Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bölüm V02/P040–V02/P042

فبينما هما في الصيد إذ رفع لهما بيت من عباء، فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه وهو يبكي، فسألاه ما هذا، فقال: الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا حتى أعلمكما، فنزلا إليه، فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند الله، أمر فيه بطاعته، ونهى عن معصيته، فيه: أن لا تزني، ولا تسرق، ولا تأخذ أموال الناس بالباطل. فقص عليهما ما فيه، وهو الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى. فوقع في قلوبهما وتابعاه فأسلما، وقال لهما: إن ذبيحة قومكما عليكما حرام، فلم يزالا معه كذلك يتعلمان منه، حتى كان عيد للملك، فجعل طعاما، ثم جمع الناس والأشراف، وأرسل إلى ابن الملك فدعاه إلى صنيعه ليأكل مع الناس، فأبى الفتى وقال: إني عنك مشغول، فكل أنت وأصحابك، فلما أكثر عليه من الرسل، أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم، فبعث الملك إلى ابنه، فدعاه وقال: ما أمرك هذا؟ قال: إنا لا نأكل من ذبائحكم، إنكم كفار ليس تحل ذبائحكم، فقال له الملك: من أمرك بهذا؟ فأخبره أن الراهب أمره بذلك، فدعا الراهب فقال: ماذا يقول ابني؟ قال: صدق ابنك، قال له: لولا أن الدم فينا عظيم لقتلتك، ولكن اخرج من أرضنا، فأجله أجلا. فقال سلمان: فقمنا نبكي عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقين، فإنا في بيعة بالموصل مع ستين رجلا نعبد الله فيها، فأتونا فيها . فخرج الراهب، وبقي سلمان وابن الملك؛ فجعل يقول لابن الملك: انطلق بنا، وابن الملك يقول: نعم، وجعل ابن الملك يبيع متاعه يريد الجهاز. فلما أبطأ على سلمان، خرج سلمان حتى أتاهم، فنزل على صاحبه وهو رب البيعة، وكان أهل تلك البيعة من أفضل الرهبان، فكان سلمان: معهم يجتهد في العبادة، ويتعب نفسه، فقال له الشيخ: إنك غلام حدث تتكلف من العبادة ما لا تطيق، وأنا خائف أن تفتر وتعجز، فارفق بنفسك وخفف عليها. فقال له سلمان: أرأيت الذي تأمرني به أهو أفضل، أو الذي أصنع؟ قال: بل الذي تصنع؟ قال: فخل عني. ثم إن صاحب البيعة دعاه فقال: أتعلم أن هذه البيعة لي، وأنا أحق الناس بها، ولو شئت أن أخرج هؤلاء منها لفعلت؟ ولكني رجل أضعف عن عبادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتحول من هذه البيعة إلى بيعة أخرى هم أهون عبادة من هؤلاء، فإن شئت أن تقيم ههنا فأقم، وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق. قال له سلمان: أي البيعتين أفضل أهلا؟ قال: هذه. قال سلمان: فأنا أكون في هذه. فأقام سلمان بها وأوصى صاحب البيعة عالم البيعة بسلمان، فكان سلمان يتعبد معهم. ثم إن الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس، فقال لسلمان: إن أردت أن تنطلق معي فانطلق، وإن شئت أن تقيم فأقم. فقال له سلمان: أيهما أفضل أنطلق معك أم أقيم؟ قال: لا بل تنطلق معي. فانطلق معه فمروا بمقعد على ظهر الطريق ملقى، فلما رآهما نادى: يا سيد الرهبان ارحمني يرحمك الله، فلم يكلمه، ولم ينظر إليه، وانطلقا حتى أتيا بيت المقدس، فقال الشيخ لسلمان: اخرج فاطلب العلم فإنه يحضر هذا المسجد علماء أهل الأرض. فخرج سلمان يسمع منهم، فرجع يوما حزينا، فقال له الشيخ: ما لك يا سلمان؟ قال: أرى الخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبياء وأتباعهم، فقال له الشيخ: يا سلمان لا تحزن، فإنه قد بقي نبي ليس من نبي بأفضل تبعا منه وهذا زمانه الذي يخرج فيه ، ولا أراني أدركه، وأما أنت فشاب لعلك أن تدركه، وهو يخرج في أرض العرب، فإن أدركته فآمن به واتبعه. فقال له سلمان: فأخبرني عن علامته بشيء. قال: نعم، هو مختوم في ظهره بخاتم النبوة، وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. ثم رجعا حتى بلغا مكان المقعد، فناداهما فقال: يا سيد الرهبان ارحمني يرحمك الله، فعطف إليه حماره، فأخذ بيده فرفعه، فضرب به الأرض ودعا له، وقال: قم بإذن الله، فقام صحيحا يشتد، فجعل سلمان يتعجب وهو ينظر إليه يشتد.

Bölüm V02/P042–V02/P045

وسار الراهب فتغيب عن سلمان ولا يعلم سلمان. ثم إن سلمان فزع فطلب الراهب، فلقيه رجلان من العرب من كلب فسألهما: هل رأيتما الراهب؟ فأناخ أحدهما راحلته، قال: نعم راعي الصرمة هذا، فحمله فانطلق به إلى المدينة. قال سلمان: فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط. فاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم هذا يوما وهذا يوما، فكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمد صلى الله عليه وسلم. فبينا هو يوما يرعى، إذ أتاه صاحبه الذي يعقبه، فقال: أشعرت أنه قد قدم اليوم المدينة رجل يزعم أنه نبي؟ فقال له سلمان: أقم في الغنم حتى آتيك. فهبط سلمان إلى المدينة، فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودار حوله. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد، فأرسل ثوبه. حتى خرج خاتمه، فلما رآه أتاه وكلمه، ثم انطلق، فاشترى بدينار ببعضه شاة وببعضه خبزا، ثم أتاه به، فقال: «ما هذا» ؟ قال سلمان: هذه صدقة قال: «لا حاجة لي بها فأخرجها فيأكلها المسلمون» ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزا ولحما، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما هذا» ؟ قال: هذه هدية، قال: «فاقعد» فقعد فأكلا جميعا منها. فبينا هو يحدثه إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيا؛ فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: «يا سلمان هم من أهل النار» فاشتد ذلك على سلمان، وقد كان قال له سلمان: لو أدركوك صدقوك واتبعوك، فأنزل الله هذه الآية: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 62] " فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا وإيمان النصارى أنه من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه، حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا حدثنا القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} [البقرة: 62] الآية. قال سلمان الفارسي للنبي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم، قال: لم يموتوا على الإسلام. قال سلمان: فأظلمت علي الأرض. وذكر اجتهادهم، فنزلت هذه الآية، فدعا سلمان فقال: «نزلت هذه الآية في أصحابك» ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي فهو على خير ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك» وقال ابن عباس بما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين} [البقرة: 62] إلى قوله: {ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] . فأنزل 02P046 الله تعالى بعد هذا: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] " وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا من اليهود والنصارى والصابئين على عمله في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] . فتأويل الآية إذا على ما ذكرنا عن مجاهد والسدي: إن الذين آمنوا من هذه الأمة، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن من اليهود والنصارى والصابئين بالله واليوم الآخر {فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] .

Bölüm V02/P045

والذي قلنا من التأويل الأول أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان بعض خلقه دون بعض منهم، والخبر بقوله: {من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 62] عن جميع ما ذكر في أول الآية 02P045

Bölüm V02/P045–V02/P050

[البقرة: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} [البقرة: 63] قال أبو جعفر: الميثاق: المفعال من الوثيقة إما بيمين، وإما بعهد أو غير ذلك من الوثائق ويعني بقوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم} [البقرة: 63] الميثاق الذي أخبر جل ثناؤه أنه أخذ منهم في قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] الآيات الذي ذكر معها وكان سبب أخذ الميثاق عليهم فيما ذكره ابن زيد ما حدثني به، يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " لما رجع موسى من عند ربه بالألواح قال لقومه بني إسرائيل: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، وأمره الذي أمركم به، ونهيه الذي نهاكم عنه، فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه. فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ قال: فجاءت غضبة من الله فجاءتهم صاعقة فصعقتهم، فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا، قال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: متنا ثم حيينا، قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث ملائكته فنتقت الجبل فوقهم، فقيل لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم، هذا الطور، قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم. قال: فأخذوه بالميثاق. وقرأ قول الله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] حتى بلغ: {وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 74] قال: ولو كانوا أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق " 02P047 [البقرة: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {ورفعنا فوقكم الطور} [البقرة: 63] قال أبو جعفر: وأما الطور فإنه الجبل في كلام العرب، ومنه قول العجاج: [+البحر الرجز] دانى جناحيه من الطور فمر تقضي البازي إذا البازي كسر وقيل إنه اسم جبل بعينه. وذكر أنه الجبل الذي ناجى الله عليه موسى. وقيل: إنه من الجبال ما أنبت دون ما لم ينبت ذكر من قال: هو الجبل كائنا ما كان حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا حطة وطؤطئ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا ودخلوا على أدبارهم، وقالوا حنطة. فنتق فوقهم الجبل، يقول: أخرج أصل الجبل من الأرض فرفعه فوقهم كالظلة، والطور بالسريانية: الجبل، تخويفا، أو خوفا، شك أبو عاصم، فدخلوا سجدا على خوف وأعينهم إلى الجبل، وهو الجبل الذي تجلى له ربه " وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " رفع الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمنن أو ليقعن عليكم، فآمنوا. والجبل بالسريانية: الطور " حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} [البقرة: 63] قال: الطور: الجبل، كانوا بأصله فرفع عليهم فوق رءوسهم، فقال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم به " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {ورفعنا فوقكم الطور} [البقرة: 63] قال: الطور: الجبل اقتلعه الله فرفعه فوقهم، فقال: {خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63] فأقروا بذلك " وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {ورفعنا فوقكم الطور} [البقرة: 63] قال: رفع فوقهم الجبل يخوفهم به " حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن النضر، عن عكرمة، قال: " الطور: الجبل " وحدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " لما قال الله لهم: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} [البقرة: 58] فأبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سجدا 02P050 على شق، ونظروا بالشق الآخر. فرحمهم الله، فكشفه عنهم. فذلك قوله: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة} [الأعراف: 171] وقوله: {ورفعنا فوقكم الطور} [البقرة: 63] " وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " الجبل بالسريانية: الطور " وقال آخرون: الطور: اسم للجبل الذي ناجى الله موسى عليه ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " الطور: الجبل الذي أنزلت عليه التوراة، يعني على موسى، وكانت بنو إسرائيل أسفل منه " قال ابن جريج: وقال لي عطاء: " رفع الجبل على بني إسرائيل فقال: لتؤمنن به أو ليقعن عليكم، فذلك قوله: {كأنه ظلة} [الأعراف: 171] " وقال آخرون: الطور من الجبال: ما أنبت خاصة ذكر من قال ذلك حدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " في قوله: {الطور} [البقرة: 63] قال: الطور من الجبال: ما أنبت، وما لم ينبت فليس بطور " 02P051

Bölüm V02/P050–V02/P054

[البقرة: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63] قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية في تأويل ذلك، فقال بعض نحويي أهل البصرة: هو مما استغني بدلالة الظاهر المذكور عما ترك ذكره له، وذلك أن معنى الكلام: ورفعنا فوقكم الطور وقلنا لكم خذوا ما آتيناكم بقوة، وإلا قذفناه عليكم. وقال بعض نحويي أهل الكوفة: أخذ الميثاق قول فلا حاجة بالكلام إلى إضمار قول فيه، فيكون من كلامين غير أنه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام الذي هو بمعنى القول أن يكون معه أن كما قال الله جل ثناؤه: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك} [نوح: 1] قال: ويجوز أن تحذف أن. والصواب في ذلك عندنا أن كل كلام نطق به مفهوم به معنى ما أريد ففيه الكفاية من غيره، ويعني بقوله {خذوا ما آتيناكم} [البقرة: 63] ما أمرناكم به في التوراة، وأصل الإيتاء: الإعطاء. ويعني بقوله: {بقوة} [البقرة: 63] بجد تأدية ما أمركم فيه وافترض عليكم كما حدثت عن إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا ابن عيينة، قال حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63] قال: تعملوا بما فيه " وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63] قال: بطاعة " وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 02P053 قتادة: " {خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63] قال: القوة: الجد، وإلا قذفته عليكم. قال: فأقروا بذلك أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة " وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال حدثنا أسباط، عن السدي: " {بقوة} [البقرة: 63] يعني بجد واجتهاد " وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد " وسألته عن قول الله: {خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63] قال: خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وبحق " فتأويل الآية إذا: خذوا ما افترضناه عليكم في كتابنا من الفرائض فاقبلوه واعملوا باجتهاد منكم في أدائه من غير تقصير ولا توان. وذلك هو معنى أخذهم إياه بقوة بجد 02P053 [البقرة: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} [البقرة: 63] قال أبو جعفر: يعني: واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد وترغيب وترهيب، فاتلوه واعتبروا به وتدبروه إذا فعلتم ذلك كي تتقوا 02P054 وتخافوا عقابي بإصراركم على ضلالكم فتنتهوا إلى طاعتي وتنزعوا عما أنتم عليه من معصيتي كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {لعلكم تتقون} [البقرة: 63] قال: تنزعون عما أنتم عليه " والذي آتاهم الله هو التوراة كما حدثني المثنى، قال حدثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {واذكروا ما فيه} [البقرة: 63] يقول : اذكروا ما في التوراة " كما حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " في قوله: {واذكروا ما فيه} [البقرة: 63] يقول: أمروا بما في التوراة " وحدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال سألت ابن زيد عن قول الله: {واذكروا ما فيه} [البقرة: 63] قال: " اعملوا بما فيه طاعة لله وصدق، قال: وقال اذكروا ما فيه لا تنسوه ولا تغفلوه " 02P054

Bölüm V02/P054–V02/P057

[البقرة: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين} [البقرة: 64] قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه {ثم توليتم} [البقرة: 64] ثم أعرضتم. وإنما هو تفعلتم من قولهم: ولاني فلان دبره: إذا استدبر عنه وخلفه خلف ظهره، ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة أمر بها عز وجل معرض بوجهه، يقال: قد تولى فلان عن طاعة فلان، وتولى عن مواصلته، ومنه قول الله جل ثناؤه: {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} [التوبة: 76] يعني بذلك: خالفوا ما كانوا وعدوا الله من قولهم: {لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} [التوبة: 75] ونبذوا ذلك وراء ظهورهم، ومن شأن العرب استعارة الكلمة ووضعها مكان نظيرها، كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [+البحر الطويل] فليس كعهد الدار يا أم مالك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل سوى الحق شيئا واستراح العواذل يعني بقوله: أحاطت بالرقاب السلاسل؛ أن الإسلام صار في منعه إيانا ما كنا نأتيه في الجاهلية مما حرمه الله علينا في الإسلام بمنزلة السلاسل المحيطة برقابنا التي تحول بين من كانت في رقبته مع الغل الذي في يده وبين ما حاول أن يتناوله. ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى، فكذلك قوله: {ثم توليتم من بعد ذلك} [البقرة: 64] يعني بذلك أنكم تركتم العمل بما أخذنا ميثاقكم وعهودكم على العمل به بجد واجتهاد بعد إعطائكم ربكم المواثيق على العمل به والقيام بما أمركم به في كتابكم فنبذتموه وراء ظهوركم. وكنى بقوله جل ذكره: ذلك ، عن جميع ما قبله في الآية المتقدمة، أعني قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} [البقرة: 63] 02P056 [البقرة: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} [البقرة: 64] قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ذكره: {فلولا فضل الله عليكم} [البقرة: 64] فلولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه، إذ رفع فوقكم الطور، بأنكم تجتهدون في طاعته، وأداء فرائضه، والقيام بما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه في الكتاب الذي آتاكم، فأنعم عليكم بالإسلام ورحمته التي رحمكم بها، وتجاوز عنكم خطيئتكم التي ركبتموها بمراجعتكم طاعة ربكم؛ لكنتم من الخاسرين. وهذا وإن كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما هو خبر عن أسلافهم، فأخرج الخبر مخرج المخبر عنهم على نحو ما قد بينا فيما مضى من أن القبيلة من العرب تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره بما مضى من فعل أسلاف المخاطب بأسلاف المخاطب، فتضيف فعل أسلاف المخاطب إلى نفسها، فتقول: فعلنا بكم، وفعلنا بكم. وقد ذكرنا بعض الشواهد في ذلك من شعرهم فيما مضى. وقد زعم بعضهم أن الخطاب في هذه الآيات إنما أخرج بإضافة الفعل إلى المخاطبين به والفعل لغيرهم؛ لأن المخاطبين بذلك كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بني إسرائيل، فصيرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم. وقال بعضهم: إنما قيل ذلك كذلك، لأن سامعيه كانوا عالمين، وإن كان الخطاب خرج خطابا للأحياء من بني إسرائيل وأهل الكتاب؛ إذ المعنى في ذلك إنما هو خبر عما قص الله من أنباء أسلافهم، فاستغنى بعلم السامعين بذلك عن ذكر أسلافهم بأعيانهم. ومثل ذلك قول الشاعر: [+البحر الطويل] إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ولم تجدي من أن تقري به بدا فقال: إذا ما انتسبنا، وإذا تقتضي من الفعل مستقبلا. ثم قال: لم تلدني لئيمة، فأخبر عن ماض من الفعل. وذلك أن الولادة قد مضت وتقدمت. وإنما فعل ذلك عند المحتج به لأن السامع قد فهم معناه، فجعل ما ذكرنا من خطاب الله أهل الكتاب الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بإضافة أفعال أسلافهم إليهم نظير ذلك. والأول الذي قلنا هو المستفيض من كلام العرب وخطابها. وكان أبو العالية يقول في قوله: {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} [البقرة: 64] فيما ذكر لنا نحو القول الذي قلناه حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا آدم، قال ثنا أبو النضر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} [البقرة: 64] قال: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن " وحدثت عن عمار، ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله 02P058

Bölüm V02/P057

[البقرة: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {لكنتم من الخاسرين} [البقرة: 64] قال أبو جعفر: {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} إياكم بإنقاذه إياكم بالتوبة عليكم من خطيئتكم وجرمكم، لكنتم الباخسين أنفسكم حظوظها دائما، الهالكين بما اجترمتم من نقض ميثاقكم وخلافكم أمره وطاعته. وقد تقدم بياننا قبل بالشواهد عن معنى الخسار بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 02P058

Bölüm V02/P057–V02/P059

[البقرة: 65] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] يعني بقوله: {ولقد علمتم} [البقرة: 65] ولقد عرفتم، كقولك: قد علمت أخاك ولم أكن أعلمه، يعني عرفته ولم أكن أعرفه، كما قال جل ثناؤه: {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} [الأنفال: 60] يعني: لا تعرفونهم الله يعرفهم. وقوله: {الذين اعتدوا منكم في السبت} [البقرة: 65] أي الذين تجاوزوا حدي وركبوا ما نهيتهم عنه في يوم السبت وعصوا أمري. وقد دللت فيما مضى على أن الاعتداء أصله تجاوز الحد في كل شيء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع قال: وهذه الآية وآيات بعدها تتلوها، مما عدد جل ثناؤه فيها على بني إسرائيل الذين كانوا بين خلال دور الأنصار زمان النبي صلى الله عليه وسلم الذين ابتدأ بذكرهم في أول هذه السورة من نكث أسلافهم عهد الله وميثاقه ما كانوا يبرمون من العقود، وحذر المخاطبين بها أن يحل بهم بإصرارهم على كفرهم ومقامهم على جحود نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتركهم اتباعه والتصديق بما جاءهم به من عند ربه مثل الذي حل بأوائلهم من المسخ والرجف والصعق، وما لا قبل لهم به من غضب الله وسخطه كالذي حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} [البقرة: 65] ، يقول: ولقد عرفتم، وهذا تحذير لهم من المعصية، يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إذ عصوني، {اعتدوا} [البقرة: 65] يقول: اجترءوا في السبت. قال: لم يبعث الله نبيا إلا أمره بالجمعة وأخبره بفضلها وعظمها في السموات وعند الملائكة، وأن الساعة تقوم فيها، فمن اتبع الأنبياء فيما 02P060 مضى كما اتبعت أمة محمد صلى الله عليه وسلم محمدا قبل الجمعة وسمع وأطاع وعرف فضلها وثبت عليها بما أمره الله تعالى به ونبيه صلى الله عليه وسلم، ومن لم يفعل ذلك كان بمنزلة الذين ذكر الله في كتابه فقال: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] ، وذلك أن اليهود قالت لموسى حين أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام كلها، والسبت أفضل الأيام كلها؛ لأن الله خلق السموات والأرض والأقوات في ستة أيام، وسبت له كل شيء مطيعا يوم السبت، وكان آخر الستة؟ قال: وكذلك قالت النصارى لعيسى ابن مريم حين أمرهم بالجمعة، قالوا له: كيف تأمرنا بالجمعة، وأول الأيام أفضلها وسيدها، والأول أفضل، والله واحد، والواحد الأول أفضل؟ فأوحى الله إلى عيسى أن دعهم والأحد، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا مما أمرهم به. فلم يفعلوا، فقص الله تعالى قصصهم في الكتاب بمعصيتهم. قال: وكذلك قال الله لموسى حين قالت له اليهود ما قالوا في أمر السبت: أن دعهم والسبت فلا يصيدوا فيه سمكا ولا غيره، ولا يعملون شيئا كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الحيتان على الماء فهو قوله: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا} [الأعراف: 163] ، يقول: ظاهرة على الماء، ذلك لمعصيتهم موسى. وإذا كان غير يوم السبت صارت صيدا كسائر الأيام، فهو قوله: {ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [الأعراف: 163] ، ففعلت الحيتان ذلك ما شاء الله؛ فلما رأوها كذلك طمعوا في أخذها وخافوا العقوبة، فتناول بعضهم منها فلم تمتنع 02P061 عليه، وحذر العقوبة التي حذرهم موسى من الله تعالى.

Bölüm V02/P059

فلما رأوا أن العقوبة لا تحل بهم عادوا، وأخبر بعضهم بعضا بأنهم قد أخذوا السمك ولم يصبهم شيء، فكثروا في ذلك وظنوا أن ما قال لهم موسى كان باطلا، وهو قول الله جل ثناؤه: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] ، يقول لهؤلاء الذين صادوا السمك، فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، يقول: إذا لم يحيوا في الأرض إلا ثلاثة أيام، ولم تأكل، ولم تشرب، ولم تنسل، وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكر الله في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة، وكذلك يفعل بمن شاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، مولى ابن عباس، قال: قال ابن عباس: " إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت فعظموه وتركوا ما أمروا به، فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره. وكانوا في قرية بين أيلة والطور يقال لها مدين، فحرم الله عليهم في السبت الحيتان صيدها وأكلها، وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا. حتى إذا كان يوم السبت أتين إليهم شرعا، حتى إذا ذهب السبت ذهبن. فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأمد وقرموا إلى الحيتان، عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت فخزمه بخيط، ثم أرسله في 02P062 الماء، وأوتد له وتدا في الساحل، فأوثقه ثم تركه. حتى إذا كان الغد جاء فأخذه؛ أي إني لم آخذه في يوم السبت، ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك. ووجد الناس ريح الحيتان. فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان. ثم عثروا على ما صنع ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، وأكلوا سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم بعقوبة حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق، وقالت طائفة منهم من أهل البقية: ويحكم اتقوا الله. ونهوهم عما كانوا يصنعون. وقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان ولم تنه القوم عما صنعوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم} [الأعراف: 164] لسخطنا أعمالهم {ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم، وفقدوا الناس فلا يرونهم، فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنا فانظروا ما هو. فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوا ليلا فغلقوها على أنفسهم كما تغلق الناس على أنفسهم، فأصبحوا فيها قردة، إنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: يقول ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الجميع منهم. قالوا: وهي القرية التي قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] الآية " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] أحلت لهم الحيتان وحرمت عليهم يوم السبت بلاء من الله ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. فصار القوم ثلاثة أصناف: فأما صنف فأمسك ونهى عن المعصية، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله.

Bölüm V02/P059

وأما صنف فانتهك حرمة الله ومرد على المعصية، فلما أبوا إلا الاعتداء إلى ما نهوا عنه، قال الله لهم: {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] فصاروا قردة لها أذناب، تعاوي بعد ما كانوا رجالا ونساء " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} [البقرة: 65] قال: نهوا عن صيد الحيتان يوم السبت، فكانت تشرع إليهم يوم السبت، وبلوا بذلك فاعتدوا فاصطادوها، فجعلهم الله قردة خاسئين " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] قال: فهم أهل أيلة، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر. فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت، وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئا، لم يبق في البحر حوت إلا خرج حتى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد لزمن سفل البحر فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت. فذلك قوله: {واسألهم عن القرية التي 02P064 كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [الأعراف: 163] فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة ويجعل لها نهرا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر، فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، ويريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث، فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه. فجعل الرجل يشوي السمك، فيجد جاره ريحه، فيسأله فيخبره فيصنع مثل ما صنع جاره. حتى إذا فشا فيهم أكل السمك قال لهم علماؤهم: ويحكم إنما تصطادون السمك يوم السبت، وهو لا يحل لكم. فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء: لا، ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الماء فدخل؛ فقالوا: لا. وعتوا أن ينتهوا، فقال بعض الذين نهوهم لبعض: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] يقول: لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة. فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا، ولعنهم داود. فجعل المسلمون يخرجون من بابهم والكفار من بابهم؛ فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطئوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم فذهبوا في الأرض. فذلك قول الله عز وجل: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] فذلك حين يقول: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} فهم القردة " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قوله: {الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] قال: لم يمسخوا إنما هو مثل ضربه الله لهم مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] قال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل أسفارا " وهذا القول الذي قاله مجاهد قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف، وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم: {أرنا الله جهرة} [النساء: 153] وأن الله تعالى ذكره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم وأنهم عبدوا العجل، فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أمروا بدخول الأرض المقدسة، فقالوا لنبيهم: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] فابتلاهم بالتيه.

Bölüm V02/P059

فسواء قال قائل: هم لم يمسخهم قردة، وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير، وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم من الخلاف 02P066 على أنبيائهم والعقوبات والأنكال التي أحلها الله بهم. ومن أنكر شيئا من ذلك وأقر بآخر منه، سئل البرهان على قوله وعورض فيما أنكر من ذلك بما أقر به، ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح. هذا مع خلاف قول مجاهد قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه، وكفى دليلا على فساد قول إجماعها على تخطئته 02P065

Bölüm V02/P059–V02/P068

[البقرة: 65] القول في تأويل قوله تعالى: {فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] يعني بقوله: {فقلنا لهم} [البقرة: 65] أي فقلنا للذين اعتدوا في السبت؛ يعني في يوم السبت. وأصل السبت الهدو السكون في راحة ودعة، ولذلك قيل للنائم مسبوت لهدوه وسكون جسده واستراحته، كما قال جل ثناؤه: {وجعلنا نومكم سباتا} [النبأ: 9] أي راحة لأجسادكم. وهو مصدر من قول القائل: سبت فلان يسبت سبتا. وقد قيل إنه سمي سبتا لأن الله جل ثناؤه فرغ يوم الجمعة، وهو اليوم الذي قبله، من خلق جميع خلقه. وقوله: {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] أي صيروا كذلك والخاسئ: المبعد المطرود كما يخسأ الكلب، يقال منه: خسأته أخسؤه خسأ وخسوءا، وهو يخسأ خسوءا، قال: ويقال خسأته فخسأ وانخسأ ومنه قول الراجز: [+البحر الرجز] كالكلب إن قلت له اخسأ انخسأ يعني إن طردته انطرد ذليلا صاغرا. فكذلك معنى قوله: {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] أي مبعدين من الخير أذلاء صغراء كما حدثنا بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قوله: {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] قال: صاغرين " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {خاسئين} [البقرة: 65] قال: صاغرين " حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " في قوله: {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] أي أذلة صاغرين " وحدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " خاسئا: يعني ذليلا " 02P067 [البقرة: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] اختلف أهل التأويل في تأويل الهاء والألف في قوله: {فجعلناها} [البقرة: 66] وعلام هي عائدة، فروي عن ابن عباس فيها قولان أحدهما ما حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {فجعلناها} [البقرة: 66] فجعلنا تلك العقوبة وهي المسخة نكالا " فالهاء والألف من قوله: {فجعلناها} [البقرة: 66] على قول ابن عباس هذا كناية عن المسخة، وهي فعلة من مسخهم الله مسخة. فمعنى الكلام على هذا التأويل: {فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] فصاروا قردة ممسوخين {فجعلناها} [البقرة: 66] فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم {نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] والقول الآخر من قولي ابن عباس ما حدثني به، محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {فجعلناها} [البقرة: 66] يعني الحيتان " والهاء والألف على هذا القول من ذكر الحيتان، ولم يجر لها ذكر. ولكن لما كان في الخبر دلالة كنى عن ذكرها، والدلالة على ذلك قوله: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} [البقرة: 65] . 02P069 وقال آخرون: فجعلنا القرية التي اعتدى أهلها في السبت. فالهاء والألف في قول هؤلاء كناية عن قرية القوم الذين مسخوا. وقال آخرون: معنى ذلك: فجعلنا القردة الذين مسخوا نكالا لما بين يديها وما خلفها، فجعلوا الهاء والألف كناية عن القردة. وقال آخرون: {فجعلناها} [البقرة: 66] يعني به: فجعلنا الأمة التي اعتدت في السبت نكالا 02P068

Bölüm V02/P068

[البقرة: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {نكالا} [البقرة: 66] والنكال مصدر من قول القائل: نكل فلان بفلان تنكيلا ونكالا، وأصل النكال: العقوبة كما قال عدي بن زيد العبادي: [+البحر الخفيف] لا يحط الضليل ما صنع ال عبد ولا في نكاله تنكير وبمثل الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {نكالا} [البقرة: 66] يقول: عقوبة " حدثني المثنى، قال: حدثني إسحاق، قال: حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، 02P070 عن الربيع: " في قوله: {فجعلناها نكالا} [البقرة: 66] أي عقوبة " 02P069

Bölüm V02/P068–V02/P071

[البقرة: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم بما حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {لما بين يديها} [البقرة: 66] يقول: ليحذر من بعدهم عقوبتي {وما خلفها} [البقرة: 66] يقول: الذين كانوا بقوا معهم " حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] لما خلا لهم من الذنوب {وما خلفها} [البقرة: 66] أي عبرة لمن بقي من الناس " وقال آخرون بما حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، مولى ابن عباس، قال: قال ابن عباس: " {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] أي من القرى " وقال آخرون بما حدثنا به، بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " قال الله {فجعلناها نكالا لما بين يديها} [البقرة: 66] من ذنوب القوم {وما خلفها} [البقرة: 66] أي للحيتان التي أصابوا " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، 02P071 عن قتادة: " في قوله: {لما بين يديها} [البقرة: 66] من ذنوبها {وما خلفها} [البقرة: 66] من الحيتان " حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله تعالى: {لما بين يديها} [البقرة: 66] ما مضى من خطاياهم إلى أن هلكوا به " حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {نكالا لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] يقول: بين يديها ما مضى من خطاياهم {وما خلفها} [البقرة: 66] خطاياهم التي هلكوا بها " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله؛ إلا أنه قال {وما خلفها} [البقرة: 66] خطيئتهم التي هلكوا بها وقال آخرون بما حدثني به، موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] قال: أما ما بين يديها: فما سلف من عملهم {وما خلفها} [البقرة: 66] فمن كان بعدهم من الأمم أن يعصوا فيصنع الله بهم مثل ذلك " وقال آخرون بما حدثني به ابن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " قوله {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] يعني الحيتان جعلها نكالا لما بين يديها {وما خلفها} [البقرة: 66] من الذنوب التي 02P072 عملوا قبل الحيتان، وما عملوا بعد الحيتان، فذلك قوله {لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] " وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية ما رواه الضحاك عن ابن عباس؛ وذلك لما وصفنا من أن الهاء والألف في قوله: {فجعلناها نكالا} [البقرة: 66] بأن تكون من ذكر العقوبة والمسخة التي مسخها القوم أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها، من أجل أن الله جل ثناؤه إنما يحذر خلقه بأسه وسطوته. وبذلك يخوفهم. وفي إبانته عز ذكره بقوله: {نكالا} [البقرة: 66] أنه عنى به العقوبة التي أحلها بالقوم ما يعلم أنه عنى بقوله: {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] فجعلنا عقوبتنا التي أحللناها بهم عقوبة لما بين يديها وما خلفها، دون غيره من المعاني. وإذا كانت الهاء والألف بأن تكون من ذكر المسخة والعقوبة أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها، فكذلك العائد في قوله: {لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] من الهاء والألف أن يكون من ذكر الهاء والألف اللتين في قوله: {فجعلناها} [البقرة: 66] أولى من أن يكون من غيره.

Bölüm V02/P071

فتأويل الكلام إذا كان الأمر على ما وصفنا: فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين، فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لما بين يديها من ذنوبهم السالفة منهم مسخنا إياهم وعقوبتنا لهم، ولما خلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم، أن يعمل بها عامل، فيمسخوا مثل ما مسخوا، وأن يحل بهم مثل الذي حل بهم؛ تحذيرا من الله تعالى ذكره عباده أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتى الممسوخون فيعاقبوا عقوبتهم. وأما الذي قال في تأويل ذلك: {فجعلناها} [البقرة: 66] يعني الحيتان عقوبة لما بين 02P073 يدي الحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم، فإنه أبعد في الانتزاع؛ وذلك أن الحيتان لم يجر لها ذكر فيقال: {فجعلناها} [البقرة: 66] فإن ظن ظان أن ذلك جائز وإن لم يكن جرى للحيتان ذكر، لأن العرب قد تكني عن الاسم ولم يجر له ذكر، فإن ذلك وإن كان كذلك، فغير جائز أن يترك المفهوم من ظاهر الكتاب والمعقول به ظاهر في الخطاب والتنزيل إلى باطن لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول ولا فيه من الحجة إجماع مستفيض. وأما تأويل من تأول ذلك: لما بين يديها من القرى وما خلفها، فينظر إلى تأويل من تأول ذلك بما بين يدي الحيتان وما خلفها 02P071

Bölüm V02/P071–V02/P073

[البقرة: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {وموعظة} [البقرة: 66] والموعظة مصدر من قول القائل: وعظت الرجل أعظه وعظا وموعظة: إذا ذكرته فتأويل الآية: فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها، وتذكرة للمتقين، ليتعظوا بها، ويعتبروا، ويتذكروا بها كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {وموعظة} [البقرة: 66] يقول: وتذكرة وعبرة للمتقين " 02P073 [البقرة: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {للمتقين} [البقرة: 66] وأما المتقون فهم الذين اتقوا بأداء فرائضه واجتناب معاصيه كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، قال: ثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] يقول: للمؤمنين الذين يتقون الشرك. ويعملون بطاعتي. فجعل تعالى ذكره ما أحل بالذين اعتدوا في السبت من عقوبته موعظة للمتقين خاصة وعبرة للمؤمنين دون الكافرين به إلى يوم القيامة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس: " في قوله: {وموعظة للمتقين } [البقرة: 66] إلى يوم القيامة " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] أي بعدهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " أما {وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] فهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم " حدثني المثنى، قال، ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] قال: فكانت موعظة للمتقين خاصة " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " في قوله: {وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] أي لمن بعدهم " 02P075

Bölüm V02/P073–V02/P076

[البقرة: 67_68] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون} [البقرة: 67_68] وهذه الآية مما وبخ الله بها المخاطبين من بني إسرائيل في نقض أوائلهم الميثاق الذي أخذه الله عليهم بالطاعة لأنبيائه، فقال لهم: واذكروا أيضا من نكثكم ميثاقي، إذ قال موسى لقومه، وقومه بنو إسرائيل، إذ ادارءوا في القتيل الذي قتل فيهم إليه: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا} [البقرة: 67] والهزو: اللعب والسخرية كما قال الراجز: [+البحر الرجز] قد هزئت مني أم طيسلة قالت أراه معدما لا شيء له يعني بقوله: قد هزئت: قد سخرت ولعبت. ولا ينبغي أن يكون من أنبياء الله فيما أخبرت عن الله من أمر أو نهي هزو أو لعب. فظنوا بموسى أنه في أمره إياهم عن أمر الله تعالى ذكره بذبح البقرة عند تدارئهم في القتيل إليه أنه هازئ لاعب، ولم يكن لهم أن يظنوا ذلك بنبي الله، وهو يخبرهم أن الله هو الذي أمرهم بذبح البقرة. وحذفت الفاء من قوله: {أتتخذنا هزوا} [البقرة: 67] وهو جواب، لاستغناء ما قبله من الكلام عنه، وحسن السكوت على قوله: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] فجاز لذلك إسقاط الفاء من قوله: {أتتخذنا هزوا} [البقرة: 67] كما جاز وحسن إسقاطها من قوله تعالى: {قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا} [الحجر: 57] ولم يقل: فقالوا إنا أرسلنا، ولو قيل: فقالوا، كان حسنا أيضا جائزا، ولو كان ذلك على كلمة واحدة لم تسقط منه الفاء؛ وذلك أنك إذا قلت قمت وفعلت كذا وكذا ولم تقل: قمت فعلت كذا وكذا، لأنها عطف لا استفهام يوقف عليه، فأخبرهم موسى إذ قالوا له ما قالوا إن المخبر عن الله جل ثناؤه بالهزء والسخرية من الجاهلين وبرأ نفسه مما ظنوا به من ذلك، فقال: {أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67] يعني من السفهاء الذين يروون عن الله الكذب والباطل. وكان سبب قيل موسى لهم: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] ما حدثنا به، محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال: " كان في بني إسرائيل رجل عقيم أو عاقر، قال: فقتله وليه، ثم احتمله، فألقاه في سبط غير سبطه. قال: فوقع بينهم فيه الشر، حتى أخذوا السلاح. قال: فقال أولو النهى: أتقتتلون وفيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأتوا نبي الله، فقال: اذبحوا بقرة. فقالوا: {أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة} [البقرة: 68] إلى قوله: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] قال: فضرب فأخبرهم بقاتله. قال: ولم تؤخذ البقرة إلا بوزنها ذهبا. قال: ولو أنهم 02P077 أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم، فلم يورث قاتل بعد ذلك " وحدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: حدثني أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قول الله {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] قال: كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيا ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى، فقال له: إن قريبي قتل، وأتى إلي أمر عظيم، وإني لا أجد أحدا يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله. قال: فنادى موسى في الناس: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا. فلم يكن عندهم علمه، فأقبل القاتل على موسى فقال: أنت نبي الله، فاسأل لنا ربك أن يبين لنا.

Bölüm V02/P076–V02/P078

فسأل ربه فأوحى الله إليه: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] فعجبوا وقالوا: {أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض} [البقرة: 68] يعني هرمة {ولا بكر} [البقرة: 68] يعني ولا صغيرة {عوان بين ذلك} [البقرة: 68] أي نصف بين البكر والهرمة {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها} [البقرة: 69] أي صاف لونها {تسر الناظرين} [البقرة: 69] أي تعجب الناظرين {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول} [البقرة: 70] أي لم يذللها العمل {تثير الأرض} [البقرة: 71] يعني ليست بذلول فتثير الأرض {ولا تسقي الحرث} [البقرة: 71] يقول ولا تعمل في الحرث {مسلمة} [البقرة: 71] يعني مسلمة من العيوب {لا شية فيها} [البقرة: 71] يقول لا بياض فيها {قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] قال: ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم. ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: {وإنا إن شاء الله لمهتدون} [البقرة: 70] لما هدوا إليها أبدا. فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز عندها يتامى، وهي القيمة عليهم، فلما علمت أنهم لا يزكوا لهم غيرها أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى، فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها، فقال لهم موسى: إن الله قد كان خفف عليكم، فشددتم على أنفسكم، فأعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا واشتروها، فذبحوها. فأمرهم موسى أن يأخذوا عظما منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتا كما كان. فأخذوا قاتله وهو الذي كان أتى موسى فشكى إليه، فقتله الله على أسوأ عمله " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثرا من المال، وكانت له ابنة وكان له ابن أخ محتاج. فخطب إليه ابن أخيه ابنته فأبى أن يزوجه إياها، فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله ولأنكحن ابنته ولآكلن ديته. فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلا، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى ثم رجع إلى أهله. فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو فلم يجده، فانطلق نحوه فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدوا إلي ديته. وجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي واعماه. فرفعهم إلى موسى، فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا حتى يتبين له من صاحبه فيؤخذ صاحب الجريمة، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكنا نستحي أن نعير به. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون} [البقرة: 72] فقال لهم موسى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله وتقول اذبحوا بقرة، أتهزأ بنا؟ قال موسى: {أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67] .

Bölüm V02/P078–V02/P081

قال: قال ابن عباس: فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى، فشدد الله عليهم؛ فقالوا: {ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} [البقرة: 68] والفارض: الهرمة التي لا تلد، والبكر: التي لم تلد إلا ولدا واحدا، والعوان: النصف التي بين ذلك التي قد ولدت وولد ولدها، فافعلوا ما تؤمرون {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين} [البقرة: 69] قال: تعجب الناظرين: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها} [البقرة: 71] من بياض ولا سواد ولا حمرة {قالوا الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] فطلبوها فلم يقدروا عليها. وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه وإن رجلا مر به معه لؤلؤ يبيعه، فكان أبوه نائما تحت رأسه المفتاح، فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفا؟ فقال له الفتى: كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه بثمانين ألفا. فقال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا. فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفا، وزاد الآخر على أن ينتظر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه قال: لا والله لا أشتريه منك بشيء أبدا، وأبى أن يوقظ أباه. فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة، فأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة فأبى، فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرا فأبى، فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى، فقالوا: يا نبي الله إنا وجدنا البقرة عند هذا فأبى أن يعطيناها، وقد أعطيناه ثمنا. فقال له موسى: أعطهم بقرتك. فقال: يا رسول الله أنا أحق بمالي. فقال: صدقت، وقال للقوم: أرضوا صاحبكم. فأعطوه وزنها ذهبا فأبى، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها حتى أعطوه وزنها عشر مرات، فباعهم إياها وأخذ ثمنها. فقال: اذبحوها. فذبحوها، فقال: اضربوه ببعضها. فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي قال: أقتله وآخذ ماله وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد، عن مجاهد، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن مجاهد، وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل، عن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبا، يذكر. وحدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وحدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: أخبرني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس. فذكر جميعهم: " أن السبب الذي من أجله قال لهم موسى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] نحو السبب الذي ذكره عبيدة وأبو العالية والسدي غير أن بعضهم ذكر أن الذي قتل القتيل الذي اختصم في أمره إلى موسى كان أخا المقتول. وذكر بعضهم أنه كان ابن أخيه. وقال بعضهم: بل كانوا جماعة ورثة استبطئوا حياته. إلا أنهم جميعا مجمعون على أن موسى إنما أمرهم بذبح البقرة من أجل القتيل إذ احتكموا إليه. عن أمر الله إياهم بذلك، فقالوا له: وما ذبح البقرة يبين لنا خصومتنا التي اختصمنا فيها إليك في قتل من قتل فادعى على بعضنا أنه القاتل أتهزأ بنا؟ كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " قتل قتيل من بني إسرائيل، فطرح في سبط من الأسباط. فأتى أهل ذلك القتيل إلى ذلك السبط، فقالوا: أنتم والله قتلتم صاحبنا. قالوا: لا والله.

Bölüm V02/P081–V02/P082

فأتوا موسى، فقالوا: هذا قتيلنا بين أظهرهم وهم والله قتلوه. فقالوا: لا والله يا نبي الله طرح علينا. فقال لهم 02P082 موسى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] فقالوا: أتستهزئ بنا؟ وقرأ قول الله جل ثناؤه: {أتتخذنا هزوا} [البقرة: 67] قالوا: نأتيك فنذكر قتيلنا والذي نحن فيه فتستهزئ بنا؟ فقال موسى: {أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس: " لما أتى أولياء القتيل والذين ادعوا عليهم قتل صاحبهم موسى وقصوا قصتهم عليه، أوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67] قالوا: وما البقرة والقتيل؟ قال: أقول لكم إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، وتقولون: أتتخذنا هزوا " قال أبو جعفر: فقال الذين قيل لهم: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] بعد أن علموا واستقر عندهم أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام من ذلك عن أمر الله من ذبح بقرة جد وحق: {ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} [البقرة: 68] فسألوا موسى أن يسأل ربه لهم ما كان الله قد كفاهم بقوله لهم: اذبحوا بقرة؛ لأنه جل ثناؤه إنما أمرهم بذبح بقرة من البقر أي بقرة شاءوا ذبحها من غير أن يحصر لهم ذلك على نوع منها دون نوع أو صنف دون صنف، فقالوا بجفاء أخلاقهم وغلظ طبائعهم وسوء أفهامهم، وتكلف ما قد وضع الله عنهم مؤنته، تعنتا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " لما قال لهم موسى: {أعوذ بالله أن أكون من 02P083 الجاهلين} [البقرة: 67] قالوا له يتعنتونه: {ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} [البقرة: 68] فلما تكلفوا جهلا منهم ما تكلفوا من البحث عما كانوا قد كفوه من صفة البقرة التي أمروا بذبحها تعنتا منهم بنبيهم موسى صلوات الله عليه بعد الذي كانوا أظهروا له من سوء الظن به فيما أخبرهم عن الله جل ثناؤه بقولهم: {أتتخذنا هزوا} [البقرة: 67] عاقبهم عز وجل بأن خص بذبح ما كان أمرهم بذبحه من البقر على نوع منها دون نوع، فقال لهم جل ثناؤه إذ سألوه فقالوا: ما هي صفتها وما حليتها؟ حلها لنا لنعرفها قال: {إنها بقرة لا فارض ولا بكر} [البقرة: 68] " يعني بقوله جل ثناؤه: {لا فارض} [البقرة: 68] لا مسنة هرمة، يقال منه: فرضت البقرة تفرض فروضا، يعني بذلك أسنت، ومن ذلك قول الشاعر: [+البحر الرجز] يا رب ذي ضغن علي فارض له قروء كقروء الحائض يعني بقوله فارض: قديم يصف ضغنا قديما.

Sorular