Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bölüm V10/P393–V10/P397

ثم أقاموا شهرا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم ولإنكارهم، ولأعمالهم أعمال السوء، قال: فقال موسى: يا رب عبادك قد نقضوا عهدي وأخلفوا موعدي، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية، فأرسل الله عليهم القمل قال أبو بكر: سمعت سعيد بن جبير والحسن يقولان: كان إلى 10P396 جنبهم كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى عين شمس، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب، فضربه بعصاه ضربة صار قملا تدب إليهم، وهي دواب سود صغار، فدب إليهم القمل، فأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم، كأنه الجدري عليهم، فصرخوا وصاحوا إلى موسى: إنا نتوب ولا نعود، فادع لنا ربك، فدعا ربه فرفع عنهم القمل بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرا في عافية، ثم عادوا وقالوا: ما كنا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم، جعل الرمل دواب، وعزة فرعون لا نصدقه أبدا ولا نتبعه، فعادوا لتكذيبهم وإنكارهم، فدعا موسى عليهم، فقال: يا رب إن عبادك نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم 10P397 نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية، فأرسل الله عليهم الضفادع، فكان أحدهم يضطجع، فتركبه الضفادع، فتكون عليه ركاما، حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى الشق الآخر، ويفتح فاه لأكلته، فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه، ولا يعجن عجينا إلا تسدخت فيه، ولا يطبخ قدرا إلا امتلأت ضفادع. فعذبوا بها أشد العذاب، فشكوا إلى موسى عليه السلام، وقالوا: هذه المرة نتوب ولا نعود. فأخذ عهدهم وميثاقهم، ثم دعا ربه، فكشف الله عنهم الضفادع بعد ما أقام عليهم سبعا من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرا في عافية ثم عادوا لتكذيبهم وإنكارهم، وقالوا: قد تبين لكم سحره، ويجعل التراب دواب، ويجيء بالضفادع في غير ماء، فآذوا موسى عليه السلام، فقال موسى: يا رب إن عبادك نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم عقوبة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية، فابتلاهم الله بالدم، فأفسد عليهم معايشهم، فكان الإسرائيلي والقبطي يأتيان النيل فيستقيان، فيخرج للإسرائيلي ماء، ويخرج للقبطي دما، ويقومان إلى الجب فيه الماء، فيخرج للإسرائيلي في إنائه ماء، وللقبطي دما " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا ابن سعد، قال : سمعت مجاهدا، في قوله: " {فأرسلنا عليهم الطوفان} [الأعراف: 133] قال: الموت والجراد. قال: الجراد يأكل أمتعتهم وثيابهم ومسامير أبوابهم، والقمل هو الدبى، سلطه الله عليهم بعد الجراد. قال: والضفادع تسقط في أطعمتهم التي في بيوتهم وفي أشربتهم " وقال بعضهم: الدم الذي أرسله الله عليهم كان رعافا - ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أحمد بن خالد، قال: ثنا يحيى بن أبي بكير، قال: ثنا زهير، قال: قال زيد بن أسلم: " أما القمل فالقمل وأما الدم: فسلط عليهم الرعاف " وأما قوله: {آيات مفصلات} [الأعراف: 133] فإن معناه: علامات ودلالات على صحة نبوة موسى، وحقية ما دعاهم إليه مفصلات، قد فصل بينها، فجعل بعضها يتلو بعضها، وبعضها في إثر بعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: «فكانت آيات مفصلات بعضها في إثر بعض؛ ليكون لله الحجة عليهم، فأخذهم الله بذنوبهم فأغرقهم في اليم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {آيات مفصلات} [الأعراف: 133] قال: يتبع بعضها بعضا ليكون لله الحجة عليهم، فينتقم منهم بعد ذلك.

Bölüm V10/P397

وكانت الآية تمكث فيهم من السبت إلى السبت، وترتفع عنهم شهرا، قال الله عز وجل: {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم} [الأعراف: 136] الآية " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: " {آيات مفصلات} [الأعراف: 133] أي: آية بعد آية يتبع بعضها بعضا " وكان مجاهد يقول فيما ذكر عنه في معنى المفصلات، ما حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مجاهدا، يقول في " {آيات مفصلات} [الأعراف: 133] ، قال: معلومات " 10P398

Bölüm V10/P397–V10/P401

[الأعراف: 133] القول في تأويل قوله تعالى: {فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين} [الأعراف: 133] يقول تعالى ذكره: فاستكبر هؤلاء الذين أرسل الله عليهم ما ذكر في هذه الآيات من الآيات والحجج عن الإيمان بالله، وتصديق رسوله موسى صلى الله عليه وسلم، 10P399 واتباعه على ما دعاهم إليه، وتعظموا على الله وعتوا عليه {وكانوا قوما مجرمين} [الأعراف: 133] يقول: كانوا قوما يعملون بما يكرهه الله من المعاصي والفسق عتوا وتمردا 10P398 [الأعراف: 134] القول في تأويل قوله تعالى: {ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل} [الأعراف: 134] يقول تعالى ذكره: {ولما وقع عليهم الرجز} [الأعراف: 134] ، ولما نزل بهم عذاب الله، وحل بهم سخطه. ثم اختلف أهل التأويل في ذلك الرجز الذي أخبر الله أنه وقع بهؤلاء القوم، فقال بعضهم: كان ذلك طاعونا. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: " وأمر موسى قومه من بني إسرائيل، وذلك بعد ما جاء قوم فرعون بالآيات الخمس الطوفان، وما ذكر الله في هذه الآية، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال: ليذبح كل رجل منكم كبشا، ثم ليخضب كفه في دمه، ثم ليضرب به على بابه، فقالت القبط لبني إسرائيل: لم تجعلون هذا الدم على أبوابكم؟ فقالوا: إن الله يرسل عليكم عذابا فنسلم وتهلكون، فقالت القبط: فما يعرفكم الله إلا بهذه العلامات؟ فقالوا: هكذا أمرنا به نبينا. فأصبحوا وقد 10P400 طعن من قوم فرعون سبعون ألفا، فأمسوا وهم لا يتدافنون، فقال فرعون عند ذلك: {ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز} [الأعراف: 134] وهو الطاعون، {لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل} [الأعراف: 134] فدعا ربه فكشفه عنهم، فكان أوفاهم كلهم فرعون، فقال لموسى: اذهب ببني إسرائيل حيث شئت " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حبويه الرازي، وأبو داود الحفري، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال حبويه: عن ابن عباس: " {لئن كشفت عنا الرجز} [الأعراف: 134] قال: الطاعون " وقال آخرون: هو العذاب. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «الرجز العذاب» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فلما 10P401 كشفنا عنهم الرجز} [الأعراف: 135] أي: العذاب " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: " {ولما وقع عليهم الرجز} [الأعراف: 134] يقول: العذاب " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ولما وقع عليهم الرجز} [الأعراف: 134] قال: الرجز: العذاب الذي سلطه الله عليهم من الجراد والقمل وغير ذلك، وكل ذلك يعاهدونه ثم ينكثون " وقد بينا معنى الرجز فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده المغنية عن إعادتها. وأولى القولين بالصواب في هذا الموضع أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن فرعون وقومه أنهم لما وقع عليهم الرجز، وهو العذاب والسخط من الله عليهم، فزعوا إلى موسى بمسألته ربه كشف ذلك عنهم وجائز أن يكون ذلك الرجز كان الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم؛ لأن كل ذلك كان عذابا عليهم، وجائز أن يكون ذلك الرجز كان طاعونا. ولم يخبرنا الله أي ذلك كان؟ ولا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي ذلك كان خبر فنسلم له. فالصواب أن نقول فيه كما قال جل ثناؤه: {ولما وقع عليهم الرجز} [الأعراف: 134] ولا نتعداه إلا بالبيان الذي لا تمانع فيه بين أهل التأويل، وهو لما حل بهم عذاب الله وسخطه، {قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} [الأعراف: 134] يقول: بما أوصاك وأمرك به، وقد بينا معنى العهد فيما مضى {لئن كشفت عنا الرجز} [الأعراف: 134] يقول: لئن رفعت عنا العذاب الذي نحن فيه {لنؤمنن لك} [الأعراف: 134] يقول: لنصدقن بما جئت به ودعوت إليه ولنقرن به لك {ولنرسلن معك بني إسرائيل} [الأعراف: 134] يقول: ولنخلين معك بني إسرائيل فلا نمنعهم أن يذهبوا حيث شاءوا 10P402

Bölüm V10/P401–V10/P403

[الأعراف: 135] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون} [الأعراف: 135] يقول تعالى ذكره: فدعا موسى ربه، فأجابه، فلما رفع الله عنهم العذاب الذي أنزله بهم إلى أجل هم بالغوه ليستوفوا عذاب أيامهم التي جعلها الله لهم من الحياة أجلا إلى وقت هلاكهم، {إذا هم ينكثون} [الأعراف: 135] يقول: إذا هم ينقضون عهودهم التي عاهدوا ربهم وموسى، ويقيمون على كفرهم وضلالهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: " {إلى أجل هم بالغوه} [الأعراف: 135] قال: عدد مسمى لهم من أيامهم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون} [الأعراف: 135] قال: ما أعطوا من العهود، وهو حين يقول الله: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} [الأعراف: 130] وهو الجوع، {ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون} [الأعراف: 130] " 10P403 [الأعراف: 136] القول في تأويل قوله تعالى: {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} [الأعراف: 136] يقول تعالى ذكره: فلما نكثوا عهودهم، انتقمنا منهم، يقول: انتصرنا منهم بإحلال نقمتنا بهم وذلك عذابه فأغرقناهم في اليم، وهو البحر، كما قال ذو الرمة: [+البحر البسيط] داوية ودجى ليل كأنهما يم تراطن في حافاته الروم وكما قال الراجز: [+البحر الرجز] كباذخ اليم سقاه اليم {بأنهم كذبوا بآياتنا} [الأعراف: 136] يقول: فعلنا ذلك بهم، بتكذيبهم بحججنا وأعلامنا التي أريناهموها. {وكانوا عنها غافلين} [الأعراف: 136] يقول: وكانوا عن النقمة التي أحللناها بهم غافلين قبل حلولها بهم أنها بهم حالة. والهاء والألف في قوله: {عنها} [البقرة: 36] كناية من ذكر النقمة، فلو قال قائل: هي كناية من ذكر الآيات، ووجه تأويل الكلام إلى: وكانوا عنها معرضين فجعل إعراضهم عنها غفولا منهم إذ لم يقبلوها كان مذهبا. يقال من الغفلة، غفل الرجل عن كذا يغفل عنه غفلة وغفولا وغفلا 10P404

Bölüm V10/P403–V10/P406

[الأعراف: 137] القول في تأويل قوله تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} [الأعراف: 137] يقول تعالى ذكره: وأورثنا القوم الذين كان فرعون وقومه يستضعفونهم، فيذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، ويستخدمونهم تسخيرا واستعبادا من بني إسرائيل، مشارق الأرض الشام، وذلك ما يلي الشرق منها، ومغاربها التي باركنا فيها، يقول: التي جعلنا فيها الخير ثابتا دائما لأهلها. وإنما قال جل ثناؤه: {وأورثنا} [الأعراف: 137] لأنه أورث ذلك بني إسرائيل، بمهلك من كان فيها من العمالقة. وبمثل الذي قلنا في قوله: {مشارق الأرض ومغاربها} [الأعراف: 137] قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن، في قوله: " {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} [الأعراف: 137] قال: الشام " 10P405 حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن فرات القزاز، قال: سمعت الحسن يقول، فذكر نحوه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن فرات القزاز، عن الحسن: " الأرض التي باركنا فيها، قال: الشام " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} [الأعراف: 137] هي أرض الشام " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: " {مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} [الأعراف: 137] قال: التي بارك فيها: الشام " وكان بعض أهل العربية يزعم أن مشارق الأرض ومغاربها نصب على المحل، يعني: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون في مشارق الأرض 10P406 ومغاربها، وأن قوله: {وأورثنا} [الأعراف: 137] إنما وقع على قوله: {التي باركنا فيها} [الأعراف: 137] وذلك قول لا معنى له؛ لأن بني إسرائيل لم يكن يستضعفهم أيام فرعون غير فرعون وقومه، ولم يكن له سلطان إلا بمصر، فغير جائز والأمر كذلك أن يقال: الذين يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها. فإن قال قائل: فإن معناه: في مشارق أرض مصر ومغاربها فإن ذلك بعيد من المفهوم في الخطاب: مع خروجه عن أقوال أهل التأويل والعلماء بالتفسير وأما قوله: {وتمت كلمة ربك الحسنى} فإنه يقول: وفي وعد الله الذي وعد بني إسرائيل بتمامه، على ما وعدهم من تمكينهم في الأرض، ونصره إياهم على عدوهم فرعون. وكلمته الحسنى قوله جل ثناؤه: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص: 6] وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل} قال: ظهور قوم موسى على فرعون، وتمكين الله لهم في الأرض، وما ورثهم منها " 10P407 حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه وأما قوله: {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه} [الأعراف: 137] فإنه يقول: وأهلكنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع. {وما كانوا يعرشون} [الأعراف: 137] يقول: وما كانوا يبنون من الأبنية والقصور، وأخرجناهم من ذلك كله، وخربنا جميع ذلك. وقد بينا معنى التعريش فيما مضى بشواهده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

Bölüm V10/P406

ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: " {وما كانوا يعرشون} [الأعراف: 137] يقول: يبنون " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يعرشون} [الأعراف: 137] يبنون البيوت والمساكن ما بلغت، وكان عنبهم غير معروش " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق 10P408 {يعرشون} [الأعراف: 137] بكسر الراء، سوى عاصم بن أبي النجود، فإنه قرأه بضمها. وهما لغتان مشهورتان في العرب، يقال: عرش يعرش ويعرش، فإذا كان ذلك كذلك، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب لاتفاق معنى ذلك، وأنهما معروفان من كلام العرب، وكذلك تفعل العرب في فعل إذا ردته إلى الاستقبال، تضم العين منه أحيانا، وتكسره أحيانا. غير أن أحب القراءتين إلي كسر الراء لشهرتها في العامة وكثرة القراءة بها وأنها أصح اللغتين 10P407

Bölüm V10/P406–V10/P409

[الأعراف: 138] القول في تأويل قوله تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} [الأعراف: 138] يقول تعالى ذكره: وقطعنا ببني إسرائيل البحر بعد الآيات التي أريناهموها والعبر التي عاينوها على يدي نبي الله موسى، فلم تزجرهم تلك الآيات ولم تعظهم تلك العبر والبينات حتى قالوا مع معاينتهم من الحجج ما يحق أن يذكر معها البهائم، إذ مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، يقومون على مثل لهم يعبدونها من دون الله، اجعل لنا يا موسى إلها، يقول: مثالا نعبده وصنما نتخذه إلها، كما لهؤلاء القوم أصنام يعبدونها، ولا تنبغي العبادة لشيء سوى الله الواحد القهار. وقال موسى صلوات الله عليه: إنكم أيها القوم قوم تجهلون عظمة الله وواجب حقه عليكم، ولا تعلمون أنه لا تجوز العبادة لشيء سوى الله الذي له ملك السموات والأرض. وذكر عن ابن جريج في ذلك ما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} [الأعراف: 138] قال ابن جريج: " على أصنام لهم، قال: تماثيل بقر، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر، فذلك كان أول شأن العجل {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} [الأعراف: 138] " وقيل: إن القوم الذين كانوا عكوفا على أصنام لهم، الذين ذكرهم الله في هذه الآية، قوم كانوا من لخم. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا بشر بن عمرو، قال: ثنا العباس بن المفضل، عن أبي العوام، عن قتادة: " {فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} [الأعراف: 138] 10P410 قال: على لخم، وقيل: إنهم كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى عليه السلام بقتالهم " وقد حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، أن أبا واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بسدرة، قلت: يا نبي الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنكم ستركبون سنن الذين من قبلكم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا نبي الله اجعل لنا هذه ذات أنواط، فذكر نحوه 10P411 حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحوه حدثنا ابن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد الليثي: أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، قال: " قلتم والذي نفسي بيده ما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم " 10P411

Bölüm V10/P409–V10/P413

[الأعراف: 139] القول في تأويل قوله تعالى: {إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} [الأعراف: 139] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل موسى لقومه من بني إسرائيل، يقول تعالى ذكره قال لهم موسى: إن هؤلاء العكوف على هذه الأصنام، الله مهلك ما هم فيه من العمل ومفسده، ومخسرهم فيه بإثابته إياهم عليه العذاب المهين، وباطل ما كانوا يعملون من عبادتهم إياها فمضمحل؛ لأنه غير نافع 10P412 عند مجيء أمر الله وحلوله بساحتهم، ولا مدافع عنهم بأس الله إذا نزل بهم، ولا منقذهم من عذابه إذا عذبهم في القيامة، فهو في معنى ما لم يكن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، وحدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قالا جميعا: حدثنا أسباط، عن السدي: " {إن هؤلاء متبر ما هم فيه} [الأعراف: 139] يقول: مهلك ما هم فيه " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: " {إن هؤلاء متبر ما هم فيه} [الأعراف: 139] يقول: خسران " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} [الأعراف: 139] قال: هذا كله واحد، كهيئة «غفور رحيم» ، «عفو غفور» . قال: والعرب تقول: إنه البائس المتبر، وإنه البائس المخسر " 10P412 [الأعراف: 140] القول في تأويل قوله تعالى: {قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين} [الأعراف: 140] يقول تعالى ذكره: قال موسى لقومه: أسوى الله ألتمسكم إلها وأجعل لكم معبودا تعبدونه، والله الذي هو خالقكم، فضلكم على عالمي دهركم وزمانكم؟ يقول: أفأبغيكم معبودا لا ينفعكم ولا يضركم تعبدونه وتتركون عبادة من فضلكم على الخلق؟ إن هذا منكم لجهل 10P413 [الأعراف: 141] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أنجيناكم من آل فرعون} [الأعراف: 141] يقول تعالى ذكره لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم: واذكروا مع قيلكم هذا الذي قلتموه لموسى بعد رؤيتكم من الآيات والعبر، وبعد النعم التي سلفت مني إليكم، والأيادي التي تقدمت فعلكم ما فعلتم. {إذ أنجيناكم من آل فرعون} [الأعراف: 141] وهم الذين كانوا على منهاجه وطريقته في الكفر بالله من قومه. {يسومونكم سوء العذاب} [البقرة: 49] يقول: إذ يحملونكم أقبح العذاب وسيئه. وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا ما كان العذاب الذي كان يسومهم سيئه. {يقتلون أبناءكم} [الأعراف: 141] الذكور من أولادهم {ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] يقول: يستبقون إناثهم. {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} [البقرة: 49] يقول: وفي سومهم إياكم سوء العذاب، اختبار من الله لكم وتعمد عظيم 10P414

Bölüm V10/P413–V10/P417

[الأعراف: 142] القول في تأويل قوله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142] يقول تعالى ذكره: وواعدنا موسى لمناجاتنا ثلاثين ليلة وقيل: إنها ثلاثون ليلة من ذي القعدة. {وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142] يقول: وأتممنا الثلاثين الليلة بعشر ليال تتمة أربعين ليلة. وقيل: إن العشر التي أتمها به أربعين، عشر ذي الحجة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: " {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142] قال: ذو القعدة وعشر ذي الحجة " قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد " {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142] قال: ذو القعدة وعشر ذي الحجة، ففي ذلك اختلفوا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} [الأعراف: 142] هو ذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فذلك قوله: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} [الأعراف: 142] " حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: «زعم حضرمي أن الثلاثين التي، كان واعد موسى ربه كانت ذا القعدة والعشر من ذي الحجة التي تمم الله بها الأربعين» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} [الأعراف: 142] قال: ذو القعدة. {وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142] قال: عشر ذي الحجة " قال ابن جريج: قال ابن عباس، مثله حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مجاهدا يقول في قوله: " {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142] قال: ذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة " قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروق: " {وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142] قال: عشر الأضحى " وأما قوله: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} [الأعراف: 142] فإنه يعني: فكمل الوقت 10P416 الذي واعد الله موسى أربعين ليلة وبلغها. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {فتم ميقات ربه} [الأعراف: 142] قال: فبلغ ميقات ربه أربعين ليلة " 10P416 [الأعراف: 142] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142] يقول تعالى ذكره: لما مضى لموعد ربه، قال لأخيه هارون: {اخلفني في قومي} [الأعراف: 142] يقول: كن خليفتي فيهم إلى أن أرجع، يقال منه: خلفه يخلفه خلافة. {وأصلح} [المائدة: 39] يقول: وأصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله وعبادته كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، 10P417 قال: " قال موسى لأخيه هارون: {اخلفني في قومي وأصلح} [الأعراف: 142] وكان من إصلاحه أن لا يدع العجل يعبد. وقوله: {ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142] يقول: ولا تسلك طريق الذين يفسدون في الأرض بمعصيتهم ربهم، ومعونتهم أهل المعاصي على عصيانهم ربهم، ولكن اسلك سبيل المطيعين ربهم. فكانت مواعدة الله موسى عليه السلام بعد أن أهلك فرعون ونجى منه بني إسرائيل فيما قال أهل العلم، كما " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني الحجاج، عن ابن جريج، قوله: " {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} [الأعراف: 142] . الآية، قال: يقول: إن ذلك بعد ما فرغ من فرعون، وقبل الطور لما نجى الله موسى عليه السلام من البحر وغرق آل فرعون وخلص إلى الأرض الطيبة، أنزل الله عليهم فيها المن والسلوى وأمره ربه أن يلقاه، فلما أراد لقاء ربه استخلف هارون على قومه، وواعدهم أن يأتيهم إلى ثلاثين ليلة ميعادا من قبله من غير أمر ربه ولا ميعاده فتوجه ليلقى ربه، فلما تمت ثلاثون ليلة، قال عدو الله السامري: ليس يأتيكم موسى، وما يصلحكم إلا إله تعبدونه، فناشدهم هارون وقال: لا تفعلوا انظروا ليلتكم هذه ويومكم هذا، فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم، فقالوا: نعم. فلما أصبحوا من غد ولم يروا موسى عاد السامري لمثل قوله بالأمس، قال: وأحدث الله الأجل بعد الأجل الذي جعله بينهم عشرا، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، فعاد هارون فناشدهم، إلا ما نظروا يومهم ذلك أيضا، فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم. ثم عاد السامري الثالثة لمثل قوله لهم، وعاد هارون فناشدهم أن ينتظروا. فلما لم يروه. . . " قال القاسم: قال الحسين: حدثني حجاج، قال: ثني أبو بكر بن عبد الله الهذلي، قال: " قام السامري إلى هارون حين انطلق موسى، فقال: يا نبي الله إنا استعرنا يوم خرجنا من القبط حليا كثيرا من زينتهم، وإن الذين معك قد أسرعوا في الحلي يبيعونه وينفقونه، وإنما كان عارية من آل فرعون فليسوا بأحياء فنردها عليهم، ولا ندري لعل أخاك نبي الله موسى إذا جاء يكون له فيها رأي، إما يقربها قربانا فتأكلها النار، وإما يجعلها للفقراء دون الأغنياء. فقال له هارون: نعم ما رأيت وما قلت، فأمر مناديا فنادى: من كان عنده شيء من حلي آل فرعون فليأتنا به، فأتوه به، فقال هارون يا سامري أنت أحق من كانت عنده هذه الخزانة. فقبضها السامري، وكان عدو الله الخبيث صائغا، فصاغ منه عجلا جسدا، ثم قذف في جوفه تربة من القبضة التي قبض من أثر فرس جبريل عليه السلام إذ رآه في البحر، فجعل يخور، ولم يخر إلا مرة واحدة، وقال لبني إسرائيل: إنما تخلف موسى بعد الثلاثين ليلة يلتمس هذا {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88] يقول: إن موسى عليه السلام نسي ربه " 10P418

Bölüm V10/P417

[الأعراف: 143] القول في تأويل قوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] يقول تعالى ذكره: ولما جاء موسى للوقت الذي وعدنا أن يلقانا فيه، وكلمه ربه وناجاه، قال موسى لربه: {أرني أنظر إليك} [الأعراف: 143] قال الله له مجيبا 10P419 : {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل} [الأعراف: 143] وكان سبب مسألة موسى ربه النظر إليه ما حدثني به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " إن موسى عليه السلام لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه، {قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} [الأعراف: 143] فحف حول الجبل، وحف حول الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحف حول الملائكة بنار، ثم تجلى ربه للجبل " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " {وقربناه نجيا} [مريم: 52] قال: ثني من لقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قربه الرب حتى سمع صريف القلم، فقال عند ذلك من الشوق إليه: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل} [الأعراف: 143] " حدثنا القاسم، قال: ثني الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر الهذلي، قال: " لما تخلف موسى عليه السلام بعد الثلاثين، حتى سمع كلام الله اشتاق إلى النظر إليه، فقال: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} [الأعراف: 143] وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا، من نظر إلي مات. قال: إلهي سمعت منطقك واشتقت إلى النظر إليك، ولأن أنظر إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك، قال: 10P420 فانظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {أرني أنظر إليك} [الأعراف: 143] قال: أعطني " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال: إني متعجل إلى ربي، فاخلفني في قومي، ولا تتبع سبيل المفسدين، فخرج موسى إلى ربه متعجلا للقيه شوقا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل، ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به. فلما كلم الله موسى، طمع في رؤيته، فسأل ربه أن ينظر إليه، فقال الله لموسى: إنك {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} [الأعراف: 143] الآية: قال ابن إسحاق: فهذا ما وصل إلينا في كتاب الله عن خبر موسى لما طلب النظر إلى ربه. وأهل الكتاب يزعمون وأهل التوراة أن قد كان لذلك تفسير وقصة وأمور كثيرة ومراجعة لم تأتنا في كتاب الله، والله أعلم.

Bölüm V10/P417

قال ابن إسحاق عن بعض أهل العلم الأول بأحاديث أهل الكتاب: إنهم يجدون في تفسير ما عندهم من خبر موسى حين طلب ذلك إلى ربه أنه كان من كلامه إياه حين طمع في رؤيته، وطلب ذلك منه، ورد عليه ربه منه ما رد، أن 10P421 موسى كان تطهر وطهر ثيابه وصام للقاء ربه فلما أتى طور سيناء، ودنا الله له في الغمام فكلمه، سبحه وحمده وكبره وقدسه، مع تضرع وبكاء حزين، ثم أخذ في مدحته، فقال: رب ما أعظمك وأعظم شأنك كله، من عظمتك أنه لم يكن شيء من قبلك، فأنت الواحد القهار، كأن عرشك تحت عظمتك نار توقد لك، وجعلت سرادق من دونه سرادق من نور، فما أعظمك رب، وأعظم ملكك، جعلت بينك وبين ملائكتك مسيرة خمسمائة عام، فما أعظمك رب وأعظم ملكك في سلطانك، فإذا أردت شيئا تقضيه في جنودك الذين في السماء، أو الذين في الأرض، وجنودك الذين في البحر، بعثت الريح من عندك لا يراها شيء من خلقك إلا أنت إن شئت، فدخلت في جوف من شئت من أنبيائك، فبلغوا لما أردت من عبادك، وليس أحد من ملائكتك يستطيع شيئا من عظمتك، ولا من عرشك، ولا يسمع صوتك، فقد أنعمت علي، وأعظمت علي في الفضل، وأحسنت إلي كل الإحسان، عظمتني في أمم الأرض، وعظمتني عند ملائكتك، وأسمعتني صوتك، وبذلت لي كلامك، وآتيتني حكمتك، فإن أعد نعماك لا أحصيها، وإن أردت شكرك لا أستطيعها. دعوتك رب على فرعون بالآيات 10P422 العظام، والعقوبة الشديدة ، فضربت بعصاي التي في يدي البحر، فانفلق لي ولمن معي، ودعوتك حين جزت البحر، فأغرقت عدوك وعدوي، وسألتك الماء لي ولأمتي، فضربت بعصاي التي في يدي الحجر، فمنه أرويتني وأمتي، وسألتك لأمتي طعاما لم يأكله أحد كان قبلهم، فأمرتني أن أدعوك من قبل المشرق، ومن قبل المغرب. فناديتك من شرقي أمتي، فأعطيتهم المن من مشرقي لنفسي، وآتيتهم السلوى من غربيهم من قبل البحر، واشتكيت الحر فناديتك، فظللت عليهم بالغمام، فما أطيق نعماك علي أن أعدها ولا أحصيها، وإن أردت شكرها لا أستطيعها. فجئتك اليوم راغبا طالبا سائلا متضرعا، لتعطيني ما منعت غيري، أطلب إليك وأسألك يا ذا العظمة والعزة والسلطان أن تريني أنظر إليك، فإني قد أحببت أن أرى وجهك الذي لم يره شيء من خلقك قال له رب العزة: فلا ترى يا ابن عمران ما تقول؟ تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحد فيحيا، أليس في السموات معمري، فإنهن قد ضعفن أن يحملن عظمتي، وليس في الأرض معمري، فإنها قد ضعفت أن تسع بجندي، فلست في مكان واحد فأتجلى لعين تنظر إلي. 10P423 قال موسى: يا رب أن أراك وأموت، أحب إلي من أن لا أراك ولا أحيا، قال له رب العزة: يا ابن عمران تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحد فيحيا، قال: رب تمم علي نعماك، وتمم علي فضلك، وتمم علي إحسانك هذا الذي سألتك، ليس لي أن أراك فأقبض، ولكن أحب أن أراك فيطمئن قلبي. قال له: يا ابن عمران لن يراني أحد فيحيا. قال: موسى رب تمم علي نعماك وفضلك، وتمم علي إحسانك هذا الذي سألتك، ليس لي أن أراك فأموت على إثر ذلك أحب إلي من الحياة، فقال الرحمن المترحم على خلقه: قد طلبت يا موسى، وأعطيتك سؤلك إن استطعت أن تنظر إلي، فاذهب فاتخذ لوحين، ثم انظر إلى الحجر الأكبر في رأس الجبل، فإن ما وراءه وما دونه مضيق لا يسع إلا مجلسك يا ابن عمران، ثم انظر فإني أهبط إليك جنودي من قليل وكثير.

Bölüm V10/P417

ففعل موسى كما أمره ربه، نحت لوحين ثم صعد بهما إلى الجبل، فجلس على الحجر: فلما استوى عليه، أمر الله جنوده الذين في السماء الدنيا، فقال: ضعي أكنافك حول الجبل، فسمعت ما قال الرب ففعلت أمره، ثم 10P424 أرسل الله الصواعق والظلمة والضباب على ما كان يلي الجبل الذي يلي موسى أربعة فراسخ من كل ناحية، ثم أمر الله ملائكة الدنيا أن يمروا بموسى، فاعترضوا عليه، فمروا به طيران النغر تنبع أفواههم بالتقديس والتسبيح بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، فقال موسى بن عمران عليه السلام: رب إني كنت عن هذا غنيا، ما ترى عيناي شيئا قد ذهب بصرهما من شعاع النور المتصفف على ملائكة ربي. ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه، فهبطوا أمثال الأسد، لهم لجب بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى ومما سمع، فاقشعرت كل شعرة في رأسه وجلده، ثم قال: ندمت على مسألتي إياك، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبر لما سألت، فقليل من كثير ما رأيت، ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه، فأقبلوا أمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كلجب الجيش العظيم أو كلهب النار، ففزع موسى، وأيست نفسه، وأساء ظنه، وأيس من الحياة، فقال 10P425 له خير الملائكة ورأسهم: مكانك يا ابن عمران، حتى ترى ما لا تصبر عليه؟ ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن عمران. فأقبلوا وهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم. فاصطكت ركبتاه، وأرعد قلبه، واشتد بكاؤه، فقال خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران اصبر لما سألت، فقليل من كثير ما رأيت، ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى، فهبطوا عليه سبعة ألوان، فلم يستطع موسى أن يتبعهم طرفه، ولم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم، وامتلأ جوفه خوفا، واشتد حزنه، وكثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه، ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي طلب أن يراني موسى بن عمران واعترضوا عليه. فهبطوا عليه في يد كل ملك مثل النخلة الطويلة نارا أشد ضوءا من الشمس، ولباسهم كلهب النار، إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس رب العزة أبدا لا يموت، في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه. فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا، وهو يبكي ويقول: رب اذكرني، ولا 10P426 تنس عبدك، لا أدري أنقلب مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت أحرقت، وإن مكثت مت.

Bölüm V10/P417

فقال له كبير الملائكة ورئيسهم: قد أوشكت يا ابن عمران أن يمتلئ جوفك، وينخلع قلبك، ويشتد بكاؤك فاصبر للذي جلست لتنظر إليه يا ابن عمران وكان جبل موسى جبلا عظيما، فأمر الله أن يحمل عرشه، ثم قال: مروا بي على عبدي ليراني، فقليل من كثير ما رأى، فانفرج الجبل من عظمة الرب، وغشي ضوء عرش الرحمن جبل موسى، ورفعت ملائكة السموات أصواتها جميعا، فارتج الجبل فاندك، وكل شجرة كانت فيه، وخر العبد الضعيف موسى بن عمران صعقا على وجهه ليس معه روحه، فأرسل الله الحياة برحمته، فتغشاه برحمته وقلب الحجر الذي كان عليه وجعله كالمعدة، كهيئة القبة لئلا يحترق موسى، فأقامه الروح مثل الأم أقامت جنينها حين يصرع، قال: فقام موسى يسبح الله ويقول: آمنت أنك ربي، وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك رب وأعظم ملائكتك، أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، تأمر الجنود الذين عندك فيطيعونك، وتأمر السماء وما فيها فتطيعك، لا تستنكف من ذلك، ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء، رب تبت إليك، الحمد لله الذي لا شريك له، ما أعظمك 10P427 وأجلك رب العالمين " 10P420

Bölüm V10/P417–V10/P427

[الأعراف: 143] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] يقول تعالى ذكره: فلما اطلع الرب للجبل جعل الله الجبل دكا: أي: مستويا بالأرض. {وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] أي: مغشيا عليه وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثني أبي، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله: " {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} [الأعراف: 143] قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر. {جعله دكا} [الأعراف: 143] قال: ترابا. {وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] قال: مغشيا عليه " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، قال: زعم السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: «تجلى منه مثل الخنصر، فجعل الجبل دكا، وخر موسى صعقا، فلم يزل صعقا ما شاء الله» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] قال: مغشيا عليه " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} [الأعراف: 143] قال: انقعر بعضه على بعض وخر موسى صعقا أي: ميتا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] أي: ميتا " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: " {دكا} [الأعراف: 143] قال: دك بعضه بعضا " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت سفيان، يقول في قوله: " {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} [الأعراف: 143] قال: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر، فهو يذهب معه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، عن الحجاج، عن أبي بكر الهذلي: " {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} [الأعراف: 143] انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم 10P429 القيامة " حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي، قال: ثنا قرة بن عيسى، قال: ثنا الأعمش، عن رجل، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لما تجلى ربه للجبل أشار بأصبعيه فجعله دكا» . وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السبابة حدثني المثنى، قال: ثني الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} [الأعراف: 143] قال: «هكذا» بأصبعه ووضع النبي صلى الله عليه وسلم الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، «فساخ الجبل» حدثني المثنى، قال: ثنا هدبة بن خالد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} [الأعراف: 143] قال: وضع الإبهام قريبا من طرف خنصره، قال: «فساخ الجبل» فقال حميد لثابت: تقول هذا؟ قال: فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد، وقال: يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقوله أنس وأنا أكتمه " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، " {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء ورأى النور صار مثل دك من الدكات " حدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، عن مجاهد: " {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه} [الأعراف: 143] فإنه أكبر منك وأشد خلقا.

Bölüm V10/P427–V10/P431

{فلما تجلى ربه للجبل} [الأعراف: 143] فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل يندك على أوله فلما رأى موسى ما يصنع الجبل خر صعقا " واختلفت القراء في قراءة قوله: {دكا} [الأعراف: 143] فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: {دكا} [الأعراف: 143] مقصورا بالتنوين، بمعنى: دك الله الجبل دكا أي: فتته، واعتبارا بقول الله: {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا} [الفجر: 21] ، وقوله: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} [الحاقة: 14] واستشهد بعضهم على ذلك بقول حميد : [+البحر الرجز] يدك أركان الجبال هزمه تخطر بالبيض الرقاق بهمه وقرأته عامة قراء الكوفيين: (جعله دكاء) بالمد وترك الجر والتنوين، مثل حمراء وسوداء. وكان ممن يقرؤه كذلك عكرمة، ويقول فيه ما حدثني به أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا عباد بن عباد، عن يزيد بن حازم، عن عكرمة، قال: " دكاء من الدكاوات. وقال: لما نظر الله تبارك وتعالى إلى الجبل صار صخرة ترابا " واختلف أهل العربية في معناه إذا قرئ كذلك. فقال بعض نحويي البصرة: العرب تقول: ناقة دكاء: ليس لها سنام، وقال: الجبل مذكر، فلا يشبه أن يكون منه إلا أن يكون: جعله مثل دكاء، حذف مثل، وأجراه مجرى: {واسأل القرية} [يوسف: 82] وكان بعض نحويي الكوفة يقول: معنى ذلك: جعل الجبل أرضا دكاء، ثم حذفت الأرض وأقيمت الدكاء مقامها إذ أدت عنها. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأ: (جعله دكاء) بالمد، وترك الجر لدلالة الخبر الذي رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على صحته وذلك أنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فساخ الجبل» ولم يقل: فتفتت، ولا تحول ترابا. ولا شك أنه إذا ساخ فذهب ظهر وجه الأرض، فصار بمنزلة الناقة التي قد ذهب سنامها، وصارت دكاء بلا سنام. وأما إذا دك بعضه فإنما يكسر بعضه بعضا ويتفتت ولا يسوخ. وأما الدكاء فإنها خلف من الأرض، فلذلك أنثت على ما قد بينت. فمعنى الكلام إذن: فلما تجلى ربه للجبل ساخ، فجعل مكانه أرضا دكاء. وقد بينا معنى الصعق بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 10P432

Bölüm V10/P431

[الأعراف: 143] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] يقول تعالى ذكره: فلما ثاب إلى موسى عليه السلام فهمه من غشيته، وذلك هو الإفاقة من الصعقة التي خر لها موسى صلى الله عليه وسلم، قال: {سبحانك} [البقرة: 32] تنزيها لك يا رب وتبرئة أن يراك أحد في الدنيا ثم يعيش. {تبت إليك} [الأعراف: 143] من مسألتي إياك ما 10P433 سألتك من الرؤية. {وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] بك من قومي أن لا يراك في الدنيا أحد إلا هلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: " {تبت إليك وأنا أول المؤمنين،} [الأعراف: 143] قال: كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " لما رأى موسى ذلك وأفاق، عرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له، فقال: {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] قال أبو العالية: عنى أني أول من آمن بك أنه لن يراك أحد قبل يوم القيامة " حدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: قال سفيان: قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] فمرت به الملائكة وقد صعق، فقالت: يا ابن النساء الحيض لقد سألت ربك أمرا عظيما. فلما أفاق قال: سبحانك لا إله إلا أنت، تبت إليك، وأنا أول المؤمنين، قال: أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد من خلقك، يعني في الدنيا " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] يقول: أنا أول من يؤمن أنه لا يراك شيء من خلقك " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: " {سبحانك تبت إليك} [الأعراف: 143] قال: من مسألتي الرؤية " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، عن مجاهد: " {قال سبحانك تبت إليك} [الأعراف: 143] أن أسألك الرؤية " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن رجل، عن مجاهد: " {سبحانك تبت إليك } [الأعراف: 143] أن أسألك الرؤية " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد، في قوله: " {سبحانك تبت إليك} [الأعراف: 143] قال: تبت إليك من أن أسألك الرؤية " وقال آخرون: معناه قوله: {وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] بك من بني إسرائيل.

Bölüm V10/P431

10P435 ذكر من قال ذلك حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثنا أبي، قال، ثنا أسباط، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] قال: أول من آمن بك من بني إسرائيل " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] يعني: أول المؤمنين من بني إسرائيل " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {وأنا أول المؤمنين،} [الأعراف: 143] أنا أول، قومي إيمانا " حدثنا ابن وكيع، والمثنى، قالا: ثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن رجل، عن مجاهد: " {وأنا أول المؤمنين،} [الأعراف: 143] يقول: أول قومي إيمانا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] قال: أنا أول قومي إيمانا " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مجاهدا يقول في قوله: " {وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] قال: أول قومي آمن " 10P436 وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في قوله: {وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] على قول من قال: معناه: أنا أول المؤمنين من بني إسرائيل؛ لأنه قد كان قبله في بني إسرائيل مؤمنون وأنبياء، منهم ولد إسرائيل لصلبه، وكانوا مؤمنين وأنبياء، فلذلك اخترنا القول الذي قلناه قبل 10P435

Bölüm V10/P431

[الأعراف: 144] القول في تأويل قوله تعالى: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسلاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} يقول تعالى ذكره: قال الله لموسى: {يا موسى إني اصطفيتك على الناس} [الأعراف: 144] يقول: اخترتك على الناس {برسالاتي} [الأعراف: 144] إلى خلقي، أرسلتك بها إليهم. {وبكلامي} [الأعراف: 144] كلمتك وناجيتك دون غيرك من خلقي. {فخذ ما آتيتك} [الأعراف: 144] يقول: فخذ ما أعطيتك من أمري ونهيي وتمسك به، واعمل به، يريد {وكن من الشاكرين} [الأعراف: 144] لله على ما آتاك من رسالته، وحصل به من النجوى بطاعته في أمره ونهيه والمسارعة إلى رضاه 10P436 [الأعراف: 145] القول في تأويل قوله تعالى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 145] 10P437 يقول تعالى ذكره: وكتبنا لموسى في ألواحه. وأدخلت الألف واللام في {الألواح} [الأعراف: 145] بدلا من الإضافة، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] والأحلام غير عوازب وكما قال جل ثناؤه {فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 41] يعني: هي مأواه. وقوله: {من كل شيء} [الأعراف: 145] يقول من التذكير والتنبيه على عظمة الله وعز سلطانه. {موعظة} [البقرة: 275] لقومه ومن أمر بالعمل بما كتب في الألواح. {وتفصيلا لكل شيء} [الأنعام: 154] يقول: وتبيينا لكل شيء من أمر الله ونهيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أو سعيد بن جبير وهو في أصل كتابي، عن سعيد بن جبير، في قول الله: " {وتفصيلا لكل شيء} [الأنعام: 154] قال: ما أمروا به ونهوا عنه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي 10P438 : " {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء} [الأعراف: 145] من الحلال والحرام " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مجاهدا يقول في قوله: " {وتفصيلا لكل شيء} [الأنعام: 154] قال: ما أمروا به ونهوا عنه " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء} [الأعراف: 145] قال عطية: أخبرني ابن عباس أن موسى صلى الله عليه وسلم لما كربه الموت قال: هذا من أجل آدم، قد كان الله جعلنا في دار مثوى لا نموت، فخطأ آدم أنزلنا هاهنا، فقال الله لموسى: أبعث إليك آدم فتخاصمه؟ قال: نعم. فلما بعث الله آدم، سأله موسى، فقال أبونا آدم عليه السلام: يا موسى سألت الله أن يبعثني لك، قال موسى: لولا أنت لم نكن هاهنا. قال له آدم: أليس قد أتاك الله من كل شيء موعظة وتفصيلا؟ أفلست تعلم أنه {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] قال موسى: بلى. فخصمه آدم صلى الله عليهما " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبا، يقول في قوله: " {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء} [الأعراف: 145] قال: كتب له لا تشرك بي شيئا من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإن كل ذلك خلقي، ولا تحلف باسمي كاذبا، فإن من 10P439 حلف باسمي كاذبا فلا أزكيه، ووقر والديك " 10P438

Bölüm V10/P431

[الأعراف: 145] القول في تأويل قوله تعالى: {فخذها بقوة} [الأعراف: 145] يقول تعالى ذكره: وقلنا لموسى إذ كتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء: خذ الألواح بقوة. وأخرج الخبر عن الألواح، والمراد ما فيها. واختلف أهل التأويل في معنى القوة في هذا الموضع، فقال بعضهم: معناها بجد. ذكر من قال ذلك حدثني عبد الكريم، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا ابن عيينة، قال: قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {فخدها بقوة} قال: بجد " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {فخذها بقوة} [الأعراف: 145] قال: بجد واجتهاد " وقال آخرون: معنى ذلك: فخذها بالطاعة لله. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: 10P440 أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، في قوله: " {فخذها بقوة} [الأعراف: 145] قال: بالطاعة " وقد بينا معنى ذلك بشواهده واختلاف أهل التأويل فيه في سورة البقرة عند قوله: {خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63] فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع 10P439 [الأعراف: 145] القول في تأويل قوله تعالى: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} [الأعراف: 145] يقول تعالى ذكره: قلنا لموسى: وأمر قومك بني إسرائيل يأخذوا بأحسنها. يقول: يعملوا بأحسن ما يجدون فيها كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} [الأعراف: 145] بأحسن ما يجدون فيها " حدثني عبد الكريم، قال: ثنا إبراهيم، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} [الأعراف: 145] قال: أمر موسى أن يأخذها بأشد مما أمر به قومه " فإن قال قائل: وما معنى قوله: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} [الأعراف: 145] أكان من خصالهم ترك بعض ما فيها من الحسن؟ قيل: لا ولكن كان فيها أمر ونهي، فأمرهم الله أن يعملوا بما أمرهم بعمله ويتركوا ما نهاهم عنه، فالعمل 10P441 بالمأمور به أحسن من العمل بالمنهي عنه 10P440 [الأعراف: 145] القول في تأويل قوله تعالى: {سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 145] يقول تعالى ذكره لموسى إذ كتب في الألواح من كل شيء: خذها بجد في العمل بما فيها واجتهاد، وأمر قومك يأخذوا بأحسن ما فيها، وانههم عن تضييعها وتضييع العمل بما فيها والشرك بي، فإن من أشرك بي منهم ومن غيرهم، فإني سأريه في الآخرة عند مصيره إلي دار الفاسقين، وهي نار الله التي أعدها لأعدائه. وإنما قال: {سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 145] كما يقول القائل لمن يخاطبه: سأريك غدا إلام يصير إليه حال من خالف أمري، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره. وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 145] قال: مصيرهم في الآخرة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا مبارك، عن الحسن، في قوله: " {سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 145] قال: جهنم " 10P442 وقال آخرون: معنى ذلك: سأدخلكم أرض الشام، فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الجبابرة والعمالقة. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 145] منازلهم " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {دار الفاسقين} [الأعراف: 145] قال: منازلهم " وقال آخرون: معنى ذلك: سأريكم دار قوم فرعون، وهي مصر. ذكر من قال ذلك: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك؛ لأن الذي قبل قوله جل ثناؤه: {سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 145] أمر من الله لموسى وقومه بالعمل بما في التوراة، فأولى الأمور بحكمة الله تعالى أن يختم ذلك بالوعيد على من ضيعه وفرط في العمل لله وحاد عن سبيله، دون الخبر عما قد انقطع الخبر عنه أو عما لم يجز له ذكر 10P442

Bölüm V10/P431–V10/P445

[الأعراف: 146] القول في تأويل قوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} [الأعراف: 146] اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: سأنزع 10P443 عنهم فهم الكتاب ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، قال: ثني محمد بن عبد الله بن بكر، قال: سمعت ابن عيينة، يقول في قول الله: " {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} [الأعراف: 146] قال: يقول: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي " وتأويل ابن عيينة هذا يدل على أن هذا الكلام كان عنده من الله وعيدا لأهل الكفر بالله ممن بعث إليهم نبينا صلى الله عليه وسلم دون قوم موسى؛ لأن القرآن إنما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون موسى عليه السلام. وقال آخرون في ذلك: معناه: سأصرفهم عن الاعتبار بالحجج ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {سأصرف عن آياتي} [الأعراف: 146] عن خلق السموات والأرض والآيات فيها، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه سيصرف عن آياته، وهي أدلته وأعلامه على حقية ما أمر به عباده وفرض عليهم من طاعته في توحيده وعدله وغير ذلك من فرائضه، والسموات والأرض، وكل موجود من خلقه فمن آياته، والقرآن أيضا من آياته. وقد عم بالخبر أنه يصرف عن آياته المتكبرين في الأرض بغير الحق، وهم الذين حقت عليهم كلمة الله أنهم لا يؤمنون، فهم عن فهم جميع آياته والاعتبار والادكار بها مصروفون؛ لأنهم لو وفقوا لفهم بعض ذلك فهدوا للاعتبار به اتعظوا وأنابوا إلى الحق، وذلك غير كائن منهم؛ لأنه جل ثناؤه قال: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} [الأنعام: 25] فلا تبديل لكلمات الله 10P444 [الأعراف: 146] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} [الأعراف: 146] يقول تعالى ذكره: وإن هؤلاء الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق. وتكبرهم فيها بغير الحق: تجبرهم فيها، واستكبارهم عن الإيمان بالله ورسوله والإذعان لأمره ونهيه، وهم لله عبيد يغذوهم بنعمته ويريح عليهم رزقه بكرة وعشيا. {كل آية} [الأنعام: 25] يقول: كل حجة لله على وحدانيته وربوبيته، وكل دلالة على أنه لا تنبغي العبادة إلا له خالصة دون غيره. {لا يؤمنوا بها} [الأنعام: 25] يقول: لا يصدقوا بتلك الآية أنها دالة على ما هي فيه حجة، ولكنهم يقولون: هي سحر وكذب. {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا} [الأعراف: 146] يقول: وإن ير هؤلاء الذين وصف صفتهم طريق الهدى والسداد الذي إن سلكوه نجوا من الهلكة والعطب وصاروا إلى نعيم الأبد لا يسلكوه ولا يتخذوه لأنفسهم طريقا؛ جهلا منهم وحيرة. {وإن يروا سبيل الغي} [الأعراف: 146] يقول: وإن يروا طريق الهلاك الذي إن سلكوه ضلوا وهلكوا. وقد بينا معنى الغي فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. {يتخذوه سبيلا} [الأعراف: 146] يقول: يسلكوه ويجعلوه لأنفسهم طريقا لصرف الله إياهم عن آياته وطبعه على قلوبهم، فهم لا يفلحون ولا ينجحون. {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} [الأعراف: 146] يقول تعالى ذكره: صرفناهم عن آياتنا أن يعقلوها ويفهموها، فيعتبروا بها ويذكروا فينيبوا؛ عقوبة منا لهم على تكذيبهم بآياتنا، {وكانوا عنها غافلين} [الأعراف: 136] يقول: وكانوا عن آياتنا وأدلتنا الشاهدة على حقية ما أمرناهم به ونهيناهم عنه غافلين لا يتفكرون فيها، لاهين عنها لا يعتبرون بها، فحق عليهم حينئذ قول ربنا، فعطبوا. واختلف القراء في قراءة قوله: {الرشد} [البقرة: 256] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض المكيين وبعض البصريين: {الرشد} [البقرة: 256] بضم الراء وتسكين الشين. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة وبعض المكيين: (الرشد) بفتح الراء والشين. ثم اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك إذا ضمت راؤه وسكنت شينه، وفيه إذا فتحتا جميعا. فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: معناه إذا ضمت راؤه وسكنت شينه: الصلاح، كما قال الله: {فإن آنستم منهم رشدا} [النساء: 6] بمعنى: صلاحا وكذلك كان يقرؤه هو ومعناه إذا فتحت راؤه وشينه: الرشد في الدين، كما قال جل ثناؤه: (تعلمني مما علمت رشدا) بمعنى الاستقامة والصواب في الدين. وكان الكسائي يقول: هما لغتان بمعنى واحد، مثل: السقم والسقم، والحزن والحزن، وكذلك الرشد والرشد. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضة القراءة بهما في قراءة الأمصار متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب بها 10P446

Sorular