Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الأنعام: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] يقول تعالى ذكره: ثم لم يكن قولهم إذ قلنا لهم: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون إجابة منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك إذ فتناهم فاختبرناهم، {إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] كذبا منهم في أيمانهم على قيلهم ذلك. ثم اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة من قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (ثم لم تكن فتنتهم) بالنصب، بمعنى: لم يكن اختبارنا لهم إلا قيلهم {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، غير أنهم يقرأون {تكن} [آل عمران: 60] بالتاء على التأنيث، وإن كانت للقول لا للفتنة لمجاورته الفتنة وهي خبر، وذلك عند أهل العربية شاذ غير فصيح في الكلام، وقد روي بيت للبيد بنحو ذلك، وهو قوله: [+البحر الكامل] فمضى وقدمها وكانت عادة منه إذا هي عردت إقدامها فقال: (وكانت) بتأنيث الإقدام لمجاورته قوله: (عادة) . وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين: (ثم لم يكن) بالياء (فتنتهم) بالنصب، {إلا أن قالوا} [آل عمران: 147] بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم، غير أنهم ذكروا يكون لتذكير أن، وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب، لأن (أن) أثبت في المعرفة من الفتنة. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ثم لم تكن فتنتهم} [الأنعام: 23] فقال بعضهم: معناه: ثم لم يكن قولهم ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة في قوله: {ثم لم تكن فتنتهم} [الأنعام: 23] قال: مقالتهم. قال معمر: وسمعت غير قتادة يقول: معذرتهم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {ثم لم تكن فتنتهم} [الأنعام: 23] قال: قولهم حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا} [الأنعام: 23] الآية، فهو كلامهم، قالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك: {ثم لم تكن فتنتهم} [الأنعام: 23] : يعني كلامهم وقال آخرون: معنى ذلك معذرتهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة: {ثم لم تكن فتنتهم} [الأنعام: 23] قال: معذرتهم حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] يقول: اعتذارهم بالباطل والكذب والصواب من القول في ذلك أن يقال معناه: ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارا مما سلف منهم من الشرك بالله، {إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا 09P192 مشركين} [الأنعام: 23] ، فوضعت الفتنة موضع القول لمعرفة السامعين معنى الكلام، وإنما الفتنة: الاختبار والابتلاء، ولكن لما كان الجواب من القوم غير واقع هنالك إلا عند الاختبار، وضعت الفتنة التي هي الاختبار موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم. واختلفت القراء أيضا في قراءة قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: {والله ربنا} [الأنعام: 23] خفضا على أن (الرب) نعت لله. وقرأ ذلك جماعة من التابعين: (والله ربنا) بالنصب بمعنى: والله يا ربنا، وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة. وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: (والله ربنا) بنصب الرب، بمعنى: يا ربنا، وذلك أن هذا جواب من المسئولين المقول لهم: {أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} [الأنعام: 22] ، وكان من جواب القوم لربهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين، فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا. يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون.
ويعني بقوله: {ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] : ما كنا ندعو لك شريكا ولا ندعو سواك 09P191
[الأنعام: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} [الأنعام: 24] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا محمد فاعلم كيف كذب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثان والأصنام في الآخرة، عند لقاء الله، على أنفسهم بقيلهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين، واستعملوا هنالك الأخلاق التي كانوا بها متخلقين في الدنيا من الكذب والفرية. ومعنى النظر في هذا الموضع: النظر بالقلب لا النظر بالبصر، وإنما معناه: تبين، فاعلم كيف كذبوا في الآخرة. وقال: {كذبوا} [آل عمران: 11] ، ومعناه: يكذبون، لأنه لما كان الخبر قد مضى في الآية قبلها صار كالشيء الذي قد كان ووجد. {وضل عنهم ما كانوا يفترون} [الأنعام: 24] يقول: وفارقهم الأنداد والأصنام وتبرأوا منها، فسلكوا غير سبيلها لأنها هلكت، وأعيد الذين كانوا يعبدونها اجتزاء، ثم أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على الله وعبادتهم إياه وإشراكهم إياها في سلطان الله، فضلت عنهم، وعوقب عابدوها بفريتهم. وقد بينا فيما مضى أن معنى الضلال: الأخذ على غير الهدى. وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سعة رحمة الله يومئذ ذكر الرواية بذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن مطرف، عن المنهال 09P194 بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: أتى رجل ابن عباس فقال: قال الله: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، وقال في آية أخرى: {ولا يكتمون الله حديثا} [النساء: 42] ، قال ابن عباس: أما قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام فقالوا: تعالوا لنجحد، {قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، {ولا يكتمون الله حديثا} [النساء: 42] " حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، قال: «قول أهل الشرك حين رأوا الذنوب تغفر، ولا يغفر الله لمشرك، انظر كيف كذبوا على أنفسهم بتكذيب الله إياهم» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، ثم قال: {ولا يكتمون الله حديثا} [النساء: 42] : بجوارحهم حدثنا ابن وكيع، قال ثنا أبي، عن حمزة الزيات، عن رجل يقال له هشام، عن سعيد بن جبير: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا 09P195 مشركين} [الأنعام: 23] ، قال: " حلفوا واعتذروا، قالوا: والله ربنا " حدثني المثنى قال: ثنا قبيصة بن عقبة قال: ثنا سفيان، عن سعيد بن جبير قال: " أقسموا واعتذروا: والله ربنا " حدثنا هناد قال: ثنا وكيع، عن حمزة الزيات، عن رجل يقال له هشام، عن سعيد بن جبير، بنحوه حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، عن سفيان بن زياد العصفري، عن سعيد بن جبير، في قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، قال: " لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد قال من فيها من المشركين: تعالوا نقل: لا إله إلا الله، لعلنا نخرج مع هؤلاء، قال: فلم يصدقوا، قال: فحلفوا: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، قال: فقال الله: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} [الأنعام: 24] حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وضل عنهم ما كانوا يفترون} [الأنعام: 24] : «أي يشركون به» حدثنا الحرث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، قال: " لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم قالوا : تعالوا إذا سئلنا قلنا {والله ربنا 09P196 ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، فسئلوا، فقالوا ذلك، فختم الله على أفواههم وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم، فود الذين كفروا حين رأوا ذلك {لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا} [النساء: 42] " حدثني الحرث قال: ثني عبد العزيز قال: ثنا مسلم بن خلف، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: " يأتي على الناس يوم القيامة ساعة لما رأى أهل الشرك أهل التوحيد يغفر لهم، فيقولون: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ، قال: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} [الأنعام: 24] " حدثني الحرث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير، أنه كان يقول: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] يخفضها.
قال: أقسموا واعتذروا " قال الحرث: قال عبد العزيز: قال سفيان مرة أخرى: ثني هشام، عن سعيد بن جبير 09P196
[الأنعام: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين} [الأنعام: 25] يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام من قومك يا محمد {من يستمع إليك} [الأنعام: 25] ، يقول: من يستمع القرآن منك، ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربك وأمره ونهيه، ولا يفقه ما تقول ولا يوعيه قلبه، ولا يتدبره ولا يصغي له سمعه ليتفقهه فيفهم حجج الله عليه في تنزيله الذي أنزله عليك، إنما يسمع صوتك وقراءتك وكلامك، ولا يعقل عنك ما تقول لأن الله قد جعل على قلبه أكنة، وهي جمع كنان وهو الغطاء، مثل سنان وأسنة، يقال منه: أكننت الشيء في نفسي بالألف، وكننت الشيء إذا غطيته، ومن ذلك {بيض مكنون} [الصافات: 49] ، وهو الغطاء، ومنه قول الشاعر: [+البحر الخفيف] تحت عين كناننا ظل برد مرحل يعني غطاءهم الذي يكنهم. {وفي آذانهم وقرا} [الأنعام: 25] يقول تعالى ذكره: وجعل في آذانهم ثقلا وصمما عن فهم ما تتلو عليهم والإصغاء لما تدعوهم إليه. والعرب تفتح الواو من (الوقر) في الأذن، وهو الثقل فيها، وتكسرها في الحمل، فتقول: هو وقر الدابة، ويقال من الحمل: أوقرت الدابة فهي موقرة، ومن السمع: وقرت سمعه فهو موقور، ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] ولي هامة قد وقر الضرب سمعها وقد ذكر سماعا منهم: وقرت أذنه: إذا ثقلت، فهي موقورة، وأوقرت النخلة فهي موقر، كما قيل: امرأة طامث وحائض، لأنه لا حظ فيه للمذكر، فإذا أريد أن الله أوقرها قيل: موقرة. وقال تعالى ذكره: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} [الأنعام: 25] بمعنى: أن لا يفقهوه، كما قال: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] بمعنى أن لا تضلوا، لأن الكن إنما جعل على القلب لئلا يفقهه لا ليفقهه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} [الأنعام: 25] ، قال: «يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا، كمثل البهيمة التي تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} [الأنعام: 25] أما أكنة: فالغطاء، أكن قلوبهم لا يفقهون الحق، {وفي آذانهم وقرا} [الأنعام: 25] ، قال: «صمم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ومنهم من يستمع إليك} [الأنعام: 25] قال: قريش حدثني المثنى قال: ثنا حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 09P199 مجاهد، مثله 09P198
[الأنعام: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين} يقول تعالى ذكره: وإن هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام، الذين جعلت على قلوبهم أكنة أن يفقهوا عنك ما يسمعون منك، {كل آية} [الأنعام: 25] يقول: كل حجة وعلامة تدل أهل الحجا والفهم على توحيد الله وصدق قولك وحقيقة نبوتك {لا يؤمنوا بها} [الأنعام: 25] يقول: لا يصدقون بها ولا يقرون بأنها دالة على ما هي عليه دالة {حتى إذا جاءوك يجادلونك} ، يقول: حتى إذا صاروا إليك بعد معاينتهم الآيات الدالة على حقيقة ما جئتهم به يجادلونك، يقول: يخاصمونك {يقول الذين كفروا} [الأنعام: 25] يعني بذلك الذين جحدوا آيات الله وأنكروا حقيقتها، يقولون لنبي الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا حجج الله التي احتج بها عليهم وبيانه الذي بينه لهم: {إن هذا إلا أساطير الأولين} [الأنعام: 25] أي ما هذا إلا أساطير الأولين. والأساطير: جمع إسطارة وأسطورة مثل أفكوهة وأضحوكة، وجائز أن يكون الواحد إسطارا مثل أبيات وأبابيت وأقوال وأقاويل، من قول الله تعالى: {وكتاب مسطور} [الطور: 2] من سطر يسطر سطرا فإن كان من هذا، فإن تأويله: ما هذا إلا ما كتبه الأولون. وقد ذكر عن ابن عباس وغيره أنهم كانوا يتأولونه بهذا التأويل، ويقولون معناه: «إن هذا إلا أحاديث الأولين» حدثني بذلك المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، 09P200 عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، أما: {أساطير الأولين} [الأنعام: 25] فأساجيع الأولين وكان بعض أهل العلم وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى بكلام العرب يقول: الإسطارة: لغة الخرافات والترهات. وكان الأخفش يقول: قال بعضهم: واحده أسطورة، وقال بعضهم: إسطارة، قال: ولا أراه إلا من الجمع الذي ليس له واحد، نحو العبابيد والمذاكير والأبابيل. قال: وقال بعضهم: واحد الأبابيل: إبيل، وقال بعضهم: إبول، مثل عجول، ولم أجد العرب تعرف له واحدا، وإنما هو مثل عباديد لا واحد لها وأما الشماطيط، فإنهم يزعمون أن واحده شمطاط، قال: وكل هذه لها واحد، إلا أنه لم يستعمل ولم يتكلم به، لأن هذا المثال لا يكون إلا جمعا، قال: وسمعت العرب الفصحاء تقول: أرسل خيله أبابيل، تريد جماعات، فلا تتكلم بها موحدة. وكانت مجادلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرها الله في هذه الآية فيما ذكر، ما حدثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {حتى إذا جاءوك يجادلونك} الآية: قال: " هم المشركون يجادلون المسلمين في الذبيحة، يقولون: أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلون، وأنتم تتبعون أمر الله تعالى " 09P201
[الأنعام: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} [الأنعام: 26] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] فقال بعضهم: معناه: هؤلاء المشركون المكذبون بآيات الله، ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والقبول منه، وينأون عنه: يتباعدون عنه ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث، وهانئ بن سعيد، عن حجاج، عن سالم، عن ابن الحنفية: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] ، قال: «يتخلفون عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجيبونه، وينهون الناس عنه» حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] يعني: " ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به {وينأون عنه} [الأنعام: 26] يعني: يتباعدون عنه " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] «أن يتبع محمد ويتباعدون هم منه» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] يقول: «لا يلقونه، ولا يدعون أحدا يأتيه» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول في قوله: {وهم ينهون عنه} [الأنعام: 26] يقول: «عن محمد صلى الله عليه وسلم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] جمعوا النهي والنأي. والنأي: التباعد وقال بعضهم: بل معناه: {وهم ينهون عنه} [الأنعام: 26] : عن القرآن أن يسمع له ويعمل بما فيه ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وهم ينهون عنه} [الأنعام: 26] قال: " ينهون عن القرآن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم. {وينأون عنه} [الأنعام: 26] ويتباعدون عنه " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وهم ينهون عنه} [الأنعام: 26] قال: " قريش عن الذكر {وينأون عنه} [الأنعام: 26] يقول: يتباعدون " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] : قريش عن الذكر، ينأون عنه: يتباعدون حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] قال: «ينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ويتباعدون عنه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ينأون عنه} [الأنعام: 26] قال: ينأون عنه: يبعدون وقال آخرون: معنى ذلك: وهم ينهون عن أذى محمد صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه: يتباعدون عن دينه واتباعه ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وقبيصة، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس، يقول: «نزلت في 09P204 أبي طالب، كان ينهى عن محمد، أن يؤذى، وينأى، عما جاء به أن يؤمن به» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت قال: ثني من سمع ابن عباس يقول: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] قال: نزلت في أبي طالب ينهى عنه أن يؤذى، وينأى عما جاء به حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] قال: نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا محمدا ، وينأى عما جاء به حدثنا هناد، قال: ثنا عبدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن القاسم بن مخيمرة، قال: «كان أبو طالب ينهى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصدقه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي ومحمد بن بشر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن القاسم بن مخيمرة، في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] قال: نزلت في أبي طالب.
قال ابن وكيع: قال بشر: كان أبو طالب ينهى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى، ولا يصدق به حدثنا هناد قال: ثنا يونس بن بكير، عن أبي محمد الأسدي، عن حبيب بن 09P205 أبي ثابت قال: ثني من سمع ابن عباس يقول في قول الله تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] : نزلت في أبي طالب كان ينهى عن أذى محمد، وينأى عما جاء به أن يتبعه حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن القاسم بن مخيمرة، في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] قال: نزلت في أبي طالب حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب، قال: " ذاك أبو طالب، في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني سعيد بن أبي أيوب، قال: قال عطاء بن دينار في قول الله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} [الأنعام: 26] ، أنها نزلت في أبي طالب، أنه كان ينهى الناس عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينأى عما جاء به من الهدى وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قول من قال: تأويله: {وهم ينهون عنه} [الأنعام: 26] عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم من سواهم من الناس، {وينأون} [الأنعام: 26] عن اتباعه. وذلك أن الآيات قبلها جرت بذكر جماعة المشركين العادلين به، والخبر عن تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والإعراض عما جاءهم به من تنزيل الله ووحيه، فالواجب أن يكون قوله: {وهم ينهون عنه} [الأنعام: 26] خبرا عنهم ، إذ لم يأتنا ما يدل على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم، بل ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على صحة ما قلنا من أن ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يكون خبرا عن خاص منهم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: وإن ير هؤلاء المشركون يا محمد كل آية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاءوك يجادلونك، يقولون: إن هذا الذي جئتنا به إلا أحاديث الأولين وأخبارهم، وهم ينهون عن استماع التنزيل وينأون عنك، فيبعدون منك ومن اتباعك {وإن يهلكون إلا أنفسهم} [الأنعام: 26] يقول: وما يهلكون بصدهم عن سبيل الله وإعراضهم عن تنزيله وكفرهم بربهم إلا أنفسهم لا غيرها، وذلك أنهم يكسبونها بفعلهم ذلك سخط الله وأليم عقابه وما لا قبل لها به. {وما يشعرون} [الأنعام: 26] يقول: وما يدرون ما هم مكسبوها من الهلاك والعطب بفعلهم والعرب تقول لكل من بعد عن شيء قد نأى عنه، فهو ينأى نأيا، ومسموع منهم: نأيتك بمعنى نأيت عنك، وأما إذا أرادوا: أبعدتك عني قالوا: أنأيتك. ومن نأيتك بمعنى نأيت عنك قول الحطيئة: [+البحر المتقارب] نأتك أمامة إلا سؤالا وأبصرت منها بطيف خيالا 09P206
[الأنعام: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} [الأنعام: 27] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ولو ترى} [الأنعام: 27] يا محمد هؤلاء العادلين بربهم الأصنام والأوثان الجاحدين نبوتك الذين وصفت لك صفتهم، {إذ وقفوا} [الأنعام: 27] يقول: إذ حبسوا، {على النار} [البقرة: 175] يعني: في النار، فوضعت (على) موضع (في) كما قال: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] بمعنى في ملك سليمان. وقيل: {ولو ترى إذ وقفوا} [الأنعام: 27] ومعناه: إذا وقفوا، لما وصفنا قبل فيما مضى أن العرب قد تضع (إذ) مكان (إذا) ، و (إذا) مكان (إذ) ، وإن كان حظ (إذ) أن تصاحب من الأخبار ما قد وجد فقضي، وحظ (إذا) أن تصاحب من الأخبار ما لم يوجد، ولكن ذلك كما قال الراجز وهو أبو النجم: [+البحر الرجز] مد لنا في عمره رب طها ثم جزاه الله عنا إذ جزى جنات عدن في العلالي العلا فقال: (ثم جزاه الله عنا إذ جزى) ، فوضع (إذ) مكان (إذا) . وقيل: {وقفوا} [الأنعام: 27] ولم يقل: (أوقفوا) ، لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب، يقال: وقفت الدابة وغيرها بغير ألف إذا حبستها، وكذلك وقفت الأرض إذا جعلتها صدقة حبيسا، بغير ألف وقد حدثني الحارث، عن أبي عبيد، قال: أخبرني اليزيدي، والأصمعي، كلاهما عن أبي عمرو، قال: " ما سمعت أحدا من العرب يقول: (أوقفت الشيء) بالألف قال: إلا أني لو رأيت رجلا بمكان، فقلت: ما أوقفك ها هنا؟ بالألف، لرأيته حسنا {فقالوا يا ليتنا نرد} [الأنعام: 27] يقول: فقال هؤلاء المشركون بربهم إذ حبسوا في النار: يا ليتنا نرد إلى الدنيا حتى نتوب ونراجع طاعة الله، {ولا نكذب بآيات ربنا} [الأنعام: 27] يقول: ولا نكذب بحجج ربنا ولا نجحدها، {ونكون من المؤمنين} [الأنعام: 27] يقول: ونكون من المصدقين بالله وحججه ورسله، متبعي أمره ونهيه " واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والمدينة والعراقيين: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) بمعنى: يا ليتنا نرد، ولسنا نكذب بآيات ربنا ولكن نكون من المؤمنين. وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} [الأنعام: 27] بمعنى: يا ليتنا نرد، وأن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين وتأولوا في ذلك شيئا حدثنيه أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: " في حرف ابن مسعود: «يا ليتنا نرد فلا نكذب» بالفاء " وذكر عن بعض قراء أهل الشام أنه قرأ ذلك: ( {يا ليتنا نرد ولا نكذب} [الأنعام: 27] ) بالرفع {ونكون} [الأنعام: 27] بالنصب. كأنه وجه تأويله إلى أنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردوا إلى الدنيا. 09P209 واختلف أهل العربية في معنى ذلك منصوبا ومرفوعا، فقال بعض نحويي البصرة: {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} [الأنعام: 27] نصب لأنه جواب للتمني، وما بعد الواو كما بعد الفاء. قال: وإن شئت رفعت وجعلته على غير التمني، كأنهم قالوا: ولا نكذب والله بآيات ربنا، ونكون والله من المؤمنين، هذا إذا كان على ذا الوجه كان منقطعا من الأول. قال: والرفع وجه الكلام، لأنه إذا نصب جعلها واو عطف، فإذا جعلها واو عطف فكأنهم قد تمنوا أن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. قال: وهذا والله أعلم لا يكون، لأنهم لم يتمنوا هذا، إنما تمنوا الرد، وأخبروا أنهم لا يكذبون ويكونون من المؤمنين. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: لو نصب (نكذب) و (نكون) على الجواب بالواو لكان صوابا، قال: والعرب تجيب بالواو (وثم) ، كما تجيب بالفاء، يقولون: ليت لي مالا فأعطيك، وليت لي مالا وأعطيك وثم أعطيك. قال: وقد تكون نصبا على الصرف، كقولك: لا يسعني شيء ويعجز عنك.
وقال آخر منهم: لا أحب النصب في هذا، لأنه ليس بتمن منهم، إنما هو خبر أخبروا به عن أنفسهم، ألا ترى أن الله تعالى قد كذبهم فقال: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] وإنما يكون التكذيب للخبر لا للتمني. وكان بعضهم ينكر أن يكون الجواب بالواو، وبحرف غير الفاء، وكان يقول: إنما الواو موضع حال، لا يسعني شيء ويضيق عنك: أي وهو يضيق عنك. قال: وكذلك الصرف في جميع العربية. قال: وأما الفاء فجواب جزاء، ما قمت فآتيك: أي لو قمت لأتيناك. قال: فهذا حكم الصرف والفاء. 09P210 قال: وأما قوله: {ولا نكذب} [الأنعام: 27] {ونكون} [الأنعام: 27] فإنما جاز، لأنهم قالوا: يا ليتنا نرد في غير الحال التي وقفنا فيها على النار، فكان وقفهم في تلك، فتمنوا أن لا يكونوا وقفوا في تلك الحال. وكأن معنى صاحب هذه المقالة في قوله هذا: ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا: قد وقفنا عليها مكذبين بآيات ربنا كفارا، فيا ليتنا نرد إليها فنوقف عليها غير مكذبين بآيات ربنا ولا كفارا. وهذا تأويل يدفعه ظاهر التنزيل، وذلك قول الله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] ، فأخبر الله تعالى أنهم في قيلهم ذلك كذبة، والتكذيب لا يقع في التمني، ولكن صاحب هذه المقالة أظن به أنه لم يتدبر التأويل ولزم سنن العربية. والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) بالرفع في كليهما، بمعنى: يا ليتنا نرد، ولسنا نكذب بآيات ربنا إن رددنا، ولكنا نكون من المؤمنين، على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردوا إلى الدنيا، لا على التمني منهم أن لا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك. ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني لاستحال تكذيبهم فيه، لأن التمني لا يكذب، وإنما يكون التصديق والتكذيب في الأخبار. وأما النصب في ذلك، فإني أظن بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه، وذلك قراءته ذلك: «يا ليتنا نرد فلا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين» على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرئ بالفاء كذلك لا شك 09P211 في صحة إعرابه، ومعناه في ذلك أن تأويله إذا قرئ كذلك: لو أنا رددنا إلى الدنيا ما كذبنا بآيات ربنا، ولكنا من المؤمنين. فإن يكن الذي حكى من حكى عن العرب من السماع منهم الجواب بالواو و (ثم) كهيئة الجواب بالفاء صحيحا، فلا شك في صحة قراءة من قرأ ذلك: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون} [الأنعام: 27] نصبا على جواب التمني بالواو، على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء، وإلا فإن القراءة بذلك بعيدة المعنى من تأويل التنزيل. ولست أعلم سماع ذلك من العرب صحيحا، بل المعروف من كلامها الجواب بالفاء والصرف بالواو 09P208
[الأنعام: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] يقول تعالى ذكره: ما قصد هؤلاء العادلين بربهم الجاحدين نبوتك يا محمد في قيلهم إذ وقفوا على النار: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، الأسى والندم على ترك الإيمان بالله والتصديق بك لكن بهم الإشفاق مما هو نازل بهم من عقاب الله وأليم عذابه على معاصيهم التي كانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم، فأبداها الله منهم يوم القيامة وأظهرها على رءوس الأشهاد، ففضحهم بها ثم جازاهم بها جزاءهم. يقول: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون} [الأنعام: 28] من أعمالهم السيئة التي كانوا يخفونها، {من قبل} [البقرة: 25] ذلك في الدنيا، فظهرت. {ولو ردوا} [الأنعام: 28] يقول: ولو ردوا إلى الدنيا فأمهلوا {لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] يقول: لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك من جحود آيات الله والكفر به والعمل بما يسخط عليهم ربهم. {وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] في قيلهم: لو رددنا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين، لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب لا إيمانا بالله. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} [الأنعام: 28] يقول: «بدت لهم أعمالهم في الآخرة التي أخفوها في الدنيا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} [الأنعام: 28] قال: «من أعمالهم» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] يقول: «ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم، لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء» 09P212 [الأنعام: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 29] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين العادلين به الأوثان والأصنام الذين ابتدأ هذه السورة بالخبر عنهم، يقول تعالى ذكره: {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا} [الأنعام: 29] يخبر عنهم أنهم ينكرون أن الله يحيي خلقه بعد أن يميتهم، ويقولون: لا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور بعد الفناء. فهم بجحودهم ذلك وإنكارهم ثواب الله وعقابه في الدار الآخرة، لا يبالون ما أتوا وما ركبوا من إثم ومعصية لأنهم لا يرجون ثوابا على إيمان بالله وتصديق برسوله وعمل صالح بعد موت، ولا يخافون عقابا على كفرهم بالله ورسوله وسيئ من عمل يعملونه. وكان ابن زيد يقول: هذا خبر من الله تعالى عن هؤلاء الكفرة الذين وقفوا على النار، أنهم لو ردوا إلى الدنيا لقالوا: {إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 29] حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] وقالوا حين يردون: {إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 29] 09P213 [الأنعام: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [الأنعام: 30] يقول تعالى ذكره: {لو ترى} [الأنعام: 27] يا محمد هؤلاء القائلين: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين {إذ وقفوا} [الأنعام: 27] يوم القيامة: أي حبسوا، {على ربهم} [الأنعام: 30] يعني: على حكم الله وقضائه فيهم. {قال أليس هذا بالحق} [الأنعام: 30] يقول: فقيل لهم: أليس هذا البعث والنشر بعد الممات الذي كنتم تنكرونه في الدنيا حقا؟ فأجابوا ف {قالوا بلى} [الأنعام: 30] والله إنه لحق. {قال فذوقوا العذاب} [الأنعام: 30] يقول: فقال الله تعالى ذكره لهم: فذوقوا العذاب الذي كنتم به في الدنيا تكذبون، {بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] يقول: بتكذيبكم به وجحودكموه الذي كان منكم في الدنيا 09P214
[الأنعام: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} [الأنعام: 31] يعني تعالى ذكره بقوله: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} [الأنعام: 31] قد هلك ووكس في بيعهم الإيمان بالكفر {الذين كذبوا بلقاء الله} [الأنعام: 31] يعني: الذين أنكروا البعث بعد الممات والثواب والعقاب والجنة والنار من مشركي قريش ومن سلك سبيلهم في ذلك. {حتى إذا جاءتهم الساعة} [الأنعام: 31] يقول: حتى إذا جاءتهم الساعة التي يبعث الله فيها الموتى من قبورهم. وإنما أدخلت الألف واللام في (الساعة) ، لأنها معروفة المعنى عند المخاطبين بها، وأنها مقصود بها قصد الساعة التي وصفت. ويعني بقوله: {بغتة} [الأنعام: 31] فجأة من غير علم من تفجؤه بوقت مفاجأتها إياه، يقال منه: بغته أبغته بغتة: إذا أخذته، كذلك {قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} [الأنعام: 31] يقول تعالى ذكره: وكس الذين كذبوا بلقاء الله ببيعهم منازلهم من الجنة بمنازل من اشتروا منازلهم من أهل الجنة من النار، فإذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا إذا عاينوا ما باعوا وما اشتروا وتبينوا خسارة صفقة بيعهم التي سلفت منهم في الدنيا تندما وتلهفا على عظيم الغبن الذي غبنوه أنفسهم، وجليل الخسران الذي لا خسران أجل منه: {يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} [الأنعام: 31] يقول: يا ندامتنا على ما ضيعنا فيها يعني في صفقتهم تلك. والهاء والألف في قوله: {فيها} [البقرة: 25] من ذكر الصفقة، ولكن اكتفى بدلالة قوله: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} [الأنعام: 31] عليها من ذكرها، إذ كان معلوما أن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد خسرت وإنما معنى الكلام: قد وكس الذين كذبوا بلقاء الله ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانه وجنته بالكفر الذي يستوجبون به منه سخطه وعقوبته، ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك حتى تقوم الساعة، فإذا جاءتهم الساعة بغتة فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم قالوا حينئذ تندما: {يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} [الأنعام: 31] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {يا حسرتنا على ما فرطنا} [الأنعام: 31] فيها أما {يا حسرتنا} [الأنعام: 31] : «فندامتنا على ما فرطنا فيها فضيعنا من عمل الجنة» حدثنا محمد بن عمارة الأسدي ، قال: ثنا يزيد بن مهران، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله: {يا حسرتنا} [الأنعام: 31] قال: " يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا " 09P215
[الأنعام: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} [الأنعام: 31] يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين كذبوا بلقاء الله {يحملون أوزارهم على ظهورهم} [الأنعام: 31] وقوله {وهم} [البقرة: 25] من ذكرهم. {يحملون أوزارهم} [الأنعام: 31] يقول: آثامهم وذنوبهم، واحدها وزر، يقال منه: وزر الرجل يزر: إذا أثم، فإن أريد أنهم أثموا قيل: قد وزر القوم فهم يوزرون وهم موزورون. وقد زعم بعضهم أن الوزر: الثقل والحمل. ولست أعرف ذلك كذلك في شاهد ولا من رواية ثقة عن العرب. وقال تعالى ذكره: {على ظهورهم} [الأنعام: 31] لأن الحمل قد يكون على الرأس والمنكب وغير ذلك، فبين موضع حملهم ما يحملون من ذلك، وذكر أن حملهم أوزارهم يومئذ على ظهورهم نحو الذي حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير بن سلمان، قال: ثنا عمرو بن قيس الملائي، قال: " إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيبه ريحا، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن صورتك فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم، وتلا: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} [مريم: 85] . وإن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد قبح صورتك وأنتن 09P217 ريحك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك السيئ، طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك، وتلا: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} [الأنعام: 31] حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} [الأنعام: 31] قال: " ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاء رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الريح عليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال له: ما أقبح وجهك قال: كذلك كان عملك قبيحا. قال: ما أنتن ريحك قال: كذلك كان عملك منتنا. قال: ما أدنس ثيابك قال: فيقول: إن عملك كان دنسا. قال: من أنت؟ قال: أنا عملك. قال: فيكون معه في قبره فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، فأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: {يحملون أوزارهم على ظهورهم} [الأنعام: 31] وأما قوله تعالى: {ألا ساء ما يزرون} [الأنعام: 31] فإنه يعني: ألا ساء الوزر الذي يزرون: أي الإثم الذي يأثمونه بكفرهم بربهم كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ألا ساء ما يزرون} [الأنعام: 31] قال: «ساء ما يعملون» 09P217
[الأنعام: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} [الأنعام: 32] وهذا تكذيب من الله تعالى ذكره هؤلاء الكفار المنكرين البعث بعد الممات في قولهم {إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 29] . يقول تعالى ذكره مكذبا لهم في قيلهم ذلك: {ما الحياة الدنيا} [آل عمران: 185] أيها الناس، {إلا لعب ولهو} [الأنعام: 32] يقول: ما باغي لذات الحياة التي أدنيت لكم وقربت منكم في داركم هذه ونعيمها وسرورها فيها، والمتلذذ بها والمنافس عليها، إلا في لعب ولهو لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذ فيها بملاذها، أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها فتمر عليه وتكدر كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه، ثم يعقبه منه ندما ويورثه منه ترحا. يقول: لا تغتروا أيها الناس بها، فإن المغتر بها عما قليل يندم. {وللدار الآخرة خير للذين يتقون} [الأنعام: 32] يقول: وللعمل بطاعته والاستعداد للدار الآخرة بالصالح من الأعمال التي تبقى منافعها لأهلها ويدوم سرور أهلها فيها، خير من الدار التي تفنى فلا يبقى لعمالها فيها سرور، ولا يدوم لهم فيها نعيم. {للذين يتقون} [الأنعام: 32] يقول : للذين يخشون الله فيتقونه بطاعته واجتناب معاصيه والمسارعة إلى رضاه. {أفلا تعقلون} [البقرة: 44] يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذبون بالبعث حقيقة ما نخبرهم به من أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وهم يرون من يخترم منهم، ومن يملك فيموت، ومن تنوبه فيها النوائب وتصيبه المصائب وتفجعه الفجائع؟ ففي ذلك لمن عقل مدكر ومزدجر عن الركون إليها واستعباد النفس لها، ودليل واضح على أن لها مدبرا ومصرفا يلزم الخلق إخلاص العبادة له بغير إشراك شيء سواه معه 09P219
[الأنعام: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قد نعلم يا محمد إنه ليحزنك الذي يقول المشركون، وذلك قولهم له: إنه كذاب، فإنهم لا يكذبونك. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة: (لا يكذبونك) بالتخفيف، بمعنى: أنهم لا يكذبونك فيما أتيتهم به من وحي الله، ولا يدفعون أن يكون ذلك صحيحا بل يعلمون صحته، ولكنهم يجحدون حقيقته قولا فلا يؤمنون به. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يحكي عن العرب أنهم يقولون: أكذبت الرجل: إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه. قال: ويقولون: كذبته: إذا أخبرت أنه كاذب. وقرأته جماعة من قراء المدينة والعراقيين والكوفة والبصرة: {فإنهم لا يكذبونك} [الأنعام: 33] بمعنى: أنهم لا يكذبونك علما، بل يعلمون أنك صادق، ولكنهم يكذبونك قولا، عنادا وحسدا. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء، ولكل واحدة منهما في الصحة مخرج مفهوم، وذلك أن المشركين لا شك أنه كان منهم قوم يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدفعونه عما كان الله تعالى خصه به من النبوة، فكان بعضهم يقول: هو شاعر، وبعضهم يقول: هو كاهن، وبعضهم يقول: هو مجنون، وينفي جميعهم أن يكون الذي أتاهم به من وحي السماء ومن تنزيل رب العالمين قولا. وكان بعضهم قد تبين أمره وعلم صحة نبوته، وهو في ذلك يعاند ويجحد نبوته حسدا له وبغيا. فالقارئ (فإنهم لا يكذبونك) يعني به: أن الذين كانوا يعرفون حقيقة نبوتك وصدق قولك فيما تقول، يجحدون أن يكون ما تتلوه عليهم من تنزيل الله ومن عند الله قولا، وهم يعلمون أن ذلك من عند الله علما صحيحا مصيب، لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم من هذه صفته. وفي قول الله تعالى في هذه السورة: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] أوضح الدليل على أنه قد كان فيهم العناد في جحود نبوته صلى الله عليه وسلم، مع علم منهم به وصحة نبوته. وكذلك القارئ {فإنهم لا يكذبونك} [الأنعام: 33] يعني: أنهم لا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عنادا لا جهلا بنبوته وصدق لهجته مصيب، لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم من هذه صفته. وقد ذهب إلى كل واحد من هذين التأويلين جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال: معنى ذلك: فإنهم لا يكذبونك، ولكنهم يجحدون الحق على علم منهم بأنك نبي لله صادق حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك} [الأنعام: 33] ، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزين، فقال له: ما يحزنك؟ فقال: «كذبني هؤلاء» قال: فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك، هم يعلمون أنك صادق، {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي صالح قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس حزين، فقال له: ما يحزنك؟ فقال: «كذبني هؤلاء» فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك، إنهم ليعلمون أنك صادق، {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] قال: «يعلمون أنك رسول الله ويجحدون» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل ، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] : لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة، إن محمدا ابن أختكم، فأنتم أحق من كف عنه، فإنه إن كان نبيا لم تقاتلونه اليوم؟
وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا ههنا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غلب محمد صلى الله عليه وسلم رجعتم سالمين، وإن غلب محمد فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئا، فيومئذ سمي الأخنس، وكان اسمه أبيا. فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل، فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا. فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] ، فآيات الله محمد صلى الله عليه وسلم حدثني الحرث بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: {فإنهم لا يكذبونك} [الأنعام: 33] قال: ليس يكذبون محمدا، {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] ذكر من قال ذلك بمعنى: فإنهم لا يكذبونك، ولكنهم يكذبون ما جئت به حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية قال: " قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتهمك، 09P223 ولكن نتهم الذي جئت به. فأنزل الله تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، " أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب الذي جئت به فأنزل الله تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } [الأنعام: 33] وقال آخرون: معنى ذلك: فإنهم لا يبطلون ما جئتهم به ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب: {فإنهم لا يكذبونك} [الأنعام: 33] قال: «لا يبطلون ما في يديك» وأما قوله: {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] ، فإنه يقول: ولكن المشركين بالله بحجج الله وآي كتابه ورسوله يجحدون، فينكرون صحة ذلك كله. وكان السدي يقول: " الآيات في هذا الموضع معني بها محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبل 09P223
[الأنعام: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين} [الأنعام: 34] وهذا تسلية من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وتعزية له عما ناله من المساءة بتكذيب قومه إياه على ما جاءهم به من الحق من عند الله. يقول تعالى ذكره: إن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون من قومك، فيجحدوا نبوتك، وينكروا آيات الله أنها من عنده، فلا يحزنك ذلك، واصبر على تكذيبهم إياك وما تلقى منهم من المكروه في ذات الله، حتى يأتي نصر الله، فقد كذبت رسل من قبلك أرسلتهم إلى أممهم فنالوهم بمكروه، فصبروا على تكذيب قومهم إياهم ولم يثنهم ذلك من المضي لأمر الله الذي أمرهم به من دعاء قومهم إليه، حتى حكم الله بينهم وبينهم. {ولا مبدل لكلمات الله} [الأنعام: 34] : ولا مغير لكلمات الله وكلماته تعالى: ما أنزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من وعده إياه النصر على من خالفه وضاده، والظفر على من تولى عنه وأدبر. {ولقد جاءك من نبإ المرسلين} [الأنعام: 34] يقول: ولقد جاءك يا محمد من خبر من كان قبلك من الرسل وخبر أممهم، وما صنعت بهم حين جحدوا آياتي وتمادوا في غيهم وضلالهم، أنباء. وترك ذكر (أنباء) لدلالة (من) عليها، يقول تعالى ذكره: فانتظر أنت أيضا من النصرة والظفر مثل الذي كان مني كان قبلك من الرسل، إذ كذبهم قومك، واقتد بهم في صبرهم على ما لقوا من قومهم وبنحو ذلك تأول من تأول هذه الآية من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا} [الأنعام: 34] ، «يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون، ويخبره أن الرسل قد كذبت قبله فصبروا على ما كذبوا حتى حكم الله وهو خير الحاكمين» . حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {ولقد كذبت رسل من قبلك} [الأنعام: 34] ، قال: «يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ولقد كذبت رسل من قبلك} [الأنعام: 34] الآية: قال: «يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم» 09P225
[الأنعام: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} [الأنعام: 35] يقول تعالى ذكره: إن كان عظم عليك يا محمد إعراض هؤلاء المشركين عنك وانصرافهم عن تصديقك فيما جئتهم به من الحق الذي بعثتك به، فشق ذلك عليك ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم {فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض} [الأنعام: 35] يقول: فإن استطعت أن تتخذ سربا في الأرض، مثل نافقاء اليربوع، وهي أحد جحرته، فتذهب فيه {أو سلما في السماء} [الأنعام: 35] يقول: أو مصعدا تصعد فيه كالدرج وما أشبهها، كما قال الشاعر: [+البحر البسيط] لا يحرز المرء أحجاء البلاد ولا يبنى له في السموات السلاليم {فتأتيهم بآية} [الأنعام: 35] يعني: بعلامة وبرهان على صحة قولك غير الذي أتيتك، فافعل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء} [الأنعام: 35] " والنفق: السرب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لك سلما في السماء، فتصعد عليه فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به فافعل " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض} [الأنعام: 35] قال: " سربا، {أو سلما في السماء} [الأنعام: 35] قال: يعني الدرج " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن 09P227 السدي: {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء} [الأنعام: 35] " أما النفق: فالسرب، وأما السلم: فالمصعد " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {نفقا في الأرض} [الأنعام: 35] قال: سربا وترك جواب الجزاء فلم يذكر لدلالة الكلام عليه ومعرفة السامعين بمعناه، وقد تفعل العرب ذلك فيما كان يفهم معناه عند المخاطبين به، فيقول الرجل منهم للرجل: إن استطعت أن تنهض معنا في حاجتنا إن قدرت على معونتنا، ويحذف الجواب، وهو يريد: إن قدرت على معونتنا فافعل، فأما إذا لم يعرف المخاطب والسامع معنى الكلام إلا بإظهار الجواب لم يحذفوه، لا يقال: إن تقم، فتسكت وتحذف الجواب لأن المقول ذلك له لا يعرف جوابه إلا بإظهاره، حتى يقال: إن تقم تصب خيرا، أو: إن تقم فحسن، وما أشبه ذلك. ونظير ما في الآية مما حذف جوابه وهو مراد لفهم المخاطب لمعنى الكلام قول الشاعر: [+البحر الخفيف] فبحظ مما نعيش ولا تذ هب بك الترهات في الأهوال والمعنى: فبحظ مما نعيش فعيشي 09P227
[الأنعام: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} [الأنعام: 35] يقول تعالى ذكره: إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار يا محمد فيحزنك تكذيبهم إياك، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدين وصواب من محجة الإسلام حتى تكون كلمة جميعكم واحدة، وملتكم وملتهم واحدة، لجمعتهم على ذلك، ولم يكن بعيدا علي لأني القادر على ذلك بلطفي، ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي ونافذ قضائي فيهم من قبل أن أخلقهم وأصور أجسامهم. {فلا تكونن} [البقرة: 147] يا محمد {من الجاهلين} [البقرة: 67] يقول: فلا تكونن ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجمع على الهدى جميع خلقه بلطفه، وأن من يكفر به من خلقه إنما يكفر به لسابق علم الله فيه ونافذ قضائه بأنه كائن من الكافرين به اختيارا لا اضطرارا، فإنك إذا علمت صحة ذلك لم يكبر عليك إعراض من أعرض من المشركين عما تدعوه إليه من الحق، وتكذيب من كذبك منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يقول الله سبحانه: «لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين» وفي هذا الخبر من الله تعالى الدلالة الواضحة على خطإ ما قال أهل التفويض من القدرية المنكرون أن يكون عند الله لطائف لمن شاء توفيقه من خلقه، يلطف 09P229 بها له حتى يهتدي للحق، فينقاد له وينيب إلى الرشاد، فيذعن به ويؤثره على الضلال والكفر بالله، وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه لو شاء الهداية لجميع من كفر به حتى يجتمعوا على الهدى فعل، ولا شك أنه لو فعل ذلك بهم كانوا مهتدين لا ضلالا، وهم لو كانوا مهتدين كان لا شك أن كونهم مهتدين كان خيرا لهم. وفي تركه تعالى ذكره أن يجمعهم على الهدى ترك منه أن يفعل بهم في دينهم بعض ما هو خير لهم فيه مما هو قادر على فعله بهم وقد ترك فعله بهم، وفي تركه فعل ذلك بهم أوضح الدليل أنه لم يعطهم كل الأسباب التي بها يصلون إلى الهداية ويتسببون بها إلى الإيمان 09P228 [الأنعام: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} [الأنعام: 36] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يكبرن عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربهم والإقرار بنبوتك، فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك إلا الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق، وسهل لهم اتباع الرشد، دون من ختم الله على سمعه فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رعاتها، فهم كما وصفهم به الله تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] . {والموتى يبعثهم الله} [الأنعام: 36] يقول: والكفار يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتا، ولا يعقلون دعاء، ولا يفقهون قولا، إذ كانوا لا يتدبرون حجج الله، ولا يعتبرون آياته، ولا يتذكرون فينزجرون عما هم عليه من تكذيب رسل الله وخلافهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إنما يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36] المؤمنون للذكر. {والموتى} [الأنعام: 36] الكفار حين {يبعثهم الله} [الأنعام: 36] مع الموتى حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنما يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36] قال: هذا مثل المؤمن سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله، والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم، وهذا مثل الكافر أصم أبكم، لا يبصر هدى، ولا ينتفع به حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان الثوري، عن محمد بن جحادة، عن الحسن: {إنما يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36] المؤمنون. {والموتى} [الأنعام: 36] قال: الكفار حدثني ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن محمد بن جحادة قال: سمعت الحسن يقول في قوله: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله} [الأنعام: 36] قال: الكفار وأما قوله: {ثم إليه يرجعون} [الأنعام: 36] فإنه يقول تعالى: ثم إلى الله يرجعون، المؤمنون الذين استجابوا لله والرسول، والكفار الذين يحول الله بينهم وبين أن يفقهوا عنك شيئا، فيثيب هذا المؤمن على ما سلف من صالح عمله في الدنيا بما وعد أهل الإيمان به من الثواب، ويعاقب هذا الكافر بما أوعد أهل الكفر به من العقاب، لا يظلم أحدا منهم مثقال ذرة 09P231
[الأنعام: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنعام: 37] يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء العادلون بربهم المعرضون عن آياته: {لولا نزل عليه آية من ربه} [الأنعام: 37] يقول: قالوا: هلا نزل على محمد آية من ربه، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا بمعنى: هلا الكمي. والآية: العلامة، وذلك أنهم قالوا: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها} [الفرقان: 8] . قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لقائلي هذه المقالة لك: إن الله قادر على أن ينزل آية، يعني: حجة على ما يريدون ويسألون، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنعام: 37] يقول: ولكن أكثر الذين يقولون ذلك فيسألونك آية، لا يعلمون ما عليهم في الآية إن نزلها من البلاء، ولا يدرون ما وجه ترك إنزال ذلك عليك، ولو علموا السبب الذي من أجله لم أنزلها عليك لم يقولوا ذلك ولم يسألوكه، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك 09P232