İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
2588 قوله حدثنا إبراهيم بن الحارث هو بغدادي سكن نيسابور وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وشيخه يحيى بن أبي بكير بالتصغير وأداة الكنية هو الكرماني وليس هو يحيى بن بكير المصري صاحب الليث وأبو إسحاق هو السبيعي وعمرو بن الحارث هو الخزاعي المصطلقي أخو جويرية بالجيم والتصغير أم المؤمنين ووقع التصريح بسماع أبي إسحاق له من عمرو بن الحارث في الخمس من هذا الكتاب قوله ولا عبدا ولا أمة أي في الرق وفيه دلالة على أن من ذكر من رقيق النبي صلى الله عليه وسلم في جميع الأخبار كان إما مات وإما أعتقه واستدل به على عتق أم الولد بناء على أن مارية والدة إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأما على قول من قال إنها ماتت في حياته صلى الله عليه وسلم فلا حجة فيه قوله ولا شيئا في رواية الكشميهني ولا شاة والأول أصح وهي رواية الإسماعيلي أيضا من طريق زهير نعم روى مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم من طريق مسروق عن عائشة قالت ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما ولا دينارا ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء قوله الا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة سيأتي ذكر البغلة والسلاح في آخر المغازي وأما الصدقة ففي رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق في أواخر المغازي وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة قال بن المنير أحاديث الباب مطابقة للترجمة الا حديث عمرو بن الحارث هذا فليس فيه للوصية ذكر قال لكن الصدقة المذكورة يحتمل أن تكون قبله ويحتمل أن تكون موصى بها فتطابق الترجمة من هذه الحيثية انتهى ويظهر أن المطابقة تحصل على الاحتمالين لأنه تصدق بمنفعة الأرض فصار حكمها حكم الوقف وهو في هذه الصورة في معنى الوصية لبقائها بعد الموت ولعل البخاري قصد ما وقع في حديث عائشة الذي هو شبيه حديث عمرو بن الحارث وهو نفى كونه صلى الله عليه وسلم أوصى الحديث الثالث حديث عبد الله بن أبي أوفى وإسناده كله كوفيون وقوله
2589 حدثنا مالك هو بن مغول ظاهره أن شيخ البخاري لم ينسبه فلذلك قال البخاري هو بن مغول وهو بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الواو وذكر الترمذي أن مالك بن مغول تفرد به قوله هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى فقال لا هكذا أطلق الجواب وكأنه فهم أن السؤال وقع عن وصية خاصة فلذلك ساغ نفيها لا أنه أراد نفي الوصية مطلقا لأنه أثبت بعد ذلك أنه أوصى بكتاب الله قوله أو أمروا بالوصية شك من الراوي هل قال كيف كتب على المسلمين الوصية أو قال كيف أمروا بها زاد المصنف في فضائل القرآن ولم يوص وبذلك يتم الاعتراض أي كيف يؤمر المسلمون بشيء ولا يفعله النبي صلى الله عليه وسلم قال النووي لعل بن أبي أوفى أراد لم يوص بثلث ماله لأنه لم يترك بعده مالا وأما الأرض فقد سبلها في حياته وأما السلاح والبغلة ونحو ذلك فقد أخبر بأنها لا تورث عنه بل جميع ما يخلفه صدقة فلم يبق بعد ذلك ما يوصي به من الجهة المالية وأما الوصايا بغير ذلك فلم يرد بن أبي أوفى نفيها ويحتمل أن يكون المنفي وصيته إلى علي بالخلافة كما وقع التصريح به في حديث عائشة الذي بعده ويؤيده ما وقع في رواية الدارمي عن محمد بن يوسف شيخ البخاري فيه وكذلك عند بن ماجة وأبي عوانة في آخر حديث الباب قال طلحة فقال هزيل بن شرحبيل أبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله ود أبو بكر أنه كان وجد عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم أنفه بخزام وهزيل هذا بالزاي مصغر أحد كبار التابعين ومن ثقات أهل الكوفة فدل هذا على أنه كان في الحديث قرينة تشعر بتخصيص السؤال بالوصية بالخلافة ونحو ذلك لا مطلق الوصية قلت أخرج بن حبان الحديث من طريق بن عيينة عن مالك بن مغول بلفظ يزيل الاشكال فقال سئل بن أبي أوفى هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما ترك شيئا يوصي فيه قيل فكيف أمر الناس بالوصية ولم يوص قال أوصى بكتاب الله وقال القرطبي استبعاد طلحة واضح لأنه أطلق فلو أراد شيئا بعينه لخصه به فاعترضه بأن الله كتب على المسلمين الوصية وأمروا بها فكيف لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم فأجابه بما يدل على أنه أطلق في موضع التقييد قال وهذا يشعر بأن بن أبي أوفى وطلحة بن مصرف كانا يعتقدان أن الوصية واجبة كذا قال وقول بن أبي أوفى أوصى بكتاب الله أي بالتمسك به والعمل بمقتضاه ولعله أشار لقوله صلى الله عليه وسلم تركت فيكم ما أن تمسكتم به لم تضلوا كتاب الله وأما ما صح في مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث لا يبقين بجزيرة العرب دينان وفي لفظ أخرجوا اليهود من جزيرة العرب وقوله أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به ولم يذكر الراوي الثالثة وكذا ما ثبت في النسائي أنه صلى الله عليه وسلم كان آخر ما تكلم به الصلاة وما ملكت أيمانكم وغير ذلك من الأحاديث التي يمكن حصرها بالتتبع فالظاهر أن بن أبي أوفى لم يرد نفيه ولعله اقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأهم ولأن فيه تبيان كل شيء أما بطريق النص وأما بطريق الاستنباط فإذا أتبع الناس ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به لقوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه الآية أو يكون لم يحضر شيئا من الوصايا المذكورة أو لم يستحضرها حال قوله والأولى أنه إنما أراد بالنفي الوصية بالخلافة أو بالمال وساغ إطلاق النفي أما في الأول فبقرينة الحال وأما في الثاني فلأنه المتبادر عرفا وقد صح عن بن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لم يوص أخرجه بن أبي شيبة من طريق أرقم بن شرحبيل عنه مع أن بن عباس هو الذي روى حديث أنه صلى الله عليه وسلم أوصى بثلاث والجمع بينهما على ما تقدم وقال الكرماني قوله أوصى بكتاب الله الباء زائدة أي أمر بذلك وأطلق الوصية على سبيل المشاكلة فلا منافاة بين النفي والاثبات قلت ولا يخفى بعد ما قال وتكلفه ثم قال أو المنفي الوصية بالمال أو الإمامة والمثبت الوصية بكتاب الله أي بما في كتاب الله أن يعمل به انتهى وهذا الأخير هو المعتمد الحديث الرابع
2590 قوله حدثنا عمرو بن زرارة هو النيسابوري وهو بفتح العين وزرارة بضم الزاي وأما عمر بن زرارة بضم العين فهو بغدادي ولم يخرج عنه البخاري شيئا ووقع في رواية أبي علي بن السكن بدل عمرو بن زرارة في هذا الحديث إسماعيل بن زرارة يعني الرقي قال أبو علي الجياني لم أر ذلك لغيره قال وقد ذكر الدارقطني وأبو عبد الله بن منده في شيوخ البخاري إسماعيل بن زرارة الثغري ولم يذكره الكلاباذي ولا الحاكم قوله أخبرنا إسماعيل هو المعروف بابن علية وإبراهيم هو النخعي والأسود هو بن يزيد خاله قوله ذكروا عند عائشة أن عليا رضي الله عنهما كان وصيا قال القرطبي كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة لعلي فرد عليهم جماعة من الصحابة ذلك وكذا من بعدهم فمن ذلك ما استدلت به عائشة كما سيأتي ومن ذلك أن عليا لم يدع ذلك لنفسه ولا بعد أن ولي الخلافة ولا ذكره أحد من الصحابة يوم السقيفة وهؤلاء تنقصوا عليا من حيث قصدوا تعظيمه لأنهم نسبوه مع شجاعته العظمى وصلابته في الدين إلى المداهنة والتقية والاعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك وقال غيره الذي يظهر أنهم ذكروا عندها أنه أوصى له بالخلافة في مرض موته فلذلك ساغ لها إنكار ذلك واستندت إلى ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها ولم يقع منه شيء من ذلك فساغ لها نفي ذلك لكونه منحصرا في مجالس معينة لم تغب عن شيء منها وقد أخرج أحمد وبن ماجة بسند قوي وصححه من رواية أرقم بن شرحبيل عن بن عباس في أثناء حديث فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه أبا بكر أن يصلي بالناس قال في آخر الحديث مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص وسيأتي في الوفاة النبوية عن عمر مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستخلف وأخرج أحمد والبيهقي في الدلائل من طريق الأسود بن قيس عن عمرو بن أبي سفيان عن علي أنه لما ظهر يوم الجمل قال يا أيها الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الامارة شيئا الحديث وأما الوصايا بغير الخلافة فوردت في عدة أحاديث يجتمع منها أشياء منها حديث أخرجه أحمد وهناد بن السري في الزهد وبن سعد في الطبقات وبن خزيمة كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي مات فيه ما فعلت الذهيبة قلت عندي فقال أنفقيها الحديث وأخرج بن سعد من طريق أبي حازم عن أبي سلمة عن عائشة نحوه ومن وجه آخر عن أبي حازم عن سهل بن سعد وزاد فيه ابعثي بها إلى علي بن أبي طالب ليتصدق بها وفي المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير عنه حدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال لم يوص رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته الا بثلاث لكل من الداريين والرهاويين والأشعريين بحاد مائة وسق من خيبر وأن لا يترك في جزيرة العرب دينان وأن ينفذ بعث أسامة وأخرج مسلم في حديث بن عباس وأوصى بثلاث أن تجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم الحديث وفي حديث بن أبي أوفى الذي قبل هذا أوصى بكتاب الله وفي حديث أنس عنه عند النسائي وأحمد وبن سعد واللفظ له كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم وله شاهد من حديث علي عند أبي داود وبن ماجة وآخر من رواية نعيم بن يزيد عن علي وأدوا الزكاة بعد الصلاة أخرجه أحمد ولحديث أنس شاهد آخر من حديث أم سلمة عند النسائي بسند جيد وأخرج سيف بن عمر في الفتوح من طريق بن أبي مليكة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الفتن في مرض موته ولزوم الجماعة والطاعة وأخرج الواقدي من مرسل العلاء بن عبد الرحمن أنه صلى الله عليه وسلم أوصى فاطمة فقال قولي إذا مت أنا لله وأنا إليه راجعون وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث عبد الرحمن بن عوف قالوا يا رسول الله أوصنا يعني في مرض موته فقال أوصيكم بالسابقين الأولين من المهاجرين وأبنائهم من بعدهم وقال لا يروي عن عبد الرحمن الا بهذا الإسناد تفرد به عتيق بن يعقوب انتهى وفيه من لا يعرف حاله وفي سنن بن ماجة من حديث علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنا مت فغسلوني بسبع قرب من بئر غرس وكانت بقباء وكان يشرب منها وسيأتي ضبطها وزيادة في حالها في الوفاة النبوية وفي مسند البزار ومستدرك الحاكم بسند ضعيف أنه صلى الله عليه وسلم أوصى أن يصلوا عليه أرسالا بغير إمام ومن أكاذيب الرافضة ما رواه كثير بن يحيى وهو من كبارهم عن أبي عوانة عن الأجلح عن زيد بن علي بن الحسين قال لما كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر قصة طويلة فيها فدخل علي فقامت عائشة فأكب عليه فأخبره بألف باب مما يكون قبل يوم القيامة يفتح كل باب منها ألف باب وهذا مرسل أو معضل وله طريق أخرى موصولة عند بن عدي في كتاب الضعفاء من حديث عبد الله بن عمر بسند واه وقولها انخنث بالنون والخاء المعجمة ثم نون مثلثة أي انثنى ومال وسيأتي بقية ما يتعلق بشرحه في باب الوفاة من آخر المغازي إن شاء الله تعالى
1 ( قوله باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس ) هكذا اقتصر على لفظ الحديث فترجم به ولعله أشار إلى من لم يكن له من المال الا القليل لم تندب له الوصية كما مضى
2591 قوله عن سعد بن إبراهيم أي بن عبد الرحمن بن عوف وعامر بن سعد شيخه هو خاله لأن أم سعد بن إبراهيم هي أم كلثوم بنت سعد بن أبي وقاص وسعد وعامر زهريان مدنيان تابعيان ووقع في رواية مسعر عن سعد بن إبراهيم حدثني بعض آل سعد قال مرض سعد وقد حفظ سفيان اسمه ووصله فروايته مقدمة وقد روى هذا الحديث عن عامر أيضا جماعة منهم الزهري وتقدم سياق حديثه في الجنائز ويأتي في الهجرة وغيرها ورواه عن سعد بن أبي وقاص جماعة غير ابنه عامر كما سأشير إليه قوله جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة زاد الزهري في روايته في حجة الوداع من وجع اشتد بي وله في الهجرة من وجع أشفيت منه على الموت واتفق أصحاب الزهري على أن ذلك كان في حجة الوداع الا بن عيينة فقال في فتح مكة أخرجه الترمذي وغيره من طريقه واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه وقد أخرجه البخاري في الفرائض من طريقه فقال بمكة ولم يذكر الفتح وقد وجدت لابن عيينة مستندا فيه وذلك فيما أخرجه أحمد والبزار والطبراني والبخاري في التاريخ وبن سعد من حديث عمرو بن القارئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم فخلف سعدا مريضا حيث خرج إلى حنين فلما قدم من الجعرانة معتمرا دخل عليه وهو مغلوب فقال يا رسول الله أن لي ما لا وإني أورث كلالة أفأوصي بمالي الحديث وفيه قلت يا رسول الله أميت أنا بالدار الذي خرجت منها مهاجرا قال لا إني لأرجو أن يرفعك الله حتى ينتفع بك أقوام الحديث فلعل بن عيينة انتقل ذهنه من حديث إلى حديث ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع له مرتين مرة عام الفتح ومرة عام حجة الوداع ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلا وفي الثانية كانت له ابنة فقط فالله أعلم قوله وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها يحتمل أن تكون الجملة حالا من الفاعل أو من المفعول وكل منهما محتمل لأن كلا من النبي صلى الله عليه وسلم ومن سعد كان يكره ذلك لكن أن كان حالا من المفعول وهو سعد ففيه التفات لأن السياق يقتضي أن يقول وأنا أكره وقد أخرجه مسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن عن ثلاثة من ولد سعد عن سعد بلفظ فقال يا رسول الله خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة وللنسائي من طريق جرير بن يزيد عن عامر بن سعد لكن البائس سعد بن خولة مات في الأرض التي هاجر منها وله من طريق بكير بن مسمار عن عامر بن سعد في هذا الحديث فقال سعد يا رسول الله أموت بالأرض التي هاجرت منها قال لا إن شاء الله تعالى وسيأتي بقية ما يتعلق بكراهة الموت بالأرض التي هاجر منها في كتاب الهجرة إن شاء الله تعالى قوله قال يرحم الله بن عفراء كذا وقع في هذه الرواية في رواية أحمد والنسائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان فقال النبي صلى الله عليه وسلم يرحم الله سعد بن عفراء ثلاث مرات قال الداودي قوله بن عفراء غير محفوظ وقال الدمياطي هو وهم والمعروف بن خولة قال ولعل الوهم من سعد بن إبراهيم فإن الزهري أحفظ منه وقال فيه سعد بن خولة يشير إلى ما وقع في روايته بلفظ لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة قلت وقد ذكرت آنفا من وافق الزهري وهو الذي ذكره أصحاب المغازي وذكروا أنه شهد بدرا ومات في حجة الوداع وقال بعضهم في اسمه خولى بكسر اللام وتشديد التحتانية واتفقوا على سكون الواو وأغرب بن التين فحكى عن القابسي فتحها ووقع في رواية بن عيينة في الفرائض قال سفيان وسعد بن خولة رجل من بني عامر بن لؤي اه وذكر بن إسحاق أنه كان حليفا لهم ثم لأبي رهم بن عبد العزى منهم وقيل كان من الفرس الذين نزلوا اليمن وسيأتي شيء من خبره في غزوة بدر من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى في حديث سبيعة الأسلمية ويأتي شرح حديث سبيعة في كتاب العدد من آخر كتاب النكاح وجزم الليث بن سعد في تاريخه عن يزيد بن أبي حبيب بأن سعد بن خولة مات في حجة الوداع وهو الثابت في الصحيح خلافا لمن قال أنه مات في مدة الهدنة مع قريش سنة سبع وجوز أبو عبد الله بن أبي الخصال الكاتب المشهور في حواشيه على البخاري أن المراد بابن عفراء عوف بن الحارث أخو معاذ ومعوذ أولاد عفراء وهي أمهم والحكمة في ذكره ما ذكره بن إسحاق أنه قال يوم بدر ما يضحك الرب من عبدة قال أن يغمس يده في العدو حاسرا فألقى الدرع التي هي عليه فقاتل حتى قتل قال فيحتمل أن يكون لما رأى اشتياق سعد بن أبي وقاص للموت وعلم أنه يبقى حتى يلي الولايات ذكر بن عفراء وحبه للموت ورغبته في الشهادة كما يذكر الشيء بالشيء فذكر سعد بن خولة لكونه مات بمكة وهي دار هجرته وذكر بن عفراء مستحسنا لميتته اه ملخصا وهو مردود بالتنصيص على قوله سعد بن عفراء فانتفى أن يكون المراد عوف وأيضا فليس في شيء من طرق حديث سعد بن أبي وقاص أنه كان راغبا في الموت بل في بعضها عكس ذلك وهو أنه بكى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبكيك فقال خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة وهو عند النسائي وأيضا فمخرج الحديث متحد والأصل عدم التعدد فالاحتمال بعيد لو صرح بأنه عوف بن عفراء والله أعلم وقال التيمي يحتمل أن يكون لأمه اسمان خولة وعفراء اه ويحتمل أن يكون أحدهما اسما والآخر لقبا أو أحدهما اسم أمه والأخر اسم أبيه أو والآخر اسم جدة له والأقرب أن عفراء اسم أمه والآخر اسم أبيه لاختلافهم في أنه خولة أو خولى وقول الزهري في روايته يرثي له الخ قال بن عبد البر زعم أهل الحديث أن قوله يرثي الخ من كلام الزهري وقال بن الجوزي وغيره هو مدرج من قول الزهري قلت وكأنهم استندوا إلى ما وقع في رواية أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد عن الزهري فإنه فصل ذلك لكن وقع عند المصنف في الدعوات عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد في آخره لكن البائس سعد بن خولة قال سعد رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ فهذا صريح في وصله فلا ينبغي الجزم بادراجه ووقع في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في الطب من الزيادة ثم وضع يده على جبهتي ثم مسح وجهي وبطني ثم قال اللهم اشف سعدا وأتمم له هجرته قال فما زلت أجد بردها ولمسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن المذكورة قلت فادع الله أن يشفيني فقال اللهم اشف سعدا ثلاث مرات قوله قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في الطب أفأتصدق بثلثي مالي وكذا وقع في رواية الزهري فأما التعبير بقوله أفأتصدق فيحتمل التنجيز والتعليق بخلاف أفأوصي لكن المخرج متحد فيحمل على التعليق للجمع بين الروايتين وقد تمسك بقوله أتصدق من جعل تبرعات المريض من الثلث وحملوه على المنجزة وفيه نظر لما بينته وأما الاختلاف في السؤال فكأنه سأل أولا عن الكل ثم سأل عن الثلثين ثم سأل عن النصف ثم سأل عن الثلث وقد وقع مجموع ذلك في رواية جرير بن يزيد عند أحمد وفي رواية بكير بن مسمار عند النسائي كلاهما عن عامر بن سعد وكذا لهما من طريق محمد بن سعد عن أبيه ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه عن سعد وقوله في هذه الرواية قلت فالشطر هو بالجر عطفا على قوله بمالي كله أي فأوصي بالنصف وهذا رجحه السهيلي وقال الزمخشري هو بالنصب على تقدير فعل أي أسمي الشطر أو أعين الشطر ويجوز الرفع على تقدير أيجوز الشطر قوله قلت الثلث قال فالثلث والثلث كثير كذا في أكثر الروايات وفي رواية الزهري في الهجرة قال الثلث يا سعد والثلث كثير وفي رواية مصعب بن سعد عن أبيه عند مسلم قلت فالثلث قال نعم والثلث كثير وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في الباب الذي يليه قال الثلث والثلث كبير أو كثير وكذا للنسائي من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد وفيه فقال أوصيت فقلت نعم قال بكم قلت بمالي كله قال فما تركت لولدك وفيه أوص بالعشر قال فما زال يقول وأقول حتى قال أوص بالثلث والثلث كثير أو كبير يعني بالمثلثة أو بالموحدة وهو شك من الراوي والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثة ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه وسأذكر الاختلاف فيه في الباب الذي بعد هذا وقوله قال الثلث والثلث كثير بنصب الأول على الإغراء أو بفعل مضمر نحو عين الثلث وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو المبتدأ والخبر محذوف والتقدير يكفيك الثلث أو الثلث كاف ويحتمل أن يكون قوله والثلث كثير مسوقا لبيان الجواز بالثلث وأن الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه وهو ما يبتدره الفهم ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره ويحتمل أن يكون معناه كثير غير قليل قال الشافعي رحمه الله وهذا أولى معانيه يعني أن الكثرة أمر نسبي وعلى الأول عول بن عباس كما سيأتي في حديث الباب الذي بعده قوله انك أن تدع بفتح أن على التعليل وبكسرها على الشرطية قال النووي هما صحيحان صوريان وقال القرطبي لا معنى للشرط هنا لأنه يصير لا جواب له ويبقى خير لا رافع له وقال بن الجوزي سمعناه من رواة الحديث بالكسر وأنكره شيخنا عبد الله بن أحمد يعني بن الخشاب وقال لا يجوز الكسر لأنه لا جواب له لخلو لفظ خير من الفاء وغيرها مما اشترط في الجواب وتعقب بأنه لا مانع من تقديره وقال بن مالك جزاء الشرط قوله خير أي فهو خير وحذف الفاء جائز وهو كقراءة طاوس ويسئلونك عن اليتامى قل أصلح لهم خير قال ومن خص ذلك بالشعر بعد عن التحقيق وضيق حيث لا تضيق لأنه كثير في الشعر قليل في غيره وأشار بذلك إلى ما وقع في الشعر فيما أنشده سيبويه من يفعل الحسنات الله يشكرها أي فالله يشكرها وإلى الرد على من زعم أن ذلك خاص بالشعر قال ونظيره قوله في حديث اللقطة فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها بحذف الفاء وقوله في حديث اللعان البينة وإلا حد في ظهرك قوله ورثتك قال الزين بن المنير إنما عبر له صلى الله عليه وسلم بلفظ الورثة ولم يقل أن تدع بنتك مع أنه لم يكن له يومئذ الا ابنة واحدة لكون الوارث حينئذ لم يتحقق لأن سعدا إنما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض وبقائها بعده حتى ترثه وكان من الجائز أن تموت هي قبله فأجاب صلى الله عليه وسلم بكلام كلي مطابق لكل حالة وهو قوله ورثتك ولم يخص بنتا من غيرها وقال الفاكهي شارح العمدة إنما عبر صلى الله عليه وسلم بالورثة لأنه اطلع على أن سعدا سيعيش ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة فكان كذلك وولد له بعد ذلك أربعة بنين ولا أعرف أسماءهم ولعل الله أن يفتح بذلك قلت وليس قوله أن تدع بنتك متعينا لأن ميراثه لم يكن منحصرا فيها فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولاد إذ ذاك منهم هاشم بن عتبة الصحابي الذي قتل بصفين وسأذكر بسط ذلك فجاز التعبير بالورثة لتدخل البنت وغيرها ممن يرث لو وقع موته إذ ذاك أو بعد ذلك وأما قول الفاكهي أنه ولد له بعد ذلك أربعة بنين وأنه لا يعرف أسماءهم ففيه قصور شديد فإن أسماءهم في رواية هذا الحديث بعينه عند مسلم من طريق عامر ومصعب ومحمد ثلاثتهم عن سعد ووقع ذكر عمر بن سعد فيه في موضع آخر ولما وقع ذكر هؤلاء في هذا الحديث عند مسلم اقتصر القرطبي على ذكر الثلاثة ووقع في كلام بعض شيوخنا تعقب عليه بأن له أربعة من الذكور غير الثلاثة وهم عمر وإبراهيم ويحيى وإسحاق وعزا ذكرهم لابن المديني وغيره وفاته أن بن سعد ذكر له من الذكور غير السبعة أكثر من عشرة وهم عبد الله وعبد الرحمن وعمرو وعمران وصالح وعثمان وإسحاق الأصغر وعمر الأصغر وعمير مصغرا وغيرهم وذكر له من البنات ثنتي عشرة بنتا وكأن بن المديني اقتصر على ذكر من روى الحديث منهم والله أعلم قوله عالة أي فقراء وهو جمع عال وهو الفقير والفعل منه عال يعيل إذا افتقر قوله يتكففون الناس أي يسألون الناس بأكفهم يقال تكفف الناس واستكف إذا بسط كفه للسؤال أو سأل ما يكف عنه الجوع أو سأل كفا كفا من طعام وقوله في أيديهم أي بأيديهم أو سألوا بأكفهم وضع المسئول في أيديهم وقع في رواية الزهري أن سعدا قال وأنا ذو مال ونحوه في رواية عائشة بنت سعد في الطب وهذا اللفظ يؤذن بمال كثير وذو المال إذا تصدق بثلثه أو بشطره وأبقى ثلثه بين ابنته وغيرها لا يصيرون عالة لكن الجواب أن ذلك خرج على التقدير لأن بقاء المال الكثير إنما هو على سبيل التقدير وإلا فلو تصدق المريض بثلثيه مثلا ثم طالت حياته ونقص وفني المال فقد تجحف الوصية بالورثة فرد الشارع الأمر إلى شيء معتدل وهو الثلث قوله وانك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة هو معطوف على قوله انك أن تدع وهو علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث كأنه قيل لا تفعل لأنك أن مت تركت ورثتك أغنياء وأن عشت تصدقت وأنفقت فالأجر حاصل لك في الحالين وقوله فإنها صدقة كذا أطلق في هذه الرواية وفي رواية الزهري وأنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله الا أجرت بها مقيدة بابتغاء وجه الله وعلق حصول الأجر بذلك وهو المعتبر ويستفاد منه أن أجر الواجب يزداد بالنية لأن الإنفاق على الزوجة واجب وفي فعله الأجر فإذا نوى به ابتغاء وجه الله ازداد أجره بذلك قاله بن أبي جمرة قال ونبه بالنفقة على غيرها من وجوه البر والإحسان قوله حتى اللقمة بالنصب عطفا على نفقة ويجوز الرفع على أنه مبتدأ وتجعلها الخبر وسيأتي الكلام على حكم نفقة الزوجة في كتاب النفقات إن شاء الله تعالى ووجه تعلق قوله وأنك لن تنفق نفقة الخ بقصة الوصية أن سؤال سعد يشعر بأنه رغب في تكثير الأجر فلما منعه الشارع من الزيادة على الثلث قال له على سبيل التسلية أن جميع ما تفعله في مالك من صدقة ناجزة ومن نفقة ولو كانت واجبة تؤجر بها إذا ابتغيت بذلك وجه الله تعالى ولعله خص المرأة بالذكر لأن نفقتها مستمرة بخلاف غيرها قال بن دقيق العيد فيه أن الثواب في الإنفاق مشروط بصحة النية وابتغاء وجه الله وهذا عسر إذا عارضه مقتضى الشهوة فإن ذلك لا يحصل الغرض من الثواب حتى يبتغي به وجه الله وسبق تخليص هذا المقصود مما يشوبه قال وقد يكون فيه دليل على أن الواجبات إذا أديت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه الله أثيب عليها فإن قوله حتى ما تجعل في في امرأتك لا تخصيص له بغير الواجب ولفظة حتى هنا تقتضي المبالغة في تحصيل هذا الأجر بالنسبة إلى المعنى كما يقال جاء الحاج حتى المشاة قوله وعسى الله أن يرفعك أي يطيل عمرك وكذلك اتفق فإنه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنة بل قريبا من خمسين لأنه مات سنة خمس وخمسين من الهجرة وقيل سنة ثمان وخمسين وهو المشهور فيكون عاش بعد حجة الوداع خمسا وأربعين أو ثمانيا وأربعين قوله فينتفع بك ناس ويضر بك آخرون أي ينتفع بك المسلمون بالغنائم مما سيفتح الله على يديك من بلاد الشرك ويضر بك المشركون الذين يهلكون على يديك وزعم بن التين أن المراد بالنفع به ما وقع من الفتوح على يديه كالقادسية وغيرها وبالضرر ما وقع من تأمير ولده عمر بن سعد على الجيش الذين قتلوا الحسين بن علي ومن معه وهو كلام مردود لتكلفة لغير ضرورة تحمل على إرادة الضرر الصادر من ولده وقد وقع منه هو الضرر المذكور بالنسبة إلى الكفار وأقوى من ذلك ما رواه الطحاوي من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبيه أنه سأل عامر بن سعد عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا فقال لما أمر سعد على العراق أتى بقوم ارتدوا فاستتابهم فتاب بعضهم وامتنع بعضهم فقتلهم فانتفع به من تاب وحصل الضرر للآخرين قال بعض العلماء لعل وأن كانت للترجي لكنها من الله للأمر الواقع وكذلك إذا وردت على لسان رسوله غالبا قوله ولم يكن له يومئذ الا ابنة في رواية الزهري ونحوه في رواية عائشة بنت سعد أن سعدا قال ولا يرثني الا ابنة واحدة قال النووي وغيره معناه لا يرثني من الولد أو من خواص الورثة أو من النساء وإلا فقد كان لسعد عصبات لأنه من بني زهرة وكانوا كثيرا وقيل معناه لا يرثني من أصحاب الفروض أو خصها بالذكر على تقدير لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز الا هي أو ظن أنها ترث جميع المال أو استكثر لها نصف التركة وهذه البنت زعم بعض من أدركناه أن اسمها عائشة فإن كان محفوظا فهي غير عائشة بنت سعد التي روت هذا الحديث عنده في الباب الذي يليه وفي الطب وهي تابعية عمرت حتى أدركها مالك وروى عنها وماتت سنة سبع عشرة لكن لم يذكر أحد من النسابين لسعد بنتا تسمى عائشة غير هذه وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم الكبرى وأمها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة وذكروا له بنات أخرى أمهاتهن متأخرات الإسلام بعد الوفاة النبوية فالظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم المذكورة لتقدم تزويج سعد بأمها ولم أر من حرر ذلك وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم مشروعية زيارة المريض للأمام فمن دونه وتتأكد باشتداد المرض وفيه وضع اليد على جبهة المريض ومسح وجهه ومسح العضو الذي يؤلمه والفسح له في طول العمر وجواز أخبار المريض بشدة مرضه وقوة ألمه إذا لم يقترن بذلك شيء مما يمنع أو يكره من التبرم وعدم الرضا بل حيث يكون ذلك لطلب دعاء أو دواء وربما استحب وأن ذلك لا ينافي الاتصاف بالصبر المحمود وإذا جاز ذلك في أثناء المرض كان الأخبار به بعد البرء أجوز وأن أعمال البر والطاعة إذا كان منها ما لا يمكن استدراكه قام غيره في الثواب والأجر مقامه وربما زاد عليه وذلك أن سعدا خاف أن يموت بالدار التي هاجر منها فيفوت عليه بعض أجر هجرته فأخبره صلى الله عليه وسلم بأنه أن تخلف عن دار هجرته فعمل عملا صالحا من حج أو جهاد أو غير ذلك كان له به أجر يعوض ما فاته من الجهة الأخرى وفيه إباحة جمع المال بشرطه لأن التنوين في قوله وأنا ذو مال للكثرة وقد وقع في بعض طرقه صريحا وأنا ذو مال كثير والحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد والإنفاق في وجوه الخير لأن المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة وقدنبه على ذلك بأقل الحظوظ الدنيوية العادية وهو وضع اللقمة في فم الزوجة إذ لا يكون ذلك غالبا الا عند الملاعبة والممازحة ومع ذلك فيؤجر فاعله إذا قصد به قصدا صحيحا فكيف بما هو فوق ذلك وفيه منع نقل الميت من بلد إلى بلد إذ لو كان ذلك مشروعا لأمر بنقل سعد بن خولة قاله الخطابي وبأن من لا وارث له تجوز له الوصية بأكثر من الثلث لقوله صلى الله عليه وسلم أن تذر ورثتك أغنياء فمفهومه أن من لا وارث له لا يبالي بالوصية بما زاد لأنه لا يترك ورثة يخشى عليهم الفقر وتعقب بأنه ليس تعليلا محضا وإنما فيه تنبيه على الأحظ الأنفع ولو كان تعليلا محضا لاقتضى جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن كانت ورثته أغنياء ولنفذ ذلك عليهم بغير اجازتهم ولا قائل بذلك وعلى تقدير أن يكون تعليلا محضا فهو للنقص عن الثلث لا للزيادة عليه فكأنه لما شرع الايصاء بالثلث وأنه لا يعترض به على الموصى الا أن الانحطاط عنه أولى ولا سيما لمن يترك ورثة غير أغنياء فنبه سعدا على ذلك وفيه سد الذريعة لقوله صلى الله عليه وسلم ولا تردهم على أعقابهم لئلا يتذرع بالمرض أحد لأجل حب الوطن قاله بن عبد البر وفيه تقييد مطلق القرآن بالسنة لأنه قال سبحانه وتعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين فأطلق وقيدت السنة الوصية بالثلث وأن من ترك شيئا لله لا ينبغي له الرجوع فيه ولا في شيء منه مختارا وفيه التأسف على فوت ما يحصل الثواب وفيه حديث من ساءته سيئة وأن من فاته ذلك بادر إلى جبره بغير ذلك وفيه تسلية من فاته أمر من الأمور بتحصيل ما هو أعلى منه لما أشار صلى الله عليه وسلم لسعد من عمله الصالح بعد ذلك وفيه جواز التصدق بجميع المال لمن عرف بالصبر ولم يكن له من تلزمه نفقته وقد تقدمت المسألة في كتاب الزكاة وفيه الاستفسار عن المحتمل إذا احتمل وجوها لأن سعدا لما منع من الوصية بجميع المال احتمل عنده المنع فيما دونه والجواز فاستفسر عما دون ذلك وفيه النظر في مصالح الورثة وأن خطاب الشارع للواحد يعم من كان بصفته من المكلفين لاطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا وأن كان الخطاب إنما وقع له بصيغة الأفراد ولقد أبعد من قال أن ذلك يختص بسعد ومن كان في مثل حاله ممن يخلف وارثا ضعيفا أو كان ما يخلفه قليلا لأن البنت من شأنها أن يطمع فيها وأن كانت بغير مال لم يرغب فيها وفيه أن من ترك مالا قليلا فالاختيار له ترك الوصية وابقاء المال للورثة واختلف السلف في ذلك القليل كما تقدم في أول الوصايا واستدل به التيمي لفضل الغني على الفقير وفيه نظر وفيه مراعاة العدل بين الورثة ومراعاة العدل في الوصية وفيه أن الثلث في حد الكثرة وقد اعتبره بعض الفقهاء في غير الوصية ويحتاج الاحتجاج به إلى ثبوت طلب الكثرة في الحكم المعين واستدل بقوله ولا يرثني الا ابنة لي من قال بالرد على ذوي الأرحام للحصر في قوله لا يرثني الا ابنة وتعقب بأن المراد من ذوي الفروض كما تقدم ومن قال بالرد لا يقول بظاهره لأنهم يعطونها فرضها ثم يردون عليها الباقي وظاهر الحديث أنها ترث الجميع ابتداء
1 ( قوله باب الوصية بالثلث ) أي جوازها أو مشروعيتها وقد سبق تقرير ذلك في الباب الذي قبله واستقر الإجماع على منع الوصية بأزيد من الثلث لكن اختلف فيمن كان له وارث وسيأتي تحريره في باب لا وصية لوارث وفيمن لم يكن له وارث خاص فمنعه الجمهور وجوزه الحنفية وإسحاق وشريك وأحمد في رواية وهو قول علي وبن مسعود واحتجوا بأن الوصية مطلقة بالآية فقيدتها السنة بمن له وارث فيبقى من لا وارث له على الإطلاق وقد تقدم في الباب الذي قبله توجيه لهم آخر واختلفوا أيضا هل يعتبر ثلث المال حال الوصية أو حال الموت على قولين وهما وجهان للشافعية أصحهما الثاني فقال بالأول مالك وأكثر العراقيين وهو قول النخعي وعمر بن عبد العزيز وقال بالثاني أبو حنيفة وأحمد والباقون وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعة من التابعين وتمسك الأولون بأن الوصية عقد والعقود تعتبر بأولها وبأنه لو نذر أن يتصدق بثلث ماله اعتبر ذلك حالة النذر اتفاقا وأجيب بأن الوصية ليست عقدا من كل جهة ولذلك لا تعتبر فيها الفورية ولا القبول وبالفرق بين النذر والوصية بأنها يصح الرجوع عنها والنذر يلزم وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حدث له مال بعد الوصية واختلفوا أيضا هل يحسب الثلث من جميع المال أو تنفذ بما علمه الموصي دون ما خفي عليه أو تجدد له ولم يعلم به وبالأول قال الجمهور وبالثاني قال مالك وحجة الجمهور أنه لا يشترط أن يستحضر تعداد مقدار المال حالة الوصية اتفاقا ولو كان عالما بجنسه فلو كان العلم به شرطا لما جاز ذلك فائدة أول من أوصى بالثلث في الإسلام البراء بن معرور بمهملات أوصى به للنبي صلى الله عليه وسلم وكان قد مات قبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر فقبله النبي صلى الله عليه وسلم ورده على ورثته أخرجه الحاكم وبن المنذر من طريق يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن جده قوله وقال الحسن أي البصري لا يجوز للذمي وصية الا بالثلث قال بن بطال أراد البخاري بهذا الرد على من قال كالحنفية بجواز الوصية بالزيادة على الثلث لمن لا وارث له قال ولذلك احتج بقوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله والذي حكم به النبي صلى الله عليه وسلم من الثلث هو الحكم بما أنزل الله فمن تجاوز ما حده فقد أتى ما نهي عنه وقال بن المنير لم يرد البخاري هذا وإنما أراد الاستشهاد بالآية على أن الذمي إذا تحاكم إلينا ورثته لا ينفذ من وصيته الا الثلث لأنا لا نحكم فيهم الا بحكم الإسلام لقوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله الآية
2592 قوله حدثنا سفيان هو بن عيينة فإن قتيبة لم يلحق الثوري قوله عن هشام بن عروة وفي رواية الحميدي في مسنده عن سفيان حدثنا هشام وليس لعروة بن الزبير عن بن عباس في البخاري سوى هذا الحديث الواحد قوله لو غض الناس بمعجمتين أي نقص ولو للتمني فلا يحتاج إلى جواب أو شرطية والجواب محذوف وقد وقع في رواية بن أبي عمر في مسنده عن سفيان بلفظ كان أحب إلي أخرجه الإسماعيلي من طريقه ومن طريق أحمد بن عبدة أيضا وأخرجه من طريق العباس بن الوليد عن سفيان بلفظ كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله إلى الربع زاد الحميدي في الوصية وكذا رواه أحمد عن وكيع عن هشام بلفظ وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية الحديث وفي رواية بن نمير عن هشام عند مسلم لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع قوله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هو كالتعليل لما اختاره من النقصان عن الثلث وكأن بن عباس أخذ ذلك من وصفه صلى الله عليه وسلم الثلث بالكثرة وقد قدمنا الاختلاف في توجيه ذلك في الباب الذي قبله ومن أخذ بقول بن عباس في ذلك كاسحق بن راهويه والمعروف في مذهب الشافعي استحباب النقص عن الثلث وفي شرح مسلم للنووي أن كان الورثة فقراء استحب أن ينقص منه وأن كانوا أغنياء فلا قوله والثلث كثير في رواية مسلم كثير أو كبير بالشك هل هي بالموحدة أو بالمثلثة 2593 قوله حدثني محمد بن عبد الرحيم هو الحافظ المعروف بصاعقة وهو من أقران البخاري وأكبر منه قليلا قوله حدثنا مروان هو بن معاوية الفزاري قوله عن هاشم بن هاشم أي بن عتبة بن أبي وقاص وقد نزل البخاري في هذا الإسناد درجتين لأنه يروي عن مكي بن إبراهيم ومكي يروي عن هاشم المذكور وسيأتي في مناقب سعد له بهذا الإسناد حديث عن مكي عن هاشم عن عامر بن سعد عن أبيه قوله فقلت يا رسول الله أدع الله أن لا يردني على عقبي هو إشارة إلى ما تقدم من كراهية الموت بالأرض التي هاجر منها وقد تقدم توجيهه وشرحه في الباب الذي قبله قوله لعل الله يرفعك زاد أبو نعيم في المستخرج في روايته من وجه آخر عن زكريا بن عدي يعني يقيمك من مرضك قوله في هذه الرواية قلت أوصي بالنصف قال النصف كثير لم أر في غيرها من طرقه وصف النصف بالكثرة وإنما فيها قال لا في كله ولا في ثلثيه وليس في هذه الرواية اشكال الا من جهة وصف النصف بالكثرة ووصف الثلث بالكثرة فكيف أمتنع النصف دون الثلث وجوابه أن الرواية الأخرى التي فيها جواب النصف دلت على منع النصف ولم يأت مثلها في الثلث بل اقتصر على وصفه بالكثرة وعلل بأن إبقاء الورثة أغنياء أولى وعلى هذا فقوله الثلث خبر مبتدأ محذوف تقديره مباح ودل قوله والثلث كثير على أن الأولى أن ينقص منه والله أعلم قوله قال وأوصى الناس بالثلث فجاز ذلك لهم ظاهره أنه من قول سعد بن أبي وقاص ويحتمل أن يكون من قول من دونه والله أعلم وكأن البخاري قصد بذلك الإشارة إلى أن النقص من الثلث في حديث بن عباس للاستحباب لا للمنع منه جمعا بين الحديثين والله أعلم 1 ( قوله باب قول الموصي لوصيه تعاهد لولدي ) وما يجوز للوصي من الدعوى أورد فيه حديث عائشة في قصة مخاصمة سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في بن وليدة زمعة وقد ترجم له في كتاب الأشخاص دعوى الموصى للميت أي عن الميت وانتزاع الأمرين المذكورين في الترجمة من الحديث المذكور واضح وسيأتي الكلام عليه في الفرائض إن شاء الله تعالى قوله باب إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة تعرف أي هل يحكم بها أورد فيه حديث أنس في قصة الجارية التي رض اليهودي رأسها وسيأتي الكلام عليه في القصاص إن شاء الله تعالى
1 ( قوله باب لا وصية لوارث ) هذه الترجمة لفظ حديث مرفوع كأنه لم يثبت على شرط البخاري فترجم به كعادته واستغنى بما يعطي حكمة وقد أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي أمامة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته في حجة الوداع أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وفي إسناده إسماعيل بن عياش وقد قوي حديثه عن الشاميين جماعة من الأئمة منهم أحمد والبخاري وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة وصرح في روايته بالتحديث عند الترمذي وقال الترمذي حديث حسن وفي الباب عن عمرو بن خارجة عند الترمذي والنسائي وعن أنس عند بن ماجة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الدارقطني وعن جابر عند الدارقطني أيضا وقال الصواب إرساله وعن علي عند بن أبي شيبة ولا يخلو إسناد كل منها عن مقال لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلا بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر فقال وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح لا وصية لوارث ويؤثرون عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد وقد نازع الفخر الرازي في كون هذا الحديث متواترا وعلى تقدير تسليم ذلك فالمشهور من مذهب الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لكن الحجة في هذا الإجماع على مقتضاه كما صرح به الشافعي وغيره والمراد بعدم صحة وصية الوارث عدم اللزوم لأن الأكثر على أنها موقوفة على إجازة الورثة كما سيأتي بيانه وروى الدارقطني من طريق بن جريج عن عطاء عن بن عباس مرفوعا لا تجوز وصية لوارث الا أن يشاء الورثة كما سيأتي بيانه ورجاله ثقات الا أنه معلول فقد قيل أن عطاء هو الخرساني والله أعلم وكأن البخاري أشار إلى ذلك فترجم بالحديث وأخرج من طريق عطاء وهو بن أبي رباح عن بن عباس حديث الباب وهو موقوف لفظا الا أنه في تفسيره أخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن فيكون في حكم المرفوع بهذا التقرير ووجه دلالته للترجمة من جهة أن نسخ الوصية للوالدين وإثبات الميراث لهما بدلا منها يشعر بأنه لا يجمع لهما بين الميراث والوصية وإذا كان كذلك كان من دونهما أولى بأن لا يجمع ذلك له وقد أخرجه بن جرير من طريق مجاهد بن جبر عن بن عباس بلفظ وكانت الوصية للوالدين والأقربين الخ فظهرت المناسبة بهذه الزيادة وقد وافق محمد بن يوسف وهو الفريابي في روايته إياه عن ورقاء عيسى بن ميمون كما أخرجه بن جرير وخالف ورقاء شبل عن بن أبي نجيح فجعل مجاهدا موضع عطاء أخرجه بن جرير أيضا ويحتمل أنه كان عند بن أبي نجيح على الوجهين والله أعلم
2596 قوله وجعل للمرأة الثمن والربع أي في حالين وكذلك للزوج قال جمهور العلماء كانت هذه الوصية في أول الإسلام واجبة لوالدي الميت وأقربائه على ما يراه من المساواة والتفضيل ثم نسخ ذلك بآية الفرائض وقيل كانت للوالدين والأقربين دون الأولاد فإنهم كانوا يرثون ما يبقى بعد الوصية وأغرب بن شريح فقال كانوا مكلفين بالوصية للوالدين والأقربين بمقدار الفريضة التي في علم الله قبل أن ينزلها واشتد إنكار إمام الحرمين عليه في ذلك وقيل أن الآية مخصوصة لأن الأقربين أعم من أن يكونوا وراثا وكانت الوصية واجبة لجميعهم فخص منها من ليس بوارث بآية الفرائض وبقوله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وبقي حق من لا يرث من الأقربين من الوصية على حاله قاله طاوس وغيره وقد تقدمت الإشارة إليه قبل واختلف في تعيين ناسخ آية الوصية للوالدين والأقربين فقيل آية الفرائض وقيل الحديث المذكور وقيل دل الإجماع على ذلك وأن لم يتعين دليله واستدل بحديث لا وصية لوارث بأنه لا تصح الوصية للوارث أصلا كما تقدم وعلى تقدير نفاذها من الثلث لا تصح الوصية له ولا لغيره بما زاد على الثلث ولو أجازت الورثة وبه قال المزني وداود وقواه السبكي واحتج له بحديث عمران بن حصين في الذي أعتق ستة أعبد فإن فيه عند مسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم قولا شديدا وفسر القول الشديد في رواية أخرى بأنه قال لو علمت ذلك ما صليت عليه ولم ينقل أنه راجع الورثة فدل على منعه مطلقا وبقوله في حديث سعد بن أبي وقاص وكان بعد ذلك الثلث جائزا فإن مفهومه أن الزائد على الثلث ليس بجائز وبأنه صلى الله عليه وسلم منع سعدا من الوصية بالشطر ولم يستثن صورة الإجازة واحتج من أجازه بالزيادة المتقدمة وهي قوله الا أن يشاء الورثة فإن صحت هذه الزيادة فهي حجة واضحة واحتجوا من جهة المعنى بأن المنع إنما كان في الأصل لحق الورثة فإذا أجازوه لم يمتنع واختلفوا بعد ذلك في وقت الإجازة فالجمهور على أنهم أن أجازوا في حياة الموصي كان لهم الرجوع متى شاءوا وأن أجازوا بعده نفذ وفصل المالكية في الحياة بين مرض الموت وغيره فألحقوا مرض الموت بما بعده واستثنى بعضهم ما إذا كان المجيز في عائلة الموصي وخشي من امتناعه انقطاع معروفه عنه لو عاش فإن لمثل هذا الرجوع وقال الزهري وربيعة ليس لهم الرجوع مطلقا واتفقوا على اعتبار كون الموصى له وارثا بيوم الموت حتى لو أوصى لأخيه الوارث حيث لا يكون له بن يحجب الأخ المذكور فولد له بن قبل موته يحجب الأخ فالوصية للأخ المذكور صحيحة ولو أوصى لأخيه وله بن فمات الابن قبل موت الموصي فهي وصية لوارث واستدل به على منع وصية من لا وارث له سوى بيت المال لأنه ينتقل ارثا للمسلمين والوصية للوارث باطلة وهو وجه ضعيف جدا حكاه القاضي حسين ويلزم قائله أن لا يجيز الوصية للذمي أو يقيد ما أطلق والله أعلم 1 ( قوله باب الصدقة عند الموت ) أي جوازها وأن كانت في حال الصحة أفضل أورد فيه حديث أبي هريرة قال قال رجل يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال أن تصدق وأنت صحيح الحديث وقد تقدم في كتاب الزكاة من وجه آخر وبينت هناك اختلاف ألفاظه ووقع التصريح بالتحديث هناك في جميع إسناده بدل العنعنة هنا
2597 قوله أن تصدق بتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين وأصله أن تتصدق وبالتشديد على ادغامها قوله ولا تمهل بالإسكان على أنه نهي وبالرفع على أنه نفي ويجوز النصب قوله قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان الظاهر أن هذا المذكور على سبيل المثال وقال الخطابي فلان الأول والثاني الموصى له وفلان الأخير الوارث لأنه أن شاء أبطله وأن شاء أجازه وقال غيره يحتمل أن يكون المراد بالجميع من يوصى له وإنما أدخل كان في الثالث إشارة إلى تقدير القدر له بذلك وقال الكرماني يحتمل أن يكون الأول الوارث والثاني المورث والثالث الموصى له قلت ويحتمل أن يكون بعضها وصية وبعضها اقرارا وقد وقع في رواية بن المبارك عن سفيان عند الإسماعيلي قلت اصنعوا لفلان كذا وتصدقوا بكذا ووقع في حديث بسر بن جحاش وهو بضم الموحدة وسكون المهملة وأبوه بكسر الجيم وتخفيف المهملة وآخره شين معجمة عند أحمد وبن ماجة وصححه واللفظ لابن ماجة قال بزق النبي صلى الله عليه وسلم في كفه ثم وضع أصبعه السبابة وقال يقول الله أني يعجزني بن آدم وقد خلقتك من قبل من مثل هذه فإذا بلغت نفسك إلى هذه وأشار إلى حلقة قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة وزاد في رواية أبي اليمان حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا وتصدقوا بكذا وفي الحديث أن تنجيز وفاء الدين والتصدق في الحياة وفي الصحة أفضل منه بعد الموت وفي المرض وأشار صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله وأنت صحيح حريص تأمل الغني الخ لأنه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبا لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال كما قال تعالى الشيطان يعدكم الفقر الآية وأيضا فإن الشيطان ربما زين له الحيف في الوصية أو الرجوع عن الوصية فيتمحض تفضيل الصدقة الناجزة قال بعض السلف عن بعض أهل الترف يعصون الله في أموالهم مرتين يبخلون بها وهي في أيديهم يعني في الحياة ويسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم يعني بعد الموت وأخرج الترمذي بإسناد حسن وصححه بن حبان عن أبي الدرداء مرفوعا قال مثل الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل الذي يهدي إذا شبع وهو يرجع إلى معنى حديث الباب وروى أبو داود وصححه بن حبان من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا لأن يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة 1 ( قوله باب قول الله عز وجل من بعد وصية يوصى بها أو دين )
أراد المصنف والله أعلم بهذه الترجمة الاحتجاج بما اختاره من جواز إقرار المريض بالدين مطلقا سواء كان المقر له وارثا أو أجنبيا ووجه الدلالة أنه سبحانه وتعالى سوى بين الوصية والدين في تقديمهما على الميراث ولم يفصل فخرجت الوصية للوارث بالدليل الذي تقدم وبقي الإقرار بالدين على حاله وقوله تعالى من بعد وصية متعلق بما تقدم من المواريث كلها الا بما يليه وحده وكأنه قيل قسمة هذه الأشياء تقع من بعد وصية والوصية هنا المال الموصى به وقوله يوصى بها هذه الصفة تقيد الموصوف وفائدته أن يعلم أن للميت أن يوصي قاله السهيلي قال وأفاد تنكير الوصية أنها مندوبة إذ لو كانت واجبة لقال من بعد الوصية كذا قال قوله ويذكر أن شريحا وعمر بن عبد العزيز وطاوسا وعطاء وبن أذينة أجازوا إقرار المريض بدين كأنه لم يجزم بالنقل عنهم لضعف الإسناد إلى بعضهم فأما أثر شريح فوصله بن أبي شيبة عنه بلفظ إذا أقر في مرض الموت لوارث بدين لم يجز الا ببينة وإذا أقر لغير وارث جاز وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف وأخرجه من طريق آخر أضعف من هذه ولكن سيأتي له إسناد أصح من هذا بعد وأما عمر بن عبد العزيز فلم أقف على من وصله عنه وأما طاوس فوصله بن أبي شيبة أيضا عنه بلفظ إذا أقر لوارث جاز وفي الإسناد ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وأما قول عطاء فوصله بن أبي شيبة عنه بمثله ورجال إسناده ثقات وأما بن أذينة واسمه عبد الرحمن وكان قاضي البصرة وأبوه بالمهملة مصغر وهو تابعي ثقة مات سنة خمس وتسعين من الهجرة ووهم من ذكره في الصحابة وأثره هذا وصله بن أبي شيبة أيضا من طريق قتادة عنه في الرجل يقر لوارث بدين قال يجوز ورجال إسناده ثقات قوله وقال الحسن أحق ما تصدق به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة هذا أثر صحيح رويناه بعلو في مسند الدارمي من طريق قتادة قال قال بن سيرين عن شريح لا يجوز إقرار لوارث قال وقال الحسن أحق ما جاز عليه عند موته أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا قوله وقال إبراهيم والحكم إذا أبرأ الوارث من الدين بريء وصله بن أبي شيبة من طريق الثوري عن بن أبي ليلى عن الحكم عن إبراهيم في المريض إذا أبرأ الوارث برئ وعن مطرف عن الحكم مثله قوله وأوصى رافع بن خديج أن لا تكشف امرأته الفزارية عما أغلق عليه بابها في رواية المستملي والسرخسي عن مال أغلق عليه بابها ولم أقف على هذا الأثر موصولا بعد قوله وقال الحسن إذا قال لمملوكه عند الموت كنت أعتقتك جاز لم أقف على من وصله وهو على طريقة الحسن في تنفيذ إقرار المريض مطلقا قوله وقال الشعبي إذا قالت المرأة عند موتها إن زوجي قضاني وقبضت منه جاز قال بن التين وجهه أنها لا تتهم بالميل إلى زوجها في تلك الحال ولا سيما إذا كان لها ولد من غيره قوله وقال بعض الناس لا يجوز إقراره أي المريض لسوء الظن به للورثة وفي رواية المستملي بسوء الظن بالموحدة بدل اللام قوله ثم استحسن فقال يجوز إقراره بالوديعة والبضاعة والمضاربة قال بن التين أن أراد هذا القائل ما إذا أقر بالمضاربة مثلا للوارث لزمه التناقض وإلا فلا وفرق بعض الحنفية بأن ربح المال في المضاربة مشترك بين العامل والمالك فلم يكن كالدين المحض وقال بن المنذر أجمعوا على أن إقرار المريض لغير الوارث جائز لكن إن كان عليه دين في الصحة فقد قالت طائفة منهم النخعي وأهل الكوفة يبدأ بدين الصحة ويتحاص أصحاب الإقرار في المرض واختلفوا في إقرار المريض للوارث فأجازه مطلقا الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وهو المرجح عند الشافعية وبه قال مالك إلا أنه استثنى ما إذا أقر لبنته ومعها من يشاركها من غير الولد كابن العم مثلا قال لأنه يتهم في أن يزيد بنته وينقص بن عمه من غير عكس واستثنى ما إذا أقر لزوجته التي يعرف بمحبتها والميل إليها وكان بينه وبين ولده من غيرها تباعد ولا سيما أن كان له منها في تلك الحالة ولد وحاصل المنقول عن المالكية مدار الأمر على التهمة وعدمها فإن فقدت جاز وإلا فلا وهو اختيار الروياني من الشافعية وعن شريح والحسن بن صالح لا يجوز إقراره لوارث إلا لزوجته بصداقها وعن القاسم وسالم والثوري والشافعي في قول زعم بن المنذر أن الشافعي رجع عن الأول إليه وبه قال أحمد لا يجوز إقرار المريض لوارثه مطلقا لأنه منع الوصية له فلا يأمن أن يزيد الوصية له فيجعلها اقرارا واحتج من أجاز مطلقا بما تقدم عن الحسن أن التهمة في حق المحتضر بعيدة وبالفرق بين الوصية والدين لأنهم اتفقوا على أنه لو أوصى في صحته لوارثه بوصية وأقر له بدين ثم رجع أن رجوعه عن الإقرار لا يصح بخلاف الوصية فيصح رجوعه عنها واتفقوا على أن المريض إذا أقر بوارث صح إقراره مع أنه يتضمن الإقرار له بالمال وبأن مدار الأحكام على الظاهر فلا يترك إقراره للظن المحتمل فإن أمره فيه إلى الله تعالى قوله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث هو طرف من حديث وصله المصنف في الأدب من وجهين عن أبي هريرة وقصد بذكره هنا الرد على من أساء الظن بالمريض فمنع تصرفه ومعنى قوله أكذب الحديث أي أكذب في الحديث من غيره لأن الصدق والكذب يوصف بهما القول لا الظن قوله ولا يحل مال المسلمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم آية المنافق إذا ائتمن خان هو طرف من حديث تقدم شرحه في كتاب الإيمان ووجه تعلقه بالرد على من منع إجازة إقرار المريض من جهة أنه دال على ذم الخيانة فلو ترك ذكر ما عليه من الحق وكتمه لكان خائنا للمستحق فلزم من وجوب ترك الخيانة وجوب الإقرار لأنه إذا كتم صار خائنا ومن لم يعتبر إقراره كان حمله على الكتمان قوله وقال الله تعالى ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فلم يخص وارثا ولا غيره أي لم يفرق بين الوارث وغيره في الأمر بأداء الأمانة فيصح الإقرار سواء كان لوارث أو غيره قوله فيه عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني حديث آية المنافق الذي علقه مختصرا وقد تقدم موصولا بتمامه في كتاب الإيمان ولفظه أربع من كن فيه كان منافقا خالصا وفيه وإذا ائتمن خان وحديث أبي هريرة الذي أورده في هذا الباب بلفظ آية المنافق ثلاث تقدم هناك أيضا بإسناده ومتنه وتقدم شرحه أيضا والله المستعان
1 ( قوله باب تأويل قوله تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين )
أي بيان المراد بتقديم الوصية في الذكر على الدين مع أن الدين هو المقدم في الأداء وبهذا يظهر السر في تكرار هذه الترجمة قوله ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما من طريق الحارث وهو الأعور عن علي بن أبي طالب قال قضى محمد صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل الوصية وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدين لفظ أحمد وهو إسناد ضعيف لكن قال الترمذي أن العمل عليه عند أهل العلم وكأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه وإلا فلم تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به وقد أورد في الباب ما يعضده أيضا ولم يختلف العلماء في أن الدين يقدم على الوصية الا في صورة واحدة وهي ما لو أوصى لشخص بألف مثلا وصدقه الوارث وحكم به ثم ادعى آخر أن له في ذمة الميت دينا يستغرق موجوده وصدقه الوارث ففي وجه للشافعية تقدم الوصية على الدين في هذه الصورة الخاصة ثم قد نازع بعضهم في إطلاق كون الوصية مقدمة على الدين في الآية لأنه ليس فيها صيغة ترتيب بل المراد أن المواريث إنما تقع بعد قضاء الدين وانفاذ الوصية وأتى بأو للإباحة وهي كقولك جالس زيدا أو عمرا أي لك مجالسة كل منهما اجتمعا أو افترقا وإنما قدمت لمعنى اقتضى الاهتمام لتقديمها واختلف في تعيين ذلك المعنى وحاصل ما ذكره أهل العلم من مقتضيات التقديم ستة أمور أحدها الخفة والثقل كربيعة ومضر فمضر أشرف من ربيعة لكن لفظ ربيعة لما كان أخف قدم في الذكر وهذا يرجع إلى اللفظ ثانيها بحسب الزمان كعاد وثمود ثالثها بحسب الطبع كثلاث ورباع رابعها بحسب الرتبة كالصلاة والزكاة لأن الصلاة حق البدن والزكاة حق المال والبدن مقدم على المال خامسها تقديم السبب على المسبب كقوله تعالى عزيز حكيم قال بعض السلف عز فلما عز حكم سادسها بالشرف والفضل كقوله تعالى من النبيين والصديقين وإذا تقرر ذلك فقد ذكر السهيلي أن تقديم الوصية في الذكر على الدين لأن الوصية إنما تقع على سبيل البر والصلة بخلاف الدين فإنه إنما يقع غالبا بعد الميت بنوع تفريط فوقعت البداءة بالوصية لكونها أفضل وقال غيره قدمت الوصية لأنها شيء يؤخذ بغير عوض والدين يؤخذ بعوض فكان إخراج الوصية أشق على الوارث من إخراج الدين وكان أداؤها مظنة التفريط بخلاف الدين فإن الوارث مطمئن بإخراجه فقدمت الوصية لذلك وأيضا فهي حظ فقير ومسكين غالبا والدين حظ غريم يطلبه بقوة وله مقال كما صح أن لصاحب الدين مقالا وأيضا فالوصية ينشئها الموصي من قبل نفسه فقدمت تحريضا على العمل بها بخلاف الدين فإنه ثابت بنفسه مطلوب أداؤه سواء ذكر أو لم يذكر وأيضا فالوصية ممكنة من كل أحد ولا سيما عند من يقول بوجوبها فإنه يقول بلزومها لكل أحد فيشترك فيها جميع المخاطبين لأنها تقع بالمال وتقع بالعهد كما تقدم وقل من يخلو عن شيء من ذلك بخلاف الدين فإنه يمكن أن يوجد وأن لا يوجد وما يكثر وقوعه مقدم على ما يقل وقوعه وقال الزين بن المنير تقديم الوصية على الدين في اللفظ لا يقتضي تقديمها في المعنى لأنهما معا قد ذكرا في سياق البعدية لكن الميراث يلي الوصية في البعدية ولا يلي الدين بل هو بعد بعده فيلزم أن الدين يقدم في الأداء ثم الوصية ثم الميراث فيتحقق حينئذ أن الوصية تقع بعد الدين حال الأداء باعتبار القبلية فتقديم الدين على الوصية في اللفظ وباعتبار البعدية فتقدم الوصية على الدين في المعنى والله أعلم قوله وقال بن عباس لا يوصي العبد إلا بإذن أهله وصله بن أبي شيبة من طريق شبيب بن عرقدة عن جندب قال سأل طهمان بن عباس أيوصي العبد قال لا الا بإذن أهله قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم العبد راع في مال سيده هو طرف من حديث تقدم ذكره موصولا في باب كراهية التطاول على الرقيق من كتاب العتق من حديث نافع عن بن عمر وأراد البخاري بذلك توجيه كلام بن عباس المذكور قال بن المنير لما تعارض في مال العبد حقه وحق سيده قدم الأقوى وهو حق السيد وجعل العبد مسئولا عنه وهو أحد الحفظة فيه فكذلك حق الدين لما عارضه حق الوصية والدين واجب والوصية تطوع وجب تقديم الدين فهذا وجه مناسبة هذا الأثر والحديث للترجمة ثم أورد المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث حكيم بن حزام أن هذا المال خضر حلو الحديث وقد تقدم مشروحا في كتاب الزكاة قال بن المنير وجه دخوله في هذا الباب من جهة أنه صلى الله عليه وسلم زهده في قبول العطية وجعل يد الآخذ سفلى تنفيرا عن قبولها ولم يقع مثل ذلك في تقاضي الدين فالحاصل أن قابض الوصية يده سفلى وقابض الدين مستوف لحقه إما أن تكون يده عليا بما تفضل به من القرض وإما أن لا تكون يده سفلى فيتحقق بذلك تقديم الدين على الوصية ثانيهما حديث كلكم راع ومسئول عن رعيته من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه وقد تقدم من وجه آخر في العتق ويأتي الكلام عليه في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى وقد خالف الطحاوي في هذه المسألة أصحابه فذكر اختلاف العلماء نحو ما سبق ثم ذكر أن الصحيح ما ذهب إليه الجماعة وصرح بتزييف ما تقدم عن أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد في هذه المسألة تنبيه وقع في شرح مغلطاي أن البخاري قال هنا وقال إسماعيل بن جعفر أخبرني عبد العزيز عن إسحاق عن أنس في قصة بيرحاء ونقلت عن أبي العباس الطرقي أن البخاري وصله عن الحسن بن شوكر عن إسماعيل وقال شيخنا بن الملقن أن هذا وهم وإنما ذكره البخاري في باب من تصدق إلى وكيله كما سيأتي
1 ( قوله باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه )
ومن الأقارب وقع في بعض النسخ أوقف بزيادة ألف وهي لغة قليلة وحذف المصنف جواب قوله إذا إشارة إلى الخلاف في ذلك أي هل يصح أم لا وأورد المصنف المسألة الأخرى مورد الاستفهام لذلك أيضا وتضمنت الترجمة التسوية بين الوقف والوصية فيما يتعلق بالأقارب وقد استطرد المصنف من هنا إلى مسائل الوقف فترجم لما ظهر له منها ثم رجع أخيرا إلى تكملة كتاب الوصايا وقد قال الماوردي تجوز الوصية لكل من جاز الوقف عليه من صغير وكبير وعاقل ومجنون وموجود ومعدوم إذا لم يكن وارثا ولا قاتلا والوقف منع بيع الرقبة والتصدق بالمنفعة على وجه مخصوص وقد اختلف العلماء في الأقارب فقال أبو حنيفة القرابة كل ذي رحم محرم من قبل الأب أو الأم ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الأم وقال أبو يوسف ومحمد من جمعهم أب منذ الهجرة من قبل أب أو أم من غير تفصيل زاد زفر ويقدم من قرب منهم وهي رواية عن أبي حنيفة أيضا وأقل من يدفع إليه ثلاثة وعند محمد اثنان وعند أبي يوسف واحد ولا يصرف للأغنياء عندهم إلا أن يشرط ذلك وقالت الشافعية القريب من اجتمع في النسب سواء قرب أم بعد مسلما كان أو كافرا غنيا كان أو فقيرا ذكرا كان أو أنثى وارثا أو غير وارث محرما أو غير محرم واختلفوا في الأصول والفروع على وجهين وقالوا إن وجد جمع محصورون أكثر من ثلاثة استوعبوا وقيل يقتصر على ثلاثة وأن كانوا غير محصورين فنقل الطحاوي الاتفاق على البطلان وفيه نظر لأن عند الشافعية وجها بالجواز ويصرف منهم لثلاثة ولا تجب التسوية وقال أحمد في القرابة كالشافعي إلا أنه أخرج الكافر وفي رواية عنه القرابة كل من جمعه والموصي الأب الرابع إلى ما هو أسفل منه وقال مالك يختص بالعصبة سواء كان يرثه أو لا ويبدأ بفقرائهم حتى يغنوا ثم يعطي الأغنياء وحديث الباب يدل لما قاله الشافعي سوى اشتراط ثلاثة فظاهره الاكتفاء باثنين وسأذكر بيان ذلك إن شاء الله تعالى قوله وقال ثابت عن أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة اجعله لفقراء أقاربك فجعلها لحسان وأبي بن كعب هو طرف من حديث أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت وسأذكر ما فيه من زيادة بعد أبواب قوله وقال الأنصاري هو محمد بن عبد الله بن المثنى وثمامة هو بن عبد الله بن أنس بن مالك والإسناد كله أنسيون بصريون وقد سمع البخاري من الأنصاري هذا كثيرا قوله بمثل حديث ثابت قال اجعلها لفقراء قرابتك قال أنس فجعلها لحسان وأبي بن كعب كذا اختصره هنا وقد وصله في تفسير آل عمران مختصرا أيضا عقب رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس في هذه القصة قال حدثنا الأنصاري فذكر هذا الإسناد قال فجعلها لحسان وأبي وكانا أقرب إليه ولم يجعل لي منها شيئا وسقط هذا القدر من رواية أبي ذر وقد أخرجه بن خزيمة والطحاوي جميعا عن بن مرزوق وأبو نعيم في المستخرج من طريقه والبيهقي من طريق أبي حاتم الرازي كلاهما عن الأنصاري بتمامه ولفظه لما نزلت لن تنالوا البر الآية أو من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا جاء أبو طلحة فقال يا رسول الله حائطي لله فلو استطعت أن أسره لم أعلنه فقال اجعله في قرابتك وفقراء أهلك قال أنس فجعلها لحسان ولأبي ولم يجعل لي منها شيئا لأنهما كانا أقرب إليه مني لفظ أبي نعيم وفي رواية الطحاوي كانت لأبي طلحة أرض فجعلها لله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له اجعلها في فقراء قرابتك فجعلها لحسان وأبي وكانا أقرب إليه مني وفي رواية أبي حاتم الرازي فقال حائطي بكذا وكذا وقال فيه فقال اجعلها في فقراء أهل بيتك قال فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب وأخرجه الدارقطني من طريق صاعقة عن الأنصاري فذكر فيه للأنصاري شيخا آخر فقال حدثنا حميد عن أنس قال لما نزلت لن تنالوا البر الآية أو من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو طلحة يا رسول الله حائطي في مكان كذا وكذا صدقة لله تعالى والباقي مثل رواية أبي حاتم إلا أنه قال اجعلها في فقراء أهل بيتك وأقاربك ثم ساقه بالإسناد الأول قال مثله وزاد فيه فجعلها لأبي بن كعب وحسان بن ثابت وكانا أقرب إليه مني وإنما أوردت هذه الطرق لأني رأيت بعض الشراح ظن أن الذي وقع في البخاري من شرح قرابة أبي طلحة من حسان وأبي بقية من الحديث المذكور وليس كذلك بل انتهى الحديث إلى قوله وكانا أقرب إليه مني ومن قوله وكان قرابة حسان وأبي من أبي طلحة الخ من كلام البخاري أو من شيخه فقال واسمه أي اسم أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام وهو بالمهملتين بن عمرو بن زيد مناة وهو بالإضافة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يعني بن عمرو المذكور فيجتمعان إلى حرام وهو الأب الثالث ووقع هنا في رواية أبي ذر وحرام بن عمرو وساق النسب ثانيا إلى النجار وهو زيادة لا معنى لها ثم قال وهو يجامع حسان وأبا طلحة وأبيا إلى ستة آباء إلى عمرو بن مالك هكذا أطلق في معظم الروايات فقال الدمياطي ومن تبعه هو ملبس مشكل وشرع الدمياطي في بيانه ويغني عن ذلك ما وقع في رواية المستملي حيث قال عقب ذلك وأبي بن كعب هو بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار فعمرو بن مالك يجمع حسان وأبا طلحة وأبيا اه وقال أبو داود في السنن بلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال أبو طلحة هو زيد بن سهل فساق نسبه ونسب حسان بن ثابت وأبي بن كعب كما تقدم ثم قال الأنصاري فبين أبي طلحة وأبي بن كعب ستة آباء قال وعمرو بن مالك يجمع حسانا وأبيا وأبا طلحة فظهر من هذا أن الذي وقع في البخاري من كلام شيخه الأنصاري والله أعلم وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في كتاب المدينة من مرسل أبي بكر بن حزم زيادة على ما في حديث أنس ولفظه أن أبا طلحة تصدق بماله وكان موضعه قصر بني حديلة فدفعه إلى رسول الله فرده على أقاربه أبي بن كعب وحسان بن ثابت وثبيط بن جابر وشداد بن أوس أو ابنه أوس بن ثابت فتقاوموه فصار لحسان فباعه من معاوية بمائة ألف فابتنى قصر بني حديلة في موضعها اه وجد ثبيط بن جابر مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن مالك بن النجار يجتمع مع أبي بن كعب في مالك بن النجار فهو أبعد من أبي بن كعب بواحد وبن زبالة ضعيف فلا يحتج بما ينفرد به فكيف إذا خالف وملخص ذلك أن أحد الرجلين اللذين خصهما أبو طلحة بذلك أقرب إليه من الآخر فحسان يجتمع معه في الأب الثالث وأبي يجتمع معه في الأب السادس فلو كانت الأقربية معتبرة لخص بذلك حسان بن ثابت دون غيره فدل على أنها غير معتبرة وإنما قال أنس لأنهما كانا أقرب إليه مني لأن الذي يجمع أبا طلحة وأنسا النجار لأنه من بني عدي بن النجار وأبو طلحة وأبي بن كعب كما تقدم من بني مالك بن النجار فلهذا كان أبي بن كعب أقرب إلى أبي طلحة من أنس ويحتمل أن يكون أبو طلحة راعي فيمن أعطاه من قرابته الفقر لكن استثنى من كان مكفيا ممن تجب عليه نفقته فلذلك لم يدخل أنسا فظن أنس أن ذلك لبعد قرابته منه والله أعلم واستدل لأحمد بأن المراد بذي القربى في قوله تعالى وللرسول ولذي القربى بنو هاشم وبنو المطلب لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بسهم ذي القربى وإنما يجتمع مع بني عبد المطلب في الأب الرابع وتعقبه الطحاوي بأنه لو كان المراد ذلك لشرك معهم بني نوفل وبني عبد شمس لأنهما ولدا عبد مناف كالمطلب وهاشم فلما خص بني هاشم وبني المطلب دون بني نوفل وعبد شمس دل على أن المراد بسهم ذوي القربى دفعه لناس مخصوصين بينه النبي صلى الله عليه وسلم بتخصيصه بني هاشم وبني المطلب فلا يقاس عليه من وقف أو أوصى لقرابته بل يحمل اللفظ على مطلقه وعمومه حتى يثبت ما يقيده أو يخصصه والله أعلم قوله وقال بعضهم هو قول أبي يوسف ومن وافقه كما تقدم ثم ذكر المصنف قصة أبي طلحة من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس أوردها مختصرة وستأتي بتمامها في باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود
2601 قوله وقال بن عباس لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون من قريش هكذا أورده مختصرا وقد وصله في مناقب قريش وتفسير سورة الشعراء بتمامه من طريق عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس وأورد في آخر الجنائز طرفا منه في قصة أبي لهب موصولة وسيأتي شرحه وشرح الذي بعده في تفسير سورة الشعراء إن شاء الله تعالى قوله وقال أبو هريرة لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين قال النبي صلى الله عليه وسلم يا معشر قريش هو طرف من حديث وصله في الباب الذي بعده 1 ( قوله باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب ) هكذا أورد الترجمة بالاستفهام لما في المسألة من الاختلاف كما تقدم ثم أورد في الباب حديث أبي هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عز وجل وأنذر عشيرتك الأقربين قال يا معشر قريش أو كلمة نحوها الحديث بطوله وموضع الشاهد منه قوله فيه ويا صفية ويا فاطمة فإنه سوى صلى الله عليه وسلم في ذلك بين عشيرته فعمهم أولا ثم خص بعض البطون ثم ذكر عمه العباس وعمته صفية وابنته فدل على دخول النساء في الأقارب وعلى دخول الفروع أيضا وعلى عدم التخصيص بمن يرث ولا بمن كان مسلما ويحتمل أن يكون لفظ الأقربين صفة لازمة للعشيرة والمراد بعشيرته قومه وهم قريش وقد روى بن مردويه من حديث عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قريشا فقال وأنذر عشيرتك الأقربين يعني قومه وعلى هذا فيكون قد أمر بانذار قومه فلا يختص ذلك بالأقرب منهم دون الأبعد فلا حجة فيه في مسألة الوقف لأن صورتها ما إذا وقف على قرابته أو على أقرب الناس إليه مثلا والآية تتعلق بانذار العشيرة فافترقا والله أعلم وقال بن المنير لعله كان هناك قرينة فهم بها النبي صلى الله عليه وسلم تعميم الإنذار فلذلك عمهم انتهى ويحتمل أن يكون أولا خص أتباعا بظاهر القرابة ثم عم لما عنده من الدليل على التعميم لكونه أرسل إلى الناس كافة تنبيه يجوز في يا عباس وفي يا صفية وفي يا فاطمة الضم والنصب 2602 قوله تابعه أصبغ عن بن وهب عن يونس عن بن شهاب وصله الذهلي في الزهريات عن أصبغ وهو عند مسلم عن حرملة عن بن وهب 1 ( قوله باب هل ينتفع الواقف بوقفه )
أي بأن يقف على نفسه ثم على غيره أو بأن يشرط لنفسه من المنفعة جزءا معينا أو يجعل للناظر على وقفه شيئا ويكون هو الناظر وفي هذا كله خلاف فأما الوقف على النفس فسيأتي البحث فيه في باب الوقف كيف يكتب وأما شرط شيء من المنفعة فسيأتي في باب قوله تعالى وابتلوا اليتامى وأما ما يتعلق بالنظر فأذكره هنا ووقع قبل الباب في المستخرج لأبي نعيم كتاب الأوقاف باب هل ينتفع الواقف بوقفه ولم أر ذلك لغيره قوله وقد اشترط عمر الخ هو طرف من قصة وقف عمر وقد تقدمت موصولة في آخر الشروط وقوله وقد يلي الواقف وغيره الخ هو من تفقه المصنف وهو يقتضي أن ولاية النظر للواقف لا نزاع فيها وليس كذلك وكأنه فرعه على المختار عنده وإلا فعند المالكية أنه لا يجوز وقيل أن دفعه الواقف لغيره ليجمع غلته ولا يتولى تفرقتها إلا الواقف جاز قال بن بطال وإنما منع مالك من ذلك سدا للذريعة لئلا يصير كأنه وقف على نفسه أو يطول العهد فينتسى الوقف أو يفلس الواقف فيتصرف فيه لنفسه أو يموت فيتصرف فيه ورثته وهذا لا يمنع الجواز إذا حصل الأمن من ذلك لكن لا يلزم من أن النظر يجوز للواقف أن ينتفع به نعم إن شرط ذلك جاز على الراجح والذي احتج به المصنف من قصة عمر ظاهر في الجواز ثم قواه بقوله وكذلك كل من جعل بدنة أو شيئا لله فله أن ينتفع به كما ينتفع غيره وأن لم يشترطه ثم أورد حديثي أنس وأبي هريرة في قصة الذي ساق البدنة وأمره صلى الله عليه وسلم بركوبها وقد قدمت الكلام عليه في الحج مستوفى وبينت هناك من أجاز ذلك مطلقا ومن منع ومن قيد بالضرورة والحاجة وقد تمسك به من أجاز الوقف على النفس من جهة أنه إذا جاز له الانتفاع بما أهداه بعد خروجه عن ملكه بغير شرط فجوازه بالشرط أولى وقد اعترضه بن المنير بأن الحديث لا يطابق الترجمة إلا عند من يقول أن المتكلم داخل في عموم خطابه وهي من مسائل الخلاف في الأصول قال والراجح عند المالكية تحكيم العرف حتى يخرج غير المخاطب من العموم بالقرينة وقال بن بطال لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته ثم قال وإنما يجوز له ذلك إن شرطه في الوقف أو افتقر هو أو ورثته انتهى والذي عند الجمهور جواز ذلك إذا وقفه على الجهة العامة دون الخاصة كما سيأتي في أواخر كتاب الوصايا في ترجمة مفردة ومن فروع المسألة لو وقف على الفقراء مثلا ثم صار فقيرا أو أحد من ذريته هل يتناول ذلك والمختار أنه يجوز بشرط أن لا يختص به لئلا يدعي أنه ملكه بعد ذلك 1 ( قوله باب إذا وقف شيئا قبل أن يدفعه إلى غيره فهو جائز )
أي صحيح وهو قول الجمهور وعن مالك لا يتم الوقف الا بالقبض وبه قال محمد بن الحسن والشافعي في قول واحتج الطحاوي الصحة بأن الوقف شبيه بالعتق لاشتراكهما في أنهما تمليك لله تعالى فينفذ بالقول المجرد عن القبض ويفارق الهبة في أنها تمليك لآدمي فلا تتم إلا بقبضه واستدل البخاري في ذلك بقصة عمر فقال لأن عمر أوقف وقال لا جناح على من وليه أن يأكل ولم يخص إن وليه عمر أو غيره وفي وجه الدلالة منه غموض وقد تعقب بأن غاية ما ذكر عن عمر هو أن كل من ولي الوقف أبيح له التناول وقد تقدم ذلك في الترجمة التي قبلها ولا يلزم من ذلك أن كل أحد يسوغ له أن يتولى الوقف المذكور بل الوقف لا بد له من متول فيحتمل أن يكون صاحبه ويحتمل أن يكون غيره فليس في قصة عمر ما يعين أحد الاحتمالين والذي يظهر أن مراده أن عمر لما وقف ثم شرط لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجه عن يده فكان تقريره لذلك دالا على صحة الوقف وأن لم يقبضه الموقوف عليه وأما ما زعمه بن التين من أن عمر دفع الوقف لحفصة فمردود كما سأوضحه في باب الوقف كيف يكتب إن شاء الله تعالى تنبيه قوله أوقف كذا ثبت للأكثر وهي لغة نادرة والفصيح المشهور وقف بغير ألف ووهم من زعم أن أوقف لحن قال بن التين قد ضرب على الألف في بعض النسخ واسقاطها صواب قال ولا يقال أوقف الا لمن فعل شيئا ثم نزع عنه قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة أرى أن تجعلها في الأقربين الحديث تقدم موصولا قريبا وهذا لفظ إسحاق بن أبي طلحة قال الداودي ما استدل به البخاري على صحة الوقف قبل القبض من قصة عمر وأبي طلحة للشيء على ضده وتمثيله بغير جنسه ودفع للظاهر عن وجهه لأنه هو روى أن عمر دفع الوقف لابنته وأن أبا طلحة دفع صدقته إلى أبي بن كعب وحسان وأجاب بن التين بأن البخاري إنما أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج عن أبي طلحة ملكه بمجرد قوله هي لله صدقة ولهذا يقول مالك أن الصدقة تلزم بالقول وأن كان يقول إنها لا تتم إلا بالقبض نعم استدلاله بقصة عمر معترض وانتقاد الداودي صحيح انتهى وقد قدمت توجيهه وأما بن بطال فنازع في الاستدلال بقصة أبي طلحة بأنه يحتمل أن تكون خرجت من يده ويحتمل أنها استمرت فلا دلالة فيها وأجاب بن المنير بأن أبا طلحة أطلق صدقة أرضه وفوض إلى النبي صلى الله عليه وسلم مصرفها فلما قال له أرى أن تجعلها في الأقربين ففوض له قسمتها بينهم صار كأنه أقرها في يده بعد أن مضت الصدقة قلت وسيأتي التصريح بأن أبا طلحة هو الذي تولى قسمتها وبذلك يتم الجواب وقد باشر أبو طلحة تعيين مصرفها تفصيلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأن كان عين له جهة المصرف لكنه أجمل فاقتصر على الأقربين فلما لم يمكن أبا طلحة أن يعم بها الأقربين لانتشارهم اقتصر على بعضهم فخص بها من أختار منهم 1 ( قوله باب إذا قال داري صدقة لله ولم يبين للفقراء أو غيرهم فهو جائز ويعطيها للأقربين أو حيث أراد )
أي تتم الصدقة قبل تعيين جهة مصرفها ثم يعين بعد ذلك فيما شاء قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة الخ هو من سياق إسحاق بن أبي طلحة أيضا وقوله فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم ذلك هو من تفقه المصنف وقوله وقال بعضهم لا يجوز حتى يبين لمن أي حتى يعين وسيأتي بيانه في الباب الذي يليه قوله باب إذا قال أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمي فهو جائز وأن لم يبين لمن ذلك فهذه الترجمة أخص من التي قبلها لأن الأولى فيما إذا لم يعين المتصدق عنه ولا المتصدق عليه وهذه فيما إذا عين المتصدق عنه فقط قال بن بطال ذهب مالك إلى صحة الوقف وأن لم يعين مصرفه ووافقه أبو يوسف ومحمد والشافعي في قول قال بن القصار وجهه أنه إذا قال وقف أو صدقة فإنما أراد به البر والقربة وأولى الناس ببره أقاربه ولا سيما إذا كانوا فقراء وهو كمن أوصى بثلث ماله ولم يعين مصرفه فإنه يصح ويصرف في الفقراء والقول الأخر للشافعي أن الوقف لا يصح حتى يعين جهة مصرفه وإلا فهو باق على ملكه وقال بعض الشافعية إن قال وقفته وأطلق فهو محل الخلاف وأن قال وقفته لله خرج عن ملكه جزما ودليله قصة أبي طلحة 2605 قوله حدثنا محمد كذا للأكثر غير منسوب وفي رواية أبي ذر وبن شبويه حدثنا محمد بن سلام قوله أخبرني يعلى هو بن مسلم سماه عبد الرزاق في روايته عن بن جريج عنه وهو مكي أصله من البصرة ووهم الطرقي في زعمه أنه بن حكيم وليس ليعلى بن مسلم عن عكرمة في البخاري سوى هذا الموضع ورجال الإسناد ما بين مكي وبصري قوله إن سعد بن عبادة هو الأنصاري الخزرجي سيد الخزرج وسيأتي بعد أبواب من هذا الوجه أن سعد بن عبادة أخي بني ساعدة وبنو ساعدة بطن من الخزرج شهير قوله توفيت أمه وهو غائب عنها هي عمرة بنت مسعود وقيل سعد بن قيس بن عمرو أنصارية خزرجية ذكر بن سعد أنها أسلمت وبايعت وماتت سنة خمس والنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة دومة الجندل وابنها سعد بن عبادة معه قالا فلما رجعوا جاء النبي صلى الله عليه وسلم فصلى على قبرها وعلى هذا فهذا الحديث مرسل صحابي لأن بن عباس كان حينئذ مع أبويه بمكة والذي يظهر أنه سمعه من سعد بن عبادة كما سأبينه بعد ثلاثة أبواب قوله المخراف بكسر أوله وسكون المعجمة وآخره فاء أي المكان المثمر سمي بذلك لما يخرف منه أي يجنى من الثمرة تقول شجرة مخراف ومثمار قاله الخطابي ووقع في رواية عبد الرزاق المخرف بغير ألف وهو اسم الحائط المذكور والحائط البستان 1 ( قوله باب إذا تصدق أو وقف بعض ماله أو بعض رقيقه أو دوابه فهو جائز ) هذه الترجمة معقودة لجواز وقف المنقول والمخالف فيه أبو حنيفة ويؤخذ منها جواز وقف المشاع والمخالف فيه محمد بن الحسن لكن خص المنع بما يمكن قسمته واحتج له الجوري بضم الجيم وهو من الشافعية بأن القسمة بيع وبيع الوقف لا يجوز وتعقب بأن القسمة افراز فلا محذور ووجه كونه يؤخذ منه وقف المشاع ووقف المنقول هو من قوله أو بعض رقيقه أو دوابه فإنه يدخل فيه ما إذا وقف جزءا من العبد أو الدابة أو وقف أحد عبديه أو فرسيه مثلا فيصح كل ذلك عند من يجيز وقف المنقول ويرجع إليه في التعيين
2606 قوله قلت يا رسول الله أن من توبتي الخ هذا طرف من حديث كعب بن مالك في قصة تخلفه عن غزوة تبوك وسيأتي الحديث بطوله في كتاب المغازي مع استيفاء شرحه وشاهد الترجمة منه قوله أمسك عليك بعض مالك فإنه ظاهر في أمره بإخراج بعض ماله وامساك بعض ماله من غير تفصيل بين أن يكون مقسوما أو مشاعا فيحتاج من منع وقف المشاع إلى دليل المنع والله أعلم واستدل به على كراهة التصدق بجميع المال وقدتقدم البحث فيه في كتاب الزكاة ويأتي شيء منه في كتاب الأيمان والنذور إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب من تصدق إلى وكيله ثم رد الوكيل إليه ) هذه الترجمة وحديثها سقط من أكثر الأصول ولم يشرحه بن بطال وثبت في رواية أبي ذر عن الكشميهني خاصة لكن في روايته على وكيله وثبتت الترجمة وبعض الحديث في رواية الحموي وقد نوزع البخاري في انتزاع هذه الترجمة من قصة أبي طلحة وأجيب بأن مراده أن أبا طلحة لما أطلق أنه تصدق وفوض إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعيين المصرف وقال له النبي صلى الله عليه وسلم دعها في الأقربين كان شبيها بما ترجم به ومقتضى ذلك الصحة 2607 قوله وقال إسماعيل أخبرني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة يعني الماجشون كذا ثبت في أصل أبي ذر ووقع في الأطراف لأبي مسعود وخلف جميعا أن إسماعيل المذكور هو بن جعفر وبه جزم أبو نعيم في المستخرج وقال رأيته في نسخة أبي عمرو يعني الجيزي قال إسماعيل بن جعفر ولم يوصله أبو نعيم ولا الإسماعيلي وزاد الطرقي في الأطراف أن البخاري أخرجه عن الحسن بن شوكر عن إسماعيل بن جعفر وانفرد بذلك فإن الحسن بن شوكر لم يذكره أحد في شيوخ البخاري وهو ثقة وأبوه بالمعجمة وزن جعفر وجزم المزي بأن إسماعيل هو بن أبي أويس ولم يذكر لذلك دليلا إلا أنه وقع في أصل الدمياطي بخطه في البخاري حدثنا إسماعيل فإن كان محفوظا تعين أنه بن أبي أويس وإلا فالقول ما قال خلف ومن تبعه وعبد العزيز بن أبي سلمة وإن كان من أقران إسماعيل بن جعفر فلا يمتنع أن يروي إسماعيل عنه والله أعلم وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من هذا في باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه قوله عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة لا أعلمه إلا عن أنس كذا وقع عند البخاري وذكره بن عبد البر في التمهيد فقال روى هذا الحديث عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك فذكره بطوله جازما والذي يظهر أن الذي قال لا أعلمه إلا عن أنس هو البخاري قوله لما نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون جاء أبو طلحة زاد بن عبد البر ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر قال وكانت دار أبي جعفر والدار التي تليها إلى قصر بني حديلة حوائط لأبي طلحة قال وكان قصر بني حديلة حائطا لأبي طلحة يقال لها بيرحاء فذكر الحديث ومراده بدار أبي جعفر التي صارت إليه بعد ذلك وعرفت به وهو أبو جعفر المنصور الخليفة المشهور العباسي وأما قصر بني حديلة وهو بالمهملة مصغر ووهم من قاله بالجيم فنسب إليهم القصر بسبب المجاورة وإلا فالذي بناه هو معاوية بن أبي سفيان وبنو حديلة بالمهملة مصغر بطن من الأنصار وهم بنو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار وكانوا بتلك البقعة فعرفت بهم فلما اشترى معاوية حصة حسان بني فيها هذا القصر فعرف بقصر بني حديلة ذكر ذلك عمرو بن شبة وغيره في أخبار المدينة قالوا وبنى معاوية القصر المذكور ليكون له حصنا لما كانوا يتحدثون به بينهم مما يقع لبني أمية أي من قيام أهل المدينة عليهم قال أبو غسان المدني وكان لذلك القصر بابان أحدهما شارع على خط بني حديلة والآخر في الزاوية الشرقية وكان الذي ولي بناءه لمعاوية الطفيل بن أبي بن كعب انتهى وأغرب الكرماني فزعم أن معاوية الذي بني القصر المذكور هو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار أحد أجداد أبي طلحة وغيره وما ذكرته عمن صنف في أخبار المدينة يرد عليه وهم أعلم بذلك من غيرهم قوله وباع حسان حصته منه من معاوية هذا يدل على أن أبا طلحة ملكهم الحديقة المذكورة ولم يقفها عليهم إذ لو وقفها ما ساغ لحسان أن يبيعها فيعكر على من استدل بشيء من قصة أبي طلحة في مسائل الوقف إلا فيما لا تخالف فيه الصدقة الوقف ويحتمل أن يقال شرط أبو طلحة عليهم لما وقفها عليهم أن من أحتاج إلى بيع حصته منهم جاز له بيعها وقد قال بجواز هذا الشرط بعض العلماء كعلي وغيره والله أعلم ووقع في أخبار المدينة لمحمد بن الحسن المخزومي من طريق أبي بكر بن حزم أن ثمن حصة حسان مائة ألف درهم قبضها من معاوية بن أبي سفيان
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu hadis, dan bagaimana keasliannya dinilai?
- Apa saja koleksi hadis yang paling sahih?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Siapakah para sahabat (Sahabah) Nabi Muhammad (saw)?