Taberî — Câmiü'l-Beyân
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] قال: «كانوا في الدنيا يعملون وينصبون وهم في خوف، أو يحزنون» وقال آخرون: بل عني بذلك الحزن الذي ينال الظالم لنفسه في موقف القيامة " ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، قال: ذكر أبو ثابت أن أبا الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أما الظالم لنفسه، فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن» فذلك قوله: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخلوا الجنة {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] وخوف دخول النار من الحزن، والجزع من الموت من الحزن، والجزع من الحاجة إلى المطعم من الحزن، ولم يخصص الله إذ أخبر عنهم أنهم حمدوه على إذهابه الحزن عنهم نوعا دون نوع، بل أخبر عنهم أنهم عموا جميع أنوع الحزن بقولهم ذلك، وكذلك ذلك، لأن من دخل الجنة فلا حزن عليه بعد ذلك، فحمدهم على إذهابه عنهم جميع معاني الحزن وقوله: {إن ربنا لغفور شكور} [فاطر: 34] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذه الأصناف الذين أخبر أنه اصطفاهم من عباده عند دخولهم الجنة: إن ربنا لغفور لذنوب عباده الذين تابوا من ذنوبهم، فساترها عليهم بعفوه لهم عنها، شكور لهم على طاعتهم إياه وصالح ما قدموا في الدنيا من الأعمال وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {إن ربنا لغفور شكور} [فاطر: 34] «لحسناتهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر {إن ربنا لغفور شكور} [فاطر: 34] «غفر لهم ما كان من ذنب، وشكر لهم ما كان منهم» 19P380
[فاطر: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} [فاطر: 35] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الذين أدخلوا الجنة {إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة} [فاطر: 35] أي ربنا الذي أنزلنا هذه الدار، يعنون الجنة؛ فدار المقامة: دار الإقامة التي لا نقلة معها عنها، ولا تحول؛ والميم إذا ضمت من المقامة، فهي من الإقامة؛ فإذا فتحت فهي من المجلس والمكان الذي يقام فيه، قال الشاعر: [+البحر البسيط] 19P381 يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأويب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {الذي أحلنا دار المقامة من فضله} [فاطر: 35] «أقاموا فلا يتحولون» وقوله: {لا يمسنا فيها نصب} [فاطر: 35] يقول: لا يصيبنا فيها تعب ولا وجع {ولا يمسنا فيها لغوب} [فاطر: 35] يعني باللغوب: العناء والإعياء وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا موسى بن عمير، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله: {لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} [فاطر: 35] قال: " اللغوب: العناء " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يمسنا فيها نصب} [فاطر: 35] «أي وجع» 19P381
[فاطر: 36_37] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم 19P382 يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير . } [فاطر: 36_37] يقول تعالى ذكره: {والذين كفروا} [البقرة: 39] بالله ورسوله {لهم نار جهنم} [فاطر: 36] يقول: لهم نار جهنم مخلدين فيها، لا حظ لهم في الجنة ولا نعيمها كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لهم نار جهنم لا يقضى عليهم} [فاطر: 36] «بالموت فيموتوا، لأنهم لو ماتوا لاسترحوا» {ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: 36] يقول: ولا يخفف عنهم من عذاب نار جهنم بإماتتهم، يخفف ذلك عنهم كما: حدثني مطرف بن عبد الله الضبي، قال: ثنا أبو قتيبة، قال ثنا أبو هلال الراسبي، عن قتادة، عن أبي السوداء، قال: «مساكين أهل النار لا يموتون، لو ماتوا لاسترحوا» حدثني عقبة، عن سنان القزاز، قال: ثنا غسان بن مضر، قال: ثنا سعيد بن يزيد، وحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن يزيد، وحدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا بشر بن المفضل، ثنا أبو سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، لكن ناسا أو كما قال تصيبهم النار بذنوبهم أو قال: 19P383 بخطاياهم فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبيوا على أهل الجنة، فقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل " فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية " فإن قال قائل: وكيف قيل: {ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: 36] وقد قيل في موضع آخر: {كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء: 97] ؟ قيل: معنى ذلك: ولا يخفف عنهم من هذا النوع من العذاب وقوله: {كذلك نجزي كل كفور} [فاطر: 36] يقول تعالى ذكره: هكذا يكافئ كل جحود لنعم ربه يوم القيامة، بأن يدخلهم نار جهنم بسيئاتهم التي قدموها في الدنيا وقوله: {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} [فاطر: 37] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الكفار يستغيثون، ويضجون في النار، يقولون: يا ربنا أخرجنا نعمل صالحا: أي نعمل بطاعتك {غير الذي كنا نعمل} [الأعراف: 53] 19P384 قبل من معاصيك وقوله: {يصطرخون} [فاطر: 37] يفتعلون من الصراخ، حولت تاؤها طاء لقرب مخرجها من الصاد لما ثقلت وقوله: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} [فاطر: 37] اختلف أهل التأويل في مبلغ ذلك، فقال بعضهم: ذلك أربعون سنة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، قال: سمعت ابن عباس، يقول: " العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} [فاطر: 37] أربعون سنة " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، أنه كان يقول: «إذا بلغ أحدكم أربعين سنة، فليأخذ حذره من الله» وقال آخرون: بل ذلك ستون سنة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن خثيم ، عن مجاهد، عن ابن عباس {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من 19P385 تذكر} [فاطر: 37] قال: «ستون سنة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: «العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم ستون سنة» حدثنا علي بن شعيب، قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن إبراهيم بن الفضل، عن أبي حسين المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة نودي: أين أبناء الستين، وهو العمر الذي قال الله: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير} [فاطر: 37] حدثني أحمد بن الفرج الحمصي، قال: ثنا بقية بن الوليد، قال: ثنا مطرف بن مازن الكناني، قال: ثني معمر بن راشد، قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري، يقول: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولقد أعذر الله إلى 19P386 صاحب الستين سنة والسبعين» حدثنا أبو صالح الفزاري، قال: ثنا محمد بن سوار، قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القاري الإسكندري، قال: ثنا أبو حازم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر» حدثنا محمد بن سوار، قال: ثنا أسد بن حميد، عن سعيد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي، رضي الله عنه في قوله: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير} [فاطر: 37] قال: «العمر الذي عمركم الله به ستون سنة» وأشبه القولين بتأويل الآية إذ كان الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرا 19P387 في إسناده بعض من يجب التثبت في نقله، قول من قال ذلك أربعون سنة، لأن في الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عن كماله في حال الأربعين وقوله: {وجاءكم النذير} [فاطر: 37] اختلف أهل التأويل في معنى النذير، فقال بعضهم: عنى به محمدا صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وجاءكم النذير} [فاطر: 37] قال: " النذير: النبي وقرأ ": {هذا نذير من النذر الأولى} [النجم: 56] وقيل: عنى به الشيب فتأويل الكلام إذن: أولم نعمركم يا معشر المشركين بالله من قريش من السنين، ما يتذكر فيه من تذكر، من ذوي الألباب والعقول، واتعظ منهم من اتعظ، وتاب من تاب، وجاءكم من الله منذر ينذركم ما أنتم فيه اليوم من عذاب الله، فلم تتذكروا مواعظ الله، ولم تقبلوا من نذير الله الذي جاءكم ما أتاكم به من عند ربكم 19P387
[فاطر: 37_38] القول في تأويل قوله تعالى: {فذوقوا فما للظالمين من نصير إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور} [فاطر: 37_38] يقول تعالى ذكره: {فذوقوا} [آل عمران: 106] نار عذاب جهنم الذي قد صليتموه أيها الكافرون بالله {فما للظالمين من نصير} [فاطر: 37] يقول: فما للكافرين الذين ظلموا أنفسهم فأكسبوها غضب الله بكفرهم بالله في الدنيا من نصير ينصرهم من الله ليستنقذهم من عقابه وقوله: {إن الله عالم غيب السموات والأرض} يقول تعالى ذكره: إن الله عالم ما تخفون أيها الناس في أنفسكم وتضمرونه، وما لم تضمروه ولم تنووه مما ستنوونه، وما هو غائب عن أبصاركم في السماوات والأرض، فاتقوه أن يطلع عليكم وأنتم تضمرون في أنفسكم من الشك في وحدانية الله، أو في نبوة محمد غير الذي تبدونه بألسنتكم، {إنه عليم بذات الصدور} [الأنفال: 43] 19P388 [فاطر: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا} [فاطر: 39] يقول تعالى ذكره: الله الذي جعلكم أيها الناس خلائف في الأرض من بعد عاد وثمود، ومن مضى من قبلكم من الأمم فجعلكم تخلفونهم في ديارهم ومساكنهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هو الذي 19P389 جعلكم خلائف في الأرض} [فاطر: 39] «أمة بعد أمة، وقرنا بعد قرن» وقوله: {فمن كفر فعليه كفره} [فاطر: 39] يقول تعالى ذكره: فمن كفر بالله منكم أيها الناس، فعلى نفسه ضر كفره، لا يضر بذلك غير نفسه، لأنه المعاقب عليه دون غيره وقوله: {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا} [فاطر: 39] يقول تعالى: ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا بعدا من رحمة الله {ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا} [فاطر: 39] يقول: ولا يزيد الكافرين كفرهم بالله إلا هلاكا 19P389 [فاطر: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا} [فاطر: 40] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} [البقرة: 80] يا محمد لمشركي قومك {أرأيتم} [الأنعام: 46] أيها القوم {شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض} [فاطر: 40] يقول: أروني أي شيء خلقوا من الأرض {أم لهم شرك في السموات} يقول: أم لشركائكم شرك مع الله في السموات، إن لم يكونوا خلقوا من الأرض شيئا {أم آتيناهم كتابا فهم على بينة} [فاطر: 40] منه، يقول: أم آتينا هؤلاء المشركين كتابا أنزلناه عليهم من السماء بأن يشركوا بالله الأوثان والأصنام، فهم على بينة منه، فهم على برهان مما أمرتهم فيه من الإشراك بي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض} [فاطر: 40] " لا شيء والله خلقوا منها {أم لهم شرك في السموات} لا والله ما لهم فيها شرك {أم آتيناهم كتابا فهم على بينة} [فاطر: 40] منه، يقول: أم آتيناهم كتابا فهو يأمرهم أن يشركوا " وقوله: {بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا} [فاطر: 40] وذلك قول بعضهم لبعض: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] خداعا من بعضهم لبعض وغرورا، وإنما تزلفهم آلهتهم إلى النار، وتقصيهم من الله ورحمته 19P390
[فاطر: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا} [فاطر: 41] يقول تعالى ذكره: {إن الله يمسك السموات والأرض} لئلا تزولا من أماكنهما {ولئن زالتا} [فاطر: 41] يقول: ولو زالتا {إن 19P391 أمسكهما من أحد من بعده} [فاطر: 41] يقول: ما أمسكهما أحد سواه ووضعت لئن في قوله {ولئن زالتا} [فاطر: 41] في موضع لو لأنهما يجابان بجواب واحد، فيتشابهان في المعنى؛ ونظير ذلك قوله: {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون} [الروم: 51] بمعنى: ولو أرسلنا ريحا، وكما قال: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب} [البقرة: 145] بمعنى: لو أتيت وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} «من مكانهما» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: جاء رجل إلى عبد الله، فقال: من أين جئت؟ قال: من الشام، قال: من لقيت؟ قال: لقيت كعبا، فقال: ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السموات تدور على منكب ملك، قال: فصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته، قال: " لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، وكذب كعب؛ إن الله يقول: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: ذهب جندب البجلي إلى كعب الأحبار، فقدم عليه ثم رجع، فقال له عبد الله: حدثنا ما حدثك، فقال: حدثني أن السماء في قطب كقطب الرحا، والقطب عمود على منكب ملك، قال عبد الله: " لوددت أنك افتديت رحلتك بمثل راحلتك؛ ثم قال: ما تنتكت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه، ثم قال: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} كفى بها زوالا أن تدور " وقوله: {إنه كان حليما غفورا} [الإسراء: 44] يقول تعالى ذكره: إن الله كان حليما عمن أشرك وكفر به من خلقه في تركه تعجيل عذابه له، غفورا لذنوب من تاب منهم، وأناب إلى الإيمان به، والعمل بما يرضيه 19P392 [فاطر: 42_43] القول في تأويل قوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا} [فاطر: 42_43] يقول تعالى ذكره: وأقسم هؤلاء المشركون بالله جهد أيمانهم؛ يقول: أشد الإيمان، فبالغوا فيها، لئن جاءهم من الله منذر ينذرهم بأس الله {ليكونن أهدى من إحدى الأمم} [فاطر: 42] يقول: ليكونن أسلك لطريق الحق، وأشد قبولا لما يأتيهم به النذير من عند الله، من إحدى الأمم التي خلت من قبلهم؛ {فلما جاءهم نذير} [فاطر: 42] يعني بالنذير: محمدا صلى الله عليه وسلم، يقول: فلما جاءهم محمد ينذرهم عقاب الله على كفرهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فلما جاءهم نذير} [فاطر: 42] «وهو محمد صلى الله عليه وسلم» وقوله: {ما زادهم إلا نفورا} [فاطر: 42] يقول: ما زادهم مجيء النذير من الإيمان بالله واتباع الحق، وسلوك هدى الطريق، إلا نفورا وهربا وقوله: {استكبارا في الأرض} [فاطر: 43] يقول: نفروا استكبارا في الأرض، وخدعة سيئة، وذلك أنهم صدوا الضعفاء عن اتباعه مع كفرهم به، والمكر هاهنا: هو الشرك كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ومكر السيئ} [فاطر: 43] «وهو الشرك» وأضيف المكر إلى السيئ، والسيئ من نعت المكر، كما قيل: {إن هذا لهو حق اليقين} [الواقعة: 95] وقيل: إن ذلك في قراءة عبد الله: «مكرا سيئا» ، وفي ذلك تحقيق القول الذي قلناه من أن السيئ في المعنى من نعت المكر وقرأ ذلك قراء الأمصار غير الأعمش وحمزة بهمزة محركة بالخفض وقرأ ذلك الأعمش وحمزة بهمزة وتسكين الهمزة اعتلالا منهما بأن الحركات لما كثرت في ذلك ثقل، فسكنا الهمزة، كما قال الشاعر: [+البحر الرجز] إذا اعوججن قلت صاحب قوم فسكن الباء، لكثرة الحركات والصواب من القراءة ما عليه قراء الأمصار من تحريك الهمزة فيه إلى الخفض، وغير جائز في القرآن أن يقرأ بكل ما جاز في العربية، لأن القراءة إنما هي ما قرأت به الأئمة الماضية، وجاء به السلف على النحو الذي أخذوا عمن قبلهم وقوله: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [فاطر: 43] يقول: ولا ينزل المكر السيئ إلا بأهله، يعني بالذين يمكرونه؛ وإنما عنى أنه لا يحل مكروه ذلك المكر الذي مكره هؤلاء المشركون إلا بهم وقال قتادة في ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [فاطر: 43] «وهو الشرك» وقوله: {فهل ينظرون إلا سنة الأولين} يقول تعالى ذكره: فهل ينتظر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد إلا سنة الله بهم في عاجل الدنيا على كفرهم به أليم العقاب يقول: فهل ينتظر هؤلاء إلا أن أحل بهم من نقمتي على شركهم بي وتكذيبهم رسولي مثل الذي أحللت بمن قبلهم من أشكالهم من الأمم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فهل 19P395 ينظرون إلا سنة الأولين} «أي عقوبة الأولين» {فلن تجد لسنة الله تبديلا} يقول: فلن تجد يا محمد لسنة الله تغييرا وقوله: {ولن تجد لسنة الله تحويلا} يقول: ولن تجد لسنة الله في خلقه تبديلا؛ يقول: لن يغير ذلك، ولا يبدله، لأنه لا مرد لقضائه 19P395
[فاطر: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا} [فاطر: 44] يقول تعالى ذكره: أولم يسر يا محمد هؤلاء المشركون بالله في الأرض التي أهلكنا أهلها بكفرهم بنا وتكذيبهم رسلنا، فإنهم تجار يسلكون طريق الشام {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} [يوسف: 109] من الأمم التي كانوا يمرون بها ألم نهلكهم ونخرب مساكنهم ونجعلهم مثلا لمن بعدهم، فيتعظوا بهم، وينزجروا عما هم عليه من عبادة الآلهة بالشرك بالله، ويعلموا أن الذي فعل بأولئك ما فعل {وكانوا أشد منهم قوة} [فاطر: 44] وبطشا لن يتعذر عليه أن يفعل بهم مثل الذي فعل بأولئك من تعجيل النقمة، والعذاب لهم وبنحو الذي قلنا في قوله: {وكانوا أشد منهم قوة} [فاطر: 44] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكانوا أشد منهم 19P396 قوة} [فاطر: 44] «يخبركم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم» وقوله: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض} يقول تعالى ذكره: ولن يعجزنا هؤلاء المشركون بالله من عبدة الآلهة، المكذبون محمدا فيسبقونا هربا في الأرض، إذا نحن أردنا هلاكهم، لأن الله لم يكن ليعجزه شيء يريده في السموات ولا في الأرض، ولن يقدر هؤلاء المشركون أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض وقوله: {إنه كان عليما قديرا} [فاطر: 44] يقول تعالى ذكره: إن الله كان عليما بخلقه، وما هو كائن، ومن هو المستحق منهم تعجيل العقوبة، ومن هوعن ضلالته منهم راجع إلى الهدى آيب، قديرا على الانتقام ممن شاء منهم، وتوفيق من أراد منهم للإيمان 19P396 [فاطر: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا} [فاطر: 45] يقول تعالى ذكره: ولو يؤاخذ الله الناس يقول ولو يعاقب الله الناس، ويكافئهم بما عملوا من الذنوب والمعاصي، واجترحوا من الآثام، ما ترك على ظهرها من دابة تدب عليها {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} [النحل: 61] يقول: ولكن يؤخر عقابهم ومؤاخذتهم بما كسبوا إلى أجل معلوم عنده، محدود لا يقصرون 19P397 دونه، ولا يجاوزونه إذا بلغوه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر: 45] «إلا ما حمل نوح في السفينة» وقوله: {فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا} [فاطر: 45] يقول تعالى ذكره: فإذا جاء أجل عقابهم، فإن الله كان بعباده بصيرا من الذي يستحق أن يعاقب منهم، ومن الذي يستوجب الكرامة، ومن الذي كان منهم في الدنيا له مطيعا، ومن كان فيها به مشركا، لا يخفى عليه أحد منهم، ولا يعزب عنه علم شيء من أمرهم [036] سورة يس مكية وآياتها ثلاث وثمانون بسم الله الرحمن الرحيم 19P398
[يس: 1_2_3_4] القول في تأويل قوله تعالى: {يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم} [يس: 1_2_3_4] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {يس} [يس: 1] فقال بعضهم: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {يس} [يس: 1] قال: «فإنه قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله» وقال آخرون: معناه: يا رجل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله {يس} [يس: 1] قال: «يا إنسان، بالحبشية» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن شرقي، قال: سمعت عكرمة، يقول: " تفسير {يس} [يس: 1] «يا إنسان» 19P399 وقال آخرون: هو مفتاح كلام افتتح الله به كلامه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: {يس} [يس: 1] «مفتاح كلام، افتتح الله به كلامه» وقال آخرون: بل هو اسم من أسماء القرآن ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يس} [يس: 1] قال: «كل هجاء في القرآن اسم من أسماء القرآن» قال أبو جعفر: وقد بيناالقول فيما مضى في نظائر ذلك من حروف الهجاء بما أغنى عن إعادته وتكريره في هذا الموضع وقوله: {والقرآن الحكيم} [يس: 2] يقول: والقرآن المحكم بما فيه من أحكامه، وبينات حججه {إنك لمن المرسلين} [يس: 3] يقول تعالى ذكره مقسما بوحيه وتنزيله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنك يا محمد لمن المرسلين بوحي الله إلى عباده كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين} [يس: 3] «قسم كما تسمعون» {إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم} [يس: 3] وقوله: {على صراط مستقيم} [الأنعام: 39] يقول: على طريق لا اعوجاج فيه من الهدى، وهو الإسلام كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {على صراط مستقيم} [الأنعام: 39] «أي على الإسلام» وفي قوله: {على صراط مستقيم} [الأنعام: 39] وجهان؛ أحدهما: أن يكون معناه: إنك لمن المرسلين على استقامة من الحق، فيكون حينئذ على من قوله {على صراط مستقيم} [الأنعام: 39] من صلة الإرسال والآخر أن يكون خبرا مبتدأ، كأنه قيل: إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم 19P400 [يس: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {تنزيل العزيز الرحيم} [يس: 5] اختلف القراء في قراءة قوله: {تنزيل العزيز الرحيم} [يس: 5] فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: (تنزيل العزيز) برفع تنزيل، والرفع في ذلك يتجه من وجهين؛ أحدهما: بأن يجعل خبرا، فيكون معنى الكلام: إنه تنزيل العزيز الرحيم والآخر: بالابتداء، فيكون معنى الكلام حينئذ: إنك لمن المرسلين، هذا تنزيل العزيز الرحيم وقرأته عامة قراء الكوفة وبعض أهل الشام: {تنزيل} [السجدة: 2] نصبا على المصدر من قوله: {إنك لمن المرسلين} [يس: 3] لأن الإرسال إنما هوعن التنزيل، فكأنه قيل: لمنزل تنزيل العزيز الرحيم حقا والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب ومعنى الكلام: إنك لمن المرسلين يا محمد إرسال الرب العزيز في انتقامه من أهل الكفر به، الرحيم بمن تاب إليه، وأناب من كفره وفسوقه أن يعاقبه على سالف جرمه بعد توبته له 19P401
[يس: 6_7] القول في تأويل قوله تعالى: {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} [يس: 6_7] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم} [يس: 6] فقال بعضهم: معناه: لتنذر قوما ما أنذر الله من قبلهم من آبائهم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، في هذه الآية: {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم} [يس: 6] قال: " قد أنذروا، وقال آخرون: بل معنى ذلك لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم " ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم} [يس: 6] " قال بعضهم: لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم من إنذار الناس قبلهم وقال بعضهم: لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم: أي هذه الأمة لم يأتهم نذير، حتى جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم " واختلف أهل العربية في معنى ما التي في قوله: {ما أنذر آباؤهم} [يس: 6] إذا وجه معنى الكلام إلى أن آباءهم قد كانوا أنذروا، ولم يرد بها الجحد، فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: إذا أريد به غير الجحد لتنذرهم الذي أنذر آباؤهم {فهم غافلون} [يس: 6] وقال: فدخول الفاء في هذا المعنى لا يجوز، والله أعلم قال: وهو على الجحد أحسن، فيكون معنى الكلام: إنك لمن المرسلين إلى قوم لم ينذر آباؤهم، لأنهم كانوا في الفترة وقال بعض نحويي الكوفة: إذا لم يرد بما الجحد، فإن معنى الكلام: لتنذرهم بما أنذر آباؤهم، فتلقى الباء، فتكون ما في موضع نصب. {فهم غافلون} [يس: 6] يقول: فهم غافلون عما الله فاعل بأعدائه المشركين به، من إحلال نقمته، وسطوته بهم وقوله: {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} [يس: 7] يقول تعالى ذكره: لقد وجب العقاب على أكثرهم، لأن الله قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا 19P403 يؤمنون بالله، ولا يصدقون رسوله
[يس: 8_9] القول في تأويل قوله تعالى: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 8_9] يقول تعالى ذكره: إنا جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقهم بالأغلال، فلا تبسط بشيء من الخيرات؛ وهي في قراءة عبد الله فيما ذكر: «إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا فهي إلى الأذقان» وقوله: {إلى الأذقان} [يس: 8] يعني: فأيمانهم مجموعة بالأغلال في أعناقهم، فكني عن الأيمان، ولم يجر لها ذكر لمعرفة السامعين بمعنى الكلام، وأن الأغلال إذا كانت في الأعناق لم تكن إلا وأيدي المغلولين مجموعة بها أليها، فاستغنى بذكر كون الأغلال في الأعناق من ذكر الأيمان، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] وما أدري إذا يممت وجها أريد الخير أيهما يليني آلخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي لا يأتليني فكنى عن الشر، وإنما ذكر الخير وحده لعلم سامع ذلك بمعنى قائله، إذ كان الشر مع الخير يذكر والأذقان: جمع ذقن، والذقن: مجمع اللحيين وقوله: {فهم مقمحون} [يس: 8] والمقمح: هو المقنع، وهو أن يحدر الذقن 19P404 حتى يصير في الصدر، ثم يرفع رأسه في قول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة وفي قول بعض الكوفيين: هو الغاض بصره، بعد رفع رأسه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون} [يس: 8] قال: " هو كقول الله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {فهم مقمحون} [يس: 8] قال: «رافعو رءوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون} [يس: 8] «أي فهم مغلولون عن كل خير» وقوله: {وجعلنا من بين أيديهم سدا} [يس: 9] يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بين أيدي هؤلاء المشركين سدا، وهو الحاجز بين الشيئين؛ إذا فتح كان من فعل بني آدم، وإذا كان من فعل الله كان بالضم وبالضم قرأ ذلك قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين وقرأه بعض المكيين وعامة قراء الكوفيين بفتح السين {سدا} [الكهف: 94] في الحرفين كليهما؛ والضم أعجب القراءتين إلي في ذلك، وإن كانت الأخرى جائزة صحيحة وعنى بقوله: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} [يس: 9] أنه زين لهم سوء أعمالهم، فهم يعمهون، ولا يبصرون رشدا، ولا يتنبهون حقا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: {من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} [يس: 9] قال: «عن الحق» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} [يس: 9] «عن الحق فهم يترددون» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} [يس: 9] قال: «ضلالات» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 9] قال: " جعل هذا سدا بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [يس: 10] وقرأ: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} . . .
الآية كلها، وقال: من منعه الله لا يستطيع " وقوله: {فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 9] يقول: فأغشينا أبصار هؤلاء: أي جعلنا عليها غشاوة فهم لا يبصرون هدى ولا ينتفعون به كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 9] «هدى، ولا ينتفعون به» وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام حين حلف أن يقتله أو يشدخ رأسه بصخرة ذكر الرواية بذلك: حدثني عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا عمارة بن 19P407 أبي حفصة، عن عكرمة، قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} [يس: 8] . . إلى قوله {فهم لا يبصرون} [يس: 9] قال: " فكانوا يقولون: هذا محمد، فيقول: أين هو، أين هو؟ لا يبصره " وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: «فأعشيناهم فهم لا يبصرون» بالعين بمعنى أعشيناهم عنه، وذلك أن العشا هو أن يمشي بالليل ولا يبصر 19P406
[يس: 10_11] القول في تأويل قوله تعالى: {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم} [يس: 10_11] يقول تعالى ذكره: وسواء يا محمد على هؤلاء الذين حق عليهم القول، أي الأمرين كان منك إليهم الإنذار، أو ترك الإنذار، فإنهم لا يؤمنون، لأن الله قد حكم عليهم بذلك وقوله: {إنما تنذر من اتبع الذكر} [يس: 11] يقول تعالى ذكره: إنما ينفع إنذارك يا محمد من آمن بالقرآن، واتبع ما فيه من أحكام الله {وخشي الرحمن} [يس: 11] يقول: وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناظرين، لا المنافق الذي يستخف بدين الله إذا خلا، ويظهر الإيمان في الملأ، ولا المشرك الذي قد طبع الله على قلبه 19P408 وقوله: {فبشره بمغفرة} [يس: 11] يقول: فبشر يا محمد هذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب بمغفرة من الله لذنوبه. {وأجر كريم} [يس: 11] يقول: وثواب منه له في الآخرة كريم، وذلك أن يعطيه على عمله ذلك الجنة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنما تنذر من اتبع الذكر} [يس: 11] " واتباع الذكر: اتباع القرآن " 19P408
[يس: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} [يس: 12] يقول تعالى ذكره: {إنا نحن نحيي الموتى} [يس: 12] من خلقنا {ونكتب ما قدموا} [يس: 12] في الدنيا من خير وشر، وصالح الأعمال وسيئها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا} [يس: 12] من عمل " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله 19P409 : {ونكتب ما قدموا} [يس: 12] قال: «ما عملوا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ما قدموا} [يس: 12] قال: «أعمالهم» وقوله: {وآثارهم} [يس: 12] يعني: وآثار خطاهم بأرجلهم، وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا أن يقربوا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليقرب عليهم ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد فنزلت {ونكتب ما قدموا وآثارهم} [يس: 12] فقالوا: «نثبت في مكاننا» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا، قال: فنزلت {ونكتب ما قدموا وآثارهم} [يس: 12] «فثبتوا» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا الجريري، 19P410 عن أبي نضرة، عن جابر، قال: أراد بنو سلمة قرب المسجد، قال: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني سلمة» دياركم، إنها تكتب آثاركم " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر، قال: سمعت كهمسا، يحدث عن أبي نضرة، عن جابر، قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، قال: والبقاع خالية، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا بني سلمة دياركم إنها تكتب آثاركم» قال: " فأقاموا، وقالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا " حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن طريف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: شكت بنو سلمة بعد منازلهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم} [يس: 12] فقال: «عليكم منازلكم تكتب آثاركم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، قال: ثنا الحسين، عن ثابت، قال: مشيت مع أنس، فأسرعت المشي، فأخذ بيدي، فمشينا رويدا، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت، فأسرعت المشي، فقال: «يا 19P411 أنس أما شعرت أن الآثار تكتب» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، أن بني سلمة، كانت دورهم قاصية عن المسجد، فهموا أن يتحولوا، قرب المسجد، فيشهدون الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تحتسبون آثاركم يا بني سلمة؟
» فمكثوا في ديارهم حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله {ما قدموا وآثارهم} [يس: 12] قال: «خطاهم بأرجلهم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وآثارهم} [يس: 12] قال: «خطاهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وآثارهم} [يس: 12] قال: قال الحسن: {وآثارهم} [يس: 12] قال: «خطاهم» وقال قتادة: لو كان مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار وقوله: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} [يس: 12] يقول تعالى ذكره: وكل شيء كان أو هو كائن أحصيناه، فأثبتناه في أم الكتاب، وهو الإمام المبين وقيل: {مبين} [البقرة: 168] لأنه يبين عن حقيقة جميع ما أثبت فيه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد {في إمام مبين} [يس: 12] قال: «في أم الكتاب» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} [يس: 12] «كل شيء محصى عند الله في كتاب» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} [يس: 12] قال: «أم الكتاب التي عند الله فيها الأشياء كلها هي الإمام المبين» 19P412
[يس: 13_14] القول في تأويل قوله تعالى: {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا: إنا إليكم 19P413 مرسلون} [يس: 13_14] يقول تعالى ذكره: ومثل يا محمد لمشركي قومك مثلا أصحاب القرية ذكر أنها أنطاكية {إذ جاءها المرسلون} [يس: 13] اختلف أهل العلم في هؤلاء الرسل، وفيمن كان أرسلهم إلى أصحاب القرية، فقال بعضهم: كانوا رسل عيسى ابن مريم، وعيسى الذي أرسلهم إليهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} [يس: 14] قال: «ذكر لنا أن عيسى ابن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية مدينة بالروم فكذبوهما، فأعزهما بثالث» {فقالوا إنا إليكم مرسلون} [يس: 14] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، قال: ثني السدي، عن عكرمة {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية} [يس: 13] قال: «أنطاكية» وقال آخرون: بل كانوا رسلا أرسلهم الله إليهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق فيما بلغه، 19P414 عن ابن عباس، وعن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبه، قال: " كان بمدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة يقال له أبطيحس بن أبطيحس يعبد الأصنام، صاحب شرك، فبعث الله المرسلين، وهم ثلاثة: صادق، ومصدوق، وسلوم، فقدم إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنان فكذبوهما، ثم عزز الله بثالث؛ فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله، وصدعت بالذي أمرت به، وعابت دينه، وما هم عليه، قال لهم: {إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم} [يس: 18] وقوله: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} [يس: 14] يقول تعالى ذكره: حين أرسلنا إليهم اثنين يدعونهم إلى الله فكذبوهما فشددناهما بثالث، وقويناهما به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فعززنا بثالث} [يس: 14] قال: شددنا " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، 19P415 عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله {فعززنا بثالث} [يس: 14] قال: «زدنا» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فعززنا بثالث} [يس: 14] قال: " جعلناهم ثلاثة، قال: ذلك التعزز، قال: والتعزز: القوة " وقوله: {فقالوا إنا إليكم مرسلون} [يس: 14] يقول: فقال المرسلون الثلاثة لأصحاب القرية: إنا إليكم أيها القوم مرسلون، بأن تخلصوا العبادة لله وحده، لا شريك له، وتتبرءوا مما تعبدون من الآلهة والأصنام وبالتشديد في قوله: {فعززنا} [يس: 14] قرأت القراء سوى عاصم، فإنه قرأه بالتخفيف، والقراءة عندنا بالتشديد لإجماع الحجة من القراء عليه وأن معناه إذا شدد: فقوينا، وإذا خفف: فغلبنا، وليس لغلبنا في هذا الموضع كثير معنى 19P415
[يس: 15_16_17] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين} [يس: 15_16_17] يقول تعالى ذكره: قال أصحاب القرية للثلاثة الذين أرسلوا إليهم حين أخبروهم أنهم أرسلوا إليهم بما أرسلوا به: ما أنتم أيها القوم إلا أناس مثلنا، ولو كنتم رسلا كما تقولون، لكنتم ملائكة {وما أنزل الرحمن من شيء} [يس: 15] يقول: قالوا: وما أنزل الرحمن إليكم من رسالة ولا كتاب ولا أمركم فينا بشيء {إن أنتم إلا تكذبون} [يس: 15] في قيلكم إنكم إلينا مرسلون {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} [يس: 16] يقول: قال الرسل: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون فيما دعوناكم إليه، وإنا لصادقون {وما علينا إلا البلاغ المبين} [يس: 17] يقول: وما علينا إلا أن نبلغكم رسالة الله التي أرسلنا بها إليكم بلاغا يبين لكم أنا أبلغناكموها، فإن قبلتموها فحظ أنفسكم تصيبون، وإن لم تقبلوها فقد أدينا ما علينا، والله ولي الحكم فيه 19P416 [يس: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم} [يس: 18] يقول تعالى ذكره: قال أصحاب القرية للرسل: {إنا تطيرنا بكم} [يس: 18] يعنون: إنا تشاءمنا بكم، فإن أصابنا بلاء من أجلكم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قالوا إنا تطيرنا بكم} [يس: 18] قالوا: «إن أصابنا شر، فإنما هو من أجلكم» وقوله: {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم} [يس: 18] يقول: لئن لم تنتهوا عما ذكرتم من أنكم أرسلتم إلينا بالبراءة من آلهتنا، والنهي عن عبادتنا لنرجمنكم، قيل: عني بذلك لنرجمنكم بالحجارة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة {لئن لم تنتهوا 19P417 لنرجمنكم} [يس: 18] بالحجارة {وليمسنكم منا عذاب أليم} [يس: 18] يقول: «ولينالنكم منا عذاب موجع» 19P416
[يس: 19_20_21] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} [يس: 19_20_21] يقول تعالى ذكره: قالت الرسل لأصحاب القرية: {طائركم معكم أئن ذكرتم} [يس: 19] يقولون: أعمالكم وأرزاقكم وحظكم من الخير والشر معكم، ذلك كله في أعناقكم، وما ذلك من شؤمنا إن أصابكم سوء فيما كتب عليكم، وسبق لكم من الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قالوا طائركم معكم} [يس: 19] «أي أعمالكم معكم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فيما بلغه عن ابن عباس، وعن كعب، وعن وهب بن منبه، قالت لهم الرسل: {طائركم معكم} [يس: 19] «أي أعمالكم معكم» وقوله: {أئن ذكرتم } [يس: 19] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار {أئن ذكرتم} [يس: 19] بكسر الألف من إن وفتح ألف الاستفهام: بمعنى إن ذكرناكم فمعكم طائركم، ثم أدخل على إن التي هي حرف جزاء ألف استفهام في قول بعض نحويي البصرة، وفي قول بعض الكوفيين منوي به التكرير، كأنه قيل: قالوا طائركم معكم إن ذكرتم فمعكم طائركم، فحذف الجواب اكتفاء بدلالة الكلام عليه وإنما أنكر قائل هذا القول القول الأول، لأن ألف الاستفهام قد حالت بين الجزاء وبين الشرط، فلا تكون شرطا لما قبل حرف الاستفهام وذكر عن أبي رزين أنه قرأ ذلك: {أئن ذكرتم} [يس: 19] بمعنى: ألأن ذكرتم طائركم معكم؟ وذكر عن بعض قارئيه أنه قرأه: قالوا: «طائركم معكم أين ذكرتم» بمعنى: حيث ذكرتم بتخفيف الكاف من ذكرتم والقراءة التي لا نجيز القراءة بغيرها القراءة التي عليها قراء الأمصار، وهي دخول ألف الاستفهام على حرف الجزاء، وتشديد الكاف على المعنى الذي ذكرناه عن قارئيه كذلك، لإجماع الجحة من القراء عليه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أئن ذكرتم} [يس: 19] « 19P419 أي إن ذكرناكم الله تطيرتم بنا؟ » {بل أنتم قوم مسرفون} [الأعراف: 81] وقوله: {بل أنتم قوم مسرفون} [الأعراف: 81] يقول: قالوا لهم: ما بكم التطير بنا، ولكنكم قوم أهل معاص لله وآثام، قد غلبت عليكم الذنوب والآثام وقوله: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} [يس: 20] يقول: وجاء من أقصى مدينة هؤلاء القوم الذين أرسلت إليهم هذه الرسل رجل يسعى إليهم؛ وذلك أن أهل المدينة هذه عزموا، واجتمعت آراؤهم على قتل هؤلاء الرسل الثلاثة فيما ذكر، فبلغ ذلك هذا الرجل، وكان منزله أقصى المدينة، وكان مؤمنا، وكان اسمه فيما ذكر حبيب بن مري وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الأخبار ذكر الأخبار الواردة بذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز، قال: «كان صاحب يس حبيب بن مري» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: كان من حديث صاحب يس فيما حدثنا محمد بن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس، وعن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه اليماني " أنه كان رجلا من أهل أنطاكية، وكان اسمه حبيبا، وكان يعمل الجرير، وكان رجلا سقيما، قد أسرع فيه الجذام، وكان منزله 19P420 عند باب من أبوب المدينة قاصيا، وكان مؤمنا ذا صدقة، يجمع كسبه إذا أمسى فيما يذكرون، فيقسمه نصفين، فيطعم نصفا عياله، ويتصدق بنصف، فلم يهمه سقمه ولا عمله ولا ضعفه، عن عمل ربه، قال: فلما أجمع قومه على قتل الرسل، بلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم بالله، ويدعوهم إلى اتباع المرسلين، فقال: {يا قوم اتبعوا المرسلين} [يس: 20] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن عمرو بن حزم، أنه حدث عن كعب الأحبار، قال: ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم أخو بني مازن بن النجار الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة حين جعل يسأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: أتشهد أن محمدا رسول الله؟
فيقول: نعم، ثم يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول له: لا أسمع، فيقول مسيلمة: أتسمع هذا، ولا تسمع هذا؟ فيقول: نعم، فجعل يقطعه عضوا عضوا، كلما سأله لم يزده على ذلك حتى مات في يديه. قال كعب حين قيل له: اسمه حبيب: «وكان والله صاحب يس اسمه حبيب» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم أبي القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، أنه كان يقول: «كان اسم صاحب يس حبيبا، وكان الجذام قد أسرع فيه» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} [يس: 20] قال: «ذكر لنا أن اسمه حبيب، وكان في غار يعبد ربه، فلما سمع بهم أقبل إليهم» وقوله: {قال يا قوم اتبعوا المرسلين} [يس: 20] يقول تعالى ذكره: قال الرجل الذي جاء من أقصى المدينة لقومه: يا قوم اتبعوا المرسلين الذين أرسلهم الله إليكم، واقبلوا منهم ما أتوكم به وذكر أنه لما أتى الرسل سألهم: هل تطلبون على ما جئتم به أجرا؟ فقالت الرسل: لا، فقال لقومه حينئذ: اتبعوا من لا يسألكم على نصيحتهم لكم أجرا ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " لما انتهى إليهم، يعني إلى الرسل، قال: هل تسألون على هذا من أجر؟ قالوا: لا، فقال عند ذلك: {يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} [يس: 21] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فيما بلغه، عن ابن عباس، وعن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبه {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} [يس: 21] «أي لا يسألونكم أموالكم على ما جاءوكم به من الهدى، وهم لكم ناصحون، فاتبعوهم تهتدوا بهداهم» وقوله: {وهم مهتدون} [الأنعام: 82] يقول: وهم على استقامة من طريق الحق، فاهتدوا أيها القوم بهداهم 19P422
[يس: 22_23_24_25] القول في تأويل قوله تعالى: {ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون} [يس: 22_23_24_25] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا الرجل المؤمن {ومالي لا أعبد الذي فطرني} أي وأي شيء لي لا أعبد الرب الذي خلقني {وإليه ترجعون} [البقرة: 245] يقول: وإليه تصيرون أنتم أيها القوم وتردون جميعا، وهذا حين أبدى لقومه إيمانه بالله وتوحيده كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فيما بلغه، عن ابن عباس، وعن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبه، قال: «ناداهم، يعني نادى قومه بخلاف ما هم عليه من عبادة الأصنام، وأظهر لهم دينه وعبادة ربه، وأخبرهم أنه لا يملك نفعه ولا ضره غيره» فقال: {ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة} «ثم عابها» فقال: {إن يردن الرحمن بضر} [يس: 23] «وشدة» {لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} [يس: 23] وقوله: {أأتخذ من دونه آلهة} [يس: 23] يقول: أأعبد من دون الله آلهة، يعني معبودا سواه {إن يردن الرحمن بضر} [يس: 23] يقول: إذا مسني الرحمن بضر وشدة {لا تغن عني شفاعتهم شيئا} [يس: 23] يقول: لا تغني عني شيئا بكونها إلي شفعاء، 19P423 ولا تقدر على دفع ذلك الضر عني {ولا ينقذون} [يس: 23] يقول: ولا يخلصوني من ذلك الضر إذا مسني وقوله: {إني إذا لفي ضلال مبين} [يس: 24] يقول: {إني} [البقرة: 30] إن اتخذت من دون الله آلهة هذه صفتها {إذا لفي ضلال مبين} [يس: 24] لمن تأمله، جوره عن سبيل الحق وقوله: {إني آمنت بربكم فاسمعون} [يس: 25] فاختلف في معنى ذلك، فقال بعضهم: قال هذا القول هذا المؤمن لقومه يعلمهم إيمانه بالله ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فيما بلغه، عن ابن عباس، وعن كعب، وعن وهب بن منبه {إني آمنت بربكم فاسمعون} [يس: 25] «إني آمنت بربكم الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي» وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، وأني قد آمنت بكم واتبعتكم؛ فذكر أنه لما قال هذا القول، ونصح لقومه النصيحة التي ذكرها الله في كتابه وثبوا به فقتلوه ثم اختلف أهل التأويل في صفة قتلهم إياه، فقال بعضهم: رجموه بالحجارة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} " هذا رجل دعا قومه إلى الله، وأبدى لهم النصيحة فقتلوه على ذلك وذكر لنا أنهم كانوا يرجمونه بالحجارة، وهو يقول: اللهم اهد قومي، 19P424 اللهم اهد قومي، اللهم اهد قومي، حتى أقعصوه وهو كذلك " وقال آخرون: بل وثبوا عليه، فوطئوه بأقدامهم حتى مات ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فيما بلغه عن ابن عباس، وعن كعب، وعن وهب بن منبه، قال لهم: {ومالي لا أعبد الذي فطرني} . . إلى قوله: {فاسمعون} [يس: 25] «وثبوا وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه لضعفه وسقمه، ولم يكن أحد يدفع عنه» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أصحابه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: «وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره» 19P424
[يس: 26_27] القول في تأويل قوله تعالى: {قيل: ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} [يس: 26_27] يقول تعالى ذكره: قال الله له إذ قتلوه كذلك فلقيه: {ادخل الجنة} [يس: 26] فلما دخلها وعاين ما أكرمه الله به لإيمانه وصبره فيه {قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي} [يس: 26] يقول: يا ليتهم يعلمون أن السبب الذي 19P425 من أجله غفر لي ربي ذنوبي، وجعلني من الذين أكرمهم الله بإدخاله إياه جنته، كان إيماني بالله وصبري فيه، حتى قتلت، فيؤمنوا بالله ويستوجبوا الجنة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: " قال الله له: ادخل الجنة، فدخلها حيا يرزق فيها، قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها، فلما أفضي إلى رحمة الله وجنته وكرامته " {قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} [يس: 27] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قيل ادخل الجنة} [يس: 26] «فلما دخلها» {قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} [يس: 27] قال: «فلا تلقى المؤمن إلا ناصحا، ولا تلقاه غاشا، فلما عاين من كرامة الله» {قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} [يس: 26] «تمنى على الله أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله، وما هم عليه» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {قيل: ادخل الجنة} [يس: 26] قال: " قيل: قد وجبت له الجنة؛ قال ذاك حين رأى الثواب " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد {قيل ادخل الجنة} [يس: 26] قال: «وجبت لك الجنة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد {قيل ادخل الجنة} [يس: 26] قال: «وجبت له الجنة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز، في قوله: {بما غفر لي ربي} [يس: 27] قال: «إيماني بربي، وتصديقي رسله» والله أعلم 19P426
[يس: 28_29] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} [يس: 28_29] يقول تعالى ذكره: وما أنزلنا على قوم هذا المؤمن الذي قتله قومه لدعائه إياهم إلى الله ونصيحته لهم {من بعده} [البقرة: 51] يعني: من بعد مهلكه {من جند من السماء} [يس: 28] واختلف أهل التأويل في معنى الجند الذي أخبر الله أنه لم ينزل إلى قوم هذا المؤمن بعد قتلهموه فقال بعضهم: عني بذلك أنه لم ينزل الله بعد ذلك إليهم رسالة، ولا بعث إليهم نبيا ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 19P427 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {من جند من السماء} [يس: 28] قال: «رسالة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين} [يس: 28] قال: " فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} [يس : 29] وقال آخرون: بل عني بذلك أن الله تعالى ذكره لم يبعث لهم جنودا يقاتلهم بها، ولكنه أهلكهم بصيحة واحدة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، أن عبد الله بن مسعود قال: «غضب الله له، يعني لهذا المؤمن، لاستضعافهم إياه غضبة لم تبق من القوم شيئا، فعجل لهم النقمة بما استحلوا منه» وقال: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين} [يس: 28] يقول: " ما كاثرناهم بالجموع: أي الأمر أيسر علينا من ذلك " {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} [يس: 29] " فأهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض، فلم تبق منهم باقية " وهذا القول الثاني أولى القولين بتأويل الآية، وذلك أن الرسالة لا يقال لها جند إلا أن يكون أراد مجاهد بذلك الرسل، فيكون وجها، وإن كان أيضا من المفهوم بظاهر الآية بعيدا، وذلك أن الرسل من بني آدم لا ينزلون من السماء، والخبر في ظاهر هذه الآية عن أنه لم ينزل من السماء بعد مهلك هذا المؤمن على قومه جندا وذلك بالملائكة أشبه منه ببني آدم وقوله: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} [يس: 29] يقول: ما كانت هلكتهم إلا صيحة واحدة أنزلها الله من السماء عليهم واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار {إن كانت إلا صيحة واحدة} [يس: 29] نصبا على التأويل الذي ذكرت، وأن في كانت مضمرا وذكر عن أبي جعفر المدني أنه قرأه: (إلا صيحة واحدة) رفعا على أنها مرفوعة بكان، ولا مضمر في كان والصواب من القراءة في ذلك عندي النصب لإجماع الحجة على ذلك، وعلى أن في كانت مضمرا وقوله: {فإذا هم خامدون} [يس: 29] يقول: فإذا هم هالكون 19P428