها كما قال بعض الأكابر من شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور قوله فكنت سمعه الذي يسمع زاد الكشميهني به قوله وبصره الذي يبصر به في حديث عائشة في رواية عبد الواحد عينه التي يبصر بها وفي رواية يعقوب بن مجاهد عينيه التي يبصر بهما بالتثنية وكذا قال في الإذن واليد والرجل وزاد عبد الواحد في روايته وفؤاده الذي يعقل به ولسانه الذي يتكلم به ونحوه في حديث أبي امامة وفي حديث ميمونة وقلبه الذي يعقل به وفي حديث أنس ومن أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا وقد استشكل كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره الخ والجواب من أوجه أحدها أنه ورد على سبيل التمثيل والمعنى كنت سمعه وبصره في ايثاره أمري فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح ثانيها أن المعنى كليته مشغوله بي فلا يصغي بسمعه الا إلى ما يرضيني ولا يرى ببصره الا ما أمرته به ثالثها المعنى أجعل له مقاصده كأنه ينالها بسمعه وبصره الخ رابعها كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه خامسها قال الفاكهاني وسبقه إلى معناه بن هبيرة هو فيما يظهر لي أنه على حذف مضاف والتقدير كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع الا ما يحل استماعه وحافظ بصره كذلك الخ سادسها قال الفاكهاني يحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله وهو أن يكون معنى سمعه مسموعة لان المصدر قد جاء بمعنى المفعول مثل فلان املي بمعنى مأمولي والمعنى انه لا يسمع الا ذكري ولا يلتذ الا بتلاوة كتابي ولا يأنس الا بمناجاتي ولا ينظر الا في عجائب ملكوتي ولا يمد يده الا فيما فيه رضاي ورجله كذلك وبمعناه قال بن هبيرة أيضا وقال الطوفي اتفق العلماء ممن يعتد بقوله أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده واعانته حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الالات التي يستعين بها ولهذا وقع في رواية فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي قال والاتحادية زعموا أنه على حقيقته وأن الحق عين العبد واحتجوا بمجيء جبريل في صورة دحية قالوا فهو روحاني خلع صورته وظهر بمظهر البشر قالوا فالله اقدر على أن يظهر في صورة الوجود الكلي أو بعضه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وقال الخطابي هذه أمثال والمعنى توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله من الاصغاء إلى اللهو بسمعه ومن النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره ومن البطش فيما لا يحل له بيده ومن السعي إلى الباطل برجله والى هذا نحا الداودي ومثله الكلاباذي وعبر بقوله أحفظه فلا يتصرف الا في محابي لأنه إذا أحبه كره له ان يتصرف فيما يكرهه منه سابعها قال الخطابي أيضا وقد يكون عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء والنجح في الطلب وذلك أن مساعي الإنسان كلها انما تكون بهذه الجوارح المذكورة وقال بعضهم وهو منتزع مما تقدم لا يتحرك له جارحة الا في الله ولله فهي كلها تعمل بالحق للحق وأسند البيهقي في الزهد عن أبي عثمان الجيزي أحد أئمة الطريق قال معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الاسماع وعينه في النظر ويده في اللمس ورجله في المشي وحمله بعض متأخري الصوفية على ما يذكرونه من مقام الفناء والمحو وأنه الغاية التي لا شيء وراءها وهو أن يكون قائما بإقامة الله له محبا بمحبته له ناظرا بنظره له من غير ان تبقى معه بقية تناط باسم أو تقف على رسم أو تتعلق بأمر أو توصف بوصف ومعنى هذا الكلام أنه يشهد إقامة الله له حتى قام ومحبته له حتى أحبه ونظره إلى عبده حتى أقبل ناظرا إليه بقلبه وحمله بعض أهل الزيغ على ما يدعونه من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة حتى يصفى من الكدورات أنه يصير في معنى الحق تعالى الله عن ذلك وأنه يفنى عن نفسه جملة حتى يشهد أن الله هو الذاكر لنفسه الموحد لنفسه المحب لنفسه وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدما صرفا في شهوده وان لم تعدم في الخارج وعلى الأوجه كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة لقوله في بقية الحديث ولئن سألني ولئن استعاذني فإنه كالصريح في الرد عليهم قوله وان سألني زاد في رواية عبد الواحد عبدي قوله اعطيته أي ما سأل قوله ولئن استعاذني ضبطناه بوجهين الأشهر بالنون بعد الذال المعجمة والثاني بالموحدة والمعنى اعذته مما يخاف وفي حديث أبي امامة وإذا استنصر بي نصرته وفي حديث أنس نصحني فنصحت له ويستفاد منه أن المراد بالنوافل جميع ما يندب من الأقوال والافعال وقد وقع في حديث أبي امامة المذكور وأحب عبادة عبدي إلى النصيحة وقد استشكل بأن جماعة من العباد والصلحاء دعوا وبالغوا ولم يجابوا والجواب ان الإجابة تتنوع فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور وتارة يقع ولكن يتأخر لحكمة فيه وتارة قد تقع الإجابة ولكن بغير عين المطلوب حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة وفي الواقع مصلحة ناجزة أو اصلح منها وفي الحديث عظم قدر الصلاة فإنه ينشأ عنها محبة الله للعبد الذي يتقرب بها وذلك لأنها محل المناجاة والقربة ولا واسطة فيها بين العبد وربه ولا شيء أقر لعين العبد منها ولهذا جاء في حديث أنس المرفوع وجعلت قرة عيني في الصلاة أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح ومن كانت قرة عينه في شيء فإنه يود أن لا يفارقه ولا يخرج منه لأن فيه نعيمه وبه تطيب حياته وانما يحصل ذلك للعابد بالمصابرة على النصب فإن السالك غرض الافات والفتور وفي حديث حذيفة من الزيادة ويكون من أوليائي واصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة وقد تمسك بهذا الحديث بعض الجهلة من أهل التجلي والرياضة فقالوا القلب إذا كان محفوظا مع الله كانت خواطره معصومة من الخطأ وتعقب ذلك أهل التحقيق من أهل الطريق فقالوا لا يلتفت إلى شيء من ذلك الا إذا وافق الكتاب والسنة والعصمة انما هي للأنبياء ومن عداهم فقد يخطئ فقد كان عمر رضي الله عنه رأس الملهمين ومع ذلك فكان ربما رأى الرأي فيخبره بعض الصحابة بخلافه فيرجع إليه ويترك رأيه فمن ظن أنه يكتفى بما يقع في خاطره عما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فقد ارتكب أعظم الخطأ وأما من بالغ منهم فقال حدثني قلبي عن ربي فإنه أشد خطأ فإنه لا يأمن أن يكون قلبه انما حدثه عن الشيطان والله المستعان قال الطوفي هذا الحديث أصل في السلوك إلى الله والوصول إلى معرفته ومحبته وطريقه إذ المفترضات الباطنة وهي الإيمان والظاهرة وهي الإسلام والمركب منهما وهو الإحسان فيهما كما تضمنه حديث جبريل والإحسان يتضمن مقامات السالكين من الزهد والإخلاص والمراقبة وغيرها وفي الحديث أيضا أن من اتى بما وجب عليه وتقرب بالنوافل لم يرد دعاؤه لوجود هذا الوعد الصادق المؤكد بالقسم وقد تقدم الجواب عما يتخلف من ذلك وفيه أن العبد ولو بلغ أعلى الدرجات حتى يكون محبوبا لله لا ينقطع عن الطلب من الله لما فيه من الخضوع له وإظهار العبودية وقد تقدم تقرير هذا واضحا في أوائل كتاب الدعوات قوله وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن وفي حديث عائشة ترددي عن موته ووقع في الحلية في ترجمة وهب بن منبه اني لأجد في كتب الأنبياء ان الله تعالى يقول ما ترددت عن شيء قط ترددي عن قبض روح المؤمن الخ قال الخطابي التردد في حق الله غير جائز والبداء عليه في الأمور غير سائغ ولكن له تأويلان أحدهما أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه وفاقه تنزل به فيدعو الله فيشفيه منها ويدفع عنه مكروهها فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله لأن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بالبقاء لنفسه والثاني أن يكون معناه ما رددت رسلي في شيء انا فاعله كترديدي إياهم في نفس المؤمن كما روى في قصة موسى وما كان من لطمة عين ملك الموت وتردده إليه مرة بعد أخرى قال وحقيقة المعنى على الوجهين عطف الله على العبد ولطفه به وشفقته عليه وقال الكلاباذي ما حاصله انه عبر عن صفة الفعل بصفة الذات أي عن الترديد بالتردد وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف ونصب إلى أن تنتقل محبته في الحياة إلى محبته للموت فيقبض على ذلك قال وقد يحدث الله في قلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق إليه والمحبة للقائه ما يشتاق معه إلى الموت فضلا عن إزالة الكراهة عنه فأخبر أنه يكره الموت ويسوءه ويكره الله مساءته فيزيل عنه كراهية الموت لما يورده عليه من الأحوال فيأتيه الموت وهو له مؤثر واليه مشتاق قال وقد ورد تفعل بمعنى فعل مثل تفكر وفكر وتدبر ودبر وتهدد وهدد والله اعلم وعن بعضهم يحتمل أن يكون تركيب الولي يحتمل أن يعيش خمسين سنة وعمره الذي كتب له سبعون فإذا بلغها فمرض دعا الله بالعافية فيحييه عشرين أخرى مثلا فعبر عن قدر التركيب وعما انتهى إليه بحسب الاجل المكتوب بالتردد وعبر بن الجوزي عن الثاني بأن التردد للملائكة الذين يقبضون الروح وأضاف الحق ذلك لنفسه لأن ترددهم عن أمره قال وهذا التردد ينشأ عن إظهار الكراهة فإن قيل إذا أمر الملك بالقبض كيف يقع منه التردد فالجواب أنه يتردد فيما لم يحد له فيه الوقت كأن يقال لا تقبض روحه الا إذا رضي ثم ذكر جوابا ثالثا وهو احتمال أن يكون معنى التردد اللطف به كأن الملك يؤخر القبض فإنه إذا نظر إلى قدر المؤمن وعظم المنفعة به لأهل الدنيا احترمه فلم يبسط يده إليه فإذا ذكر أمر ربه لم يجد بدا من امتثاله وجوابا رابعا وهو أن يكون هذا خطابا لنا بما نعقل والرب منزه عن حقيقته بل هو من جنس قوله ومن أتاني يمشي أتيته هرولة فكما أن أحدنا يريد أن يضرب ولده تأديبا فتمنعه المحبة وتبعثه الشفقة فيتردد بينهما ولو كان غير الوالد كالمعلم لم يتردد بل كان يبادر إلى ضربة لتأديبه فأريد تفهيمنا تحقيق المحبة للولي بذكر التردد وجوز الكرماني احتمالا آخر وهو أن المراد أنه يقبض روح المؤمن بالتأني والتدريج بخلاف سائر الأمور فإنها تحصل بمجرد قول كن سريعا دفعه قوله يكره الموت وأنا أكره مساءته في حديث عائشة أنه يكره الموت وأنا أكره مساءته زاد بن مخلد عن بن كرامة في آخره ولا بد له منه ووقعت هذه الزيادة أيضا في حديث وهب وأسند البيهقي في الزهد عن الجنيد سيد الطائفة قال الكراهة هنا لما يلقى المؤمن من الموت وصعوبته وكربه وليس المعنى أني أكره له الموت لأن الموت يورده إلى رحمة الله ومغفرته انتهى وعبر بعضهم عن هذا بأن الموت حتم مقضي وهو مفارقة الروح للجسد ولا تحصل غالبا الا بألم عظيم جدا كما جاء عن عمرو بن العاص أنه سئل وهو يموت فقال كأني اتنفس من خرم ابرة وكأن غصن شوك يجر به من قامتي إلى هامتي وعن كعب أن عمر سأله عن الموت فوصفه بنحو هذا فلما كان الموت بهذا الوصف والله يكره أذى المؤمن اطلق على ذلك الكراهة ويحتمل أن تكون المساءة بالنسبة إلى طول الحياة لأنها تؤدي إلى ارذل العمر وتنكس الخلق والرد إلى أسفل سافلين وجوز الكرماني ان يكون المراد أكره مكرهه الموت فلا أسرع بقبض روحه فأكون كالمتردد قال الشيخ أبو الفضل بن عطاء في هذا الحديث عظم قدر الولي لكونه خرج عن تدبيره إلى تدبير ربه وعن انتصاره لنفسه إلى انتصار الله له وعن حوله وقوته بصدق توكله قال ويؤخذ منه أن لا يحكم لإنسان آذى وليا ثم لم يعاجل بمصيبة في نفسه أو ماله أو ولده بأنه سلم من انتقام الله فقد تكون مصيبته في غير ذلك مما هو أشد عليه كالمصيبة في الدين مثلا قال ويدخل في قوله افترضت عليه الفرائض الظاهرة فعلا كالصلاة والزكاة وغيرهما من العبادات وتركا كالزنا والقتل وغيرهما من المحرمات والباطنة كالعلم بالله والحب له والتوكل عليه والخوف منه وغير ذلك وهي تنقسم أيضا إلى أفعال وتروك قال وفيه دلالة على جواز اطلاع الولي على المغيبات باطلاع الله تعالى له ولا يمنع من ذلك ظاهر قوله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول فإنه لا يمنع دخول بعض اتباعه معه بالتبعية لصدق قولنا ما دخل على الملك اليوم الا الوزير ومن المعلوم أنه دخل معه بعض خدمه قلت الوصف المستثنى للرسول هنا ان كان فيما يتعلق بخصوص كونه رسولا فلا مشاركة لأحد من اتباعه فيه الا منه والا فيحتمل ما قال والعلم عند الله تعالى تنبيه أشكل وجه دخول هذا الحديث في باب التواضع حتى قال الداودي ليس هذا الحديث من التواضع في شيء وقال بعضهم المناسب ادخاله في الباب الذي قبله وهو مجاهدة المرء نفسه في طاعة الله تعالى وبذلك ترجم البيهقي في الزهد فقال فصل في الاجتهاد في الطاعة وملازمة العبودية والجواب عن البخاري من أوجه أحدها أن التقرب إلى الله بالنوافل لا يكون الا بغاية التواضع لله والتوكل عليه ذكره الكرماني ثانيها ذكره أيضا فقال قيل الترجمة مستفادة مما قال كنت سمعه ومن التردد قلت ويخرج منه جواب ثالث ويظهر لي رابع وهو انها تستفاد من لازم قوله من عادى لي وليا لأنه يقتضي الزجر عن معاداة الأولياء المستلزم لموالاتهم وموالاة جميع الأولياء لا تتأتى الا بغاية التواضع إذ منهم الأشعث الاغبر الذي لا يؤبه له وقد ورد في الحث على التواضع عدة أحاديث صحيحة لكن ليس شيء منها على شرطه فاستغنى عنها بحديثي الباب منها حديث عياض بن حمار رفعه ان الله تعالى أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما ومنها حديث أبي هريرة رفعه وما تواضع أحد لله تعالى الا رفعه أخرجه مسلم أيضا والترمذي ومنها حديث أبي سعيد رفعه من تواضع لله رفعه الله حتى يجعله في أعلى عليين الحديث أخرجه بن ماجة وصححه بن حبان
1 ( قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين ) قال أبو البقاء العكبري في اعراب المسند الساعة بالنصب والواو فيه بمعنى مع قال ولو قرئ بالرفع لفسد المعنى لأنه لا يقال بعثت الساعة ولا هو في موضع المرفوع لأنها لم توجد بعد وأجاز غيره الوجهين بل جزم عياض بأن الرفع أحسن وهو عطف على ضمير المجهول في بعثت قال ويجوز النصب وذكر نحو توجيه أبي البقاء وزاد أبو علي ضمير يدل عليه الحال نحو فانتظروا كما قدر في نحو جاء البرد والطيالسة فاستعدوا قلت والجواب عن الذي اعتل به أبو البقاء أولا ان يضمن بعثت معنى يجمع إرسال الرسول ومجيء الساعة نحو جئت وعن الثاني بأنها نزلت منزلة الموجود مبالغة في تحقق مجيئها ويرجح النصب ما وقع في تفسير سورة والنازعات من هذا الصحيح من طريق فضيل بن سليمان عن أبي حازم بلفظ بعثت والساعة فإنه ظاهر في أن الواو للمعية قوله وما أمر الساعة الا كلمح البصر الآية كذا لأبي ذر وفي رواية الأكثر أو هو أقرب ان الله على كل شيء قدير كذا للجميع معطوفا على الحديث بغير فصل وهو يوهم أن تكون بقيته وليس كذلك بل التقدير وقول الله عز وجل وقد ثبت ذلك في بعض النسخ ولما أراد البخاري إدخال أشراط الساعة وصفة القيامة في كتاب الرقاق استطرد من حديث الباب الذي قبله المشتمل على ذكر الموت الدال على فناء كل شيء إلى ذكر ما يدل على قرب القيامة وهو من لطيف ترتيبه ثم ذكر فيه ثلاث أحاديث عن سهل وأنس وأبي هريرة بلفظ واحد وفي حديث سهل وأبي هريرة زيادة الإشارة 6138 قوله عن سهل في رواية سفيان عن أبي حازم سمعت من سهل بن سعد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في كتاب اللعان قوله بعثت أنا والساعة المراد بالساعة هنا يوم القيامة والأصل فيها قطعة من الزمان وفي عرف أهل الميقات جزء من أربعة وعشرين جزءا من اليوم والليلة وثبت مثله في حديث جابر رفعه يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة وقد بينت حاله في كتاب الجمعة وأطلقت في الحديث على انخرام قرن الصحابة ففي صحيح مسلم عن عائشة كان الاعراب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة فنظر إلى أحدث انسان منهم فقال إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم وعنده من حديث أنس نحوه وأطلقت أيضا على موت الإنسان الواحد قوله كهاتين كذا وقع عند الكشميهني في حديث سهل ولغيره كهاتين هكذا وكذا وقع في رواية سفيان لكن بلفظ كهذه من هذه أو كهاتين وفي رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عند مسلم بعثت أنا والساعة هكذا وفي رواية فضيل بن سليمان قال بأصبعيه هكذا قوله ويشير بأصبعيه فيمدهما في رواية سفيان وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى وفي رواية فضيل بن سليمان ويعقوب بالوسطى والتي تلي الإبهام وللإسماعيلي من رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه وجمع بين أصبعيه وفرق بينهما شيئا وفي رواية أبي ضمرة عن أبي حازم عند بن جرير وضم بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام وقال ما مثلي ومثل الساعة الا كفرسي رهان ونحوه في حديث بريدة بلفظ بعثت أنا والساعة ان كادت لتسبقني أخرجه أحمد والطبري وسنده حسن وفي حديث المستورد بن شداد بعثت في نفس الساعة سبقتها كما سبقت هذه لهذه لاصبعيه السبابة والوسطى أخرجه الترمذي والطبري وقوله في نفس بفتح الفاء وهو كناية عن القرب أي بعثت عند تنفسها ومثله في حديث أبي جبيرة بفتح الجيم وكسر الموحدة الأنصاري عن أشياخ من الأنصار أخرجه الطبري وأخرجه أيضا عن أبي جبيرة مرفوعا بغير واسطة بلفظ آخر سأنبه عليه
6139 قوله في حديث أنس وأبي التياح بفتح المثناة وتشديد التحتانية وآخره مهملة اسمه يزيد بن حميد ووقع عند مسلم في رواية خالد بن الحارث عن شعبة سمعت قتادة وأبا التياح يحدثان أنهما سمعا أنسا فذكره وزاد في آخره هكذا وقرن شعبة المسبحة والوسطى وأخرجه من طريق بن عدي عن شعبة عن حمزة الضبي وأبي التياح مثله وليس هذا اختلافا على شعبة بل كان سمعه من ثلاثة فكان يحدث به تارة عن الجميع وتارة عن البعض وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي عن شعبة فجمع الثلاثة ووقع لمسلم من طريق غندر عن شعبة عن قتادة حدثنا أنس كرواية البخاري وزاد قال شعبة وسمعت قتادة يقول في قصصه كفضل إحداهما على الأخرى فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة أي من قبل نفسه وأخرجه الطبري من هذا الوجه بلفظ فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله هو وزاد في رواية عاصم بن علي هكذا وأشار بأصبعيه الوسطى والسبابة قال وكان يقول يعني قتادة كفضل إحداهما على الأخرى قلت ولم أرها في شيء من الطرق عن أنس وقد أخرجه مسلم من طريق معبد وهو بن هلال والطبري من طريق إسماعيل بن عبيد الله كلاهما عن أنس وليس ذلك فيه نعم وجدت هذه الزيادة مرفوعة في حديث أبي جبيرة بن الضحاك عند الطبري قوله في حديث أبي هريرة
6140 حدثني يحيى بن يوسف في رواية أبي ذر حدثنا قوله حدثنا أبو بكر في رواية غير أبي ذر أخبرنا أبو بكر وهو بن عياش قوله عن أبي حصين في رواية بن ماجة حدثنا أبو حصين بفتح المهملة أوله وأبو صالح هو ذكوان والإسناد كله كوفيون قوله كهاتين يعني أصبعين كذا في الأصل ووقع عند بن ماجة عن هناد بن السري عن أبي بكر بن عياش وجمع بين أصبعيه وأخرجه الطبري عن هناد بلفظ وأشار بالسبابة والوسطى بدل قوله يعني أصبعين وقد أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن هناد بلفظ كهذه من هذه يعني أصبعيه وله من رواية أبي طالب عن الدوري وأشار أبو بكر بأصبعيه السبابة والتي تليها وهذا يدل على أن في رواية الطبري ادراجا وهذه الزيادة ثابتة في المرفوع لكن من حديث أبي هريرة كما تقدم وقد أخرجه الطبري من حديث جابر بن سمرة كأني انظر إلى اصبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار بالمسبحة والتي تليها وهو يقول بعثت أنا والساعة كهذه من هذه وفي رواية له عنه وجمع بين أصبعيه السبابة والوسطى والمراد بالسبابة وهي بفتح المهملة وتشديد الموحدة الأصبع التي بين الإبهام والوسطى وهي المراد بالمسبحة سميت مسبحة لأنها يشار بها عند التسبيح وتحرك في التشهد عند التهليل إشارة إلى التوحيد وسميت سبابة لأنهم كانوا إذا تسابوا أشاروا بها قوله تابعه إسرائيل يعني بن يونس بن أبي إسحاق عن أبي حصين يعني بالسند والمتن وقد وصله الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بسنده قال مثل رواية هناد عن أبي بكر بن عياش قال الإسماعيلي وقد تابعهما قيس بن الربيع عن أبي حصين قال عياض وغيره أشار بهذا الحديث على اختلاف ألفاظه إلى قلة المدة بينه وبين الساعة والتفاوت اما في المجاورة واما في قدر ما بينهما ويعضده قوله كفضل أحدهما على الأخرى وقال بعضهم هذا الذي يتجه أن يقال ولو كان المراد الأول لقامت الساعة لاتصال إحدى الاصبعين بالأخرى قال بن التين اختلف في معنى قوله كهاتين فقيل كما بين السبابة والوسطى في الطول وقيل المعنى ليس بينه وبينها نبي وقال القرطبي في المفهم حاصل الحديث تقريب أمر الساعة وسرعة مجيئها قال وعلى رواية النصب يكون التشبيه وقع بالانضمام وعلى الرفع وقع بالتفاوت وقال البيضاوي معناه أن نسبة تقدم البعثة النبوية على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الاصبعين على الأخرى وقيل المراد استمرار دعوته لا تفترق إحداهما عن الأخرى كما أن الاصبعين لا تفترق إحداهما عن الأخرى ورجح الطيبي قول البيضاوي بزيادة المستورد فيه وقال القرطبي في التذكرة معنى هذا الحديث تقريب أمر الساعة ولا منافاة بينه وبين قوله في الحديث الآخر ما المسئول عنها بأعلم من السائل فإن المراد بحديث الباب انه ليس بينه وبين الساعة نبي كما ليس بين السبابة والوسطى أصبع أخرى ولا يلزم من ذلك علم وقتها بعينه لكن سياقه يفيد قربها وأن اشراطها متتابعة كما قال تعالى فقد جاء اشراطها قال الضحاك أول اشراطها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم والحكمة في تقدم الاشراط ايقاظ الغافلين وحثهم على التوبة والاستعداد وقال الكرماني قيل معناه الإشارة إلى قرب المجاورة وقيل إلى تفاوت ما بينهما طولا وعلى هذا فالنظر في القول الأول إلى العرض وقيل المراد ليس بينهما واسطة ولا معارضة بين هذا وبين قوله تعالى ان الله عنده علم الساعة ونحو ذلك لأن علم قربها لا يستلزم علم وقت مجيئها معينا وقيل معنى الحديث أنه ليس بيني وبين القيامة شيء هي التي تليني كما تلي السبابة الوسطى وعلى هذا فلا تنافي بين ما دل عليه الحديث وبين قوله تعالى عن الساعة لا يعلمها الا هو وقال عياض حاول بعضهم في تأويله أن نسبة ما بين الاصبعين كنسبة ما بقي من الدنيا بالنسبة إلى ما مضى وأن جملتها سبعة آلاف سنة واستند إلى أخبار لا تصح وذكر ما أخرجه أبو داود في تأخير هذه الأمة نصف يوم وفسره بخمسمائة سنة فيؤخذ من ذلك أن الذي بقي نصف سبع وهو قريب مما بين السبابة والوسطى في الطول قال وقد ظهر عدم صحة ذلك لوقوع خلافه ومجاوزة هذا المقدار ولو كان ذلك ثابتا لم يقع خلافه قلت وقد انضاف إلى ذلك منذ عهد عياض إلى هذا الحين ثلاثمائة سنة وقال بن العربي قيل الوسطى تزيد على السبابة نصف سبعها وكذلك الباقي من الدنيا من البعثة إلى قيام الساعة قال وهذا بعيد ولا يعلم مقدار الدنيا فكيف يتحصل لنا نصف سبع أمد مجهول فالصواب الاعراض عن ذلك قلت السابق إلى ذلك أبو جعفر بن جرير الطبري فإنه أورد في مقدمة تاريخه عن بن عباس قال الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة وقد مضى ستة آلاف ومائة سنة وأورده من طريق يحيى بن يعقوب عن حماد بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عنه ويحيى هو أبو طالب القاص الأنصاري قال البخاري منكر الحديث وشيخه هو فقيه الكوفة وفيه مقال ثم أورد الطبري عن كعب الأحبار قال الدنيا ستة آلاف سنة وعن وهب بن منبه مثله وزاد ان الذي مضى منها خمسة آلاف وستمائة سنة ثم زيفهما ورجح ما جاء عن بن عباس ثم أورد حديث بن عمر الذي في الصحيحين مرفوعا ما أجلكم في اجل من كان قبلكم الا من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ومن طريق مغيرة بن حكيم عن بن عمر بلفظ ما بقي لامتي من الدنيا الا كمقدار إذا صليت العصر ومن طريق مجاهد عن بن عمر كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم والشمس على قعيقعان مرتفعة بعد العصر فقال ما اعماركم في اعمار من مضى الا كما بقي من هذا النهار فيما مضى منه وهو عند أحمد أيضا بسند حسن ثم اورد حديث أنس خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وقد كادت الشمس تغيب فذكر نحو الحديث الأول عن بن عمر ومن حديث أبي سعيد بمعناه قال عند غروب الشمس ان مثل ما بقي من الدنيا فيما مضى منها كبقية يومكم هذا فيما مضى منه وحديث أبي سعيد أخرجه أيضا وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف وحديث أنس أخرجه أيضا وفيه موسى بن خلف ثم جمع بينهما بما حاصله أنه حمل قوله بعد صلاة العصر على ما إذا صليت في وسط من وقتها قلت وهو بعيد من لفظ أنس وأبي سعيد وحديث بن عمر صحيح متفق عليه فالصواب الاعتماد عليه وله محملان أحدهما ان المراد بالتشبيه التقريب ولا يراد حقيقة المقدار فبه يجتمع مع حديث أنس وأبي سعيد على تقدير ثبوتهما والثاني ان يحمل على ظاهره فيقدم حديث بن عمر لصحته ويكون فيه دلالة على أن مدة هذه الأمة قدر خمس النهار تقريبا ثم أيد الطبري كلامه بحديث الباب وبحديث أبي ثعلبة الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم ولفظه والله لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم ورواته ثقات ولكن رجح البخاري وقفه وعند أبي داود أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ اني لأرجو ان لا تعجز أمتي عند ربها ان يؤخرهم نصف يوم قيل لسعد كم نصف يوم قال خمسمائة سنة ورواته موثقون الا ان فيها انقطاعا قال الطبري ونصف اليوم خمسمائة سنة أخذا من قوله تعالى وان يوما عند ربك كألف سنة فإذا انضم إلى قول بن عباس ان الدنيا سبعة آلاف سنة توافقت الاخبار فيكون الماضي إلى وقت الحديث المذكور ستة آلاف سنة وخمسمائة سنة تقريبا وقد أورد السهيلي كلام الطبري وأيده بما وقع عنده في حديث المستورد وأكده بحديث زمل رفعه الدنيا سبعة آلاف سنة بعثت في آخرها قلت وهذا الحديث انما هو عن بن زمل وسنده ضعيف جدا أخرجه بن السكن في الصحابة وقال إسناده مجهول وليس بمعروف في الصحابة وبن قتيبة في غريب الحديث وذكره في الصحابة أيضا بن منده وغيره وسماه بعضهم عبد الله وبعضهم الضحاك وقد أورده بن الجوزي في الموضوعات وقال بن الأثير ألفاظه مصنوعة ثم بين السهيلي أنه ليس في حديث نصف يوم ما ينفي الزيادة على الخمسمائة قال وقد جاء بيان ذلك فيما رواه جعفر بن عبد الواحد بلفظ ان أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة وذلك الف سنة وان أساءت فنصف يوم قال وليس في قوله بعثت انا والساعة كهاتين ما يقطع به على صحة التأويل الماضي بل قد قيل في تأويله انه ليس بينه وبين الساعة نبي مع التقريب لمجيئها ثم جوز أن يكون في عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر ما يوافق حديث بن زمل وذكر ان عدتها تسعمائة وثلاثة قلت وهو مبني على طريقة المغاربة في عد الحروف وأما المشارقة فينقص العدد عندهم مائتين وعشرة فإن السين عند المغاربة بثلاثمائة والصاد بستين وأما المشارقة فالسين عندهم ستون والصاد تسعون فيكون المقدار عندهم ستمائة وثلاثة وتسعين وقد مضت وزيادة عليها مائة وخمس وأربعون سنة فالحمل على ذلك من هذه الحيثية باطل وقد ثبت عن بن عباس الزجر عن عد أبي جاد والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر وليس ذلك ببعيد فإنه لا أصل له في الشريعة وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي وهو من مشايخ السهيلي في فوائد رحلته ما نصه ومن الباطل الحروف المقطعة في أوائل السور وقد تحصل لي فيها عشرون قولا وأزيد ولا اعرف أحدا يحكم عليها بعلم ولا يصل فيها إلى فهم الا اني أقول فذكر ما ملخصه أنه لولا ان العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولا متداولا بينهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم بل تلا عليهم ص وحم فصلت وغيرهما فلم ينكروا ذلك بل صرحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة مع تشوفهم إلى عثرة وحرصهم على زلة فدل على أنه كان أمرا معروفا بينهم لا إنكار فيه قلت وأما عد الحروف بخصوصه فإنما جاء عن بعض اليهود كما حكاه بن إسحاق في السيرة النبوية عن أبي ياسر بن اخطب وغيره انهم حملوا الحروف التي في أوائل السور على هذا الحساب واستقصروا المدة أول ما نزل الم والر فلما نزل بعد ذلك المص وطسم وغير ذلك قالوا ألبست علينا الأمر وعلى تقدير أن يكون ذلك مرادا فليحمل على جميع الحروف الواردة ولا يحذف المكرر فإنه ما من حرف منها الا وله سر يخصه أو يقتصر على حذف المكرر من أسماء السور ولو تكررت الحروف فيها فإن السور التي ابتدئت بذلك تسع وعشرون سورة وعدد حروف الجميع ثمانية وسبعون حرفا وهي الم ستة حم ستة آلر خمسة طسم اثنتان المص المر كهيعص حمعسق طه طس يس ص ق ن فإذا حذف ما كرر من السور وهي خمس من الم وخمس من حم وأربع من الر وواحدة من طسم بقي أربع عشرة سورة عدد حروفها ثمانية وثلاثون حرفا فإذا حسب عددها بالجمل المغربي بلغت الفين وستمائة وأربعة وعشرين واما بالجمل المشرقي فتبلغ الفا وسبعمائة وأربعة وخمسين ولم اذكر ذلك ليعتمد عليه الا لابين ان الذي جنح إليه السهيلي لا ينبغي الاعتماد عليه لشدة التخالف فيه وفي الجملة فأقوى ما يعتمد في ذلك عليه حديث بن عمر الذي أشرت إليه قبل وقد اخرج معمر في الجامع عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال معمر وبلغني عن عكرمة في قوله تعالى في يوم كان مقداره خمسين الف سنة قال الدنيا من أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون الف سنة لا يدري كم مضى ولا كم بقي الا الله تعالى وقد حمل بعض شراح المصابيح حديث لن تعجز هذه الأمة ان يؤخرها نصف يوم على حال يوم القيامة وزيفه الطيبي فأصاب وأما زيادة جعفر فهي موضوعة لأنها لا تعرف الا من جهته وهو مشهور بوضع الحديث وقد كذبه الأئمة مع أنه لم يسق سنده بذلك فالعجب من السهيلي كيف سكت عنه مع معرفته بحاله والله المستعان
1 ( قوله باب كذا )
للأكثر بغير ترجمة وللكشميهني باب طلوع الشمس من مغربها وكذا هو في نسخة الصغاني وهو مناسب ولكن الأول انسب لأنه يصير كالفصل من الباب الذي قبله ووجه تعلقه به أن طلوع الشمس من مغربها انما يقع عند اشراف قيام الساعة كما سأقرره قوله أبو الزناد عن عبد الرحمن هو الأعرج وصرح به الطبراني في مسند الشاميين عن أحمد بن عبد الوهاب عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه قوله لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها الخ هذا بعض حديث ساقه المؤلف في أواخر كتاب الفتن بهذا الإسناد بتمامه وفي أوله لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان الحديث وذكر فيه نحو عشرة أشياء من هذا الجنس ثم ذكر ما في هذا الباب وسأذكر شرحه مستوفى هناك واقتصر هنا على ما يتعلق بطلوع الشمس لأنه المناسب لما قبله وما بعده من قرب القيامة خاصة وعامة قال الطيبي الآيات امارات للساعة اما على قربها واما على حصولها فمن الأول الدجال ونزول عيسى ويأجوج ومأجوج والخسف ومن الثاني الدخان وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة والنار التي تحشر الناس وحديث الباب يؤذن بذلك لأنه جعل في طلوعها من المغرب غاية لعدم قيام الساعة فيقتضى انها إذا طلعت كذلك انتفى عدم القيام فثبت القيام قوله فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا اجمعون وقع في رواية أبي زرعة عن أبي هريرة في التفسير فإذا رآها الناس آمن من عليها أي على الأرض من الناس قوله فذاك في رواية الكشميهني فذلك وكذا هو في رواية أبي زرعة ووقع في رواية همام عن أبي هريرة في التفسير أيضا وذلك بالواو قوله حين لا ينفع نفسا ايمانها الآية كذا هنا وفي رواية أبي زرعة ايمانها لم تكن آمنت من قبل وفي رواية همام ايمانها ثم قرأ الآية قال الطبري معنى الآية لا ينفع كافرا لم يكن آمن قبل الطلوع ايمان بعد الطلوع ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع عمل صالح بعد الطلوع لان حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة وذلك لا يفيد شيئا كما قال تعالى فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأوا بأسنا وكما ثبت في الحديث الصحيح تقبل توبة العبد ما لم يبلغ الغرغرة وقال بن عطية في هذا الحديث دليل على أن المراد بالبعض في قوله تعالى يوم يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من المغرب والى ذلك ذهب الجمهور وأسند الطبري عن بن مسعود ان المراد بالبعض إحدى ثلاث هذه أو خروج الدابة أو الدجال قال وفيه نظر لان نزول عيسى بن مريم يعقب خروج الدجال وعيسى لا يقبل الا الإيمان فانتفى ان يكون بخروج الدجال لا يقبل الإيمان ولا التوبة قلت ثبت في صحيح مسلم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة رفعه ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض قيل فلعل حصول ذلك يكون متتابعا بحيث تبقى النسبة إلى الأول منها مجازية وهذا بعيد لان مدة لبث الدجال إلى أن يقتله عيسى ثم لبس عيسى وخروج يأجوج ومأجوج كل ذلك سابق على طلوع الشمس من المغرب فالذي يترجح من مجموع الاخبار ان خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم وان طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي وينتهي ذلك بقيام الساعة ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب وقد اخرج مسلم أيضا من طريق أبي زرعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه أول الآيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى فأيهما خرجت قبل الأخرى فالاخرى منها قريب وفي الحديث قصة لمروان بن الحكم وأنه كان يقول أول الآيات خروج الدجال فأنكر عليه عبد الله بن عمرو قلت ولكلام مروان محمل يعرف مما ذكرته قال الحاكم أبو عبد الله الذي يظهر ان طلوع الشمس يسبق خروج الدابة ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه قلت والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلا للمقصود من اغلاق باب التوبة وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس كما تقدم في حديث أنس في بدء الخلق في مسائل عبد الله بن سلام ففيه وأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وسيأتي فيه زيادة في باب كيف الحشر قال بن عطية وغيره ما حاصله معنى الآية ان الكافر لا ينفعه ايمانه بعد طلوع الشمس من المغرب وكذلك العاصي لا تنفعه توبته ومن لم يعمل صالحا من قبل ولو كان مؤمنا لا ينفعه العمل بعد طلوعها من المغرب وقال القاضي عياض المعنى لا تنفع توبة بعد ذلك بل يختم على عمل كل أحد بالحالة التي هو عليها والحكمة في ذلك ان هذا أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوي فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروري بالمعاينة وارتفع الإيمان بالغيب فهو كالايمان عند الغرغرة وهو لا ينفع فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله وقال القرطبي في التذكرة بعد أن ذكر هذا فعلى هذا فتوبة من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة فلو امتدت أيام الدنيا بعد ذلك إلى أن ينسى هذا الأمر أو ينقطع تواتره ويصير الخبر عنه آحادا فمن اسلم حينئذ أو تاب قبل منه وأيد ذلك بأنه روى ان الشمس والقمر يكسيان الضوء بعد ذلك ويطلعان ويغربان من المشرق كما كانا قبل ذلك قال وذكر أبو الليث السمرقندي في تفسيره عن عمران بن حصين قال انما لا يقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع لأنه يكون حينئذ صيحة فيهلك بها كثير من الناس فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت لم تقبل توبته ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته قال وذكر الميانشي عن عبد الله بن عمرو رفعه قال تبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة قلت رفع هذا لا يثبت وقد أخرجه عبد بن حميد في تفسيره بسند جيد عن عبد الله بن عمرو موقوفا وقد ورد عنه ما يعارضه فأخرج أحمد ونعيم بن حماد من وجه اخر عن عبد الله بن عمرو رفعه الآيات خرزات منظومات في سلك إذا انقطع السلك تبع بعضها بعضا واخرج الطبراني من وجه اخر عن عبد الله بن عمرو رفعه إذا طلع الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا ينادي الهي مرني ان اسجد لمن شئت الحديث وأخرج نعيم نحوه عن أبي هريرة والحسن وقتادة بأسانيد مختلفة وعند بن عساكر من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رفعه بين يدي الساعة عشر آيات كالنظم في الخيط إذا سقط منها واحدة توالت وعن أبي العالية بين أول الآيات وآخرها ستة اشهر يتتابعن كتتابع الخرزات في النظام ويمكن الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو بأن المدة ولو كانت كما قال عشرين ومائة سنة لكنها تمر مرورا سريعا كمقدار مرور عشرين ومائة شهر من قبل ذلك أو دون ذلك كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رفعه لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر الحديث وفيه واليوم كاحتراق السعفة وأما حديث عمران فلا أصل له وقد سبقه إلى هذا الاحتمال البيهقي في البعث والنشور فقال في باب خروج يأجوج ومأجوج فصل ذكر الحليمي ان أول الآيات الدجال ثم نزول عيسى لان طلوع الشمس من المغرب لو كان قبل نزول عيسى لم ينفع الكفار ايمانهم في زمانه ولكنه ينفعهم إذ لو لم ينفعهم لما صار الدين واحدا بإسلام من أسلم منهم قال البيهقي وهو كلام صحيح لو لم يعارض الحديث الصحيح المذكور ان أول الآيات طلوع الشمس من المغرب وفي حديث عبد الله بن عمرو طلوع الشمس أو خروج الدابة وفي حديث أبي حازم عن أبي هريرة الجزم بهما وبالدجال في عدم نفع الإيمان قال البيهقي ان كان في علم الله ان طلوع الشمس سابق احتمل ان يكون المراد نفى النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك فإذا انقرضوا وتطاول الزمان وعاد بعضهم إلى الكفر عاد تكليفه الإيمان بالغيب وكذا في قصة الدجال لا ينفع ايمان من آمن بعيسى عند مشاهدة الدجال وينفعه بعد انقراضه وان كان في علم الله طلوع الشمس بعد نزول عيسى احتمل أن يكون المراد بالآيات في حديث عبد الله بن عمرو آيات أخرى غير الدجال ونزول عيسى إذ ليس في الخبر نص على أنه يتقدم عيسى قلت وهذا الثاني هو المعتمد والاخبار الصحيحة تخالفه ففي صحيح مسلم من رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه من تاب قبل ان تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه فمفهومه ان من تاب بعد ذلك لم تقبل ولأبي داود والنسائي من حديث معاوية رفعه لا تزال تقبل التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها وسنده جيد وللطبراني عن عبد الله بن سلام نحوه وأخرج أحمد والطبري والطبراني من طريق مالك بن يخامر بضم التحتانية بعدها خاء معجمة وبكسر الميم وعن معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو رفعوه لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت طبع الله على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل وأخرج أحمد والدارمي وعبد بن حميد في تفسيره كلهم من طريق أبي هند عن معاوية رفعه لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها واخرج الطبري بسند جيد من طريق أبي الشعثاء عن بن مسعود موقوفا التوبة مفروضة ما لم تطلع الشمس من مغربها وفي حديث صفوان بن عسال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وأخرجه أيضا النسائي وبن ماجة وصححه بن خزيمة وبن حبان وفي حديث بن عباس نحوه عند بن مردويه وفيه فإذا طلعت الشمس من مغربها رد المصراعان فيلتئم ما بينهما فإذا اغلق ذلك الباب لم تقبل بعد ذلك توبة ولا تنفع حسنة الا من كان يعمل الخير قبل ذلك فإنه يجري لهم ما كان قبل ذلك وفيه فقال أبي بن كعب فكيف بالشمس والناس بعد ذلك قال تكسي الشمس الضوء وتطلع كما كانت تطلع وتقبل الناس على الدنيا فلو نتج رجل مهرا لم يركبه حتى تقوم الساعة وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند نعيم بن حماد في كتاب الفتن وعبد الرزاق في تفسيره عن وهب بن جابر الخيواني بالخاء المعجمة قال كنا عند عبد الله بن عمرو فذكر قصة قال ثم أنشأ يحدثنا قال ان الشمس إذا غربت سلمت وسجدت واستأذنت في الطلوع فيؤذن لها حتى إذا كان ذات ليلة فلا يؤذن لها وتحبس ما شاء الله تعالى ثم يقال لها اطلعي من حيث غربت قال فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق كذلك ومن طريق أخرى وزاد فيها قصة المتهجدين وأنهم هم الذين يستنكرون بطء طلوع الشمس واخرج أيضا من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال تأتي ليلة قدر ثلاث ليال لا يعرفها الا المتهجدون يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فيقرأ ثم ينام ثم يقوم فعندها يموج الناس بعضهم في بعض حتى إذا صلوا الفجر وجلسوا فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها فيضج الناس ضجة واحدة حتى إذا توسطت السماء رجعت وعند البيهقي في البعث والنشور من حديث بن مسعود نحوه فينادي الرجل جاره يا فلان ما شأن الليلة لقد نمت حتى شبعت وصليت حتى أعييت وعند نعيم بن حماد من وجه اخر عن عبد الله بن عمرو قال لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج الا قليلا حتى تطلع الشمس من مغربها فيناديهم مناد يا أيها الذين آمنوا قد قبل منكم ويا أيها الذين كفروا قد اغلق عنكم باب التوبة وجفت الأقلام وطويت الصحف ومن طريق يزيد بن شريح وكثير بن مرة إذا طلعت الشمس من المغرب يطبع على القلوب بما فيها وترتفع الحفظة وتؤمر الملائكة ان لا يكتبوا عملا واخرج عبد بن حميد والطبري بسند صحيح من طريق عامر الشعبي عن عائشة إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام وطويت الصحف وخلصت الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال وهو وان كان موقوفا فحكمه الرفع ومن طريق العوفي عن بن عباس نحوه ومن طريق بن مسعود قال الآية التي يختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها فهذه اثار يشد بعضها بعضا متفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب اغلق باب التوبة ولم يفتح بعد ذلك وان ذلك لا يختص بيوم الطلوع بل يمتد إلى يوم القيامة ويؤخذ منها ان طلوع الشمس من مغربها أول الإنذار بقيام الساعة وفي ذلك رد على أصحاب الهيئة ومن وافقهم ان الشمس وغيرها من الفلكيات بسيطة لا يختلف مقتضياتها ولا يتطرق إليها تغيير ما هي عليه قال الكرماني وقواعدهم منقوضة ومقدماتهم ممنوعة وعلى تقدير تسليمها فلا امتناع من انطباق منطقة البروج التي هي معدل النهار بحيث يصير المشرق مغربا وبالعكس واستدل صاحب الكشاف بهذه الآية للمعتزلة فقال قوله لم تكن آمنت من قبل صفة لقوله نفسا وقوله أو كسبت في ايمانها خيرا عطف على آمنت والمعنى ان أشراط الساعة اذا جاءت وهي آيات ملجئة للايمان ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع الإيمان حينئذ من غير مقدمة ايمانها قبل ظهور الآيات أو مقدمة ايمانها من غير تقديم عمل صالح فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكتسب خيرا ليعلم ان قوله الذين آمنوا وعملوا الصالحات جمع بين قرينتين لا ينبغي ان تنفك إحداهما عن الأخرى حتى يفوز صاحبها ويسعد والا فالشقوة والهلاك قال الشهاب السمين قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية أنه إذا اتى بعض الآيات لا ينفع نفسا كافرة ايمانها الذي اوقعته إذ ذاك ولا ينفع نفسا سبق ايمانها ولم تكسب فيه خيرا فقد علق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين اما نفي سبق الإيمان فقط واما سبقه مع نفي كسب الخير ومفهومه انه ينفع الإيمان السابق وحده وكذا السابق ومعه الخير ومفهوم الصفة قوي فيستدل بالآية لمذهب أهل السنة ويكون فيه قلب دليل المعتزلة دليلا عليهم وأجاب بن المنير في الانتصاف فقال هذا الكلام من البلاغة يلقب اللف وأصله يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة قبل ايمانها بعد ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل ما تكتسبه من الخير بعد فلف الكلامين فجعلهما كلاما واحدا ايجازا وبهذا التقرير يظهر انها لا تخالف مذهب أهل الحق فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير ولو نفع الإيمان المتقدم من الخلود فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدل له وقال بن الحاجب في أماليه الإيمان قبل مجيء الآية نافع ولو لم يكن عمل صالح غيره ومعنى الآية لا ينفع نفسا ايمانها ولاكسبها العمل الصالح لم يكن الإيمان قبل الآية أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها فاختصر للعلم ونقل الطيبي كلام الأئمة في ذلك ثم قال المعتمد ما قال بن المنير وبن الحاجب وبسطه ان الله تعالى لما خاطب المعاندين بقوله تعالى وهذا كتاب انزلناه مبارك فاتبعوه الآية علل الإنزال بقوله ان تقولوا انما انزل الكتاب الخ إزالة للعذر والزاما للحجة وعقبة بقوله فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة تبكيتا لهم وتقريرا لما سبق من طلب الاتباع ثم قال فمن أظلم ممن كذب الآية أي انه انزل هذا الكتاب المنير كاشفا لكل ريب وهاديا إلى الطريق المستقيم ورحمة من الله للخلق ليجعلوه زادا لمعادهم فيما يقدمونه من الإيمان والعمل الصالح فجعلوا شكر النعمة ان كذبوا بها ومنعوا من الانتفاع بها ثم قال هل ينظرون الآية أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون الا أن يأتيهم عذاب الدنيا بنزول الملائكة بالعقاب الذي يستأصل شأفتهم كما جرى لمن مضى من الأمم قبلهم أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعض قوارعها فحينئذ تفوت تلك الفرصة السابقة فلا ينفعهم شيء مما كان ينفعهم من قبل من الإيمان وكذا العمل الصالح مع الإيمان فكأنه قيل يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ايمانها ولا كسبها العمل الصالح في ايمانها حينئذ إذا لم تكن أمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا من قبل ففي الآية لف لكن حذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر ونظيره قوله تعالى ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا قال فهذا الذي عناه بن المنير بقوله ان هذا الكلام في البلاغة يقال له اللف والمعنى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة من قبل ذلك ايمانها من بعد ذلك ولا ينفع نفسا كانت مؤمنة لكن لم تعمل في ايمانها عملا صالحا قبل ذلك ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك قال وبهذا التقرير يظهر مذهب أهل السنة فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير أي لاغلاق باب التوبة ورفع الصحف والحفظة وان كان ما سبق قبل ظهور الآية من الإيمان ينفع صاحبه في الجملة ثم قال الطيبي وقد ظفرت بفضل الله بعد هذا التقرير على آية أخرى تشبه هذه الآية وتناسب هذا التقرير معنى ولفظا من غير افراط ولا تفريط وهي قوله تعالى ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون الا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم الآية فإنه يظهر منه ان الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع وان الإيمان المقارن بالعمل الصالح انفع وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء أصلا والله اعلم انتهى ملخصا قوله ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته بكسر اللام وسكون القاف بعدها مهملة هي ذات الدر من النوق قوله يليط حوضه بضم أوله ويقال الاط حوضه إذا مدره أي جمع حجارة فصيرها كالحوض ثم سد ما بينها من الفرج بالمدر ونحوه لينحبس الماء هذا أصله وقد يكون للحوض خروق فيسدها بالمدر قبل أن يملأه وفي كل ذلك إشارة إلى أن القيامة تقوم بغتة كما قال الله تعالى لا تأتيكم الا بغتة
1 ( قوله باب من احب لقاء الله احب الله لقاءه ) هكذا ترجم بالشق الأول من الحديث الأول إشارة إلى بقيته على طريق الاكتفاء قال العلماء محبة الله لعبده ارادته الخير له وهدايته إليه وانعامه عليه وكراهته له على الضد من ذلك
6142 قوله حدثنا حجاج هو بن المنهال البصري وهو من كبار شيوخ البخاري وقد روى عن همام أيضا حجاج بن محمد المصيصي لكن لم يدركه البخاري قوله عن قتادة لهمام فيه إسناد آخر أخرجه أحمد عن عفان عن همام عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثني فلان بن فلان أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرالحديث بطوله بمعناه وسنده قوي وإبهام الصحابي لا يضر وليس ذلك اختلافا على همام فقد أخرجه أحمد عن عفان عن همام عن قتادة قوله عن أنس في رواية شعبة عن قتادة سمعت أنسا وسيأتي بيانه في الرواية المعلقة قوله عن عبادة بن الصامت قد رواه حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير واسطة أخرجه أحمد والنسائي والبزار من طريقه وذكر البزار انه تفرد به فان أراد مطلقا وردت عليه رواية قتادة وان أراد بقيد كونه جعله من مسند أنس سلم قوله من احب لقاء الله احب الله لقاءه قال الكرماني ليس الشرط سببا للجزاء بل الأمر بالعكس ولكنه على تأويل الخبر أي من احب لقاء الله أخبره بأن الله احب لقاءه وكذا الكراهة وقال غيره فيما نقله بن عبد البر وغيره من هنا خبرية وليست شرطية فليس معناه ان سبب حب الله لقاء العبد حب العبد لقاءه ولا الكراهة ولكنه صفة حال الطائفتين في أنفسهم عند ربهم والتقدير من احب لقاء الله فهو الذي احب الله لقاءه وكذا الكراهة قلت ولا حاجة إلى دعوى نفي الشرطية فسيأتي في التوحيد من حديث أبي هريرة رفعه قال الله عز وجل إذا احب عبدي لقائي أحببت لقاءه الحديث فيتعين أن من في حديث الباب شرطية وتأويلها ما سبق وفي قوله احب الله لقاءه العدول عن الضمير إلى الظاهر تفخيما وتعظيما ودفعا لتوهم عود الضمير على الموصول لئلا يتحد في الصورة المبتدأ والخبر ففيه إصلاح اللفظ لتصحيح المعنى وأيضا فعود الضمير على المضاف إليه قليل وقرأت بخط بن الصائغ في شرح المشارق يحتمل أن يكون لقاء الله مضافا للمفعول فإقامه مقام الفاعل ولقاءه إما مضاف للمفعول أو للفاعل الضمير أو للموصول لأن الجواب إذا كان شرطا فالأولى ان يكون فيه ضمير نعم هو موجود هنا ولكن تقديرا قوله ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه قال المازري من قضى الله بموته لا بد ان يموت وان كان كارها للقاء الله ولو كره الله موته لما مات فيحمل الحديث على كراهته سبحانه وتعالى الغفران له وإرادته لإبعاده من رحمته قلت ولا اختصاص لهذا البحث بهذا الشق فإنه يأتي مثله في الشق الأول كأن يقال مثلا من قضى الله بامتداد حياته لا يموت ولو كان محبا للموت الخ قوله قالت عائشة أو بعض أزواجه كذا في هذه الرواية بالشك وجزم سعد بن هشام في روايته عن عائشة بأنها هي التي قالت ذلك ولم يتردد وهذه الزيادة في هذا الحديث لا تظهر صريحا هل هي من كلام عبادة والمعنى أنه سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وسمع مراجعة عائشة أو من كلام أنس بأن يكون حضر ذلك فقد وقع في رواية حميد التي أشرت إليها بلفظ فقلنا يا رسول الله فيكون اسند القول إلى جماعة وان كان المباشر له واحدا وهي عائشة وكذا وقع في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى التي أشرت إليها وفيها فأكب القوم يبكون وقالوا انا نكره الموت قال ليس ذلك ولابن أبي شيبة من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة نحو حديث الباب وفيه قيل يا رسول الله ما منا من أحد الا وهو يكره الموت فقال إذا كان ذلك كشف له ويحتمل أيضا ان يكون من كلام قتادة أرسله في رواية همام ووصله في رواية سعيد بن أبي عروبة عنه عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة فيكون في رواية همام ادراج وهذا أرجح في نظري فقد أخرجه مسلم عن هداب بن خالد عن همام مقتصرا على أصل الحديث دون قوله فقالت عائشة الخ ثم أخرجه من رواية سعيد بن أبي عروبة موصولا تاما وكذا أخرجه هو وأحمد من رواية شعبة والنسائي من رواية سليمان التيمي كلاهما عن قتادة وكذا جاء عن أبي هريرة وغير واحد من الصحابة بدون المراجعة وقد أخرجه الحسن بن سفيان وأبو يعلى جميعا عن هدبة بن خالد عن همام تاما كما أخرجه البخاري عن حجاج عن همام وهدبة هو هداب شيخ مسلم فكأن مسلما حذف الزيادة عمدا لكونها مرسلة من هذا الوجه واكتفى بإيرادها موصولة من طريق سعيد بن أبي عروبة وقد رمز البخاري إلى ذلك حيث علق رواية شعبة بقوله اختصره الخ وكذا أشار إلى رواية سعيد تعليقا وهذا من العلل الخفية جدا قوله انا لنكره الموت في رواية سعد بن هشام فقالت يا نبي الله اكراهة الموت فكلنا نكره الموت قوله بشر برضوان الله وكرامته في رواية سعد بن هشام بشر برحمة الله ورضوانه وجنته وفي حديث حميد عن أنس ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله وليس شيء احب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ولكنه إذا حضر فإما ان كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم فإذا بشر بذلك احب لقاء الله والله للقائه احب قوله فليس شيء احب إليه مما أمامه بفتح الهمزة أي ما يستقبله بعد الموت وقد وقعت هذه المراجعة من عائشة لبعض التابعين فأخرج مسلم والنسائي من طريق شريح بن هانيء قال سمعت أبا هريرة فذكر أصل الحديث قال فأتيت عائشة فقلت سمعت حديثا ان كان كذلك فقد هلكنا فذكره قال وليس منا أحد الا وهو يكره الموت فقالت ليس بالذي تذهب إليه ولكن إذا شخص البصر بفتح الشين والخاء المعجمتين وآخره مهملة أي فتح المحتضر عينيه إلى فوق فلم يطرف وحشرج الصدر بحاء مهملة مفتوحة بعدها معجمة وآخره جيم أي ترددت الروح في الصدر واقشعر الجلد وتشنجت بالشين المعجمة والنون الثقيلة والجيم أي تقبضت وهذه الأمور هي حالة المحتضر وكأن عائشة اخذته من معنى الخبر الذي رواه عنها سعد بن هشام مرفوعا وأخرجه مسلم والنسائي أيضا عن شريح بن هانيء عن عائشة مثل روايته عن أبي هريرة وزاد في اخره والموت دون لقاء الله وهذه الزيادة من كلام عائشة فيما يظهر لي ذكرتها استنباطا مما تقدم وعند عبد بن حميد من وجه آخر عن عائشة مرفوعا إذا راد الله بعبد خيرا قيض له قبل موته بعام ملكا يسدده ويوفقه حتى يقال مات بخير ما كان فإذا حضر ورأى ثوابه اشتاقت نفسه فذلك حين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وإذا أراد الله بعبد شرا قيض له قبل موته بعام شيطانا فأضله وفتنه حتى يقال مات بشر ما كان عليه فإذا حضر ورأى ما أعد له من العذاب جزعت نفسه فذلك حين كره لقاء الله وكره الله لقاءه قال الخطابي تضمن حديث الباب من التفسير ما فيه غنية عن غيره واللقاء يقع على أوجه منها المعاينة ومنها البعث كقوله تعالى الذين كذبوا بلقاء الله ومنها الموت كقوله من كان يرجو لقاء الله فإن اجل الله لآت وقوله قل ان الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم وقال بن الأثير في النهاية المراد بلقاء الله هنا المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله وليس الغرض به الموت لان كلا يكرهه فمن ترك الدنيا وأبغضها احب لقاء الله ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله لأنه انما يصل إليه بالموت وقول عائشة والموت دون لقاء الله يبين ان الموت غير اللقاء ولكنه معترض دون الغرض المطلوب فيجب ان يصبر عليه ويحتمل مشاقه حتى يصل إلى الفوز باللقاء قال الطيبي يريد أن قول عائشة انا لنكره الموت يوهم أن المراد بلقاء الله في الحديث الموت وليس كذلك لان لقاء الله غير الموت بدليل قوله في الرواية الأخرى والموت دون لقاء الله لكن لما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله عبر عنه بلقاء الله وقد سبق بن الأثير إلى تأويل لقاء الله بغير الموت الامام أبو عبيد القاسم بن سلام فقال ليس وجهه عندي كراهة الموت وشدته لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها وكراهية ان يصير إلى الله والدار الآخرة قال ومما يبين ذلك ان الله تعالى عاب قوما بحب الحياة فقال ان الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وقال الخطابي معنى محبة العبد للقاء الله ايثاره الآخرة على الدنيا فلا يحب استمرار الإقامة فيها بل يستعد للارتحال عنها والكراهة بضد ذلك وقال النووي معنى الحديث أن المحبة والكراهة التي تعتبر شرعا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة حيث ينكشف الحال للمحتضر ويظهر له ما هو صائر إليه قوله بشر بعذاب الله وعقوبته في رواية سعد بن هشام بشر بعذاب الله وسخطه وفي رواية حميد عن أنس وان الكافر أو الفاجر إذا جاءه ما هو صائر إليه من السوء أو ما يلقى من الشر الخ وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى نحو ما مضى قوله اختصره أبو داود وعمرو عن شعبة يعني عن قتادة عن أنس عن عبادة ومعنى اختصاره انه اقتصر على أصل الحديث دون قوله فقالت عائشة الخ فأما رواية أبي داود وهو الطيالسي فوصلها الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبي داود وكذا وقع لنا بعلو في مسند أبي داود الطيالسي وأما رواية عمرو وهو بن مرزوق فوصلها الطبراني في المعجم الكبير عن أبي مسلم الكجي ويوسف بن يعقوب القاضي كلاهما عن عمرو بن مرزوق وكذا أخرجه أحمد عن محمد بن جعفر عن شعبة وهو عند مسلم من رواية محمد بن جعفر وهو غندر قوله وقال سعيد عن قتادة الخ وصله مسلم من طريق خالد بن الحارث ومحمد بن بكر كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة كما تقدم بيانه وكذا أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وبن ماجة من رواية سعيد بن أبي عروبة ووقع لنا بعلو في كتاب البعث لابن أبي داود وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم البداءة بأهل الخير في الذكر لشرفهم وان كان أهل الشر أكثر وفيه أن المجازاة من جنس العمل فإنه قابل المحبة بالمحبة والكراهة بالكراهة وفيه ان المؤمنين يرون ربهم في الآخرة وفيه نظر فإن اللقاء أعم من الرؤية ويحتمل على بعد ان يكون في قوله لقاء الله حذف تقديره لقاء ثواب الله ونحو ذلك ووجه البعد فيه الإتيان بمقابله لان أحدا من العقلاء لا يكره لقاء ثواب الله بل كل من يكره الموت انما يكرهه خشية ان لا يلقى ثواب الله اما لابطائه عن دخول الجنة بالشغل بالتبعات واما لعدم دخولها أصلا كالكافر وفيه ان المحتضر إذا ظهرت عليه علامات السرور كان ذلك دليلا على أنه بشر بالخير وكذا بالعكس وفيه ان محبة لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمني الموت لأنها ممكنة مع عدم تمني الموت كأن تكون المحبة حاصلة لا يفترق حاله فيها بحصول الموت ولا بتأخره وان النهي عن تمني الموت محمول على حالة الحياة المستمرة وأما عند الاحتضار والمعاينة فلا تدخل تحت النهي بل هي مستحبة وفيه ان في كراهة الموت في حال الصحة تفصيلا فمن كرهه ايثارا للحياة على ما بعد الموت من نعيم الآخرة كان مذموما ومن كرهه خشية ان يفضي إلى المؤاخذة كأن يكون مقصرا في العمل لم يستعد له بالأهبة بأن يتخلص من التبعات ويقوم بأمر الله كما يجب فهو معذور لكن ينبغي لمن وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الاهبة حتى إذا حضره الموت لا يكرهه بل يحبه لما يرجو بعده من لقاء الله تعالى وفيه أن الله تعالى لا يراه في الدنيا أحد من الاحياء وانما يقع ذلك للمؤمنين بعد الموت اخذا من قوله والموت دون لقاء الله وقد تقدم ان اللقاء أعم من الرؤية فإذا انتفى اللقاء انتفت الرؤية وقد ورد بأصرح من هذا في صحيح مسلم من حديث أبي امامه مرفوعا في حديث طويل وفيه واعلموا انكم لن تروا ربكم حتى تموتوا الحديث الثاني حديث أبي موسى مثل حديث عبادة دون قوله فقالت عائشة الخ وكأنه أورده استظهارا لصحة الحديث وقد أخرجه مسلم أيضا وبريد بموحدة ثم مهملة هو بن عبد الله بن أبي بردة الحديث الثالث
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu hadis, dan bagaimana keasliannya dinilai?
- Apa saja koleksi hadis yang paling sahih?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Siapakah para sahabat (Sahabah) Nabi Muhammad (saw)?