İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
1 ( قوله باب إذا أحرم جاهلا وعليه قميص ) أي هل يلزمه فدية أو لا وإنما لم يجزم بالحكم لأن حديث الباب لا تصريح فيه بإسقاط الفدية ومن ثم استظهر المصنف للراجح بقول عطاء راوي الحديث كأنه يشير إلى أنه لو كانت الفدية واجبة لما خفيت عن عطاء وهو راوي الحديث قال بن بطال وغيره وجه الدلالة منه أنه لو لزمته الفدية لبينها صلى الله عليه وسلم لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وفرق مالك فيمن تطيب أو لبس ناسيا بين من بادر فنزع وغسل وبين من تمادى والشافعي أشد موافقة للحديث لأن السائل في حديث الباب كان غير عارف بالحكم وقد تمادى ومع ذلك لم يؤمر بالفدية وقول مالك فيه احتياط وأما قول الكوفيين والمزنى مخالف هذا الحديث وأجاب بن المنير في الحاشية بان الوقت الذي أحرم فيه الرجل في الجبة كان قبل نزول الحكم ولهذا أنتظر النبي صلى الله عليه وسلم الوحي قال ولا خلاف أن التكليف لا يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم فلهذا لم يؤمر الرجل بفدية عما مضى بخلاف من لبس الآن جاهلا فإنه جهل حكما استقر وقصر في علم ما كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفا به وقد تمكن من تعلمه قوله وقال عطاء الخ ذكره بن المنذر في الأوسط ووصله الطبراني في الكبير وأما حديث يعلى فقد تقدم الكلام عليه مستوفى في باب غسل الخلوف في أوائل الحج قوله في الإسناد صفوان بن يعلى بن أمية قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم هذا وقع في رواية أبي ذر وهو تصحيف والصواب ما ثبت في رواية غيره صفوان بن يعلى عن أبيه فتصحفت عن فصارت بن وأبيه فصارت أمية أو سقط من السند عن أبيه وليست لصفوان صحبة ولا رواية قوله وعض رجل يد رجل هذا حديث آخر وسيأتي مبسوطا مع الكلام عليه في أبواب الدية إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب المحرم يموت بعرفة ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤدي عنه بقية الحج ) يعني لم ينقل ذلك وذكر فيه حديث بن عباس في الرجل المحرم الذي وقع عن بعيره بعرفة فمات وقد تقدم التنبيه عليه في باب ما ينهى عن الطيب للمحرم وأورده المصنف من حديث حماد بن زيد عن عمرو بن دينار وعن أيوب فرقهما كلاهما عن سعيد بن جبير ووقع في رواية عمرو فوقصته أو قال فأقعصته وفي رواية أيوب فوقصته أو قال فأوقصته وكلها بمعنى وزاد في رواية أيوب ولا تمسوه طيبا والباقي سواء وقد وقع عند مسلم من رواية إسماعيل بن علية في هذا الحديث عن أيوب قال نبئت عن سعيد بن جبير فالله أعلم قوله باب سنة المحرم إذا مات ذكر فيه حديث بن عباس المذكور من وجه آخر عن سعيد بن جبير وقد سبق 1 ( قوله باب الحج والنذور عن الميت ) كذا ثبت للأكثر بلفظ الجمع وفي رواية النسفي النذر بالافراد قوله والرجل يحج عن المرأة يعني أن حديث الباب يستدل به على الحكمين وفيه على الحكم الثاني نظر لأن لفظ الحديث أن امرأة سألت عن نذر كان على أبيها فكان حق الترجمة أن يقول والمرأة تحج عن الرجل وأجاب بن بطال بأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب المرأة بخطاب دخل فيه الرجال والنساء وهو قوله اقضوا الله قال ولا خلاف في جواز حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل ولم يخالف في جواز حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل الا الحسن بن صالح انتهى والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى رواية شعبة عن أبي بشر في هذا الحديث فإنه قال فيها أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أن أختي نذرت أن تحج الحديث وفيه فاقض الله فهو أحق بالقضاء أخرجه المصنف في كتاب النذور وكذا أخرجه أحمد والنسائي من طريق شعبة
1754 قوله أن امرأة من جهينة لم اقف على اسمها ولا على اسم أبيها لكن روى بن وهب عن عثمان بن عطاء الخرساني عن أبيه أن غايثة أو غاثية أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة فقال اقض عنها أخرجه بن منده في حرف الغين المعجمة من الصحابيات وتردد هل هي بتقديم المثناة التحتانية على المثلثة أو بالعكس وجزم بن طاهر في المبهمات بأنه اسم الجهينية المذكورة في حديث الباب وقد روى النسائي وبن خزيمة وأحمد من طريق موسى بن سلمة الهذلي عن بن عباس قال أمرت امرأة سنان بن عبد الله الجهني أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمها توفيت ولم تحج الحديث لفظ أحمد ووقع عند النسائي سنان بن سلمة والأول أصح وهذا لا يفسر به المبهم في حديث الباب أن المرأة سألت بنفسها وفي هذا أن زوجها سأل لها ويمكن الجمع بان يكون نسبة السؤال إليها مجازية وإنما الذي تولى لها السؤال زوجها وغايته أنه في هذه الرواية لم يصرح بأن الحجة المسئول عنها كانت نذرا وأما ما روى بن ماجة من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن بن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أن أمي توفيت وعليها مشى إلى الكعبة نذرا الحديث فإن كان محفوظا حمل على واقعتين بان تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة وبأن تكون عمته سألت بنفسها عن حجة أمها المنذورة ويفسر من في حديث الباب بأنها عمة سنان واسمها غايثة كما تقدم ولم تسم المرأة ولا العمة ولا أم واحدة منهما قوله أن أمي نذرت أن تحج كذا رواه أبو بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس من رواية أبي عوانة عنه وسيأتي في النذور من طريق شعبة عن أبي بشر بلفظ أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فإن كان محفوظا احتمل أن يكون كل من الأخ سأل عن أخته والبنت سألت عن أمها وسيأتي في الصيام من طريق أخرى عن سعيد بن جبير بلفظ قالت امرأة أن أمي ماتت وعليها صوم شهر وسيأتي بسط القول فيه هناك وزعم بعض المخالفين أنه اضطراب يعل به الحديث وليس كما قال فإنه محمول على أن المرأة سألت عن كل من الصوم والحج ويدل عليه ما رواه مسلم عن بريدة أن امرأة قالت يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية وانها ماتت قال وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت إنه كان عليها صوم شهر افاصوم عنها قال صومي عنها قالت أنها لم تحج افأحج عنها قال حجي عنها وللسؤال عن قصة الحج من حديث بن عباس أصل آخر أخرجه النسائي من طريق سليمان بن يسار عنه وله شاهد من حديث أنس عند البزار والطبراني والدارقطني واستدل به على صحة نذر الحج ممن لم يحج فإذا حج اجزاه عن حجة الإسلام عند الجمهور وعليه الحج عن النذر وقيل يجزئ عن النذر ثم يحج حجة الإسلام وقيل يجزئ عنهما قوله قال نعم حجي عنها في رواية موسى بن سلمة أفيجزىء عنها أن أحج عنها قال نعم قوله أرأيت الخ فيه مشروعية القياس وضرب المثل ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه وفيه تشبيه ما اختلف فيه واشكل بما اتفق عليه وفيه أنه يستحب للمفتى التنبيه على وجه الدليل إذا ترتبت على ذلك مصلحة وهو أطيب لنفس المستفتى وادعى لاذعانه وفيه أن وفاء الدين المالي عن الميت كان معلوما عندهم مقررا ولهذا حسن الإلحاق به وفيه أجزاء الحج عن الميت وفيه اختلاف فروى سعيد بن منصور وغيره عن بن عمر بإسناد صحيح لا يحج أحد عن أحد ونحوه عن مالك والليث وعن مالك أيضا أن أوصى بذلك فليحج عنه وإلا فلا وسيأتي البحث في ذلك في الباب الذي يليه قوله أكنت قاضيته كذا للأكثر بضمير يعود على الدين وللكشميهني قاضية بوزن فاعلة على حذف المفعول وفيه أن من مات وعليه حج وجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله كما أن عليه قضاء ديونه فقد اجمعوا على أن دين الآدمي من رأس المال فكذلك ما شبه به في القضاء ويلتحق بالحج كل حق ثبت في ذمته من كفارة أو نذر أو زكاة أو غير ذلك وفي قوله فالله أحق بالوفاء دليل على أنه مقدم على دين الآدمي وهو أحد أقوال الشافعي وقيل بالعكس وقيل هما سواء قال الطيبي في الحديث اشعار بان المسئول عنه خلف مالا فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن حق الله مقدم على حق العباد وأوجب عليه الحج عنه والجامع علة المالية قلت ولم يتحتم في الجواب المذكور أن يكون خلف مالا كما زعم لأن قوله أكنت قاضيته أعم من أن يكون المراد مما خلفه أو تبرعا
1 ( قوله باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة ) أي من الأحياء خلافا لمالك في ذلك ولمن قال لا يحج أحد عن أحد مطلقا كابن عمر ونقل بن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافا للشافعي وعن أحمد روايتان 1755 قوله عن بن شهاب عن سليمان في رواية الترمذي من طريق روح عن بن جريج أخبرني بن شهاب حدثني سليمان بن يسار قوله عن بن عباس في رواية شعيب الآتية في الاستئذان عن بن شهاب أخبرني سليمان أخبرني عبد الله بن عباس قوله عن الفضل بن عباس كذا قال بن جريج وتابعه معمر وخالفهما مالك وأكثر الرواة عن الزهري فلم يقولوا فيه عن الفضل وروى بن ماجة من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن بن عباس أخبرني حصين بن عوف الخثعمي قال قلت يا رسول الله أن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج الحديث قال الترمذي سألت محمدا يعني البخاري عن هذا فقال أصح شيء فيه ما روى بن عباس عن الفضل قال فيحتمل أن يكون بن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة أه وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ وكان بن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة كما سيأتي بعد باب وقد سبق في باب التلبية والتكبير من طريق عطاء عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل فأخبر الفضل أنه لم يزل يلبى حتى رمى الجمرة فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمى جمرة العقبة فحضره بن عباس فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة وتارة عما شاهده ويؤيد ذلك ما وقع عند الترمذي وأحمد وابنه عبد الله والطبري من حديث علي مما يدل على أن السؤال المذكور وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي وأن العباس كان شاهدا ولفظ أحمد عندهم من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن على قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال هذه عرفة وهو الموقف فذكر الحديث وفيه ثم أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر فقال هذا المنحر وكل منى منحر واستفتته وفي رواية عبد الله ثم جاءته جارية شابة من خثعم فقالت إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج أفيجزىء أن أحج عنه قال حجي عن أبيك قال ولوى عنق الفضل فقال العباس يا رسول الله لويت عنق بن عمك قال رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الشيطان وظاهر هذا أن العباس كان حاضرا لذلك فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضا كان معه تنبيه لم يسق المصنف لفظ رواية بن جريج بل تحول إلى إسناد عبد العزيز بن أبي سلمة وساق الحديث على لفظه كعادته وبقية حديث بن جريج أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أبي أدركه الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يركب البعير افأحج عنه قال حجي عنه أخرجه أبو مسلم الكجي عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه والطبراني عن أبي مسلم كذلك وأخرجه مسلم من وجه آخر عن بن جريج فقال إن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج الحديث قوله عام حجة الوداع في رواية شعيب الآتية في الاستئذان يوم النحر وللنسائي من طريق بن عيينة عن بن شهاب غداة جمع وسيأتي بقية الكلام عليه في الباب الذي بعده 1 ( قوله باب حج المرأة عن الرجل ) تقدم نقل الخلاف فيه قبل باب
1756 قوله كان الفضل يعني بن عباس وهو أخو عبد الله وكان أكبر ولد العباس وبه كان يكنى قوله رديف زاد شعيب على عجز راحلته قوله فجاءته امرأة من خثعم بفتح المعجمة وسكون المثلثة قبيلة مشهورة قوله فجعل الفضل ينظر إليها في رواية شعيب وكان الفضل رجلا وضيئا أي جميلا وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها قوله يصرف وجه الفضل في رواية شعيب فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فدفع وجهه عن النظر إليها وهذا هو المراد بقوله في حديث علي فلوى عنق الفضل ووقع في رواية الطبري في حديث على وكان الفضل غلاما جميلا فإذا جاءت الجارية من هذا الشق صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الفضل إلى الشق الآخر فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنها وقال في آخره رأيت غلاما حدثا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان قوله إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا في رواية عبد العزيز وشعيب أن فريضة الله على عباده في الحج وفي رواية النسائي من طريق يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان بن يسار أن أبي أدركه الحج واتفقت الروايات كلها عن بن شهاب على أن السائلة كانت امرأة وإنها سألت عن أبيها وخالفه يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه أما إسناده فقال هشيم عنه عن سليمان عن عبد الله بن عباس وقال محمد بن سيرين عنه عن سليمان عن الفضل أخرجهما النسائي وقال بن علية عنه عن سليمان حدثني أحد ابني العباس أما الفضل وأما عبد الله أخرجه أحمد وأما المتن فقال هشيم أن رجلا سأل فقال أن أبي مات وقال بن سيرين فجاء رجل فقال أن أمي عجوز كبيرة وقال بن علية فجاء رجل فقال أن أبي أو أمي وخالف الجميع معمر عن يحيى بن أبي إسحاق فقال في روايته أن امرأة سألت عن أمها وهذا الاختلاف كله عن سليمان بن يسار فأحببنا أن ننظر في سياق غيره فإذا كريب قد رواه عن بن عباس عن حصين بن عوف الخثعمي قال قلت يا رسول الله أن أبي أدركه الحج وإذا عطاء الخرساني قد روى عن أبي الغوث بن حصين الخثعمي أنه استفتى النبي صلى الله عليه وسلم عن حجة كانت على أبيه أخرجهما بن ماجة والرواية الأولى أقوى إسنادا وهذا يوافق رواية هشيم في أن السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه ويوافقه ما روى الطبراني من طريق عبد الله بن شداد عن الفضل بن عباس أن رجلا قال يا رسول الله أن أبي شيخ كبير ويوافقهما مرسل الحسن عند بن خزيمة فإنه أخرجه من طريق عوف عن الحسن قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال أن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام لم يحج الحديث ثم ساقه من طريق عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال مثله الا أنه قال أن السائل سأل عن أمه قلت وهذا يوافق رواية بن سيرين أيضا عن يحيى بن أبي إسحاق كما تقدم والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسالت أيضا والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعا ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس عن الفضل بن عباس قال كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم وأعرابي معه بنت له حسناء فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها وجعلت ألتفت إليها ويأخذ النبي صلى الله عليه وسلم براسى فيلويه فكان يلبى حتى رمى جمرة العقبة فعلى هذا فقول الشابة أن أبي لعلها أرادت به جدها لأن أباها كان معها وكأنه أمرها أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه ولا مانع أن يسأل أيضا عن أمه وتحصل من هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي وأما ما وقع في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين فإن إسنادها ضعيف ولعله كان فيه عن أبي الغوث حصين فزيد في الرواية بن أو أن أبا الغوث أيضا كان مع أبيه حصين فسال كما سأل أبوه وأخته والله أعلم ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر وهو أبو رزين بفتح الراء وكسر الزاي العقيلي بالتصغير واسمه لقيط بن عامر ففي السنن وصحيح بن خزيمة وغيرهما من حديثه أنه قال يا رسول الله أن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة قال حج عن أبيك واعتمر وهذه قصة أخرى ومن وحد بينهما وبين حديث الخثعمي فقد أبعد وتكلف قوله شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة قال الطيبي شيخا حال ولا يثبت صفة له ويحتمل أن يكون حالا أيضا ويكون من الأحوال المتداخلة والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة وقوله لا يثبت وقع في رواية عبد العزيز وشعيب لا يستطيع أن يستوي وفي رواية بن عيينة لا يستمسك على الرحل وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق من الزيادة وأن شددته خشيت أن يموت وكذا في مرسل الحسن وحديث أبي هريرة عند بن خزيمة بلفظ وأن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن اقتله وهذا يفهم منه أن من قدر على غير هذين الامرين من الثبوت على الراحلة أو الأمن عليه من الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج عنه كمن يقدر على محمل موطأ كالمحفة قوله افأحج عنه أي ايجوز لي أن أنوب عنه فاحج عنه لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدر وفي رواية عبد العزيز وشعيب فهل يقضي عنه وفي حديث على هل يجزئ عنه قوله قال نعم في حديث أبي هريرة فقال احجج عن أبيك وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحج عن الغير واستدل الكوفيون بعمومه على جواز صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه واستدلوا بما في السنن وصحيح بن خزيمة وغيره من حديث بن عباس أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يلبى عن شبرمة فقال أحججت عن نفسك فقال لا قال هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة واستدل به على أن الاستطاعة تكون بالغير كما تكون بالنفس وعكس بعض المالكية فقال من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب وأجابوا عن حديث الباب بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب وبانها عبادة بدنية فلا تصح النيابة فيها كالصلاة وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة قالوا ولان العبادات فرضت على جهة الابتلاء وهو لا يوجد في العبادات البدنية الا باتعاب البدن فبه يظهر الانقياد أو النفور بخلاف الزكاة فإن الابتلاء فيها بنقص المال وهو حاصل بالنفس وبالغير وأجيب بان قياس الحج على الصلاة لا يصح لأن عبادة الحج مالية بدنية معا فلا يترجح الحاقها بالصلاة على الحاقها بالزكاة ولهذا قال المازري من غلب حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة ومن غلب حكم المال ألحقه بالصدقة وقد أجاز المالكية الحج عن الغير إذا أوصى به ولم يجيزوا ذلك في الصلاة وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع لأنه يوجد في الآمر من بذله المال في الأجرة وقال عياض لا حجة للمخالف في حديث الباب لأن قوله أن فريضة الله على عباده الخ معناه أن الزام الله عباده بالحج الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع فهل أحج عنه أي هل يجوز لي ذلك أو هل فيه أجر ومنفعة فقال نعم وتعقب بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الأجزاء فيتم الاستدلال وتقدم في بعض طرق مسلم أن أبي عليه فريضة الله في الحج ولأحمد في رواية والحج مكتوب عليه وادعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز ارضاع الكبير حكاه بن عبد البر وتعقب بان الأصل عدم الخصوصية واحتج بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بإسنادين مرسلين فزاد في الحديث حج عنه وليس لأحد بعده ولا حجة فيه لضعف الإسنادين مع ارسالهما وقد عارضة قوله في حديث الجهنية الماضي في الباب اقضوا الله فالله أحق بالوفاء وادعى آخرون منهم أن ذلك خاص بالابن يحج عن أبيه ولا يخفى أنه جمود وقال القرطبي رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن فرجح ظاهر القرآن ولا شك في ترجيحه من جهة تواتره ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة ظنت ظنا قال ولا يقال قد اجابها النبي صلى الله عليه وسلم على سؤالها ولو كان ظنها غلطا لبينه لها لأنا نقول إنما اجابها عن قولها افاحج عنه قال حجي عنه لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها أه وتعقب بان في تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لها على ذلك حجة ظاهرة وأما ما رواه عبد الرزاق من حديث بن عباس فزاد في الحديث حج عن أبيك فإن لم يزده خيرا لم يزده شرا فقد جزم الحفاظ بأنها رواية شاذة وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها للمخالف ومن فروع المسألة أن لا فرق بين من استقر الوجوب في ذمته قبل العضب أو طرا عليه خلافا للحنفية وللجمهور ظاهر قصة الخثعمية وأن من حج عن غيره وقع الحج عن المستنيب خلافا لمحمد بن الحسن فقال يقع عن المباشر وللمحجوج عنه أجر النفقة واختلفوا فيما أذاعوا في المعضوب فقال الجمهور لا يجزئه لأنه تبين أنه لم يكن ميئوسا منه وقال أحمد وإسحاق لا تلزمه الإعادة لئلا يفضى إلى إيجاب حجتين واتفق من أجاز النيابة في الحج على أنها لا تجزئ في الفرض إلا عن موت أو عضب فلا يدخل المريض لأنه يرجى برؤه ولا المجنون لأنه ترجى إفاقته ولا المحبوس لأنه يرجى خلاصه ولا الفقير لأنه يمكن استغناؤه والله أعلم وفي الحديث من الفوائد أيضا جواز الارتداف وسيأتي مبسوطا قبيل كتاب الأدب وارتداف المرأة مع الرجل وتواضع النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلة الفضل بن عباس منه وبيان ما ركب في الآدمي من الشهوة وجبلت طباعه عليه من النظر إلى الصور الحسنة وفيه منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر قال عياض وزعم بعضهم أنه غير واجب الا عند خشية الفتنة قال وعندي أن فعله صلى الله عليه وسلم إذ غطى وجه الفضل أبلغ من القول ثم قال لعل الفضل لم ينظر نظرا ينكر بل خشي عليه أن يئول إلى ذلك أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب ويؤخذ منه التفريق بين الرجال والنساء خشية الفتنة وجواز كلام المرأة وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة كالاستفتاء عن العلم والترافع في الحكم والمعاملة وفيه أن إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كشفه في الإحرام وروى أحمد وبن خزيمة من وجه آخر عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفضل حين غطى وجهه يوم عرفة هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له وفي هذا الحديث أيضا النيابة في السؤال عن العلم حتى من المرأة عن الرجل وأن المرأة تحج بغير محرم وأن المحرم ليس من السبيل المشترط في الحج لكن الذي تقدم من أنها كانت مع أبيها قد يرد على ذلك وفيه بر الوالدين والاعتناء بأمرهما والقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وغير ذلك من أمور الدين والدنيا واستدل به على أن العمرة غير واجبة لكون الخثعمية لم تذكرها ولا حجة فيه لأن مجرد ترك السؤال لا يدل على عدم الوجوب لاستفادة ذلك من حكم الحج ولاحتمال أن يكون أبوها قد اعتمر قبل الحج على أن السؤال عن الحج والعمرة قد وقع في حديث أبي رزين كما تقدم وقال بن العربي حديث الخثعمية أصل متفق على صحته في الحج خارج عن القاعدة المستقرة في الشريعة من أن ليس للإنسان الا ما سعى رفقا من الله في استدراك ما فرط فيه المرء بولده وماله وتعقب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي وبأن عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقا
1 ( قوله باب حج الصبيان ) أي مشروعيته وكان الحديث الصريح فيه ليس على شرط المصنف وهو ما رواه مسلم من طريق كريب عن بن عباس قال رفعت امرأة صبيا لها فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر قال بن بطال أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ الا أنه إذا حج به كان له تطوعا عند الجمهور وقال أبو حنيفة لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء بفعل شيء من محظورات الإحرام وإنما يحج به على جهة التدريب وشذ بعضهم فقال إذا حج الصبي اجزاه ذلك عن حجة الإسلام لظاهر قوله نعم في جواب ألهذا حج وقال الطحاوي لا حجة فيه لذلك بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له لأن بن عباس راوي الحديث قال أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى ثم ساقه بإسناد صحيح ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث بن عباس قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في الثقل بفتح المثلثة والقاف ويجوز اسكانها أي الامتعة وقد تقدم الكلام عليه في باب من قدم ضعفة أهله ووجه الدلالة منه هنا أن بن عباس كان دون البلوغ ولهذه النكتة أردفه المصنف بحديثه الآخر المصرح فيه بأنه كان حينئذ قد قارب الاحتلام ثم بين بالطريق المعلقة أن ذلك وقع في حجة الوداع وقد تقدم الكلام عليه في باب متى يصح سماع الصغير من كتاب العلم وفي باب سترة المصلي من كتاب الصلاة وقوله 1758 فيه حدثنا إسحاق نسبه الأصيلي وبن السكن بن منصور وقد أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن يعقوب أيضا ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج لكن يرجح كونه بن منصور أن بن راهويه لا يعبر عن مشايخه الا بصيغة أخبرنا ورواية يونس المعلقة وصلها مسلم من طريق بن وهب عنه ولفظه أنه أقبل يسير على حمار ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى في حجة الوداع الحديث وهو الثاني الحديث الثالث 1759 قوله عن محمد بن يوسف في رواية الإسماعيلي حدثنا محمد بن يوسف وهو الكندي حفيد شيخه السائب وقيل سبطه وقيل بن أخيه عبد الله بن يزيد والسائب بن يزيد أي بن سعيد بن ثمامة بن الأسود الكندي حليف بني عبد شمس ويعرف بابن أخت النمر والنمر رجل حضرمي قوله حج بي كذا للأكثر بضم أوله على البناء لما لم يسم فاعله وقال بن سعد عن الواقدي عن حاتم حجت بي أمي وللفاكهى من وجه آخر عن محمد بن يوسف عن السائب حج بي أبي ويجمع بينهما بأنه كان مع أبويه زاد الترمذي عن قتيبة عن حاتم في حجة الوداع 1760 قوله عن الجعيد بالجيم مصغرا والقاسم بن مالك هو المزني قوله سمعت عمر بن عبد العزيز يقول للسائب بن يزيد وكان السائب قد حج به في ثقل النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر مقول عمر ولا جواب السائب وكأنه كان قد سأله عن قدر المد فسياتى في الكفارات عن عثمان بن أبي شيبة عن القاسم بن مالك بهذا الإسناد كان الصاع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدا وثلثا فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز زاد الإسماعيلي من هذا الوجه قال السائب وقد حج بي في ثقل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام وقال الكرماني اللام في قوله للسائب للتعليل أي سمعت عمر يقول لأجل السائب والمقول وكان السائب الخ كذا قال ولا يخفى بعده وسيأتى للسائب ترجمة في الكلام على خاتم النبوة إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب حج النساء ) أي هل يشترط فيه قدر زائد على حج الرجال أو لا ثم أورد المصنف فيه عدة أحاديث الأول
1761 قوله وقال لي أحمد بن محمد حدثنا إبراهيم عن أبيه عن جده قال أذن عمر أي بن الخطاب لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن كذا أورده مختصرا ولم يستخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم ونقل الحميدي عن البرقاني أن إبراهيم هو بن عبد الرحمن بن عوف قال الحميدي وفيه نظر ولم يذكره أبو مسعود انتهى والحديث معروف وقد ساقه بن سعد والبيهقي مطولا وجعل مغلطاي تنظير الحميدي راجعا إلى نسبة إبراهيم فقال مراد البرقاني بإبراهيم جد إبراهيم المبهم في رواية البخاري فظن الحميدي أنه عين إبراهيم الأول وليس كذلك بل هو جده لأنه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وقوله وقال لي أحمد بن محمد أي بن الوليد الأزرقي وقوله أذن عمر ظاهره أنه من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن عمر ومن ذكر معه وادراكه لذلك ممكن لأن عمره إذ ذاك كان أكثر من عشر سنين وقد أثبت سماعه من عمر يعقوب بن أبي شيبة وغيره لكن روى بن سعد هذا الحديث عن الواقدي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن عبد الرحمن بن عوف قال أرسلني عمر لكن الواقدي لا يحتج به فقد رواه البيهقي من طريق عبدان وبن سعد أيضا عن الوليد بن عطاء بن الأغر المكي كلاهما عن إبراهيم بن سعد مثل ما قال الأزرقي ويحتمل أن يكون إبراهيم حفظ أصل القصة وحمل تفاصيلها عن أبيه فلا تتخالف الروايتان ولعل هذا هو النكتة في اقتصار البخاري على أصل القصة دون بقيتها قوله وعبد الرحمن زاد عبدان عبد الرحمن بن عوف وكان عثمان ينادي ألا لا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن انزلهن بصدر الشعب فلم يصعد إليهن أحد ونزل عبد الرحمن وعثمان بذنب الشعب وفي رواية لابن سعد فكان عثمان يسير امامهن وعبد الرحمن خلفهن وفي رواية له وعلى هوادجهن الطيالسة الخضر في إسناده الواقدي وروى بن سعد أيضا بإسناد صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي قال رأيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم حججن في هوادج عليها الطيالسة زمن المغيرة أي بن شعبة والظاهر أنه أراد بذلك زمن ولاية المغيرة على الكوفة لمعاوية وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها ولابن سعد أيضا من حديث أم معبد الخزاعية قالت رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجا بنساء النبي صلى الله عليه وسلم فنزلن بقديد فدخلت عليهن وهن ثمان وله من حديث عائشة انهن استأذن عثمان في الحج فقال أنا أحج بكن فحج بنا جميعا الا زينب كانت ماتت وإلا سودة فإنها لم تخرج من بيتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم وروى أبو داود وأحمد من طريق واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجة الوداع هذه ثم ظهور الحصر زاد بن سعد من حديث أبي هريرة فكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يحججن الا سودة وزينب فقالا لا تحركنا دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناد حديث أبي واقد صحيح وأغرب المهلب فزعم أنه من وضع الرافضة لقصد ذم أم المؤمنين عائشة في خروجها إلى العراق للاصلاح بين الناس في قصة وقعة الجمل وهو أقدام منه على رد الأحاديث الصحيحة بغير دليل والعذر عن عائشة أنها تأولت الحديث المذكور كما تأوله غيرها من صواحباتها على أن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة وتأيد ذلك عندها بقوله صلى الله عليه وسلم لكن أفضل الجهاد الحج والعمرة ومن ثم عقبه المصنف بهذا الحديث في هذا الباب وكأن عمر رضي الله عنه كان متوقفا في ذلك ثم ظهر له الجواز فأذن لهن وتبعه على ذلك من ذكر من الصحابة ومن في عصره من غير نكير وروى بن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر قال منع عمر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الحج والعمرة ومن طريق أم درة عن عائشة قالت منعنا عمر الحج والعمرة حتى إذا كان آخر عام فأذن لنا وهو موافق لحديث الباب وفيه زيادة على ما في مرسل أبي جعفر وهو محمول على ما ذكرناه واستدل به على جواز حج المرأة بغير محرم وسيأتى البحث فيه في الكلام على الحديث الثالث تكملة روى عمر بن شبة هذا الحديث عن سليمان بن داود الهاشمي عن إبراهيم بن سعد بإسناد آخر فقال عن الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة أن عمر أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فحججن في آخر حجة حجها عمر فلما ارتحل عمر من الحصبة من آخر الليل أقبل رجل فسلم وقال أين كان أمير المؤمنين ينزل فقال له قائل وأنا أسمع هذا كان منزله فأناخ في منزل عمر ثم رفع عقيرته يتغنى عليك سلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق الأبيات قالت عائشة فقلت لهم اعلموا لي علم هذا الرجل فذهبوا فلم يروا أحدا فكانت عائشة تقول إني لاحسبه من الجن الحديث الثاني
1762 قوله حدثنا عبد الواحد هو بن زياد قوله عن عائشة في رواية زائدة عن حبيب عند الإسماعيلي حدثتني عائشة قوله الا نغزو أو نجاهد هذا شك من الراوي وهو مسدد شيخ البخاري وقد رواه أبو كامل عن أبي عوانة شيخ مسدد بلفظ الا نغزو معكم أخرجه الإسماعيلي وأغرب الكرماني فقال ليس الغزو والجهاد بمعنى واحد فإن الغزو القصد إلى القتال والجهاد بذل النفس في القتال قال أو ذكر الثاني تأكيدا للأول أه وكأنه ظن أن الألف تتعلق بنغزو فشرح على أن الجهاد معطوف على الغزو بالواو أو جعل أو بمعنى الواو وقد أخرجه النسائي من طريق جرير عن حبيب بلفظ الا نخرج فنجاهد معك ولابن خزيمة من طريق زائدة عن حبيب مثله وزاد فإنا نجد الجهاد أفضل الأعمال وللإسماعيلى من طريق أبي بكر بن عياش عن حبيب لو جاهدنا معك قال لا جهاد ولكن حج مبرور وقد تقدم في أوائل الحج من طريق خالد عن حبيب بلفظ نرى الجهاد أفضل العمل فظهر أن التغاير بين اللفظين من الرواة فيقوى أن أو للشك قوله لكن أحسن الجهاد تقدم نقل الخلاف في توجيهه في أوائل الحج وهل هو بلفظ الاستثناء أو بلفظ خطاب النسوة قوله الحج حج مبرور في رواية جرير حج البيت حج مبرور وسيأتى في الجهاد من وجه آخر عن عائشة بنت طلحة بلفظ استأذنه نساؤه في الجهاد فقال يكفيكن الحج ولابن ماجة من طريق محمد بن فضيل عن حبيب قلت يا رسول الله على النساء جهاد قال نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة قال بن بطال زعم بعض من ينقص عائشة في قصة الجمل أن قوله تعالى وقرن في بيوتكن يقتضى تحريم السفر عليهن قال وهذا الحديث يرد عليهم لأنه قال لكن أفضل الجهاد فدل على أن لهن جهادا غير الحج والحج أفضل منه أه ويحتمل أن يكون المراد بقوله لا في جواب قولهن الا نخرج فنجاهد معك أي ليس ذلك واجبا عليكن كما وجب على الرجال ولم يرد بذلك تحريمه عليهن فقد ثبت في حديث أم عطية انهن كن يخرجن فيداوين الجرحى وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره لهن كما ابيح للرجال تكرير الجهاد وخص به عموم قوله هذه ثم ظهور الحصر وقوله تعالى وقرن في بيوتكن وكأن عمر كان متوقفا في ذلك ثم ظهر له قوة دليلها فأذن لهن في آخر خلافته ثم كان عثمان بعده يحج بهن في خلافته أيضا وقد وقف بعضهن عند ظاهر النهى كما تقدم وقال البيهقي في حديث عائشة هذا دليل على أن المراد بحديث أبي واقد وجوب الحج مرة واحدة كالرجال لا المنع من الزيادة وفيه دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب واستدل بحديث عائشة هذا على جواز حج المرأة مع من تثق به ولو لم يكن زوجا ولا محرما كما سيأتي البحث فيه في الذي يليه الحديث الثالث
1763 قوله عن عمرو هو بن دينار قوله عن أبي معبد كذا رواه عبد الرزاق عن بن جريج وبن عيينة كلاهما عن عمرو عن أبي معبد به ولعمرو بهذا الإسناد حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره عن بن عيينة عنه عن عكرمة قال جاء رجل إلى المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أين نزلت قال على فلانة قال أغلقت عليها بابك مرتين لا تحجن امرأة الا ومعها ذو محرم ورواه عبد الرزاق أيضا عن بن جريج عن عمرو أخبرني عكرمة أو أبو معبد عن بن عباس قلت والمحفوظ في هذا مرسل عكرمة وفي الآخر رواية أبي معبد عن بن عباس قوله لا تسافر المرأة كذا أطلق السفر وقيده في حديث أبي سعيد الاتى في الباب فقال مسيرة يومين ومضى في الصلاة حديث أبي هريرة مقيدا بمسيرة يوم وليلة وعنه روايات أخرى وحديث بن عمر فيه مقيدا بثلاثة أيام وعنه روايات أخرى أيضا وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات وقال النووي ليس المراد من التحديد ظاهره بل كل ما يسمى سفر فالمرأة منهية عنه الا بالمحرم وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه وقال بن المنير وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين وقال المنذري يحتمل أن يقال إن اليوم المفرد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة يعني فمن أطلق يوما أراد بليلته أو ليلة أراد بيومها وأن يكون عند جمعهما أشار إلى مدة الذهاب والرجوع وعند إفرادهما أشار إلى قدر ما تقضى فيه الحاجة قال ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلا لاوائل الاعداد فاليوم أول العدد والاثنان أول التكثير والثلاث أول الجمع وكأنه أشار إلى أن مثل هذا في قلة الزمن لا يحل فيه السفر فكيف بما زاد ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها فيؤخذ بأقل ما ورد في ذلك واقله الرواية التي فيها ذكر البريد فعلى هذا يتناول السفر طويل السير وقصيره ولا يتوقف امتناع سير المرأة على مسافة القصر خلافا للحنفية وحجتهم أن المنع المقيد بالثلاث متحقق وما عداه مشكوك فيه فيؤخذ بالمتيقن ونوقض بان الرواية المطلقة شاملة لكل سفر فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها فإنه مشكوك فيه ومن قواعد الحنفية تقديم الخبر العام على الخاص وترك حمل المطلق على المقيد وقد خالفوا ذلك هنا والاختلاف إنما وقع في الأحاديث التي وقع فيها التقييد بخلاف حديث الباب فإنه لم يختلف على بن عباس فيه وفرق سفيان الثوري بين المسافة البعيدة فمنعها دون القريبة وتمسك أحمد بعموم الحديث فقال إذا لم تجد زوجا أو محرما لا يجب عليها الحج هذا هو المشهور عنه وعنه رواية أخرى كقول مالك وهو تخصيص الحديث بغير سفر الفريضة قالوا وهو مخصوص بالإجماع قال البغوي لم يختلفوا في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض الا مع زوج أو محرم الا كافرة أسلمت في دار الحرب أو اسيرة تخلصت وزاد غيره أو امرأة انقطعت من الرفقة فوجدها رجل مأمون فإنه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة قالوا وإذا كان عمومه مخصوصا بالاتفاق فليخص منه حجة الفريضة وأجاب صاحب المغني بأنه سفر الضرورة فلا يقاس عليه حالة الاختيار ولانها تدفع ضررا متيقنا بتحمل ضرر متوهم ولا كذلك السفر للحج وقد روى الدارقطني وصححه أبو عوانة حديث الباب من طريق بن جريج عن عمرو بن دينار بلفظ لا تحجن امرأة الا ومعها ذو محرم فنص في نفس الحديث على منع الحج فكيف يخص من بقية الأسفار والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات وفي قول تكفى امرأة واحدة ثقة وفي قول نقله الكرابيسي وصححه في المهذب تسافر وحدها إذا كان الطريق امنا وهذا كله في الواجب من حج أو عمرة وأغرب القفال فطرده في الأسفار كلها واستحسنه الروياني قال الا أنه خلاف النص قلت وهو يعكر على نفى الاختلاف الذي نقله البغوي آنفا واختلفوا هل المحرم وما ذكر معه شرط في وجوب الحج عليها أو شرط في التمكن فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذمة وعبارة أبي الطيب الطبري منهم الشرائط التي يجب بها الحج على الرجل يجب بها على المرأة فإذا أرادت أن تؤديه فلا يجوز لهم الا مع محرم أو زوج أو نسوة ثقات ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أمن الطريق أول أحاديث الباب لاتفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك ومن أبى ذلك من أمهات المؤمنين فإنما أباه من جهة خاصة كما تقدم لا من جهة توقف السفر على المحرم ولعل هذا هو النكتة في إيراد البخاري الحديثين أحدهما عقب الآخر ولم يختلفوا أن النساء كلهن في ذلك سواء الا ما نقل عن أبي الوليد الباجي أنه خصه بغير العجوز التي لا تشتهي وكأنه نقله من الخلاف المشهور في شهود المرأة صلاة الجماعة قال بن دقيق العيد الذي قاله الباجي تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى يعني مع مراعاة الأمر الأغلب وتعقبوه بان لكل ساقطة لاقطة والمتعقب راعي الأمر النادر وهو الاحتياط قال والمتعقب على الباجي يرى جواز سفر المرأة في الأمن وحدها فقد نظر أيضا إلى المعنى يعني فليس له أن ينكر على الباجي وأشار بذلك إلى الوجه المتقدم والأصح خلافه وقد احتج له بحديث عدي بن حاتم مرفوعا يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا زوج معها الحديث وهو في البخاري وتعقب بأنه يدل على وجود ذلك لا على جوازه وأجيب بأنه خبر في سياق المدح ورفع منار الإسلام فيحمل على الجواز ومن المستظرف أن المشهور من مذهب من لم يشترط المحرم أن الحج على التراخي ومن مذهب من يشترطه أنه حج على الفور وكان المناسب لهذا قول هذا وبالعكس وأما ما قال النووي في شرح حديث جبريل في بيان الإيمان والإسلام عند قوله أن تلد الأمة ربتها فليس فيه دلالة على إباحة بيع أمهات الأولاد ولا منع بيعهن خلافا لمن استدل به في كل منهما لأنه ليس في كل شيء أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع يكون محرما ولا جائزا انتهى وهو كما قال لكن القرينة المذكورة تقوى الاستدلال به على الجواز قال بن دقيق العيد هذه المسألة تتعلق بالعامين إذا تعارضا فإن قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا عام في الرجال والنساء فمقتضاه أن الاستطاعة على السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع وقوله صلى الله عليه وسلم لا تسافر المرأة الا مع محرم عام في كل سفر فيدخل فيه الحج فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث فيحتاج إلى الترجيح من خارج وقد رجح المذهب الثاني بعموم قوله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليس ذلك بجيد لكونه عاما في المساجد فيخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر بحديث النهى قوله الا مع ذي محرم أي فيحل ولم يصرح بذكر الزوج وسيأتى في حديث أبي سعيد في هذا الباب بلفظ ليس معها زوجها أو ذو محرم منها وضابط المحرم عند العلماء من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها فخرج بالتأبيد أخت الزوجة وعمتها وبالمباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها وبحرمتها الملاعنة واستثنى أحمد من حرمت على التأبيد مسلمة لها أب كتابي فقال لا يكون محرما لها لأنه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها ومن قال أن عبد المرأة محرم لها يحتاج أن يزيد في هذا الضابط ما يدخله وقد روى سعيد بن منصور من حديث بن عمر مرفوعا سفر المرأة مع عبدها ضيعة لكن في إسناده ضعف وقد احتج به أحمد وغيره وينبغى لمن أجاز ذلك أن يقيده بما إذا كانا في قافلة بخلاف ما إذا كانا وحدهما فلا لهذا الحديث وفي آخر حديث بن عباس هذا ما يشعر بأن الزوج يدخل في مسمى المحرم فإنه لما استثنى المحرم فقال القائل أن امرأتي حاجة فكأنه فهم حال الزوج في المحرم ولم يرد عليه ما فهمه بل قيل له اخرج معها واستثنى بعض العلماء بن الزوج فكره السفر معه لغلبة الفساد في الناس قال بن دقيق العيد هذه الكراهية عن مالك فإن كانت للتحريم ففيه بعد لمخالفة الحديث وإن كانت للتنزيه فيتوقف على أن لفظ لا يحل هل يتناول المكروه الكراهة التنزيهية قوله ولا يدخل عليها رجل الا ومعها محرم فيه منع الخلوة بالاجنبية وهو إجماع لكن اختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا كالنسوة الثقات والصحيح الجواز لضعف التهمة به وقال القفال لا بد من المحرم وكذا في النسوة الثقات في سفر الحج لا بد من أن يكون مع إحداهن محرم ويؤيده نص الشافعي أنه لا يجوز للرجل أن يصلي بنساء مفردات الا أن تكون إحداهن محرما له قوله فقال رجل يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا لم اقف على اسم الرجل ولا امرأته ولا على تعيين الغزوة المذكورة وسيأتي في الجهاد بلفظ إني اكتتبت في غزوة كذا أي كتبت نفسي في أسماء من عين لتلك الغزاة قال بن المنير الظاهر أن ذلك كان في حجة الوداع فيؤخذ منه أن الحج على التراخي إذ لو كان على الفور لما تأخر الرجل مع رفقته الذين عينوا في تلك الغزاة كذا قال وليس ما ذكره بلازم لاحتمال أن يكونوا قد حجوا قبل ذلك مع من حج في سنة تسع مع أبي بكر الصديق أو أن الجهاد قد تعين على المذكورين بتعيين الإمام كما لو نزل عدو بقوم فإنه يتعين عليهم الجهاد ويتاخر الحج اتفاقا قوله اخرج معها أخذ بظاهره بعض أهل العلم فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية والمشهور أنه لا يلزمه كالولى في الحج عن المريض فلو امتنع الا بأجرة لزمها لأنه من سبيلها فصار في حقها كالمؤنة واستدل به على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخي وأما ما رواه الدارقطني من طريق إبراهيم الصائغ عن نافع عن بن عمر مرفوعا في امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها في الحج فليس لها أن تنطلق الا بإذن زوجها فأجيب عنه بأنه محمول على حج التطوع عملا بالحديثين ونقل بن المنذر الإجماع على أن للرجل منع زوجته من الخروج في الأسفار كلها وإنما اختلفوا فيما كان واجبا واستنبط منه بن حزم جواز سفر المرأة بغير زوج ولا محرم لكونه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بردها ولا عاب سفرها وتعقب بأنه لو لم يكن ذلك شرطا لما أمر زوجها بالسفر معها وتركه الغزو الذي كتب فيه ولا سيما وقد رواه سعيد بن منصور عن حماد بن زيد بلفظ فقال رجل يا رسول الله إني نذرت أن أخرج في جيش كذا وكذا فلو لم يكن شرطا ما رخص له في ترك النذر قال النووي وفي الحديث تقديم الاهم فالاهم من الأمور المتعارضة فإنه لما عرض له الغزو والحج رجح الحج لأن امرأته لا يقوم غيره مقامه في السفر معها بخلاف الغزو والله أعلم الحديث الرابع وله طريقان موصول ومعلق وأخر معلق
1764 قوله حدثنا حبيب المعلم هو بن أبي قريبة بقاف وموحدة واسم أبي قريبة زيد وقيل زائدة وهو غير حبيب بن أبي عمرة المذكور في ثاني أحاديث الباب قوله قالت أبو فلان تعني زوجها وقد تقدم أنه أبو سنان وتقدم الحديث مشروحا في باب عمرة في رمضان قوله رواه بن جريج عن عطاء الخ أراد تقوية طريق حبيب بمتابعة بن جريج له عن عطاء واستفيد منه تصريح عطاء بسماعه له من بن عباس وقد تقدمت طريق بن جريج موصولة في الباب المشار إليه قوله وقال عبيد الله بالتصغير وهو بن عمرو الرقي عن عبد الكريم وهو بن مالك الجزري عن عطاء عن جابر وأراد البخاري بهذا بيان الاختلاف فيه على عطاء وقد تقدم في باب عمرة في رمضان أن بن أبي ليلى ويعقوب بن عطاء وافقا حبيبا وبن جريج فتبين شذوذ رواية عبد الكريم وشذ معقل الجزري أيضا فقال عن عطاء عن أم سليم وصنيع البخاري يقتضى ترجيح رواية بن جريج ويومئ إلى أن رواية عبد الكريم ليست مطرحة لاحتمال أن يكون لعطاء فيه شيخان ويؤيد ذلك أن رواية عبد الكريم خالية عن القصة مقتصرة على المتن وهو قوله عمرة في رمضان تعدل حجة كذلك وصله أحمد وبن ماجة من طريق عبيد الله بن عمرو والله أعلم الحديث الخامس حديث أبي سعيد تقدم الكلام عليه في باب الصلاة في مسجد مكة والمدينة وأنه مشتمل على أربعة أحكام أحدها سفر المرأة وقد تقدم البحث فيه في هذا الباب ثانيها منع صوم الفطر والأضحى وسيأتى في الصيام ثالثها منع الصلاة بعد الصبح والعصر وقد تقدم في أواخر الصلاة رابعها منع شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة وقد تقدم في أواخر الصلاة أيضا 1765 قوله أو قال يحدثهن وقع عند الكشميهنى بلفظ أو قال اخذتهن بالخاء والذال المعجمتين أي حملتهن عنه قوله وآنقننى بفتح النونين وسكون القاف بوزن اعجبننى ومعناه أي الكلمات يقال آنقنى الشيء بالمد أي اعجبنى وذكر الإعجاب بعده من التأكيد قوله أو ذو محرم كذا للأكثر وفي بعض النسخ عن أبي ذر أو ذو محرم محرم الأول بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه والثاني بوزن محمد أي عليها 1 ( قوله باب من نذر المشي إلى الكعبة ) أي وغيرها من الأماكن المعظمة هل يجب عليه الوفاء بذلك أو لا وإذا وجب فتركه قادرا أو عاجزا ماذا يلزمه وفي كل ذلك اختلاف بين أهل العلم سيأتي إيضاحه في كتاب النذر إن شاء الله تعالى
1766 قوله أخبرنا الفزاري هو مروان بن معاوية كما جزم به أصحاب الأطراف والمستخرجات وقد أخرجه مسلم عن بن أبي عمر عن مروان هذا بهذا الإسناد وقال بن حزم هو أبو إسحاق الفزاري أو مروان قوله حدثني ثابت هكذا قال أكثر الرواة عن حميد وهذا الحديث مما صرح حميد فيه بالواسطة بينه وبين أنس وقد حذفه في وقت آخر فأخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري والترمذي من طريق بن أبي عدي كلاهما عن حميد عن أنس وكذا أخرجه أحمد عن بن أبي عدي ويزيد بن هارون جميعا عن حميد بلا واسطة ويقال إن غالب رواية حميد عن أنس بواسطة لكن قد أخرج البخاري من حديث حميد عن أنس أشياء كثيرة بغير واسطة مع الاعتناء ببيان سماعه لها من أنس وقد وافق عمران القطان عن حميد الجماعة على إدخال ثابت بينه وبين أنس لكن خالفهم في المتن أخرجه الترمذي من طريقه بلفظ نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله فسئل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال أن الله لغنى عن مشيها مروها فلتركب قوله رأى شيخا يهادى بضم أوله من المهاداة وهو أن يمشي معتمدا على غيره وللترمذي من طريق خالد بن الحارث عن حميد يتهادى بفتح أوله ثم مثناة قوله بين ابنيه لم اقف على اسم هذا الشيخ ولا على اسم ابنيه وقرأت بخط مغلطاي الرجل الذي يهادى قال الخطيب هو أبو إسرائيل كذا قال وتبعه بن الملقن وليس ذلك في كتاب الخطيب وإنما أورده من حديث مالك عن حميد بن قيس وثور أنهما أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما بال هذا قالوا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ويصوم الحديث قال الخطيب هذا الرجل هو أبو إسرائيل ثم ساق حديث عكرمة عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة فرأى رجلا يقال له أبو إسرائيل فقال ما باله قالوا نذر أن يصوم ويقوم في الشمس ولا يتكلم الحديث وهذا الحديث سيأتي في الأيمان والنذور من حديث بن عباس والمغايرة بينه وبين حديث أنس ظاهرة من عدة أوجه فيحتاج من وحد بين القصتين إلى مستند والله المستعان قوله قال ما بال هذا قالوا نذر أن يمشي في حديث أبي هريرة عند مسلم أن الذي أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤاله ولدا الرجل ولفظه فقال ما شأن هذا الرجل قال أبناه يا رسول الله كان عليه نذر قوله أمره في رواية الكشميهنى وأمره بزيادة واو قوله أن يركب زاد أحمد عن الأنصاري عن حميد فركب وإنما لم يأمره بالوفاء بالنذر أما لأن الحج راكبا أفضل من الحج ماشيا فنذر المشي يقتضى التزام ترك الأفضل فلا يجب الوفاء به أو لكونه عجز عن الوفاء بنذره وهذا هو الأظهر
1767 قوله عن عقبة بن عامر هو الجهني كذا وقع عند أحمد ومسلم وغيرهما في هذا الحديث من هذا الوجه قوله نذرت أختي قال المنذري وبن القسطلاني والقطب الحلبي ومن تبعهم هي أم حبان بنت عامر وهي بكسر المهملة وتشديد الموحدة ونسبوا ذلك لابن ماكولا فوهموا فإن بن ماكولا إنما نقله عن بن سعد وبن سعد إنما ذكر في طبقات النساء أم حبان بنت عامر بن نابى بنون وموحدة بن زيد بن حرام بمهملتين الأنصارية قال وهي أخت عقبة بن عامر بن نابى شهد بدرا وهي زوج حرام بن محيصة وكان ذكر قبل عقبة بن عامر بن نابى الأنصاري وأنه شهد بدرا ولا رواية له وهذا كله مغاير للجهنى فإن له رواية كثيرة ولم يشهد بدرا وليس أنصاريا فعلى هذا لم يعرف اسم أخت عقبة بن عامر الجهني وقد كنت تبعت في المقدمة من ذكرت ثم رجعت الآن عن ذلك وبالله التوفيق قوله أن تمشي إلى بيت الله زاد مسلم من طريق عبد الله بن عياش بالياء التحتانية والمعجمة عن يزيد حافية ولأحمد وأصحاب السنن من طريق عبد الله بن مالك عن عقبة بن عامر الجهني أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة وزاد الطبري من طريق إسحاق بن سالم عن عقبة بن عامر وهي امرأة ثقيلة والمشى يشق عليها ولأبي داود من طريق قتادة عن عكرمة عن بن عباس أن عقبة بن عامر سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت وشكا إليه ضعفها قوله فقال صلى الله عليه وسلم لتمش ولتركب في رواية عبد الله بن مالك مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام وروى مسلم عقب هذا الحديث حديث عبد الرحمن بن شماسة وهو بكسر المعجمة وتخفيف الميم بعدها مهملة عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رفعه كفارة النذر كفارة اليمين ولعله مختصر من هذا الحديث فإن الأمر بصيام ثلاثة أيام هو أحد أوجه كفارة اليمين لكن وقع في رواية عكرمة المذكورة قال فلتركب ولتهد بدنة وسيأتي البحث في ذلك في كتاب النذر إن شاء الله تعالى قوله قال وكان أبو الخير لا يفارق عقبة هو يقول يزيد بن أبي حبيب الراوي عن أبي الخير والمراد بذلك بيان سماع أبي الخير له من عقبة قوله قال أبو عبد الله هو المصنف قوله عن بن جريج عن يحيى بن أيوب كذا رواه أبو عاصم ووافقه روح بن عبادة عند مسلم والإسماعيلي جعلا شيخ بن جريج في هذا الحديث هو يحيى بن أيوب وخالفهما هشام بن يوسف فجعل شيخ بن جريج فيه سعيد بن أبي أيوب ورجح الأول الإسماعيلي لاتفاق أبي عاصم وروح على خلاف ما قال هشام لكن يعكر عليه أن عبد الرزاق وافق هشاما وهو عند أحمد ومسلم ووافقهما محمد بن بكر عن بن جريج وحجاج بن محمد عند النسائي فهؤلاء أربعة حفاظ رووه عن بن جريج عن سعيد بن أبي أيوب فإن كان الترجيح هنا بالاكثرية فروايتهم أولى والذي ظهر لي من صنيع صاحبي الصحيح أن لابن جريج فيه شيخين وقد عبر مغلطاي وتبعه الشيخ سراج الدين عن كلام الإسماعيلي مالا يفهم منه المراد والله أعلم خاتمة اشتملت أبواب المحصر وجزاء الصيد وما مع ذلك إلى هنا على أحد وستين حديثا المعلق منها ثلاثة عشر حديثا والبقية موصولة المكرر منها فيه وفيما مضى ثمانية وثلاثون حديثا والخالص ثلاثة وعشرون وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث بن عمر في النقاب والقفاز موقوفا ومرفوعا وحديث بن عباس احتجم وهو محرم وحديثه في التي نذرت أن تحج عن أمها وحديث السائب بن يزيد أنه حج به وحديث جابر عمرة في رمضان وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين اثنا عشر أثرا والله المستعان 1 ( قوله بسم الله الرحمن الرحيم فضائل المدينة ) 1 ( باب حرم المدينة )
كذا لأبي ذر عن الحموي وسقط للباقين سوى قوله باب حرم المدينة وفي رواية أبي على الشبوي باب ما جاء في حرم المدينة والمدينة علم على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بها قال الله تعالى يقولون لئن رجعنا إلى المدينة فإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد وإذا أريد غيرها بلفظة المدينة فلا بد من قيد فهي كالنجم للثريا وكان اسمها قبل ذلك يثرب قال الله تعالى وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب ويثرب اسم لموضع منها سميت كلها به قيل سميت بيثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح لأنه أول من نزلها حكاه أبو عبيد البكري وقيل غير ذلك ثم سماها النبي صلى الله عليه وسلم طيبة وطابة كما سيأتي في باب مفرد وكان سكانها العماليق ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل قيل ارسلهم موسى عليه السلام كما أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بسند ضعيف ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم وسيأتي إيضاح ذلك في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى ثم ذكر المصنف هنا أربعة أحاديث الأول حديث أنس
1768 قوله عن أنس في رواية عبد الواحد عن عاصم قلت لأنس وسيأتى في الاعتصام وليزيد بن هارون عن عاصم سألت أنسا أخرجه مسلم قوله المدينة حرم من كذا إلى كذا هكذا جاء مبهما وسيأتى في حديث على رابع أحاديث الباب ما بين عائر إلى كذا فعين الأول وهو بمهملة وزن فاعل وذكره في الجزية وغيرها بلفظ عير بسكون التحتانية وهو جبل بالمدينة كما سنوضحه واتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني ووقع عند مسلم إلى ثور فقيل أن البخاري ابهمه عمدا لما وقع عنده أنه وهم وقال صاحب المشارق والمطالع أكثر رواة البخاري ذكروا عيرا وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا ومنهم من ترك مكانه بياضا والأصل في هذا التوقف قول مصعب الزبيري ليس بالمدينة عير ولا ثور وأثبت غيره عيرا ووافقه على إنكار ثور قال أبو عبيد قوله ما بين عير إلى ثور هذه رواية أهل العراق وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلا عندهم يقال له ثور وإنما ثور بمكة ونرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد قلت وقد وقع ذلك في حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني وقال عياض لا معنى لانكار عير بالمدينة فإنه معروف وقد جاء ذكره في اشعارهم وأنشد أبو عبيد البكري في ذلك عدة شواهد منها قول الأحوص المدني الشاعر المشهور فقلت لعمرو تلك يا عمرو ناره تشب قفا عير فهل أنت ناظر وقال بن السيد في المثلث عير اسم جبل بقرب المدينة معروف وروى الزبير في أخبار المدينة عن عيسى بن موسى قال قال سعيد بن عمرو لبشر بن السائب أتدري لم سكنا العقبة قال لا قال لأنا قتلنا منكم قتيلا في الجاهلية فأخرجنا إليها فقال وددت لو أنكم قتلتم منا آخر وسكنتم وراء عير يعني جبلا كذا في نفس الخبر وقد سلك العلماء في إنكار مصعب الزبيري لعير وثور مسالك ما منها تقدم ومنها قول بن قدامة يحتمل أن يكون المراد مقدار ما بين عير وثور لا إنهما بعينهما في المدينة أو سمى النبي صلى الله عليه وسلم الجبلين اللذين بطرفى المدينة عيرا وثورا ارتجالا وحكى بن الأثير كلام أبي عبيد مختصرا ثم قال وقيل أن عيرا جبل بمكة فيكون المراد أحرم من المدينة مقدار ما بين عير وثور بمكة على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف وقال النووي يحتمل أن يكون ثور كان اسم جبل هناك إما أحد وإما غيره وقال المحب الطبري في الأحكام بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب أي العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور وتواردوا على ذلك قال فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه قال وهذه فائدة جليلة انتهى وقرأت بخط شيخ شيوخنا القطب الحلبي في شرحه حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه خرج رسولا إلى العراق فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل وكان يذكر له الأماكن والجبال قال فلما وصلنا إلى أحد إذا بقربه جبل صغير فسألته عنه فقال هذا يسمى ثورا قال فعلمت صحة الرواية قلت وكأن هذا كان مبدأ سؤاله عن ذلك وذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في مختصره لأخبار المدينة أن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلا صغيرا إلى الحمرة بتدوير يسمى ثورا قال وقد تحققته بالمشاهدة وأما قول بن التين أن البخاري أبهم اسم الجبل عمدا لأنه غلط فهو غلط منه بل إبهامه من بعض رواته فقد أخرجه في الجزية فسماه والله أعلم ومما يدل على أن المراد بقوله في حديث أنس من كذا إلى كذا جبلان ما وقع عند مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس مرفوعا اللهم إني أحرم ما بين جبليها لكن عند المصنف في الجهاد وغيره من طريق محمد بن جعفر ويعقوب بن عبد الرحمن ومالك كلهم عن عمرو بلفظ ما بين لابتيها وكذا في حديث أبي هريرة ثالث أحاديث الباب وسيأتى بعد أبواب من وجه آخر وكذا في حديث رافع بن خديج وأبي سعيد وسعد وجابر وكلها عند مسلم وكذا رواه أحمد من حديث عبادة الزرقي والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن عوف والطبراني من حديث أبي اليسر وأبي حسين وكعب بن مالك كلهم بلفظ ما بين لابتيها واللابتان جمع لابة بتخفيف الموحدة وهي الحرة وهي الحجارة السود وقد تكرر ذكرها في الحديث ووقع في حديث جابر عند أحمد وأنا أحرم المدينة ما بين حرتيها فادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب لأنه وقع في رواية ما بين جبليها وفي رواية ما بين لابتيها وفي رواية مأزميها وتعقب بان الجمع بينهما واضح وبمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح ولا شك أن رواية ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها ورواية جبليها لا تنافيها فيكون عند كل لابة جبل أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال وجبليها من جهة الشرق والغرب وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضر وأما رواية مأزميها فهي في بعض طرق حديث أبي سعيد والمأزم بكسر الزاي المضيق بين الجبلين وقد يطلق على الجبل نفسه واحتج الطحاوي بحديث أنس في قصة أبي عمير ما فعل النغير قال لو كان صيدها حراما ما جاز حبس الطير وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل قال أحمد من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله لحديث أبي عمير وهذا قول الجمهور لكن لا يرد ذلك على الحنفية لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم الحرم ويحتمل أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم واحتج بعضهم بحديث أنس في قصة قطع النخل لبناء المسجد ولو كان قطع شجرها حراما ما فعله صلى الله عليه وسلم وتعقب بان ذلك كان في أول الهجرة كما سيأتي واضحا في أول المغازي وحديث تحريم المدينة كان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من خيبر كما سيأتي في حديث عمرو بن أبي عمرو عن أنس في الجهاد وفي غزوة أحد من المغازي واضحا وقال الطحاوي يحتمل أن يكون سبب النهى عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة كانت إليها فكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في زينتها ويدعو إلى ألفتها كما روى بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينة المدينة فلما انقطعت الهجرة زال ذلك وما قاله ليس بواضح لأن النسخ لا يثبت الا بدليل وقد ثبت على الفتوى بتحريمها سعد وزيد بن ثابت وأبو سعيد وغيرهم كما أخرجه مسلم وقال بن قدامة يحرم صيد المدينة وقطع شجرها وبه قال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة لا يحرم ثم من فعل مما حرم عليه فيه شيئا أثم ولا جزاء عليه في رواية لأحمد وهو قول مالك والشافعي في الجديد وأكثر أهل العلم وفي رواية لأحمد وهو قول الشافعي في القديم وبن أبي ذئب واختاره بن المنذر وبن نافع من أصحاب مالك وقال القاضي عبد الوهاب أنه الاقيس واختاره جماعة بعدهم فيه الجزاء وهو كما في حرم مكة وقيل الجزاء في حرم المدينة أخذ السلب لحديث صححه مسلم عن سعد بن أبي وقاص وفي رواية لأبي داود من وجد أحدا يصيد في حرم المدينة فليسلبه قال القاضي عياض لم يقل بهذا بعد الصحابة الا الشافعي في القديم قلت واختاره جماعة معه وبعده لصحة الخبر فيه ولمن قال به اختلاف في كيفيته ومصرفه والذي دل عليه صنيع سعد عند مسلم وغيره أنه كسلب القتيل وأنه للسالب لكنه لا يخمس وأغرب بعض الحنفية فادعى الإجماع على ترك الأخذ بحديث السلب ثم استدل بذلك على نسخ أحاديث تحريم المدينة ودعوى الإجماع مردودة فبطل ما ترتب عليها قال بن عبد البر لو صح حديث سعد لم يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط الأحاديث الصحيحة ويجوز أخذ العلف لحديث أبي سعيد في مسلم ولا يخبط فيها شجرة الا لعلف ولأبي داود من طريق أبي حسان عن على نحوه وقال المهلب في حديث أنس دلالة على أن المنهي عنه في الحديث الماضي مقصور على القطع الذي يحصل به الافساد فأما من يقصد الإصلاح كمن يغرس بستانا مثلا فلا يمتنع عليه قطع ما كان بتلك الأرض من شجر يضر بقاؤه قال وقيل بل فيه دلالة على أن النهى إنما يتوجه إلى ما انبته الله من الشجر مما لا صنع للآدمي فيه كما حمل عليه النهى عن قطع شجر مكة وعلى هذا يحمل قطعه صلى الله عليه وسلم النخل وجعله قبلة المسجد ولا يلزم منه النسخ المذكور قوله لا يقطع شجرها في رواية يزيد بن هارون لا يختلى خلاها وفي حديث جابر عند مسلم لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها ونحوه عنده عن سعد قوله من أحدث فيها حدثا زاد شعبة وحماد بن سلمة عن عاصم عند أبي عوانة أو آوى محدثا وهذه الزيادة صحيحة إلا أن عاصما لم يسمعها من أنس كما سيأتي بيان ذلك في كتاب الاعتصام قوله فعليه لعنه الله فيه جواز لعن أهل المعاصي والفساد لكن لا دلالة فيه على لعن الفاسق المعين وفيه أن المحدث والمؤوى للمحدث في الإثم سواء والمراد بالحدث والمحدث الظلم والظالم على ما قيل أو ما هو أعم من ذلك قال عياض واستدل بهذا على أن الحدث في المدينة من الكبائر والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة في الابعاد عن رحمة الله قال والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه في أول الأمر وليس هو كلعن الكافر الحديث الثاني حديث أنس في بناء المسجد أورد منه طرفا وقد مضى في الصلاة وسيأتى بتمامه في أول المغازي إن شاء الله تعالى وقد بينت المراد بإيراده هنا في الكلام على الحديث الأول وهو أن ذلك كان قبل التحريم والله أعلم الحديث الثالث
1770 قوله حدثنا إسماعيل بن عبد الله هو بن أبي أويس وأخوه اسمه عبد الحميد وسليمان وهو بن بلال وقد سمع إسماعيل منه وروى كثيرا عن أخيه عنه والإسناد كله مدنيون قوله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال الإسماعيلي رواه جماعة عن عبيد الله هكذا وقال عبدة بن سليمان عن عبيد الله عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة زاد فيه عن أبيه قوله حرم ما بين لابتي المدينة كذا للأكثر بضم أول حرم على البناء لما لم يسم فاعله وفي رواية المستملى حرم بفتحتين على أنه خبر مقدم وما بين لابتي المدينة المبتدأ ويؤيد الأول ما رواه أحمد عن محمد بن عبيد عن عبيد الله بن عمر في هذا الحديث بلفظ أن الله عز وجل حرم على لساني ما بين لابتي المدينة ونحوه للإسماعيلي من طريق أنس بن عياض عن عبيد الله وقد تقدم القول في اللابتين في الحديث الأول وزاد مسلم في بعض طرقه وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حمى وروى أبو داود من حديث عدي بن زيد قال حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا بريدا لا يخبط شجره ولا يعضد الا ما يساق به الجمل قوله وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بني حارثة في رواية الإسماعيلي ثم جاء بني حارثة وهم في سند الحرة أي في الجانب المرتفع منها وبنو حارثة بمهملة ومثلثة بطن مشهور من الأوس وهو حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس وكان بنو حارثة في الجاهلية وبنو عبد الأشهل في دار واحدة ثم وقعت بينهم الحرب فانهزمت بنو حارثة إلى خيبر فسكنوها ثم اصطلحوا فرجع بنو حارثة فلم ينزلوا في دار بني عبد الأشهل وسكنوا في دارهم هذه وهي غربى مشهد حمزة قوله بل أنتم فيه زاد الإسماعيلي بل أنتم فيه أعادها تأكيدا وفي هذا الحديث جواز الجزم بما يغلب على الظن وإذا تبين أن اليقين على خلافه رجع عنه الحديث الرابع
1771 قوله حدثنا عبد الرحمن هو بن مهدي وسفيان هو الثوري قوله عن أبيه هو يزيد بن شريك بن طارق التيمي وفي الإسناد ثلاثة من التابعين كوفيون في نسق وهذه رواية أكثر أصحاب الأعمش عنه وخالفهم شعبة فرواه عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن علي أخرجه أحمد والنسائي قال الدارقطني في العلل والصواب رواية الثوري ومن تبعه قوله ما عندنا شيء أي مكتوب وإلا فكان عندهم أشياء من السنة سوى الكتاب أو المنفى شيء اختصوا به عن الناس وسبب قول على هذا يظهر مما أخرجه أحمد من طريق قتادة عن أبي حسان الأعرج أن عليا كان يأمر بالأمر فيقال له قد فعلناه فيقول صدق الله ورسوله فقال له الأشتر أن هذا الذي تقول أهو شيء عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما عهد إلى شيئا خاصة دون الناس الا شيئا سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفى فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها فذكر الحديث وزاد فيه المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم الا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده وقال فيه أن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين حرتيها وحماها كله لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها ولا يقطع منها شجرة الا أن يعلف رجل بعيره ولا يحمل فيها السلاح لقتال والباقي نحوه وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن قتادة عن أبي حسان عن الأشتر عن على ولأحمد وأبي داود والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد قال انطلقت أنا والأشتر إلى على فقلنا هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس عامة قال لا الا ما في كتابي هذا قال وكتاب في قراب سيفه فإذا فيه المؤمنون تتكافأ دماؤهم فذكر مثل ما تقدم إلى قوله في عهده من أحدث حدثا إلى قوله أجمعين ولم يذكر بقية الحديث ولمسلم من طريق أبي الطفيل كنت عند على فأتاه رجل فقال ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر إليك فغضب ثم قال ما كان يسر إلى شيئا يكتمه عن الناس غير أنه حدثني بكلمات أربع وفي رواية له ما خصنا بشيء لم يعم به الناس كافة الا ما كان في قراب سيفى هذا فأخرج صحيفة مكتوبا فيها لعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من سرق منار الأرض ولعن الله من لعن والده ولعن الله من آوى محدثا وقد تقدم في كتاب العلم من طريق أبي جحيفة قلت لعلي هل عندكم كتاب قال لا الا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة قال قلت وما في هذه الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر والجمع بين هذه الأخبار أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذكر فنقل كل راو بعضها وأتمها سياقا طريق أبي حسان كما ترى والله أعلم قوله المدينة حرم كذا أورده مختصرا وسيأتى في الجزية بزيادة في أوله قال فيها الجراحات واسنان الإبل قوله من أحدث فيها حدثا يقيد به مطلق ما تقدم في رواية قيس بن عباد وأن ذلك يختص بالمدينة لفضلها وشرفها قوله لا يقبل منه صرف ولا عدل بفتح أولهما واختلف في تفسيرهما فعند الجمهور الصرف الفريضة والعدل النافلة ورواه بن خزيمة بإسناد صحيح عن الثوري وعن الحسن البصري بالعكس وعن الأصمعي الصرف التوبة والعدل الفدية وعن يونس مثله لكن قال الصرف الاكتساب وعن أبي عبيدة مثله لكن قال العدل الحيلة وقيل المثل وقيل الصرف الدية والعدل الزيادة عليها وقيل بالعكس وحكى صاحب المحكم الصرف الوزن والعدل الكيل وقيل الصرف القيمة والعدل الاستقامة وقيل الصرف الدية والعدل البديل وقيل الصرف الشفاعة والعدل الفدية لأنها تعادل الدية وبهذا الأخير جزم البيضاوي وقيل الصرف الرشوة والعدل الكفيل قاله أبان بن ثعلب وأنشد لا نقبل الصرف وهاتوا عدلا فحصلنا على أكثر من عشرة أقوال وقد وقع في آخر الحديث في رواية المستملى قال أبو عبد الله عدل فداء وهذا موافق لتفسير الأصمعي والله أعلم قال عياض معناه لا يقبل قبول رضا وأن قبل قبول جزاء وقيل يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما وقد يكون معنى الفدية أنه لا يجد يوم القيامة فدى يفتدى به بخلاف غيره من المذنبين بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري وفي الحديث رد لما تدعيه الشيعة بأنه كان عند على وآل بيته من النبي صلى الله عليه وسلم أمور كثيرة أعلمه بها سرا تشتمل على كثير من قواعد الدين وامور الامارة وفيه جواز كتابة العلم قوله ذمة المسلمين واحدة أي امانهم صحيح فإذا أمن الكافر واحد منهم حرم على غيره التعرض له وللأمان شروط معروفة وقال البيضاوي الذمة العهد سمي بها لأنه يذم متعاطيها على اضاعتها وقوله يسعى بها أي يتولاها ويذهب ويجيء والمعنى أن ذمة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وضيع فإذا أمن أحد من المسلمين كافرا وأعطاه ذمة لم يكن لأحد نقضه فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد لأن المسلمين كنفس واحدة وسيأتى البحث في ذلك في كتاب الجزية والموادعة وقوله فمن اخفر بالخاء المعجمة والفاء أي نقض العهد يقال خفرته بغير ألف امنته واخفرته نقضت عهده قوله ومن يتولى قوما بغير إذن مواليه لم يجعل الإذن شرطا لجواز الادعاء وإنما هو لتأكيد التحريم لأنه إذا استأذنهم في ذلك منعوه وحالوا بينه وبين ذلك قاله الخطابي وغيره ويحتمل أن يكون كنى بذلك عن بيعه فإذا وقع بيعه جاز له الانتماء إلى مولاه الثاني وهو غير مولاه الأول أو المراد موالاة الحلف فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل الا بإذن وقال البيضاوي الظاهر أنه أراد به ولاء العتق لعطفه على قوله من ادعى إلى غير أبيه والجمع بينهما بالوعيد فإن العتق من حيث أنه لحمة كلحمة النسب فإذا نسب إلى غير من هو له كان كالدعي الذي تبرا عمن هو منه وألحق نفسه بغيره فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والابعاد عن الرحمة ثم أجاب عن الإذن بنحو ما تقدم وقال ليس هو للتقييد وإنما هو للتنبيه على ما هو المانع وهو إبطال حق مواليه فأورد الكلام على ما هو الغالب وسيأتى البحث في ذلك في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى تنبيه رتب المصنف أحاديث الباب ترتيبا حسنا ففي حديث أنس التصريح بكون المدينة حرما وفي حديثه الثاني تخصيص النهى عن قطع الشجر بما لا ينبته الآدميون وفي حديث أبي هريرة بيان ما أجمل من حد حرمها في حديث أنس حيث قال كذا وكذا فبين في هذا أنه ما بين الحرتين وفي حديث على زيادة تأكيد التحريم وبيان حد الحرم أيضا
1 ( قوله باب فضل المدينة وإنها تنفى الناس أي الشرار منهم ) وراعى في الترجمة لفظ الحديث وقرينة إرادة الشرار من الناس ظاهرة من التشبيه الواقع في الحديث والمراد بالنفى الإخراج ولو كانت الرواية تنقى بالقاف لحمل لفظ الناس على عمومه وقد ترجم المصنف بعد أبواب المدينة تنفى الخبث
1772 قوله عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري وشيخه أبو الحباب بضم المهملة وبالموحدتين الأولى خفيفة والإسناد كله مدنيون الا شيخ البخاري قال بن عبد البر اتفق الرواة عن مالك على إسناده الا إسحاق بن عيسى الطباع فقال عن مالك عن يحيى عن سعيد بن المسيب بدل سعيد بن يسار وهو خطأ قلت وتابعه أحمد بن عمر عن خالد السلمي عن مالك وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك وقال هذا وهم والصواب عن يحيى عن سعيد بن يسار قوله أمرت بقرية أي أمرني ربي بالهجرة إليها أو سكناها فالأول محمول على أنه قاله بمكة والثاني على أنه قاله بالمدينة قوله تأكل القرى أي تغلبهم وكنى بالأكل عن الغلبة لأن الآكل غالب على المأكول ووقع في موطأ بن وهب قلت لمالك ما تأكل القرى قال تفتح القرى وبسطه بن بطال فقال معناه يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم ويسبون ذراريهم قال وهذا من فصيح الكلام تقول العرب أكلنا بلد كذا إذا ظهروا عليها وسبقه الخطابي إلى معنى ذلك أيضا وقال النووي ذكروا في معناه وجهين أحدهما هذا والآخر أن أكلها وميرتها من القرى المفتتحة واليها تساق غنائمها وقال بن المنير في الحاشية يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها ومعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدما قلت والذي ذكره احتمالا ذكره القاضي عبد الوهاب فقال لا معنى لقوله تأكل القرى الا رجوح فضلها عليها وزيادتها على غيرها كذا قال ودعوى الحصر مردودة لما مضى ثم قال بن المنير وقد سميت مكة أم القرى قال والمذكور للمدينة أبلغ منه لأن الأمومة لا تنمحى إذا وجدت ما هي له أم لكن يكون حق الأم أظهر وفضلها أكثر قوله يقولون يثرب وهي المدينة أي أن بعض المنافقين يسميها يثرب واسمها الذي يليق بها المدينة وفهم بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب وقالوا ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين وروى أحمد من حديث البراء بن عازب رفعه من سمي المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة هي طابة وروى عمر بن شبة من حديث أبي أيوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمدينة يثرب ولهذا قال عيسى بن دينار من المالكية من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة قال وسبب هذه الكراهة لأن يثرب أما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة أو من الثرب وهو الفساد وكلاهما مستقبح وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح وذكر أبو إسحاق الزجاج في مختصره وأبو عبيد البكري في معجم ما استعجم أنها سميت يثرب باسم يثرب بن قانية بن مهلايل بن عيل بن عيص بن إرم بن سام بن نوح لأنه أول من سكنها بعد العرب ونزل أخوه خيبور خيبر فسميت به وسقط بعض الأسماء من كلام البكري قوله تنفى الناس قال عياض وكأن هذا مختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها الا من ثبت ايمانه وقال النووي ليس هذا بظاهر لأن عند مسلم لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد وهذا والله أعلم زمن الدجال انتهى ويحتمل أن يكون المراد كلا من الزمنين وكان الأمر في حياته صلى الله عليه وسلم كذلك للسبب المذكور ويؤيده قصة الأعرابي الآتية بعد أبواب فإنه صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحديث معللا به خروج الأعرابي وسؤاله الاقالة عن البيعة ثم يكون ذلك أيضا في آخر الزمان عندما ينزل بها الدجال فترجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر الا خرج إليه كما سيأتي بعد أبواب أيضا وأما ما بين ذلك فلا قوله كما ينفى الكير بكسر الكاف وسكون التحتانية وفيه لغة أخرى كور بضم الكاف والمشهور بين الناس أنه الزق الذي ينفخ فيه لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير حانوت الحداد والصائغ قال بن التين وقيل الكير هو الزق والحانوت هو الكور وقال صاحب المحكم الكير الزق الذي ينفخ فيه الحداد ويؤيد الأول ما رواه عمر بن شبة في أخبار المدينة بإسناد له إلى أبي مودود قال رأى عمر بن الخطاب كير حداد في السوق فضربه برجله حتى هدمه والخبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة أي وسخه الذي تخرجه النار والمراد أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل بل تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده ونسبه التمييز للكير لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار التي يقع التمييز بها واستدل بهذا الحديث على أن المدينة أفضل البلاد قال المهلب لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها ولأنها تنفى الخبث وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل ثابت للفريقين ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين وعن الثاني بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى ومن أهل المدينة مردوا على النفاق والمنافق خبيث بلا شك وقد خرج من المدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم معاذ وأبو عبيدة وبن مسعود وطائفة ثم على وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت قال بن حزم لو فتحت بلد من بلد فثبت بذلك الفضل للاولى للزم أن تكون البصرة أفضل من خراسان وسجستان وغيرهما مما فتح من جهة البصرة وليس كذلك وسيأتى مزيد لهذا في كتاب الاعتصام
1 ( قوله باب المدينة طابة ) أي من أسمائها إذ ليس في الحديث أنها لا تسمى بغير ذلك وذكر فيه طرفا من حديث أبي حميد الساعدي وقد مضى مطولا في أواخر الزكاة ووقع في بعض طرقه طابة وفي بعضها طيبة وروى مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعا أن الله سمى المدينة طابة ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن سماك بلفظ كانوا يسمون المدينة يثرب فسماها النبي صلى الله عليه وسلم طابة وأخرجه أبو عوانة والطاب والطيب لغتان بمعنى واشتقاقهما من الشيء الطيب وقيل لطهارة تربتها وقيل لطيبها لساكنها وقيل من طيب العيش بها وقال بعض أهل العلم وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها وقرأت بخط أبي على الصدفي في هامش نسخته من صحيح البخاري بخطه قال الحافظ أمر المدينة في طيب ترابها وهوائها يجده من أقام بها ويجد لطيبها أقوى رائحة ويتضاعف طيبها فيها عن غيرها من البلاد وكذلك العود وسائر أنواع الطيب وللمدينة أسماء غير ما ذكر منها ما رواه عمر بن شبة في أخبار المدينة من رواية زيد بن أسلم قال قال النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وطابة وطيبة والمطيبة والمسكينة والدار وجابرة ومجبورة ومنيرة ويثرب ومن طريق محمد بن أبي يحيى قال لم أزل أسمع أن للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وطيبة وطابة والمطيبة والمسكينة والمدرى والجابرة والمجبورة والمحببة والمحبوبة ورواه الزبير في أخبار المدينة من طريق بن أبي يحيى مثله وزاد والقاصمة ومن طريق أبي سهل بن مالك عن كعب الأحبار قال نجد في كتاب الله الذي أنزل على موسى أن الله قال للمدينة يا طيبة ويا طابة ويا مسكينة لا تقبلى الكنوز أرفع أجاجيرك على القرى وروى الزبير في أخبار المدينة من حديث عبد الله بن جعفر قال سمى الله المدينة الدار والإيمان ومن طريق عبد العزيز الدراوردى قال بلغني أن لها أربعين اسما 1 ( قوله باب لابتي المدينة ) ذكر فيه حديث أبي هريرة لو رأيت الظباء ترتع أي تسعى أو ترعى بالمدينة ما ذعرتها أي ما قصدت أخذها فاخفتها بذلك وكنى بذلك عن عدم صيدها واستدل أبو هريرة بقوله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها أي المدينة حرام لأن المراد بذلك المدينة لأنها بين لابتين شرقية وغربية ولها لابتان أيضا من الجانبين الآخرين إلا أنهما يرجعان إلى الأولين لاتصالهما بهما والحاصل أن جميع دورها كلها داخل ذلك وقد تقدم شرح الحديث في الباب الأول وقوله ترتع أي ترعى وقيل تنبسط وفي قول أبي هريرة هذا إشارة إلى قوله في الحديث الماضي لا ينفر صيدها ونقل بن خزيمة الاتفاق على أن الإجزاء في صيد المدينة بخلاف صيد مكة 1 ( قوله باب من رغب عن المدينة ) أي فهو مذموم أو باب حكم من رغب عنها
1775 قوله تتركون المدينة كذا للأكثر بتاء الخطاب والمراد بذلك غير المخاطبين لكنهم من أهل البلد أو من نسل المخاطبين أو من نوعهم وروى يتركون بتحتانية ورجحه القرطبي قوله على خير ما كانت أي على أحسن حال كانت عليه من قبل قال القرطبي تبعا لعياض وقد وجد ذلك حيث صارت معدن الخلافة ومقصد الناس وملجأهم وحملت إليها خيرات الأرض وصارت من أعمر البلاد فلما انتقلت الخلافة عنها إلى الشام ثم إلى العراق وتغلبت عليها الأعراب تعاورتها الفتن وخلت من أهلها فقصدتها عوافى الطير والسباع والعوافي جمع عافية وهي التي تطلب أقواتها ويقال للذكر عاف قال بن الجوزي اجتمع في العوافى شيآن أحدهما أنها طالبة لأقواتها من قولك عفوت فلانا أعفوه فأنا عاف والجمع عفاة أي أتيت أطلب معروفه والثاني من العفاء وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به فإن الطير والوحش تقصده لأمنها على نفسها فيه وقال النووي المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة ويؤيده قصة الراعيين فقد وقع عند مسلم بلفظ ثم يحشر راعيان وفي البخاري أنهما آخر من يحشر قلت ويؤيده ما روى مالك عن بن حماس بمهملتين وتخفيف عن عمه عن أبي هريرة رفعه لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الذئب فيعوي على بعض سواري المسجد أو على المنبر قالوا فلمن تكون ثمارها قال للعوافى الطير والسباع أخرجه معن بن عيسى في الموطأ عن مالك ورواه جماعة من الثقات خارج الموطأ ويشهد له أيضا ما روى أحمد والحاكم وغيرهما من حديث محجن بن الأدرع الأسلمي قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم لحاجة ثم لقيني وأنا خارج من بعض طرق المدينة فأخذ بيدي حتى أتينا أحدا ثم أقبل على المدينة فقال ويل أمها قرية يوم يدعها أهلها كأينع ما يكون قلت يا رسول الله من يأكل ثمرها قال عافية الطير والسباع وروى عمر بن شبة بإسناد صحيح عن عوف بن مالك قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ثم نظر إلينا فقال أما والله ليدعنها أهلها مذللة أربعين عاما للعوافي أتدرون ما العوافى الطير والسباع قلت وهذا لم يقع قطعا وقال المهلب في هذا الحديث أن المدينة تسكن إلى يوم القيامة وإن خلت في بعض الأوقات لقصد الراعيين بغنمهما إلى المدينة قوله وآخر من يحشر راعيان من مزينة هذا يحتمل أن يكون حديثا آخر مستقلا لا تعلق له بالذي قبله ويحتمل أن يكون من تتمة الحديث الذي قبله وعلى هذين الاحتمالين يترتب الاختلاف الذي حكيته عن القرطبي والنووي والثاني أظهر كما قال النووي قوله ينعقان بكسر المهملة بعدها قاف النعيق زجر الغنم يقال نعق ينعق بكسر العين وفتحها نعيقا ونعاقا ونعقانا إذا صاح بالغنم وأغرب الداودي فقال معناه يطلب الكلأ وكأنه فسره بالمقصود من الزجر لأنه يزجرها عن المرعى الوبيل إلى المرعى الوسيم قوله فيجدانها وحوشا أو يجدانها ذات وحش أو يجدان أهلها قد صاروا وحوشا وهذا على أن الرواية بفتح الواو أي يجدانها خالية وفي رواية مسلم فيجدانها وحشا أي خالية ليس بها أحد والوحش من الأرض الخلاء أو كثرة الوحش لما خلت من سكانها قال النووي الصحيح أن معناه يجدانها ذات وحوش قال وقد يكون وحشا بمعنى وحوش وأصل الوحش كل شيء توحش من الحيوان وجمعه وحوش وقد يعبر بواحدة عن جمعه وحكى عن بن المرابط أن معناه أن غنم الراعيين المذكورين تصير وحوشا إما بان تنقلب ذاتها وإما أن تتوحش وتنفر منهما وعلى هذا فالضمير في يجدانها يعود على الغنم والظاهر خلافه قال النووي الصواب الأول وقال القرطبي القدرة صالحة لذلك انتهى ويؤيده أن في بقية الحديث إنهما يخران على وجوههما إذا وصلا إلى ثنية الوداع وذلك قبل دخولهما المدينة بلا شك فيدل على أنهما وجدا التوحش المذكور قبل دخول المدينة فيقوى أن الضمير يعود على غنمهما وكان ذلك من علامات قيام الساعة ويوضح هذا رواية عمر بن شبة في أخبار المدينة من طريق عطاء بن السائب عن رجل من أشجع عن أبي هريرة موقوفا قال آخر من يحشر رجلان رجل من مزينة وآخر من جهينة فيقولان أين الناس فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعالب فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس قوله وآخر من يحشر في رواية مسلم من طريق عقيل عن الزهري ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة لم يذكر في الحديث حشرهما وإنما ذكر مقدمته لأن الحشر إنما يقع بعد الموت فذكر سبب موتهما والحشر يعقبه وقوله على هذا خرا على وجوههما أي سقطا ميتين أو المراد بقوله خرا على وجوههما أي سقطا بمن اسقطهما وهو الملك كما تقدم في رواية عمر بن شبة وفي رواية للعقيلي أنهما كانا ينزلان بجبل ورقان وله من حديث حذيفة بن أسيد أنهما يفقدان الناس فيقولان ننطلق إلى بني فلان فيأتيانهم فلا يجدان أحدا فيقولان ننطلق إلى المدينة فينطلقان فلا يجدان بها أحدا فينطلقان إلى البقيع فلا يريان إلا السباع والثعالب وهذا يوضح أحد الاحتمالات المتقدمة وقد روى بن حبان من طريق عروة عن أبي هريرة رفعه آخر قرية في الإسلام خرابا المدينة وهو يناسب كون آخر من يحشر يكون منها تنبيه أنكر بن عمر على أبي هريرة تعبيره في هذا الحديث بقوله خير ما كانت وقال إن الصواب أعمر ما كانت أخرج ذلك عمر بن شبة في أخبار المدينة من طريق مساحق بن عمرو أنه كان جالسا عند بن عمر فجاء أبو هريرة فقال له لم ترد على حديثي فوالله لقد كنت أنا وأنت في بيت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منها أهلها خير ما كنت فقال بن عمر أجل ولكن لم يقل خير ما كانت إنما قال أعمر ما كانت ولو قال خير ما كانت لكان ذلك وهو حي وأصحابه فقال أبو هريرة صدقت والذي نفسي بيده وروى مسلم من حديث حذيفة أنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يخرج أهل المدينة من المدينة ولعمر بن شبة من حديث أبي هريرة قيل يا أبا هريرة من يخرجهم قال أمراء السوء قوله عن أبيه هو عروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير أخوه وفي الإسناد صحابي عن صحابي وتابعى عن تابعي لأن هشاما قد لقي بعض الصحابة
1776 قوله عن سفيان بن أبي زهير كذا للأكثر ورواه حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه كذلك وقال في آخره قال عروة ثم لقيت سفيان بن أبي زهير عند موته فأخبرني بهذا الحديث وذكر على بن المديني أنه اختلف فيه على هشام اختلافا آخر فقال وهيب وجماعة كما قال مالك وقال بن عيينة عن هشام بسنده عن سفيان بن الغوث وقال أبو معاوية عن هشام بسنده عن سفيان بن عبد الله الثقفي قلت قد رواه الحميدي عن سفيان على الصواب ورواه أبو خيثمة عن جرير فقال سفيان بن أبي قلابة كأنه عرف خطأ جرير فكنى عنه واسم أبي زهير القرد بفتح القاف وكسر الراء بعدها مهملة وقيل نمير وهو الشنوئى من أزد شنوءه بفتح المعجمة وضم النون وبعد الواو همزة مفتوحة وفي النسب كذلك وقيل بفتح النون بعدها همزة مكسورة بلا واو وشنوءة هو عبد الله بن كعب بن مالك بن نضر بن الأزد وسمي شنوءة لشنآن كان بينه وبين قومه قوله تفتح اليمن قال بن عبد البر وغيره افتتحت اليمن في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيام أبي بكر وافتتحت الشام بعدها والعراق بعدها وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد وقع على وفق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ترتيبه ووقع تفرق الناس في البلاد لما فيها من السعة والرخاء ولو صبروا على الإقامة بالمدينة لكان خيرا لهم وفي هذا الحديث فضل المدينة على البلاد المذكورة وهو أمر مجمع عليه وفيه دليل على أن بعض البقاع أفضل من بعض ولم يختلف العلماء في أن للمدينة فضلا على غيرها وإنما اختلفوا في الأفضلية بينها وبين مكة قوله يبسون بفتح أوله وضم الموحدة وبكسرها من بس يبس قال بن عبد البر في رواية يحيى بن يحيى بكسر الموحدة وقيل أن بن القاسم رواه بضمها قال أبو عبيد معناه يسوقون دوابهم والبس سوق الإبل تقول بس بس عند السوق وإرادة السرعة وقال الداودي معناه يزجرون دوابهم فيبسون ما يطؤونه من الأرض من شدة السير فيصير غبارا قال تعالى وبست الجبال بسا أي سألت سيلا وقيل معناه سارت سيرا وقال بن القاسم ألبس المبالغة في الفت ومنه قيل للدقيق المصنوع بالدهن بسيس وأنكر ذلك النووي وقال أنه ضعيف أو باطل قال بن عبد البر وقيل معنى يبسون يسالون عن البلاد ويستقرئون اخبارها ليسيروا إليها قال وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة وقيل معناه يزينون لأهلهم البلاد التي تفتح ويدعونهم إلى سكناها فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها ويشهد لهذا حديث أبي هريرة عند مسلم يأتي على الناس زمان يدعو الرجل بن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وعلى هذا فالذين يتحملون غير الذين يبسون كان الذي حضر الفتح أعجبه حسن البلد ورخاؤها فدعا قريبه إلى المجيء إليها لذلك فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه قال بن عبد البر وروى يبسون بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي من ابس ابساسا ومعناه يزينون لأهلهم البلد التي يقصدونها واصل الابساس للتي تحلب حتى تدر باللبن وهو أن يجري يده على وجهها وصفحة عنقها كأنه يزين لها ذلك ويحسنه لها وإلى هذا ذهب بن وهب وكذا رواه بن حبيب عن مطرف عن مالك يبسون من الرباعي وفسره بنحو ما ذكرنا وأنكر الأول غاية الإنكار وقال النووي الصواب أن معناه الأخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله بأسا في سيره مسرعا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة قلت ويؤيده رواية بن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام عن عروة في هذا الحديث بلفظ تفتح الشام فيخرج الناس من المدينة إليها يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ويوضح ذلك ما روى أحمد من حديث جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس منها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء فيجدون رخاء ثم يأتون فيتحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وفي إسناده بن لهيعة ولا بأس به في المتابعات وهو يوضح ما قلناه والله أعلم وروى أحمد في أول حديث سفيان هذا قصة أخرجها من طريق بشر بن سعيد أنه سمع في مجلس الليثيين يذكرون أن سفيان بن أبي زهير أخبرهم أن فرسه أعيت بالعقيق وهو في بعث بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليه يستحمله فخرج معه يبتغى له بعيرا فلم يجده الا عند أبي جهم بن حذيفة العدوي فسامه له فقال له أبو جهم لا ابيعكها يا رسول الله ولكن خذه فاحمل عليه من شئت ثم خرج حتى إذا بلغ بئر إهاب قال يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان ويوشك الشام أن يفتح فيأتيه رجال من أهل هذا البلد فيعجبهم ريعه ورخاؤه والمدينة خير لهم الحديث قوله لو كانوا يعلمون أي بفضلها من الصلاة في المسجد النبوي وثواب الإقامة فيها وغير ذلك ويحتمل أن يكون لو بمعنى ليت فلا يحتاج إلى تقدير وعلى الوجهين ففيه تجهيل لمن فارقها وأثر غيرها قالوا والمراد به الخارجون من المدينة رغبة عنها كارهين لها وأما من خرج لحاجة أو تجارة أو جهاد أو نحو ذلك فليس بداخل في معنى الحديث قال الطيبي الذي يقتضيه هذا المقام أن ينزل ما لا يعلمون منزلة اللازم لتنتفى عنهم المعرفة بالكلية ولو ذهب مع ذلك إلى التمنى لكان أبلغ لأن التمنى طلب ما لا يمكن حصوله أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظا وتشديدا وقال البيضاوي المعنى أنه يفتح اليمن فيعجب قوما بلادها وعيش أهلها فيحملهم ذلك على المهاجرة إليها بأنفسهم واهليهم حتى يخرجوا من المدينة والحال أن الإقامة في المدينة خير لهم لأنها حرم الرسول وجواره ومهبط الوحي ومنزل البركات لو كانوا يعلمون ما في الإقامة بها من الفوائد الدينية بالعوائد الاخروية التي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها وقواه الطيبي لتنكير قوم ووصفهم بكونهم يبسون ثم توكيده بقوله لو كانوا يعلمون لأنه يشعر بأنهم ممن ركن إلى الحظوظ البهيمية والحطام الفاني واعرضوا عن الإقامة في جوار الرسول ولذلك كرر قوما ووصفه في كل قرينة بقوله يبسون استحضارا لتلك الهيئة القبيحة والله أعلم
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu hadis, dan bagaimana keasliannya dinilai?
- Apa saja koleksi hadis yang paling sahih?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Siapakah para sahabat (Sahabah) Nabi Muhammad (saw)?