İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
1 ( قوله باب العجماء جبار ) أفردها بترجمة لما فيها من التفاريع الزائدة عن البئر والمعدن وتقدمت الإشارة إلى ذلك قوله وقال بن سيرين كانوا لا يضمنون بالتشديد من النفحة بفتح النون وسكون الفاء ثم حاء مهملة أي الضربة بالرجل يقال نفحت الدابة إذا ضربت برجلها ونفح بالمال رمى به ونفح عن فلان ونافح دفع ودافع قوله ويضمنون من رد العنان بكسر المهملة ثم نون خفيفة هو ما يوضع في فم الدابة ليصرفها الراكب كما يختار والمعنى أن الدابة إذا كانت مركوبة فلفت الراكب عنانها فأصابت برجلها شيئا ضمنه الراكب وإذا ضربت برجلها من غير أن يكون له في ذلك تسبب لم يضمن وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور عن هشيم حدثنا بن عون عن محمد بن سيرين وهذا سند صحيح واسنده بن أبي شيبة من وجه آخر عن بن سيرين نحوه قوله وقال حماد لا تضمن النفحة إلا أن ينخس بنون ومعجمة ثم مهملة أي يطعن قوله انسان الدابة هو أعم من أن يكون صاحبها أو أجنبيا وهذا الأثر وصل بعضه بن أبي شيبة من طريق شعبة سألت الحكم عن رجل واقف على دابته فضربت برجلها فقال يضمن وقال حماد لا يضمن قوله وقال شريح هو بن الحارث القاضي المشهور قوله لا يضمن ما عاقبت أي الدابة أن يضربها فتضرب برجلها وصله بن أبي شيبة من طريق محمد بن سيرين عن شريح قال يضمن السائق والراكب ولا يضمن الدابة إذا عاقبت قلت وما عاقبت قال إذا ضربها رجل فاصابته وأخرجه سعيد بن منصور من هذا الوجه وزاد أو راسها إلا أن يضربها رجل فتعاقبه فلا ضمان قوله وقال الحكم أي بن عتيبة بمثناة وموحدة مصغر هو الكوفي أحد فقهائهم وحماد هو بن أبي سليمان أحد فقهاء الكوفة أيضا قوله إذا ساق المكاري بكسر الراء وبفتحها أيضا قوله حمارا عليه امرأة فتخر بالخاء المعجمة أي تسقط قوله لا شيء عليه أي لا ضمان قوله وقال الشعبي إذا ساق دابة فاتعبها فهو ضامن لما أصابت وان كان خلفها مترسلا لم يضمن وصلها سعيد بن منصور وبن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن سالم عن عامر وهو الشعبي قال إذا ساق الرجل الدابة وأتعبها فأصابت انسانا فهو ضامن فان كان خلفها مترسلا أي يمشي على هينته فليس عليه ضمان فيما أصابت قال بن بطال فرق الحنفية فيما أصابت الدابة بيدها أو رجلها فقالوا لا يضمن ما أصابت برجلها وذنبها ولو كانت بسبب ويضمن ما أصابت بيدها وفمها فأشار البخاري إلى الرد بما نقله عن أئمة أهل الكوفة مما يخالف ذلك وقد احتج لهم الطحاوي بأنه لا يمكن التحفظ من الرجل والذنب بخلاف اليد والفم واحتج برواية سفيان بن حسين الرجل جبار وقد غلطه الحفاظ ولو صح فاليد أيضا جبار بالقياس على الرجل وكل منهما مقيد بما إذا لم يكن لمن هي معه مباشرة ولا تسبب ويحتمل أن يقال حديث الرجل جبار مختصر من حديث العجماء جبار لأنها فرد من أفراد العجماء وهم لا يقولون بتخصيص العموم بالمفهوم فلا حجة لهم فيه وقد وقع في حديث الباب زيادة والرجل جبار أخرجه الدارقطني من طريق آدم عن شعبة وقال تفرد آدم عن شعبة بهذه الزيادة وهي وهم وعند الحنفية خلاف فقال أكثرهم لا يضمن الراكب والقائد في الرجل والذنب إلا إن أوقفها في الطريق وأما السائق فقيل ضامن لما أصابت بيدها أو رجلها لأن النفحة بمرأى عينه فيمكنه الاحتراز عنها والراجح عندهم لا يضمن النفحة وإن كان يراها إذ ليس على رجلها ما يمنعها به فلا يمكنه التحرز عنه بخلاف الفم فإنه يمنعها باللجام وكذا قال الحنابلة
6515 قوله حدثنا مسلم هو بن إبراهيم ومحمد بن زيادة هو الجمحي والسند بصريون قوله عن أبي هريرة في رواية الإسماعيلي من طريق علي بن الجعد عن شعبة عن محمد بن زيادة سمعت أبا هريرة قوله العجماء عقلها جبار في رواية حامد البلخي عن أبي زيد عن شعبة جرح العجماء جبار أخرجه الإسماعيلي ووقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم العجماء جرحها جبار وكذا في حديث كثير بن عبد الله المزني عند بن ماجة وفي حديث عبادة بن الصامت عنده وقال شيخنا في شرح الترمذي وليس ذكر الجرح قيدا وانما المراد به إتلافها بأي وجه كان سواء كان بجرح أو غيره والمراد بالعقل الدية أي لا دية فيما تتلفه وقد استدل بهذا الإطلاق من قال لا ضمان فيما أتلفت البهيمة سواء كانت منفردة أو معها أحد سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها وهو قول الظاهرية واستثنوا ما إذا كان الفعل منسوبا إليه بأن حملها على ذلك الفعل إذا كان راكبا كان يلوى عنانها فتتلف شيئا برجلها مثلا أو يطعنها أو يزجرها حين يسوقها أو يقودها حتى تتلف ما مرت عليه وأما ما لا ينسب إليه فلا ضمان فيه وقال الشافعية إذا كان مع البهيمة انسان فإنه يضمن ما أتلفته من نفس أو عضو أو مال سواء كان سائقا أو راكبا أو قائدا سواء كان مالكا أو آجيرا أو مستأجرا أو مستعيرا أو غاصبا وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو ذنبها أو رأسها وسواء كان ذلك ليلا أو نهارا والحجة في ذلك أن الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره ومن هو مع البهيمة حاكم عليها فهي كالآلة بيده ففعلها منسوب إليه سواء حملها عليه أم لا سواء علم به أم لا وعن مالك كذلك إلا إن رمحت بغير أن يفعل بها أحد شيئا ترمح بسببه وحكاه بن عبد البر عن الجمهور وقد وقع في رواية جابر عند أحمد والبزار بلفظ السائمة جبار وفيه إشعار بان المراد بالعجماء البهيمة التي ترعى لا كل بهيمة لكن المراد بالسائمة هنا التي ليس معها أحد لأنه الغالب على السائمة وليس المراد بها التي لا تعلف كما في الزكاة فإنه ليس مقصودا هنا واستدل به على أنه لا فرق في اتلاف البهيمة للزروع وغيرها في الليل والنهار وهو قول الحنفية والظاهرية وقال الجمهور انما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهارا وأما بالليل فان عليه حفظها فإذا أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما اتلفت ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعي رضي الله عنه وأبو داود والنسائي وبن ماجة كلهم من رواية الأوزاعي والنسائي أيضا وبن ماجة من رواية عبد الله بن عيسى والنسائي أيضا من رواية محمد بن ميسرة وإسماعيل بن أمية كلهم عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب قال كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل وأخرج بن ماجة أيضا من رواية الليث عن الزهري عن بن محيصة أن ناقة للبراء ولم يسم حراما وأخرج أبو داود من رواية معمر عن الزهري فزاد فيه رجلا قال عن حرام بن محيصة عن أبيه وكذا أخرجه مالك والشافعي عنه عن الزهري عن حرام بن سعيد بن محيصة أن ناقة وأخرجه الشافعي في رواية المزني في المختصر عنه عن سفيان عن الزهري فزاد مع حرام سعيد بن المسيب قالا إن ناقة للبراء وفيه اختلاف آخر أخرجه البيهقي من رواية بن جريج عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل فاختلف فيه على الزهري على ألوان والمسند منها طريق حرام عن البراء وحرام بمهملتين أختلف هل هو بن محيصة نفسه أو بن سعد بن محيصة قال بن حزم وهو مع ذلك مجهول لم يرو عنه إلا الزهري ولم يوثقه قلت وقد وثقه بن سعد وبن حبان لكن قال انه لم يسمع من البراء انتهى وعلى هذا فيحتمل أن يكون قول من قال فيه عن البراء أي عن قصة ناقة البراء فتجتمع الروايات ولا يمتنع أن يكون للزهري فيه ثلاثة أشياخ وقد قال بن عبد البر هذا الحديث وان كان مرسلا فهو مشهور حدث به الثقات وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول وأما إشارة الطحاوي إلى أنه منسوخ بحديث الباب فقد تعقبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال مع الجهل بالتاريخ وأقوى من ذلك قول الشافعي أخذنا بحديث البراء لثبوته ومعرفة رجاله ولا يخالفه حديث العجماء جبار لأنه من العام والمراد به الخاص فلما قال العجماء جبار وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال دل ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حال جبار وفي حال غير جبار ثم نقض على الحنفية أنهم لم يستمروا على الأخذ بعمومه في تضمين الراكب متمسكين بحديث الرجل جبار مع ضعف راويه كما تقدم وتعقب بعضهم على الشافعية قولهم أنه لو جرت عادة قوم إرسال المواشي ليلا وحبسها نهارا انعكس الحكم على الأصح وأجابوا بأنهم اتبعوا المعنى في ذلك ونظيره القسم الواجب للمرأة لو كان يكتسب ليلا ويأوي إلى أهله نهارا لأنعكس الحكم في حقه مع أن عماد القسم الليل نعم لو اضطربت العادة في بعض البلاد فكان بعضهم يرسلها ليلا وبعضهم يرسلها نهارا فالظاهر أنه يقضي بما دل عليه الحديث
1 ( قوله باب اثم من قتل ذميا بغير جرم )
بضم الجيم وسكون الراء وقد بينت في الجزية حكمة هذا القيد وأنه وإن لم يذكر في الخبر فقد عرف من قاعدة الشرع ووقع نصا في رواية أبي معاوية عن الحسن بن عمرو عند الإسماعيلي بلفظ حق وللبيهقي من رواية صفوان بن سليم عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ من قتل معاهدا له ذمة الله ورسوله ولأبي داود والنسائي من حديث أبي بكرة من قتل معاهدا في غير كنهة والذمي منسوب إلى الذمة وهي العهد ومنه ذمة المسلمين واحدة قوله عبد الواحد هو بن زياد قوله حدثنا الحسن هو بن عمرو الفقيمي بفاء ثم قاف مصغر وقد بينت حاله في كتاب الجزية قوله مجاهد عن عبد الله بن عمرو هكذا في جميع الطرق بالعنعنة وقد وقع في رواية مروان بن معاوية عن الحسن بن عمرو عن مجاهد عن جنادة بن أبي أمية عن عبد الله بن عمرو فزاد فيه رجلا بين مجاهد وعبد الله أخرجه النسائي وبن أبي عاصم من طريقه وجزم أبو بكر البردنجي في كتابه في بيان المرسل أن مجاهدا لم يسمع من عبد الله بن عمرو قوله من قتل نفسا معاهدا كذا ترجم بالذمي وأورد الخبر في المعاهد وترجم في الجزية بلفظ من قتل معاهدا كما هو ظاهر الخبر والمراد به من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم وكأنه أشار بالترجمة هنا إلى رواية مروان بن معاوية المذكورة فان لفظه من قتل قتيلا من أهل الذمة وللترمذي من حديث أبي هريرة من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله الحديث وقد ذكرت في الجزية من تابع عبد الواحد على إسقاط جنادة ونقلت ترجيح الدارقطني لرواية مروان لأجل الزيادة وبينت أن مجاهدا ليس مدلسا وسماعه من عبد الله بن عمرو ثابت فترجح رواية عبد الواحد لأنه توبع وانفرد مروان بالزيادة وقوله لم يرح تقدم شرحه في الجزية والمراد بهذا النفي وإن كان عاما التخصيص بزمان ما لما تعاضدت الأدلة العقلية والنقلية أن من مات مسلما ولو كان من أهل الكبائر فهو محكوم بإسلامه غير مخلد في النار ومآله إلى الجنة ولو عذب قبل ذلك قوله ليوجد كذا للأكثر هنا وفي رواية الكشميهني بحذف اللام قوله أربعين عاما كذا وقع للجميع وخالفهم عمرو بن عبد الغفار عن الحسن بن عمرو عند الإسماعيلي فقال سبعين عاما ومثله في حديث أبي هريرة عند الترمذي من طريق محمد بن عجلان عن أبيه عنه ولفظه وان ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا ومثله في رواية صفوان بن سليم المشار إليها ونحوه لأحمد من طريق هلال بن يساف عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم سيكون قوم لهم عهد فمن قتل منهم رجلا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما وعند الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ من مسيرة مائة عام وفي الطبراني عن أبي بكرة خمسمائة عام ووقع في الموطأ في حديث آخر أن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير من حديث أبي هريرة وفي حديث لجابر ذكره صاحب الفردوس إن ريح الجنة يدرك من مسيرة ألف عام وهذا اختلاف شديد وقد تكلم بن بطال على ذلك فقال الأربعون هي الأشد فمن بلغها زاد عمله ويقينه وندمه فكأنه وجد ريح الجنة التي تبعثه على الطاعة قال والسبعون آخر المعترك ويعرض عندها الندم وخشية هجوم الأجل فتزداد الطاعة بتوفيق الله فيجد ريحها من المدة المذكورة وذكر في الخمسمائة كلاما متكلفا حاصله أنها مدة الفترة التي بين كل نبي ونبي فمن جاء في آخرها وأمن بالنبيين يكون أفضل من غيره فيجد ريح الجنة وقال الكرماني يحتمل أن لا يكون العدد بخصوصه مقصودا بل المقصود المبالغة في التكثير ولهذا خص الأربعين والسبعين لأن الأربعين يشتمل على جميع أنواع العدد لأن فيه الأحاد وأحاده عشره والمائة عشرات والألف مئات والسبع عدد فوق العدد الكامل وهو ستة إذ أجزاؤه بقدره وهي النصف والثلث والسدس بغير زيادة ولا نقصان وأما الخمسمائة فهي ما بين السماء والأرض قلت والذي يظهر لي في الجمع أن يقال ان الأربعين أقل زمن يدرك به ريح الجنة من في الموقف والسبعين فوق ذلك أو ذكرت للمبالغة والخمسمائة ثم الألف أكثر من ذلك ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأعمال فمن أدركه من المسافة البعدى أفضل ممن أدركه من المسافة القربى وبين ذلك وقد أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي فقال الجمع بين هذه الروايات أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص بتفاوت منازلهم ودرجاتهم ثم رأيت نحوه في كلام بن العربي فقال ريح الجنة لا يدرك بطبيعة ولا عادة وإنما يدرك بما يخلق الله من إدراكه فتارة يدركه من شاء الله من مسيرة سبعين وتارة من مسيرة خمسمائة ونقل بن بطال أن المهلب احتج بهذا الحديث على أن المسلم إذا قتل الذمي أو المعاهد لا يقتل به للاقتصار في أمره على الوعيد الأخروي دون الدنيوي وسيأتي البحث في هذا الحكم في الباب الذي بعده
1 ( قوله باب لا يقتل المسلم بالكافر ) عقب هذه الترجمة بالتي قبلها للإشارة إلى أنه لا يلزم من الوعيد الشديد على قتل الذمي أن يقتص من المسلم إذا قتله عمدا وللاشارة إلى أن المسلم إذا كان لا يقتل بالكافر فليس له قتل كل كافر بل يحرم عليه قتل الذمي والمعاهد بغير استحقاق
6517 قوله حدثنا صدقة بن الفضل ثبت في بعض النسخ هنا حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا مطرف أن عامرا حدثهم عن أبي جحيفة ح وحدثنا صدقة بن الفضل الخ والصواب ما عند الأكثر وطريق أحمد بن يونس تقدمت في الجزية قوله مطرف بمهملة وتشديد الراء هو بن طريف بوزن عظيم كوفي مشهور قوله سألت عليا تقدم في كتاب العلم بيان سبب هذا السؤال وهذا السياق أخصر من سياقه في كتاب العلم من وجه آخر عن مطرف قال أحمد عن سفيان بن عيينة بهذا السند هل عندكم شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير القرآن ولم يتردد فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم يؤتيه الله رجلا في القرآن ومافي هذه الصحيفة فذكره وقد تقدم من وجه آخر عن مطرف في العلم وغيره مع شرح الحديث وبيان اختلاف ألفاظ نقلته عن على وبيان المراد بالعقل وفكاك الاسير وأما ترك قتل المسلم بالكافر فأخذ به الجمهور إلا انه يلزم من قول مالك في قاطع الطريق ومن في معناه إذا قتل غيلة أن يقتل ولو كان المقتول ذميا استثناء هذه الصورة من منع قتل المسلم بالكافر وهي لا تستثني في الحقيقة لأن فيه معنى آخر وهو الفساد في الأرض وخالف الحنفية فقالوا يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق ولا يقتل بالمستأمن وعن الشعبي والنخعي يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي واحتجوا بما وقع عند أبي داود من طريق الحسن عن قيس بن عباد عن على بلفظ لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده وأخرجه أيضا من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأخرجه بن ماجة من حديث بن عباس والبيهقي عن عائشة ومعقل بن يسار وطرقه كلها ضعيفة إلا الطريق الأولى والثانية فان سند كل منهما حسن وعلى تقدير قبوله فقالوا وجه الاستدلال منه أن تقديره ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر قالوا وهو من عطف الخاص على العام فيقتضى تخصيصه لان الكافر الذي يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوى له والأعلى فلا يبقى من يقتل بالمعاهد إلا الحربي فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسويه بين المعطوف والمعطوف عليه قال الطحاوي ولو كانت فيه دلاله على نفي قتل المسلم بالذمي لكان وجه الكلام أن يقول ولا ذي عهد في عهده وإلا لكان لحنا والنبي صلى الله عليه وسلم لا يلحن فلما لم يكن كذلك علمنا أن ذا العهد هو المعنى بالقصاص فصار التقدير لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر قال ومثله في القرآن واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن فان التقدير واللائى يئسن من المحيض واللائى لم يحضن وتعقب بان الأصل عدم التقدير والكلام مستقيم بغيره إذا جعلنا الجملة مستأنفة ويؤيده اقتصار الحديث الصحيح على الجملة الأولى ولو سلم أنها للعطف فالمشاركة في أصل النفي لا من كل وجه وهو كقول القائل مررت بزيد منطلقا وعمرو فإنه لا يوجب أن يكون بعمرو منطلقا أيضا بل المشاركة في أصل المرور وقال الطحاوي أيضا لا يصح حمله على الجملة المستأنفة لان سياق الحديث فيما يتعلق بالدماء التي يسقط بعضها ببعض لأن في بعض طرقه المسلمون تتكافأ دماؤهم وتعقب بان هذا الحصر مردود فان في الحديث أحكاما كثيرة غير هذه وقد أبدى الشافعي له مناسبة فقال يشبه أن يكون لما أعلمهم أن لا قود بينهم وبين الكفار أعلمهم أن دماء أهل الذمة والعهد محرمة عليهم بغير حق فقال لا يقتل مسلم بكافر ولا يقتل ذو عهد في عهده ومعنى الحديث لا يقتل مسلم بكافر قصاصا ولا يقتل من له عهد ما دام عهده باقيا وقال بن السمعاني وأما حملهم الحديث على المستأمن فلا يصح لان العبرة بعموم اللفظ حتى يقوم دليل على التخصيص ومن حيث المعنى ان الحكم الذي يبنى في الشرع على الإسلام والكفر إنما هو لشرف الإسلام أو لنقص الكفر أو لهما جميعا فان الإسلام ينبوع الكرامة والكفر ينبوع الهوان وأيضا إباحة دم الذمي شبهة قائمة لوجود الكفر المبيح للدم والذمة إنما هي عهد عارض منع القتل مع بقاء العلة فمن الوفاء بالعهد أن لا يقتل المسلم ذميا فان اتفق القتل لم يتجه القول بالقود لأن الشبهة المبيحة لقتله موجودة ومع قيام الشبهة لا يتجه القود قلت وذكر أبو عبيد بسند صحيح عن زفر أنه رجع عن قول أصحابه فأسند عن عبد الواحد بن زياد قال قلت لزفر إنكم تقولون تدرا الحدود بالشبهات فجئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها المسلم يقتل بالكافر قال فاشهد على أني رجعت عن هذا وذكر بن العربي أن بعض الحنفية سأل الشاشي عن دليل ترك قتل المسلم بالكافر قال وأراد أن يستدل بالعموم فيقول أخصه بالحربي فعدل الشاشي عن ذلك فقال وجه دليلي السنة والتعليل لان ذكر الصفة في الحكم يقتضي التعليل فمعنى لا يقتل المسلم بالكافر تفضيل المسلم بالإسلام فاسكته ومما احتج به الحنفية ما أخرجه الدارقطني من طريق عمار بن مطر عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ربيعة عن بن البيلماني عن بن عمر قال قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما بكافر وقال أنا أولى من وفى بذمته قال الدارقطني إبراهيم ضعيف ولم يروه موصولا غيره والمشهور عن بن البيلماني مرسلا وقال البيهقي أخطأ راويه عمار بن مطر على إبراهيم في سنده وإنما يرويه إبراهيم عن محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن البيلماني هذا هو الأصل في هذا الباب وهو منقطع وراويه غير ثقة كذلك أخرجه الشافعي وأبو عبيد جميعا عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قلت لم ينفرد به إبراهيم كما يوهمه كلامه فقد أخرجه أبو داود في المراسيل والطحاوي من طريق سليمان بن بلال عن ربيعة عن بن البيلماني وبن البيلماني ضعفه جماعة ووثق فلا يحتج بما ينفرد به إذا وصل فكيف إذا أرسل فكيف إذا خالف قاله الدارقطني وقد ذكر أبو عبيد بعد أن حدث به عن إبراهيم بلغني ان إبراهيم قال أنا حدثت به ربيعة عن بن المنكدر عن بن البيلماني فرجع الحديث على هذا إلى إبراهيم وإبراهيم ضعيف أيضا قال أبو عبيد وبمثل هذا السند لا تسفك دماء المسلمين قلت وتبين أن عمار بن مطر خبط في سنده وذكر الشافعي في الأم كلاما حاصله أن في حديث بن البيلماني أن ذلك كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية قال فعلى هذا لو ثبت لكان منسوخا لأن حديث لا يقتل مسلم بكافر خطب به النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح كما في رواية عمرو بن شعيب وقصة عمرو بن أمية متقدمة على ذلك بزمان قلت ومن هنا يتجه صحة التأويل الذي تقدم عن الشافعي فان خطبة يوم الفتح كانت بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة وكان له عهد فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو قتلت مؤمنا بكافر لقتلته به وقال لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهد فأشار بحكم الأول إلى ترك اقتصاصه من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله وبالحكم الثاني إلى النهي عن الاقدام على مافعله القاتل المذكور والله أعلم ومن حججهم قطع المسلم بسرقة مال الذمي قالوا والنفس أعظم حرمة وأجاب بن بطال بأنه قياس حسن لولا النص وأجاب غيره بأن القطع حق لله ومن ثم لو أعيدت السرقة بعينها لم يسقط الحد ولو عفا والقتل بخلاف ذلك وأيضا القصاص يشعر بالمساواة ولا مساواة للكافر والمسلم والقطع لا نشترط فيه المساواة
1 ( قوله باب إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب ) أي لم يجب عليه قصاص كما لو كان من أهل الذمة وكأنه رمز بذلك إلى أن المخالف يرى القصاص في اللطمة فلما لم يقتص النبي صلى الله عليه وسلم للذمي من المسلم دل على أنه لا يجري القصاص لكن ليس كل الكوفيين يرى القصاص في اللطمة فيختص الإيراد بمن يقول منهم بذلك قوله رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم موصولا مع شرحه في قصة موسى من أحاديث الأنبياء وفي بعض طرقه كما بينته هناك فقال اليهودي إن لي ذمة وعهدا قوله حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تخيروا بين الأنبياء وحدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال جاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه الحديث كذا اقتصر في السند الأول على بعض المتن وساقه تاما بالسند الثاني وكان سفيان وهو الثوري يحدث به تاما ومختصرا فقد أخرجه الإسماعيلي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بلفظ لا تخيروا بين الأنبياء وزاد فان الله بعثهم كما بعثني قال الإسماعيلي لم يزد على ذلك ورواه يحيى القطان عن سفيان تاما قلت وليس فيه فان الله بعثهم كما بعثني قوله جاء رجل تقدم القول في اسمه وفي اسم الذي لطمه في قصة موسى قوله لطم وجهي في رواية السرخسي قد لطم وجهي قوله فقال ألطمت وجهه كذا للأكثر بهمزة الاستفهام وفي رواية الكشميهني لم لطمت قوله أم جوزى في رواية الكشميهني جزى بغير واو والأول أولى وفي الحديث استعداء الذمي على المسلم ورفعه إلى الحاكم وسماع الحاكم دعواه وتعلم من لم يعرف الحكم ما خفي عليه منه والاكتفاء بذلك في حق المسلم وأن الذمي إذا أقدم من القول على ما لا علم له به جاز للمسلم المعروف بالعلم تعزيره على ذلك وتقدمت سائر فوائده في قصة موسى عليه السلام خاتمة اشتمل كتاب الديات والقصاص من الأحاديث المرفوعة على أربعة وخمسين حديثا المعلق منها وما في معناها من المتابعات سبعة أحاديث والباقي موصول المكرر منها فيه وفيما مضى أربعون والخالص منها أربعة عشر حديثا وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث بن عمر ان من ورطات الأمور وحديث بن عباس أبغض الناس إلى الله ثلاث ملحد في الحرم الحديث وحديث أنس لو اطلع عليك وحديث بن عباس هذه وهذه سواء وحديث أبي قلابة المرسل ما قتل أحد قط إلا في إحدى ثلاث وحديثه المرسل دخل على نفر من الأنصار الحديث في القسامة وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ثمانية وعشرون أثرا بعضها موصول وسائرها معلق والله سبحانه وتعالى أعلم بسم الله الرحمن قوله بسم الله الرحمن الرحيم 1 ( كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم ) كذا في رواية الفربري وسقط لفظ كتاب من رواية المستملي وأما النسفي فقال كتاب المرتدين ثم بسمل ثم قال باب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم وإثم من أشرك الخ وقوله والمعاندين كذا للأكثر بالنون وفي رواية الجرجاني بالهاء بدل النون والأول الصواب 1 ( قوله باب إثم من أشرك بالله تعالى وعقوبته في الدنيا والآخرة )
قال الله عز وجل إن الشرك لظلم عظيم ولئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين في رواية القابسي بعد قوله وقتالهم واثم من أشرك الخ وحذف لفظ باب والواو في قوله ولئن أشركت لعطف آية على آية والتقدير وقال لئن أشركت لأنه في التلاوة بلا واو قال بن بطال الآية الأولى دالة على أنه لا إثم أعظم من الشرك وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه فالمشرك أصل من وضع الشيء في غير موضعه لأنه جعل لمن أخرجه من العدم إلى الوجود مساويا فنسب النعمة إلى غير المنعم بها والآية الثانية خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره والاحباط المذكور مقيد بالموت على الشرك لقوله تعالى فبعث وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم وذكر فيه أربعة أحاديث الحديث الأول حديث بن مسعود في تفسير قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وقد مضى شرحه في كتاب الإيمان في أوائل الكتاب وأشرت هناك إلى ما وقع في أحاديث الأنبياء في قصة إبراهيم عليه السلام من طريق حفص بن غياث عن الأعمش بهذا الإسناد والمتن وفي آخره 6520 ليس كما يقولون لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك الحديث وقد أرسل التفسير المذكور بعض رواته فعند بن مردويه من طريق عيسى بن يونس عن الأعمش مختصرا ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم قال بشرك ومن طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري عن الأعمش مثله سواء وقد أخرجه الطبري من طريق منصور عن إبراهيم في قوله ولم يلبسوا إيمانهم بظلم قال لم يخلطوه بشرك هكذا أورده موقوفا على إبراهيم ومن وجه آخر عن علقمة مثله وأخرج من طريق الأسود بن هلال عن أبي بكر الصديق مثله موقوفا عليه وعن عمر أنه قرأ هذه الآية ففزع فسأل أبي بن كعب فقال إنما هو ولم يلبسوا إيمانهم بشرك ومن طريق زيد بن صوحان أنه قال لسلمان آية قد بلغت مني كل مبلغ فذكرها فقال سلمان هو الشرك فسر زيد بذلك وأورد من طرق جماعة من الصحابة ومن التابعين مثل ذلك ثم أورد عن عكرمة قولا آخر أنها خاصة بمن لم يهاجر ومن وجه آخر عن علي أنه قال هذه الآية لإبراهيم خاصة ليست لهذه الأمة وسندهما ضعيف وصوب الطبري القول الأول وانها على العموم لجميع المؤمنين قال الطيبي ردا على من زعم أن لفظ اللبس يأبى تفسير الظلم هنا بالشرك معتلا بأن اللبس الخلط ولا يصح هنا لأن الكفر والايمان لا يجتمعان فأجاب بأن المراد بالذين آمنوا أعم من المؤمن الخالص وغيره واحتج بان اسم الإشارة الواقع خبرا للموصول مع صلته يقتضي أن ما بعده ثابت لمن قبله لاكتسابه ما ذكر من الصفة ولا ريب أن الأمن المذكور ثانيا هو المذكور أولا فيجب أن يكون الظلم عين الشرك لأنه تقدم قوله وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون إلى قوله أحق بالأمن قال واما معنى اللبس فلبس الإيمان بالظلم أن يصدق بوجود الله ويخلط به عبادة غيره ويؤيده قوله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وعرف بذلك مناسبة ذكرها في أبواب المرتد وكذلك الآية التي صدر بها واما الآية الأخرى فقالوا هي قضية شرطية ولا تستلزم الوقوع وقيل الخطاب له والمراد الأمة والله أعلم الحديث الثاني حديث أبي بكرة في أكبر الكبائر وقد مضى شرحه في الشهادات وفي عقوق الوالدين من كتاب الأدب الحديث الثالث حديث عبد الله بن عمرو في ذكر الكبائر أيضا وقد تقدم شرحه في باب اليمين الغموس من كتاب الإيمان والنذور
6522 قوله جاء أعرابي لم أقف على اسمه قوله قلت وما اليمين الغموس السائل عن ذلك قد بينته عند شرح الحديث المذكور ومحمد بن الحسين بن إبراهيم في أول السند هو المعروف بابن أشكاب أخو علي وهو من أقران البخاري ولكنه سمع قبله قليلا ومات بعده وعبيد الله بن موسى شيخه هو من كبار شيوخ البخاري المشهورين وقد أكثر عنه بلا واسطة وأقرب ذلك ما تقدم في أواخر الديات في باب جنين المرأة وربما روى عنه بواسطة كهذا الحديث الرابع حديث بن مسعود
6523 قوله سفيان هو الثوري قوله قال رجل لم أقف على اسمه قوله ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر قال الخطابي ظاهره خلاف ما أجمعت عليه الأمة أن الإسلام يجب ما قبله وقال تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف قال ووجه هذا الحديث أن الكافر إذا اسلم لم يؤاخذ بما مضى فان أساء في الإسلام غاية الإساءة وركب أشد المعاصي وهو مستمر على الإسلام فإنه إنما يوأخذ بما جناه من المعصية في الإسلام ويبكت بما كان منه في المكفر كأن يقال له ألست فعلت كذا وأنت كافر فهلا منعك اسلامك عن معاودة مثله انتهى ملخصا وحاصله أنه أول المؤاخذة في الأول بالتبكيت وفي الأخر بالعقوبة والأولى قول غيره إن المراد بالإساءة الكفر لأنه غاية الإساءة وأشد المعاصي فإذا ارتد ومات على كفره كان كمن لم يسلم فيعاقب على جميع ما قدمه والى ذلك أشار البخاري بإيراد هذا الحديث بعد حديث أكبر الكبائر الشرك وأورد كلا في أبواب المرتدين ونقل بن بطال عن المهلب قال معنى حديث الباب من أحسن في الإسلام بالتمادى على محافظته والقيام بشرائطه لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أي في عقده بترك التوحيد أخذ بكل ما أسلفه قال بن بطال فعرضته على جماعة من العلماء فقالوا لا معنى لهذا الحديث غير هذا ولا تكون الإساءة هنا إلا الكفر للاجماع على أن المسلم لا يؤاخذ بما عمل في الجاهلية قلت وبه جزم المحب الطبري ونقل بن التين عن الداودي معنى من أحسن مات على الإسلام ومن أساء مات على غير الإسلام وعن أبي عبد الملك البوني معنى من أحسن في الإسلام أي اسلم اسلاما صحيحا لا نفاق فيه ولا شك ومن أساء في الإسلام أي اسلم رياء وسمعة وبهذا جزم القرطبي ولغيره معنى الإحسان الإخلاص حين دخل فيه ودوامه عليه إلى موته والاساءة بضد ذلك فإنه ان لم يخلص إسلامه كان منافقا فلاينهدم عنه ما عمل في الجاهلية فيضاف نفاقه المتأخر إلى كفره الماضي فيعاقب على جميع ذلك قلت وحاصله أن الخطابي حمل قوله في الإسلام على صفة خارجة عن ماهية الإسلام وحمله غيره على صفة في نفس الإسلام وهو أوجه تنبية حديث بن مسعود هذا يقابل حديث أبي سعيد الماضي في كتاب الإيمان معلقا عن مالك فان ظاهر هذا ان من ارتكب المعاصي بعد أن اسلم يكتب عليه ما عمله من المعاصي قبل أن يسلم وظاهر ذلك أن من عمل الحسنات بعد أن اسلم يكتب له ما عمله من الخيرات قبل أن يسلم وقد مضى القول في توجيه الثاني عند شرحه ويحتمل أن يجيء هنا بعض ما ذكر هناك كقول من قال أن معنى كتابة ما عمله من الخير في الكفر أنه كان سببا لعمله الخير في الإسلام ثم وجدت في كتاب السنة لعبد العزيز بن جعفر وهو من رؤوس الحنابلة ما يدفع دعوة الخطابي وبن بطال الإجماع الذي نقلاه وهو ما نقل عن الميموني عن أحمد أنه قال بلغني أن أبا حنيفة يقول أن من أسلم لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية ثم رد عليه بحديث بن مسعود ففيه أن الذنوب التي كان الكافر يفعلها في جاهليته إذا أصر عليها في الإسلام فإنه يؤاخذ بها لأنه باصراره لا يكون تاب منها وإنما تاب من الكفر فلا يسقط عنه ذنب تلك المعصية لإصراره عليها والى هذا ذهب الحليمي من الشافعية وتأول بعض الحنابلة قوله قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف على أن المراد ما سلف مما انتهوا عنه قال والاختلاف في هذه المسألة مبني على أن التوبة هي الندم على الذنب مع الاقلاع عنه والعزم على عدم العود إليه والكافر إذا تاب من الكفر ولم يعزم على عدم العود إلى الفاحشة لا يكون تائبا منها فلا تسقط عنه المطالبة بها والجواب عن الجمهور أن هذا خاص بالمسلم وأما الكافر فإنه يكون بإسلامه كيوم ولدته أمه والأخبار دالة على ذلك كحديث أسامة لما أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قتل الذي قال لا إله إلا الله حتى قال في آخره حتى تمنيت أنني كنت أسلمت يومئذ
1 ( قوله باب حكم المرتد والمرتدة )
أي هل هما سواء أم لا قوله واستتابتهم كذا لأبي ذر وفي رواية القابسي وأستتابتهما وحذف للباقين لكنهم ذكروها كأبي ذر بعد ذكر الآثار عن بن عمر وغيره وتوجيه الأولى أنه جمع على إرادة الجنس قال بن المنذر قال الجمهور تقتل المرتدة وقال علي تسترق وقال عمر بن عبد العزيز تباع بأرض أخرى وقال الثوري تحبس ولا تقتل وأسنده عن بن عباس قال وهو قول عطاء وقال أبو حنيفة تحبس الحرة ويؤمر مولى الأمة أن يجبرها قوله وقال بن عمر والزهري وإبراهيم يعنى النخعي تقتل المرتدة أما قول بن عمر فنسبه مغلطاي إلى تخريج أبن أبي شيبة وأما قول الزهري وإبراهيم فوصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في المرأة تكفر بعد إسلامها قال تستتاب فان تابت والا قتلت وعن معمر عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم مثله وأخرجه بن أبي شيبة من وجه آخر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم وأخرج سعيد بن منصور عن هشيم عن عبيدة بن مغيث عن إبراهيم قال إذا أرتد الرجل أو المرأة عن الإسلام استتيبا فان تابا تركا وأن أبيا قتلا وأخرج بن أبي شيبة عن حفص عن عبيدة عن إبراهيم لا يقتل والأول أقوى فان عبيدة ضعيف وقد اختلف نقله عن إبراهيم ومقابل قول هؤلاء حديث بن عباس لا تقتل النساء إذا هن ارتددن رواه أبو حنيفة عن عاصم عن أبي رزين عن بن عباس أخرجه بن أبي شيبة والدارقطني وخالفة جماعة من الحفاظ في لفظ المتن وأخرج الدارقطني عن بن المنكدر عن جابر أن امرأة أرتدت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها وهو يعكر على ما نقله بن الطلاع في الاحكام أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل مرتدة قوله وقال الله تعالى كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق إلى قوله غفور رحيم إن الذين كفروا إلى آخرها كذا لأبي ذر وساق الآية إلى الظالمون وفي رواية القابسي بعد قوله لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون وفي رواية النسفي كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم الآيتين إلى قوله كافرين كذا عنده وكأنه وقع عنده خلط هذه بالتي بعدها وساق وفي رواية كريمة والأصيلي ما حذف من الآية لأبي ذر وقد أخرج النسائي وصححه بن حبان عن بن عباس كان رجل من الأنصار أسلم ثم ندم وأرسل إلى قومه فقالوا يا رسول الله هل له من توبة فنزلت كيف يهدى الله قوما إلى قوله الا الذين تابوا فاسلم قوله وقال يا أيها الذين آمنوا ان تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين قال عكرمة نزلت في شاس بن قيس اليهودي دس على الأنصار من ذكرهم بالحروب التي كانت بينهم فتمادوا يقتتلون فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فذكرهم فعرفوا أنها من الشيطان فعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا سامعين مطيعين فنزلت أخرجه إسحاق في تفسيره مطولا وأخرجه الطبراني من حديث بن عباس موصولا وفي هذه الآية الإشارة إلى التحذير عن مصادقة أهل الكتاب إذ لا يؤمنون أن يفتنوا من صادقهم عن دينه قوله وقال ان الذين آمنوا ثم كفروا إلى سبيلا كذا لأبي ذر وللنسفي ثم كفروا ثم آمنوا ثم ازدادوا كفرا الآية وساقها كلها في رواية كريمة وقد استدل بها من قال لا تقبل توبة الزنديق كما سيأتي تقريره قوله من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه وساق في رواية كريمة إلى الكافرين ووقع في رواية أبي ذر من يرتدد بدالين وهي قراءة بن عامر ونافع وللباقين من القراء ورواة الصحيح من يرتد بتشديد الدال ويقال إن الإدغام لغة تميم والاظهار لغة الحجاز ولهذا قيل إنه وجد في مصحف عثمان بدالين وقيل بل وافق كل قارئ مصحف بلده فعلى هذا فهي في مصحفي المدينة والشام بدالين وفي البقية بدال واحدة قوله ولكن من شرح بالكفر صدرا إلى وأولئك هم الغافلون كذا لأبي ذر وساق في رواية كريمة الآيات كلها وهي حجة لعدم المؤاخذة بما وقع حالة الإكراه كما سيأتي تقريره بعد هذا قوله لا جرم يقول حقا أنهم في الآخرة هم الخاسرون إلى لغفور رحيم والمراد أن معنى لا جرم حقا وهو كلام أبي عبيدة وحذف من رواية النسفي ففيها بعد قوله صدرا الآيتين إلى قوله غفور رحيم وفي الآية وعيد شديد لمن ارتد مختارا لقوله تعالى ولكن من شرح بالكفر صدرا إلى آخره قوله ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا إلى قوله وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون كذا لأبي ذر وساق في رواية كريمة أيضا الآيات كلها والغرض منها قوله إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر إلى آخرها فإنه يقيد مطلق ما في الآية السابقة من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم إلى آخرها قال بن بطال اختلف في استتابة المرتد فقيل يستتاب فان تاب وإلا قتل وهو قول الجمهور وقيل يجب قتله في الحال جاء ذلك عن الحسن وطاوس وبه قال أهل الظاهر قلت ونقله بن المنذر عن معاذ وعبيد بن عمير وعليه يدل تصرف البخاري فإنه استظهر بالآيات التي لا ذكر فيها للاستتابة والتي فيها أن التوبة لا تنفع وبعموم قوله من بدل دينه فاقتلوه وبقصة معاذ التي بعدها ولم يذكر غير ذلك قال الطحاوي ذهب هؤلاء إلى أن حكم من ارتد عن الإسلام حكم الحربي الذي بلغته الدعوة فإنه يقاتل من قبل أن يدعى قالوا وإنما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة فأما من خرج عن بصيرة فلا ثم نقل عن أبي يوسف موافقتهم لكن قال ان جاء مبادرا بالتوبة خليت سبيله ووكلت أمره إلى الله تعالى وعن بن عباس وعطاء إن كان أصله مسلما لم يستتب وإلا استتيب واستدل بن القصار لقول الجمهور بالإجماع يعني السكوتى لأن عمر كتب في أمر المرتد هلا حبستموه ثلاثة أيام وأطعمتموه في كل يوم رغيفا لعله يتوب فيتوب الله عليه قال ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة كأنهم فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه أي إن لم يرجع وقد قال تعالى فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم واختلف القائلون بالإستتابة هل يكتفي بالمرة أو لا بد من ثلاث وهل الثلاث في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام وعن علي يستتاب شهرا وعن النخعي يستتاب أبدا كذا نقل عنه مطلقا والتحقيق أنه في من تكررت منه الردة وسيأتي مزيد لذلك في الحديث الأول عند ذكر الزنادقة ثم ذكر في الباب حديثين الأول قوله أيوب هو السختياني وعكرمة هو مولى بن عباس قوله أتى علي هو بن أبي طالب تقدم في باب لا يعذب بعذاب الله من كتاب الجهاد من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب بهذا السند أن عليا حرق قوما وذكرت هناك أن الحميدي رواه عن سفيان بلفظ حرق المرتدين ومن وجه آخر عند بن أبي شيبة كان أناس يعبدون الأصنام في السر وعند الطبراني في الأوسط من طريق سويد بن غفلة أن عليا بلغه أن قوما ارتدوا عن الإسلام فبعث إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا فحفر حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ثم قال صدق الله ورسوله وزعم أبو المظفر الاسفرايني في الملل والنحل إن الذين أحرقهم علي طائفة من الروافض ادعوا فيه الإلهية وهم السبائية وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديا ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة وهذا يمكن أن يكون أصله ما رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال قيل لعلي أن هنا قوما على باب المسجد يدعون أنك ربهم فدعاهم فقال لهم ويلكم ما تقولون قالوا أنت ربنا وخالقنا ورازقنا فقال ويلكم انما أنا عبد مثلكم أكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني فأتقوا الله وأرجعوا فأبوا فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام فقال ادخلهم فقالوا كذلك فلما كان الثالث قال لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة فأبوا إلا ذلك فقال يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخد لهم أخدودا بين باب المسجد والقصر وقال أحفروا فابعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود وقال اني طارحكم فيها أو ترجعوا فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال اني إذا رأيت أمرا منكرا أوقدت ناري ودعوت قنبرا وهذا سند حسن وأما ما أخرجه بن أبي شيبة من طريق قتادة أن عليا أتى بناس من الزط يعبدون وثنا فأحرقهم فسنده منقطع فان ثبت حمل على قصة آخرى فقد أخرج بن أبي شيبة أيضا من طريق أيوب بن النعمان شهدت عليا في الرحبة فجاءه رجل فقال أن هنا أهل بيت لهم وثن في دار يعبدونه فقام يمشي إلى الدار فأخرجوا إليه بمثال رجل قال فألهب عليهم على الدار قوله بزنادقة بزاي ونون وقاف جمع زنديق بكسر أوله وسكون ثانيه قال أبو حاتم السجستاني وغيره الزنديق فارسي معرب أصله زنده كرداي يقول بدوام الدهر لأن زنده الحياة وكرد العمل ويطلق على من يكون دقيق النظر في الأمور وقال ثعلب ليس في كلام العرب زنديق وانما قالوا زندقي لمن يكون شديد التحيل وإذا أرادوا ما تريد العامة قالوا ملحد ودهري بفتح الدال أي يقول بدوام الدهر وإذا قالوها بالضم أرادوا كبر السن وقال الجوهري الزنديق من الثنوية كذا قال وفسره بعض الشراح بأنه الذي يدعي أن مع الله إلها آخر وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك والتحقيق ما ذكره من صنف في الملل أن أصل الزنادقة اتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك الأول بفتح الدال وسكون المثناة التحتانية بعدها صاد مهملة والثاني بتشديد النون وقد تخفف والياء خفيفة والثالث بزاي ساكنة ودال مهملة مفتوحة ثم كاف وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النور وأنه يجب السعي في تخليص النور من الظلمة فيلزم إزهاق كل نفس وإلى ذلك أشار المتنبي حيث قال في قصيدته المشهورة وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن المانوية تكذب وكان بهرام جد كسرى تحيل على ماني حتى حضر عنده وأظهر له أنه قبل مقالته ثم قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك المذكور وقام الإسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل ومن ثم أطلق الاسم على كل من أسر الكفر وأظهر الإسلام حتى قال مالك الزندقة ما كان عليه المنافقون وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم أن الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر فان أرادوا اشتراكهم في الحكم فهو كذلك وإلا فأصلهم ما ذكرت وقد قال النووي في لغات الروضة الزنديق الذي لا ينتحل دينا وقال محمد بن معن في التنقيب على المهذب الزنادقة من الثنوية يقولون ببقاء الدهر وبالتناسخ قال ومن الزنادقة الباطنية وهم قوم زعموا أن الله خلق شيئا ثم خلق منه شيئا آخر فدبر العالم بأسره ويسمونهما العقل والنفس وتارة العقل الأول والعقل الثاني وهو من قول الثنوية في النور والظلمة إلا أنهم غيروا الاسمين قال ولهم مقالات سخيفة في النبوات وتحريف الآيات وفرائض العبادات وقد قيل إن سبب تفسير الفقهاء الزنديق بما يفسر به المنافق قول الشافعي في المختصر وأي كفر ارتد إليه مما يظهر أو يسر من الزندقة وغيرها ثم تاب سقط عنه القتل وهذا لا يلزم منه اتحاد الزنديق والمنافق بل كل زنديق منافق من غير عكس وكان من أطلق عليه في الكتاب والسنة المنافق يظهر الإسلام ويبطن عبادة الوثن أو اليهودية وأما الثنوية فلا يحفظ أن أحدا منهم أظهر الإسلام في العهد النبوي والله أعلم وقد اختلف النقلة في الذين وقع لهم مع علي ما وقع على ما سأبينه واشتهر في صدر الإسلام الجعد بن درهم فذبحه خالد القسري في يوم عيد الأضحى ثم كثروا في دولة المنصور وأظهر له بعضهم معتقده فأبادهم بالقتل ثم ابنه المهدي فأكثر من تتبعهم وقتلهم ثم خرج في أيام المأمون بابك بموحدتين مفتوحتين ثم كاف مخففة الخرمي بضم المعجمة وتشديد الراء فغلب على بلاد الجبل وقتل في المسلمين وهزم الجيوش إلى أن ظفر به المعتصم فصلبه وله أتباع يقال لهم الخرمية وقصصهم في التواريخ معروفة
6524 قوله فبلغ ذلك بن عباس لم أقف على اسم من بلغه وبن عباس كان حينئذ أميرا على البصرة من قبل علي قوله لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعذبوا بعذاب الله أي لنهيه عن القتل بالنار لقوله لا تعذبوا وهذا يحتمل أن يكون مما سمعه بن عباس من النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة وقد تقدم في باب لا يعذب بعذاب الله من كتاب الجهاد من حديث أبي هريرة بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما الحديث وفيه إن النار لا يعذب بها إلا الله وبينت هناك اسمهما وما يتعلق بشرح الحديث وعند أبي داود عن بن مسعود في قصة أخرى أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار قوله ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية إسماعيل بن علية عند أبي داود في الموضعين فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قوله من بدل دينه فاقتلوه زاد إسماعيل بن علية في روايته فبلغ ذلك عليا فقال ويح أم بن عباس كذا عند أبي داود وعند الدارقطني بحذف أم وهو محتمل أنه لم يرض بما اعترض به ورأى أن النهي للتنزيه كما تقدم بيان الاختلاف فيه وسيأتي في الحديث الذي يليه مذهب معاذ في ذلك وأن الامام إذا رأى التغليظ بذلك فعله وهذا بناء على تفسير ويح بأنها كلمة رحمة فتوجع له لكونه حمل النهي على ظاهره فأعتقد التحريم مطلقا فأنكر ويحتمل أن يكون قالها رضا بما قال وأنه حفظ ما نسيه بناء على أحد ما قيل في تفسير ويح أنها تقال بمعنى المدح والتعجب كما حكاه في النهاية وكأنه أخذه من قول الخليل هي في موضع رأفة واستملاح كقولك للصبي ويحه ما أحسنه حكاه الأزهري وقوله من هو عام تخص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر فإنه تجري عليه أحكام الظاهر ويستثنى منه من بدل دينه في الظاهر لكن مع الإكراه كما سيأتي في كتاب الإكراه بعد هذا واستدل به على قتل المرتدة كالمرتد وخصه الحنفية بالذكر وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء وحمل الجمهور النهي على الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال ولا القتل لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء لما رأى المرأة مقتولة ما كانت هذه لتقاتل ثم نهى عن قتل النساء واحتجوا أيضا بأن من الشرطية لا تعم المؤنث وتعقب بأن بن عباس راوي الخبر قد قال تقتل المرتدة وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت والصحابة متوافرون فلم ينكر ذلك عليه أحد وقد أخرج ذلك كله بن المنذر وأخرج الدارقطني أثر أبي بكر من وجه حسن وأخرج مثله مرفوعا في قتل المرتدة لكن سنده ضعيف واحتجوا من حيث النظر بأن الأصلية تسترق فتكون غنيمة للمجاهدين والمرتدة لا تسترق عندهم فلا غنم فيها فلا يترك قتلها وقد وقع في حديث معاذ ان النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فان عاد وإلا فاضرب عنقه وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فان عادت وإلا فاضرب عنقها وسنده حسن وهو نص في موضع النزاع فيجب المصير إليه ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف ومن صور الزنا رجم المحصن حتى يموت فاستثنى ذلك من النهي عن قتل النساء فكذلك يستثنى قتل المرتدة وتمسك به بعض الشافعية في قتل من انتقل من دين كفر إلى دين كفر سواء كان ممن يقر أهله عليه بالجزية أولا وأجاب بعض الحنفية بأن العموم في الحديث في المبدل لا في التبديل فأما التبديل فهو مطلق لا عموم فيه وعلى تقدير التسليم فهو متروك الظاهر اتفاقا في الكافر ولو اسلم فإنه يدخل في عموم الخبر وليس مرادا واحتجوا أيضا بأن الكفر ملة واحدة فلو تنصر اليهودي لم يخرج عن دين الكفر وكذا لو تهود الوثني فوضح أن المراد من بدل دين الإسلام بدين غيره لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام قال الله تعالى ان الدين عند الله الإسلام وما عداه فهو بزعم المدعي وأما قوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه فقد احتج به بعض الشافعية فقال يؤخذ منه أنه لا يقر على ذلك وأجيب بأنه ظاهر في أن من ارتد عن الإسلام لا يقر على ذلك سلمنا لكن لا يلزم من كونه لا يقبل منه أنه لا يقر بالجزية بل عدم القبول والخسران انما هو في الآخرة سلمنا أن عدم القبول يستفاد منه عدم التقرير في الدنيا لكن المستفاد أنه لا يقر عليه فلو رجع إلى الدين الذي كان عليه وكان مقرى عليه بالجزية فإنه يقتل إن لم يسلم مع إمكان الإمساك بانا لا نقبل منه ولا نقتله ويؤيد تخصيصه بالإسلام ما جاء في بعض طرقه فقد أخرجه الطبراني من وجه آخر عن عكرمة عن بن عباس رفعه من خالف دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه واستدل به على قتل الزنديق من غير استتابة وتعقب بأن في بعض طرقه كما تقدم أن عليا استتابهم وقد نص الشافعي كما تقدم على القبول مطلقا وقال يستتاب الزنديق كما يستتاب المرتد وعن أحمد وأبي حنيفة روايتان إحداهما لا يستتاب والأخرى ان تكرر منه لم تقبل توبته وهو قول الليث وإسحاق وحكى عن أبي إسحاق المروزي من أئمة الشافعية ولا يثبت عنه بل قيل أنه تحريف من إسحاق بن راهويه والأول هو المشهور عند المالكية وحكى عن مالك إن جاء تائبا يقبل منه وإلا فلا وبه قال أبو يوسف واختاره الاستاذان أبو إسحاق الاسفرايني وأبو منصور البغدادي وعن بقية الشافعية أوجه كالمذاهب المذكورة وخامس يفصل بين الداعية فلا يقبل منه وتقبل توبة غير الداعية وأفتى بن الصلاح بأن الزنديق إذا تاب تقبل توبته ويعزر فان عاد بادرناه بضرب عنقه ولم يمهل واستدل من منع بقوله تعالى إلا الذين تابوا وأصلحوا فقال الزنديق لا يطلع على صلاحه لأن الفساد انما أتى مما أسره فإذا اطلع عليه وأظهر الإقلاع عنه لم يزد على ما كان عليه وبقوله تعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم الآية وأجيب بأن المراد من مات منهم على ذلك كما فسره بن عباس فيما أخرجه بن أبي حاتم وغيره واستدل لمالك بأن توبة الزنديق لا تعرف قال وانما لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين للتألف ولأنه لو قتلهم لقتلهم بعلمه فلا يؤمن أن يقول قائل إنما قتلهم لمعنى آخر ومن حجة من استتابهم قوله تعالى اتخذوا أيمانهم جنة فدل على أن إظهار الإيمان يحصن من القتل وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر وقد قال صلى الله عليه وسلم لأسامة هلا شققت عن قلبه وقال للذي ساره في قتل رجل أليس يصلي قال نعم قال أولئك الذين نهيت عن قتلهم وسيأتي قريبا أن في بعض طرق حديث أبي سعيد أن خالد بن الوليد لما استأذن في قتل الذي أنكر القسمة وقال كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال صلى الله عليه وسلم إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس أخرجه مسلم والأحاديث في ذلك كثيرة الحديث الثاني حديث أبي موسى الأشعري وهو مشتمل على أربعة أحكام الأول السواك وقد تقدم في الطهارة أتم مما هنا الثاني ذم طلب الامارة ومنع من حرص عليها وسيأتي بسطه في كتاب الأحكام الثالث بعث أبي موسى على اليمن وارسال معاذ أيضا وقد تقدم بيانه في كتاب المغازي بعد غزوة الطائف بثلاثة أبواب الرابع قصة اليهودي الذي أسلم ثم ارتد وهو المقصود هنا
6525 قوله يحيى هو بن سعيد القطان والسند كله بصريون قوله عن أبي موسى في رواية أحمد عن يحيى القطان بهذا السند قال أبو موسى الأشعري قوله ومعي رجلان من الأشعريين هما من قومه ولم أقف على اسمهما وقد وقع في الأوسط للطبراني من طريق عبد الملك عن عمير عن أبي بردة في هذا الحديث أن أحدهما بن عم أبي موسى وعند مسلم من طريق يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة رجلان من بني عمي قوله فكلاهما سأل كذا فيه بحذف المسئول وبينه أحمد في روايته المذكورة فقال فيها سأل العمل وسيأتي بيان ذلك في الاحكام من طريق يزيد بن عبد الله ولفظه فقال أحدهما أمرنا يا رسول الله فقال الآخر مثله ولمسلم من هذا الوجه أمرنا على بعض ما ولاك الله ولأحمد والنسائي من وجه آخر عن أبي بردة فتشهد أحدهما فقال جئناك لتستعين بنا على عملك فقال الآخر مثله وعندهما من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه أتاني ناس من الأشعريين فقالوا انطلق معنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان لنا حاجة فقمت معهم فقالوا أتستعين بنا في عملك ويجمع بأنه كان معهما من يتبعهما وأطلق صيغة الجمع على الإثنين قوله فقال يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس شك من الراوي بأيهما خاطبه ولم يذكر القول في هذه الرواية وقد ذكره أبو داود عن أحمد بن حنبل ومسدد كلاهما عن يحيى القطان بسنده فيه فقال ما نقول يا أبا موسى ومثله لمسلم عن محمد بن حاتم عن يحيى قوله قلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما يفسر به رواية أبي العميس فأعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قالوا وقلت لم أدر ما حاجتهم فصدقني وعذرني وفي لفظ فقال لم أعلم لماذا جاءا قوله لن أو لا شك من الراوي وفي رواية يزيد عند مسلم إنا والله قوله لا نستعمل على عملنا من إرادة في رواية أبي العميس من سألنا بفتح اللام وفي رواية يزيد أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه وفي أخرى فقال إن اخونكم عندنا من يطلبه فلم يستعن بهما في شيء حتى مات أخرجه أحمد من رواية إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه عن أبي بردة وأدخل أبو داود بينه وبين أبي بردة رجلا قوله ثم أتبعه بهمزة ثم مثناة ساكنة قوله معاذ بن جبل بالنصب أي بعثه بعده وظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجه ووقع في بعض النسخ وأتبعه بهمزة وصل وتشديد ومعاذ بالرفع لكن تقدم في المغازي بلفظ بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذا إلى اليمن فقال يسرا ولا تعسرا الحديث ويحمل على أنه أضاف معاذا إلى أبي موسى بعد سبق ولايته لكن قبل توجهه فوصاهما عند التوجه بذلك ويمكن أن يكون المراد أنه وصى كلا منهما واحد بعد آخر قوله فلما قدم عليه تقدم في المغازي أن كلا منهما كان على عمل مستقل وأن كلا منهما كان إذا سار في أرضه فقرب من صاحبه أحدث به عهدا وفي أخرى هناك فجعلا يتزاوران فزار معاذ أبا موسى وفي أخرى فضرب فسطاطا ومعنى ألقى له وسادة فرشها له ليجلس عليها وقد ذكر الباجي والأصيلي فيما نقله عياض عنهما أن المراد بقول بن عباس فاضطجعت في عرض الوسادة الفراش ورده النووي فقال هذا ضعيف أو باطل وانما المراد بالوسادة ما يجعل تحت رأس النائم وهو كما قال قال وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته مبالغة في إكرامه وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه فألقى له وسادة كما تقدم في الصيام وفي حديث بن عمر أنه دخل على عبد الله بن مطيع فطرح له وسادة فقال له ما جئت لأجلس أخرجه مسلم ولم أر في شيء من كتب اللغة أن الفراش يسمى وسادة قوله قال انزل أي فاجلس على الوسادة قوله فإذا رجل الخ هي جملة حالية بين الأمر والجواب ولم أقف على اسم الرجل المذكور وقوله كان يهوديا فأسلم ثم تهود في رواية مسلم وأبي داود ثم راجع دينه دين السوء ولأحمد من طريق أيوب عن حميد بن هلال عن أبي بردة قال قدم معاذ بن جبل على أبي موسى فإذا رجل عنده فقال ما هذا فذكر مثله وزاد ونحن نريده على الإسلام منذ أحسبه شهرين وأخرج الطبراني من وجه آخر عن معاذ وأبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهما أن يعلما الناس فزار معاذ أبا موسى فإذا عنده رجل موثق بالحديد فقال يا أخي أو بعثت تعذب الناس انما بعثنا نعلمهم دينهم ونأمرهم بما ينفعهم فقال أنه أسلم ثم كفر فقال والذي بعث محمدا بالحق لا ابرح حتى أحرقه بالنار قوله لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله بالرفع خبر مبتدأ محذوف ويجوز النصب قوله ثلاث مرات أي كرر هذا الكلام ثلاث مرات وبين أبو داود في روايته أنهما كررا القول أبو موسى يقول اجلس ومعاذ يقول لا أجلس فعلى هذا فقوله ثلاث مرات من كلام الراوي لا تتمة كلام معاذ ووقع في رواية أيوب بعد قوله قضاء الله ورسوله ان من رجع عن دينه أو قال بدل دينه فأقتلوه قوله فأمر به فقتل في رواية أيوب فقال والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه فضرب عنقه وفي رواية الطبراني التي أشرت إليها فأتى بحطب فألهب فيه النار فكتفه وطرحه فيها ويمكن الجمع بأنه ضرب عنقه ثم ألقاه في النار ويؤخذ منه أن معاذا وأبا موسى كانا يريان جواز التعذيب بالنار وإحراق الميت بالنار مبالغة في إهانته وترهيبا عن الاقتداء به وأخرج أبو داود من طريق طلحة بن يحيى ويزيد بن عبد الله كلاهما عن أبي بردة عن أبي موسى قال قدم على معاذ فذكر قصة اليهودي وفيه فقال لا أنزل عن دابتي حتى يقتل فقتل قال أحدهما وكان قد استتيب قبل ذلك وله من طريق أبي إسحاق الشيباني عن أبي بردة أتى أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام فدعاه فأبى عشرين ليلة أو قريبا منها وجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه قال أبو داود رواه عبد الملك بن عمير عن أبي بردة فلم يذكر الاستتابة وكذا بن فضيل عن الشيباني وقال المسعودي عن القاسم يعني بن عبد الرحمن في هذه القصة فلم ينزل حتى ضرب عنقه وما استتابه وهذا يعارضه الرواية المثبتة لأن معاذا استتابه وهي أقوى من هذه والروايات الساكتة عنها لا تعارضها وعلى تقدير ترجيح رواية المسعودي فلا حجة فيه لمن قال يقتل المرتد بلا استتابة لأن معاذا يكون اكتفى بما تقدم من استتابة أبي موسى وقد ذكرت قريبا أن معاذا روى الأمر باستتابة المرتد والمرتدة قوله ثم تذاكرا قيام الليل في رواية سعيد بن أبي بردة فقال كيف تقرأ القرآن أي في صلاة الليل قوله فقال أحدهما هو معاذ ووقع في رواية سعيد بن أبي بردة فقال أبو موسى أقرؤه قائما وقاعدا وعلى راحلتي وأتفوقه بفاء وقاف بينهما واو ثقيلة أي ألازم قراءته في جميع الأحوال وفي أخرى فقال أبو موسى كيف تقرأ أنت يا معاذ قال أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت حاجتي فأقرأ ما كتب الله لي قوله وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي في رواية سعيد وأحتسب في الموضعين كما تقدم بيانه في المغازي وحاصله أنه يرجو الأجر في ترويح نفسه بالنوم ليكون أنشط عند القيام وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم تولية أميرين على البلد الواحد وقسمة البلد بين أميرين وفيه كراهة سؤال الإمارة والحرص عليها ومنع الحريص منها كما سيأتي بسطه في كتاب الأحكام وفيه تزاور الإخوان والأمراء والعلماء وإكرام الضيف والمبادرة إلى إنكار المنكر وإقامة الحد على من وجب عليه وأن المباحات يؤجر عليها بالنية إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة أو المندوبة أو تكميلا لشيء منهما
1 ( قوله باب قتل من أبى قبول الفرائض ) أي جواز قتل من امتنع من التزام الاحكام الواجبة والعمل بها قال المهلب من امتنع من قبول الفرائض نظر فان أقر بوجوب الزكاة مثلا أخذت منه قهرا ولا يقتل فان أضاف إلى امتناعه نصب القتال قوتل إلى أن يرجع قال مالك في الموطأ الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقا عليهم جهاده قال بن بطال مراده إذا أقر بوجوبها لا خلاف في ذلك قوله وما نسبوا إلى الردة أي أطلق عليهم اسم المرتدين قال الكرماني ما في قوله وما نسبوا نافية كذا قال والذي يظهر لي أنها مصدرية أي ونسبتهم إلى الردة وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي أورده كما سأبينه قال القاضي عياض وغيره كان أهل الردة ثلاثة أصناف صنف عادوا إلى عبادة الأوثان وصنف تبعوا مسيلمة والأسود العنسي وكان كل منهما ادعى النبوة قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم فصدق مسيلمة أهل اليمامة وجماعة غيرهم وصدق الأسود أهل صنعاء وجماعة غيرهم فقتل الأسود قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بقليل وبقي بعض من آمن به فقاتلهم عمال النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر وأما مسيلمة فجهز إليه أبو بكر الجيش وعليهم خالد بن الوليد فقتلوه وصنف ثالث استمروا على الإسلام لكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم وهم الذين ناظر عمر أبا بكر في قتالهم كما وقع في حديث الباب وقال أبو محمد بن حزم في الملل والنحل انقسمت العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم على أربعة أقسام طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته وهم الجمهور وطائفة بقيت على الإسلام أيضا إلا أنهم قالوا نقيم الشرائع إلا الزكاة وهم كثير لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى والثالثة أعلنت بالكفر والردة كأصحاب طليحة وسجاح وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم إلا أنه كان في كل قبيلة من يقاوم من ارتد وطائفة توقفت فلم تطع أحدا من الطوائف الثلاثة وتربصوا لمن تكون الغلبة فأخرج أبو بكر إليهم البعوث وكان فيروز ومن معه غلبوا على بلاد الأسود وقتلوه وقتل مسيلمة باليمامة وعاد طليحة إلى الإسلام وكذا سجاح ورجع غالب من كان ارتد إلى الإسلام فلم يحل الحول إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام ولله الحمد
6526 قوله أن أبا هريرة قال في رواية مسلم عن أبي هريرة وهكذا رواه الأكثر عن الزهري بهذا السند على أنه من رواية أبي هريرة عن عمر وعن أبي بكر وقال يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس الحديث فساقه على أنه من مسند أبي هريرة ولم يذكر أبا بكر ولا عمر أخرجه مسلم وهو محمول على أن أبا هريرة سمع أصل الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وحضر مناظرة أبي بكر وعمر فقصها كما هي ويؤيده أنه جاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة من طرق فأخرجه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه ومن طريق أبي صالح ذكوان كلاهما عن أبي هريرة وأخرجه بن خزيمة من طريق أبي العنبس سعيد بن كثير بن عبيد عن أبيه وأخرجه أحمد من طريق همام بن منبه ورواه مالك خارج الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج وذكره بن منده في كتاب الإيمان من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة كلهم عن أبي هريرة ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا بن عمر كما تقدم في أوائل الكتاب في كتاب الإيمان وجابر وطارق الأشجعي عند مسلم وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس وأصله عند البخاري كما تقدم في أوائل الصلاة وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس وهو عند بن خزيمة من وجه آخر عنه لكن قال عن أنس عن أبي بكر وأخرجه البزارمن حديث النعمان بن بشير وأخرجه الطبراني من حديث سهل بن سعد وبن عباس وجرير البجلي وفي الأوسط من حديث سمرة وسأذكر ما في رواياتهم من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى قوله وكفر من كفر من العرب في حديث أنس عند بن خزيمة لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب قوله يا أبا بكر كيف تقاتل الناس في حديث أنس أتريد أن تقاتل العرب قوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله كذا ساقه الأكثر وفي رواية طارق عند مسلم من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه حرم دمه وماله وأخرجه الطبراني من حديثه كرواية الجمهور وفي حديث بن عمر حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ونحوه في حديث أبي العنبس وفي حديث أنس عند أبي داود حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا ويأكلوا ذبيحتنا ويصلوا صلاتنا وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويؤمنوا بي وبما جئت به قال الخطابي زعم الروافض أن حديث الباب متناقض لأن في أوله أنهم كفروا وفي آخره أنهم ثبتوا على الإسلام إلا أنهم منعوا الزكاة فان كانوا مسلمين فكيف استحل قتالهم وسبي ذراريهم وان كانوا كفارا فكيف احتج على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة فان في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرين بالصلاة قال والجواب عن ذلك أن الذين نسبوا إلى الردة كانوا صنفين صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان وصنف منعوا الزكاة وتأولوا قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم فزعموا أن دفع الزكاة خاص به صلى الله عليه وسلم لأن غيره لا يطهرهم ولا يصلى عليهم فكيف تكون صلاته سكنا لهم وانما أراد عمر بقوله تقاتل الناس الصنف الثاني لأنه لا يتردد في جواز قتل الصنف الأول كما أنه لا يتردد في قتال غيرهم من عباد الأوثان والنيران واليهود والنصارى قال وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره وقد حفظ غيره في الصلاة والزكاة معا وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعم جميع الشريعة حيث قال فيها ويؤمنوا بي وبما جئت به فان مقتضى ذلك أن من جحد شيئا مما جاء به صلى الله عليه وسلم ودعى إليه فامتنع ونصب القتال انه يجب قتاله وقتله إذا أصر قال وانما عرضت الشبهة لما دخله من الاختصار وكأن راويه لم يقصد سياق الحديث على وجهه وانما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر وأعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث انتهى ملخصا قلت وفي هذا الجواب نظر لأنه لو كان عند عمر في الحديث حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ما استشكل قتالهم للتسوية في كون غاية القتال ترك كل من التلفظ بالشهادتين وإقام الصلاة وايتاء الزكاة قال عياض حديث بن عمر نص في قتال من لم يصل ولم يزك كمن لم يقر بالشهادتين واحتجاج عمر على أبي بكر وجواب أبي بكر دل على أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة إذ لو سمعه عمر لم يحتج على أبي بكر ولو سمعه أبو بكر لرد به على عمر ولم يحتج إلى الاحتجاج بعموم قوله إلا بحقه قلت إن كان الضمير في قوله بحقه للإسلام فمهما ثبت أنه من حق الإسلام تناوله ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة قوله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة يجوز تشديد فرق وتخفيفه والمراد بالفرق من أقر بالصلاة وأنكر الزكاة جاحدا أو مانعا مع الاعتراف وانما أطلق في أول القصة الكفر ليشمل الصنفين فهو في حق من جحد حقيقة وفي حق الآخرين مجاز تغليبا وانما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل لأنهم نصبوا القتال فجهز إليهم من دعاهم إلى الرجوع فلما أصروا قاتلهم قال المازري ظاهر السياق أن عمر كان موافقا على قتال من جحد الصلاة فألزمه الصديق بمثله في الزكاة لو رودهما في الكتاب والسنة موردا واحدا قوله فان الزكاة حق المال يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حق النفس الصلاة وحق المال الزكاة فمن صلى عصم نفسه ومن زكى عصم ماله فان لم يصل قوتل على ترك الصلاة ومن لم يزك أخذت الزكاة من ماله قهرا وان نصب الحرب لذلك قوتل وهذا يوضح أنه لو كان سمع في الحديث ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة لما احتاج إلى هذا الاستنباط لكنه يحتمل أن يكون سمعه واستظهر بهذا الدليل النظري قوله والله لو منعوني عناقا تقدم ضبطها في باب أخذ العناق وفي الصدقة من كتاب الزكاة ووقع في رواية قتيبة عن الليث عند مسلم عقالا وأخرجه البخاري في كتاب الاعتصام عن قتيبة فكنى بهذه اللفظة فقال لو منعوني كذا واختلف في هذه اللفظة فقال قوم هي وهم والى ذلك أشار البخاري بقوله في الاعتصام عقب إيراده قال لي بن بكير يعني شيخه فيه هنا وعبد الله يعني بن صالح عن الليث عناقا وهو أصح ووقع في رواية ذكرها أبو عبيدة لو منعوني جديا أذوط وهو يؤيد أن الرواية عناقا والاذوط الصغير الفك والذقن قال عياض واحتج بذلك من يجيز أخذ العناق في زكاة الغنم إذا كانت كلها سخالا وهو أحد الأقوال وقيل انما ذكر العناق مبالغة في التقليل لا العناق نفسها قلت والعناق بفتح المهملة والنون الأنثى من ولد المعز قال النووي المراد انها كانت صغارا فماتت أمهاتها في بعض الحول فيزكين بحول الأمهات ولو لم يبق من الأمهات شيء على الصحيح ويتصور فيما إذا ماتت معظم الكبار وحدثت الصغار فحال الحول على الكبار على بقيتها وعلى الصغار وقال بعض المالكية العناق والجذعة تجزي في زكاة الإبل القليلة التي تزكى بالغنم وفي الغنم أيضا إذا كانت جذعة ويؤيده أن في حديث أبي بردة في الأضحية فان عندي عناقا جذعة وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الزكاة وقال قوم الرواية محفوظة ولها معنى متجه وجرى النووي على طريقته فقال هو محمول على أنه قالها مرتين مرة عناقا ومرة عقالا قلت وهو بعيد مع اتحاد المخرج والقصة وقيل العقال يطلق على صدقة عام يقال أخذ منه عقال هذا العام يعني صدقته حكاه المازري عن الكسائي واستشهد بقول الشاعر سعى عقالا فلم يترك لنا سندا فكيف لو قد سعى عمرو عقالين وعمرو المشار إليه هو بن عتبة بن أبي سفيان وكان عمه معاوية يبعثه ساعيا على الصدقات فقيل فيه ذلك ونقل عياض عن بن وهب أنه الفريضة من الإبل ونحوه عن النضر بن شميل وعن أبي سعيد الضرير العقال ما يؤخذ في الزكاة من نعام وثمار لأنه عقل عن مالكها وقال المبرد العقال ما أخذه العامل من صدقة بعينها فان تعوض عن شيء منها قيل أخذ نقدا وعلى هذا فلا اشكال فيه وذهب الأكثر إلى حمل العقال على حقيقته وأن المراد به الحبل الذي يعقل به البعير نقله عياض عن الواقدي عن مالك بن أبي ذئب قالا العقال عقال الناقة قال أبو عبيد العقال اسم لما يعقل به البعير وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة على الصدقة فكان يأخذ مع كل فريضة عقالا وقال النووي ذهب إلى هذا كثير من المحققين وقال بن التيمي في التحرير قول من فسر العقال بفريضة العام تعسف وهو نحو تأويل من حمل البيضة والحبل في حديث لعن السارق على بيضة الحديد وحبل السفينة قلت وقد تقدم بيان ذلك في باب حد السرقة إلى أن قال وكل ما كان في هذا السياق أحقر كان أبلغ قال والصحيح أن المراد بالعقال ما يعقل به البعير قال والدليل على أن المراد به المبالغة قوله في الرواية الأخرى عناقا وفي الأخرى جديا قال فعلى هذا فالمراد بالعقال قدر قيمته قال الثوري وهذا هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره وقال عياض احتج به بعضهم على جواز أخذ الزكاة في عروض التجارة وفيه بعد والراجح أن العقال لايؤخذ في الزكاة لوجوبه بعينه وإنما يؤخذ تبعا للفريضه التي تعقل به أو أنه قال ذلك مبالغة على تقدير أن لو كانوا يؤدونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال النووي يصح قدر قيمة العقال في زكاة النقد وفي المعدن والركاز والمعشرات وزكاة الفطر وفيما لو وجبت سن فأخذ الساعي دونه وفيما إذا كانت الغنم سخالا فمنع واحدة وقيمتها عقال قال وقد رأيت كثيرا ممن يتعانى الفقه يظن أنه لا يتصور وإنما هو للمبالغة وهو غلط منه وقد قال الخطابي حمله بعضهم على زكاة العقال إذا كان من عروض التجارة وعلى الحبل نفسه عند من يجيز أخذ القيم وللشافعي قول إنه يتخير بين العرض والنقد قال وأظهر من ذلك كله قول من قال إنه يجب أخذ العقال مع الفريضة كما جاء عن عائشة كان من عادة المتصدق أن يعمد إلى قرن بفتح القاف والراء وهو الحبل فيقرن به بين بعيرين لئلا تشرد الإبل وهكذا جاء عن الزهري وقال غيره في قول أبي بكر لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غنية عن حمله على المبالغة وحاصله أنهم متى منعوا شيئا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو قل فقد منعوا شيئا واجبا إذ لا فرق في منع الواجب وجحده بين القليل الكثير قال وهذا يغنى عن جميع التقادير والتأويلات التي لا يسبق الفهم إليها ولا يظن بالصديق أنه يقصد إلى مثلها قلت الحامل لمن حمله على المبالغة أن الذي تمثل به في هذا المقام لابد وأن يكون من جنس ما يدخل في الحكم المذكور فلذلك حملوه على المبالغة والله أعلم قوله فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق أي ظهر له عن صحة احتجاجه لا أنه قلده في ذلك وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم في كتاب الإيمان الاجتهاد في النوازل وردها إلى الأصول والمناظرة على ذلك والرجوع إلى الراجح والأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة والعدول إلى التلطف والأخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظر فلو عاند بعد ظهورها فحينئذ يستحق الاغلاظ بحسب حاله وفيه الحلف على الشيء لتأكيده وفيه منع قتل من قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها وهو كذلك لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلما الراجح لا بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر فان شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله إلا بحق الإسلام قال البغوي الكافر إذا كان وثنيا أو ثنويا لا يقر بالوحدانية فإذا قال لا إله إلا الله حكم بإسلامه ثم يجبر على قبول جميع أحكام الإسلام ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام وأما من كان مقرى بالوحدانية منكرا للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله فان كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة فلا بد أن يقول إلى جميع الخلق فان كان كفر بجحود واجب أو استباحة محرم فيحتاج أن يرجع عما اعتقده ومقتضى قوله يجبر أنه إذا لم يلتزم تجري عليه أحكام المرتد وبه صرح القفال واستدل بحديث الباب فادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أو أني رسول الله كذا قال وهي غفلة عظيمة فالحديث في صحيحي البخاري ومسلم في كتاب الإيمان من كل منهما من رواية بن عمر بلفظ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويحتمل أن يكون المراد بقوله لا إله إلا الله هنا التلفظ بالشهادتين لكونها صارت علما على ذلك ويؤيده ورودهما صريحا في الطرق الأخرى واستدل بها على أن الزكاة لا تسقط عن المرتد وتعقب بأن المرتد كافر والكافر لا يطالب بالزكاة وانما يطالب بالإيمان وليس في فعل الصديق حجة لما ذكر وانما فيه قتال من منع الزكاة والذين تمسكوا بأصل الإسلام ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجة وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم هل تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار أو لا كالبغاة فرأى أبو بكر الأول وعمل به وناظره عمر في ذلك كما سيأتي بيانه في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى وذهب إلى الثاني ووافقه غيره في خلافته على ذلك واستقر الإجماع عليه في حق من جحد شيئا من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع فان نصب القتال قوتل وأقيمت عليه الحجة فان رجع والا عومل معاملة الكافر حينئذ ويقال ان أصبغ من المالكية استقر على القول الأول فعد من ندرة المخالف وقال القاضي عياض يستفاد من هذه القصة ان الحاكم إذا أداه اجتهاده في أمر لا نص فيه إلى شيء تجب طاعته فيه ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه فان صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكما وجب عليه العمل بما اداه إليه اجتهاده وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك لأن عمر أطاع أبا بكر فيما رأى من حق مانعي الزكاة مع اعتقاده خلافه ثم عمل في خلافته بما اداه إليه اجتهاده ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم وهذا مما ينبه عليه في الاحجاج بالإجماع السكوتي فيشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار وهذا منها وقال الخطابي في الحديث أن من أظهر الإسلام أجريت عليه أحكامه الظاهرة ولو أسر الكفر في نفس الأمر ومحل الخلاف انما هو فيمن اطلع على معتقده الفاسد فأظهر الرجوع هل يقبل منه أو لا وأما من جهل أمره فلا خلاف في اجراء الاحكام الظاهرة عليه
1 ( قوله باب إذا عرض الذمي أو غيره ) أي المعاهد ومن يظهر الإسلام قوله بسب النبي صلى الله عليه وسلم أي وتنقيصه وقوله ولم يصرح تأكيد فان التعريض خلاف التصريح وقد تقدم بيانه في تفسير قوله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء قوله نحو قوله السام عليكم في رواية الكشميهني السام عليك بالافراد وكذا وقع في حديثي عائشة وبن عمر في الباب ولم يختلف في حديث أنس في لفظ عليك بالافراد وتقدمت الأحاديث الثلاثة مع شرحها في كتاب الاستئذان واعترض بأن هذا اللفظ ليس فيه تعريض بالسب والجواب أنه اطلق التعريض على ما يخالف التصريح ولم يرد التعريض المصطلح وهو أن يستعمل لفظا في حقيقته يلوح به إلى معنى آخر يقصد وقال بن المنير حديث الباب يطابق الترجمة بطريق الأولى لان الجرح أشد من السب فكأن البخاري يختار مذهب الكوفيين في هذه المسألة انتهى ملخصا وفيه نظر لأنه لم يبيت الحكم ولا يلزم من تركه قتل من قال ذلك لمصلحة التأليف أن لا يجب قتله حيث لا مصلحة في تركه وقد نقل بن المنذر الاتفاق على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم صريحا وجب قتله ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم مما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأن حد قذفه القتل وحد القذف لا يسقط بالتوبة وخالفه القفال فقال كفر بالسب فيسقط القتل بالإسلام وقال الصيدلاني يزول القتل ويجب حد القذف وضعفه الامام فان عرض فقال الخطابي لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما وقال بن بطال اختلف العلماء فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال بن القاسم عن مالك يقتل الا أن يسلم وأما المسلم فيقتل بغير استتابة ونقل بن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهودي ونحوه ومن طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ومالك في المسلم هي ردة يستتاب منها وعن الكوفيين ان كان ذميا عزر وان كان مسلما فهي ردة وحكى عياض خلافا هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو لمصلحة التأليف ونقل عن بعض المالكية أنه انما لم يقتل اليهود في هذه القصة لأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهم بعلمه وقيل انهم لما لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم وقيل انه لم يحمل ذلك منهم على السب بل على الدعاء بالموت الذي لا بد منه ولذلك قال في الرد عليهم وعليكم أي الموت نازل علينا وعليكم فلا معنى للدعاء به أشار إلى ذلك القاضي عياض وتقدمت الإشارة إليه في الاستئذان وكذا من قال السام بالهمز بمعنى السأمة هو دعاء بأن يملوا الدين وليس بصريح في السب والله أعلم وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ذلك من ذمي أو معاهد فترك لمصلحة التأليف هل ينتقض بذلك عهده محل تأمل واحتج الطحاوي لأصحابهم بحديث الباب وأيده بان هذا الكلام لو صدر من مسلم لكان ردة وأما صدوره من اليهود فالذي هم عليه من الكفر أشد منه فلذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وتعقب بأن دماءهم لم تحقن إلا بالعهد وليس في العهد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وسلم فمن سبه منهم تعد العهد فينتقض فيصير كافرا بلا عهد فيهدر دمه الا أن يسلم ويؤيده أنه لو كان كل ما يعتقدونه لا يؤاخذون به لكانوا لو قتلوا مسلما لم يقتلوا لأن من معتقدهم حل دماء المسلمين ومع ذلك لو قتل منهم أحد مسلما قتل فان قيل انما يقتل بالمسلم قصاصا بدليل أنه يقتل به ولو أسلم ولو سب ثم أسلم لم يقتل قلنا الفرق بينهما أن قتل المسلم يتعلق بحق آدمي فلا يهدر وأما السب فان وجوب القتل به يرجع إلى حق الدين فيهدمه الإسلام والذي يظهر أن ترك قتل اليهود انما كان لمصلحة التأليف أو لكونهم لم يعلنوا به أولهما جميعا وهو أولى والله أعلم
1 ( قوله باب كذا ) للأكثر بغير ترجمة وحذفه بن بطال فصار حديث بن مسعود المذكور فيه من جملة الباب الذي قبله واعترض بأنه انما ورد في قوم كفار أهل حرب والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالصبر على الأذى منهم فلذلك امتثل أمر ربه قلت فهذا يقتضي ترجيح صنيع الأكثر من جعله في ترجمة مستقلة لكن تقدم التنبيه على أن مثل ذلك وقع كالفصل من الباب الذي قبله فلا بد له من تعلق به في الجملة والذي يظهر أنه أشار بإيراده إلى ترجيح القول بأن ترك قتل اليهود لمصلحة التأليف لأنه إذا لم يؤاخذ الذي ضربه حتى جرحه بالدعاء عليه ليهلك بل صبر على أذاه وزاد فدعا له فلأن يصبر على الأذى بالقول أولى ويؤخذ منه ترك القتل بالتعريض بطريق الأولى وقد تقدم شرح حديث بن مسعود المذكور في غزوة أحد من كتاب المغازي وحفص المذكور في السند هو بن غياث وشقيق هو بن سلمة أبو وائل والسند كله كوفيون وقوله 6530 قال عبد الله يعني بن مسعود ووقع في رواية مسلم من طريق وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قوله يحكى نبيا من الأنبياء تقدم في ذكر بني إسرائيل من أحاديث الأنبياء هذا الحديث بهذا السند وذكرت فيه من طريق مرسلة وفي سندها من لم يسم من سمى النبي المذكور نوحا عليه السلام ثم وقع لي من رواية الأعمش بسند له مضموما إلى روايته بسند حديث الباب أخرجه بن عساكر في ترجمة نوح عليه السلام من تاريخ دمشق من رواية يعقوب بن عبد الله الأشعري عن الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال إن كان نوح ليضربه قومه حتى يغمى عليه ثم يفيق فيقول اهد قومي فانهم لا يعلمون وبه عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله فذكر نحو حديث الباب وتقدم هناك أيضا قول القرطبي ان النبي صلى الله عليه وسلم هو الحاكي والمحكى عنه ووجه الرد عليه وتقدم في غزوة أحد بيان ما وقع له صلى الله عليه وسلم من الجراحة في وجهه يوم أحد وأنه صلى الله عليه وسلم قال أولا كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم فإنه قال أيضا اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون وان عند أحمد من رواية عاصم عن أبي وائل عن بن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال نحو ذلك يوم حنين لما ازدحموا عليه عند قسمة الغنائم قوله فهو يمسح الدم عن وجهه في رواية عبد الله بن نمير عن الأعمش عند مسلم في هذا الحديث عن جبينه وقد تقدم في غزوة أحد بيان أنه شج صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وشرح ما وقع في ذلك مبسوطا ولله الحمد 1 ( قوله باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم )
وقول الله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون أما الخوارج فهم جمع خارجة أي طائفة وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين وأصل بدعتهم فيما حكاه الرافعي في الشرح الكبير أنهم خرجوا على علي رضي الله عنه حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان رضي الله عنه ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لرضاه بقتله أو مواطأته إياهم كذا قال وهو خلاف ما أطبق عليه أهل الاخبار فإنه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم عثمان بل كانوا ينكرون عليه أشياء ويتبرءون منه وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان فطعنوا على عثمان بذلك وكان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه ويستبدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك فلما قتل عثمان قاتلوا مع علي واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه واعتقدوا إمامة علي وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا عليا فلقيا عائشة وكانت حجت تلك السنة فاتفقوا على طلب قتلة عثمان وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك فبلغ عليا فخرج إليهم فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة وانتصر على وقتل طلحة في المعركة وقتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك وكان أمير الشام إذ ذاك وكان علي أرسل إليه لأن يبايع له أهل الشام فاعتل بأن عثمان قتل مظلوما وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك ويلتمس من علي أن يمكنه منهم ثم يبايع له بعد ذلك وعلي يقول ادخل فيما دخل فيه الناس وحاكمهم إلى أحكم فيهم بالحق فلما طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالبا قتال أهل الشام فخرج معاوية في أهل الشام قاصدا إلى قتاله فالتقيا بصفين فدامت الحرب بينهما أشهرا وكاد أهل الشام أن ينكسروا فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص وهو مع معاوية فترك جمع كثير ممن كان مع علي وخصوصا القراء القتال بسبب ذلك تدينا واحتجوا بقوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم الآية فراسلوا أهل الشام في ذلك فقالوا ابعثوا حكما منكم وحكما منا ويحضر معهما من لم يباشر القتال فمن رأوا الحق معه أطاعوه فأجاب علي ومن معه إلى ذلك وانكرت ذلك تلك الطائفة التي صاروا خوارج وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام هذا ما قضى عليه أمير المؤمنين على معاوية فامتنع أهل الشام من ذلك وقالوا أكتبوا اسمه واسم أبيه فأجاب علي إلى ذلك فأنكره عليه الخوارج أيضا ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشام والعراق ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم فرجع معاوية إلى الشام ورجع علي إلى الكوفة ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف وقيل كانوا أكثر من عشرة آلاف وقيل ستة آلاف ونزلوا مكانا يقال له حروراء بفتح المهملة وراءين الأولى مضمومة ومن ثم قيل لهم الحرورية وكان كبيرهم عبد الله بن الكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد اليشكري وشبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة التميمي فأرسل إليهم علي بن عباس فناظرهم فرجع كثير منهم معه ثم خرج إليهم علي فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معهم رئيساهم المذكوران ثم أشاعوا أن عليا تاب من الحكومة ولذلك رجعوا معه فبلغ ذلك عليا فخطب وأنكر ذلك فتنادوا من جوانب المسجد لا حكم إلا لله فقال كلمة حق يراد بها باطل فقال لهم لكم علينا ثلاثة أن لا نمنعكم من المساجد ولا من رزقكم من الفيء ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادا وخرجوا شيئا بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن فراسلهم في الرجوع فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب ثم راسلهم أيضا فأرادوا قتل رسوله ثم اجتمعوا على أن من لا يعتقد معتقدهم بكفر ويباح دمه وماله وأهله وانتقلوا إلى الفعل فاستعرضوا الناس فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين ومر بهم عبد الله بن خباب بن الأرت وكان واليا لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سرية وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد فبلغ عليا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام فأوقع بهم بالنهروان ولم ينج منهم إلا دون العشرة ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة فهذا ملخص أول أمرهم ثم انضم إلى من بقى منهم من مال إلى رأيهم فكانوا مختفين في خلافة علي حتى كان منهم عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل عليا بعد أن دخل علي في صلاة الصبح ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له النجيلة ثم كانوا منقمعين في امارة زياد وابنه عبيد الله على العراق طول مدة معاوية وولده يزيد وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل فلما مات يزيد ووقع الافتراق وولى الخلافة عبد الله بن الزبير وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام ثار مروان فادعى الخلافة وغلب على جميع الشام إلى مصر فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق وباليمامة مع نجدة بن عامر وزاد نجدة على معتقد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتقد معتقدهم وعظم البلاء بهم وتوسعوا في معتقدهم الفاسد فأبطلوا رجم المحصن وقطعوا يد السارق من الابط وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها وكفروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ان كان قادرا وان لم يكن قادرا فقد ارتكب كبيرة وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقا وفتكوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب فمنهم من يفعل ذلك مطلقا بغير دعوة منهم ومنهم من يدعو أولا ثم يفتك ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة على قتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم وتقلل جمعهم ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الاموية وصدر الدولة العباسية ودخلت طائفة منهم المغرب وقد صنف في أخبارهم أبو مخنف بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون بعدها فاء واسمه لوط بن يحيى كتابا لخصه الطبري في تاريخه وصنف في أخبارهم أيضا الهيثم بن عدي كتابا ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج الصحيح كتابا كبيرا وجمع أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه الكامل لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين قبله قال القاضي أبو بكر بن العربي الخوارج صنفان أحدهما يزعم أن عثمان وعليا وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضى بالتحكيم كفار والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدا وقال غيره بل الصنف الأول مفرع عن الصنف الثاني لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم وقال بن حزم ذهب نجدة بن عامر من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة عذب بغير النار ومن أدمن على صغيرة فهو كمرتكب الكبيرة في التخليد في النار وذكر أن منهم من غلا في معتقدهم الفاسد فأنكر الصلوات الخمس وقال الواجب صلاة بالغداة وصلاة بالعشي ومنهم من جوز نكاح بنت الابن وبنت الأخ والأخت ومنهم من أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن وأن من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه وقال أبو منصور البغدادي في المقالات عدة فرق الخوارج عشرون فرقة وقال بن حزم أسوؤهم حالا الغلاة المذكورون وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضية وقد بقيت منهم بقية بالمغرب وقد وردت بما ذكرته من أصل حال الخوارج أخبار جياد منها ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر وأخرجه الطبري من طريق يونس كلاهما عن الزهري قال لما نشر أهل الشام المصاحف بمشورة عمرو بن العاص حين كاد أهل العراق أن يغلبوهم هاب أهل الشام ذلك إلى أن آل الأمر إلى التحكيم ورجع كل إلى بلده إلى أن اجتمع الحكمان في العام المقبل بدومة الجندل وافترقا عن غير شيء فلما رجعوا خالفت الحرورية عليا وقالوا لا حكم الا لله وأخرج بن أبي شيبة من طريق أبي رزين قال لما وقع الرضا بالتحكيم ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء فبعث لهم علي عبد الله بن عباس فناظرهم فلما رجعوا جاء رجل إلى علي فقال انهم يتحدثون أنك أقررت لهم بالكفر لرضاك بالتحكيم فخطب وأنكر ذلك فتنادوا من جوانب المسجد لا حكم إلا لله ومن وجه آخر أن رؤوسهم حينئذ الذين اجتمعوا بالنهروان عبد الله بن وهب الراسي وزيد بن حصن الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فاتفقوا على تأمير عبد الله بن وهب وسيأتي كثير من أسانيد ما أشرت إليه بعد في كتاب الفتن ان شاء الله تعالى وقال الغزالي في الوسيط تبعا لغيره في حكم الخوارج وجهان أحدهما أنه كحكم أهل الردة والثاني أنه كحكم أهل البغي ورجح الرافعي الأول وليس الذي قاله مطردا في كل خارجي فانهم على قسمين أحدهما من تقدم ذكره والثاني من خرج في طلب الملك لا للدعاء إلى معتقده وهم على قسمين أيضا قسم خرجوا غضبا للدين من أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة النبوية فهؤلاء أهل حق ومنهم الحسن بن علي وأهل المدينة في الحرة والقراء الذين خرجوا على الحجاج وقسم خرجوا لطلب الملك فقط سواء كانت فيهم شبهة أم لا وهم البغاة وسيأتي بيان حكمهم في كتاب الفتن وبالله التوفيق قوله وكان بن عمر يراهم شرار خلق الله الخ وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعا كيف كان رأي بن عمر في الحرورية قال كان يراهم شرار خلق الله انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين قلت وسنده صحيح وقد ثبت في الحديث الصحيح المرفوع عند مسلم من حديث أبي ذر في وصف الخوارج هم شرار الخلق والخليقة وعند أحمد بسند جيد عن أنس مرفوعا مثله وعند البزار من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج فقال هم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي وسنده حسن وعند الطبراني من هذا الوجه مرفوعا هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وفي حديث أبي سعيد عند أحمد هم شر البرية وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم من أبغض خلق الله إليه وفي حديث عبد الله بن خباب يعنى عن أبيه عند الطبراني شر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض وفي حديث أبي أمامة نحوه وعند أحمد وبن أبي شيبة من حديث أبي برزة مرفوعا في ذكر الخوارج شر الخلق والخليقة يقولها ثلاثا وعند بن أبي شيبة من طريق عمير بن إسحاق عن أبي هريرة هم شر الخلق وهذا مما يؤيد قول من قال بكفرهم ثم ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث الحديث الأول حديث علي
6531 قوله حدثنا خيثمة بفتح الخاء المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة هو بن عبد الرحمن بن أبي سبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة الجعفي لآبيه ولجده صحبة ووقع في رواية سهل بن بجر عن عمر بن حفص بهذا السند حدثني بالإفراد أخرجه أبو نعيم ولم يصرح بالتحديث فيه الا حفص بن غياث فقد أخرجه مسلم من رواية وكيع وعيسى بن يونس والثوري وجرير وأبي معاوية وتقدم في علامات النبوة وفضائل القرآن من رواية سفيان الثوري وهو عند أبي داود والنسائي من رواية الثوري أيضا وعند أبي عوانة من رواية يعلى بن عبيد وعند الطبري أيضا من رواية يحيى بن عيسى الرملي وعلي بن هشام كلهم عن الأعمش بالعنعنة وذكر الإسماعيلي أن عيسى بن يونس زاد فيه رجلا فقال عن الأعمش حدثني عمرو بن مرة عن خيثمة قلت لم أر في رواية عيسى عند مسلم ذكر عمرو بن مرة وهو من المزيد في متصل الأسانيد لأن أبا معاوية هو الميزان في حديث الأعمش قوله سويد بن غفلة بفتح المعجمة والفاء مخضرم من كبار التابعين وقد قيل ان له صحبة وتقدم بيان ذلك في أواخر فضائل القرآن قوله قال علي هو على حذف قال وهو كثير في الخط والأولى أن ينطق به وقد مضى في آخر فضائل القرآن من رواية الثوري عن ألأعمش بهذا السند قال قال علي وعند النسائي من هذا الوجه عن علي قال الدارقطني لم يصح لسويد بن غفلة عن علي مرفوع الا هذا قلت وماله في الكتب الستة ولا عند أحمد غيره وله في المستدرك من طريق الشعبي عنه قال خطب علي بنت أبي جهل أخرجه من طريق أحمد عن يحيى بن أبي زائدة عن زكريا عن الشعبي وسنده جيد لكنه مرسل لم يقل فيه عن علي قوله إذا حدثتكم في رواية يحيى بن عيسى سبب لهذا الكلام فأول الحديث عنده عن سويد بن غفلة قال كان علي يمر بالنهر وبالساقية فيقول صدق الله ورسوله فقلنا يا أمير المؤمنين ما تزال تقول هذا قال إذا حدثتكم الخ وكان علي في حال المحاربة يقول ذلك وإذا وقع له أمر يوهم أن عنده في ذلك أثرا فخشى في هذه الكائنة أن يظنوا أن قصة ذي الثدية من ذلك القبيل فأوضح أن عنده في أمره نصا صريحا وبين لهم أنه إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكنى ولا يعرض ولا يورى وإذا لم يحدث عنه فعل ذلك ليخدع بذلك من يحاربه ولذلك استدل بقوله الحرب خدعة قوله فوالله لأن أخر بكسر الخاء المعجمة أي أسقط قوله من السماء زاد أبو معاوية والثوري في روايتهما إلى الأرض أخرجه أحمد عنهما وسقطت للمصنف في علامات النبوة ولم يسق مسلم لفظهما ووقع في رواية يحيى بن عيسى اخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق قوله فيما بيني وبينكم في رواية يحيى بن عيسى عن نفسي وفي رواية الأعمش عن زيد بن وهب عن علي قام فينا علي عند أصحاب النهر فقال ما سمعتموني أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثوا به وما سمعتموني أحدث في غير ذلك ويستفاد من هذه الرواية معرفة الوقت الذي حدث فيه علي بذلك والسبب أيضا قوله فان الحرب خدعة في رواية يحيى بن عيسى فانما الحرب خدعة وقد تقدم في كتاب الجهاد أن هذا أعني الحرب خدعة حديث مرفوع وتقدم ضبط خدعة هناك ومعناها قوله سيخرج قوم في آخر الزمان كذا وقع في هذه الرواية وفي حديث أبي برزة عند النسائي يخرج في آخر الزمان قوم وهذا قد يخالف حديث أبي سعيد المذكور في الباب بعده فان مقتضاه أنهم خرجوا في خلافة علي وكذا أكثر الأحاديث الواردة في أمرهم وأجاب بن التين بأن المراد زمان الصحابة وفيه نظر لأن آخر زمان الصحابة كان على رأس المائة وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة فان في حديث سفينة المخرج في السنن وصحيح بن حبان وغيره مرفوعا الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا وكانت قصة الخوارج وقتلهم بالنهروان في اواخر خلافة علي سنة ثمان وعشرين بعد النبي صلى الله عليه وسلم بدون الثلاثين بنحو سنتين قوله أحداث بمهملة ثم مثلثة جمع حدث بفتحتين والحدث هو الصغير السن هكذا في أكثر الروايات ووقع هنا للمستملي والسرخسي حداث بضم أوله وتشديد الدال قال في المطالع معناه شباب جمع حديث السن أو جمع حدث قال بن التين حداث جمع حديث مثل كرام جمع كريم وكبار جمع كبير والحديث الجديد من كل شيء ويطلق على الصغير بهذا الاعتبار وتقدم في التفسير حداث مثل هذا اللفظ لكنه هناك جمع على غير قياس والمراد سمار يتحدثون قاله في النهاية وتقدم في علامات النبوة بلفظ حدثاء بوزن سفهاء وهو جمع حديث كما تقدم تقريره والاسنان جمع سن والمراد به العمر والمراد أنهم شباب قوله سفهاء الأحلام جمع حلم بكسر أوله والمراد به العقل والمعنى أن عقولهم رديئة قال النووي يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن وكثرة التجارب وقوة العقل قلت ولم يظهر لي وجه الأخذ منه فان هذا معلوم بالعادة لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصفة قوله يقولون من خير قول البرية تقدم في علامات النبوة وفي آخر فضائل القرآن قول من قال أنه مقلوب وأن المراد من قول خير البرية وهو القرآن قلت ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد القول الحسن في الظاهر وباطنه على خلاف ذلك كقولهم لا حكم الا لله في جواب علي كما سيأتي وقد وقع في رواية طارق بن زياد عند الطبري قال خرجنا مع علي فذكر الحديث وفيه يخرج قوم يتكلمون كلمة الحق لا تجاوز حلوقهم وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أبي داود والطبراني يحسنون القول ويسيئون الفعل ونحوه في حديث عبد الله بن عمر وعند أحمد وفي حديث مسلم عن علي يقولون الحق لا يجاوز هذا وأشار إلى حلقه قوله لا يجاوز ايمانهم حناجرهم في رواية الكشميهني لا يجوز والحناجر بالحاء المهملة والنون ثم الجيم جمع حنجرة بوزن قسورة وهي الحلقوم والبلعوم وكله يطلق على مجرى النفس وهو طرف المرئ مما يلي الفم ووقع في رواية مسلم من رواية زيد بن وهب عن علي لا تجاوز صلاتهم تراقيهم فكأنه اطلق الإيمان على الصلاة وله في حديث أبي ذر لا يجاوز ايمانهم حلاقيمهم والمراد انهم يؤمنون بالنطق لا بالقلب وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه وهذه المجاوزة غير المجاوزة الأتية في حديث أبي سعيد قوله يمرقون من الدين في رواية أبي إسحاق عن سويد بن غفلة عند النسائي والطبري يمرقون من الإسلام وكذا في حديث بن عمر في الباب وفي رواية زيد بن وهب المشار إليها وحديث أبي بكرة في الطبري وعند النسائي من رواية طارق بن زياد عن علي يمرقون من الحق وفيه تعقب على من فسر الدين هنا بالطاعة كما تقدمت الإشارة إليه في علامات النبوة قوله كما يمرق السهم من الرمية بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتانية أي الشيء الذي يرمى به ويطلق على الطريدة من الوحش إذا رماها الرامي وسيأتي في الباب الذي بعده قوله فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة في رواية زيد بن وهب لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل ولمسلم في رواية عبيدة بن عمرو عن علي لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قال عبيدة قلت لعلي أنت سمعته قال أي ورب الكعبة ثلاثا وله في رواية زيد بن وهب في قصة قتل الخوارج أن عليا لما قتلهم قال صدق الله وبلغ رسوله فقام إليه عبيدة فقال يا أمير المؤمنين الله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أي والله الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا قال النووي انما استحلفه ليؤكد الأمر عند السامعين ولتظهر معجزة النبي صلى الله عليه وسلم وأن عليا ومن معه على الحق قلت وليطمئن قلب المستحلف لأزالة توهم ما أشار إليه على أن الحرب خدعة فخشي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئا منصوصا والى ذلك يشير قول عائشة لعبد الله بن شداد في روايته المشار إليها حيث قالت له ما قال علي حينئذ قال سمعته يقول صدق الله ورسوله قالت رحم الله عليا إنه كان لا يرى شيئا يعجبه إلا قال صدق الله ورسوله فيذهب أهل العراق فيكذبون عليه ويزيدونه فمن هذا أراد عبيدة بن عمرو التثبت في هذه القصة بخصوصها وان فيها نقلا منصوصا مرفوعا وأخرج أحمد نحو هذا الحديث عن علي وزاد في آخره قتالهم حق على كل مسلم ووقع سبب تحديث علي بهذا الحديث في رواية عبيد الله بن أبي رافع فيما أخرجه مسلم من رواية بشر بن سعيد عنه قال إن الحرورية لما خرجت وهو مع علي قالوا لا حكم إلا لله تعالى فقال علي كلمة حق أريد بها باطل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم ولا يجاوز هذا منهم وأشار بحلقه من أبغض خلق الله إليه الحديث الثاني حديث أبي سعيد
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu hadis, dan bagaimana keasliannya dinilai?
- Apa saja koleksi hadis yang paling sahih?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Siapakah para sahabat (Sahabah) Nabi Muhammad (saw)?