Taberî — Câmiü'l-Beyân
[مريم: 5_6] القول في تأويل قوله تعالى: {وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا} [مريم: 5_6] يقول: وإني خفت بني عمي وعصبتي من ورائي. يقول: من بعدي أن يرثوني، وقيل: عنى بقوله {من ورائي} [مريم: 5] من قدامي ومن بين يدي، وقد بينت جواز ذلك فيما مضى قبل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن 15P456 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وإني خفت الموالي من ورائي} [مريم: 5] يعني بالموالي: الكلالة الأولياء أن يرثوه، فوهب الله له يحيى حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله: {وإني خفت الموالي من ورائي} [مريم: 5] قال: العصبة حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله {وإني خفت الموالي من ورائي} [مريم: 5] قال: خاف موالي الكلالة حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح بنحوه حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح {وإني خفت الموالي من ورائي} [مريم: 5] قال: يعني الكلالة حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {خفت الموالي من ورائي} [مريم: 5] قال: العصبة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله 15P457 : {وإني خفت الموالي من ورائي} [مريم: 5] قال: العصبة حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وإني خفت الموالي من ورائي} [مريم: 5] والموالي: هن العصبة والموالي: جمع مولى، والمولى والولي في كلام العرب واحد. وقرأت قراء الأمصار: {وإني خفت الموالي} [مريم: 5] بمعنى: الخوف الذي هو خوف الأمن. وروي عن عثمان بن عفان أنه قرأه: «وإني خفت الموالي» بتشديد الفاء وفتح الخاء من الخفة، كأنه وجه تأويل الكلام: وإني ذهبت عصبتي ومن يرثني من بني أعمامي. وإذا قرئ ذلك كذلك كانت الياء من الموالي مسكنة غير متحركة، لأنها تكون في موضع رفع بخفت وقوله: {وكانت امرأتي عاقرا} [مريم: 5] يقول: وكانت زوجتي لا تلد، يقال منه: رجل عاقر، وامرأة عاقر بلفظ واحد، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] لبئس الفتى أن كنت أعور عاقرا جبانا فما عذري لدى كل محضر وقوله: {فهب لي من لدنك وليا} [مريم: 5] يقول: فارزقني من عندك ولدا وارثا ومعينا وقوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] يقول: يرثني من بعد وفاتي مالي، 15P458 ويرث من آل يعقوب النبوة، وذلك أن زكريا كان من ولد يعقوب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قوله {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] يقول: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة حدثنا مجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل، عن أبي صالح في قوله {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] قال: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] قال: يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، { 15P459 يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] قال: وكان وراثته علما، وكان زكريا من ذرية يعقوب حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: كان وراثته علما، وكان زكريا من ذرية يعقوب حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] قال: نبوته وعلمه حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن مبارك، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول {فهب لي من لدنك وليا، يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] قال: كان الحسن يقول: يرث نبوته وعلمه قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية، وأتى على {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] 15P460 قال: «رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته» حدثنا الحسن، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ويرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثته، ويرحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد» حدثني موسى، قال : ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] قال: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب واختلفت القراء في قراءة قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] فقرأت ذلك عامة قراء المدينة ومكة وجماعة من أهل الكوفة: {يرثني ويرث} [مريم: 6] برفع الحرفين كليهما، بمعنى فهب الذي يرثني ويرث من آل يعقوب، على أن يرثني ويرث من آل يعقوب، من صلة الولي. وقرأ ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة والبصرة: (يرثني ويرث) بجزم الحرفين على الجزاء والشرط، بمعنى: فهب لي من لدنك وليا فإنه يرثني إذا وهبته لي. وقال الذين قرءوا ذلك كذلك: إنما حسن ذلك في هذا الموضع، لأن يرثني من آية غير التي قبلها. قالوا وإنما يحسن أن يكون مثل هذا صلة، إذا كان غير منقطع عما هو له صلة، كقوله: {ردءا يصدقني} [القصص: 34] .
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأه برفع الحرفين على الصلة للولي، لأن الولي نكرة، وأن زكريا إنما سأل ربه أن يهب له وليا يكون بهذه الصفة، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أنه سأله وليا، ثم أخبر أنه إذا وهب له ذلك كانت هذه صفته، لأن ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريا دخولا في علم الغيب الذي قد حجبه الله عن خلقه وقوله: {واجعله رب رضيا} [مريم: 6] يقول: واجعل يا رب الولي الذي تهبه لي مرضيا ترضاه أنت ويرضاه عبادك دينا وخلقا وخلقا. والرضي: فعيل صرف من مفعول إليه 15P461
[مريم: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا} [مريم: 7] يقول تعالى ذكره: فاستجاب له ربه، فقال له: يا زكريا إنا نبشرك بهبتنا لك غلاما اسمه يحيى. كان قتادة يقول: إنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} [مريم: 7] عبد أحياه الله للإيمان وقوله: {لم نجعل له من قبل سميا} [مريم: 7] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم معناه لم تلد مثله عاقر قط ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 15P462 قوله ليحيى: {لم نجعل له من قبل سميا} [مريم: 7] يقول: لم تلد العواقر مثله ولدا قط وقال آخرون: بل معناه: لم نجعل له من قبله مثلا ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو الربيع، قالا: ثنا سالم بن قتيبة، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في قوله {لم نجعل له من قبل سميا} [مريم: 7] قال: شبيها حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله {لم نجعل له من قبل سميا} [مريم: 7] قال: مثلا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقال آخرون: معنى ذلك، أنه لم يسم باسمه أحد قبله ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لم نجعل له 15P463 من قبل سميا} [مريم: 7] لم يسم به أحد قبله حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله {لم نجعل له من قبل سميا} [مريم: 7] قال: لم يسم يحيى أحد قبله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قول الله: {لم نجعل له من قبل سميا} [مريم: 7] قال: لم يسم أحد قبله بهذا الاسم حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا} [مريم: 7] لم يسم أحد قبله يحيى قال أبو جعفر: وهذا القول أعني قول من قال: لم يكن ليحيى قبل يحيى أحد سمي باسمه أشبه بتأويل ذلك، وإنما معنى الكلام: لم نجعل للغلام الذي نهب لك الذي اسمه يحيى من قبله أحدا مسمى باسمه، والسمي: فعيل صرف من مفعول إليه 15P463
[مريم: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا} [مريم: 8] يقول تعالى ذكره: قال زكريا لما بشره الله بيحيى: {رب أنى يكون لي غلام} [آل عمران: 40] ومن أي وجه يكون لي ذلك، وامرأتي عاقر لا تحبل، وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء أبأن تقويني على ما ضعفت عنه من ذلك، وتجعل زوجتي ولودا فإنك القادر على ذلك وعلى ما تشاء؟ أم بأن أنكح زوجة غير زوجتي العاقر؟ يستثبت ربه الخبر، عن الوجه الذي يكون من قبله له الولد، الذي بشره الله به، لا إنكارا منه صلى الله عليه وسلم حقيقة كون ما وعده الله من الولد، وكيف يكون ذلك منه إنكارا لأن يرزقه الولد الذي بشره به، وهو المبتدئ مسألة ربه ذلك بقوله: {فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] بعد قوله {إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4] وقال السدي في ذلك ما: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: نادى جبرائيل زكريا: إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا، فلما سمع النداء، جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك كما يوحي إليك غيره من الأمر، فشك وقال: {أنى يكون لي غلام} [مريم: 8] يقول: من أين يكون {وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر} [آل عمران: 40] وقوله: {وقد بلغت من الكبر عتيا} [مريم: 8] يقول: وقد عتوت من الكبر فصرت نحل العظام يابسها، يقال منه للعود اليابس: عود عات وعاس، وقد عتا يعتو عتيا وعتوا، وعسى 15P465 يعسو عسيا وعسوا، وكل متناه إلى غايته في كبر أو فساد، أو كفر، فهو عات وعاس. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: {وقد بلغت من الكبر عتيا} [مريم: 8] أو «عسيا» حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {وقد بلغت من الكبر عتيا} [مريم: 8] قال: يعني بالعتي: الكبر حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله {عتيا} [مريم: 8] قال: نحول العظم 15P466 حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله {من الكبر عتيا} [مريم: 8] قال: سنا، وكان ابن بضع وسبعين سنة حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وقد بلغت من الكبر عتيا} [مريم: 8] قال: العتي: الذي قد عتا عن الولد فيما يرى نفسه لا يولد له حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وقد بلغت من الكبر عتيا} [مريم: 8] قال: هو الكبر 15P466
[مريم: 9_10] القول في تأويل قوله تعالى: {قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} [مريم: 9_10] يقول تعالى ذكره: قال الله لزكريا مجيبا له {قال كذلك} [آل عمران: 40] يقول: هكذا الأمر كما تقول من أن امرأتك عاقر، وإنك قد بلغت من الكبر العتي، ولكن ربك يقول: خلق ما بشرتك به من الغلام الذي ذكرت لك أن اسمه يحيى علي 15P467 هين، فهو إذن من قوله: {قال ربك هو علي هين} [مريم: 9] كناية عن الخلق وقوله: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} [مريم: 9] يقول تعالى ذكره: وليس خلق ما وعدتك أن أهبه لك من الغلام الذي ذكرت لك أمره منك مع كبر سنك، وعقم زوجتك بأعجب من خلقك، فإني قد خلقتك، فأنشأتك بشرا سويا من قبل خلقي ما بشرتك بأني واهبه لك من الولد، ولم تك شيئا، فكذلك أخلق لك الولد الذي بشرتك به من زوجتك العاقر، مع عتيك ووهن عظامك، واشتعال شيب رأسك وقوله: {قال رب اجعل لي آية} [آل عمران: 41] يقول تعالى ذكره: قال زكريا: يا رب اجعل لي علما ودليلا على ما بشرتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ليطمئن إلى ذلك قلبي. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {قال رب اجعل لي آية} [آل عمران: 41] قال: قال رب اجعل لي آية أن هذا منك حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: قال رب، فإن كان هذا الصوت منك فاجعل لي آية {قال} [مريم: 10] الله {آيتك} [مريم: 10] لذلك {ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] يقول جل ثناؤه: علامتك لذلك، ودليلك عليه أن لا تكلم الناس ثلاث ليال 15P468 وأنت سوي صحيح، لا علة بك من خرس ولا مرض يمنعك من الكلام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس، {ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] قال: اعتقل لسانه من غير مرض حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] يقول: من غير خرس حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قوله {ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] قال: لا يمنعك من الكلام مرض حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد {ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] قال: صحيحا لا يمنعك من الكلام مرض حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] من غير بأس ولا خرس، وإنما عوقب بذلك لأنه 15P469 سأل آية بعد ما شافهته الملائكة مشافهة، أخذ بلسانه حتى ما كان يفيض الكلام إلا أومأ إيماء حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، في قوله {ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] قال: سويا من غير خرس حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] وأنت صحيح، قال: فحبس لسانه، فكان لا يستطيع أن يكلم أحدا، وهو في ذلك يسبح، ويقرأ التوراة ويقرأ الإنجيل، فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: أخذ الله بلسانه من غير سوء، فجعل لا يطيق الكلام، وإنما كلامه لقومه بالإشارة، حتى مضت الثلاثة الأيام التي جعلها الله آية لمصداق ما وعده من هبته له حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] يقول: من غير خرس إلا 15P470 رمزا، فاعتقل لسانه ثلاثة أيام وثلاث ليال وقال آخرون: السوي من صفة الأيام، قالوا: ومعنى الكلام: قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال متتابعات ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] قال: ثلاث ليال متتابعات 15P470
[مريم: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} [مريم: 11] يقول تعالى ذكره: فخرج زكريا على قومه من مصلاه حين حبس لسانه عن كلام الناس آية من الله له على حقيقة وعده إياه ما وعد. فكان ابن جريج يقول في معنى خروجه من محرابه، ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {فخرج على قومه من المحراب} [مريم: 11] قال: أشرف على قومه من المحراب قال أبو جعفر: وقد بينا معنى المحراب فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فخرج 15P471 على قومه من المحراب} [مريم: 11] قال: المحراب: مصلاه، وقرأ: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} [آل عمران: 39] وقوله: {فأوحى إليهم} [إبراهيم: 13] يقول: أشار إليهم، وقد تكون تلك الإشارة باليد وبالكتاب وبغير ذلك، مما يفهم به عنه ما يريد. وللعرب في ذلك لغتان: وحى، وأوحى فمن قال: وحى، قال في يفعل: يحي، ومن قال: أوحى، قال: يوحي، وكذلك أومى وومى، فمن قال: ومى، قال في يفعل: يمي، ومن قال: أومى، قال: يومي. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي به أوحى إلى قومه، فقال بعضهم: أوحى إليهم إشارة باليد ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {فأوحى} [مريم: 11] فأشار زكريا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب 15P472 بن منبه، {فأوحى إليهم} [مريم: 11] قال: الوحي: الإشارة حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، {فأوحى إليهم} [مريم: 11] قال: أومى إليهم وقال آخرون: معنى أوحى: كتب ذكر من قال ذلك: حدثنا محمود بن خداش، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} [مريم: 11] قال: كتب لهم في الأرض حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، {فأوحى إليهم} [مريم: 11] قال: كتب لهم حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {فخرج على قومه من المحراب} [مريم: 11] فكتب لهم في كتاب {أن سبحوا بكرة وعشيا} [مريم: 11] وذلك قوله: {فأوحى إليهم} [مريم: 11] وقال آخرون: معنى ذلك: أمرهم ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فأوحى 15P473 إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} [مريم: 11] قال: ما أدري كتابا كتبه لهم، أو إشارة أشارها، والله أعلم، قال: أمرهم أن سبحوا بكرة وعشيا، وهو لا يكلمهم وقوله: {أن سبحوا بكرة وعشيا} [مريم: 11] قد بينت فيما مضى الوجوه التي ينصرف فيها التسبيح، وقد يجوز في هذا الموضع أن يكون عنى به التسبيح الذي هو ذكر الله، فيكون أمرهم بالفراغ لذكر الله في طرفي النهار بالتسبيح، ويجوز أن يكون عنى به الصلاة، فيكون أمرهم بالصلاة في هذين الوقتين. وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} [مريم: 11] قال: أومى إليهم أن صلوا بكرة وعشيا 15P473
[مريم: 12_13] القول في تأويل قوله تعالى: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا} [مريم: 12_13] يقول تعالى ذكره: فولد لزكريا يحيى، فلما ولد، قال الله له: يا يحيى، خذ هذا الكتاب بقوة، يعني كتاب الله الذي أنزله على موسى وهو التوراة بقوة، يقول: بجد. كما: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {خذ الكتاب بقوة} [مريم: 12] قال: بجد حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 15P474 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {خذ الكتاب بقوة} [مريم: 12] قال : بجد حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقال ابن زيد في ذلك ما: حدثني به، يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} [مريم: 12] قال: القوة: أن يعمل ما أمره الله به، ويجانب فيه ما نهاه الله قال أبو جعفر: وقد بينت معنى ذلك بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا، في سورة آل عمران، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع وقوله: {وآتيناه الحكم صبيا} [مريم: 12] يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه أسنان الرجال. وقد: حدثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرني معمر، ولم يذكره عن أحد، في هذه الآية {وآتيناه الحكم صبيا} [مريم: 12] قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقت، فأنزل الله: {وآتيناه الحكم صبيا} [مريم: 12] وقوله: {وحنانا من لدنا} [مريم: 13] يقول تعالى ذكره: ورحمة منا ومحبة له آتيناه الحكم صبيا. وقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنان، فقال بعضهم: معناه: الرحمة، ووجهوا الكلام إلى نحو المعنى الذي وجهناه إليه ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وحنانا من لدنا} [مريم: 13] يقول: ورحمة من عندنا حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، في هذه الآية {وحنانا من لدنا} [مريم: 13] قال: رحمة حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وحنانا من لدنا} [مريم: 13] قال: رحمة من عندنا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قوله: {وحنانا من لدنا} [مريم: 13] قال: رحمة من عندنا لا يملك عطاءها أحد غيرنا حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن 15P476 سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله {وحنانا من لدنا} [مريم: 13] يقول : رحمة من عندنا، لا يقدر على أن يعطيها أحد غيرنا وقال آخرون: بل معنى ذلك: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم صبيا، وفعلنا به الذي فعلنا ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وحنانا من لدنا} [مريم: 13] يقول: رحمة من عندنا وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطفا من عندنا عليه، فعلنا ذلك ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وحنانا من لدنا} [مريم: 13] قال: تعطفا من ربه عليه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله وقال آخرون: بل معنى الحنان: المحبة.
ووجهوا معنى الكلام إلى: ومحبة من عندنا فعلنا ذلك ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة، {وحنانا من لدنا} [مريم: 13] قال: محبة عليه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وحنانا} [مريم: 13] قال: أما الحنان فالمحبة وقال آخرون معناه تعظيما منا له ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، {وحنانا من لدنا} [مريم: 13] قال: تعظيما من لدنا. وقد ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا أدري ما الحنان حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة، عن ابن عباس، قال: والله ما أدري ما حنانا وللعرب في حنانك لغتان: حنانك يا ربنا، وحنانيك، كما قال طرفة بن العبد في حنانيك: [+البحر الطويل] أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض وقال امرؤ القيس في اللغة الأخرى: [+البحر الوافر] ويمنحها بنو شمجى بن جرم معيزهم حنانك ذا الحنان وقد اختلف أهل العربية في «حنانيك» فقال بعضهم: هو تثنية «حنان» ، وقال آخرون: بل هي لغة ليست بتثنية، قالوا: وذلك كقولهم: حواليك، وكما قال الشاعر: [+البحر الرجز] ضربا هذاذيك وطعنا وخضا وقد سوى بين جميع ذلك الذين قالوا حنانيك تثنية، في أن كل ذلك تثنية، وأصل ذلك أعني الحنان، من قول القائل: حن فلان إلى كذا وذلك إذا ارتاح إليه واشتاق، ثم يقال: تحنن فلان على فلان، إذا وصف بالتعطف عليه والرقة به، والرحمة له، كما قال الشاعر: [+البحر المتقارب] تحنن علي هداك المليك فإن لكل مقام مقالا بمعنى: تعطف علي. فالحنان: مصدر من قول القائل: حن فلان على فلان، يقال منه: حننت عليه، فأنا أحن عليه حنينا وحنانا، ومن ذلك قيل لزوجة الرجل: حنته، لتحننه عليها وتعطفه، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] وليلة ذات دجى سريت ولم تضرني حنة وبيت وقوله: {وزكاة} [مريم: 13] يقول تعالى ذكره: وآتينا يحيى الحكم صبيا، وزكاة: وهو الطهارة من الذنوب، واستعمال بدنه في طاعة ربه، فالزكاة عطف على الحكم من قوله: {وآتيناه الحكم} [مريم: 12] . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وزكاة} [مريم: 13] قال: الزكاة: العمل الصالح حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وزكاة} [مريم: 13] قال: العمل الصالح الزكي حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول: في قوله {وزكاة} [مريم: 13] يعني العمل الصالح الزاكي وقوله: {وكان تقيا} [مريم: 13] يقول تعالى ذكره: وكان لله خائفا مؤديا فرائضه، مجتنبا محارمه مسارعا في طاعته. كما: حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {وزكاة وكان تقيا} [مريم: 13] قال: طهر فلم يعمل بذنب حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وزكاة وكان تقيا} [مريم: 13] قال: أما الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناس 15P480
[مريم: 14_15] القول في تأويل قوله تعالى: {وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} [مريم: 14_15] يقول تعالى ذكره: وكان برا بوالديه، مسارعا في طاعتهما ومحبتهما، غير عاق بهما {ولم يكن جبارا عصيا} [مريم: 14] يقول جل ثناؤه: ولم يكن مستكبرا عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعا متذللا، يأتمر لما أمر 15P481 به، وينتهي عما نهي عنه، لا يعصي ربه، ولا والديه وقوله: {عصيا} [مريم: 14] فعيل بمعنى أنه ذو عصيان، من قول القائل: عصى فلان ربه، فهو يعصيه عصيا وقوله: {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} [مريم: 15] يقول: وأمان من الله يوم ولد من أن يناله الشيطان من السوء، بما ينال به بني آدم، وذلك أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا» حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: ثني ابن العاص، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {جبارا عصيا} [مريم: 14] قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا» قال: وقال قتادة: ما أذنب، ولا هم بامرأة وقوله: {ويوم يموت} [مريم: 15] يقول: وأمان من الله تعالى ذكره له من فتاني القبر، ومن هول المطلع {ويوم يبعث حيا} [مريم: 15] يقول: وأمان له من عذاب الله يوم القيامة، يوم الفزع الأكبر، من أن يروعه شيء، أو أن يفزعه ما يفزع الخلق. 15P482 وقد ذكر ابن عيينة في ذلك ما: حدثني أحمد بن منصور الفيروزي، قال: أخبرني صدقة بن الفضل قال: سمعت ابن عطية يقول: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} [مريم: 15] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن الحسن، قال: إن عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلمت على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف والله فضلها 15P482
[مريم: 16_17] القول في تأويل قوله تعالى: {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا} [مريم: 16_17] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنزله عليك بالحق مريم ابنة عمران، حين اعتزلت من أهلها، وانفردت عنهم، وهو افتعل 15P483 من النبذ، والنبذ: الطرح، وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت} [مريم: 16] أي انفردت من أهلها حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، {إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} [مريم: 16] قال: خرجت مكانا شرقيا حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، وهو قوله: فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا: في شرقي المحراب وقوله: {مكانا شرقيا} [مريم: 16] يقول: فتنحت واعتزلت من أهلها في موضع قبل مشرق الشمس دون مغربها، 15P484 كما: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مكانا شرقيا} [مريم: 16] قال: من قبل المشرق حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس، قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؟ لقول الله: فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن عباس، مثله حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحج لله، وما صرفهم عنهما إلا تأويل ربك {إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} [مريم: 16] فصلوا قبل مطلع الشمس حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} [مريم: 16] قال: شاسعا متنحيا وقيل: إنها إنما صارت بمكان يلي مشرق الشمس، لأن ما يلي المشرق عندهم 15P485 كان خيرا مما يلي المغرب، وكذلك ذلك فيما ذكر عند العرب وقوله: {فاتخذت من دونهم حجابا} [مريم: 17] يقول: فاتخذت من دون أهلها سترا يسترها عنهم وعن الناس. وذكر عن ابن عباس، أنها صارت بمكان يلي المشرق، لأن الله أظلها بالشمس، وجعل لها منها حجابا حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} [مريم: 16] قال: مكانا أظلتها الشمس أن يراها أحد منهم وقال غيره في ذلك ما حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {فاتخذت من دونهم حجابا} [مريم: 17] من الجدران وقوله: {فأرسلنا إليها روحنا} [مريم: 17] يقول تعالى ذكره: فأرسلنا إليها حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، واتخذت من دونهم حجابا: جبريل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأرسلنا إليها روحنا} [مريم: 17] قال: أرسل إليها فيما ذكر لنا جبريل حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: وجدت عندها جبريل قد مثله الله بشرا سويا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {فأرسلنا إليها روحنا} [مريم: 17] قال: جبريل حدثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل ابن أخي وهب، قال: سمعت وهب بن منبه، قال: أرسل الله جبريل إلى مريم، فمثل لها بشرا سويا حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: فلما طهرت، يعني مريم من حيضها، إذا هي برجل معها، وهو قوله: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا} [مريم: 17] يقول تعالى ذكره: فتشبه لها في صورة آدمي سوي الخلق منهم، يعني في صورة رجل من بني آدم معتدل الخلق 15P486
[مريم: 18_19] القول في تأويل قوله تعالى: {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} [مريم: 18_19] يقول تعالى ذكره: فخافت مريم رسولنا، إذ تمثل لها بشرا سويا، وظنته رجلا يريدها على نفسها حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله 15P487 {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} [مريم: 18] قال: خشيت أن يكون إنما يريدها على نفسها حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {فتمثل لها بشرا سويا} [مريم: 17] فلما رأته فزعت منه وقالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} [مريم: 18] فقالت: إني أعوذ أيها الرجل بالرحمن منك، تقول: أستجير بالرحمن منك أن تنال مني ما حرمه عليك إن كنت ذا تقوى له تتقي محارمه، وتجتنب معاصيه، لأن من كان لله تقيا، فإنه يجتنب ذلك، ولو وجه ذلك إلى أنها عنت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تتقي الله في استجارتي واستعاذتي به منك كان وجها. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} [مريم: 18] ولا ترى إلا أنه رجل من بني آدم حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، قال: قال ابن زيد: وذكر قصص مريم فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك} [مريم: 19] يقول تعالى ذكره: فقال لها روحنا: إنما أنا رسول ربك يا مريم أرسلني إليك {لأهب لك غلاما زكيا} [مريم: 19] واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق غير أبي عمرو: {لأهب لك} [مريم: 19] بمعنى: إنما أنا رسول ربك: يقول: أرسلني إليك لأهب لك {غلاما زكيا} [مريم: 19] على الحكاية. وقرأ ذلك أبو عمرو بن العلاء: (ليهب لك غلاما زكيا) بمعنى: إنما أنا رسول ربك أرسلني إليك ليهب الله لك غلاما زكيا. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، ما عليه قراء الأمصار، وهو {لأهب لك} [مريم: 19] بالألف دون الياء، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين، وعليه قراءة قديمهم وحديثهم، غير أبي عمرو، وغير جائز خلافهم فيما أجمعوا عليه، ولا سائغ لأحد خلاف مصاحفهم، والغلام الزكي: هو الطاهر من الذنوب وكذلك تقول العرب: غلام زاك وزكي، وعال وعلي 15P488
[مريم: 20_21] القول في تأويل قوله تعالى: {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا} [مريم: 20_21] يقول تعالى ذكره: قالت مريم لجبريل: {أنى يكون لي غلام} [آل عمران: 40] من أي وجه 15P489 يكون لي غلام؟ أمن قبل زوج أتزوج، فأرزقه منه، أم يبتدئ الله في خلقه ابتداء {ولم يمسسني بشر} [آل عمران: 47] من ولد آدم بنكاح حلال {ولم أك} [مريم: 20] إذ لم يمسسني منهم أحد على وجه الحلال {بغيا} [البقرة: 90] بغيت ففعلت ذلك من الوجه الحرام، فحملته من زنا، كما: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ولم أك بغيا} [مريم: 20] يقول: زانية {قال كذلك قال ربك هو علي هين} [مريم: 9] يقول تعالى ذكره: قال لها جبريل: هكذا الأمر كما تصفين، من أنك لم يمسسك بشر ولم تكوني بغيا، ولكن ربك قال: هو علي هين : أي خلق الغلام الذي قلت أن أهبه لك علي هين لا يتعذر علي خلقه وهبته لك من غير فحل يفتحلك {ولنجعله آية للناس} [مريم: 21] يقول: وكي نجعل الغلام الذي نهبه لك علامة وحجة على خلقي أهبه لك {ورحمة منا} [مريم: 21] يقول: ورحمة منا لك، ولمن آمن به وصدقه أخلقه منك {وكان أمرا مقضيا} [مريم: 21] يقول: وكان خلقه منك أمرا قد قضاه الله، ومضى في حكمه وسابق علمه أنه كائن منك. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني من لا أتهم، عن وهب بن منبه، {وكان أمرا مقضيا} [مريم: 21] أي أن الله قد عزم على ذلك، فليس منه بد 15P489
[مريم: 22_23] القول في تأويل قوله تعالى: {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} [مريم: 22_23] وفي هذا الكلام متروك ترك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه {فنفخنا فيه من روحنا} [التحريم: 12] بغلام {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا} [مريم: 22] وبذلك جاء تأويل أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل بن أخي وهب بن منبه، قال: سمعت وهبا، قال: لما أرسل الله جبريل إلى مريم تمثل لها بشرا سويا فقالت له: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} [مريم: 18] ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: لما قال ذلك، يعني لما قال جبريل {قال كذلك قال ربك هو علي هين} [مريم: 9] . . الآية استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: طرحت عليها جلبابها لما قال جبريل ذلك لها، فأخذ جبريل 15P491 بكميها، فنفخ في جيب درعها، وكان مشقوقا من قدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم أشعرت أني حبلى، قالت مريم: أشعرت أيضا أني حبلى، قالت امرأة زكريا: إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: يقولون: إنه إنما نفخ في جيب درعها وكمها وقوله: {فانتبذت به مكانا قصيا} [مريم: 22] يقول: فاعتزلت بالذي حملته، وهو عيسى، وتنحت به عن الناس {مكانا قصيا} [مريم: 22] يقول: مكانا نائيا قاصيا عن الناس، يقال: هو بمكان قاص، وقصي بمعنى واحد، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] لتقعدن مقعد القصي مني ذي القاذورة المقلي يقال منه: قصا المكان يقصو قصوا: إذا تباعد، وأقصيت الشيء: إذا أبعدته وأخرته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فانتبذت به مكانا قصيا} [مريم: 22] قال: مكانا نائيا حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {مكانا قصيا} [مريم: 22] قال: قاصيا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما بلغ أن تضع، مريم، خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه وقوله: {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة} [مريم: 23] يقول تعالى ذكره: فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة، ثم قيل: لما أسقطت الباء منه أجاءها، كما يقال: أتيتك بزيد، فإذا حذفت الباء قيل آتيتك زيدا، كما قال جل ثناؤه: {آتوني زبر الحديد} [الكهف: 96] والمعنى: ائتوني بزبر الحديد، ولكن الألف مدت لما حذفت الباء، وكما قالوا: خرجت به وأخرجته، وذهبت به وأذهبته، وإنما هو أفعل من المجيء، كما يقال: جاء هو، وأجأته أنا: أي جئت به، ومثل من أمثال العرب: شر ما أجاءني إلى مخة عرقوب " وأشاء ويقال: شر ما يجيئك ويشيئك إلى ذلك، ومنه قول زهير: [+البحر الوافر] وجار سار معتمدا إليكم أجاءته المخافة والرجاء يعني: جاء به، وأجاءه إلينا وأشاءك: من لغة تميم، وأجاءك من لغة أهل العالية، وإنما تأول من تأول ذلك بمعنى: ألجأها، لأن المخاض لما جاءها إلى جذع النخلة، كان قد ألجأها إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فأجاءها المخاض} [مريم: 23] قال: المخاض ألجأها حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ألجأها المخاض قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة} [مريم: 23] يقول: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة} [مريم: 23] قال: اضطرها إلى جذع النخلة واختلفوا في أي المكان الذي انتبذت مريم بعيسى لوضعه، وأجاءها إليه المخاض، فقال بعضهم: كان ذلك في أدنى أرض مصر، وآخر: أرض الشام، وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو مصر هاربة منهم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه، يقول: لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها قرابة لها، يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، فكانت مريم 15P495 ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك، فكانا يليان معالجته بأنفسهما، تحبيره وكناسته وطهوره، وكل عمل يعمل فيه، وكان لا يعمل من أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا وعبادة منهما، فكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف، فلما رأى الذي بها استفظعه، وعظم عليه، وفظع به، فلم يدر على ماذا يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط، وإذا أراد أن يبرئها، رأى الذي ظهر عليها، فلما اشتد عليه ذلك كلمها، فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر قد خشيته، وقد حرصت على أن أميته وأكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت الكلام فيه أشفى لصدري، قالت: فقل قولا جميلا، قال: ما كنت لأقول لك إلا ذلك، فحدثيني، هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله تبارك وتعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر، أولم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كل واحد منهما وحده، أم تقول: لن يقدر الله على أن ينبت 15P496 الشجر حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله تبارك وتعالى بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون، قالت مريم: أولم تعلم أن الله تبارك وتعالى خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر؟
قال: بلى، فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله تبارك وتعالى، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك ثم تولى يوسف خدمة المسجد، وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه، وذلك لما رأى من رقة جسمها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتو بطنها، وضعف قوتها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك، فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيروك، وقتلوا ولدك، فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقيا وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجدا معترفا لعيسى، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت وبين الأكاف شيء، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لأرض مصر في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، ألجأها إلى آري حمار، يعني مذود الحمار، وأصل نخلة، وذلك في زمان أحسبه بردا أو حرا «الشك من أبي جعفر» فاشتد على مريم المخاض، فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة 15P497 فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة، قاموا صفوفا محدقين بها وقد روي عن وهب بن منبه قول آخر غير هذا، وذلك ما: حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: لما حضر ولادها، يعني مريم، ووجدت ما تجد المرأة من الطلق، خرجت من المدينة مغربة من إيلياء، حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم، فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود بقرة تحتها ربيع من الماء، فوضعته عندها وقال آخرون: بل خرجت لما حضر وضعها ما في بطنها إلى جانب المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه فألجأها المخاض إلى جذع النخلة، وذلك قول السدي، وقد ذكرت الرواية به قبل حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت ابن عباس، يقول: ما هي إلا أن حملت فوضعت حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: وأخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يقول: ليس إلا أن حملت فولدت وقوله: {يا ليتني مت قبل هذا} [مريم: 23] ذكر أنها قالت ذلك في حال الطلق استحياء من الناس، كما: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} [مريم: 23] تقول: يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بعل، وكنت نسيا منسيا: شيئا نسي فترك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك ولم يطلب فهو نسي. ونسي بفتح النون وكسرها لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنى واحد، مثل الوتر والوتر، والجسر والجسر، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا، وبالكسر قرأت عامة قراء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة، وبالفتح قرأه أهل الكوفة، ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] كأن لها في الأرض نسيا تقصه إذا ما غدت وإن تحدثك تبلت ويعني بقوله: تقصه: تطلبه؛ لأنها كانت نسيته حتى ضاع، ثم ذكرته فطلبته، ويعني بقوله: تبلت: تحسن وتصدق، ولو وجه النسي إلى المصدر من النسيان كان صوابا، وذلك أن العرب فيما ذكر عنها تقول: نسيته نسيانا ونسيا، كما قال بعضهم من طاعة الرب وعصي الشيطان، يعني وعصيان، وكما تقول أتيته إتيانا وأتيا، كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] أتي الفواحش فيهم معروفة ويرون فعل المكرمات حراما وقوله {منسيا} [مريم: 23] مفعول من نسيت الشيء كأنها قالت: ليتني كنت الشيء الذي ألقي، فترك ونسي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} [مريم: 23] لم أخلق ولم أك شيئا حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وكنت نسيا منسيا} [مريم: 23] يقول: نسيا: نسي ذكري، ومنسيا: تقول: نسي أثري، فلا يرى لي أثر ولا عين حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وكنت 15P500 نسيا منسيا} [مريم: 23] أي شيئا لا يعرف ولا يذكر حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله {وكنت نسيا منسيا} [مريم: 23] قال: لا أعرف ولا يدرى من أنا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، {نسيا منسيا} [مريم: 23] قال: هو السقط حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} [مريم: 23] لم أكن في الأرض شيئا قط 15P500
[مريم: 24_25] القول في تأويل قوله تعالى: {فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} [مريم: 24_25] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق {فناداها من تحتها} [مريم: 24] بمعنى: فناداها جبرائيل من بين يديها على اختلاف منهم في تأويله، فمن متأول منهم إذا قرأه {من تحتها} [البقرة: 25] كذلك، ومن متأول منهم أنه عيسى، وأنه ناداها من تحتها بعد ما ولدته. وقرأ ذلك بعض قراء أهل الكوفة والبصرة: (فناداها من تحتها) بفتح التاءين من تحت، بمعنى: فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها 15P501 عيسى، وأنه الذي نادى أمه ذكر من قال: الذي ناداها من تحتها الملك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت ابن عباس، قرأ: {فناداها من تحتها} [مريم: 24] يعني: جبرائيل حدثني أحمد بن عبد الله، أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: الذي ناداها الملك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، أنه قرأ: فخاطبها من تحتها حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، أنه قرأ: فخاطبها من تحتها حدثنا الرفاعي، قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن 15P502 علقمة، أنه قرأها كذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، {فناداها من تحتها} [مريم: 24] قال: جبرائيل حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فناداها من تحتها} [مريم: 24] أي من تحت النخلة حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {فناداها} [مريم: 24] جبرائيل {من تحتها ألا تحزني} [مريم: 24] حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله {فناداها من تحتها} [مريم: 24] قال: الملك حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله {فناداها من تحتها} [مريم: 24] يعني: جبرائيل كان أسفل منها حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني 15P503 أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {فناداها من تحتها} [مريم: 24] قال: ناداها جبرائيل ولم يتكلم عيسى حتى أتت قومها ذكر من قال: ناداها عيسى صلى الله عليه وسلم: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فناداها من تحتها} [مريم: 24] قال: عيسى ابن مريم حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، {فناداها من تحتها} [مريم: 24] ابنها حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: هو ابنها حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، {فناداها} [مريم: 24] عيسى {من تحتها ألا تحزني} [مريم: 24] حدثني أبو حميد أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، قوله {فناداها من تحتها} [مريم: 24] قال عيسى: أما تسمع الله يقول: {فأشارت إليه} [مريم : 29] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {فناداها من تحتها} [مريم: 24] قال: عيسى ناداها: {أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا} حدثت عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي بن كعب، قال: الذي خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخل من فيها قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل، فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي هو أبعد منه، ألا ترى في سياق قوله {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا} [مريم: 22] يعني به: فحملت عيسى فانتبذت به، ثم قيل: فناداها نسقا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه، ولعلة أخرى، وهي قوله: {فأشارت إليه} [مريم: 29] ولم تشر إليه إن شاء الله إلا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله لها: {أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا} وما أخبر الله عنه أنه قال لها أشيري للقوم إليه، ولو كان ذلك قولا من جبرائيل، لكان خليقا أن يكون في ظاهر الخبر، مبينا أن عيسى سينطق ويحتج عنها للقوم، وأمر منه لها بأن تشير إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله. فإذا كان ذلك هو الصواب من التأويل الذي بينا، فبين أن كلتا القراءتين أعني {من تحتها} [البقرة: 25] بالكسر، «ومن تحتها» بالفتح صواب. وذلك أنه إذا قرئ بالكسر كان في قوله {فناداها} [مريم: 24] ذكر من عيسى: وإذا قرئ (من تحتها) بالفتح كان الفعل لمن وهو عيسى.