Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn
فإن قلت فكيف يتصور أن لا يحزن إذا أخذ متاعه الذي هو محتاج إليه ولا يتأسف عليه فإن كان لا يشتهيه فلم أمسكه وأغلق الباب عليه وإن كان أمسكه لأنه يشتهيه لحاجته إليه فكيف لا يتأذى قلبه ولا يحزن وقد حيل بينه وبين ما يشتهيه فأقول إنما كان يحفظه ليستعين به على دينه إذ كان يظن أن الخيرة له في أن يكون له ذلك المتاع ولولا أن الخيرة له فيه لما رزقه الله تعالى ولما أعطاه إياه فاستدل على ذلك بتيسير الله عز وجل وحسن الظن بالله تعالى مع ظنه أن ذلك معين له على أسباب دينه ولم يكن ذلك عنده مقطوعا به إذ يحتمل أن تكون خيرته في أن يبتلى بفقده ذلك حتى ينصب في تحصيل غرضه ويكون ثوابه في النصب والتعب أكثر فلما أخذه الله تعالى منه بتسليط اللص تغير ظنه لأنه في جميع الأحوال واثق بالله حسن الظن به فيقول لولا أن الله عز وجل علم أن الخيرة كانت لي في وجودها إلى الآن والخيرة لي الآن في عدمها لما أخذها مني فبمثل هذا الظن يتصور أن يندفع عنه الحزن إذ به يخرج عن أن يكون فرحه بأسباب من حيث إنها أسباب بل من حيث إنه يسرها مسبب الأسباب عناية وتلطفا وهو كالمريض بين يدي الطبيب الشفيق يرضى بما يفعله فإن قدم إليه الغذاء فرح وقال لولا أنه يعرف أن الغذاء ينفعني وقد قويت على احتماله لما قربه إلي وإن أخر عنه الغذاء بعد ذلك أيضا فرح وقال لولا أن الغذاء يضرني ويسوقني إلى الموت لما حال بيني وبينه وكل من لا يعتقد لطف الله تعالى ما يعتقده المريض في الوالد المشفق الحاذق لعلم الطب فلا يصح منه التوكل أصلا ومن عرف الله تعالى وعرف أفعاله وعرف سنته في إصلاح عباده لم يكن فرحه بالأسباب فإنه لا يدري أي الأسباب خير له كما قال عمر رضي الله عنه لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا فإني لا أدري أيهما خير لي فكذلك ينبغي أن لا يبالي المتوكل يسرق متاعه أو لا يسرق فإنه لا يدري أيهما خير له في الدنيا أو في الآخرة فكم من متاع في الدنيا يكون سبب هلاك الإنسان وكم من غني يبتلى بواقعة لأجل غناه يقول ياليتنى كنت فقيرا بيان آداب المتوكلين إذا سرق متاعهم للمتوكل آداب في متاع بيته إذا خرج عنه {الأول} أن يغلق الباب ولا يستقصي في أسباب الحفظ كالتماسك من الجيران الحفظ مع الغلق وكجمعه أغلاقا كثيرة فقد كان مالك بن دينار لا يغلق بابه ولكن يشده بشريط ويقول لولا الكلاب ما شددته أيضا الثاني أن لا يترك في البيت متاعا يحرض عليه السراق فيكون هو سبب معصيتهم أو إمساكه يكون سبب هيجان رغبتهم ولذلك لما أهدى المغيرة إلى مالك بن دينار ركوة قال خذها لا حاجة لي إليها قال لم قال يوسوس إلي العدو أن اللص يأخذها فكأنه احترز من أن يعصي السارق ومن شغل قلبه بوسواس الشيطان بسرقتها ولذلك قال أبو سليمان هذا من ضعف قلوب الصوفية هذا قد زهد في الدنيا فما عليه من أخذها الثالث أن ما يضطر إلى تركه في البيت ينبغي أن ينوي عند خروجه الرضا بما يقضي الله فيه من تسليط سارق عليه ويقول ما يأخذه السارق فهو منه في حل أو في سبيل الله تعالى وإن كان فقيرا فهو عليه صدقة وإن لم يشترط الفقر فهو أولى فيكون له نيتان لو أخذه غني أو فقير {إحداهما} أن يكون
ماله مانعا من المعصية فإنه ربما يستغني به فيتوانى عن السرقة بعده وقد زال عصيانه بأكل الحرام لما أن جعله في حل والثانية أن لا يظلم مسلما آخر فيكون ماله فداء لمال مسلم آخر ومهما ينوي حراسة مال غيره بمال نفسه أو ينوي دفع المعصية عن السارق أو تخفيفها عليه فقد نصح للمسلمين وامتثل قوله صلى الله عليه وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما ونصر الظالم أن تمنعه من الظلم وعفوه عنه إعدام للظلم ومنع له وليتحقق أن هذه النية لا تضره بوجه من الوجوه إذ ليس فيها ما يسلط السارق ويغير القصاء الأزلي ولكن يتحقق بالزهد نيته فإن أخذ ماله كان له بكل درهم سبعمائة درهم لأنه نواه وقصده وإن لم يؤخذ حصل له الأجر أيضا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ترك العزل فأقر النطفة قرارها أن له أجر غلام ولد له من ذلك الجماع وعاش فقتل في سبيل الله تعالى وإن لم يولد له لأنه ليس أمر الولد إلا الوقاع فأما الخلق والحياة والرزق والبقاء فليس إليه فلو خلق لكان ثوابه على فعله وفعله لم ينعدم فكذلك أمر السرقة الرابع أنه إذا وجد المال مسروقا فينبغي أن لا يحزن بل يفرح إن أمكنه ويقول لولا أن الخيرة كانت فيه لما سلبه الله تعالى ثم إن لم يكن قد جعله في سبيل الله عز وجل فلا يبالغ في طلبه وفي إساءة الظن بالمسلمين وإن كان قد جعله في سبيل الله فيترك طلبه فإنه قد قدمه ذخيرة لنفسه إلى الآخرة فإن أعيد عليه فالأولى أن لا يقبله بعد أن كان قد جعله في سبيل الله عز وجل وإن قبله فهو في ملكه في ظاهر العلم لأن الملك لا يزول بمجرد تلك النية ولكنه غير محبوب عند المتوكلين وقد روي أن ابن عمر سرقت ناقته فطلبها حتى أعيا ثم قال في سبيل الله تعالى فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين فجاءه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن إن ناقتك في مكان كذا فلبس نعله وقام ثم قال أستغفر الله وجلس فقيل له ألا تذهب فتأخذها فقال إني كنت قلت في سبيل الله وقال بعض الشيوخ رأيت بعض إخواني في النوم بعد موته فقلت ما فعل الله بك قال غفر لي وأدخلني الجنة وعرض علي منازلي فيها فرأيتها قال وهو مع ذلك كئيب حزين فقلت قد غفر لك ودخلت الجنة وأنت حزين فتنفس الصعداء ثم قال نعم إني لا أزال حزينا إلى يوم القيامة قلت ولم قال إني لما رأيت منازلي في الجنة رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت ففرحت بها فلما هممت بدخولها نادى منادي من فوقها اصرفوه عنها فليست هذه له إنما هي لمن أمضى السبيل فقلت وما إمضاء السبيل فقيل لي كنت تقول للشيء إنه في سبيل الله ثم ترجع فيه فلو كنت أمضيت السبيل لأمضينا لك وحكي عن بعض العباد بمكة أنه كان نائما إلى جنب رجل معه هميانه فانتبه الرجل ففقد هميانه فاتهمه به فقال له كم كان في هميانك فذكر له فحمله من البيت ووزنه من عنده ثم بعد ذلك أعلمه أصحابه أنهم كانوا أخذوا الهميان مزحا معه فجاء هو وأصحابه معه وردوا الذهب فأبى وقال خذه حلالا طيبا فما كنت لأعود في مال أخرجته في سبيل الله عز وجل فلم يقبل فألحوا عليه فدعا ابنه وجعل يصره صررا ويبعث به إلى الفقراء حتى لم يبق منه شيء فهكذا كانت أخلاق السلف وكذلك من أخذ رغيفا ليعطيه فقيرا فغاب عنه كان يكره رده إلى البيت بعد إخراجه فيعطيه فقيرا آخر وكذلك يفعل في الدراهم والدنانير وسائر الصدقات الخامس وهو أقل الدرجات
أن لا يدعو على السارق الذي ظلمه بالأخذ فإن فعل بطل توكله ودل ذلك على كراهته وتأسفه على ما فات وبطل زهده ولو بالغ بطل أجره أيضا فيما أصيب به ففي الخبر من دعا على ظالمه فقد انتصر وحكي أن الربيع بن خثيم سرق فرس له وكان قيمته عشرين ألفا وكان قائما يصلي فلم يقطع صلاته ولم ينزعج لطلبه فجاءه قوم يعزونه فقال أما إني قد كنت رأيته وهو يحله قيل وما منعك أن تزجره قال كنت فيما هو أحب إلي من ذلك يعني الصلاة فجعلوا يدعون عليه فقال لا تفعلوا وقولوا خيرا فإني قد جعلتها صدقة عليه وقيل لبعضهم في شيء قد كان سرق له ألا تدعو على ظالمك قال ما أحب أن أكون عونا للشيطان عليه قيل أرأيت لو رد عليك قال لا آخذه ولا أنظر إليه لأني كنت قد أحللته له وقيل لآخر ادع الله على ظالمك فقال ماظلمنى أحد ثم قال إنما ظلم نفسه ألا يكفيه المسكين ظلم نفسه حتى أزيده شرا وأكثر بعضهم شتم الحجاج عند بعض السلف في ظلمه فقال لا تغرق في شتمه فإن الله تعالى ينتصف للحجاج فمن انتهك عرضه كما ينتصف منه لمن أخذ ماله ودمه وفي الخبر إن العبد كيظلم المظلمة فلا يزال يشتم ظالمه ويسبه حتى يكون بمقدار ما ظلمه ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد عليه يقتص له من المظلوم السادس أن يغتم لأجل السارق وعصيانه وتعرضه لعذاب الله تعالى ويشكر الله تعالى إذ جعله مظلوما ولم يجعله ظالما وجعل ذلك نقصا في دنياه لا نقصا في دينه فقد شكا بعض الناس إلى عالم أنه قطع عليه الطريق وأخذ ماله فقال إن لم يكن لك غم أنه قد صار في المسلمين من يستحل هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين وسرق من علي بن الفضيل دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن فقال أعلى الدنانير تبكي فقال لا والله ولكن على المسكين أن يسئل يوم القيامة ولا تكون له حجة وقيل لبعضهم ادع على من ظلمك فقال إني مشغول بالحزن عليه عن الدعاء عليه فهذه أخلاق السلف رضي الله عنهم أجمعين الفن الرابع في السعي في إزالة الضرر كمداواة المرض وأمثاله اعلم أن الأسباب المزيلة للمرض أيضا تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش والخبز المزيل لضرر الجوع وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب الدواء المسهل وسائر أبواب الطب أعني معالجة البرودة بالحرارة والحرارة بالبرودة وهي الأسباب الظاهرة في الطب وإلى موهوم كالكي والرقية أما المقطوع فليس من التوكل تركه بل تركه حرام عند خوف الموت وأما الموهوم فشرط التوكل تركه إذ به وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المتوكلين وأقواها الكي ويليه الرقية والطيرة آخر درجاتها والاعتماد عليها والاتكال إليها غاية التعمق في ملاحظة الأسباب وأما الدرجة المتوسطة وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء ففعله ليس مناقضا للتوكل بخلاف الموهوم وتركه ليس محظورا بخلاف المقطوع بل قد يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال وفي بعض الأشخاص فهي على درجة بين الدرجتين ويدل على أن التداوي غير مناقض للتوكل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقوله وأمره به أما قوله فقد قال صلى الله عليه وسلم ما من داء إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام يعني الموت وقال عليه السلام تداووا عباد الله فإن الله خلق الداء والدواء وسئل عن الدواء والرقي هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله وفي الخبر المشهور ما مررت بملأ من الملائكة إلا قالوا مر أمتك بالحجامة وفي الحديث أنه أمر بها وقال احتجموا لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم فذكر أن تبيغ الدم سبب الموت وأنه قاتل بإذن الله تعالى وبين أن إخراج الدم خلاص منه إذ لا فرق بين إخراج الدم المهلك من الإهاب وبين إخراج العقرب من تحت الثياب وإخراج الحية من البيت وليس من شرط التوكل ترك ذلك بل هو كصب الماء على النار لإطافئها ودفع ضررها عند وقوعها في البيت وليس من التوكل الخروج عن سنة الوكيل أصلا وفي خبر مقطوع من احتجم يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر كان له دواء من داء سنة وأما أمره صلى الله عليه وسلم فقد أمر غير واحد من الصحابة بالتداوى وبالحمية وقطع لسعد بن معاذ عرقا أى فصده وكوى سعد بن زرارة وقال لعلي رضي الله تعالى عنه وكان رمد العين لا تأكل من هذا يعني الرطب وكل من هذا فإنه أوفق لك يعني سلقا قد طبخ بدقيق شعير وقال لصهيب وقد رآه يأكل التمر وهو وجع العين تأكل تمرا وأنت أرمد فقال إني آكل من الجانب الآخر فتبسم وأما فعله عليه الصلاة والسلام فقد روي في حديث من طريق أهل البيت أنه كان يكتحل كل ليلة ويحتجم كل شهر ويشرب الدواء كل سنة قيل السنا المكى وتداوى صلى الله عليه وسلم غير مرة من العقرب وغيرها حديث كان إذى نزل الوحي صدع رأسه فيغلفه بالحناء أخرجه البزار وابن عدي في الكامل من حديث أبي هريرة وقد اختلف في إسناده على الأحوص بن حكيم كان إذا خرجت به قرحة جعل عليها حناء رواه الترمذي وابن ماجة من حديث سلمى قال الترمذي غريب وفي خبر: أنه كان إذا خرجت به قرحة جعل عليها حناء وقد جعل على قرحة خرجت به ترابا جعل على قرحة خرجت بيده ترابا حديث جعل على قرحة خرجة بيده ترابا رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت فرحة أو جرح قال النبي صلى الله عليه وسلم بيده ووضع سفيان عيينه الراوي سبابته بالأرض ثم رفعها وقال بسم الله تربة أرضنا وريقة بعضنا يشفى سقيمنا // وما روي في تداويه وأمره بذلك كثير خارج عن الحصر وقد صنف في ذلك كتاب وسمي طب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر بعض العلماء في الإسرائيليات أن موسى عليه السلام اعتل بعلة فدخل عليه بنو إسرائيل فعرفوا علته فقالوا له لو تداويت بكذا لبرئت فقال لا أتداوى حتى يعافيني هو من غير دواء فطالت علته فقالوا له إن دواء هذه العلة معروف مجرب وإنا نتداوى به فنبرأ فقال لا أتداوى وأقامت علته فأوحى الله تعا رضي الله عنها لى إليه وعزتي وجلالي لا أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه لك فقال لهم داووني بما ذكرتم فداووه فبرأ فأوجس في نفسه من ذلك فأوحى الله تعالى إليه أردت أن تبطل حكمتي بتوكلك على من أودع العقاقير منافع الأشياء غيري وروي في خبر آخر أن نبيا من الأنبياء عليهم السلام شكا علة يجدها فأوحى الله تعالى إليه كل البيض وشكا نبي آخر الضعف فأوحى الله تعالى إليه كل اللحم باللبن فإن فيهما القوة قيل هو الضعف عن الجماع وقد روي أن قوما شكوا إلى نبيهم قبح أولادهم فأوحى الله تعالى إليه مرهم أن يطعموا نساءهم الحبلى السفرجل فإنه يحسن الولد ويفعل ذلك في الشهر الثالث والرابإذ فيه يصور الله تعالى الولد وقد كانوا يطعمون الحبلى السفرجل والنفساء الرطب فبهذا تبين أن مسبب الأسباب أجرى سنته بربط المسببات بالأسباب إظهارا للحكمة والأدوية أسباب مسخرة بحكم الله تعالى كسائر الأسباب فكما أن الخبز دواء الجوع والماء دواء العطش فالسكنجبين دواء الصفراء والسقمونيا دواء الإسهال لا يفارقه إلا في أحد أمرين {أحدهما} أن معالجة الجوع والعطش بالماء والخبز جلي واضح يدركه كافة الناس ومعالجة الصفراء بالسكنحبين يدركه بعض الخواص فمن أدرك ذلك بالتجربة التحق في حقه بالأول والثاني آن الدواء يسهل والسكنجبين يسكن الصفراء بشروط أخر في الباطن وأسباب في المزاج ربما يتعذر الوقوف على جميع شروطها وربما يفوت بعض الشروط فيتقاعد الدواء عن الإسهال وأما زوال العطش فلا يستدعي سوى الماء شروطا كثيرة وقد يتفق من العوارض ما يوجب داء العطش مع كثرة شرب الماء ولكنه نادر واختلال الأسباب أبدا ينحصر في هذين الشيئين وإلا فالمسبب يتلو السبب لا محالة مهما تمت شروط السبب وكل ذلك بتدبير مسبب الأسباب وتسخيره وترتيبه بحكم حكمته وكمال قدرته فلا يضر المتوكل استعماله مع النظر إلى مسبب الأسباب دون الطبيب والدواء فقد روي عن موسى صلى صلى الله عليه وسلم انه قال يارب ممن الداء والدواء فقال تعالى مني قال: فما يصنع الأطباء قال يأكلون أرزاقهم ويطيبون نفوس
عبادي حتى يأتي شفائي أو قضائي فإذن معنى التوكل مع التداوي التوكل بالعلم والحال كما سبق في فنون الأعمال الدافعة للضرر الجالبة للنفع فأما ترك التداوي رأسا فليس شرطا فيه فإن قلت فالكي أيضا من الأسباب الظاهرة النفع فأقول ليس كذلك إذ الأسباب الظاهرة مثل الفصد والحجامة وشرب المسهل وسقي المبردات للمحرور وأما الكي فلو كان مثلها في الظهور لما خلت البلاد الكثيرة عنه وقلما يعتاد الكي في أكثر البلاد وإنما ذلك عادة بعض الأتراك والأعراب فهذا من الأسباب الموهومة كالرقي إلا أنه يتميز عنها بأمر وهو أنه إحراق النار في الحال مع الاستغناء عنه فإنه ما من وجع يعالج بالكي إلا وله دواء يغني عنه ليس فيه إحراق فالإحراق بالنار جرح مخرب للبنية محذور السراية مع الاستغناء عنه بخلاف الفصد والحجامة فإن سرايتهما بعيدة ولا يسد مسدها غيرهما ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي دون الرقي وكل واحد منهما بعيد عن التوكل وروي أن عمران بن الحصين اعتل فأشاروا عليه بالكي فامتنع فلم يزالوا به وعزم عليه الأمر حتى اكتوى فكان يقول كنت أرى نورا وأسمع صوتا وتسلم علي الملائكة فلما اكتويت انقطع ذلك عني وكان يقول اكتوينا كيات فوالله ما أفلحت ولا أنجحت ثم تاب من ذلك وأناب إلى الله تعالى فرد الله تعالى عليه ما كان يجد من أمر الملائكة وقال لمطرف بن عبد الله: ألم تر إلى الملائكة التي كان أكرمني الله بها قد ردها الله تعالى علي بعد أن كان أخبره بفقدها: فإذن الكي وما يجري مجراه هو الذي لا يليق بالمتوكل لأنه يحتاج في استنباطه إلى تدبير ثم هو مذموم ويدل ذلك على شدة ملاحظة الأسباب وعلى التعمق فيها والله أعلم بيان أن ترك التداوي قد يحمد في بعض الأحوال ويدل على قوة التوكلوان ذلك لا يناقض فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلم أن الذين تداووا من السلف لا ينحصرون ولكن قد ترك التداوي أيضا جماعة من الأكابر فربما يظن أن ذلك نقصان لأنه لو كان كمالا لتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا يكون حال غيره في التوكل أكمل من حاله وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قيل له لو دعونا لك طبيبا فقال الطبيب قد نظر إلي وقال: إني فعال لما أريد وقيل لأبي الدرداء في مرضه ما تشتكي قال ذنوبي قيل فما تشتهي قال مغفرة ربي قالوا ألا ندعو لك طبيبا قال الطبيب أمرضني وقيل لأبي ذر وقد رمدت عيناه لو داويتهما قال إني عنهما مشغول فقيل لو سألت الله تعالى أن يعافيك فقال أسأله فيما هو أهم علي منهما وكان الربيع بن خثيم أصابه فالج فقيل له لو تداويت فقال قد هممت ثم ذكرت عادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكان فيهم الأطباء فهلك المداوي والمداوى ولم تغن الرقي شيئا وكان أحمد بن حنبل يقول أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي من شرب الدواء وغيره وإن كان به علل فلا يخبر المتطبب بها أيضا إذا سأله وقيل لسهل متى يصح للعبد التوكل قال إذا دخل عليه الضرر في جسمه والنقص في ماله فلم يلتفت إليه شغلا بحاله وينظر إلى قيام الله تعالى عليه فإذا منهم من ترك التداوي وراءه ومنهم من كرهه ولا يتضح وجه الجمع بين فعل رسولالله صلى الله عليه وسلم وأفعالهم إلا بحصر الصوارف عن التداوي
فنقول إن لترك التداوي أسبابا السبب الأول أن يكون المريض من المكاشفين وقد كوشف بأنه انتهى أجله وأن الدواء لا ينفعه ويكون ذلك معلوما عنده تارة برؤيا صادقة وتارة بحدس وظن وتارة بكشف محقق ويشبه أن يكون ترك الصديق رضي الله عنه التداوي من هذا السبب فإنه كان من المكاشفين فإنه قال لعائشة رضي الله عنها في أمر الميراث إنما هن أختاك وإنما كان لها أخت واحدة ولكن كانت امرأته حاملا فولدت أنثى فعلم أنه كان قد كوشف بأنها حامل بأنثى فلا يبعد أن يكون قد كوشف أيضا بانتهاء أجله وإلا فلا يظن به إنكار التداوي وقد شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تداوى وأمر به السبب الثاني أن يكون المريض مشغولا بحاله وبخوف عاقبته وإطلاع الله تعالى عليه فينسيه ذلك ألم المرض فلا يتفرغ قلبه للتداوي شغلا بحاله وعليه يدل كلام أبي ذر إذ قال إني عنهما مشغول وكلام أبي الدرداء إذ قال إنما أشتكي ذنوبي فكان تألم قلبه خوفا من ذنوبه أكثر من تألم بدنه بالمرض ويكون هذا كالمصاب بموت عزيز من أعزته أو كالخائف الذي يحمل إلى ملك من الملوك ليقتل إذا قيل له ألا تأكل وأنت جائع فيقول أنا مشغول عن ألم الجوع فلا يكون ذلك إنكارا لكون الأكل نافعا من الجوع ولا طعنا فيمن اكل ويقرب من هذ اشتغال سهل حيث قيل له ما القوت فقال هو ذكر الحي القيوم فقيل إنما سألناك عن القوام فقال: القوام هو العلم قيل سألناك عن الغذاء قال الغذاء هو الذكر قيل سألناك عن طعمة الجسد قال مالك وللجسد دع من تولاه أولا يتولاه آخرا: إذا دخل عليه علة فرده إلى صانعه أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها السبب الثالث أن تكون العلة مزمنة والدواء الذي يؤمر به بالإضافة إلى علته موهوم النفع جار مجرى الكي والرقية فيتركه المتوكل وإليه يشير قول الربيع بن خثيم إذ قال ذكرت عادا وثمود وفيهم الأطباء فهلك المداوي والمداوى أي أن الدواء غير موثوق به وهذا قد يكون كذلك في نفسه وقد يكون عند المريض كذلك لقلة ممارسته للطب وقلة تجربته له فلا يغلب على ظنه كونه نافعا ولا شك في أن الطبيب المجرب أشد اعتقادا لي الأدوية من غيره فتكون الثقة والظن بحسب الاعتقاد والاعتقاد بحسب التجربة وأكثر من ترك التداوي من العباد والزهاد هذا مستندهم لأنه يبقى الدواء عنده شيئا موهوما لا أصل له وذلك صحيح في بعض الأدوية عند من عرف صناعة الطب غير صحيح في البعض ولكن غير الطبيب قد ينظر إلى الكل نظرا واحدا فيرى التداوي تعمقا في الأسباب كالكي والرقي فيتركه السبب الرابع أن يقصد العبد بترك التداوي استبقاء المرض لينال ثواب المرض بحسن الصبر على بلاء الله تعالى أو ليجرب نفسه في القدرة على الصبر فقد ورد في ثواب المرض ما يكثر ذكره فقد قال عليه السلام نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى العبد على قدر إيمانه فإن كان صلب الإيمان شدد عليه البلاء وإن كان في إيمانه ضعف حفف عنه البلاء حديث نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل الحديث رواه أحمد وأبو يعلي والحاكم وصححه على شرط مسلم نحوه مع اختلاف وقد تقدم مختصرا ورواه الحاكم ايضا من حديث سعد بن أبي وقاص وقال صحيح على شرط الشيخين
فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز لا يزبد ومنهم دون ذلك ومنهم من يخرج اسود محترقا حديث إن الله تعالى يجرب عبد بالبلاء كما يجرب أحكم ذهبه الحديث رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم تحبون أن تكونوا كالحمر الضالة لا تمرضون ولا تسقمون حديث تحبون أن تكونوا كالحمر الضالة لا تمرضون ولا تسقمون أخرجه ابن ابي عاصم في الآحاد والمثاني وأبو نعيم وابن عبد البر في الصحابة والبيهقي في الشعب من حديث ابي فاطمة وهو صدر حديث ان الرجل تكون له المنزلة عند الله الحديث وقد تقدم قال ابن مسعود رضي الله عنه تجد المؤمن أصح شيء قلبا وأمرضه جسما وتجد المنافق أصح شئ جسما وأمرضه قلبا فلما عظم الثناء على المرض والبلاء أحب قوم المرض واغتنموه لينالوا ثواب الصبر عليه فكان منهم من له علة يخفيها ولا يذكرها للطبيب ويقاسي العلة ويرضى بحكم الله تعالى ويعلم أن الحق أغلب على قلبه من أن يشغله المرض عنه وإنما يمنع المرض جوارحه وعلموا أن صلاتهم قعودا مثلا مع الصبر على قضاء الله تعالى أفضل من الصلاة قياما مع العافية والصحة ففي الخبر إن الله تعالى يقول لملائكته: اكتبوا لعبدي الصالح ما كان يعمله فإنه في وثاقي ان أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خير من دمه وإن توفيته توفيته إلى رحمتي حديث إن الله يقول للملائكة: اكتبو لعبدي صالح ما كان يعمل فانه في وثاقي الحديث أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس حديث لا تزال الحمى والمليلة بالعبد حتى يمشي على الأرض كالبردة ما عليه خطيئة أخرجه أبو يعلي وابن عدي من حديث ابي هريرة والطبراني من حديث ابي الدرداء نحوه وقال الصداع بدل الحمى وللطبراني في الأوسط من حديث انس مثل المريض اذا صح وبرأ من مرضه كمثل البردة تقع من السماء تقع في صفائها ولونها وأسانيده ضعيفة حديث إن الله تعالى يجرب عبده بالبلاء كما يجرب احدكم ذهبه الحديث رواه الطبراني من حديث ابي امامة بسند ضعيف ألم كفارة يوم ولما ذكر صلى الله عليه وسلم كفارة الذنوب بالحمى سأل زيد بن ثابت ربه عز وجل أن لا يزال محموما فلم تكن الحمى تفارقه حتى مات رحمه الله وسأل ذلك طائفة من الأنصار فكانت الحمى لا تزايلهم ولما قال صلى الله عليه وسلم من أذهب الله كريمتيه لم يرض له ثوابا دون الجنة حديث من أذهب الله كريمتيه لم يرضى له ثوابا دون الجنة تقدم المرفوع منه دون قوله قال فلقد كان من الأنصار من يتمنى العمى وقال عيسى عليه السلام لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله لما يرجو في ذلك من كفارة خطاياه وروي أن موسى عليه السلام نظر إلى عبد عظيم البلاء فقال: يا رب ارحمه فقال تعالى: كيف أرحمه فيما به أرحمه أي به أكفر ذنوبه وأزيد في درجاته السبب السادس أن يستشعر العبد في نفسه مبادىء البطر والطغيان بطول مدة الصحة فيترك التداوي خوفا من أن يعاجله زوال المرض فتعاوده الغفلة والبطر والطغيان أو طول الأمل والتسويف في تدارك الفائت وتأخير الخيرات فإن الصحة عبارة عن قوة الصفات وبها ينبعث الهوى وتتحرك الشهوات وتدعو إلى المعاصي وأقلها أن تدعو إلى التنعم في المباحات وهو تضييع الأوقات وإهمال للربح العظيم في مخالفة النفس وملازمة الطاعات وإذا أراد الله بعبد خيرا لم يخله عن التنبه بالأمراض والمصائب ولذلك قيل لا يخلو المؤمن من علة أو قلة أو زلة
وقد روى وقد روي أن الله تعالى يقول: الفقر سجني والمرض قيدي أحبس به من أحب من خلقي فإذا كان في المرض حبس عن الطغيان وركوب المعاصي فأي خير يزيد عليه ولم ينبغ أن يشتغل بعلاجه من يخاف ذلك على نفسه فالعافية في ترك المعاصي فقد قال بعض العارفين لإنسان كيف كنت بعدي قال في عافية قال إن كنت لم تعص الله عز وجل فأنت في عافية وإن كنت قد عصيته فأي داء أدوأ من المعصية ما عوفي من عصى الله وقال علي كرم الله وجهه لما رأى زينة النبط بالعراق في يوم عيد ما هذا الذي أظهروه قالوا: يا أمير المؤمنين هذا يوم عيد لهم فقال: كل يوم لا يعصى الله عز وجل فيه فهو لنا عيد وقال تعالى من بعد ما أراكم ما تحبون قيل العوافي إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وكذلك إذا استغنى بالعافية قال بعضهم: إنما قال فرعون: أنا ربكم الأعلى لطول العافية لأنه لبث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس ولم يحم له جسم ولم يضرب عليه عرق فادعى الربوبية لعنه الله ولو أخذته الشقيقة يوما لشغلته عن الفضول فضلا عن دعوى الربوبية وقال صلى الله عليه وسلم أكثروا من ذكر هاذم اللذات حديث اكثروا ذكر هاذم اللذات أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة وقد تقدم // وقيل: الحمى رائد الموت فهو مذكر له ودافع للتسويف وقال تعالى أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون قيل يفتنون بأمراض يختبرون بها ويقال إن العبد إذا مرض مرضتين ثم لم يتب قال له ملك الموت: يا غافل جاءك مني رسول بعد رسول فلم تجب وقد كان السلف لذلك يستوحشون إذا خرج عام ولم يصابوا فيه بنقص في نفس أو مال وقالوا لا يخلو المؤمن في كل أربعين يوما أن يروع روعة أو يصاب ببلية حتى روي أن عمار بن ياسر تزوج امرأة فلم تكن تمرض فطلقها وأن النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليه امرأة فحكي من وصفها حتى هم أن يتزوجها فقيل وإنها ما مرضت قط فقال لا حاجة لي فيها حديث ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراض والأوجاع كالصداع وغير فقال رجل وما الصداع ما أعرفه فقال إليك عنى الحديث رواه أبو داود من حديث عارم البرام أخي الحضر بنوه وفي إسناده من لم يسم لأنه ورد في الخبر الحمى حظ كل مؤمن من النار حديث الحمى حظ كل مؤمن من النار رواه البزار من حديث عائشة وأحمد ومن حديث عائشة وأحمد من حديث أبي أمامة والطبراني في الأوسط من حديث أنس وأبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود وحديث أنس ضعيف وباقيها حسان وفي حديث أنس وعائشة رضي الله عنهما قيل يا رسول الله هل يكون مع الشهداء يوم القيامة غيرهم قال نعم من ذكر الموت كل يوم عشرين مرة حديث أنس وعائشة حديث أنس وعائشة قيل يا رسل الله هل يكون مع الشهداء يوم القيامة غيرهم فقال نعم من ذكر الموت كل يوم عشرين مرة لم أقف له على إسناده // وفي لفظ آخر الذي يذكر ذنوبه فتحزنه ولا شك في أن ذكر الموت على المريض أغلب فلما أن كثرت فوائد المرض رأى جماعة ترك الحيلة في زوالها إذ رأوا لأنفسهم مزيدا فيها لا من حيث رأوا التداوي نقصانا وكيف يكون نقصانا وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم بيان الرد على من قال: ترك التداوي أفضل بكل حال فلو قال قائل: إنما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسن لغيره وإلا فهو حال الضعفاء ودرجة الأقوياء توجب التوكل بترك الدواء فيقال: ينبغي أن يكون من شروط التوكل ترك الحجامة والفصد عند تبغ الدم
فإن قيل: إن ذلك أيضا شرط فليكن من شرطه أن تلدغه العقرب أو الحية فلا ينحيها عن نفسه إذ الدم يلدغ الباطن والعقرب تلدغ الظاهر فأي فرق بينهما فإن قال: وذلك أيضا شرط التوكل فيقال: ينبغي أن لا يزيل لدغ العطش بالماء ولدغ الجوع بالخبز ولدغ البرد بالجبة وهذا لا قائل به ولا فرق بين هذه الدرجات فإن جميع ذلك أسباب رتبها مسبب الأسباب سبحانه وتعالى وأجرى بها سنته ويدل على أن ذلك ليس من شرط التوكل ما روي عن عمر رضي الله عنه وعن الصحابة في قصة الطاعون فإنهم لما قصدوا الشام وانتهوا إلى الجابية بلغهم الخبر أن به موتا عظيما ووباء ذريعا فافترق الناس فرقتين فقال بعضهم لا ندخل على الوباء فنلقي بأيدينا إلى التهلكة وقالت طائفة أخرى: بل ندخل ونتوكل ولا نهرب من قدر الله تعالى ولا نفر من الموت فنكون كمن قال الله تعالى فيهم ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فرجعوا إلى عمر فسألوه عن رأيه فقال نرجع ولا ندخل على الوباء فقال له المخالفون في رأيه أنفر من قدر الله تعالى قال عمر نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ثم ضرب لهم مثلا فقال أرأيتم لو كان لأحدكم غنم فهبط واديا له شعبتان: إحداهما مخصبة: والأخرى مجدبة أليس إن رعى المخصبة رعاها بقدر الله تعالى وإن رعى المجدبة رعاها بقدر الله تعالى فقالوا: نعم ثم طلب عبد الرحمن بن عوف ليسأله عن رأيه وكان غائبا فلما أصبحوا جاء عبد الرحمن فسأله عمر عن ذلك فقال: عندي فيه يا أمير المؤمنين شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: الله أكبر فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم {يقول} اذا سمعتم بالوباء في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه حديث تشبيه الفرار من الطاعون بالفار من الزحف رواه أحمد من حديث عائشة بإسناد جيد ومن حديث جابر بإسناد ضعيف وقد تقدم لأن فيه كسرا لقلوب بقية المسلمين وسعيا في إهلاكهم فهذه أمور دقيقة فمن لا يلاحظها وينظر إلى ظواهر الأخبار والآثار يتناقض عنده أكثر ما سمعه وغلط العباد والزهاد في مثل هذا كثير وإنما شرف العلم وفضيلته لأجل ذلك فإن قلت: ففي ترك التداوي فضل كما ذكرت فلم لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم التداوي لينال الفضل فنقول: فيه فضل بالإضافة إلى من كثرت ذنوبه ليكفرها أو خاف على نفسه طغيان العافية وغلبة الشهوات أو احتاج إلى ما يذكره الموت لغلبة الغفلة أو احتاج إلى نيل ثواب الصابرين لقصوره عن مقامات الراضين والمتوكلين أو قصرت بصيرته عن الإطلاع على ما أودع الله تعالى في الأدوية من لطائف المنافع حتى صار في حقه موهوما كالرقي أو كان شغله بحاله يمنعه عن التداوي وكان التداوي يشغله عن حاله لضعفه عن الجمع فإلى هذه المعاني رجعت الصوارف في ترك التداوي وكل ذلك كمالات بالإضافة إلى بعض الخلق ونقصان بالإضافة إلى درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كان مقامه أعلى من هذه المقامات كلها إذ كان حاله يقتضي أن تكون حديث تشبيه الفرار من الطاعون بالفار من الزحف رواه أحمد من حديث عائشة بإسناد جيد ومن حديث جابر باسناد ضعيف وقد تقدم
مشاهدته على وتيرة واحدة عند وجود الأسباب وفقدها فإنه لم يكن له نظر في الأحوال إلا إلى مسبب الأسباب ومن كان هذا مقامه لم تضره الأسباب كما أن الرغبة في المال نقص والرغبة عن المال كراهية له وإن كانت كمالا فهي أيضا نقص بالإضافة إلى من يستوي عنده وجود المال وعدمه فاستواء الحجر والذهب أكمل من الهرب من الذهب دون الحجر وكان حاله صلى الله عليه وسلم استواء المدر والذهب عنده وكان لايمسكه لتعليم الخلق مقام الزهد فإنه منتهى قوتهم لا لخوفه على نفسه من إمساكه فإنه كان أعلى رتبة من أن تغره الدنيا وقد عرضت عليه خزائن الأرض فأبى أن يقبلها فكذلك يستوي عنده مباشرة الأسباب وتركها لمثلهذه المشاهدة وإنما لم يترك استعمال الدواء جريا على سنة الله تعالى وترخيصا لأمته فيما تمس إليه حاجتهم مع أنه لا ضرر فيه بخلاف ادخار الأموال فإن ذلك يعظم ضرره نعم التداوي لا يضر الامن حيث رؤية الدواء نافعا دون خالق الدواء وهذا قد نهي عنه ومن حيث إنه يقصد به الصحة ليستعان بها على المعاصي وذلك منهي عنه والمؤمن في غالب الأمر لا يقصد ذلك وأحد من المؤمنين لا يرى الدواء نافعا بنفسه بل من حيث إنه جعله الله تعالى سببا للنفع كما لا يرى الماء مروريا ولا الخبز مشبعا فحكم التداوي في مقصوده كحكم الكسب فإنه إن اكتسب للاستعانة على الطاعة أو على المعصية كان له حكمها وإن اكتسب للتنعم المباح فله حكمه فقد ظهر بالمعاني التي أوردناها أن ترك التداوي قد يكون أفضل في بعض الأحوال وأن التداوي قد يكون أفضل في بعض وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والنيات وأن واحدا من الفعل والترك ليس شرطا في التوكل إلا ترك الموهومات كالكي والرقي فإن ذلك تعمق في التدبيرات لا يليق بالمتوكلين بيان أحوال المتوكلين في إظهار المرض وكتمانه اعلم أن كتمان المرض وإخفاء الفقر وأنواع البلاء من كنوز البر وهو من أعلى المقامات: لأن الرضا بحكم الله والصبر على بلائه معاملة بينه وبين الله عز وجل فكتمانه أسلم عن الآفات ومع هذا فالإظهار لا بأس به إذا صحت فيه النية والمقصد ومقاصد الإظهار ثلاثة: الأول: أن يكون غرضه التداوي فيحتاج إلى ذكره للطبيب فيذكره لا في معرض الشكاية بل في معرض الحكاية لما ظهر عليه من قدرة الله تعالى فقد كان بشر يصف لعبد الرحمن المطبب أوجاعه وكان أحمد بن حنبل يخبر بأمراض يجدها ويقول: إنما أصف قدرة الله تعالى في الثاني: أن يصف لغير الطبيب وكان ممن يقتدى به وكان مكينا في المعرفة فأراد من ذكره أن يتعلم منه حسن الصبر في المرض بل حسن الشكر بأن يظهر أنه يرى أن المرض نعمة فيشكر عليها فيتحدث به كما يتحدث بالنعم قال الحسن البصري: إذا حمد المريض الله تعالى وشكره ثم ذكر أوجاعه لم يكن ذلك شكوى الثالث: أن يظهر بذلك عجزه وافتقاره إلى الله تعالى وذلك يحسن ممن تليق به القوة والشجاعة ويستبعد منه العجز كما روي أنه قيل لعلي في مرضه رضي الله عنه كيف أنت قال: بشر فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم كرهوا ذلك وظنوا أنه شكاية فقال: أتجلد على الله فأحب أن يظهر عجزه وافتقاره مع ما علم به من القوة والضراوة وتأدب فيه بأدب النبي صلى الله عليه وسلم إياه حيث مرض علي كرم الله وجهه فسمعه // حديث: أنه عرضت عليه خزائن الأرض فأبى ان يقبلها ولفظه: عرضت عليه مفاتيح خزائن السماء وكنوز الأرض فردها
عليه السلام وهو يقول: اللهم صبرني على البلاء فقال له صلى الله عليه وسلم لقد سألت الله تعالى البلاء فسل الله العافية حديث إذا مرض العبد أوحى الله إلى الملكين انظر ما يقول لعواده الحديث تقدم وإنما كره بعض العباد العيادة خشية الشكاية خوف الزيادة في الكلام فكان بعضهم إذا مرض أغلق بابه فلم يدخل عليه أحد حتى يبرأ فيخرج إليهم منهم: فضيل ووهيب وبشر وكان فضيل يقول: أشتهي أن أمرض بلا عواد وقال: لا أكره العلة إلا لأجل العواد رضي الله عنه وعنهم أجمعين كمل كتاب التوحيد والتوكل بعون الله وحسن توفيقه يتلوه إن شاء الله تعالى: كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا والله سبحانه وتعالى الموفق كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا وهو الكتاب السادس من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي نزه أوليائه عن الالتفات إلى زخرف الدنيا ونضرته وصفي أسراهم من ملاحظة غير حضرته ثم استخلصها للعكوف على بساط عزته ثم تجلى لهم بأسمائه وصفاته حتى أشرقت بأنوار معرفته ثم حديث إذا مرض العبد أوحى الله إلى الملكين انظرا ما يقول لعواده الحديث تقدم كشف لهم عن سبحات وجهه حتى احترقت بنار محبته ثم احتجب عنها بكنه جلاله حتى تاهت في بيداء كبريائه وعظمته فكلما اهتزت لملاحظة كنه الجلال غشيها من الدهش ما اغبر في وجه العقل وبصيرته وكلما همت بالانصراف آيسة نوديت من سرادقات الجمال صبرا أيها الآيس عن نيل الحق بجهله وعجلته فبقيت بين الرد والقبول والصد والوصول غرقى في بحر معرفته ومحترقة بنار محبته والصلاة على محمد خاتم الأنبياء بكمال نبوته وعلى آله وأصحابه سادة الخلق وأئمته وقادة الحق وأزمته وسلم كثيرا أما بعد: فإن المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات والذروة العليا من الدرجات فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها وتابع من توابعها كالشوق والأنس والرضا وأخواتها ولا قبل المحبة مقام إلا وهو مقدمة من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد وغيرها وسائر المقامات إن عز وجودها فلم تخل القلوب عن الإيمان بإمكانها وأما محبة الله تعالى فقد عز الإيمان بها حتى أنكر بعض العلماء إمكانها وقال: لا معنى لها إلا المواظبة على طاعة الله تعالى وأما حقيقة المحبة فمحال إلا مع الجنس والمثال ولما أنكروا المحبة أنكروا الأنس والشوق ولذة المناجاة وسائر لوازم الحب وتوابعه ولا بد من كشف الغطاء عن هذا الأمر ونحن نذكر في هذا الكتاب: بيان شواهد الشرع في المحبة ثم بيان حقيقتها وأسبابها ثم بيان أن لا مستحق للمحبة إلا الله تعالى ثم بيان أن أعظم اللذات لذة النظر إلى وجه الله تعالى ثم بيان سبب زيادة لذة النظر في الآخرة على المعرفة في الدنيا ثم بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى ثم بيان السبب في تفاوت الناس في الحب ثم بيان السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى ثم بيان معنى الشوق ثم بيان محبة الله تعالى للعبد ثم القول في علامات محبة العبد لله تعالى ثم بيان معنى الأنس بالله تعالى ثم بيان معنى الانبساط في الأنس ثم القول في معنى الرضا وبيان فضيلته ثم بيان حقيقته ثم بيان أن الدعاء وكراهة المعاصي لا تناقضه وكذا الفرار من المعاصي ثم بيان حكايات وكلمات للمحبين متفرقة فهذه جميع بيانات هذا الكتاب بيان شواهد الشرع في حب العبد لله تعالى
اعلم أن الأمة مجمعة على أن الحب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فرض وكيف يفرض مالا وجود له وكيف يفسر الحب بالطاعة والطاعة تبع الحب وثمرته فلا بد وأن يتقدم الحب ثم بعد ذلك يطيع من أحب ويدل على إثبات الحب لله تعالى قوله عز وجل يحبهم ويحبونه وقوله تعالى والذين آمنوا أشد حبا لله وهو دليل على إثبات الحب وإثبات التفاوت فيه وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحب لله من شرط الإيمان في أخبار كثيرة إذ قال أبو رزين العقيلي: يا رسول الله ما الإيمان قال أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما حديث لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما متفق عليه من حديث أنس بلفظ لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى أكون أحب إليه من أهلاه وماله وذكر بزيادة حديث لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله ونفسه والناس أجمعين وفي رواية ومن نفسه متفق عليه من حديث أنس واللفظ لمسلم دون قوله ومن نفسه وقال البخاري من والده وولده وله من حديث عبد الله بن هشام: قال عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي فقال: الآن يا عمر نفسه كيف وقد قال تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم الآية وإنما أجرى ذلك في معرض التهديد والإنكار وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحبة فقال أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله إياي حديث أحبوا الله لما غدوكم به من نعمه الحديث أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس وقال حسن غريب ويروى أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحبك فقال صلى الله عليه وسلم استعد للفقر فقال إني أحب الله تعالى فقال استعد للبلاء حديث أن رجلا قال يا رسول الله إني أحبك فقال استعد للفقر الحديث أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن منفل بلف فأعد للفقر تجفاف دون أخر الحديث وقال حسن غريب وعن عمر رضي الله عنه قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق له فقال النبي صلى الله عليه وسلم انظروا إلى هذا الرجل الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون حديث عمر قال نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية باسناد حسن
وفي الخبر المشهور إن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت إذ جاءه لقبض روحه: هل رأيت خليلا يميت خليله فأوحى الله تعالى إليه: هل رأيت محبا يكره لقاء حبيبه فقال يا ملك الموت الآن فاقبض حديث ان ابراهيم قال لملك الموت اذا جاءه ليقبض روحه هل رأبت خلالا يقبض خليله الحديث لم أجد له أصلا حديث قال أعرابي يا رسول الله متى الساعة قال ما أعددت لها الحديث متفق عليه من حديث أنس ومن حديث أبي موسى وابن مسعود بنحوه وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسلم فقال: يا رسول الله متى الساعة قال ما أعددت لها فقال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه من ذاق من خالص محبة الله تعالى شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر وقال الحسن: من عرف ربه أحبه ومن عرف الدنيا زهد فيها والمؤمن لا يلهو حتى يغفل فإذا تفكر حزن وقال أبو سليمان الداراني: إن من خلق الله خلقا ما يشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه فكيف يشتغلون عنه بالدنيا ويروى أن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم وتغيرت ألوانهم فقال لهم: ما الذي بلغ بكم ما أرى فقالوا الخوف من النار فقال: حق على الله أن يؤمن الخائف ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا وتغيرا فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى قالوا: الشوق إلى الجنة فقال حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا وتغيرا كأن وجوههم المرائي من النور فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى قالوا: نحب الله عز وجل فقال أنتم المقربون أنتم المقربون وقال عبد الواحد بن زيد: مررت برجل قائم في الثلج فقلت أما تجد البرد فقال من شغله حب الله لم يجد البرد وعن سري السقطي: تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها عليهم السلام فيقال يا أمة موسى ويا أمة عيسى ويا أمة محمد غير المحبين لله تعالى فإنهم ينادون يا أولياء الله هلموا إلى الله سبحانه فتكاد قلوبهم تنخلع فرحا وقال هرم بن حيان: المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه وإذا أحبه أقبل إليه وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة وقال يحي ابن معاذ عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه وحبه يدهش العقول فكيف وده ووده ينسى ما دونه فكيف لطفه وفي بعض الكتب عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محبا وقال يحي بن معاذ: مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب وقال يحي بن معاذ إلهي إني مقيم بفنائك مشغول بثنائك صغيرا أخذتني إليك وسربلتني بمعرفتك وأمكنتني من لطفك ونقلتني في الأحوال وقلبتني في الأعمال سترا وتوبة وزهدا وشوقا ورضا وحبا تسقيني من حياضك وتهملني في رياضك ملازما لأمرك ومشغوفا بقولك ولما طر شاربي ولاح طائري فكيف أنصرف اليوم عنك كبيرا وقد اعتدت هذا منك صغيرا فلي ما بقيت حولك دندنة وبالضراعة إليك همهمة لأني محب وكل محب بحبيبه مشغوف وعن غير حبيبه مصروف وقد ورد في حب الله تعالى من الأخبار والآثار مالا يدخل في حصر حاصر وذلك أمر ظاهر وإنما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به بيان حقيقة المحبة وأسبابها وتحقيق معنى محبة العبد لله تعالى
اعلم أن المطلب من هذا الفصل لا ينكشف إلا بمعرفة حقيقة المحبة في نفسها ثم معرفة شروطها وأسبابها ثم النظر بعد ذلك في تحقيق معناها في حق الله تعالى: فأول ما ينبغي أن يتحقق أنه لا يتصور محبة إلا بعد معرفة وإدراك إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه ولذلك لم يتصور أن يتصف بالحب جماد بل هو من خاصية الحي المدرك ثم المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام وإلذاذ فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك وما في إدراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوبا ولا مكروها فإذن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به ومعنى كونه محبوبا أن في الطبع ميلا إليه ومعنى كونه مبغوضا أن في الطبع نفرة عنه فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقا والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب فإذا قوي سمي مقتا فهذا أصل في حقيقة معنى الحب لا بد من معرفته الأصل الثاني أن الحب لما كان تابعا للإدراك والمعرفة انقسم لا محالة بحسب انقسام المدركات والحواس فلكل حاسة إدراك لنوع من المدركات ولكل واحد منها لذة في بعض المدركات وللطبع بسبب تلك اللذة ميل إليها فكانت محبوبات عند الطبع السليم فلذة العين في الإبصار وإدراك المبصرات الجميلة والصور المليحة الحسنة المستلذة ولذة الأذن في النغمات الطيبة الموزونة ولذة الشم في الروائح الطيبة ولذة الذوق في الطعوم ولذة اللمس في اللين والنعومة ولما كانت هذه المدركات بالحواس ملذة كانت محبوبة أي كان للطبع السليم ميل إليها حتى قال رسول صلى الله عليه وسلم حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعل قرة عيني في الصلاة فسمى الطيب محبوبا ومعلوم انه لا حظ للعين والسمع فيه بل للشم فقط وسمى النساء محبوبات ولاحظ فبهن إلا للبصر واللمس دون // حديث حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء أخرجه النسائي من حديث أنس دون قوله ثلاث وقد تقدم الشم والذوق والسمع وسمى الصلاة قرة عين وجعلها أبلغ المحبوبات ومعلوم أنه ليس تحظى بها الحواس الخمس بل حس سادس مظنته القلب لا يدركه ألا من كان له قلب ولذات الحواس الخمس تشارك فيها البهائم الإنسان فإن كان الحب مقصورا على مدركات الحواس الخمس حتى يقال إن الله تعالى لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب فإذن قد بطلت خاصية الإنسان وما تميز به من الحس السادس الذي يعبر عنه إما بالعقل أو بالنور أو بالقلب أو بما شئت من العبارات فلا مشاحة فيه وهيهات فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر والقلب أشد إدراكا من العين وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار فتكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة كما سيأتي تفصيله فلا ينكر إذن حب الله تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجاوز إدراك الحواس أصلا
الأصل الثالث أن الإنسان لا يخفى أنه يحب نفسه ولا يخفى أنه قد يحب غيره لأجل نفسه وهل يتصور أن يحب غيره لذاته لا لأجل نفسه هذا مما قد يشكل على الضعفاء حتى يظنون أنه لا يتصور أن يحب الإنسان غيره لذاته ما لم يرجع منه حظ إلى المحب سوى إدراك ذاته والحق أن ذلك متصور وموجود فلنبين أسباب المحبة وأقسامها وبيانه أن المحبوب الأول عند كل حي نفسه وذاته ومعنى حبه لنفسه أن في طبعه ميلا إلى دوام وجوده ونفرة عن عدمه وهلاكه لأن المحبوب بالطبع هو الملائم للمحب وأي شيء أتم ملاءمة من نفسه ودوام وجوده وأي شيء أعظم مضادة ومنافرة له من عدمه وهلاكه فلذلك يحب الإنسان دوام الوجود ويكره الموت والقتل لا لمجرد ما يخافه بعد الموت ولا لمجرد الحذر من سكرات الموت بل لو اختطف من غير ألم وأميت من غير ثواب ولا عقاب لم يرض به وكان كارها لذلك ولا يحب الموت والعدم المحض إلا لمقاساة ألم في الحياة ومهما كان مبتلى ببلاء فمحبوبه زوال البلاء فإن أحب العدم لم يحبه لأته عدم بل لأن فيه زوال البلاء فالهلاك والعدم ممقوت ودوام الوجود محبوب وكما أن دوام الوجود محبوب فكمال الوجود أيضا محبوب لان الناقص فاقد للكمال والنقص عدم بالإضافة إلى القدر المفقود وهو هلاك بالنسبة إليه والهلاك والعدم ممقوت في الصفات وكمال الوجود كما أنه ممقوت في أصل الذات ووجود صفات الكمال محبوب كما أن دوام أصل الوجود محبوب وهذه غريزة في الطباع بحكم سنة الله تعالى ولن تجد لسنة الله تبديلا فإذن المحبوب الأول للإنسان ذاته ثم سلامة أعضاءه ثم ماله وولده وعشيرته وأصدقائه فالأعضاء محبوبة وسلامتها مطلوبة لأن كمال الوجود ودوام الوجود موقوف عليها والمال محبوب لأنه أيضا آلة في دوام الوجود وكماله وكذا سائر الأسباب فالإنسان يحب هذه الأشياء لا لأعيانها بل لارتباط حظه في دوام الوجود وكماله بها حتى إنه ليحب ولده وإن كان لا يناله منه حظ بل يتحمل المشاق لأجله لأنه يخلفه في الوجود بعد عدمه فيكون في بقاء نسله نوع بقاء له فلفرط حبه في بقاء نفسه يحب بقاء من هو قائم مقامه وكأنه جزء منه لما عجز عن الطمع في بقاء نفسه أبدا نعم لو خير بين قتله وقتل ولده وكان طبعه باقيا على اعتداله آثر بقاء نفسه على بقاء ولده لأن بقاء ولده يشبه بقاءه من وجه وليس هو بقاء المحقق وكذلك حبه لأقاربه وعشيرته يرجع إلى حبه لكمال نفسه فإنه يرى نفسه كثيرا بهم قويا بسببهم متجملا بكمالهم فإن العشيرة والمال والأسباب الخارجة كالجناح المكمل للإنسان وكمال الوجود ودوامه محبوب بالطبع لا محالة فإذن المحبوب الأول عند كل حي ذاته وكمال ذاته ودوام ذلك كله والمكروه عنده ضد ذلك فهذا هو أول الأسباب السبب الثاني: الإحسان فإن الإنسان عبد الإحسان وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم لا تجعل لفاجر علي يدا فيحبه قلبي حديث: كان يعجبه الخضرة والماء الجاري أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن ينظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإسناده ضعيف حديث إن الله جميل يحب الجمال رواه مسلم في أثناء حديث لابن مسعود الأصل الرابع في بيان معنى الحسن والجمال اعلم أن المحبوس في مضيق الخيالات والمحسوسات ربما يظن أنه لا معنى للحسن والجمال إلا تناسب الخلقة والشكل وحسن اللون وكون البياض مشربا بالحمرة وامتداد القامة إلى غير ذلك مما يوصف من جمال شخص الإنسان فإن الحسن الأغلب على الخلق حسن الإبصار وأكثر التفاتهم
إلى صور الأشخاص فيظن أن ما ليس مبصرا ولا متخيلا ولا متشكلا ولا ملونا مقدر فلا يتصور حسنه وإذا لم يتصور حسنه لم يكن في إدراكه لذة فلم يكن محبوبا وهذا خطأ ظاهر فإن الحسن ليس مقصورا على مدركات البصر ولا على تناسب الخلقة وامتزاج البياض بالحمرة فإنا نقول هذا خط حسن وهذا صوت حسن وهذا فرس حسن بل نقول هذا ثوب حسن وهذا إناء حسن فأي معنى لحسن الصوت والخط وسائر الأشياء إن لم يكن الحسن إلا في الصورة ومعلوم أن العين تستلذ بالنظر إلى الخط الحسن والأذن تستلذ استماع النغمات الحسنة الطيبة وما من شيء من المدركات إلا وهو منقسم إلى حسن وقبيح فما معنى الحسن الذي تشترك فيه هذه الأشياءفلا بد من البحث عنه وهذا البحث يطول ولا يليق بعلم المعاملة الإطناب فيه فنصرح بالحق ونقول: كل شيء فجماله وحسنه في أن يحضر كماله اللائق به الممكن له فإذا كان جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجمال وإن كان الحاضر بعضها فله من الحسن والجمال بقدر ما حضر فالفرس الحسن هو الذي جمع كل ما يليق بالفرس من هيئة وشكل ولون وحسن عدو وتيسر كر وفر عليه والخط الحسن كل ما جمع كل ما يليق بالخط من تناسب الحروف وتوازيها واستقامة ترتيبها وحسن انتظامها ولكل شيء كمال يليق به وقد يليق بغير ضد فحسن كل شيء في كماله الذي يليق به فلا يحسن الإنسان بما يحسن به الفرس ولا يحسن الخط بما يحسن به الصوت ولا تحسن الأواني بما تحسن به الثياب وكذلك سائر الأشياء فإن قلت: فهذه الأشياء وإن لم تدرك جميعها بحس البصر مثل الأصوات والطعوم فإنها لا تنفك عن إدراك الحواس لها فهي محسوسات وليس ينكر الحسن والجمال للمحسوسات ولا ينكر حصول اللذة بإدراك حسنها وإنما ينكر ذلك في غير المدرك بالحواس فاعلم أن الحسن والجمال موجود في غير المحسوسات إذ يقال: هذا خلق حسن وهذا علم حسن وهذه سيرة حسنة وهذه أخلاق جميلة وإنما الأخلاق الجميلة يراد بها العلم والعقل والعفة والشجاعة والتقوى والكرم والمروءة وسائر خلال الخير وشيء من هذه الصفات لا يدرك بالحواس الخمس بل يدرك بنور البصيرة الباطنة وكل هذه الخلال الجميلة محبوبة والموصوف بها محبوب بالطبع عند من عرف صفاته وآية ذلك وأن الأمر كذلك أن الطباع مجبولة على حب الأنبياء صلوات الله عليهم وعلى حب الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع أنهم لم يشاهدوا بل حب أرباب المذاهب مثل الشافعي وأبي حنيفة ومالك وغيرهم حتى أن الرجل قد يجاوز به حبه لصاحب مذهبه حد العشق فيحمله ذلك على أن تنفق جميع ماله في نصرة مذهبه والذب عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه فكم من دم أريق في نصرة أرباب المذاهب وليت شعري من يحب الشافعي مثلا فلم يحبه ولم يشاهد قط صورته ولو شاهده ربما لم يستحسن صورته فاستحسانه الذي حمله على إفراط الحب هو لصورته الباطنة لا لصورته الظاهرة فإن صورته الظاهرة قد انقلبت ترابا مع التراب وإنما يحبه لصفاته الباطنة من الدين والتقوى وغزارة العلم والإحاطة بمدارك الدين وانتهاضه لإفادة علم الشرع ولنشره هذه الخيرات في العالم وهذه أمور جميلة لا يدرك جمالها إلا بنور البصيرة فأما الحواس فقاصرة عنها وكذلك من يحب أبا بكر الصديق رضي الله عنه ويفضله على غيره أو يحب عليا رضي الله عنه ويفضله ويتعصب له فلا يحبهم إلا لاستحسان صورهم الباطنة من العلم والدين والتقوى والشجاعة والكرم وغيره فمعلوم أن من يحب الصديق رضي الله تعالى عنه مثلا ليس يحب عظمه ولحمه وجلده وأطرافه وشكله إذ كل ذلك زال وتبدل وانعدم ولكن بقي ما كان الصديق به صديقا وهي الصفات المحمودة التي هي مصادر السير الجميلة فكان
الحب باقيا ببقاء تلك الصفات مع زوال جميع الصور وتلك الصفات ترجع جملتها إلى العلم والقدرة إذا علم حقائق الأمور وقدر على حمل نفسه عليها بقهر شهواته فجميع خلال الخير يتشعب على هذين الوصفين وهما غير مدركين بالحس ومحلهما من جملة البدن جزء لا يتجزأ فهو المحبوب بالحقيقة وليس للجزء الذي لا يتجزأ صورة وشكل ولون يظهر للبصر حتى يكون محبوبا لأجله فإذن الجمال موجود في السير ولو صدرت السيرة الجميلة من غير علم وبصيرة لم يوجب ذلك حبا فالمحبوب مصدر السير الجميلة وهي الأخلاق الحميدة والفضائل الشريفة وترجع جملتها إلى كمال العلم والقدرة وهو محبوب بالطبع وغير مدرك بالحواس حتى إن الصبي المخلى وطبعه إذ أردنا أن نحبب إليه غائبا أو حاضرا حيا أو ميتا لم يكن لنا سبيل إلا بالإطناب في وصفه بالشجاعة والكرم والعلم وسائر الحضال الحميدة فمهما اعتقد ذلك لم يتمالك في نفسه ولم يقدر أن لا يحبه فهل فل غلب الصحابة به رضي الله تعالى عنهم وبغض ابي جهل وبعض إبليس لعنه الله إلا بالإطناب في وصف المحاسن والمقابح التي لا تدرك بالحواس بل لما وصف الناس حاتما بالسخاء ووصفوا خالدا بالشجاعة أحبتهم القلوب حبا ضروريا وليس ذلك عن نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظ يناله المحب منهم بل إذا حكي من سيرة بعض الملوك في بعض أقطار الأرض العدل والإحسان وإفاضة الخير غلب حبه على القلوب مع اليأس من انتشار إحسانه إلى المحبين لبعد المزار ونأي الديار فإذن ليس حب الإنسان مقصورا على من أحسن إليه بل المحسن في نفسه محبوب وإن كان لا ينتهي قط إحسانه إلى المحب لأن كل جمال وحسن فهو محبوب والصورة ظاهرة وباطنة والحسن والجمال يشملهما وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يلتذ بها ولا يحبها ولا يميل إليها ومن كانت الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة فشتان بين من يحب نقشا مصورا على الحائط لجمال صورته الظاهرة وبين من يحب نبيا من الأنبياء لجمال صورته الباطنة السبب الخامس: المناسبة الخفية بين المحب والمحبوب إذ رب شخصين تتأكد المحبة بينهما لا بسبب جمال أو حظ ولكن بمجرد تناسب الأرواح كمال قال صلى الله عليه وسلم فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف حديث فما تعارف منها ائتلف أخرجه مسلم من حديث ابي هريرة وقد تقدم في آداب الصحبة بيان أن المستحق للمحبة هو الله وحده وأن من أحب غير الله لا من حيث نسبته إلى الله فذلك لجهله وقصوره في معرفة الله تعالى وحب الرسول صلى الله عليه وسلم محمود لأنه عين حب الله تعالى وكذلك حب العلماء والأتقياء لأن محبوب المحبوب محبوب ورسول المحبوب محبوب ومحب المحبوب محبوب وكل ذلك يرجع إلى حب الأصل فلا يتجاوزه إلى غيره فلا محبوب بالحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تعالى ولا مستحق للمحبة سواه وإيضاحه بأن نرجع إلى الأسباب الخمسة التي ذكرناها ونبين أنها مجتمعة في حق الله تعالى بحملتها ولا يوجد في غيره إلا آحادها وأنها حقيقة في حق الله تعالى ووجودها في حق غيره وهم وتخيل وهو مجاز محض لا حقيقة له ومهما ثبت ذلك انكشف لكل ذي بصيرة ضد ما تخيله ضعفاء العقول والقلوب من استحالة حب الله تعالى تحقيقا وبان أن التحقيق يقتضي أن لا نحب أحدا غير الله تعالى
فأما السبب الأول وهو حب الإنسان نفسه وبقاءه وكماله ودوام وجوده وبغضه لهلاكه وعدمه ونقصانه وقواطع كماله فهذه جبلة كل حي ولا يتصور أن ينفك عنها وهذا يقتضي غاية المحبة لله تعالى فإن من عرف نفسه وعرف ربه عرف قطعا أنه لا وجود له من ذاته وإنما وجود ذاته ودوام وجوده وكمال وجوده من الله وإلى الله وبالله فهو المخترع الموجد له وهو المبقي له وهو المكمل لوجوده بخلق صفات الكمال وخلق الأسباب الموصلة إليه ذو خلق الهداية إلى استعمال الأسباب وإلا فالعبد من حيث ذاته لا وجود له من ذاته بل هو محو محض وعدم صرف لولا فضل الله تعالى عليه بالإيجاد وهو هالك عقيب وجوده لولا فضل الله عليه بالإبقاء وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل لخلقته وبالجملة فليس في الوجود شيء له بنفسه قوام إلا القيوم الحي الذي هو قائم لوجوده والمديم له إن عرفه خالقا موجدا ومخترعا مبقيا وقيوما بنفسه ومقوما لغيره فإن كان لا يحبه فهو لجهله بنفسه وبربه والمحبة ثمرة المعرفة فتنعدم بانعدامها وتضعف بضعفها وتقوى بقوتها ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله تعالى من عرف ربه أحبه ومن عرف الدنيا زهد فيها وكيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه ومعلوم أن المبتلى بحر الشمس لما كان يحب الظل فيحب بالضرورة الأشجار التي بها قوام الظل وكل ما في الوجود بالإضافة إلى قدرة الله تعالى فهو كالظل بالإضافة إلى الشجر والنور بالإضافة إلى الشمس فإن الكل من آثار قدرته ووجود الكل تابع لوجوده كما أن وجود النور تابع للشمس ووجود الظل تابع للشجر بل هذا المثال صحيح بالإضافة إلى أوهام العوام إذ تخيلوا أن النور أثر الشمس وفائض منها وموجود بها وهو خطأ محض إذا انكشف لأرباب القلوب انكشافا أظهر من مشاهدة الأبصار أن النور حاصل من قدرة الله تعالى اختراعا عند وقوع المقابلة بين الشمس والأجسام الكثيفة كما أن نور الشمس وعينها وشكلها وصورتها أيضا حاصل من قدرة الله تعالى ولكن الغرض من الأمثلة التفهيم فلا يطلب فيها الحقائق فإذن إن كان حب الإنسان نفسه ضروريا فحبه لمن به قوامه أولا ودوامه ثانيا في أصله وصفاته وظاهره وباطنه وجواهره وأعراضه أيضا ضروري إن عرف ذلك كذلك ومن خلا عن الحب هذا فلأنه اشتغل بنفسه وشهواته وذهل عن ربه وخالقه فلم يعرفه حق معرفته وقصر نظره على شهواته ومحسوساته وهو عالم الشهادة الذي يشاركه البهائم في التنعم به والاتساع فيه دون عالم الملكوت الذي لا يطأ أرضه إلا من يقرب إلى شبه من الملائكة فينظر فيه بقدر قربه في الصفات من الملائكة ويقصر عنه بقدر انحطاطه إلى حضيض عالم البهائم وأما السبب الثاني وهو حبه من أحسن عليه فواساه بماله ولاطفه بكلامه وأمده بمعونته وانتدب لنصرته
وقمع أعداءه وقام بدفع شر الأشرار عنه وانتهض وسيلة إلى جميع حظوظه وأغراضه في نفسه وأولاده وأقاربه فإنه محبوب لا محالة عنده وهذا بعينه يقتضي أن لا يحب إلا الله تعالى فإنه لو عرف حق المعرفة لعلم أن المحسن إليه هو الله تعالى فقط فأما أنواع إحسانه إلى كل عبيده فلست أعدها إذ ليس يحيط بها حصر حاصر كما قال تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وقد أشرنا إلى طرف منه في كتاب الشكر ولكنا نقتصر الآن على بيان أن الإحسان من الناس غير متصور إلا بالمجاز وإنما المحسن هو الله تعالى ولنفرض ذلك فيمن أنعم عليك بجميع خزائنه ومكنك منها لتتصرف فيها كيف تشاء فإنك تظن أن هذا الإحسان منه وهو غلط فإنه إنما تم إحسانه به وبماله وبقدرته على المال وبداعيته الباعثة له على صرف المال إليك فمن الذي أنعم بخلقه وخلق ماله وخلق قدرته وخلق إرادته وداعيته ومن الذي حببك إليه وصرف وجهه إليك وألقى في نفسه أن صلاح دينه أو دنياه في الإحسان إليك ولولا كل ذلك لما أعطاك حبة من ماله ومهما سلط الله عليه الدواعي وقرر في نفسه أن صلاح دينه أو دنياه في أن يسلم إليك ماله كان مقهورا مضطرا في التسليم لا يستطيع مخالفته فالمحسن هو الذي اضطره لك وسخره وسلط عليه الدواعي الباعثة المرهقة إلى الفعل وأما يده فواسطة يصل بها إحسان الله إليك وصاحب اليد مضطر في ذلك اضطرارا مجرى الماء في جريان الماء فيه فإن اعتقدته محسنا أو شكرته من حيث هو بنفسه محسن لا من حيث هو واسطة كنت جاهلا بحقيقة الأمر فإنه لا يتصور الإحسان من الإنسان إلا إلى نفسه أما الإحسان إلى غيره فمحال من المخلوقين لأنه لا يبذل ماله إلا لغرض له البذل إما آجل وهو الثواب وإما عاجل وهو المنة والاستسخار أو الثناء والصيت والاشتهار بالسخاء والكرم أو جذب قلوب الخلق إلى الطاعة والمحبة وكما أن الإنسان لا يلقي ماله في البحر إذ لا غرض له فيه فلا يلقيه في يد إنسان إلا لغرض له فيه وذلك الغرض هو مطلوبه ومقصده وأما أنت فلست مقصودا بل يدك آلة له في القبض حتى يحصل غرضه من الذكر والثناء أو الشكر أو الثواب بسبب قبضك المال فقد استسخرك في القبض للتوصل إلى غرض نفسه فهو إذن محسن إلى نفسه ومعتاض عما بذله من ماله عوضا هو أرجح عنده من ماله ولولا رجحان ذلك الحظ عنده لما نزل عن ماله لأجلك أصلا البتة فإذن هو غير مستحق للشكر والحب من وجهين أحدهما أنه مضطر بتسليط الله الدواعي عليه فلا قدرة له على المخالفة فهو جار مجرى خازن الأمير فإنه لا يرى محسنا بتسليم خلعة الأمير إلى من خلع عليه لأنه من جهة الأمير مضطر إلى الطاعة والامتثال لما يرسمه ولا يقدر على مخالفته ولو خلاه الأمير ونفسه لما سلم ذلك فكذلك كل محسن لو خلاه الله ونفسه لم يبذل حبة من ماله حتى سلط الله الدواعي عليه وألقى في نفسه أن حظه دينا ودنيا في بذله فبذله لذلك والثاني أنه معتاض عما بذله حظا هو أوفى عنده وأحب مما بذله فكما لا يعد البائع محسنا لأنه بذل بعوض هو أحب عنده مما بذله فكذلك الواهب اعتاض الثواب أو الحمد والثناء أو عوضا آخر وليس من شرط العوض أن يكون عينا متمولا بل الحظوظ كلها أعواض تستحقر الأموال والأعيان بالإضافة إليها فالإحسان في الجود والجود هو بذل المال من غير عوض وحظ يرجع إلى الباذل وذلك محال من غير الله سبحانه فهو الذي أنعم على العالمين إحسانا إليهم ولأجلهم لا لحظ وغرض يرجع إليه فإنه يتعالى عن الأغراض فلفظ الجود والإحسان في حق غيره كذب أو مجاز ومعناه في حق غيره محال وممتنع امتناع الجمع بين السواد والبياض فهو المنفرد بالجود والإحسان والطول والامتنان فإن كان في الطبع حب المحسن فينبغي أن لا يحب العارف إلا الله تعالى إذ الإحسان
من غيره محال فهو المستحق لهذه المحبة وحده وأما غيره فيستحق المحبة على الإنسان بشرط الجهل بمعنى الإحسان وحقيقته وأما السبب الثالث وهو حبك المحسن في نفسه وإلى لم يصل إليك إحسانه وهذا أيضا موجود في الطباع فإنه إذا بلغك خبر ملك عابد عادل عالم رفيق بالناس متلطف بهم متواضع لهم وهو في قطر من أقطار الأرض بعيد عنك وبلغك خبر ملك آخر ظالم متكبر فاسق متهتك شرير وهو أيضا بعيد عنك فإنك تجد في قلبك تفرقة بينهما إذ تجد في القلب ميلا إلى الأول وهو الحب ونفرة عن الثاني وهو البغض مع أنك آيس من خير الأول وآمن من شر الثاني لانقطاع طمعك عن التوغل إلى بلادهما فهذا حب المحسن من حيث إنه محسن فقط لا من حيث إنه محسن إليك وهذا أيضا يقتضي حب الله تعالى بل يقتضي أن لا يحب غيره أصلا إلا من حيث يتعلق منه بسبب فإن الله هو المحسن إلى الكافة والمتفضل على جميع أصناف الخلائق أولا بإيجادهم وثانيا بتكميلهم بالأعضاء والأسباب التي هي من ضروراتهم وثالثا بترفيههم وتنعيمهم بخلق الأسباب التي هي في مظان حاجاتهم وإن لم تكن في مظان الضرورة ورابعا بتجميلهم بالمزايا والزوائد التي هي في مظنة زينتهم وهي خارجة عن ضروراتهم وحاجاتهم ومثال الضروري من الأعضاء الرأس والقلب والكبد ومثال المحتاج إليه العين واليد والرجل ومثال الزينة استقواس الحاجبين وحمرة الشفتين وتلون العينين إلى غير ذلك مما لو فات لم تنخرم به حاجة ولا ضرورة ومثال الضروري من النعم الخارجة عن بدن الإنسان الماء والغذاء ومثال الحاجة الدواء واللحم والفواكه ومثال المزايا والزوائد خضرة الأشجار وحسن أشكال الأنوار والأزهار ولذائذ الفواكه والأطعمة التي لا تنخرم بعدمها حاجة ولا ضرورة وهذه الأقسام الثلاثة موجودة لكل حيوان بل لكل نبات بل لكل صنف من أصناف الخلق من ذروة العرش إلى منتهى الفرش فإذن هو المحسن فكيف يكون غيره محسنا وذلك المحسن حسنة من حسنات قدرته فإنه خالق الحسن وخالق المحسن وخالق الإحسان وخالق أسباب الإحسان فالحب بهذه العلة لغيره أيضا جهل محض ومن عرف ذلك لم يحب بهذه العلة إلا الله تعالى وأما السبب الرابع وهو حب كل جميل لذات الجمال لا لحظ ينال من وراء إدراك الجمال فقد بينا أن ذلك مجبول في الطباع وأن الجمال ينقسم إلى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس وإلى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة والأول يدركه الصبيان والبهائم والثاني يختص بدركه أرباب القلوب ولا يشاركهم فيه من لا يعلم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وكل جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال فإن كان مدركا بالقلب فهو محبوب القلب ومثال هذا في المشاهدة حب الأنبياء والعلماء وذوي المكارم السنية والأخلاق المرضية فإن ذلك منضور مع تشوش صورة الوجه وسائر الأعضاء وهو المراد بحسن الصورة الباطنة والحس لا يدرك نعم يدرك بحسن آثاره الصادرة منه الدالة عليه حتى إذا دل القلب عليه مال القلب إليه فأحبه فمن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصديق رضي الله تعالى عنه أو الشافعي رحمة الله عليه فلا يحبهم إلا لحسن ما ظهر له منهم وليس ذلك لحسن صورهم ولا لحسن أفعالهم بل دل حسن أفعالهم على حسن الصفات التي هي مصدر الأفعال إذ الأفعال آثار صادرة عنها ودالة عليها فمن رأى حسن تصنيف المصنف وحسن شعر الشاعر بل حسن نقش النقاش وبناء البناء انكشف له من هذه الأفعال صفاتها الجميلة الباطنة التي يرجع حاصلها عند البحث إلى العلم والقدرة ثم كلما كان المعلوم أشرف وأتم جمالا وعظمة كان العلم أشرف وأجمل وكذا المقدور كلما كان أعظم رتبة وأجل منزلة كانت القدرة عليه أجل رتبة وأشرف قدرا وأجل المعلومات هو الله تعالى فلا جرم أحسن العلوم وأشرفها معرفة الله تعالى وكذلك ما يقاربه ويختص به فشرفه على قدر تعلقه به
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa itu ikhlas (keikhlasan), dan mengapa penting?
- Bagaimana Islam menggambarkan penyucian hati?