Taberî — Câmiü'l-Beyân
[يونس: 7_8] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} [يونس: 7_8] يقول تعالى ذكره: إن الذين لا يخافون لقاءنا يوم القيامة، فهم لذلك مكذبون بالثواب والعقاب، متنافسون في زين الدنيا وزخارفها، راضون بها عوضا من الآخرة، مطمئنين إليها ساكنين {والذين هم} [الأعراف: 156] عن آيات الله، وهي أدلته على وحدانيته، وحججه على عباده في إخلاص العبادة له {غافلون} [الأنعام: 131] معرضون عنها لاهون، لا يتأملونها تأمل ناصح لنفسه، فيعلموا بها حقيقة ما دلتهم عليه، ويعرفوا بها بطول ما هم عليه مقيمون. {أولئك مأواهم النار} [يونس: 8] يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين هذه صفتهم مأواهم مصيرها إلى النار نار جهنم في الآخرة. {بما كانوا يكسبون} [الأنعام: 129] في الدنيا من الآثام والأجرام ويجترحون من السيئات والعرب تقول: «فلان لا يرجو فلانا» : إذا كان لا يخافه. ومنه قول الله جل ثناؤه: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} [نوح: 13] . ومنه قول أبي ذؤيب: [+البحر الطويل] إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواسل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {واطمأنوا بها} [يونس: 7] قال: هو مثل قوله: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف} [هود: 15] إليهم أعمالهم فيها " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} [يونس: 7] قال: هو مثل قوله: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف} [هود: 15] إليهم أعمالهم فيها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون} [يونس: 7] قال: إذا شئت رأيت صاحب دنيا لها يفرح، ولها يحزن، ولها يسخط، ولها يرضى " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إن 12P123 الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} [يونس: 7] . . الآية كلها، قال: هؤلاء أهل الكفر. ثم قال: {أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} [يونس: 8] " 12P122
[يونس: 9_10] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [يونس: 9_10] يقول تعالى ذكره: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة: 277] إن الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات، وذلك العمل بطاعة الله والانتهاء إلى أمره. {يهديهم ربهم بإيمانهم} [يونس: 9] يقول: يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم} [يونس: 9] بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة، فيقول له: ما أنت، فوالله إني لأراك امرأ صدق؟ فيقول: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة. وأما الكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة وبشارة سيئة، فيقول: 12P124 ما أنت فوالله إني لأراك أمرأ سوء؟ فيقول: أنا عملك. فينطلق به حتى يدخله النار " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {يهديهم ربهم بإيمانهم} [يونس: 9] قال: يكون لهم نورا يمشون به " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح. عن مجاهد، مثله قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقال ابن جريج: {يهديهم ربهم بإيمانهم} [يونس: 9] قال: يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، يعارض صاحبه ويبشره بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك؛ فيجعل له نورا من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله 12P125 : {يهديهم ربهم بإيمانهم} [يونس: 9] والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلازم صاحبه ويلازه حتى يقذفه في النار، وقال آخرون: معنى ذلك: بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه، يقول: بتصديقهم هداهم. ذكر من قال ذلك:. . . وقوله: {تجري من تحتهم الأنهار} [الأعراف: 43] يقول: تجري من تحت هؤلاء المؤمنين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم أنهار الجنة، {في جنات النعيم} [يونس: 9] يقول: في بساتين النعيم الذي نعم الله بها أهل طاعته والإيمان به. فإن قال قائل: وكيف قيل تجري من تحتهم الأنهار، وإنما وصف جل ثناؤه أنهار الجنة في سائر القرآن أنها تجري تحت الجنات؟ وكيف يمكن الأنهار أن تجري من تحتهم إلا أن يكونوا فوق أرضها والأنهار تجري من تحت أرضها، وليس ذلك من صفة أنهار الجنة، لأن صفتها أنها تجري على وجه الأرض في غير أخاديد؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى ذلك: تجري من دونهم الأنهار إلى ما بين أيديهم في بساتين النعيم، وذلك نظير قول الله: {قد 12P126 جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] . ومعلوم أنه لم يجعل السري تحتها وهي عليه قاعدة، إذ كان السري هو الجدول، وإنما عنى به جعل دونها: بين يديها، وكما قال جل ثناؤه مخبرا عن قيل فرعون: {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} [الزخرف: 51] بمعنى: من دوني بين يدي، وأما قوله: {دعواهم فيها سبحانك اللهم} [يونس: 10] فإن معناه: دعاؤهم فيها سبحانك اللهم.
كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرت أن قوله: " {دعواهم فيها سبحانك اللهم} [يونس: 10] قال: إذا مر بهم الطير فيشتهونه، قالوا: سبحانك اللهم وذلك دعواهم، فيأتيهم الملك بما اشتهوا، فيسلم عليهم، فيردون عليه، فذلك قوله: {وتحيتهم فيها سلام} [يونس: 10] قال: فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم، فذلك قوله: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [يونس: 10] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {دعواهم فيها سبحانك اللهم} [يونس: 10] يقول: ذلك قولهم فيها؛ {وتحيتهم فيها سلام} [يونس: 10] " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبيد الله الأشجعي، قال: سمعت سفيان، يقول 12P127 : " {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام} [يونس: 10] قال: إذا أرادوا الشيء قالوا: اللهم فيأتيهم ما دعوا به " وأما قوله: {سبحانك اللهم} [يونس: 10] فإن معناه: تنزيها لك يا رب مما أضاف إليك أهل الشرك بك من الكذب عليك والفرية وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن غير واحد، عطية فيهم: «سبحان الله تنزيه لله» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت موسى بن طلحة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبحان الله، قال: «إبراء الله عن السوء» حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، وخلاد بن أسلم، قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا قابوس، عن أبيه: أن ابن الكواء سأل عليا رضي الله عنه عن «سبحان الله» 12P128 قال: «كلمة رضيها الله لنفسه» حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان بن سعيد الثوري عن عثمان بن عبد الله بن موهب الطلحي، عن موسى بن طلحة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن سبحان الله، فقال: «تنزيها لله عن السوء» حدثني علي بن عيسى البزار، قال: ثنا عبيد الله بن محمد، قال: ثنا عبد الرحمن بن حماد، قال: ثني حفص بن سليمان، قال: ثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله، فقال: «هو تنزيه الله من كل سوء» حدثني محمد بن عمرو بن تمام الكلبي، قال: ثنا سليمان بن أيوب، قال: ثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله قول سبحان الله؟ قال: «تنزيه الله عن السوء» {وتحيتهم} [يونس: 10] يقول: وتحية بعضهم بعضا {فيها سلام} [يونس: 10] أي سلمت وأمنت مما ابتلي به أهل النار. 12P129 والعرب تسمي الملك التحية؛ ومنه قول عمرو بن معد يكرب: [+البحر الوافر] أزور بها أبا قابوس حتى أنيخ على تحيته بجندي ومنه قول زهير بن جناب الكلبي: [+البحر الكامل] من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية وقوله: {وآخر دعواهم} [يونس: 10] يقول: وآخر دعائهم {أن الحمد لله رب العالمين} [يونس: 10] يقول: وآخر دعائهم أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين؛ ولذلك خففت «أن» ولم تشدد، لأنه أريد بها الحكاية 12P128
[يونس: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون} [يونس: 11] يقول تعالى ذكره: {ولو يعجل الله للناس} [يونس: 11] إجابة دعائهم في {الشر} [يونس: 11] وذلك فيما عليهم مضرة في نفس أو مال؛ {استعجالهم بالخير} [يونس: 11] يقول: كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة إذا دعوه به {لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] يقول: لهلكوا وعجل لهم الموت، وهو الأجل. وعنى بقوله: {لقضي} [الأنعام: 8] لفرغ إليهم من أجلهم وتبدى لهم، كما قال أبو ذؤيب: [+البحر الكامل] وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا} [يونس: 11] يقول: فندع الذين لا يخافون عقابنا ولا يوقنون بالبعث ولا بالنشور، {في طغيانهم} [البقرة: 15] يقول: في تمردهم وعتوهم، {يعمهون} [البقرة: 15] يعني يترددون وإنما أخبر جل ثناؤه عن هؤلاء الكفرة بالبعث بما أخبر به عنهم من طغيانهم وترددهم فيه عند تعجيله إجابة دعائهم في الشر لو استجاب لهم أن ذلك كان يدعوهم إلى التقرب إلى الوثن الذي يشرك به أحدهم، أو يضيف ذلك إلى أنه من فعله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} [يونس: 11] قال: قول الإنسان إذا غضب لولده وماله: لا بارك الله فيه ولعنه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} [يونس: 11] قال: قول 12P131 الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه والعنه فلو يعجل الله الاستجابة لهم في ذلك كما يستجاب في الخير لأهلكهم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} [يونس: 11] قال: قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه والعنه: {لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} [يونس: 11] قال: قول الرجل لولده إذا غضب عليه أو ماله: اللهم لا تبارك فيه والعنه قال الله: {لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته. قال: {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا} [يونس: 11] قال: يقول: لا نهلك أهل الشرك، ولكن نذرهم في طغيانهم يعمهون " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: " {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} [يونس: 11] قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] قال: لأهلكناهم، وقرأ: {ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر: 45] قال: يهلكهم كلهم " ونصب قوله {استعجالهم} [يونس: 11] بوقوع يعجل عليه، كقول القائل: قمت اليوم قيامك، بمعنى قمت كقيامك، وليس بمصدر من يعجل، لأنه لو كان مصدرا لم يحسن دخول الكاف، أعني كاف التشبيه فيه، واختلفت القراء في قراءة قوله: {لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق: " {لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] «على وجه ما لم يسم فاعله بضم القاف من» قضي «ورفع» الأجل ". وقرأ عامة أهل الشأم: «لقضي إليهم أجلهم» بمعنى: لقضى الله إليهم أجلهم. وهما قراءتان متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني أقرؤه على وجه ما لم يسم فاعله، لأن عليه أكثر القراء 12P132
[يونس: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} [يونس: 12] يقول تعالى ذكره: وإذا أصاب الإنسان الشدة والجهد {دعانا لجنبه} [يونس: 12] يقول: استغاث بنا في كشف ذلك عنه، لجنبه: يعني مضطجعا لجنبه. {أو قاعدا أو قائما} [يونس: 12] الحال التي يكون بها عند نزول ذلك الضر به. {فلما كشفنا عنه ضره} [يونس: 12] يقول: فلما فرجنا عنه الجهد الذي أصابه، {مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} [يونس: 12] يقول: استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء، أو تناساه، وترك الشكر لربه الذي فرج عنه ما كان قد نزل به من البلاء حين استعاذ به، وعاد للشرك ودعوى الآلهة والأوثان أربابا معه يقول تعالى ذكره: {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} [يونس: 12] يقول: كما زين لهذا الإنسان الذي وصفنا صفته استمراره على كفره بعد كشف الله عنه ما كان فيه من الضر، كذلك زين للذين أسرفوا في الكذب على الله وعلى أنبيائه، فتجاوزوا في القول فيهم إلى غير ما أذن الله لهم به، ما كانوا يعملون من معاصي الله والشرك به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {دعانا لجنبه} [يونس: 12] قال: مضطجعا " 12P133 [يونس: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين} [يونس: 13] يقول تعالى ذكره: ولقد أهلكنا الأمم التي كذبت رسل الله من قبلكم أيها المشركون بربهم {لما ظلموا} [يونس: 13] يقول: لما أشركوا وخالفوا أمر الله ونهيه. {وجاءتهم رسلهم} [يونس: 13] من عند الله، {بالبينات} [البقرة: 92] وهي الآيات والحجج التي تبين عن صدق من جاء بها. ومعنى الكلام: وجاءتهم رسلهم بالآيات البينات أنها حق. {وما كانوا ليؤمنوا} [يونس: 13] يقول: فلم تكن هذه الأمم التي أهلكناها ليؤمنوا برسلهم ويصدقوهم إلى ما دعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له {كذلك نجزي القوم المجرمين} [يونس: 13] يقول تعالى ذكره: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم أيها المشركون بظلمهم أنفسهم وتكذيبهم رسلهم وردهم نصيحتهم، كذلك أفعل بكم فأهلككم كما أهلكتهم بتكذيبكم رسولكم محمدا صلى الله عليه وسلم، وظلمكم أنفسكم بشرككم بربكم، إن أنتم لم تنيبوا وتتوبوا إلى الله من شرككم، فإن من ثواب الكافر بي على كفره عندي أن أهلكه بسخطي في الدنيا وأورده النار في الآخرة 12P134
[يونس: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} [يونس: 14] يقول تعالى ذكره: {ثم جعلناكم} [يونس: 14] أيها الناس {خلائف} [الأنعام: 165] من بعد هؤلاء القرون الذين أهلكناهم لما ظلموا تخلفونهم {في الأرض} [البقرة: 11] وتكونون فيها بعدهم {لننظر كيف تعملون} [يونس: 14] يقول: لينظر ربكم أين عملكم من عمل من هلك من قبلك من الأمم بذنوبهم وكفرهم بربهم، تحذون مثالهم فيه، فتستحقون من العقاب ما استحقوا، أم تخالفون سبيلهم، فتؤمنون بالله ورسوله، وتقرون بالبعث بعد الممات، فتستحقون من ربكم الثواب الجزيل. كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " { 12P135 ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} [يونس: 14] ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: صدق ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر كيف أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرا، بالليل والنهار والسر والعلانية " حدثني المثنى، قال: ثنا زيد بن عوف أبو ربيعة فهد قال: ثنا حماد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: " أن عوف بن مالك، رضي الله عنه قال لأبي بكر رضي الله عنه: رأيت فيما يرى النائم كأن سببا دلي من السماء فانتشط رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دلي فانتشط أبو بكر، ثم ذرع الناس حول المنبر، ففضل عمر رضي الله عنه بثلاث أذرع إلى المنبر فقال عمر: دعنا من رؤياك لا أرب لنا فيها فلما استخلف عمر قال: يا عوف رؤياك؟ قال: وهل لك في رؤياي من حاجة، أو لم تنتهرني؟ قال: ويحك إني كرهت أن تنعي لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه فقص عليه الرؤيا، حتى إذا بلغ ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع، قال: أما إحداهن فإنه كائن خليفة، وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثالثة فإنه شهيد. قال: فقال يقول الله: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} [يونس: 14] فقد استخلفت يا ابن أم عمر، فانظر كيف تعمل؛ وأما قوله: «فإني لا أخاف في الله لومة لائم» فما شاء الله، وأما قوله: «فإني 12P136 شهيد» فأنى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به ثم قال «إن الله على ما يشاء قدير» 12P135 [يونس: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} [يونس: 15] يقول تعالى ذكره: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين آيات كتاب الله الذي أنزلناه إليك يا محمد بينات واضحات على الحق دالات. {قال الذين لا يرجون لقاءنا} [يونس: 15] يقول: قال الذين لا يخافون عقابنا ولا يوقنون بالمعاد إلينا ولا يصدقون بالبعث لك: {ائت بقرآن غير هذا أو بدله} [يونس: 15] بقول: أو غيره. {قل} [البقرة: 80] لهم يا محمد: {ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} [يونس: 15] أي من عندي. والتبديل الذي سألوه فيما ذكر، أن يحول آية الوعيد آية وعد وآية الوعد وعيدا والحرام حلالا والحلال حراما، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أن ذلك ليس إليه، وأن ذلك إلى من لا يرد حكمه ولا يتعقب قضاؤه، وإنما هو رسول مبلغ ومأمور متبع. وقوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [الأنعام: 50] يقول: قل لهم: ما أتبع في كل ما آمركم به أيها القوم وأنهاكم عنه إلا ما ينزله إلي ربي ويأمرني به. {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} [الأنعام: 15] يقول إني أخشى من الله إن خالفت أمره وغيرت أحكام كتابه وبدلت وحيه فعصيته بذلك، {عذاب يوم عظيم} [الأنعام: 15] هوله، وذلك {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} [الحج: 2] 12P137
[يونس: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} [يونس: 16] يقول تعالى ذكره لنبيه معرفه الحجة على هؤلاء المشركين الذين قالوا له ائت بقرآن غير هذا أو بدله: قل لهم يا محمد {لو شاء الله ما تلوته عليكم} [يونس: 16] أي ما تلوت هذا القرآن عليكم أيها الناس بأن كان لا ينزل علي فيأمرني بتلاوته عليكم، {ولا أدراكم به} [يونس: 16] يقول: ولا أعلمكم به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 12P138 قوله: " {ولا أدراكم به} [يونس: 16] ولا أعلمكم " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} [يونس: 16] يقول: لو شاء الله لم يعلمكموه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} [يونس: 16] يقول: ما حذرتكم به " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله} [يونس: 15] وهو قول مشركي أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون} [يونس: 16] لبث أربعين سنة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} [يونس: 16] ولا أعلمكم به " حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن 12P139 الحسن: " أنه كان يقرأ: «ولا أدرأتكم به» يقول: ما أعلمتكم به " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {ولا أدراكم به} [يونس: 16] يقول: ولا أشعركم الله به " وهذه القراءة التي حكيت عن الحسن عند أهل العربية غلط، وكان الفراء يقول في ذلك قد ذكر عن الحسن أنه قال: «ولا أدرأتكم به» ، قال: فإن يكن فيها لغة سوى «دريت» و «أدريت» ، فلعل الحسن ذهب إليها، وأما أن يصلح من «دريت» أو «أدريت» فلا، لأن الياء والوا إذا انفتح ما قبلهما وسكنتا صحتا ولم تنقلبا إلى ألف مثل قضيت ودعوت، ولعل الحسن ذهب إلى طبيعته وفصاحته فهمزها، لأنها تضارع «درأت الحد» وشبهه. وربما غلطت العرب في الحرف إذا ضارعه آخر من الهمز، فيهمزون غير المهموز. وسمعت امرأة من طيئ تقول: رثأت زوجي بأبيات، ويقولون: لبأت بالحج وحلأت السويق؛ يتغلطون، لأن «حلأت» قد يقال في دفع العطاش، من الإبل، و «لبأت» : ذهبت به إلى اللبأ، لبأ الشاة، و «رثأت زوجي» : ذهبت به إلى رثأت اللبن إذا أنت حلبت الحليب على الرائب، فتلك الرثيثة. وكان بعض البصريين يقول: لا وجه لقراءة الحسن هذه لأنها من «أدريت» مثل «أعطيت» ، إلا أن لغة بني عقيل «أعطأت» يريدون «أعطيت» ، تحول الياء ألفا، قال الشاعر: [+البحر الطويل] لقد آذنت أهل اليمامة طيئ بحرب كناصاة الأغر المشهر يريد كناصية؛ حكي ذلك عن المفضل. وقال زيد الخيل: [+البحر الطويل] لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقا على الأرض قيسي يسوق الأباعرا فقال «بقا» .
وقال الشاعر: [+البحر الكامل] لزجرت قلبا لا يريع لزاجر إن الغوي إذا نها لم يعتب يريد «نهي» قال: وهذا كله على قراءة الحسن، وهي مرغوب عنها، قال: وطيئ تصير كل ياء انكسر ما قبلها ألفا، يقولون: هذه جاراة، وفي الترقوة: ترقاة، والعرقوة: عرقاة، قال: وقال بعض طيئ: قد لقت فزارة، حذف الياء من لقيت لما لم يمكنه أن يحولها ألفا لسكون التاء فيلتقي ساكنان. وقال: زعم يونس أن نسا ورضا لغة معروفة، قال الشاعر: [+البحر الطويل] وأبنيت بالأعراض ذا البطن خالدا نسا أو تناسى أن يعد المواليا وروي عن ابن عباس في قراءة ذلك أيضا رواية أخرى، وهي ما حدثنا به المثنى، قال: ثنا المعلى بن أسد، قال: ثنا خالد عن حنظلة، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: «قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أنذرتكم به» والقراءة التي لا أستجيز أن تعدوها هي القراءة التي عليها قراء الأمصار: {لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} [يونس: 16] بمعنى: ولا أعلمكم به، ولا أشعركم به 12P141
[يونس: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون} [يونس: 17] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الذين نسبوك فيما جئتهم به من عند ربك إلى الكذب: أي خلق أشر بعدنا وأوضع لقيله في غير 12P142 موضعه، ممن اختلق على الله كذبا وافترى عليه باطلا {أو كذب بآياته} [الأنعام: 21] يعني بحججه ورسله وآيات كتابه. يقول له جل ثناؤه: قل لهم ليس الذي أضفتموني إليه بأعجب من كذبكم على ربكم وافترائكم عليه وتكذيبكم بآياته {إنه لا يفلح المجرمون} [يونس: 17] يقول: إنه لا ينجح الذين اجترموا الكفر في الدنيا يوم القيامة إذا لقوا ربهم، ولا ينالون الفلاح 12P141 [يونس: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} [يونس: 18] يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك يا محمد صفتهم من دون الله الذي لا يضرهم شيئا ولا ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها. {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] يعني أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله. قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض} يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؛ وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السماوات ولا في الأرض. وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما، وذلك باطل لا تعلم حقيقته وصحته، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون وأنها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضر. {سبحانه وتعالى عما يشركون} [يونس: 18] يقول: تنزيها لله وعلوا عما يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع وافترائهم عليه الكذب 12P143 [يونس: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} [يونس: 19] يقول تعالى ذكره: وما كان الناس إلا أهل دين واحد وملة واحدة، فاختلفوا في دينهم، فافترقت بهم السبل في ذلك. {ولولا كلمة سبقت من ربك} [يونس: 19] يقول: ولولا أنه سبق من الله أنه لا يهلك قوما إلا بعد انقضاء آجالهم {لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} [يونس: 19] يقول لقضي بينهم بأن يهلك أهل الباطل منهم وينجي أهل الحق. وقد بينا اختلاف المختلفين في معنى ذلك في سورة البقرة، وذلك في قوله: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين } [البقرة: 213] وبينا الصواب من القول فيه بشواهده فأغنى عن إعادته في هذا الموضع حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} [يونس: 19] حين قتل أحد ابني آدم أخاه " 12P144 حدثني المثنى، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه
[يونس: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين} [يونس: 20] يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون: هلا أنزل على محمد آية من ربه يقول: علم ودليل نعلم به أن محمدا محق فيما يقول. قال الله له: فقل يا محمد إنما الغيب لله، أي لا يعلم أحد بفعل ذلك إلا هو جل ثناؤه، لأنه لا يعلم الغيب وهو السر والخفي من الأمور إلا الله، فانتظروا أيها القوم قضاء الله بيننا بتعجيل عقوبته للمبطل منا وإظهاره المحق عليه، إني معكم ممن ينتظر ذلك. ففعل ذلك جل ثناؤه فقضى بينهم وبينه بأن قتلهم يوم بدر بالسيف 12P144 [يونس: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} [يونس: 21] يقول تعالى ذكره: وإذا رزقنا المشركين بالله فرجا بعد كرب ورخاء بعد 12P145 شدة أصابتهم. وقيل: عنى به المطر بعد القحط، والضراء: وهي الشدة، والرحمة: هي الفرج يقول: {إذا لهم مكر في آياتنا} [يونس: 21] استهزاء وتكذيب. كما حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {إذا لهم مكر في آياتنا} [يونس: 21] قال: استهزاء وتكذيب " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقوله : {قل الله أسرع مكرا} [يونس: 21] يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المشركين المستهزئين من حججنا وأدلتنا يا محمد: الله أسرع مكرا، أي أسرع محالا بكم واستدراجا لكم وعقوبة منكم من المكر في آيات الله. والعرب تكتفي ب «إذا» من «فعلت» و «فعلوا» ، فلذلك حذف الفعل معها وإنما معنى الكلام: وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم مكروا في آياتنا، فاكتفى من «مكروا» ، ب «إذا لهم مكر» {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} [يونس: 21] يقول: إن حفظتنا الذين نرسلهم إليكم أيها الناس يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا [يونس: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} [يونس: 22] يقول تعالى ذكره: الله الذي يسيركم أيها الناس في البر على الظهر وفي البحر في الفلك {حتى إذا كنتم في الفلك} [يونس: 22] وهي السفن، {وجرين بهم} [يونس: 22] يعني: وجرت الفلك بالناس، {بريح طيبة} [يونس: 22] في البحر، {وفرحوا بها} [يونس: 22] يعني: وفرح ركبان الفلك بالريح الطيبة التي يسيرون بها. والهاء في قوله: «بها» عائدة على الريح الطيبة {جاءتها ريح عاصف} [يونس: 22] يقول: جاءت الفلك ريح عاصف، وهي الشديدة، والعرب تقول: ريح عاصف وعاصفة، وقد أعصفت الريح وعصفت وأعصفت في بني أسد فيما ذكر، قال بعض بني دبير: [+البحر البسيط] حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة فيها قطار ورعد صوته زجل {وجاءهم الموج من كل مكان} [يونس: 22] يقول تعالى ذكره: وجاء ركبان السفينة الموج من كل مكان {وظنوا أنهم أحيط بهم} [يونس: 22] يقول: وظنوا أن الهلاك قد أحاط بهم وأحدق {دعوا الله مخلصين له الدين} [يونس: 22] يقول: أخلصوا الدعاء لله هنالك دون أوثانهم وآلهتهم، وكان مفزعهم حينئذ إلى الله دونها. كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: " {دعوا الله مخلصين له الدين} [يونس: 22] قال: إذا مسهم الضر في البحر 12P147 أخلصوا له الدعاء " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، في قوله: " {مخلصين له الدين} [يونس: 22] هيا شرا هيا، تفسيره: يا حي يا قوم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم} [يونس: 21] . إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا كان الضر لم يدعو إلا الله، فإذا نجاهم إذا هم يشركون لئن أنجيتنا من هذه الشدة التي نحن فيها لنكونن من الشاكرين لك على نعمك وتخليصك إيانا مما نحن فيه بإخلاصنا العبادة لك وإفراد الطاعة دون الآلهة والأنداد " واختلفت القراء في قراءة قوله: {هو الذي يسيركم} [يونس: 22] فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق: " {هو الذي يسيركم} [يونس: 22] " من السير بالسين وقرأ ذلك أبو جعفر القاري: «هو الذي ينشركم» من النشر، وذلك البسط من قول القائل: نشرت الثوب، وذلك بسطه ونشره من طيه، فوجه أبو جعفر معنى ذلك إلى أن الله يبعث عباده، فيبسطهم برا وبحرا، وهو قريب المعنى من التسيير. وقال: {وجرين بهم بريح طيبة} [يونس: 22] وقال في موضع آخر: {في الفلك المشحون} [الشعراء: 119] . فوحد، والفلك: اسم للواحدة والجماع ويذكر ويؤنث. قال: {وجرين بهم} [يونس: 22] وقد قال: {هو الذي يسيركم} [يونس: 22] فخاطب ثم عاد إلى الخبر عن الغائب؛ وقد بينت ذلك في غير موضع من الكتاب بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وجواب قوله: {حتى إذا كنتم في الفلك} [يونس: 22] {جاءتها ريح عاصف} [يونس: 22] وأما جواب قوله: {وظنوا أنهم أحيط بهم} [يونس: 22] ف {دعوا الله مخلصين له الدين} [يونس: 22] 12P148
[يونس: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون} [يونس: 23] يقول تعالى ذكره: فلما أنجى الله هؤلاء الذين ظنوا في البحر أنهم أحيط بهم من الجهد الذي كانوا فيه، أخلفوا الله ما وعدوه، وبغوا في الأرض، فتجاوزوا فيها إلى غير ما أذن الله لهم فيه من الكفر به والعمل بمعاصيه على ظهرها. يقول الله: يا أيها الناس إنما اعتداؤكم الذي تعتدونه على أنفسكم وإياها تظلمون، وهذا الذي أنتم فيه {متاع الحياة الدنيا} [آل عمران: 14] يقول: ذلك بلاغ تبلغون به في عاجل دنياكم. وعلى هذا التأويل، البغي يكون مرفوعا بالعائد من ذكره في قوله: {على أنفسكم} [النساء: 135] ويكون قوله: «متاع الحياة الدنيا» مرفوعا على معنى: ذلك متاع الحياة الدنيا، كما قال: {لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} [الأحقاف: 35] بمعنى: هذا بلاغ، وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك: إنما بغيكم في الحياة الدنيا على أنفسكم، لأنكم بكفركم تكسبونها غضب الله، متاع الحياة الدنيا، كأنه قال: إنما بغيكم متاع الحياة الدنيا، فيكون «البغي» مرفوعا بالمتاع، و «على أنفسكم» من صلة «البغي» . وبرفع «المتاع» قرأت القراء سوى عبد الله بن أبي إسحاق فإنه نصبه بمعنى: إنما بغيكم على أنفسكم متاعا في الحياة الدنيا، فجعل، «البغي» مرفوعا بقوله: {على أنفسكم} [النساء: 135] والمتاع منصوبا على الحال. وقوله: {ثم إلينا مرجعكم} [يونس: 23] يقول: ثم إلينا بعد ذلك معادكم ومصيركم، وذلك بعد الممات. {فننبئكم بما كنتم تعملون} [يونس: 23] يقول: فنخبركم يوم القيامة بما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله، ونجازيكم على أعمالكم التي سلفت منكم في الدنيا 12P149
[يونس: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} [يونس: 24] 12P150 يقول تعالى ذكره: إنما مثل ما تباهون في الدنيا وتفاخرون به من زينتها وأموالها مع ما قد وكل بذلك من التكدير والتنغيص وزواله بالفناء والموت، كمثل {ماء أنزلناه من السماء} يقول: كمطر أرسلناه من السماء إلى الأرض، {فاختلط به نبات الأرض} [يونس: 24] يقول: فنبت بذلك المطر أنواع من النبات مختلط بعضها ببعض. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: " {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض} [يونس: 24] قال: اختلط فنبت بالماء كل لون {مما يأكل الناس} [يونس: 24] كالحنطة والشعير وسائر حبوب الأرض والبقول والثمار، وما يأكله الأنعام والبهائم من الحشيش والمراعي " وقوله: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} [يونس: 24] يعني: ظهر حسنها وبهاؤها. {وازينت} [يونس: 24] يقول: وتزينت. {وظن أهلها} [يونس: 24] يعني أهل الأرض، {أنهم قادرون عليها} [يونس: 24] . يعني: على ما أنبتت. وخرج الخبر عن الأرض، والمعنى للنبات، إذا كان مفهوما بالخطاب ما عنى به. . وقوله: {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا} [يونس: 24] يقول: جاء الأرض أمرنا يعني قضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات إما ليلا وإما نهارا. {فجعلناها} [يونس: 24] يقول: فجعلنا ما عليها، {حصيدا} [يونس: 24] يعني مقطوعة مقلوعة من أصولها، وإنما هي محصودة صرفت إلى حصيد، {كأن لم تغن بالأمس} [يونس: 24] يقول: كأن لم تكن تلك الزروع والنبات على ظهر نابته قائمة على الأرض قبل ذلك بالأمس، وأصله: من غني فلان بمكان كذا، يغنى به: إذا أقام به، كما قال النابغة الذبياني: [+البحر الكامل] غنيت بذلك إذ هم لي جيرة منها بعطف رسالة وتودد يقول: فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم وزخارفها، فيفنيها ويهلكها كما أهلك أمرنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجتها حتى صارت {كأن لم تغن بالأمس} [يونس: 24] كأن لم تكن قبل ذلك نباتا على ظهرها. يقول الله جل ثناؤه: {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} [يونس: 24] يقول: كما بينا لكم أيها الناس مثل الدنيا وعرفناكم حكمها وأمرها، كذلك نبين حججنا وأدلتنا لمن تفكر واعتبر ونظر. وخص به أهل الفكر، لأنهم أهل التمييز بين الأمور والفحص عن حقائق ما يعرض من الشبه في الصدور وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} [يونس: 24] . . الآية: أي والله لئن تشبث بالدنيا وحدب عليها لتوشكن 12P152 الدنيا أن تلفظه وتقضي منه " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {وازينت} [يونس: 24] قال: أنبتت وحسنت " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت مروان، يقرأ على المنبر هذه الآية: " {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها} [يونس: 24] وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها. قال: قد قرأتها، وليست في المصحف، فقال عباس بن عبد الله بن العباس: هكذا يقرؤها ابن عباس.
فأرسلوا إلى ابن عباس فقال: هكذا أقرأني أبي بن كعب " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {كأن لم تغن بالأمس} [يونس: 24] يقول: كأن لم تعش، كأن لم تنعم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أبو أسامة، عن إسماعيل، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن، يقول في قراءة أبي: " {كأن لم تغن بالأمس} [يونس: 24] وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} [يونس: 24] " 12P153 واختلفت القراء في قراءة قوله: {وازينت} [يونس: 24] فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق: {وازينت} [يونس: 24] بمعنى: وتزينت، ولكنهم أدغموا التاء في الزاي لتقارب مخرجيهما، وأدخلوا ألفا ليوصل إلى قراءته، إذا كانت التاء قد سكنت، والساكن لا يبتدأ به. وحكي عن أبي العالية وأبي رجاء والأعرج وجماعة أخر غيرهم أنهم قرءوا ذلك: «وأزينت» على مثال أفعلت. والصواب من القراءة في ذلك: {وازينت} [يونس: 24] لإجماع الحجة من القراء عليها 12P152
[يونس: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [يونس: 25] يقول تعالى ذكره لعباده: أيها الناس لا تطلبوا الدنيا وزينتها، فإن مصيرها إلى فناء وزوال كما مصير النبات الذي ضربه الله لها مثلا إلى هلاك وبوار، ولكن اطلبوا الآخرة الباقية، ولها فاعملوا، وما عند الله فالتمسوا بطاعته، فإن الله يدعوكم إلى داره، وهي جناته التي أعدها لأوليائه، تسلموا من الهموم والأحزان فيها وتأمنوا من فناء ما فيها من النعيم والكرامة التي أعدها لمن دخلها، وهو يهدي من يشاء من خلقه فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام الذي جعله جل ثناؤه سببا للوصول إلى رضاه وطريقا لمن ركبه وسلك فيه إلى جناته وكرامته. كما حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن 12P154 قتادة، قال: «الله السلام، وداره الجنة» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {والله يدعو إلى دار السلام} [يونس: 25] قال: الله هو السلام، وداره الجنة " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " قيل لي: لتنم عينك، وليعقل قلبك، ولتسمع أذنك فنامت عيني، وعقل قلبي، وسمعت أذني. ثم قيل: سيد بنى دارا، ثم صنع مأدبة، ثم أرسل داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد، فالله السيد، والدار الإسلام والمأدبة الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [يونس: 25] ذكر لنا أن في التوراة مكتوبا: يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر انته " حدثني الحسين بن سلمة بن أبي كبشة، قال: ثنا عبد الملك بن عمرو، قال: 12P155 ثنا عباد بن راشد، عن قتادة، قال: ثني خليد العصري، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان، يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ، إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ". قال: وأنزل ذلك في القرآن في قوله: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [يونس: 25] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: " إني رأيت في المنام كأن جبرائيل عند رأسي وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول؛ من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها " 12P155
[يونس: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [يونس: 26] 12P156 يقول تعالى ذكره: للذين أحسنوا عبادة الله في الدنيا من خلقه فأطاعوه فيما أمر ونهى {الحسنى} [النساء: 95] ثم اختلف أهل التأويل في معنى الحسنى والزيادة اللتين وعدهما المحسنين من خلقه. فقال بعضهم: الحسنى: هي الجنة، جعلها الله للمحسنين من خلقه جزاء، والزيادة عليها النظر إلى الله تعالى. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن أبي بكر الصديق، " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: النظر إلى وجه ربهم " حدثنا سفيان، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قبس، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن سعيد بن نمران، عن أبي بكر: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: النظر إلى وجه الله تعالى " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: النظر إلى وجه ربهم " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، قال: في هذه الآية: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم بن نذير، عن حذيفة، " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: النظر إلى وجه ربهم " حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا شريك، قال: سمعت أبا إسحاق، يقول في قول الله: " {وزيادة} [يونس: 26] قال: النظر إلى وجه الرحمن " حدثني علي بن عيسى، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا أبو بكر الهذلي، قال: سمعت أبا تميمة الهجيمي، يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: " إذا كان يوم القيامة بعث الله إلى أهل الجنة مناديا ينادي: هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامة، فيقولون: نعم، فيقول: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] النظر إلى وجه الرحمن " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، قال: أخبرنا أبو تميمة الهجيمي، قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة يقول: " إن الله يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة، فيقول: يا أهل الجنة هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامة، فيرون الحلي والحلل والثمار والأنهار والأزواج المطهرة، فيقولون: نعم، قد أنجزنا الله ما وعدنا. ثم يقول الملك: هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ ثلاث مرات، فلا يفقدون شيئا مما وعدوا، فيقولون: نعم، فيقول: قد بقي لكم شيء، إن الله يقول: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني شبيب، عن أبان، عن أبي تميمة الهجيمي، أنه سمع أبا موسى الأشعري، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي أهل الجنة بصوت يسمع أولهم وآخرهم: إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: النظر إلى وجه ربهم.
وقرأ: {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة} [يونس: 26] قال: بعد النظر إلى وجه ربهم " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سليمان بن المغيرة، قال: أخبرنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قوله: " {وزيادة} [يونس: 26] قال: قيل له: أرأيت قوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فأعطوا فيها ما أعطوا من الكرامة والنعيم قال: نودوا يا أهل الجنة إن الله قد وعدكم الزيادة، فيتجلى لهم. قال ابن أبي ليلى: فما ظنك بهم حين ثقلت موازينهم، وحين صارت الصحف في أيمانهم، وحين جاوزوا جسر جهنم ودخلوا الجنة، وأعطوا فيها ما أعطوا من الكرامة والنعيم؟ كل ذلك لم يكن شيئا فيما رأوا " قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر وسليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: النظر إلى وجه ربهم " قال: ثنا الحجاج، ومعلى بن أسد، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال لهم: إنه قد بقي من حقكم شيء لم تعطوه. قال: فيتجلى لهم تبارك وتعالى. قال: فيصغر عندكم كل شيء أعطوه. قال: ثم قال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه ربهم، ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد ذلك " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] النظر إلى وجه الله " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] النظر إلى الرب " حدثنا عمرو بن علي، ومحمد بن بشار، قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نودوا: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا قالوا: ما هو؟ ألم تبيض وجوهنا، وتثقل موازيننا، وتدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فيتجلى لهم؛ فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه " ولفظ الحديث لعمرو حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه 12P161 فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيض وجوهنا؟
ثم ذكر سائر الحديث نحو حديث عمرو بن علي وابن بشار، عن عبد الرحمن قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن نمران، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى " قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] بلغنا أن المؤمنين لما دخلوا الجنة ناداهم مناد: إن الله وعدكم الحسنى وهي الجنة وأما الزيادة: فالنظر إلى وجه الرحمن " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عجرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن تبارك وتعالى " قال: ثنا جرير، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، قال : " الحسنى: النضرة، والزيادة: النظر إلى وجه الله تعالى " حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت زهيرا، عمن سمع أبا العالية، قال: ثنا أبي بن كعب، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله " وقال آخرون في الزيادة بما حدثنا به، يحيى بن طلحة، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن الحكم، عن علي، رضي الله عنه: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن الحكم، عن علي رضي الله عنه، نحوه، إلا أنه قال: فيها أربعة أبواب قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم بن عتيبة، عن علي رضي الله عنه، مثل حديث يحيى بن طلحة، عن فضيل سواء وقال آخرون: الحسنى واحدة من الحسنات بواحدة. والزيادة: التضعيف إلى تمام العشر 12P163 ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: هو مثل قوله: {ولدينا مزيد} [ق: 35] يقول: يجزيهم بعملهم ويزيدهم من فضله، وقال: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} [الأنعام: 160] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن علقمة بن قيس، " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: قلت: هذه الحسنى، فما الزيادة؟ قال: ألم تر أن الله يقول: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] " حدثنا بشر، قال: يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول في هذه الآية: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: الزيادة: بالحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف " وقال آخرون: الحسنى: حسنة مثل حسنة. والزيادة: زيادة مغفرة من الله ورضوان. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال : ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 12P164 مجاهد، " {للذين أحسنوا الحسنى} [يونس: 26] مثلها حسنى وزيادة مغفرة ورضوان " وقال آخرون: الزيادة ما أعطوا في الدنيا. ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال: الحسنى: الجنة، وزيادة: ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم به يوم القيامة.
وقرأ {وآتيناه أجره في الدنيا} [العنكبوت: 27] قال: ما آتاه مما يحب في الدنيا عجل له أجره فيها " وكان ابن عباس يقول في قوله: {للذين أحسنوا الحسنى} [يونس: 26] بما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {للذين أحسنوا الحسنى} [يونس: 26] يقول: للذين شهدوا أن لا إله إلا الله " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى أن يجزيهم على طاعتهم إياه الجنة، وأن 12P165 تبيض وجوههم، ووعدهم مع الحسنى الزيادة عليها، ومن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غرفا من لآلئ، وأن يزيدهم غفرانا ورضوانا؛ كل ذلك من زيادات عطاء الله إياهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته. وعم ربنا جل ثناؤه بقوله: {وزيادة} [يونس: 26] الزيادات على الحسنى، فلم يخصص منها شيئا دون شيء، وغير مستنكر من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم إن شاء الله. فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يعم كما عمه عز ذكره 12P164
[يونس: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [يونس: 26] يعني جل ثناؤه بقوله: {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة} [يونس: 26] لا يغشى وجوههم كآبة ولا كسوف حتى تصير من الحزن كأنما علاها قتر. والقتر: الغبار وهو جمع قترة، ومنه قول الشاعر: [+البحر البسيط] متوج برداء الملك يتبعه موج ترى فوقه الرايات والقترا يعني بالقتر: الغبار. {ولا ذلة} [يونس: 26] ولا هوان. {أولئك أصحاب الجنة} [البقرة: 82] يقول هؤلاء الذين وصفت صفتهم هم أهل الجنة وسكانها ومن {هم فيها خالدون} [البقرة: 39] يقول هم فيها ماكثون أبدا لا تبيد فيخافوا زوال نعيمهم، ولا هم بمخرجين فتتنغص عليهم لذتهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. وكان ابن أبي ليلى يقول في قوله: {ولا يرهق وجوههم قتر} [يونس: 26] ما حدثنا محمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: " {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة} [يونس: 26] قال بعض: نظرهم إلى ربهم " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج ومعلى بن أسد، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بنحوه حدثنا قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: " {ولا يرهق وجوههم قتر} [يونس: 26] قال: سواد الوجوه " 12P166 [يونس: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [يونس: 27] يقول تعالى ذكره: والذين عملوا السيئات في الدنيا، فعصوا الله فيها، وكفروا به وبرسوله، جزاء سيئة من عمله السيئ الذي عمله في الدنيا بمثلها من عقاب الله في الآخرة. {وترهقهم ذلة} [يونس: 27] يقول: 12P167 وتغشاهم ذلة وهوان بعقاب الله إياهم. {ما لهم من الله من عاصم} [يونس: 27] يقول: ما لهم من الله من مانع يمنعهم إذا عاقبهم يحول بينه وبينهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وترهقهم ذلة} [يونس: 27] قال: تغشاهم ذلة وشدة " واختلف أهل العربية في الرافع للجزاء، فقال بعض نحويي الكوفة: رفع بإضمار «لهم» ، كأنه قيل: ولهم جزاء السيئة بمثلها، كما قال: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة: 196] والمعنى: فعليه صيام ثلاثة أيام. قال: وإن شئت رفعت الجزاء بالباء في قوله: {جزاء سيئة بمثلها} [يونس: 27] وقال بعض نحويي البصرة: الجزاء مرفوع بالابتداء: وخبره بمثلها. قال: ومعنى الكلام: جزاء سيئة مثلها، وزيدت الباء كما زيدت في قوله: بحسبك قول السوء. وقد أنكر ذلك من قول بعضهم فقال: يجوز أن تكون الباء في «حسب» زائدة، لأن التأويل: إن قلت السوء فهو حسبك، فلما لم تدخل في الجزاء أدخلت في حسب بحسبك أن تقوم إن قمت فهو حسبك، فإن مدح ما بعد حسب أدخلت الباء فيما بعدها كقولك: حسبك بزيد، ولا يجوز: بحسبك زيد، لأن زيدا الممدوح، فليس بتأويل جزاء. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون الجزاء مرفوعا بإضمار بمعنى: فلهم جزاء سيئة بمثلها؛ لأن الله قال في الآية التي قبلها: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] فوصف ما أعد لأوليائه، ثم عقب ذلك بالخبر عما أعد الله لأعدائه، فأشبه بالكلام أن يقال: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة. وإذا وجه ذلك إلى هذا المعنى كانت الباء للجزاء 12P168
[يونس: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [يونس: 27] يقول تعالى ذكره: كأنما ألبست وجوه هؤلاء الذين كسبوا السيئات قطعا من الليل، وهي جمع قطعة. وكان قتادة يقول في تأويل ذلك ما حدثنا به، محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما} [يونس: 27] قال: ظلمة من الليل " واختلفت القراء في قراءة قوله تعالى: {قطعا} [يونس: 27] فقرأته عامة قراء الأمصار: {قطعا} [يونس: 27] بفتح الطاء على معنى جمع قطعة، وعلى معنى أن تأويل ذلك: كأنما أغشيت وجه كل إنسان منهم قطعة من سواد الليل، ثم جمع ذلك فقيل: كأنما أغشيت وجوههم قطعا من سواد، إذ جمع «الوجه» . 12P169 وقرأه بعض متأخري القراء: «قطعا» بسكون الطاء، بمعنى: كأنما أغشيت وجوههم سوادا من الليل، وبقية من الليل، ساعة منه، كما قال: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود: 81] أي ببقية قد بقيت منه، ويعتل لتصحيح قراءته ذلك كذلك أنه في مصحف أبي : «ويغشى وجوههم قطع من الليل مظلم» . والقراءة التي لا يجوز خلافها عندي قراءة ذلك بفتح الطاء، لإجماع الحجة من قراء الأمصار على تصويبها، وشذوذ ما عداها. وحسب الأخرى دلالة على فسادها، خروج قارئها عما عليه قراء أهل الأمصار والإسلام. فإن قال لنا قائل: فإن كان الصواب في قراءة ذلك ما قلت، فما وجه تذكير المظلم وتوحيده، وهو من نعت القطع، والقطع جمع لمؤنث؟ قيل في تذكيره ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون قطعا من الليل، وأن يكون من نعت الليل، فلما كان نكرة، والليل معرفة نصب على القطع. فيكون معنى الكلام حينئذ: كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل المظلم، ثم حذفت الألف واللام من «المظلم» ، فلما صار نكرة، وهو من نعت الليل نصب على القطع؛ وتسمي أهل البصرة ما كان كذلك حالا، والكوفيون قطعا. والوجه الآخر على نحو قول الشاعر: [+البحر البسيط] 12P170 لو أن مدحة حي منشر أحدا والوجه الأول أحسن وجهيه وقوله: {أولئك أصحاب النار} [البقرة: 39] يقول: هؤلاء الذين وصفت لك صفتهم أهل النار الذين هم أهلها، {هم فيها خالدون} [يونس: 27] يقول: هم فيها ماكثون 12P168 [يونس: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} [يونس: 28] يقول تعالى ذكره: ويوم نجمع الخلق لموقف الحساب جميعا، ثم نقول حينئذ للذين أشركوا بالله الآلهة والأنداد: مكانكم؛ أي امكثوا مكانكم، وقفوا في موضعكم أنتم أيها المشركون، وشركاؤكم الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الآلهة والأوثان {فزيلنا بينهم} [يونس: 28] يقول: ففرقنا بين المشركين بالله، وما أشركوه به، وبين غيره وأبنته منه. وقال: «فزيلنا» إرادة تكثير الفعل وتكريره. ولم يقل: «فزلنا بينهم» . وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرؤه: «فزايلنا بينهم» ، كما قيل: {ولا تصعر خدك} [لقمان: 18] ولا تصاعر خدك "، والعرب تفعل ذلك كثيرا في فعلت، يلحقون فيها أحيانا ألفا مكان التشديد، فيقولون: فاعلت إذا كان الفعل لواحد. وأما إذا كان لاثنين فلا تكاد تقول إلا فاعلت. {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} [يونس: 28] وذلك حين {تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] لما قيل للمشركين اتبعوا ما كنتم تعبدون من دون الله، ونصبت لهم آلهتهم، قالوا: كنا نعبد هؤلاء، فقالت الآلهة لهم: ما كنتم إيانا تعبدون. كما حدثت عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " يكون يوم القيامة ساعة فيها شدة تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدون، فيقال: هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله، فتقول الآلهة: والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا فيقولون: والله لإياكم كنا نعبد فتقول لهم الآلهة: {فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين} [يونس: 29] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم} [يونس: 28] قال: فرقنا بينهم. {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} [يونس: 28] قالوا: بلى قد كنا نعبدكم، فقالوا {كفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين} ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نتكلم. فقال الله: {هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت} [يونس: 30] . . الآية " 12P172 وروي عن مجاهد، أنه كان يتأول الحشر في هذا الموضع: الموت حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: سمعتهم يذكرون، عن مجاهد، في قوله: " {ويوم نحشرهم جميعا} [الأنعام: 22] قال: الحشر: الموت " والذي قلنا في ذلك أولى بتأويله؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر أنه يقول يومئذ للذين أشركوا ما ذكر أنه يقول لهم، ومعلوم أن ذلك غير كائن في القبر، وأنه إنما هو خبر عما يقال لهم ويقولون في الموقف بعد البعث 12P172