Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn
فإذن جمال صفات الصديقين الذين تحبهم القلوب طبعا ترجع إلى ثلاثة أمور أحدها علمهم بالله وملائكته وكتبه ورسله وشرائع أنبيائه والثاني قدرتهم على إصلاح أنفسهم وإصلاح عباد الله بالإرشاد والسياسة والثالث تنزههم عن الرذائل والخبائث والشهوات الغالبة الصارفة عن سنن الخير الجاذبة إلى طريق الشر وبمثل هذا يحب الأنبياء والعلماء والخلفاء والملوك الذين هم أهل العدل والكرم فأنسب هذه الصفات إلى صفات الله تعالى أما العلم فأين علم الأولين والآخرين من علم الله تعالى الذي يحيط بالكل إحاطة خارجة عن النهاية حتى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وقد خاطب الخلق كلهم فقال عز وجل وما أوتيتم من العلم إلا قليلا بل لو اجتمع أهل الأرض والسماء على أن يحيطوا بعلمه وحكمته في تفصيل خلق نملة أو بعوضة لم يطلعوا على عشر عشير ذلك ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء والقدر اليسير الذي علمه الخلائق كلهم فبتعليمه علموه كما قال تعالى خلق الإنسان علمه البيان فإن كان جمال العلم وشرفه أمرا محبوبا وكان هو في نفسه زينة وكمالا للموصوف به فلا ينبغي أن يحب بهذا السبب إلا الله تعالى فعلوم العلماء جهل بالإضافة إلى علمه بل من عرف أعلم أهل زمانه وأجهل أهل زمانه استحال أن يحب بسبب العلم الأجهل ويترك الأعلم وإن كان الأجهل لا يخلو عن علم ما تتقاضاه معيشته والتفاوت بين علم الله وبين علم الخلائق أكثر من التفاوت بين علم أعلم الخلائق وأجهلهم لأن الأعلم لا يفضل الأجهل إلا بعلوم معدودة متناهية يتصور في الإمكان أن ينالها الأجهل بالكسب والاجتهاد وفضل علم الله تعالى على علوم الخلائق كلهم خارج عن النهاية إذ معلوماته لا نهاية لها ومعلومات الخلق متناهية وأما صفة القدرة فهي أيضا كمال والعجز نقص فكل كمال وبهاء وعظمة واستيلاء فإنه محبوب وإدراكه لذيذ حتى إن الإنسان ليسمع في الحكاية شجاعة علي وخالد رضي الله عنهما وغيرهما من الشجعان وقدرتهما واستيلاؤهما على الأقران فيضاف في قلبه اهتزازا وفرحا وارتياحا ضروريا بمجرد لنة السماع فضلا عن المشاهدة ويورث ذلك حبا في القلب ضروريا للمتصف به فإنه نوع كمال فانسب الآن قدرة الخلق كلهم إلى قدرة الله تعالى فأعظم الأشخاص قوة وأوسعهم ملكا وأقواهم بطشا وأقهرهم للشهوات وأقمعهم لخبائث النفس وأجمعهم للقدرة على سياسة نفسه وسياسة غيره ما منتهى قدرته وإنما غايته أن يقدر على بعض صفات نفسه وعلى بعض أشخاص الإنس في بعض الأمور وهو مع ذلك لا يملك لنفسه موتا ولا حياة ولا نشورا ولا ضرا ولا نفعا بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى ولسانه من الخرس وأذنه من الصمم وبدنه من المرض ولا يحتاج إلى عد ما يعجز عنه في نفسه وغيره مما هو على الجملة متعلق قدرته فضلا عما لا تتعلق به قدرته من ملكوت السموات وأفلاكها وكواكبها والأرض وجبالها وبحارها ورياحها وصواعقها ومعادنها ونباتها وحيواناتها وجميع أجزائها فلا قدرة له على ذرة منها وما هو قادر عليه من نفسه وغيره فليست قدرته من نفسه وبنفسه بل الله خالقه وخالق قدرته وخالق أسبابه والممكن له من ذلك ولو سلط بعوضا على أعظم ملك وأقوى شخص من الحيوانات لأهلكه فليس للعبد
قدرة إلا بتمكين مولاه كما قال في أعظم ملوك الأرض ذي القرنين إذ قال إنا مكنا له في الأرض فلم يكن جميع ملكه وسلطنته إلا بتمكين الله تعالى إياه في جزء من الأرض والأرض كلها مدرة بالإضافة إلى أجسام العالم وجميع الولايات التي يحظى بها الناس من الأرض غبرة من تلك المدرة ثم تلك الغبرة أيضا من فضل الله تعالى وتمكينه فيستحيل أن يحب عبدا من عباد الله تعالى لقدرته وسياسته وتمكينه واستيلائه وكمال قوته ولا يحب الله تعالى لذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهو الجبار القاهر والعليم القادر السموات مطويات بيمينه والأرض وملكها وما عليها في قبضته وناصية جميع المخلوقات في قبضة قدرته إن أهلكهم من عند آخرهم لم ينقص من سلطانه وملكه ذرة وإن خلق أمثالهم ألف مرة لم يعي بخلقها ولا يمسه لغوب ولا فتور في اختراعها فلا قدرة ولا قادر إلا وهو أثر من آثار قدرته فله الجمال والبهاء والعظمة والكبرياء والقهر والاستيلاء فإن كان يتصور أن يحب قادر لكمال قدرته فلا يستحق الحب بكمال القدرة سواه أصلا وأما صفة التنزه عن العيوب والنقائص والتقدس عن الرذائل والخبائث فهو أحد موجبات الحب ومقتضيات الحسن والجمال في الصور الباطنة والأنبياء والصديقون وإن كانوا منزهين عن العيوب والخبائث فلا يتصور كمال التقدس والتنزه إلا للواحد الحق الملك والقدوس ذي الجلال والإكرام وأما كل مخلوق فلا يخلو عن نقص وعن نقائص بل كونه عاجزا مخلوقا مسخرا مضطرا هو عين العيب والنقص فالكمال لله وحده وليس لغيره كمال إلا بقدر ما أعطاه الله وليس في المقدور أن ينعم بمنتهى الكمال على غيره فإن منتهى الكمال أقل درجاته أن لا يكون عبدا مسخرا لغيره قائما بغيره وذلك محال في حق غيره فهو المنفرد بالكمال المنزه عن النقص المقدس عن العيوب وشرح وجوه التقدس والتنزه في حقه عن النقائص يطول وهو من أسرار علوم المكاشفات فلا نطول بذكره فهذا الوصف أيضا إن كان كمالا وجمالا محبوبا فلا تتم حقيقته إلا له وكمال غيره وتنزهه لا يكون مطلقا بل بالإضافة إلى ما هو أشد منه نقصانا كما أن للفرس كمالا بالإضافة إلى الحمار وللإنسان كمالا بالإضافة إلى الفرس وأصل النقص شامل للكل وإنما يتفاوتون في درجات النقصان فإذن الجميل محبوب والجميل المطلق هو الواحد الذي لا ند له الفرد الذي لا ضد له الصمد الذي لا منازع له الغني الذي لا حاجة له القادر الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه العالم الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات والأرض القاهر الذي لا يخرج عن قبضة قدرته أعناق الجبابرة ولا ينفلت من سطوته وبطشه رقاب القياصرة الأزلي الذي لا أول لوجوده الأبدي الذي لا آخر لبقائه الضروري الوجود الذي لا يحوم إمكان العدم حول حضرته القيوم الذي يقوم بنفسه ويقوم كل موجود به جبار السموات والأرض خالق الجماد والحيوان والنبات المنفرد بالعزة والجبروت والمتوحد بالملك والملكوت ذو الفضل والجلال والبهاء والجمال والقدرة والكمال الذي تتحير في معرفة جلاله العقول وتخرس في وصفه الألسنة الذي كمال معرفة العارفين الاعتراف بالعجز عن معرفته ومنتهى نبوة الأنبياء الإقرار بالقصور عن وصفه كما قال سيد الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقال سيد الصديقين رضي الله تعالى عنه العجز عن درك الإدراك إدراك سبحان من لم يجعل للخلق طريقا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته فليت شعري من ينكر إمكان حب الله تعالى تحقيقا ويجعله مجازا أينكر أن هذه الأوصاف من أوصاف الجمال
والمحامد ونعوت الكمال والمحاسن أن ينكر كون الله تعالى موصوفا بها أو ينكر كون الكمال والجمال والبهاء والعظمة محبوبا بالطبع عند من أدركه فسبحان من احتجب عن بصائر العميان غيرة على جماله وجلاله أن يطلع عليه إلا من سبقت له منه الحسنى الذين هم عن نار الحجاب مبعدون وترك الخاسرين في ظلمات العمى يتيهون وفي مسارح المحسوسات وشهوات البهائم يترددون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون فالحب بهذا السبب أقوى من الحب بالإحسان لأن الإحسان يزيد وينقص ولذلك أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام إن أود الأوداء إلى من عبدني بغير نوال لكن ليعطي الربوبية حقها وفي الزبور من أظلم ممن عبدنى لجنة أونار لو لم أخلق جنة ولا نارا ألم أكن أهلا أن أطاع ومر عيسى عليه السلام على طائفة من العباد قد نحلوا فقالوا نخاف النار ونرجو الجنة فقال لهم مخلوقا خفتم ومخلوقا رجوتم ومر بقوم آخرين كذلك فقالوا نعبده حبا له وتعظيما لجلاله فقال أنتم أولياء الله حقا معكم أمرت أن أقيم وقال أبو حازم إني لأستحي أن أعبده للثواب والعقاب فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل وكالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل وفي الخبر لا يكونن أحدكم كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل ولا كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل وأما السبب الخامس للحب فهو المناسبة والمشاكلة لأن شبه الشيء منجذب إليه والشكل إلى الشكل أميل ولذلك ترى الصبي يألف الصبي والكبير يألف الكبير ويألف الطير نوعه وينفر من غير نوعه وأنس العالم بالعالم أكثر منه بالمحترف وأنس النجار بالنجار أكثر من أنسه بالفلاح وهذا أمر تشهد به التجربة وتشهد له الأخبار والآثار كما استقصيناه في باب الأخوة في الله من كتاب آداب الصحبة فليطلب منه وإذا كانت المناسبة سبب المحبة فالمناسبة قد تكون في معنى ظاهر كمناسبة الصبي الصبى في معنى الصبا وقد يكون خفيا حتى لا يطلع عليه كما ترى من الاتحاد الذي يتفق بين شخصين من غير ملاحظة جمال أو طمع في مال أو غيره كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فالتعارف هو التناسب والتناكر هو التباين وهذا السبب أيضا يقتضي حب الله تعالى لمناسبة باطنة لا ترجع إلى المشابهة في الصور والأشكال بل إلى معان باطنة يجوز أن يذكر بعضها في الكتب وبعضها لا يجوز أن يسطر بل يترك تحت غطاء الغبرة حتى يعثر عليه السالكون للطريق إذا استكملوا شرط السلوك فالذي يذكر هو قرب العبد من ربه عز وجل في الصفات التي أمر فيها بالاقتداء والتخلق بأخلاق الربوبية حتى قيل تخلقوا بأخلاق الله وذلك في اكتساب محامد الصفات التي هي من صفات الإلهية من العلم والبر والإحسان واللطف وإفاضة الخير والرحمة على الخلق والنصيحة لهم وإرشادهم إلى الحق ومنعهم من الباطل إلى غير ذلك من مكارم الشريعة فكل ذلك يقرب إلى الله سبحانه وتعالى لا بمعنى طلب القرب بالمكان بل بالصفات وأما ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصة التي اختص بها الآدمي فهى التى يومىء إليها قوله تعالى ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي إذ بين أنه أمر رباني خارج عن حد عقول الخلق وأوضح من ذلك قوله تعالى فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ولذلك أسجد له ملائكته ويشير إليه قوله تعالى إنا جعلناك خليفة في الأرض إذ لم يستحق آدم خلافة الله تعالى إلا بتلك المناسبة وإليه يرمز قوله صلى الله عليه وسلم
إن الله خلق آدم على صورته حتى ظن القاصرون أن لا صورة إلا الصورة الظاهرة المدركة بالحواس فشبهوا وجسموا وصوروا تعالى الله رب العالمين عما يقول الجاهلون علوا كبيرا وإليه الإشارة بقوله تعالى لموسى عليه السلام مرضت فلم تعدني فقال يا رب وكيف ذلك قال مرض عبدي فلان فلم تعده ولو عدته وجدتني عنده وهذه المناسبة لاتظهر إلا بالمواظبة على النوافل بعد إحكام الفرائض كما قال الله تعالى لا يزال يتقرب العبد إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به وهذا موضع يجب قبض عنان القلم فيه فقد تحزب الناس فيه إلى قاصرين مالوا إلى التشبيه الظاهر وإلى غالين مسرفين جاوزوا حد المناسبة إلى الاتحاد وقالوا بالحلول حتى قال بعضهم أنا الحق وضل النصارى في عيسى عليه السلام فقالوا هو الإله وقال آخرون منهم تذرع الناسوت باللاهوت وقال آخرون اتحد به وأما الذين انكشف لهم استحالة التشبيه والتمثيل واستحالة الانحاد والحلول واتضح لهم مع ذلك حقيقة السر فهم الأقلون ولعل أبا الحسن النوري عن هذا المقام كان ينظر إذا غلبه الوجد في قول القائل لازلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحير الألباب عند نزوله فلم يزل يعدو في وجده على أجمة قد قطع قصبها وبقي أصوله حتى تشققت قدماه وتورمتا مات من ذلك وهذا هوأعظم أسباب الحب وأقواها وهو أعزها وأبعدها وأقلها وجودا فهذه هي المعلومة من أسباب الحب وجملة ذلك متظاهرة في حق الله تعالى تحقيقا لا مجانا وفي أعلى الدرجات لا في أدناها فكان المعقول المقبول عند ذوي البصائر حب الله تعالى فقط كما أن المعقول الممكن عند العميان حب غير الله تعالى فقط ثم كل من يحب من الخلق بسبب من هذه الأسباب يتصور أن يحب غير لمشاركته إياه في السبب والشركة نقصان في الحب وغض من كماله ولا ينفرد أحد بوصف محبوب إلا وقد يوجد له شريك فيه فإن لم يوجد فيمكن أن يوجد إلا الله تعالى فإنه موصوف بهذه الصفات التي هي نهاية الجلال والكمال ولا شريك له في ذلك وجودا ولا يتصور أن يكون ذلك إمكانا فلا جرم لا يكون في حبه شركة فلا يتطرق النقصان إلى حبه كما لا تتطرق الشركة إلى صفاته فهو المستحق إذا لأصل المحبة ولكمال المحبة استحقاقا لا يساهم فيه أصلا بيان أن أجل اللذات وأعلاها معرفة الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم وأنه لا يتصور أن لا يؤثر عليها لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة اعلم أن اللذات تابعة للإدراكات والإنسان جامع لجملة من القوى والغرائز ولكل قوة وغريزة لذة ولذتها في نيلها المقتضي طبعها الذي خلقت له فإن هذه الفرائز ما ركبت في الإنسان عبثا بل ركبت كل قوة وغريزة لأمر من الأمور هو مقتضاها بالطبع فغريزة الغضب خلقت للنشفى والانتقام فلا جرم لذتها في الغلبة والانتقام الذي هو مقتضى طبعها وغريزة شهوة الطعام مثلا خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام فلا جرم لذتها في نيل هذا الغذاء الذي هو مقتضى طبعها وكذلك لذة السمع والبصر والشم في الإبصار والاستماع والشم فلا تخلو غريزة من هذه الغرائز عن ألم ولذة بالإضافة إلى مدركاتها فكذلك في القلب غريزة تسمى النور الإلهي لقوله تعالى أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه وقد تسمى العقل وقد تسمى البصيرة الباطنة وقد تسمى
نور الإيمان واليقين ولا معنى للاشتغال بالأسامي فإن الاصطلاحات مختلفة والضعيف يظن أن الاختلاف واقع في المعاني لأن الضعيف يطلب المعاني من الألفاظ وهو عكس الواجب فالقلب مفارق لسائر أجزاء البدن بصفة بها يدرك المعاني التي ليست متخيلة ولا محسوسة كإدراكه خلق العالم أو افتقاره إلى خالق قديم مدبر حكيم موصوف بصفات إلهية ولنسم تلك الغريزة عقلا بشرط أن لا يفهم من لفظ العقل ما يدرك به طرق المجادلة والمناظرة فقد اشتهر اسم العقل بهذا ولهذا ذمه بعض الصوفية وإلا فالصفة التي فارق الإنسان بها البهائم وبها يدرك معرفة الله تعالى أعز الصفات فلا ينبغي أن تذم وهذه الغريزة خلقت ليعلم بها حقائق الأمور كلها فمقتضى طبعها المعرفة والعلم وهي لذتها كما أن مقتضى سائر الغرائز هو لذتها وليس يخفى أن في العلم والمعرفة لذة حتى إن الذي ينسب إلى العلم والمعرفة ولو في شيء خسيس يفرح به والذي ينسب إلى الجهل ولو في شيء حقير يغتم به وحتى أن الإنسان لا يكاد يصبر عن التحدي بالعلم والتمدح به في الأشياء الحقيرة فالعالم باللعب بالشطرنج على خسته لا يطيق السكوت فيه عن التعليم وينطلق لسانه بذكر ما يعلمه وكل ذلك لفرط لذة العلم وما يستشعره من كمال ذاته به فإن العلم من أخص صفات الربوبية وهي منتهى الكمال ولذلك يرتاح الطبع إذا أثني عليه بالذكاء وغزارة العلم لأنه يستشعر عند سماع الثناء كمال ذاته وكمال علمه فيعجب بنفسه ويلتذ به ثم ليست لذة العلم بالحراثة والخياطة كلذة العلم بسياسة الملك وتدبير أمر الخلق ولا لذة العلم بالنحو والشعر كلذة العلم بالله تعالى وصفاته وملائكته وملكوت السموات والأرض بل لذة العلم بقدر شرف العلم وشرف العلم بقدر شرف المعلوم حتى إن الذي يعلم بواطن أحوال الناس ويخبر بذلك يجد له لذة وإن جهله تقاضاه طبعه أن يفحص عنه فإن علم بواطن أحوال رئيس البلد وأسرار تدبيره في رياسته كان ذلك ألذ عنده وأطيب من علمه بباطن حال فلاح أو حائك فإن اطلع على أسرار الوزير وتدبيره وما هو عازم عليه في أمور الوزارة فهو أشهى عنده وألذ من علمه بأسرار الرئيس فإن كان خبيرا بباطن أحوال الملك والسلطان الذي هو المستولى على الوزير كان ذلك أطيب عنده وألذ من علمه بباطن أسرار الوزير وكان تمدحه بذلك وحرصه عليه وعلى البحث عنه أشد وحبه له أكثر لأن لذته فيه أعظم فهذا استبان أن ألذ المعارف أشرفها وشرفها بحسب شرف المعلوم فإن كان في المعلومات ما هو الأجل والأكمل والأشرف والأعظم فالعلم به ألذ العلوم لا محالة وأشرفها وأطيبها وليت شعري هل في الوجود شئ أجل وأعلى وأشرف وأكمل وأعظم من خالق الأشياء كلها ومكملها ومزينها ومبدئها ومعيدها ومدبرها ومرتبها وهل يتصور أن تكون حضرة في الملك والكمال والجمال والبهاء والجلال أعظم من الحضرة الربانية التي لا يحيط بمبادي جلالها وعجائب أحوالها وصف الواصفين فإن كنت لا تشك في ذلك فلا ينبغي أن تشك في أن الإطلاع على أسرار الربوبية والعلم بترتب الأمور الإلهية المحيطة بكل الموجودات هو أعلى أنواع المعارف والاطلاعات وألذها وأطيبها وأشهاها وأحرى ما تستشعر به النفوس عند الاتصاف به كمالها وجمالها وأجدر ما يعظم به الفرح والارتياح والاستبشار وبهذا تبين أن العلم لذيذ وأن ألذ العلوم العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وتدبيره في مملكته من منتهى عرشه إلى تخوم الأرضين فينبغي أن يعلم أن لذة المعرفة أقوى من سائر اللذات أعني لذة الشهوات والغضب ولذة سائر الحواس الخمس فإن اللذات مختلفة بالنوع أولا كمخالفة لذة الوقاع للذة السماع ولذة المعرفة للذة الرياسة وهي مختلفة بالضعف والقوة كمخالفة لذة الشبق المغتلم من الجماع للذة الفاتر للشهوة وكمخالفة لذة النظر إلى الوجه الجميل الفائق الجمال للذة النظر إلى ما دونه في الجمال وإنما تعرف أقوى
اللذات بأن تكون مؤثرة على غيرها فإن المخير بين النظر إلى صورة جميلة والتمتع بمشاهدتها وبين استنشاق روائح طيبة إذا اختار النظر إلى الصورة الجميلة علم أنها ألذ عنده من الروائح الطيبة وكذلك إذا حضر الطعام وقت الأكل واستمر اللاعب بالشطرنج على اللعب وترك الأكل فيعلم به أن لذة الغلبة في الشطرنج أقوى عنده من لذة الاكل فهذا معيا صادق في الكشف عن ترجيح اللذات فنعود ونقول اللذات تنقسم إلى ظاهرة كلذة الحواس الخمس وإلى باطنة كلذة الرياسة والغلبة والكرامة والعلم وغيرها إذ ليست هذه اللذة للعين ولا للأنف ولا الأذن ولا للمس ولا للذوق والمعاني الباطنة أغلب على ذوي الكمال من اللذات الظاهرة فلو خير الرجل بين لذة الدجاج السمين واللوزينج وبين لذة الرياسة وقهر الأعداء ونيل درجة الاستيلاء فإن كان المخير خسيس الهمة ميت القلب شديد النهمة اختار اللحم والحلاوة وإن كان على الهمة كامل العقل اختار الرياسة وهان عليه الجوع والصبر عن ضرورة القوت أياما كثيرة فاختياره للرياسة يدل على أنها ألذ عنده من الطعومات الطيبة نعم الناقص الذي لم تكمل معانيه الباطنة بعد كالصبي أو كالذي ماتت قواه الباطنة كالمعتوه لا يبعد أن يؤثر لذة المطعومات على لذة الرياسة وكما أن لذة الرياسة والكرامة أغلب اللذات على من جاوز نقصان الصبا والعته فلذة معرفة الله تعالى ومطالعة جمال حضرة الربوبية والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرياسة التي هي أعلى اللذات الغالبة على الخلق وغاية العبارة عنه أن يقال فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين وأنه أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر وهذا الآن لا يعرفه إلا من ذاق اللذتين جميعا فإنه لا محالة يؤثر التبتل والتفرد والفكر والذكر وينغمس في بحار المعرفة ويترك الرياسة ويستحقر الخلق الذين يرأسهم لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه رياسته وكونه مشوبا بالكدورات التي لا يتصور الخلو عنها وكونه مقطوعا بالموت الذي لا بد من إتيانه مهما أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها فيستعظم بالإضافة إليها لذة معرفة الله ومطالعة صفاته وأفعاله ونظام مملكته من أعلى عليين إلى أسفل السافلين فإنها خالية من المزاحمات والمكدرات متسعة للمتواردين عليها لا تضيق عنهم بكبرها وإنما عرضها من حيث التقدير السموات والأرض وإذا خرج النظر عن المقدرات فلا نهاية لعرضها فلا يزال العارف بمطالعتها في جنة عرضها السموات والأرض يرتع في رياضها ويقطف من ثمارها ويكرع من حياضها وهو آمن من انقطاعها إذ ثمار هذه الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة ثم هي أبدية سرمدية لا يقطعها الموت إذ الموت لا يهدم محل معرفة الله تعالى ومحلها الروح الذي هو أمر رباني سماوي وإنما الموت بغير أحوالها ويقطع شواغلها وعوائقها ويخليها من حبسها فأما أن يعدمها فلا ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الآية ولا تظنن أن هذا مخصوص بالمقتول في المعركة فإن للعارف بكل نفس درجة ألف شهيد وفي الخبر إن الشهيد يتمنى في الآخرة أن يرد إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة وإن الشهداء يتمنون لو كانوا علماء لما يرونه من علو درجة العلماء فإذن جميع أقطار ملكوت السموات والأرض ميدان العارف يتبوأ منه حيث يشاء من غير حاجة إلى أن يتحرك إليها بجسمه وشخصه فهو من مطالعة جمال الملكوت في جنة عرضها السموات والأرض وكل عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلا إلا أنهم يتفاوتون في سعة منتزهاتهم بقدر تفاوتهم في اتساع نظرهم
وسعة معارفهم وهم درجات عند الله ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم فقد ظهر أن لذة الرياسة وهي باطنة أقوى في ذوي الكمال من لذات الحواس كلها وأن هذه اللذة لا تكون لبهيمة ولا لصبي ولا لمعتوه وأن لذة المحسوسات والشهوات تكون لذوي الكمال مع لذة الرياسة ولكن يؤثرون الرياسة فأما معنى كون معرفة الله وصفاته وأفعاله وملكوت سمواته وأسرار ملكه أعظم لذة من الرياسة فهذا يختص بمعرفته من نال رتبة المعرفة وذاقها ولا يمكن إثبات ذلك عند من لا قلب له لأن القلب معدن هذه القوة كما أنه لا يمكن إثبات رجحان لذة الوقاع على لذة اللعب بالصولجان عند الصبيان ولا رجحانه على لذة شم البنفسج عند العنين لأنه فقد الصفة التي بها تدرك هذه اللذة ولكن من سلم من آفة العنة وسلم حاسة شمه أدرك التفاوت بين اللذتين وعند هذا لا يبقى إلا أن يقال من ذاق عرف ولعمري طلاب العلوم وإن لم يشتغلوا بطلب معرفة الأمور الإلهية فقد استنشقوا رائحة هذه اللذة عند انكشاف المشكلات وانحلال الشبهات التي قوى حرصهم على طلبها فإنها أيضا معارف وعلوم وإن كانت معلوماتها غير شريفة شرف المعلومات الإلهية فأما من طال فكره في معرفة الله سبحانه وقد انكشف له من أسرار ملك الله ولو الشئ اليسير فإنه يصادف في قلبه عند حصول الكشف من الفرح ما يكاد يطير به ويتعجب من نفسه في ثباته واحتماله لقوة فرحه وسروره وهذا مما لا يدرك إلا بالذوق والحكاية فيه قليلة الجدوى فهذا القدر ينبهك على أن معرفة الله سبحانه ألذ الأشياء وأنه لا لذة فوقها ولهذا قال أبو سليمان الداراني إن لله عبادا ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة فكيف تشغلهم الدنيا عن الله ولذلك قال بعض إخوان معروق الكرخي له أخبرني يا أبا محفوظ أي شئ هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق فسكت فقال ذكر الموت فقال وأي شئ الموت فقال ذكر القبر والبرزخ فقال وأى شئ القبر فقال خوف النار ورجاء الجنة فقال وأي شئ هذا إن ملكا هذا كله بيده إن أحببته أنساك جميع ذلك وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا وفي أخبار عيسى عليه السلام إذا رأيت الفتى مشغوفا بطلب الرب تعالى فقد ألهاه ذلك عما سواه ورأى بعض الشيوخ بشر بن الحارث في النوم فقال ما فعل أبو نصر التمار وعبد الوهاب الوراق فقال تركتهما الساعة بين يدي الله تعالى يأكلان ويشربان قلت فأنت قال علم الله قلة رغبتي في الأكل والشرب فأعطاني النظر إليه وعن علي بن الموفق قال رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة فرأيت رجلا قاعدا على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطيبات وهو يأكل ورأيت رجلا قائما على باب الجنة يتصفح وجوه الناس فيدخل بعضا ويرد بعضا قال ثم جاوزتهما إلى حديقة القدس فرأيت في سرادق العرش رجلا قد شخص ببصره ينظر إلى الله تعالى لا يطرف فقلت لرضوان من هذا قال معروف الكرخي عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنته بل حبا له فأباحه النظر إليه إلى يوم القيامة وذكر أن الآخرين بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل ولذلك قال أبو سليمان من كان اليوم مشغولا بنفسه فهو غدا مشغول بنفسه ومن كان اليوم مشغولا بربه فهو عذا مشغول بربه وقال الثوري لرابعة ما حقيقة إيمانك قالت ما عبدته خوفا من ناره ولا حبا لجنته فأكون كالأجير السوء بل عبدته حبا له وشوقا إليه وقالت في معنى المحبة نظما أحبك حبين حب الهوى ... وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى ... فشغلي بذكرك عمن سواكا وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك لي الحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا ولعلها أرادت بحب الهوى حب الله لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة وبحبه لما هو أهل له الحب لجماله وجلاله الذي انكشف لها وهو أعلى الحبين وأقواهما ولذة مطالعة جمال الربوبية هي التي عبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال حاكيا عن ربه تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وقد تعجل بعض هذه اللذات في الدنيا لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية ولذلك قال بعضهم إني أقول يا رب يا الله فأجد ذلك على قلبي أثقل من الجبال لأن النداء يكون من وراء حجاب وهل رأيت جليسا ينادي جليسه وقال إذا بلغ لارجل في هذا العلم الغاية رماه الخلق بالحجارة أي يخرج كلامه عن حد عقولهم فيرون ما يقوله جنونا أو كفرا فمقصد العارفين كلهم وصله ولقاؤه فقط فهي قرة العين التي لا تعلم نفس ما أخفى لهم منها وإذا حصلت انمحقت الهموم والشهوات كلها وصار القلب مستغرقا بنعيمها فلو ألقي في النار لم يحس بها لاستغراقه ولو عرض عليه نعيم الجنة لم يلتفت إليه لكمال نعيمه وبلوغه الغاية التي ليس فوقها غاية وليت شعر من لم يفهم إلا حب المحسوسات كيف يؤمن بلذة النظر إلى وجه الله تعالى وماله صورة ولا شكل وأي معنى لو عد الله تعالى به عباده وذكره أنه أعظم النعم بل من عرف الله عرف أن اللذات المفرقة بالشهوات المختلفة كلها تنطوي تحت هذه اللذة كما قال بعضهم كانت لقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده ... وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي ولذلك قال بعضهم وهجره أعظم من ناره ... ووصله أطيب من جنته وما أرادوا بهذا إلا إيثار لذة القلب في معرفة الله تعالى على لذة الأكل والشرب والنكاح فإن الجنة معدن تمتع الحواس فأما القلب فلذته في لقاء الله فقط ومثال أطوار الخلق في لذتهم ما نذكره وهو أن الصبي في أول حركته وتمييزه يظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب واللهو حتى يكون ذلك عنده ألذ من سائر الأشياء ثم يظهر بعده لذة الزينة ولبس الثياب وركوب الدواب فيستحقر معها لذة اللعب ثم يظهر بعده لذة الوقاع وشهوة النساء فيترك بها جميع ما قبلها في الوصول إليها ثم تظهر لذة الرياسة والعلو والتكاثر وهي آخر لذات الدنيا وأعلاها وأقواها كما قال تعالى اعلمواأنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر الآية ثم بعد هذا تظهر غريزة أخرى يدرك بها لذة معرفة الله تعالى ومعرفة أفعاله فيستحقر معها جميع ما قبلها فكل متأخر فهو أقوى وهذا هو الأخير إذ يظهر حب اللعب في سن التمييز وحب النساء والزينة في سن البلوغ وحب الرياسة بعد العشرين وحب العلوم بقرب الأربعين وهي الغاية العليا وكما أن الصبي يضحك على من يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرياسة فكذلك الرؤساء يضحكون على من يترك الرياسة ويشتغل بمعرفة الله تعالى والعارفون يقولون إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون بيان السبب في زيادة النظر في لذة الآخرة على المعرفة في الدنيا اعلم أن المدركات تنقسم إلى ما يدخل في الخيال كالصور المتخيلة والأجسام المتلونة والمتشكلة من أشخاص الحيوان والنبات وإلى مالا يدخل في الخيال كذات الله تعالى وكل ما ليس بجسم كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها ومن رأى إنسانا ثم غض بصره وجد صورته حاضرة في خياله كأنه ينظر إليها ولكن إذا فتح العين وأبصر أدرك تفرقة بينهما ولا ترجع التفرقة إلى اختلاف بين الصورتين لأن الصورة المرئية تكون موافقة للمتخيلة وإنما الافتراق بمزيد الوضوح والكشف فإن صورة المرئي صارت بالرؤية أتم انكشافا ووضوحا وهو كشخص يرى في وقت الإسفار قبل انتشار ضوء النهار ثم رؤى عند تمام الضوء فإنه لا تفارق إحدى الحالتين الأخرى إلا في مزيد الانكشاف
فإذن الخيال أول الإدراك والرؤية هو الاستكمال لإدراك الخيال وهو غاية الكشف وسمي ذلك رؤية لأنه غاية الكشف لا لأنه في العين بل لو خلق الله هذا الإدراك الكامل المكشوف في الجبهة أو الصدر مثلا استحق أن يسمى رؤية وإذا فهمت هذا في المتخيلات فاعلم أن المعلومات التي لا تتشكل أيضا في الخيال لمعرفتها وإدراكها درجتان إحداهما {أولى} والثانية استكمال لها وبين الأولى والثانية من التفاوت في مزيد الكشف والإيضاح ما بين المتخيل والمرئي فيسمى الثاني أيضا بالإضافة إلى الأول مشاهدة ولقاء ورؤية وهذه التسمية حق لأن الرؤية سميت رؤية لأنها غاية الكشف وكما أن سنة الله تعالى جارية بأن تطبيق الأجفان يمنع من تمام الكشف بالرؤية ويكون حجابا بين البصر والمرئي ولا بد من ارتفاع الحجب لحصول الرؤية وما لم ترتفع كان الإدراك الحاصل مجرد التخيل فكذلك مقتضى سنة الله تعالى أن النفس ما دامت محجوبة بعوارض البدن ومقتضى الشهوات وما غلب عليها من الصفات البشرية فإنها لا تنتهي إلى المشاهدة واللقاء في المعلومات الخارجة عن الخيال بل هذه الحياة حجاب عنها بالضرورة كحجاب الأجفان عن روية الأبصار والقول في سبب كونها حجابا يطول ولا يليق بهذا العلم ولذلك قال تعالى لموسى عليه السلام لن تراني وقال تعالى لا تدركه الأبصار أي في الدنيا والصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى الله تعالى ليلة المعراج فإذا ارتفع الحجاب بالموت بقيت النفس ملوثة بكدورات الدنيا غير منفكة عنها بالكلية وإن كانت متفاوتة فمنها ما تراكم عليه الخبث والصدأ فصار كالمرآة التي فسد بطول تراكم الخبث جوهرها فلا تقبل الإصلاح والتصقيل وهؤلاء هم المحجوبون عن ربهم أبد الآباد نعوذ بالله من ذلك ومنها ما لم ينته إلى حد الرين والطبع ولم يخرج عن قبول التزكية والتصقيل فيعرض على النار عرضا يقمع منه الخبث الذي هو متدنس به ويكون العرض على النار بقدر الحاجة إلى التزكية وأقلها لحظة خفيفة وأقصاها في حق المؤمنين كما وردت به الأخبار سبعة آلاف سنة ولن ترتحل نفس عن هذا العالم إلا ويصحبها غبرة وكدورة ما وإن قلت ولذلك قال الله تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا فكل نفس مستيقنة للورود على النار وغير مستيقنة للصدور عنها فإذا أكمل الله تطهيرها وتزكيتها وبلغ الكتاب أجله ووقع الفراغ عن جملة ما وعد به الشرع من الحساب والعرض وغيره ووافى استحقاق الجنة وذلك وقت مبهم لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه فإنه واقع بعد القيامة ووقت القيامة مجهول فعند ذلك يشتغل بصفائه ونقائه عن الكدورات حيث لا يرهق وجهه غبرة ولا قترة لأن فيه يتجلى الحق سبحانه وتعالى فيتجلى له تجليا يكون انكشاف تجليه بالإضافة إلى ما علمه كانكشاف تجلي المرآة بالإضافة إلى ما تخيله وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية فإذن الرؤية حق بشرط أن لا يفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة ومكان فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب علوا كبيرا بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية تامة من غير تخيل وتصور وتقدير شكل وصورة فتراه في الآخرة كذلك بل أقول المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح كما ضربناه من المثال في استكمال الخيال بالرؤية
فإذا لم يكن في معرفة الله تعالى إثبات صورة وجهه فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة لأنها هي بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف وإليه الإشارة بقوله تعالى يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا إذ تمام النور لا يؤثر إلا في زيادة الكشف ولهذا لا يفوز بدرجة النطر والرؤية إلا العارفون في الدنيا لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة والحب زرعا ومن لا نواة في أرضه كيف يحصل له نخل ومن لم يزرع الحب فكيف يحصد الزرع فكذلك من لم يعرف الله تعالى في الدنيا فكيف يراه في الآخرة ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي أيضا على درجات متفاوتة فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالإضافة إلى اختلاف البذر إذ تختلف لا محالة بكثرتها وقلتها وحسنها وقوتها وضعفها ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة فلا ينبغي أن يظن أن غير أبي بكر ممن هو دونه يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر بل لا يجد إلا عشر عشيره إن كانت معرفته في الدنيا عشر عشيره ولما فضل من الناس بسر وقر في صدره فضل لا محالة بتدل انفرد به وكما أنك ترى في الدنيا من يؤثر لذة الرياسة على المطعوم والمنكوح وترى من يؤثر لذة العلم وانكشاف مشكلات ملكوت السموات والأرض وسائر الأمور الإلهية على الرياسة وعلى المنكوح والمطعوم والمشروب جميعا فكذلك يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذة النظر إلى وجه الله تعالى على نعيم الجنة إذ يرجع نعيمها إلى المطعوم والمنكوح وهؤلاء بعينهم هم الذين حالهم في الدنيا ما وصفنا من إيثار لذة العلم والمعرفة والإطلاع على أسرار الربوبية على لذة المنكوح والمطعوم والمشروب وسائر الخلق مشغولون به ولذلك لما قيل لرابعة ما تقولين في الجنة فقال الجار ثم الدار فبينت أنه ليس في قلبها التفات إلى الجنة بل إلى رب الجنة وكل من لم يعرف الله في الدنيا فلا يراه في الآخرة وكل من لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في الآخرة إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه ولا يموت إلا على ما عاش عليه فما صحبه من المعرفة هو الذي يتنعم به بعينه فقط إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء فتتضاعف اللذة به كما تتضاعف لذة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته فإن ذلك منتهى لذته وإنما طيبة الجنة أن لكل أحد فيها ما يشتهي فمن لا يشتهي إلا لقاء الله تعالى فلا لذة له في غيره بل ربما يتأذى به فإذن نعيم الجنة بقدر حب الله تعالى وحب الله تعالى بقدر معرفته فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنها بالإيمان فإن قلت فلذة الرؤية إن كان لها نسبة إلى لذة المعرفة فهي قليلة وإن كان أضعافها لأن لذة المعرفة في الدنيا ضعيفة فتضاعفها إلى حد قريب لا ينتهي في القوة إلى أن يستحقر سائر لذات الجنة فيها فاعلم أن هذا الاستحقار للذة المعرفة صدر من الخلو عن المعرفة فمن خلا عن المعرفة كيف يدرك لذتها وإن انطوى على معرفة ضفيفة وقلبه مشحون بعلائق الدنيا فكيف يدرك لذتها فللعارفين في معرفتهم وفكرتهم ومناجاتهم لله تعالى لذات لو عرضت عليهم الجنة في الدنيا بدلا عنها لم يستبدلوا بها لذة الجنة ثم هذه اللذة مع كمالها لا نسبة لها أصلا إلى لذة اللقاء والمشاهدة كما لا نسبة للذة خيال المعشوق إلى رؤيته ولا لذة استنشاق روائح الأطعمة الشهية إلى ذوقها ولا للذة اللمس باليد إلى لذة الوقاع
وإظهار عظم التفاوت بينهما لا يمكن إلا بضرب مثال فنقول لذة النظر إلى وجه المعشوق في الدنيا تتفاوت بأسباب أحدهما كمال جمال المعشوق ونقصانه فإن اللذة في النظر إلى الأجمل أكمل لا محالة والثاني كمال قوة الحب والشهوة والعشق فليس التذاذ من اشتد عشقه كالتذاذ ضعفت شهوته وحبه والثالث كمال الإدراك فليس التذاذ برؤية المعشوق في ظلمة أو من وراء ستر رقيق أو من بعده كالتذاذه بإدراكه على قرب من غير ستر وعند كمال الضوء ولا إدراك لذة المضاجعة مع ثوب حائل كإدراكها مع التجرد والرابع اندفاع العوائق المشوشة والآلام الشاغلة للقلب فليس التذاذ الصحيح الفارغ المتجرد للنظر إلى المعشوق كالتذاذ الخائف المذعور أو المريض المتألم أو المشغول قلبه بمهم من المهمات فقدر عاشقا ضعيف العشق ينظر إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد بحيث يمنع انكشاف كنه صورته في حالة اجتمع عليه عقارب وزنابير تؤذيه وتلدغه وتشغل قلبه فهو في هذه الحالة لا يخلو عن لذة ما من مشاهدة معشوقه فلو طرأت على الفجأة حالة انهتك بها الستر وأشرق بها الضوء واندفع عنه المؤذيات وبقي سليما فارغا وهجمت عليه الشهوة القوية والعشق المفرط حتى بلغ أقصى الغايات فانظر كيف تتضاعف اللذة حتى لا يبقى للأولى إليها نسبة يعتد بها فكذلك فافهم نسبة لذة النظر إلى لذة المعرفة فالستر الرقيق مثال البدن والاشتغال به والعقارب والزنابير مثال الشهوات المتسلطة على الإنسان من الجوع والعطش والغضب والغم والحزن وضعف الشهوة والحب مثال لقصور النفس في الدنيا ونقصانها عن الشوق إلى الملأ الأعلى والتفاتها إلى أسفل السافلين وهو مثل قصور الصبي عن ملاحظة لذة الرياسة والتفاته إلى اللعب بالعصفور والعارف وإن قويت في الدنيا معرفته فلا يخلو عن هذه المشوشات ولا يتصور أن يخلو عنها البتة نعم قد تضعف هذه العوائق في بعض الأحوال ولا تدوم فلا جرم يلوح من جمال المعرفة ما يبهت العقل وتعظم لذته بحيث يكاد القلب يتفطر لعظمته ولكن يكون ذلك كالبرق الخاطف وقلما يدوم بل يعرض من الشواغل والأفكار والخواطر ما يشوشه وينغصه وهذه ضرورة دائمة في هذه الحياة الفانية فلا تزال هذه اللذة منغصة إلى الموت وإنما الحياة الطيبة بعد الموت وإنما العيش عيش الآخرة وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون وكل من انتهى إلى هذه الرتبة فإنه يحب لقاء الله تعالى فيحب الموت ولا يكره إلا من حيث ينتظر زيادة استكمال في المعرفة فإن المعرفة كالبذر وبحر المعرفة لا ساحل له فالإحاطة بكنه جلال الله محال فكلما كثرت المعرفة بالله وبصفاته وأفعاله وبأسرار مملكته وقويت كثر النعيم في الآخرة وعظم كما أنه كلما كثر البذر وحسن كثر الزرع وحسن ولا يمكن تحصيل هذا البذر إلا في الدنيا ولا يزرع إلا في صعيد القلب ولا حصاد إلا في الآخرة ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل السعادات طول العمر في طاعة الله لأن المعرفة إنما تكمل وتكثر وتتسع في العمر الطويل بمداومة الفكر والمواظبة على المجاهدة والانقطاع عن علائق الدنيا والتجرد للطلب ويستدعي ذلك زمانا لا محالة فمن أحب الموت أحبه لأنه رأى نفسه واقفا في المعرفة بالغا إلى منتهى ما يسر له ومن كره الموت كرهه لأنه كان يؤمل مزيد معرفة تحصل له بطول العمر ورأى نفسه مقصرا عما تحتمله قوته لو عمر فهذا سبب كراهة الموت وحبه عند أهل المعرفة وأما سائر الخلق فنظرهم مقصور على شهوات الدنيا إن اتسعت أحبوا البقاء وإن ضاقت تمنوا الموت وكل ذلك حرمان وخسران مصدره الجهل والغفلة فالجهل والغفلة مغرس كل شقاوة والعلم والمعرفة أساس كل سعادة فقد عرفت بما ذكرناه معنى المحبة ومعنى العشق فإنه المحبة المفرطة القوية ومعنى لذة المعرفة ومعنى الرؤية ومعنى لذة الرؤية ومعنى كونها ألذ من سائر اللذات عند ذوي العقول والكمال وإن لم تكن كذلك عند ذوي النقصان كما لم تكن الرياسة ألذ من المطعومات عند الصبيان
فإن قلت فهذه الرؤيا محلها القلب أو العين في الآخرة فاعلم أن الناس قد اختلفوا في ذلك وأرباب البصائر لا يلتفتون إلى هذا الخلاف ولا ينظرون فيه بل العاقل يأكل البقل ولا يسأل عن المبقلة ومن يشتهي رؤية معشوقه يشغله عشقه عن أن يلتفت إلى أن رؤيته تخلق في عينه أو جبهته بل يقصد الرؤيا ولذتها سواء كان ذلك بالعين أو غيرها فإن العين محل وظرف لا نظر إليه ولا حكم له والحق فيه أن القدرة الأزلية واسعة فلا يجوز أن نحكم عليها بالقصور عن أحد الأمرين هذا في حكم الجواز فأما الواقع في الآخرة من الجائزين فلا يدرك إلا بالسمع والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجري على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة والله تعالى أعلم بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى اعلم أن أسعد الخلق حالا في الآخرة أقواهم حبا لله تعالى فإن الآخرة معناها القدوم على الله تعالى ودرك سعادة لقائه وما أعظم نعيم المحب إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه وتمكن من دوام مشاهدته أبد الآباد من غير منغص ومكدر ومن غير رقيب ومزاحم ومن غير خوف انقطاع إلا أن هذا النعيم على قدر قوة الحب فكلما ازدادت المحبة ازدادت اللذة وإنما يكتسب العبد حب الله تعالى في الدنيا وأصل الحب لا ينفك عنه مؤمن لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة وأما قوة الحب واستيلاؤه حتى ينتهي إلى الاستهتار الذي يسمى عشقا فذلك ينفك عنه الأكثرون وإنما يحصل ذلك بسبين أحدهما قطع علائق الدنيا وإخراج حب غير الله من القلب فإن القلب مثل الإناء لا يتسع للخل مثلا ما لم يخرج منه الماء ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وكمال الحب في أن يحب الله عز وجل بكل قلبه وما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره فبقدر ما يشغل بغير الله ينقص منه حب الله وبقدر ما يبقى من الماء في الإناء ينقص من الخل المصبوب فيه وإلى هذا التفريد والتجريد الإشارة بقوله تعالى قل الله ثم ذرهم في خوضهم وبقوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا بل هو معنى قولك لا إله إلا الله أى لا معبود ولا محبوب سواه فكل محبوب فإنه معبود فإن العبد هو المقيد والمعبود هو المقيد به
وكل محب فهو مقيد بما يحبه ولذلك قال الله تعالى أرأيت من اتخذ إلهه هواه وقال صلى الله عليه وسلم أبغض إله عبد في الأرض الهوى ولذلك قال عليه السلام من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة ومعنى الإخلاص أن يخلص قلبه لله فلا يبقى فيه شرك لغير الله فيكون الله محبوب قلبه ومعبود قلبه ومقصود قلبه فقط ومن هذا حاله فالدنيا سجنه لأنها مانعة له من مشاهدة محبوبه وموته خلاص من السجن وقدوم على المحبوب فما حال من ليس له إلا محبوب واحد وقد طال إليه شوقه وتمادى عنه حبسه فخلى من السجن ومكن من المحبوب وروح بالأمن أبد الآباد فأحد أسباب ضعف حب الله في القلوب قوة حب الدنيا ومنه حب الأهل والمال والولد والأقارب والعقار والدواب والبساتين والمنتزهات حتى إن المتفرح بطيب أصوات الطيور وروح نسم الأسحار ملتفت إلى نعيم الدنيا ومتعرض لنقصان حب الله تعالى بسببه فبقدر ما أنس بالدنيا فينقص أنسه بالله ولا يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا وينقص بقدره من الآخرة بالضرورة كما أنه لا يقرب الإنسان من المشرق إلا ويبعد بالضرورة من المغرب بقدره ولا يطيب قلب امرأته إلا ويضيق به قلب ضرتها فالدنيا والآخرة ضرتان وهما كالمشرق والمغرب وقد انكشف ذلك لذوي القلوب انكشافا أوضح من الإبصار بالعين وسبيل قلع حب الدنيا من القلب سلوك طريق الزهد وملازمة الصبر والانقياد إليهما بزمام الخوف والرجاء فما ذكرناها من المقامات كالتوبة والصبر والزهد والخوف والرجاء هي مقدمات ليكتسب بها أحد ركني المحبة وهو تخلية القلب عن غير الله وأوله الإيمان بالله واليوم الآخر والجنة والنار ثم يتشعب منه الخوف والرجاء ويتشعب منهما التوبة والصبر عليهما ثم ينجر ذلك إلى الزهد في الدنيا وفي المال والجاه وكل حظوظ الدنيا حتى يحصل من جميعه طهارة القلب عن غير الله فقط حتى يتسع بعده لنزول معرفة الله وحبه فكل ذلك مقدمات تطهير القلب وهو أحد ركني المحبة وإليه الإشارة بقوله عليه السلام الطهور شطر الإيمان كما ذكرناه في أول كتاب الطهارة السبب الثاني لقوة المحبة قوة معرفة الله تعالى واتساعها واستيلاؤها على القلب وذلك بعد تطهير القلب من جميع شواغل الدنيا وعلائقها يجري مجرى وضع البذر في الأرض بعد تنقيتها من الحشيش وهو الشطر الثاني ثم يتولد من هذا البذر شجرة المحبة والمعرفة وهي الكلمة الطيبة التي ضرب الله بها مثلا حيث قال {ضرب الله مثلا كلمة}
{طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} وإليها الإشارة بقوله تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب} أي المعرفة {والعمل الصالح يرفعه} فالعمل الصالح كالجمال لهذه المعرفة وكالخادم وإنما العمل الصالح كله في تطهير القلب أولا من الدنيا ثم إدامة طهارته فلا يراد العمل إلا لهذه المعرفة وأما العلم بكيفية العمل فيراد للعمل فالعلم هو الأول وهو الآخر وإنما الأول علم المعاملة وغرضه العمل وغرض المعاملة صفاء القلب وطهارته ليتضح فيه جلية الحق ويتزين بعلم المعرفة وهو علم المكاشفة ومهما حصلت هذه المعرفة تبعتها المحبة بالضرورة كما أن من كان معتدل المزاج إذا أبصر الجميل وأدركه بالعين الظاهرة أحبه ومال إليه ومهما أحبه حصلت اللذة فاللذة تبع المحبة بالضرورة والمحبة تبع المعرفة بالضرورة ولا يوصل إلى هذه المعرفة بعد انقطاع شواغل الدنيا من القلب إلا بالفكر الصافي والذكر الدائم والجد البالغ في الطلب والنظر المستمر في الله تعالى وفي صفاته وفي ملكوت سمواته وسائر مخلوقاته والواصلون إلى هذه الرتبة ينقسمون إلى الأقوياء ويكون أول معرفتهم بالله تعالى ثم به يعرفون غيره وإلى الضعفاء ويكون أول معرفتهم بالأفعال ثم يترقون منها إلى الفاعل وإلى الأول الإشارة بقوله تعالى أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد وبقوله تعالى {شهد الله أنه لا إله إلا هو} ومنه نظر بعضهم حيث قيل له بم عرفت ربك قال عرفت ربي ولولا ربي لما عرفت ربي وإلى الثاني الاشارة بقوله تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} الآية وبقوله عز وجل أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وبقوله تعالى قل انظروا ماذا في السموات والأرض وبقوله تعالى الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير وهذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين وهو الأوسع على السالكين وإليه أكثر دعوة القرآن عند الأمر بالتدبر والتفكر والاعتبار والنظر في آيات خارجة عن الحصر فإن قلت كلا الطريقين مشكل فأوضح لنا منهما ما يستعان به على تحصيل المعرفة والتوصل به إلى المحبة فاعلم أن الطريق الأعلى هو الاستشهاد بالحق سبحانه على سائر الخلق فهو غامض والكلام فيه خارج عن حد فهم أكثر الخلق فلا فائدة في إيراده في الكتب وأما الطريق الأسهل الأدنى فأكثره غير خارج عن حد الأفهام وإنما قصرت الأفهام عنه لإعراضها عن التدبر واشتغالها بشهوات الدنيا وحظوظ النفس والمانع من ذكر هذا اتساعه وكثرته وانشعاب أبوابه الخارجة عن الحصر والنهاية إذ مامن ذرة من أعلى السموات إلى تخوم الأرضين إلا وفيها عجائب آيات تدل على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته ومنتهى جلاله وعظمته وذلك مما لا يتناهى {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} فالخوض فيه انغماس في بحار علوم المكاشفة ولا يمكن أن يتطفل به على علوم المعاملة ولكن يمكن الرمز إلى مثال واحد على الإيجاز ليقع التنبيه لجنسه فنقول أسهل الطريقين النظر إلى الأفعال فلنتكلم فيها ولنترك الأعلى ثم الأفعال الإلهية كثيرة فنطلب أقلها وأحقرها وأصغرها ولننظر في عجائبها فأقل المخلوقات هو الأرض وما عليها أعني بالإضافة إلى الملائكة وملكوت السموات فإنك إن نظرت فيها من حيث الجسم والعظم في الشخص فالشمس على ما ترى من صغر حجمها هي مثل الأرض مائة ونيفا وستين مرة فانظر إلى صغر الأرض بالإضافة إليها ثم انظر إلى صغر الشمس بالإضافة إلى
فلكها الذي هي مركوزة فيه فإنه لا نسبة لها إليه وهي في السماء الرابعة وهي صغيرة بالإضافة إلى ما فوقها من السموات السبع ثم السموات السبع في الكرسي كخلقة في فلاة والكرسي في العرش كذلك فهذا نظر إلى ظاهر الأشخاص من حيث المقادير وما أحقر الأرض كلها بالإضافة إليها بل ما أصغر الأرض بالإضافة إلى البحار فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرض في البحر كالاصطبل في الأرض ومصداق هذا عرف بالمشاهدة والتجربة وعلم أن المكشوف من الأرض عن الماء كجزيرة صغيرة بالإضافة إلى كل الأرض ثم انظر إلى الآدمي المخلوق من التراب الذي هو جزء من الأرض وإلى سائر الحيوانات وإلى صغره بالإضافة إلى الأرض ودع عنك جميع ذلك فأصغر ما نعرفه من الحيوانات البعوض والنحل وما يجري مجراه فانظر في البعوض على قدر صغر قدره وتأمله بعقل حاضر وفكر صاف فانظر كيف خلقه الله تعالى على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات إذ خلق له خرطوما مثل خرطومه وخلق له على شكله الصغير سائر الأعضاء كما خلقه للفيل بزيادة جناحين وانظر كيف قسم أعضاءه الظاهرة فأنبت جناحه وأخرج يده ورجله وشق سمعه وبصره ودبر في باطنه من أعضاء الغذاء وآلاته ما دبره في سائر الحيوانات وركب فيها من القوى الغاذية والجاذبة الدافعة والماسكة والهاضمة ما ركب في سائر الحيوانات هذا في شكله وصفاته ثم انظر إلى هدايته كيف هداه الله تعالى إلى غذائه وعرفه أن غذاءه دم الإنسان ثم انظر كيف أنبت له آلة الطيران إلى الإنسان وكيف خلق له الخرطوم الطويل وهو محدد الرأس وكيف هداه إلى مسام بشرة الإنسان حتى يضع خرطومه في واحد منها ثم كيف قواه حتى يغرز فيه الخرطوم وكيف علمه المص والتجرع للدم وكيف خلق الخرطوم مع دقته مجوفا حتى يجري فيه الدم الرقيق وينتهي إلى باطنه وينتشر في سائر أجزائه ويغذيه ثم كيف عرفه أن الإنسان يقصده بيده فعلمه حيلة الهرب واستعداد آلته وخلق له السمع الذي يسمع به خفيف حركة اليد وهي بعد بعيدة منه فيترك المص ويهرب ثم إذا سكنت اليد يعود ثم انظر كيف خلق له حدقتين حتى يبصر موضع غذائه فيقصده مع صغر حجم وجهه وانظر إلى أن حدقة كل حيوان صغير لما لم تحتمل حدقته الأجفان لصغره وكانت الأجفان مصقلة لمرآة الحدقة عن القذى والغبار خلق للبعوض والذباب يدين فتنظر إلى الذباب فتراه على الدوام يمسح حدقتيه بيديه وأما الإنسان والحيوان الكبير فخلق لحدقتيه الأجفان حتى ينطبق أحدهما على الآخر وأطرافهما حادة فيجمع الغبار الذي يلحق الحدقة ويرميه إلى أطراف الأهداب وخلق الأهداب السود لتجمع ضوء العين وتعين على الإبصار وتحسن صورة العين وتشبكها عند هيجان الغبار فينظر من وراء شباك الأهداب واشتباكها يمنع دخول الغبار ولا يمنع الإبصار وأما البعوض فخلق لها حدقتين مصقلتين من غير أجفان وعلمها كيفية التصقيل باليدين ولأجل ضعف أبصارها تراها تتهافت على السراج لأن بصره ضعيف فهي تطلب ضوء النهار فإذا رأى المسكين ضوء السراج بالليل ظن أنه في بيت مظلم وأن السراج كوة من البيت المظلم إلى الموضع المضيء فلا يزال يطلب الضوء ويرمي بنفسه إليه فإذا جاوزه ورأى الظلام ظن أنه لم يصب الكوة ولم يقصدها على السداد فيعود إليه مرة أخرى إلى أن يحترق ولعلك تظن أن هذا لنقصانها وجهلها فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها بل صورة الآدمي في الإكباب على الشهوات الدنيا صورة الفراش في التهافت على النار إذتلوح للآدمي أنوار الشهوات من حيث ظاهر صورتها ولا يدري أن تحتها السم الناقع القاتل فلا يزال يرمي نفسه عليها إلى أن ينغمس فيها ويتقيد بها ويهلك
هلاكا مؤبدا فليت كان جهل الآدمي كجهل الفراش فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في الحال والآدمي يبقى في النار أبد الآباد أو مدة مديدة ولذلك كان ينادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول إني ممسك بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون فيها تهافت الفراش فهذه لمعة عجيبة من عجائب صنع الله تعالى في أصغر الحيوانات وفيها من العجائب ما لو اجتمع الأولون والآخرون على الإحاطة بكنهه عجزوا عن حقيقته ولم يطلعوا على أمور جلية من ظاهر صورته فأما خفايا معاني ذلك فلا يطلع عليها إلا الله تعالى ثم في كل حيوان ونبات أعجوبة وأعاجيب تخصه لا يشاركه فيها غيره فانظر إلى النحل وعجائبها وكيف أوحى الله تعالى إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل وجعل أحدهما ضياء وجعل الآخر شفاء ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار واحترازها عن النجاسات والأقذار وطاعتها لواحد من جملتها هو أكبرها شخصا وهو أميرها ثم ما سخر الله تعالى له أميرها من العدل والإنصاف بينها حتى إنه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة لقضيت منها عجبا آخر العجب إن كنت بصيرا في نفسك وفارغا من هم بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة أقرانك وموالاة إخوانك ثم دع عنك جميع ذلك وانظر إلى بنائها بيوتها من الشمع واختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدس فلا تبني بيتا مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن دركها وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستديرة وما يقرب منها فإن المربع يخرج منه زوايا ضائعة وشكل النحل مستدير مستطيل فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى فارغة ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة فإن الأشكال المستديرة إذا جمعت لم تجتمع متراصة ولا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس وهذه خاصية هذه الشكل فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ولطافة قده لطفا به وعناية بوجوده وما هو محتاج إليه ليتهنأ بعيشه فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه فاعتبر بهذه اللمعة اليسيرة من محقرات الحيوانات ودع عنك عجائب ملكوت الأرض والسموات فإن القدر الذي بلغه فهمنا القاصر منه تنقضي الأعمار دون إيضاحه ولا نسبة لما أحاط به علمنا إلى ما أحاط به العلماء والأنبياء ولا نسبة لما أحاط به علم الخلائق كلهم إلى ما استأثر الله تعالى بعلمه بل كل ما عرفه الخلق لا يستحق أن يسمى علما في جنب علم الله تعالى فبالنظر في هذا وأمثاله تزداد المعرفة الحاصلة بأسهل الطريقين وبزيادة المعرفة تزداد المحبة فإن كنت طالبا سعادة لقاء الله تعالى فانبذ الدنيا وراء ظهرك واستغرق العمر في الذكر الدائم والفكر اللازم فعساك تحظى منها بقدر يسير ولكن تنال بذلك اليسير ملكا عظيما لا آخر له بيان السبب في تفاوت الناس في الحب اعلم أن المؤمنين مشتركون في أصل الحب لاشتراكهم في أصل المحبة ولكنهم متفاوتون لتفاوتهم في المعرفة وفي حب الدنيا إذ الأشياء إنما تتفاوت بتفاوت أسبابها وأكثر الناس ليس لهم من الله تعالى إلا الصفات والأسماء التي قرعت سمعهم فتلقنوها وحفظوها وربما تخيلوا لها معاني يتعالى عنها رب الأرباب وربما لم يطلعوا على حقيقتها ولا تخيلوا لها معنى فاسدا بل آمنوا بها إيمان تسليم وتصديق واشتغلوا بالعمل وتركوا البحث وهؤلاء هم أهل السلامة من أصحاب اليمين والمتخيلون هم الضالون والعارفون بالحقائق هم المقربون وقد ذكر الله حال الأصناف الثلاثة في قوله تعالى {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} الآية
فإن كنت لا تفهم الأمور إلا بالأمثلة فلنضرب لتفاوت الحب مثالا فنقول أصحاب الشافعي مثلا يشتركون في حب الشافعي رحمه الله الفقهاء منهم والعوام لأنهم مشتركون في معرفة فضله ودينه وحسن سيرته ومحامد خصاله ولكن العامي يعرف علمه مجملا والفقيه يعرفه مفصلا فتكون معرفة الفقيه به أتم وإعجابه به وحبه له أشد فإن من رأى تصنيف مصنف فاستحسنه وعرف به فضله أحبه لا محالة ومال إليه قلبه فإن رأى تصنيفا آخر أحسن منه وأعجب تضاعف لا محالة حبه لأنه تضاعفت معرفته بعلمه وكذلك يعتقد الرجل في الشاعر أنه حسن الشعر فيحبه فإذا سمع من غرائب شعره ما عظم فيه حذقه وصنعته ازداد به معرفة وازداد له حبا وكذا سائر الصناعات والفضائل والعامي قد يسمع أن فلانا مصنف وأنه حسن التصنيف ولكن لا يدرى ما في التصنيف فيكون له معرفة مجملة ويكون له بحسبه ميل مجمل والبصير إذا فتش عن التصانيف واطلع على ما فيها من العجائب تضاعف حبه لا محالة لأن عجائب الصنعة والشعر والتصنيف تدل على كمال صفات الفاعل والمصنف والعالم بجملته صنع الله تعالى وتصنيفه والعامي يعلم ذلك ويعتقده وأما البصير فإنه يطالع تفصيل صنع الله تعالى فيه حتى يرى في البعوض مثلا من عجائب صنعه ما ينبهر به عقله ويتحير فيه لبه ويزداد بسببه لا محالة عظمة الله وجلاله وكمال صفاته في قلبه فيزداد له حبا وكلما ازداد على أعاجيب صنع الله إطلاعا استدل بذلك على عظمة الله الصانع وجلاله وازداد به معرفة وله حبا وبحر هذه المعرفة أعنى معرفة عجائب صنع الله تعالى بحر لا ساحل له فلا جرم تفاوت أهل المعرفة في الحب لا حصر له ومما يتفاوت بسببه الحب اختلاف الأسباب الخمسة التي ذكرناها للحب فإن من يحب الله مثلا لكونه محسنا إليه منعما عليه ولم يحبه لذاته ضعفت محبته إذ تتغير بتغير الإحسان فلا يكون حبه في حالة البلاء كحبه في حالة الرضا والنعماء وأما من يحبه لذاته ولأنه مستحق للحب بسبب كماله وجماله ومجده وعظمته فإنه لا يتفاوت حبه بتفاوت الإحسان إليه فهذا وأمثاله هو سبب تفاوت الناس في المحبة والتفاوت في المحبة هو السبب للتفاوت في سعادة الآخرة ولذلك قال تعالى {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} بيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله سبحانه اعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله تعالى وكان هذا يقتضي أن تكون معرفته أول المعارف وأسبقها إلى الأفهام وأسهلها على العقول وترى الأمر بالضد من ذلك فلا بد من بيان السبب فيه وإنما قلنا إنه أظهر الموجودات وأجلاها لمعنى لا تفهمه إلا بمثال وهو أنا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط مثلا كان كونه حيا عندنا من أظهر الموجودات فحياته وعلمه وقدرته وإرادته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة إذصفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه وكل ذلك لا نعرفه وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها وبعضها نشك فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا فإنه جلي عندنا من غير أن يتعلق حس البصر بحياته وقدرته وإرادته فإن هذه الصفات لا تحس بشيء من الحواس الخمس ثم لا يمكن أن نعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته فلو نظرنا إلى كل ما في العالم سواه لم نعرف به صفته فما عليه إلا دليل واحد وهو مع ذلك جلي واضح ووجود الله تعالى وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة والباطنة من حجر ومدر ونبات وشجر وحيوان وسماء وأرض وكوكب وبحر ونار وهواء وجوهر وعرض بل أول شاهد عليه أنفسنا وأجسامنا وأوصافنا وتقلب أحوالنا وتغير قلوبنا وجميع أطوارنا في حركاتنا وسكناتنا وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا ثم محسوساتنا بالحواس الخمس ثم مدركاتنا بالعقل والبصيرة وكل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد وشاهد واحد ودليل واحد وجميع ما في العالم شواهد ناطقة وأدلة شاهدة بوجود خالقها ومدبرها ومصرفها ومحركها ودالة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته
والموجودات المدركة لا حصر لها فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا وليس لها يشهد إلا شاهد واحد وهو ما أحسسنا به من حركة يده فكيف لا يظهر عندنا ما لا يتصور في الوجود شيء داخل نفوسنا وخارجها إلا وهو شاهد عليه وعلى عظمته وجلاله إذ كل ذرة فإنها تنادي بلسان حالها أنه ليس وجودها بنفسها ولا حركتها بذاتها وأنها تحتاج إلى موجد ومحرك لها يشهد بذلك أولا تركيب أعضائنا وائتلاف عظامنا ولحومنا وأعصابنا ومنابت شعورنا وتشكل أطرافنا وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة فإنه نعلم أنها لم تأتلف بأنفسها كما نعلم أن يد الكاتب لم تتحرك بنفسها ولكن لما لم يبق في الوجود شيء مدرك ومحسوس ومعقول وحاضر وغائب إلا وهو شاهد ومعرف عظم ظهوره فانبهرت العقول ودهشت عن إدراكه فإن ما تقصر عن فهمه عقولنا فله سببان أحدهما خفاؤه في نفسه وغموضه وذلك لا يخفى مثاله والآخر ما يتناهى وضوحه وهذا كما أن الخفاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار لا لخفاء النهار واستتاره ولكن لشدة ظهوره فإن بصر الخفاش ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرقت فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع إبصاره فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج الضوء بالظلام وضعف ظهوره فكذلك عقولنا ضعيفة وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة وفي غاية الاستغراق والشمول حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السموات والأرض فصار ظهوره سبب خفائه فسبحان من احتجب بإشراق نوره واختفى عن البصائر والأبصار بظهوره ولا يتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور فإن الأشياء تستبان بأضدادها وماعم وجوده حتى أنه لا ضد له عسر إدراكه فلو اختلفت الأشياء فدل بعضها دون بعض أدركت التفرقة على قرب ولما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض فإنا نعلم أنه عرض من الأعراض يحدث في الأرض ويزول عند غيبة الشمس فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها لكنا نظن أنه لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها وهي السواد والبياض وغيرهما فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد وفي الأبيض إلا البياض فأما الضوء فلا ندركه وحده ولكن لما غابت الشمس وأظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالين فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء واتصفت بصفة فارقتها عند الغروب فعرفنا وجود النور بعدمه وما كنا نطلع عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور هذا مع أن النور أظهر المحسوسات إذ به تدرك سائر المحسوسات فما هو ظاهر في نفسه وهو مظهر لغيره انظر كيف تصور استبهام أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضده فالله تعالى هو أظهر الأمور وبه ظهرت الأشياء كلها ولو كان له عدم أو غيبة أو تغير لانهدت السموات والأرض وبطل الملك والملكوت ولأدرك بذلك التفرقة بين الحالين ولو كان بعض الأشياء موجودا به وبعضها موجودا بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه فلا جرم أورثت شدة الظهور خفاء فهذا هو السبب في قصور الأفهام وأما من قويت بصيرته ولم تضعف منته فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا الله تعالى ولا يعرف غيره يعلم أنه ليس في الوجود إلا الله وأفعاله أثر من الآثار قدرته فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة دونه وإنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها ومن هذه حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ويذهل عن الفعل من حيث إنه سماء وأرض وحيوان وشجر بل ينظر فيه من حيث أنه صنع الواحد الحق فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه ورأى فيها الشاعر والمصنف ورأى آثاره من حيث أثره لا من حيث إنه حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف
وكل العالم تصنيف الله تعالى فمن نظر إليه من حيث إنه فعل الله وعرفه من حيث إنه فعل الله وأحبه من حيث إنه فعل الله لم يكن ناظرا إلا في الله ولا عارفا إلا بالله ولا محبا إلا له وكان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا الله بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث إنه عبدا لله فهذا الذي يقال فيه إنه فني في التوحيد وإنه فني عن نفسه وإليه الإشارة بقول من قال كنا بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر أشكلت لضعف الأفهام عن دركها وقصور قدرة العلماء بها عن إيضاحها وبيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام أو باشتغالهم بأنفسهم واعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم مما لا يعنيهم فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى وانضم إليه أن المدركات كلها التي هي شاهدة على الله إنما يدركها الإنسان في الصبا عند فقد العقل ثم تبدو فيه غريزة العقل قليلا قليلا وهو مستغرق الهم بشهواته وقد أنس بمدركاته ومحسوساته وألفها فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس ولذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا أو نباتا غريبا أو فعلا من أفعال الله تعالى خارقا للعادة عجيبا انطلق لسانه بالمعرفة طبعا فقال سبحان الله وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه وسائر الحيوانات المألوفة وكلها شواهد قاطعة لا يحس بشهادتها لطول الأنس بها ولو فرض أكمه بلغ عاقلا ثم انقشعت غشاوة عينه فامتد بصره إلى السماء والأرض والأشجار والنبات والحيوان دفعة واحدة على سبيل الفجأة لخيف على عقله أن ينبهر لعظم تعجبه من شهادة العجائب لخالقها فهذا وأمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات هو الذي سد على الخلق سبيل الاستضاءة بأنوار المعرفة والسباحة في بحارها الواسعة فالناس في طلبهم معرفة الله كالمدهوش الذي يضرب به المثل إذا كان راكبا لحماره وهو يطلب حماره والجليات إذا صارت مطلوبة صارت معتاصة فهذا سر هذا الأمر فليحقق ولذلك قيل فقد ظهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أكمه لا يعرف القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجبا ... فكيف يعرف من بالعرف قد سترا بيان معنى الشوق إلى الله تعالى اعلم أن من أنكر حقيقة المحبة لله تعالى فلا بد وأن ينكر حقيقة الشوق إذ لا يتصور الشوق إلا إلى محبوب ونحن نثبت وجود الشوق إلى الله تعالى وكون العارف مضطرا إليه بطريق الاعتبار والنظر بأنوار البصائر وبطريق الأخبار والآثار أما الاعتبار فيكفي في إثباته ما سبق في إثبات الحب فكل محبوب يشتاق إليه في غيبته لا محالة فأما الحاصل الحاضر فلا يشتاق إليه فإن الشوق طلب وتشوف إلى أمر والموجود لا يطلب ولكن بيانه أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه ولم يدرك من وجه فأما ما لا يدرك أصلا فلا يشتاق إليه فإن من لم ير شخصا ولم يسمع وصفه ولا يتصور أن يشتاق إليه وما أدرك بكماله لا يشتاق إليه وكمال الإدراك بالرؤية فمن كان في مشاهدة محبوبه مداوما للنظر إليه لا يتصور أن يكون له شوق ولكن الشوق إنما يتعلق بما أدرك من وجه ولم يدرك من وجه وهو من وجهين لا ينكشف إلا بمثال من المشاهدات فنقول مثلا من غاب عنه معشوقه وبقي في قلبه خياله فيشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية فلو انمحى عن قلبه ذكره وخياله ومعرفته حتى نسيه لم يتصور أن يشتاق إليه ولو رآه لم يتصور أن يشتاق في وقت الرؤية فمعنى شوقه تشوق نفسه إلى استكمال خياله فكذلك قد يراه في ظلمة بحيث لا ينكشف له حقيقة صورته فيشتاق إلى استكمال رؤيته وتمام الانكشاف في صورته بإشراق الضوء عليه والثاني أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره مثلا ولا سائر محاسنه فيشتاق لرؤيته وإن لم يرها قط ولم يثبت في نفسه خيال صادر عن الرؤية ولكنه يعلم أن له عضوا وأعضاء جميلة ولم يدرك تفصيل جمالها بالرؤية فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قط
والوجهان جميعا متصوران في حق الله تعالى بل هما لازمان بالضرورة لكل العارفين فإن ما اتضح للعارفين من الأمور الإلهية وإن كان في غاية الوضوح فكأنه من وراء ستر رقيق فلا يكون متضحا غاية الاتضاح بل يكون مشوبا بشوائب التخيلات فإن الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن التمثيل والمحاكاة لجميع المعلومات وهي مكدرات للمعارف ومنغصات وكذلك ينضاف إليها شواغل الدنيا فإنما كمال الوضوح بالمشاهدة وتمام إشراق التجلي ولا يكون ذلك إلا في الآخرة وذلك بالضرورة يوجب الشوق فإنه منتهى محبوب العارفين فهذا أحد نوعي الشوق وهو استكمال الوضوح فيما اتضح اتضاحا ما الثاني أن الأمور الإلهية لا نهاية لها وإنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها وتبقى أمور لا نهاية لها غامضة والعارف يعلم وجودها وكونها معلومة لله تعالى ويعلم أن ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر مما حضر فلا يزال متشوقا إلى أن يحصل له أصل المعرفة فيما لم يحصل مما بقي من المعلومات التي لم يعرفها أصلا لا معرفة واضحة ولا معرفة غامضة والشوق الأول ينتهي في الدار الآخرة بالمعنى الذي يسمى رؤية ولقاء ومشاهدة ولا يتصور أن يسكن في الدنيا وقد كان إبراهيم بن أدهم من المشتاقين فقال قلت ذات يوم يارب إن أعطيت أحدا من المحبين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني ذلك فقد أضر بي القلق قال فرأيت في النوم أنه أوقفني بين يديه وقال يا إبراهيم أما استحييت مني أن تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه فقلت يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمني ما أقول فقال قل اللهم رضني بقضائك وصبرني على بلائك وأوزعني شكر نعمائك فإن هذا الشوق يسكن في الآخرة وأما الشوق الثاني فيشبه أن لا يكون له نهاية لا في الدنيا ولا في الآخرة إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة من جلال الله تعالى وصفاته وحكمته وأفعاله ما هو معلوم لله تعالى وهو محال لأن ذلك لا نهاية له ولا يزال العبد عالما بأنه بقي من الجمال والجلال ما لم يتضح له فلا يسكن قط شوقه لا سيما من يرى فوق درجته درجات كثيرة إلا أنه تشوق إلى استكمال الوصال مع حصول أصل الوصال فهو يجد لذلك شوقا لذيذا لا يظهر فيه ألم ولا يبعد أن تكون ألطاف الكشف والنظر متوالية إلى غير نهاية فلا يزال النعيم واللذة متزايدا أبد الآباد وتكون لذة ما يتجدد من لطائف النعيم شاغلة عن الإحساس بالشوق إلى ما لم يحصل وهذا بشرط أن يمكن حصول الكشف فيما لم يحصل فيه كشف في الدنيا أصلا فإن كان ذلك غير مبذول فيكون النعيم واقفا على حد لا يتضاعف ولكن يكون مستمرا على الدوام وقوله سبحانه وتعالى {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا} محتمل لهذا المعنى وهو أن ينعم عليه بإتمام النور مهما تزود من الدنيا أصل النور ويحتمل أن يكون المراد به إتمام النور في غير ما استنار في الدنيا استنارة محتاجة إلى مزيد الاستكمال والإشراق فيكون هو المراد بتمامه وقوله تعالى {انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا} يدل على أن الأنوار لابد وأن يتزود أصلها في الدنيا ثم يزداد في الآخرة إشراقا فأما أن يتجدد نور فلا والحكم في هذا برجم الظنون مخطر ولم ينكشف لنا فيه بعد ما يوثق به فنسأل الله تعالى أن يزيدنا علما ورشدا ويرينا الحق حقا فهذا القدر من أنوار البصائر كاشف لحقائق الشوق ومعانيه
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa itu ikhlas (keikhlasan), dan mengapa penting?
- Bagaimana Islam menggambarkan penyucian hati?