Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bölüm V01/P608–V01/P611

[البقرة: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] قال أبو جعفر: ذكر أن أحبار اليهود والمنافقين كانوا يأمرون الناس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه؛ فأمرهم الله بإقام الصلاة مع المسلمين المصدقين بمحمد وبما جاء به وإيتاء زكاة أموالهم معهم وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا كما حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة: " في قوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] قال: فريضتان واجبتان، فأدوهما إلى الله " وقد بينا معنى إقامة الصلاة فيما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادته أما إيتاء الزكاة: فهو أداء الصدقة المفروضة؛ وأصل الزكاة: نماء المال وتثميره وزيادته ومن ذلك قيل: زكا الزرع: إذا كثر ما أخرج الله منه؛ وزكت النفقة: إذا كثرت. وقيل: زكا الفرد، إذا صار زوجا بزيادة الزائد عليه حتى صار به شفعا، كما قال الشاعر 01P612 [+البحر البسيط] كانوا خسا أو زكا من دون أربعة لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج وقال آخر: [+البحر الرجز] فلا خسا عديده ولا زكا كما شرار البقل أطراف السفا قال أبو جعفر: السفا: شوك البهمى، والبهمى: الذي يكون مدورا في السلاء. يعني بقوله: ولا زكا لم يصيرهم شفعا من وتر بحدوثه فيهم. وإنما قيل للزكاة زكاة وهي مال يخرج من مال لتثمير الله بإخراجها مما أخرجت منه ما بقي عند رب المال من ماله. وقد يحتمل أن تكون سميت زكاة لأنها تطهير لما بقي من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مظلمة لأهل السهمان، كما قال جل ثناؤه مخبرا عن نبيه موسى صلوات الله عليه: {أقتلت نفسا زكية} [الكهف: 74] يعني بريئة من الذنوب طاهرة، وكما يقال للرجل: هو عدل زكي لذلك المعنى. وهذا الوجه أعجب إلي في تأويل زكاة المال من الوجه الأول، 01P613 وإن كان الأول مقبولا في تأويلها. وإيتاؤها: إعطاؤها أهلها وأما تأويل الركوع: فهو الخضوع لله بالطاعة، يقال منه: ركع فلان لكذا وكذا: إذا خضع له، ومنه قول الشاعر: [+البحر البسيط] بيعت بكسر لئيم واستغاث بها من الهزال أبوها بعد ما ركعا يعني: بعدما خضع من شدة الجهد والحاجة. وهذا أمر من الله جل ثناؤه لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها بالإنابة والتوبة إليه، وبإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والدخول مع المسلمين في الإسلام، والخضوع له بالطاعة. ونهي منه لهم عن كتمان ما قد علموه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد تظاهر حججه عليهم بما قد وصفنا قبل فيما مضى من كتابنا هذا، وبعد الإعذار إليهم والإنذار، وبعد تذكيرهم نعمه إليهم وإلى أسلافهم تعطفا منه بذلك عليهم وإبلاغا إليهم في المعذرة 01P611

Bölüm V01/P611–V01/P616

[البقرة: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} [البقرة: 44] قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى البر الذي كان المخاطبون بهذه الآية يأمرون الناس به وينسون أنفسهم، بعد إجماع جميعهم على أن كل طاعة لله فهي تسمى برا فروي عن ابن عباس ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن 01P614 عباس: " {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} [البقرة: 44] أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم: أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي " وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " في قوله: {أتأمرون الناس بالبر} [البقرة: 44] يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة {وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44] " وقال آخرون بما حدثني به، موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44] قال: كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وهم يعصونه " وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44] قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون، فعيرهم الله " وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا الحجاج، قال: قال ابن جريج: " {أتأمرون الناس بالبر} [البقرة: 44] أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس 01P615 بالصوم والصلاة، ويدعون العمل بما يأمرون به الناس، فعيرهم الله بذلك، فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة " وقال آخرون بما حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " هؤلاء اليهود كان إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق، فقال الله لهم: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} [البقرة: 44] " وحدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم الحرمي، قال: حدثنا مخلد بن الحسين، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة: " في قول الله: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب} [البقرة: 44] قال: قال أبو الدرداء: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا " قال أبو جعفر: وجميع الذي قال في تأويل هذه الآية من ذكرنا قوله متقارب المعنى؛ لأنهم وإن اختلفوا في صفة البر الذي كان القوم يأمرون به غيرهم الذين وصفهم الله بما وصفهم به فهم متفقون في أنهم كانوا يأمرون الناس بما لله فيه رضا من القول أو العمل، ويخالفون ما أمروهم به من ذلك إلى غيره بأفعالهم 01P616 فالتأويل الذي يدل على صحته ظاهر التلاوة إذا: أتأمرون الناس بطاعة الله وتتركون أنفسكم تعصيه، فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم. معيرهم بذلك ومقبحا إليهم ما أتوا به. ومعنى نسيانهم أنفسهم في هذا الموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] بمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله من ثوابه 01P615 [البقرة: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنتم تتلون الكتاب} [البقرة: 44] قال أبو جعفر: يعني بقوله: {تتلون} [البقرة: 44] تدرسون وتقرءون كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {وأنتم تتلون الكتاب} [البقرة: 44] يقول: تدرسون الكتاب بذلك. ويعني بالكتاب: التوراة " 01P616

Bölüm V01/P616

[البقرة: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {أفلا تعقلون} [البقرة: 44] قال أبو جعفر: يعني بقوله: {أفلا تعقلون} [البقرة: 44] أفلا تفقهون وتفهمون قبح ما تأتون من معصيتكم ربكم التي تأمرون الناس بخلافها وتنهونهم عن ركوبها وأنتم راكبوها، وأنتم تعلمون أن الذي عليكم من حق الله وطاعته في اتباع محمد والإيمان به وبما جاء به مثل الذي على من تأمرونه باتباعه كما حدثنا به، محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا 01P617 بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {أفلا تعقلون} [البقرة: 44] يقول: أفلا تفهمون فنهاهم عن هذا الخلق القبيح " وهذا يدل على صحة ما قلنا من أمر أحبار يهود بني إسرائيل غيرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم كانوا يقولون هو مبعوث إلى غيرنا كما ذكرنا قبل 01P616

Bölüm V01/P616–V01/P617

[البقرة: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: {واستعينوا بالصبر} [البقرة: 45] استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم، من طاعتي واتباع أمري، وترك ما تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري، واتباع رسولي محمد صلى الله عليه وسلم، بالصبر عليه والصلاة. وقد قيل: إن معنى الصبر في هذا الموضع: الصوم، والصوم بعض معاني الصبر عندنا. بل تأويل ذلك عندنا: أن الله تعالى ذكره أمرهم بالصبر على ما كرهته نفوسهم من طاعة الله، وترك معاصيه. وأصل الصبر: منع النفس محابها وكفها عن هواها ولذلك قيل للصابر على المصيبة: صابر، لكفه نفسه عن الجزع؛ وقيل لشهر رمضان: شهر الصبر، لصبر صائمه عن المطاعم والمشارب نهارا، وصبره إياهم عن ذلك: حبسه لهم، وكفه إياهم عنه، كما يصبر الرجل المسيء للقتل فتحبسه عليه حتى تقتله. ولذلك قيل: قتل فلان فلانا صبرا، يعني به حبسه عليه حتى قتله، فالمقتول مصبور، والقاتل صابر. وأما الصلاة فقد ذكرنا معناها فيما مضى. فإن قال لنا قائل: قد علمنا معنى الأمر بالاستعانة بالصبر على الوفاء بالعهد والمحافظة على الطاعة، فما معنى الأمر بالاستعانة بالصلاة على طاعة الله، وترك معاصيه، والتعري عن الرياسة، وترك الدنيا؟ قيل: إن الصلاة فيها تلاوة كتاب الله، الداعية آياته إلى رفض الدنيا وهجر نعيمها، المسلية النفوس عن زينتها وغرورها، المذكرة الآخرة وما أعد الله فيها لأهلها. ففي الاعتبار بها المعونة لأهل طاعة الله على الجد فيها، كما روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة حدثني بذلك، إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا الحسين بن رتاق الهمداني، عن ابن جريج، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة، عن عبد العزيز بن اليمان، عن حذيفة، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» وحدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا خلف بن الوليد الأزدي، قال: حدثنا يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي، قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة، قال حذيفة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى» وكذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى أبا هريرة منبطحا على بطنه فقال له: «اشكنب درد» ؟

Bölüm V01/P617

قال: نعم، قال: «قم فصل فإن في الصلاة شفاء» 01P620 فأمر الله جل ثناؤه الذين وصف أمرهم من أحبار بني إسرائيل أن يجعلوا مفزعهم في الوفاء بعهد الله الذي عاهدوه إلى الاستعانة بالصبر والصلاة كما أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له: {فاصبر} [طه: 130] يا محمد {على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} [طه: 130] فأمره جل ثناؤه في نوائبه بالفزع إلى الصبر والصلاة وقد حدثنا محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن ابن عباس: " نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] " وأما أبو العالية فإنه كان يقول بما حدثني به المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {واستعينوا بالصبر 01P621 والصلاة} [البقرة: 45] قال يقول: استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، واعلموا أنهما من طاعة الله " وقال ابن جريج بما حدثنا به القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " في قوله: {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] قال: إنهما معونتان على رحمة الله " وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] الآية، قال: قال المشركون: والله يا محمد إنك لتدعونا إلى أمر كبير، قال: إلى الصلاة والإيمان بالله "

Bölüm V01/P617–V01/P623

[البقرة: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] يعني بقوله جل ثناؤه: {وإنها} [البقرة : 45] وإن الصلاة، فالهاء والألف في وإنها عائدتان على الصلاة. وقد قال بعضهم: إن قوله: {وإنها} [البقرة: 45] بمعنى: إن إجابة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يجر لذلك بلفظ الإجابة ذكر فتجعل الهاء والألف كناية عنه، وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته ويعني بقوله: {لكبيرة} [البقرة: 45] لشديدة ثقيلة كما حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا ابن يزيد، قال: أخبرنا 01P622 جويبر، عن الضحاك: " في قوله: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] قال: إنها لثقيلة " ويعني بقوله: {إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده كما حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] يعني المصدقين بما أنزل الله " وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] قال: يعني الخائفين " وحدثني محمد بن جعفر، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد: " {إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] قال: المؤمنين حقا " وحدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " الخشوع: الخوف والخشية لله. وقرأ قول الله: {خاشعين من الذل} [الشورى: 45] قال: قد أذلهم الخوف الذي نزل بهم، وخشعوا له " وأصل الخشوع: التواضع والتذلل والاستكانة ومنه قول الشاعر: [+البحر الكامل] لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع يعني والجبال خشع متذللة لعظم المصيبة بفقده. فمعنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله، وكفها عن معاصي الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقر به من مراضي الله، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله المستكينين لطاعته المتذللين من مخافته 01P623 [البقرة: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون} [البقرة: 46] قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف أخبر الله جل ثناؤه عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أنه يظن أنه ملاقيه، والظن: شك، والشاك في لقاء الله عندك بالله كافر؟ قيل له: إن العرب قد تسمي اليقين ظنا، والشك ظنا، نظير تسميتهم الظلمة سدفة والضياء سدفة، والمغيث صارخا، والمستغيث صارخا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تسمي بها الشيء وضده. ومما يدل على أنه يسمى به اليقين قول دريد بن الصمة [+البحر الطويل] فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد يعني بذلك: تيقنوا ألفي مدجج تأتيكم. وقول عميرة بن طارق: بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم وأجعل مني الظن غيبا مرجما يعني: وأجعل مني اليقين غيبا مرجما. والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية. ومنه قول الله جل ثناؤه: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها} [الكهف: 53] وبمثل الذي قلنا في ذلك جاء تفسير المفسرين حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: " {يظنون أنهم ملاقو ربهم} [البقرة: 46] قال: إن الظن ههنا يقين " وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان، عن 01P625 جابر، عن مجاهد، قال: «كل ظن في القرآن يقين، إني ظننت وظنوا» وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «كل ظن في القرآن فهو علم» وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم} [البقرة: 46] أما يظنون فيستيقنون " وحدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم} [البقرة: 46] علموا أنهم ملاقو ربهم، هي كقوله: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} [الحاقة: 20] يقول علمت " وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم} [البقرة: 46] قال: لأنهم لم يعاينوا، فكان ظنهم يقينا، وليس ظنا في شك. وقرأ: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} [الحاقة: 20] " 01P625

Bölüm V01/P623–V01/P626

[البقرة: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {أنهم ملاقو ربهم} [البقرة: 46] قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف قيل إنهم ملاقو ربهم فأضيف الملاقون إلى الرب جل ثناؤه وقد علمت أن معناه: الذين يظنون أنهم يلقون ربهم؟ وإذا كان المعنى كذلك، فمن كلام العرب ترك الإضافة وإثبات النون، وإنما تسقط النون وتضيف في الأسماء المبنية من الأفعال إذا كانت بمعنى فعل، فأما إذا كانت بمعنى يفعل وفاعل، فشأنها إثبات النون، وترك الإضافة. قيل: لا تدافع بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب وألسنها في إجازة إضافة الاسم المبني من فعل ويفعل، وإسقاط النون وهو بمعنى يفعل وفاعل، أعني بمعنى الاستقبال وحال الفعل ولما ينقض، فلا وجه لمسألة السائل عن ذلك: لم قيل؟ وإنما اختلف أهل العربية في السبب الذي من أجله أضيف وأسقطت النون. فقال نحويو البصرة: أسقطت النون من: {ملاقو ربهم} [البقرة: 46] وما أشبهه من الأفعال التي في لفظ الأسماء وهي في معنى يفعل وفي معنى ما لم ينقض استثقالا لها، وهي مرادة كما قال جل ثناؤه: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] وكما قال: {إنا مرسلو الناقة فتنة لهم} [القمر: 27] ولما يرسلها بعد؛ وكما قال الشاعر: [+البحر البسيط] هل أنت باعث دينار لحاجتنا أو عبد رب أخا عون بن مخراق فأضاف باعثا إلى الدينار، ولما يبعث، ونصب عبد رب عطفا على موضع دينار لأنه في موضع نصب وإن خفض وكما قال الآخر: [+البحر المنسرح] الحافظو عورة العشيرة لا يأتيهم من ورائهم نطف بنصب العورة وخفضها. فالخفض على الإضافة، والنصب على حذف النون استثقالا، وهي مرادة. وهذا قول نحويي البصرة. وأما نحويو الكوفة فإنهم قالوا: جائز في {ملاقو} [البقرة: 46] الإضافة، وهي في معنى يلقون، وإسقاط النون منه لأنه في لفظ الأسماء، فله في الإضافة إلى الأسماء حظ الأسماء، وكذلك حكم كل اسم له كان نظيرا. قالوا: وإذا أثبت في شيء من ذلك النون وتركت الإضافة، فإنما تفعل ذلك به لأن له معنى يفعل الذي لم يكن ولم يجب بعد. قالوا: فالإضافة فيه للفظ، وترك الإضافة للمعنى. فتأويل الآية إذا: واستعينوا على الوفاء بعهدي بالصبر عليه والصلاة، وإن الصلاة لكبيرة إلا على الخائفين عقابي، المتواضعين لأمري، الموقنين بلقائي والرجوع إلي بعد مماتهم. وإنما أخبر الله جل ثناؤه أن الصلاة كبيرة إلا على من هذه صفته؛ لأن من كان غير موقن بمعاد ولا مصدق بمرجع ولا ثواب ولا عقاب، فالصلاة عنده عناء وضلال، لأنه لا يرجو بإقامتها إدراك نفع ولا دفع ضر، وحق لمن كانت هذه الصفة صفته أن تكون الصلاة عليه كبيرة، وإقامتها عليه ثقيلة، وله فادحة. وإنما خفت على المؤمنين المصدقين بلقاء الله، الراجين عليها جزيل ثوابه، الخائفين بتضييعها أليم عقابه، لما يرجون بإقامتها في معادهم من الوصول إلى ما وعد الله عليها أهلها، ولما يحذرون بتضييعها ما أوعد مضيعها. فأمر الله جل ثناؤه أحبار بني إسرائيل الذين خاطبهم بهذه الآيات أن يكونوا من مقيميها الراجين ثوابها إذا كانوا أهل يقين بأنهم إلى الله راجعون وإياه في القيامة ملاقون 01P627

Bölüm V01/P626–V01/P630

[البقرة: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنهم إليه راجعون} [البقرة: 46] قال أبو جعفر: والهاء والميم اللتان في قوله: {وأنهم} [البقرة: 46] من ذكر الخاشعين، والهاء في إليه من ذكر الرب تعالى ذكره في قوله: {ملاقو ربهم} [البقرة: 46] فتأويل الكلمة: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الموقنين أنهم إلى ربهم راجعون. ثم اختلف في تأويل الرجوع الذي في قوله: {وأنهم إليه راجعون} [البقرة: 46] فقال بعضهم بما حدثني به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {وأنهم إليه راجعون} [البقرة: 46] قال: يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة " وقال آخرون: معنى ذلك أنهم إليه يرجعون بموتهم. وأولى التأويلين بالآية القول الذي قاله أبو العالية؛ لأن الله تعالى ذكره، قال في الآية التي قبلها {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] فأخبر الله، جل ثناؤه أن مرجعهم، إليه بعد نشرهم وإحيائهم من مماتهم، وذلك لا شك يوم القيامة، فكذلك تأويل قوله: {وأنهم إليه راجعون} [البقرة: 46] 01P628 [البقرة: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47] قال أبو جعفر: وتأويل ذلك في هذه الآية نظير تأويله في التي قبلها في قوله: {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي} [البقرة: 40] وقد ذكرته 01P629 هنالك 01P628 [البقرة: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {وأني فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47] قال أبو جعفر: وهذا أيضا مما ذكرهم جل ثناؤه من آلائه ونعمه عندهم ويعني بقوله: {وأني فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47] أني فضلت أسلافكم، فنسب نعمه على آبائهم وأسلافهم إلى أنها نعم منه عليهم، إذ كانت مآثر الآباء مآثر للأبناء، والنعم عند الآباء نعما عند الأبناء، لكون الأبناء من الآباء، وأخرج جل ذكره قوله: {وأني فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47] مخرج العموم، وهو يريد به خصوصا؛ لأن المعنى: وأني فضلتكم على عالم من كنتم بين ظهريه وفي زمانه كالذي حدثنا به، محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {وأني فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47] قال: فضلهم على عالم ذلك الزمان " حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {وأني فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47] قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالما " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: " في قوله: {وأني فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47] قال: على من هم بين ظهرانيه " وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «على من هم بين ظهرانيه» وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قول الله: " {وأني فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47] قال: عالم أهل ذلك الزمان. وقرأ قول الله: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} [الدخان: 32] قال: هذه لمن أطاعه واتبع أمره، وقد كان فيهم القردة وهم أبغض خلقه إليه، وقال لهذه الأمة: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: هذه لمن أطاع الله واتبع أمره واجتنب محارمه " قال أبو جعفر: والدليل على صحة ما قلنا من أن تأويل ذلك على الخصوص الذي وصفنا ما حدثني به، يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، جميعا، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إنكم وفيتم سبعين أمة» قال يعقوب في حديثه: «أنتم آخرها» وقال الحسن: «أنتم خيرها وأكرمها على الله» فقد أنبأ هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل لم يكونوا مفضلين على أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وأن معنى قوله: {وفضلناهم على العالمين} [الجاثية: 16] وقوله: {وأني فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47] على ما بينا من تأويله. وقد أتينا على بيان تأويل قوله: {العالمين} [البقرة: 47] بما فيه الكفاية في غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن 01P631 إعادته

Bölüm V01/P630–V01/P632

[البقرة: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون} [البقرة: 48] قال أبو جعفر: \ وتأويل قوله: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة: 48] واتقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا. وجائز أيضا أن يكون تأويله: واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس شيئا، كما قال الراجز: قد صبحت صبحها السلام بكبد خالطها سنام في ساعة يحبها الطعام وهو يعني: يحب فيها الطعام، فحذفت الهاء الراجعة على اليوم، إذ فيه اجتزاء بما ظهر من قوله: {واتقوا يوما لا تجزي نفس} [البقرة: 48] الدال على المحذوف منه عما حذف، إذ كان معلوما معناه. وقد زعم قوم من أهل العربية أنه لا يجوز أن يكون المحذوف في هذا الموضع إلا الهاء. وقال آخرون: لا يجوز أن يكون المحذوف إلا فيه. وقد دللنا فيما مضى على جواز حذف كل ما دل الظاهر عليه. وأما المعنى في قوله: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة: 48] فإنه تحذير من الله تعالى ذكره عباده الذين خاطبهم بهذه الآية عقوبته أن تحل بهم يوم القيامة، وهو اليوم الذي لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا، ولا يجزي فيه والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا. وأما تأويل قوله: {لا تجزي نفس} [البقرة: 48] فإنه يعني: لاتغني كما حدثني به، موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " {واتقوا يوما لا تجزي نفس} [البقرة: 48] أما تجزي: فتغني " وأصل الجزاء في كلام العرب: القضاء والتعويض يقال: جزيته قرضه ودينه أجزيه جزاء، بمعنى: قضيته دينه، ومن ذلك قيل: جزى الله فلانا عني خيرا أو شرا، بمعنى: أثابه عني وقضاه عني ما لزمني له بفعله الذي سلف منه إلي. وقد قال قوم من أهل العلم بلغة العرب: يقال: أجزيت عنه كذا: إذا أعنته عليه، وجزيت عنك فلانا: إذا كافأته. وقال آخرون منهم: بل جزيت عنك: قضيت عنك، وأجزيت: كفيت. وقال آخرون منهم: بل هما بمعنى واحد، يقال: جزت عنك شاة وأجزت، وجزى عنك درهم وأجزى، ولا تجزي عنك شاة ولا تجزي بمعنى واحد، إلا أنهم ذكروا أن جزت عنك ولا تجزي عنك من لغة أهل الحجاز، وأن أجزأ وتجزئ من لغة غيرهم. وزعموا أن تميما خاصة من بين قبائل العرب تقول: أجزأت عنك شاة، وهي تجزئ عنك. وزعم آخرون أن جزي بلا همز: قضى، وأجزأ بالهمز: كافأ. فمعنى الكلام إذا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس شيئا ولا تغني عنها غنى. فإن قال لنا قائل: وما معنى: لا تقضي نفس عن نفس، ولا تغني عنها غنى؟

Bölüm V01/P632–V01/P634

قيل: هو أن أحدنا اليوم ربما قضى عن ولده أو والده أو ذي الصداقة والقرابة دينه؛ وأما في الآخرة فإنه فيما أتتنا به الأخبار عنها يسر الرجل أن يبرد له على ولده أو والده حق، وذلك أن قضاء الحقوق في القيامة من الحسنات والسيئات كما حدثنا أبو كريب، ونصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: حدثنا المحاربي، عن أبي خالد الدولابي يزيد بن عبد الرحمن، عن زيد بن أبي أنيسة، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله عبدا كانت عنده لأخيه مظلمة في عرض» قال أبو بكر في حديثه: «أو مال أو جاه، فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أخذوا من حسناته، وإن لم تكن له حسنات حملوا عليه من سيئاتهم» 01P634 حدثنا أبو عثمان المقدمي، قال: حدثنا القروي، قال: حدثنا مالك، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه حدثنا خلاد بن أسلم، قال: حدثنا أبو همام الأهوازي، قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد، عن سعيد عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه حدثنا موسى بن سهل الرملي، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا عبد العزيز الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم وعليه دين، فإنه ليس هناك دينار ولا درهم، إنما يقتسمون هنالك الحسنات والسيئات» وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يمينا وشمالا حدثني محمد بن إسحاق، قال: قال: حدثنا سالم بن قآدم، قال: حدثنا أبو معاوية هاشم بن عيسى، قال: أخبرني الحارث بن مسلم، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي هريرة. قال أبو جعفر: فذلك معنى قوله جل ثناؤه: {لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة: 48] يعني أنها لا تقضي عنها شيئا لزمها لغيرها؛ لأن القضاء هنالك من الحسنات والسيئات على ما وصفنا. وكيف يقضي عن غيره ما لزمه من كان يسره أن يثبت له على ولده أو والده حق، فيأخذه منه ولا يتجافى له عنه؟ . وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى قوله: {لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة: 48] لا تجزي منها أن تكون مكانها. وهذا قول يشهد ظاهر القرآن على فساده، وذلك أنه غير معقول في كلام العرب أن يقول القائل: ما أغنيت عني شيئا، بمعنى: ما أغنيت مني أن تكون مكاني، بل إذا أرادوا الخبر عن شيء أنه لا يجزي من شيء، قالوا لا يجزي هذا من هذا، ولا يستجيزون أن يقولوا: لا يجزي هذا من هذا شيئا. فلو كان تأويل قوله: {لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة: 48] ما قاله من حكينا قوله لقال: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس} [البقرة: 48] كما يقال: لا تجزي نفس من نفس، ولم يقل لا تجزي نفس عن نفس شيئا: وفي صحة التنزيل بقوله: لا تجزي نفس عن نفس شيئا أوضح الدلالة على صحة ما قلنا وفساد قول من ذكرنا قوله في ذلك 01P635

Bölüm V01/P634–V01/P636

[البقرة: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يقبل منها شفاعة} [البقرة: 48] قال أبو جعفر: والشفاعة مصدر من قول الرجل: شفع لي فلان إلى فلان شفاعة، وهو طلبه إليه في قضاء حاجته وإنما قيل للشفيع شفيع وشافع لأنه ثنى المستشفع به فصار له شفعا، فكان ذو الحاجة قبل استشفاعه به في حاجته فردا، فصار صاحبه له فيها شافعا، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة؛ ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض شفيعا لمصير البائع به شفعا. فتأويل الآية إذا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع، فيترك لها ما لزمها من حق. وقيل: إن الله عز وجل خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل، وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه، وسيشفع لنا عنده آباؤنا. فأخبرهم الله جل وعز أن نفسا لا تجزي عن نفس شيئا في القيامة، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقه كما حدثني عباس بن أبي طالب، قال: حدثنا حجاج بن نصير، عن شعبة، عن العوام بن مزاحم رجل من قيس بن ثعلبة، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان بن عفان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة، كما قال الله عز وجل {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم 01P637 نفس شيئا} [الأنبياء: 47] الآية " فآيسهم الله جل ذكره مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم من النجاة من عذاب الله مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق وخلافهم أمر الله في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عنده بشفاعة آبائهم وغيرهم من الناس كلهم، وأخبرهم أنه غير نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم والإنابة من ضلالهم، وجعل ما سن فيهم من ذلك إماما لكل من كان على مثل منهاجهم لئلا يطمع ذو إلحاد في رحمة الله. وهذه الآية وإن كان مخرجها عاما في التلاوة، فإن المراد بها خاص في التأويل لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» وأنه قال: «ليس من نبي إلا وقد أعطي دعوة، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئا» فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله: {ولا يقبل منها شفاعة} [البقرة: 48] إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عز وجل. وليس هذا من مواضع الإطالة في القول في الشفاعة والوعد والوعيد، فنستقصي الحجاج في ذلك، وسنأتي على ما فيه الكفاية في مواضعه إن شاء الله تعالى 01P636

Bölüm V01/P636–V01/P638

[البقرة: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يؤخذ منها عدل} [البقرة: 48] قال أبو جعفر: والعدل في كلام العرب بفتح العين: الفدية كما حدثنا به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {ولا يؤخذ منها عدل} [البقرة: 48] قال: يعني فداء " وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: " {ولا يؤخذ منها عدل} [البقرة: 48] أما عدل فيعدلها من العدل، يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {ولا يؤخذ منها عدل} [البقرة: 48] قال: لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها " حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا حسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: " {ولا يؤخذ منها عدل} [البقرة: 48] قال: بدل، والبدل: الفدية " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {ولا يؤخذ منها عدل} [البقرة: 48] قال: لو أن لها ملء الأرض ذهبا لم يقبل منها فداء قال: ولو جاءت بكل شيء لم يقبل منها " وحدثني نجيح بن إبراهيم، قال: حدثنا علي بن حكيم، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمرو بن قيس الملائي، عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن عليه الثناء، قال: قيل يا رسول الله ما العدل؟ قال: " العدل: الفدية " وإنما قيل للفدية من الشيء والبدل منه عدل، لمعادلته إياه وهو من غير جنسه؛ ومصيره له مثلا من وجه الجزاء، لا من وجه المشابهة في الصورة والخلقة، كما قال جل ثناؤه: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} [الأنعام: 70] بمعنى: وإن تفد كل فدية لا يؤخذ منها، يقال منه: هذا عدله وعديله. وأما العدل بكسر العين، فهو مثل الحمل المحمول على الظهر، يقال من ذلك: عندي غلام عدل غلامك، وشاة عدل شاتك بكسر العين، إذا كان غلام يعدل غلاما، وشاة تعدل شاة، وكذلك ذلك في كل مثل للشيء من جنسه. فإذا أريد أن عنده قيمته من غير جنسه نصبت العين فقيل: عندي عدل شاتك من الدراهم. وقد ذكر عن بعض العرب أنه يكسر العين من العدل الذي هو بمعنى الفدية لمعادلة ما عادله من جهة الجزاء، وذلك لتقارب معنى العدل والعدل عندهم، فأما واحد الأعدال فلم يسمع فيه إلا عدل بكسر العين 01P639 [البقرة: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا هم ينصرون} [البقرة: 48] وتأويل قوله: {ولا هم ينصرون} [البقرة: 48] يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشا والشفاعات، وارتفع بين القوم التعاون 01P640 والتناصر، وصار الحكم إلى العدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها. وذلك نظير قوله جل ثناؤه: {وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون} [الصافات: 25] وكان ابن عباس يقول في معنى: {لا تناصرون} [الصافات: 25] ما حدثت به، عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {ما لكم لا تناصرون} [الصافات: 25] ما لكم لا تمانعون منا؟ هيهات ليس ذلك لكم اليوم. وقد قال بعضهم في معنى قوله: {ولا هم ينصرون} [البقرة: 48] وليس لهم من الله يومئذ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم. وقد قيل: ولا هم ينصرون بالطلب فيهم والشفاعة والفدية ". قال أبو جعفر: والقول الأول أولى بتأويل الآية لما وصفنا من أن الله جل ثناؤه إنما أعلم المخاطبين بهذه الآية أن يوم القيامة يوم لا فدية لمن استحق من خلقه عقوبته، ولا شفاعة فيه، ولا ناصر له. وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخبر أن ذلك يوم القيامة معدوم لا سبيل لهم إليه 01P640

Bölüm V01/P638–V01/P641

[البقرة: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} [البقرة: 49] أما تأويل قوله: {وإذ نجيناكم} [البقرة: 49] فإنه عطف على قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي} [البقرة: 40] فكأنه قال: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا إنعامنا عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون بإنجائنا لكم منهم. وأما آل فرعون فإنهم أهل دينه وقومه وأشياعه. وأصل آل أهل، أبدلت الهاء همزة، كما قالوا ماه، فأبدلوا الهاء همزة، فإذا صغروه قالوا مويه، فردوا الهاء في التصغير وأخرجوه على أصله. وكذلك إذا صغروا آل، قالوا: أهيل. وقد حكي سماعا من العرب في تصغير آل: أويل. وقد يقال: فلان من آل النساء، يراد به أنه منهن خلق، ويقال ذلك أيضا بمعنى أنه يريدهن ويهواهن، كما قال الشاعر: فإنك من آل النساء وإنما يكن لأدنى لا وصال لغائب وأحسن أماكن آل أن ينطق به مع الأسماء المشهورة، مثل قولهم: آل النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآل علي، وآل عباس، وآل عقيل. وغير مستحسن استعماله مع المجهول، وفي أسماء الأرضين وما أشبه ذلك؛ غير حسن عند أهل العلم بلسان العرب أن يقال: رأيت آل الرجل، ورآني آل المرأة، ولا رأيت آل البصرة، وآل الكوفة. وقد ذكر عن بعض العرب سماعا أنها تقول: رأيت آل مكة وآل المدينة، وليس ذلك في كلامهم بالمستعمل الفاشي. وأما فرعون فإنه يقال: إنه اسم كانت ملوك العمالقة بمصر تسمى به كما كانت ملوك الروم يسمي بعضهم قيصر وبعضهم هرقل، وكما كانت ملوك فارس تسمى الأكاسرة واحدهم كسرى وملوك اليمن تسمى التبابعة واحدهم تبع. وأما فرعون موسى الذي أخبر الله تعالى عن بني إسرائيل أنه نجاهم منه فإنه يقال: إن اسمه الوليد بن مصعب بن الريان، وكذلك ذكر محمد بن إسحاق أنه بلغه عن اسمه حدثنا بذلك، محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: «أن اسمه الوليد بن مصعب بن الريان» وإنما جاز أن يقال: {وإذ نجيناكم من آل فرعون} [البقرة: 49] والخطاب به لمن لم يدرك فرعون ولا المنجين منه، لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجاهم من فرعون وقومه، فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم، وكذلك ما كان من كفران آبائهم على وجه الإضافة، كما يقول القائل لآخر: فعلنا بكم كذا، 01P643 وفعلنا بكم كذا، وقتلناكم وسبيناكم، والمخبر إما أن يكون يعني قومه وعشيرته بذلك أو أهل بلده ووطنه كان المقول له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه، كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية: ولقد سما لكم الهذيل فنالكم بإراب حيث يقسم الأنفالا في فيلق يدعو الأراقم لم تكن فرسانه عزلا ولا أكفالا ولم يلق جرير هذيلا ولا أدركه، ولا أدرك إراب ولا شهده. ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه، فكذلك خطاب الله عز وجل من خاطبه بقوله: {وإذ نجيناكم من آل فرعون} [البقرة: 49] لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم، أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم 01P642

Bölüm V01/P641–V01/P645

[البقرة: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {يسومونكم سوء العذاب} [البقرة: 49] وفي قوله: {يسومونكم} [البقرة: 49] وجهان من التأويل، أحدهما: أن يكون خبرا مستأنفا عن فعل فرعون ببني إسرائيل، فيكون معناه حينئذ: واذكروا نعمتي عليكم إذ نجيتكم من آل فرعون، وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب. وإذا كان ذلك تأويله كان موضع يسومونكم رفعا. والوجه الثاني: أن يكون يسومونكم حالا، فيكون تأويله حينئذ: وإذ نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب، فيكون حالا من آل فرعون وأما تأويل قوله: {يسومونكم} [البقرة: 49] فإنه يوردونكم، ويذيقونكم، ويولونكم، يقال منه: سامه خطة ضيم: إذا أولاه ذلك وأذاقه، كما قال الشاعر: إن سيم خسفا وجهه تربدا فأما تأويل قوله: {سوء العذاب} [البقرة: 49] فإنه يعني: ما ساءهم من العذاب. وقد قال بعضهم: أشد العذاب؛ ولو كان ذلك معناه لقيل: أسوأ العذاب. فإن قال لنا قائل: وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوءهم؟ قيل: هو ما وصفه الله تعالى في كتابه فقال: {يذبحون أبناءكم 01P645 ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] وقد قال محمد بن إسحاق في ذلك ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: أخبرنا ابن إسحاق، قال: " كان فرعون يعذب بني إسرائيل فيجعلهم خدما وخولا، وصنفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله ، ومن لم يكن منهم في صنعة من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال الله عز وجل: {سوء العذاب} [البقرة: 49] " وقال السدي: «جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم» حدثني بذلك، موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي 01P645

Bölüm V01/P645–V01/P646

[البقرة: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] قال أبو جعفر: وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببني إسرائيل، من سومهم إياهم سوء العذاب وذبحهم أبناءهم واستحيائهم نساءهم، إليهم دون فرعون، وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوة فرعون وعن أمره، لمباشرتهم ذلك بأنفسهم. فبين بذلك أن كل مباشر قتل نفس أو تعذيب حي بنفسه وإن كان عن أمر غيره، ففاعله المتولي ذلك هو المستحق إضافة ذلك إليه، وإن كان الآمر قاهرا الفاعل المأمور بذلك سلطانا كان الآمر أو لصا خاربا أو متغلبا فاجرا، كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم إلى آل فرعون دون فرعون، وإن كانوا بقوة فرعون وأمره إياهم بذلك فعلوا ما فعلوا مع غلبته إياهم وقهره لهم. فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما فهو المقتول عندنا به قصاصا، وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له على قتله وأما تأويل ذبحهم أبناء بني إسرائيل، واستحيائهم نساءهم، فإنه كان فيما ذكر لنا عن ابن عباس وغيره كالذي حدثنا به العباس بن الوليد الآملي، وتميم بن المنتصر الواسطي، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، قال: حدثنا القاسم بن أيوب، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا وائتمروا، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، ففعلوا. فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون، قال: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل أبناؤهم ودعوا عاما. فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية أمه، حتى إذا كان القابل حملت بموسى " وقد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، 01P647 قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذه العام مولود يذهب بملكك. قال: فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة، وعلى كل عشرة رجلا؛ فقال: انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حملها فانظروا إليه، فإن كان ذكرا فاذبحوه، وإن كان أنثى فخلوا عنها. وذلك قوله: {يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} [البقرة: 49] " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} [البقرة: 49] قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، فقالت الكهنة: إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه. فبعث في أهل مصر نساء قوابل، فإذا ولدت امرأة غلاما أتي به فرعون فقتله ويستحيي الجواري " وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " في قوله: {وإذ نجيناكم من آل فرعون} [البقرة: 49] الآية، قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، وإنه أتاه آت، فقال: إنه سينشأ في 01P648 مصر غلام من بني إسرائيل فيظهر عليك ويكون هلاكك على يديه. فبعث في مصر نساء " فذكر نحو حديث آدم وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي، قال: " كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والحازة، فسألهم عن رؤياه، فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه، يعنون بيت المقدس، رجل يكون على وجهه هلاك مصر.

Bölüm V01/P646–V01/P649

فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وأدخلوا غلمانهم؛ فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى: {إن فرعون علا في الأرض} [القصص: 4] يقول: تجبر في الأرض: {وجعل أهلها شيعا} [القصص: 4] ، يعني بني إسرائيل، حين جعلهم في الأعمال القذرة {يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم} [القصص: 4] فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر الصغير. وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت، فأسرع فيهم. فدخل رءوس القبط على فرعون، فكلموه، فقالوا: إن هؤلاء قد وقع فيهم الموت، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا بذبح أبنائهم فلا تبلغ الصغار وتفنى 01P649 الكبار، فلو أنك كنت تبقي من أولادهم. فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة. فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هارون، فترك؛ فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت بموسى " حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " ذكر لي أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحزاته إليه، فقالوا له: تعلم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه، يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك، ويخرجك من أرضك، ويبدل دينك. فلما قالوا له ذلك، أمر بقتل كل مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان، وأمر بالنساء يستحيين. فجمع القوابل من نساء مملكته، فقال لهن: لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتلتنه. فكن يفعلن ذلك، وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان، ويأمر بالحبالى فيعذبن حتى يطرحن ما في بطونهن " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن 01P650 أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " لقد ذكر أنه كان ليأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار، ثم يصف بعضه إلى بعض، ثم يؤتى بالحبالى من بني إسرائيل، فيوقفن عليه فيحز أقدامهن، حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع من بين رجليها، فتظل تطؤه تتقي به حد القصب عن رجلها لما بلغ من جهدها. حتى أسرف في ذلك وكاد يفنيهم، فقيل له: أفنيت الناس وقطعت النسل، وإنهم خولك وعمالك. فأمر أن يقتل الغلمان عاما ويستحيوا عاما. فولد هارون في السنة التي يستحيا فيها الغلمان، وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون " قال أبو جعفر: والذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العلم كان ذبح آل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحياؤهم نساءهم فتأويل قوله إذا على ما تأوله الذين ذكرنا قولهم: {ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] يستبقونهن فلا يقتلونهن. وقد يجب على تأويل من قال بالقول الذي ذكرنا عن ابن عباس وأبي العالية والربيع بن أنس والسدي في تأويل قوله: {ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] أنه تركهم الإناث من القتل عند ولادتهن إياهن أن يكون جائزا أن تسمى الطفلة من 01P651 الإناث في حال صباها وبعد ولادها امرأة، والصبايا الصغار وهن أطفال: نساء، لأنهم تأولوا قول الله جل وعز: {ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] يستبقون الإناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن. وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج فقال بما حدثنا به القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " قوله: {ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] قال: يسترقون نساءكم " فحاد ابن جريج بقوله هذا عما قاله من ذكرنا قوله في قوله: {ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] إنه استحياء الصبايا الأطفال، قال: إذ لم نجدهن يلزمهن اسم نساء. ثم دخل فيما هو أعظم مما أنكر بتأويله ويستحيون يسترقون، وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا عجمية، وذلك أن الاستحياء إنما هو استفعال من الحياة نظير الاستبقاء من البقاء والاستسقاء من السقي، وهو معنى من الاسترقاق بمعزل. وقد قال آخرون: قوله {يذبحون أبناءكم} [البقرة: 49] بمعنى يذبحون رجالكم آباء أبنائكم. وأنكروا أن يكون المذبوحون الأطفال، وقد قرن بهم النساء.

Bölüm V01/P649–V01/P651

فقالوا : في إخبار الله جل ثناؤه أن المستحين هم النساء الدلالة الواضحة على أن الذين كانوا يذبحون هم الرجال دون الصبيان، لأن المذبحين لو كانوا هم الأطفال لوجب أن يكون المستحيون هم الصبايا. قالوا: وفي إخبار الله عز وجل أنهم النساء ما يبين أن المذبحين هم الرجال. وقد أغفل قائلو هذه المقالة مع خروجهم من تأويل أهل التأويل من الصحابة والتابعين موضع الصواب، وذلك أن الله جل ثناؤه قد أخبر عن وحيه إلى أم موسى أنه أمرها أن ترضع موسى، فإذا خافت عليه أن تلقيه في التابوت ثم تلقيه في اليم. فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنما يقتلون الرجال ويتركون النساء لم يكن بأم موسى حاجة إلى إلقاء موسى في اليم، أو لو أن موسى كان رجلا لم تجعله أمه في التابوت؛ ولكن ذلك عندنا على ما تأوله ابن عباس ومن حكينا قوله قبل من ذبح آل فرعون الصبيان وتركهم من القتل الصبايا. وإنما قيل: {ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] إذ كان الصبايا داخلات مع أمهاتهن، وأمهاتهن لا شك نساء في الاستحياء، لأنهم لم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبارهن، فقيل: {ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] يعني بذلك الوالدات والمولودات كما يقال: قد أقبل الرجال وإن كان فيهم صبيان، فكذلك قوله: {ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] وأما من الذكور فإنه لما لم يكن يذبح إلا المولودون قيل: يذبحون أبناءكم، ولم يقل يذبحون رجالكم 01P652

Bölüm V01/P651–V01/P654

[البقرة: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} [البقرة: 49] أما قوله: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} [البقرة: 49] فإنه يعني: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم على 01P653 ما وصفت بلاء لكم من ربكم عظيم. ويعني بقوله بلاء: نعمة كما حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " قوله: {بلاء من ربكم عظيم} [البقرة: 49] قال: نعمة " وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط ، عن السدي: " في قوله: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} [البقرة: 49] أما البلاء: فالنعمة " وحدثنا سفيان، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: " {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} [البقرة: 49] قال: نعمة من ربكم عظيمة " حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثل حديث سفيان حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} [البقرة: 49] قال: نعمة عظيمة " وأصل البلاء في كلام العرب: الاختبار والامتحان، ثم يستعمل في الخير والشر لأن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر، كما قال الله جل ثناؤه: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} [الأعراف: 168] يقول: اختبرناهم، وكما قال جل ذكره: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} [الأنبياء: 35] ثم تسمي العرب الخير بلاء والشر بلاء، غير أن الأكثر في الشر أن يقال: بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير: أبليته أبليه إبلاء وبلاء؛ ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو فجمع بين اللغتين لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده 01P654 [البقرة: 50] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] أما تأويل قوله: {وإذ فرقنا بكم} [البقرة: 50] فإنه عطف على: {وإذ نجيناكم} [البقرة: 49] بمعنى: واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، وإذ فرقنا بكم البحر. ومعنى قوله: {فرقنا بكم} [البقرة: 50] فصلنا بكم البحر، لأنهم كانوا اثني عشر سبطا، ففرق البحر اثني عشر طريقا، فسلك كل سبط منهم طريقا منها. فذلك فرق الله بهم جل ثناؤه البحر، وفصله بهم بتفريقهم في طريق الاثني عشر كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: «لما أتى موسى البحر كناه أبا خالد، وضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود 01P655 العظيم، فدخلت بنو إسرائيل، وكان في البحر اثنا عشر طريقا في كل طريق سبط» وقد قال بعض نحويي البصرة: معنى قوله: {وإذ فرقنا بكم البحر} [البقرة: 50] فرقنا بينكم وبين الماء: يريد بذلك: فصلنا بينكم وبينه وحجزناه حيث مررتم به. وذلك خلاف ما في ظاهر التلاوة؛ لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فرق البحر بالقوم، ولم يخبر أنه فرق بين القوم وبين البحر، فيكون التأويل ما قاله قائلو هذه المقالة، وفرقه البحر بالقوم، إنما هو تفريقه البحر بهم على ما وصفنا من افتراق سبيله بهم على ما جاءت به الآثار 01P654

Bölüm V01/P654–V01/P655

[البقرة: 50] القول في تأويل قوله تعالى: {فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف غرق الله جل ثناؤه آل فرعون، ونجى بني إسرائيل؟ قيل له كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: " لقد ذكر لي أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من دهم الخيل سوى ما في جنده من شهب الخيل؛ وخرج موسى، حتى إذا قابله البحر ولم يكن له عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال} [الشعراء: 62] موسى: {كلا إن معي ربي سيهدين} [الشعراء: 62] أي 01P656 للنجاة، وقد وعدني ذلك ولا خلف لوعده " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: " أوحى الله إلى البحر فيما ذكر إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له، قال: فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقا من الله وانتظار أمره، فأوحى الله جل وعز إلى موسى: {أن اضرب بعصاك البحر} [الشعراء: 63] فضربه بها وفيها سلطان الله الذي أعطاه، {فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} [الشعراء: 63] أي كالجبل على يبس من الأرض. يقول الله لموسى: {فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه: 77] فلما استقر له البحر على طريق قائمة يبس سلك فيه موسى ببني إسرائيل، وأتبعه فرعون بجنوده " وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال : حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، قال: " حدثت أنه، لما دخل بنو إسرائيل البحر، فلم يبق منهم أحد، أقبل فرعون وهو على حصان له من الخيل 01P657 حتى وقف على شفير البحر، وهو قائم على حاله، فهاب الحصان أن ينفذه؛ فعرض له جبريل على فرس أنثى وديق، فقربها منه فشمها الفحل، فلما شمها قدمها، فتقدم معها الحصان عليه فرعون، فلما رأى جند فرعون فرعون قد دخل دخلوا معه وجبريل أمامه، وهم يتبعون فرعون وميكائيل على فرس من خلف القوم يسوقهم، يقول: الحقوا بصاحبكم. حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس أمامه أحد، ووقف ميكائيل على ناحيته الأخرى وليس خلفه أحد، طبق عليهم البحر، ونادى فرعون حين رأى من سلطان الله عز وجل وقدرته ما رأى وعرف ذلته وخذلته نفسه: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عمرو بن ميمون الأودي: " في قوله: {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] قال: لما خرج موسى ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا فدعا بشاة فذبحت، ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط. فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من 01P658 القبط. ثم سار، فلما أتى موسى البحر، قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمرك ربك يا موسى؟ قال: أمامك. يشير إلى البحر. فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر، فذهب به ثم رجع، فقال: أين أمرك ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت ولا كذبت. ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم أوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: {أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} [الشعراء: 63] يقول : مثل جبل.

Bölüm V01/P655–V01/P659

قال: ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم، فلذلك قال: {وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] قال معمر: قال قتادة: كان مع موسى ستمائة ألف، وأتبعه فرعون على ألف ألف ومائة ألف حصان " وحدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " أوحى الله جل وعز إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون. قال: فسرى موسى ببني إسرائيل ليلا، فأتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث وكان موسى في ستمائة ألف، فلما عاينهم فرعون قال: {إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون} [الشعراء: 55] فسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم برهج دواب فرعون فقالوا: يا موسى {أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} [الأعراف: 129] هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه {قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} [الأعراف: 129] قال: فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى {أن اضرب بعصاك البحر} [الشعراء: 63] وأوحى إلى البحر: أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك. قال: فبات البحر له أفكل، يعني له رعدة، لا يدري من أي جوانبه يضربه، قال: فقال يوشع لموسى: بماذا أمرت؟ قال: أمرت أن أضرب البحر. قال: فاضربه. قال: فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق، فكان فيه اثنا عشر طريقا، كل طريق كالطود العظيم، فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فيه. فلما أخذوا في الطريق، قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟ قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم، قال سفيان، قال عمار الدهني: قال موسى: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة. قال: فأوحى الله إليه: أن قل بعصاك هكذا وأومأ إبراهيم بيده يديرها على البحر قال موسى بعصاه على الحيطان هكذا، فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى بعض، قال سفيان: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: فساروا حتى خرجوا من البحر، فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان. فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق. فلما رآها الحصان تقحم خلفها، وقيل لموسى: اترك البحر رهوا، قال: طرقا على حاله، قال: ودخل فرعون وقومه في البحر، فلما دخل آخر قوم فرعون وجاز آخر قوم موسى أطبق البحر على فرعون وقومه فأغرقوا " حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: " أن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل، فقال: {أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون} فخرج موسى وهارون في قومهما، وألقي على القبط الموت فمات كل بكر رجل. فأصبحوا يدفنونهم، فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس، فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: {فأتبعوهم مشرقين} [الشعراء: 60] فكان موسى على ساقة بني إسرائيل، وكان هارون أمامهم يقدمهم. فقال المؤمن لموسى: يا نبي الله، أين أمرت؟ قال: البحر. فأراد أن يقتحم، فمنعه موسى. وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل، لا يعدون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره، وإنما عدوا ما بين ذلك سوى الذرية. وتبعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ليس فيها ماذبانه، يعني الأنثى؛ وذلك حين 01P661 يقول الله جل ثناؤه: {فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون} [الشعراء: 54] يعني بني إسرائيل. فتقدم هارون، فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح، وقال: من هذا الجبار الذي يضربني؟ حتى أتاه موسى، فكناه أبا خالد وضربه فانفلق {فكان كل فرق كالطود العظيم} [الشعراء: 63] يقول: كالجبل العظيم. فدخلت بنو إسرائيل. وكان في البحر اثنا عشر طريقا، في كل طريق سبط، وكانت الطرق انفلقت بجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا.

Sorular