Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bölüm V21/P100–V21/P102

[الجاثية: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم 21P101 تجزون ما كنتم تعملون} [الجاثية: 28] يقول تعالى ذكره: وترى يا محمد يوم تقوم الساعة أهل كل ملة ودين جاثية: يقول: مجتمعة مستوفزة على ركبها من هول ذلك اليوم كما: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وترى كل أمة جاثية} [الجاثية: 28] قال: «على الركب مستوفزين» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال؛ قال ابن زيد، في قوله: {وترى كل أمة جاثية} [الجاثية: 28] قال: «هذا يوم القيامة جاثية على ركبهم» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وترى كل أمة جاثية} [الجاثية: 28] يقول: «على الركب عند الحساب» وقوله: {كل أمة تدعى إلى كتابها} [الجاثية: 28] يقول: كل أهل ملة ودين تدعى إلى كتابها الذي أملت على حفظتها كما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كل أمة تدعى إلى كتابها} [الجاثية: 28] يعلمون أنه ستدعى أمة قبل أمة، وقوم قبل قوم، ورجل قبل رجل " ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " يمثل لكل أمة يوم القيامة ما كانت تعبد من حجر، أو وثن أو خشبة، أو دابة، ثم يقال: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فتكون أو تجعل تلك الأوثان قادة إلى النار حتى تقذفهم فيها، فتبقى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب، فيقول لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله وعزيرا إلا قليلا منهم، فيقال لها: أما عزير فليس منكم ولستم منه، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فينطلقون ولا يستطيعون مكوثا، ثم يدعى بالنصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله والمسيح إلا قليلا منهم فيقال: أما عيسى فليس منكم ولستم منه، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فينطلقون ولا يستطيعون مكوثا، وتبقى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله وحده، وإنما فارقنا هؤلاء في الدنيا مخافة يومنا هذا، فيؤذن للمؤمنين في السجود، فيسجد المؤمنون، وبين كل مؤمن منافق، فيقسو ظهر المنافق عن السجود، ويجعل الله سجود المؤمنين عليه توبيخا وصغارا وحسرة وندامة " حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة قال: قال الناس: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضامون في الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله قال: «هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله قال: " فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة 21P103 فيها منافقوها، فيأتيهم ربهم في صورة، ويضرب جسر على جهنم " قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فأكون أول من يجيز، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم، اللهم سلم، وبها كلاليب كشوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان؟ " قالوا: نعم يا رسول الله قال: «فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم أحد قدر عظمها إلا الله ويخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل ثم ينجو» ثم ذكر الحديث بطوله وقوله: {اليوم تجزون ما كنتم تعملون} [الجاثية: 28] يقول تعالى ذكره: كل أمة تدعى إلى كتابها، يقال لها: اليوم تجزون: أي تثابون وتعطون أجور ما كنتم في الدنيا من جزاء الأعمال تعملون بالإحسان الإحسان، وبالإساءة جزاءها 21P103

Bölüm V21/P102–V21/P105

[الجاثية: 29_30] القول في تأويل قوله تعالى: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعلمون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين} [الجاثية: 29_30] يقول تعالى ذكره: لكل أمة دعيت في القيامة إلى كتابها الذي أملت 21P104 على حفظتها في الدنيا {اليوم تجزون ما كنتم تعملون} [الجاثية: 28] فلا تجزعوا من ثوابناكم على ذلك، فإنكم ينطق عليكم إن أنكرتموه بالحق فاقرأوه {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: 29] يقول: إنا كنا نستكتب حفظتنا أعمالكم، فتثبتها في الكتب وتكتبها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب قال: ثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن عطاء بن مقسم، عن ابن عباس، {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} [الجاثية: 29] قال: «هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم» {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: 29] قال: «نعم، الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم» حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب القمي قال: ثني أخي عيسى بن عبد الله، عن ثابت البناني، عن ابن عباس قال: " إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور، أو رزق مقسوم، حلال أو حرام، ثم ألزم كل شيء 21P105 من ذلك شأنه دخوله في الدنيا، ومقامه فيها كم، وخروجه منه كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزانا، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل، أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا، فترجع الحفظة، فيجدونهم قد ماتوا " قال: فقال ابن عباس: «ألستم قوما عربا تسمعون الحفظة يقولون» : {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: 29] «وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل» حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} [الجاثية: 29] قال: " الكتاب: الذكر " {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: 29] قال: «نستنسخ الأعمال» وقال آخرون في ذلك ما: حدثنا الحسن بن عرفة قال: ثنا النضر بن إسماعيل، عن أبي سنان الشيباني، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه أنه قال: «إن لله ملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم» وقوله: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته} [الجاثية: 30] يقول تعالى ذكره: فأما الذين آمنوا بالله في الدنيا فوحدوه، ولم يشركوا به شيئا، وعملوا الصالحات: يقول: وعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم الله عنه {فيدخلهم في رحمته} يعني في جنته برحمته وقوله: {ذلك هو الفوز المبين} [الجاثية: 30] يقول: دخولهم في رحمة الله يومئذ هو الظفر بما كانوا يطلبونه، وإدراك ما كانوا يسعون في الدنيا له، المبين غايتهم فيها، أنه هو الفوز 21P106

Bölüm V21/P105–V21/P108

[الجاثية: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين} [الجاثية: 31] يقول تعالى ذكره: وأما الذين جحدوا وحدانية الله، وأبوا إفراده في الدنيا بالألوهة، فيقال لهم: ألم تكن آياتي في الدنيا تتلى عليكم فإن قال قائل: أوليست أما تجاب بالفاء، فأين هي؟ فإن الجواب أن يقال: هي الفاء التي في قوله {أفلم} [يوسف: 109] وإنما وجه الكلام في العربية لو نطق به على بيانه، وأصله أن يقال: وأما الذين كفروا، فألم تكن آياتي تتلى عليكم، لأن معنى الكلام: وأما الذين كفروا فيقال لهم ألم، فموضع الفاء في ابتداء المحذوف الذي هو مطلوب في الكلام، فلما حذفت يقال: وجاءت ألف استفهام، حكمها أن تكون مبتدأة بها، ابتدئ بها، وجعلت الفاء بعدها، وقد تسقط العرب الفاء التي هي جواب «أما» في مثل هذا الموضع أحيانا إذا أسقطوا الفعل الذي هو في محل جواب أما كما قال جل ثناؤه {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} [آل عمران: 106] فحذفت الفاء، إذ كان الفعل الذي هو في جواب أما محذوفا، وهو فيقال، وذلك أن معنى الكلام: فأما الذين اسودت وجوههم فيقال لهم: أكفرتم، فلما أسقطت، يقال الذي به تتصل الفاء سقطت الفاء التي هي جواب أما وقوله: {فاستكبرتم} [الجاثية: 31] يقول: فاستكبرتم عن استماعها والإيمان بها {وكنتم قوما مجرمين} [الجاثية: 31] يقول: وكنتم قوما تكسبون الآثام والكفر بالله، لا تصدقون بمعاد، ولا تؤمنون بثواب ولا عقاب 21P107 [الجاثية: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: 32] يقول تعالى ذكره: ويقال لهم حينئذ: {وإذا قيل} [البقرة: 11] لكم {إن وعد الله} [يونس: 55] الذي وعد عباده، أنه محييهم من بعد مماتهم، وباعثهم من قبورهم {حق والساعة} [الجاثية: 32] التي أخبرهم أنه يقيمها لحشرهم، وجمعهم للحساب والثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، آتية {لا ريب فيها} [الكهف: 21] يقول: لا شك فيها، يعني في الساعة، والهاء في قوله: {فيها} [البقرة: 25] من ذكر الساعة ومعنى الكلام: والساعة لا ريب في قيامها، فاتقوا الله وآمنوا بالله ورسوله، واعملوا لما ينجيكم من عقاب الله فيها {قلتم ما ندري ما الساعة} [الجاثية: 32] تكذيبا منكم بوعد الله جل ثناؤه، وردا لخبره، وإنكارا لقدرته على إحيائكم من بعد مماتكم وقوله: {إن نظن إلا ظنا} [الجاثية: 32] يقول: وقلتم ما نظن أن الساعة آتية إلا ظنا {وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: 32] أنها جائية، ولا أنها كائنة واختلفت القراء في قراءة قوله: {والساعة لا ريب فيها} [الجاثية: 32] فقرأت ذلك عامة 21P108 قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة و {الساعة} [الأنعام: 31] رفعا على الابتداء وقرأته عامة قراء الكوفة و (الساعة) نصبا عطفا بها على قوله: {إن وعد الله حق} [يونس: 55] والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار صحيحتا المخرج في العربية متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب 21P107 [الجاثية: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الجاثية: 33] يقول تعالى ذكره: وبدا لهؤلاء الذين كانوا في الدنيا يكفرون بآيات الله سيئات ما عملوا في الدنيا من الأعمال، يقول: ظهر لهم هنالك قبائحها وشرارها لما قرأوا كتب أعمالهم التي كانت الحفظة تنسخها في الدنيا {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] يقول: وحاق بهم من عذاب الله حينئذ ما كانوا به يستهزئون إذ قيل لهم: إن الله محله بمن كذب به على سيئات ما في الدنيا عملوا من الأعمال 21P108

Bölüm V21/P108–V21/P110

[الجاثية: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} [الجاثية: 34] يقول تعالى ذكره: وقيل لهؤلاء الكفرة الذين وصف صفتهم: اليوم نترككم في عذاب جهنم، كما تركتم العمل للقاء ربكم يومكم هذا كما: حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وقيل اليوم ننساكم} [الجاثية: 34] «نترككم» وقوله: {ومأواكم النار} [العنكبوت: 25] يقول: ومأواكم التي تأوون إليها نار جهنم {وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] يقول: وما لكم من مستنقذ ينقذكم اليوم من عذاب الله، ولا منتصر ينتصر لكم ممن يعذبكم، فيستنقذ لكم منه 21P109 [الجاثية: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون} [الجاثية: 35] يقول تعالى ذكره: يقال لهم: هذا الذي حل بكم من عذاب الله اليوم {بأنكم} [الجاثية: 35] في الدنيا {اتخذتم آيات الله هزوا} [الجاثية: 35] وهي حججه وأدلته وآي كتابه التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم {هزوا} [البقرة: 67] يعني سخرية تسخرون منها {وغرتكم الحياة الدنيا} [الجاثية: 35] يقول: وخدعتكم زينة الحياة الدنيا فآثرتموها على العمل لما ينجيكم اليوم من عذاب الله يقول تعالى ذكره: {فاليوم لا يخرجون منها} [الجاثية: 35] من النار {ولا هم يستعتبون} [النحل: 84] يقول: ولا هم يردون إلى الدنيا ليتوبوا ويراجعوا الإنابة مما عوقبوا عليه 21P109 [الجاثية: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الجاثية: 36] يقول تعالى ذكره: {فلله الحمد} [الجاثية: 36] على نعمه وأياديه عند خلقه، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فإن كل ما بكم من نعمة فمنه دون ما تعبدون من دونه من آلهة ووثن، ودون ما تتخذونه من دونه ربا، وتشركون به معه {رب السموات ورب الأرض} يقول: مالك السماوات السبع، ومالك الأرضين السبع و {رب العالمين} [الفاتحة: 2] يقول: مالك جميع ما فيهن من أصناف الخلق، {وله الكبرياء في السموات والأرض} ، يقول: وله العظمة والسلطان في السماوات والأرض دون ما سواه من الآلهة والأنداد {وهو العزيز} [إبراهيم: 4] في نقمته من أعدائه، القاهر كل ما دونه، ولا يقهره شيء {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف شاء، والله أعلم [046] سورة الأحقاف مكية وآياتها خمس وثلاثون بسم الله الرحمن الرحيم 21P111 [الأحقاف: 1_2_3] القول في تأويل قوله تعالى: {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السموات والأرض وما بينهم إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون} [الأحقاف: 1_2_3] قد تقدم بياننا في معنى قوله {حم تنزيل الكتاب} [غافر: 2] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وقوله: {ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} يقول تعالى ذكره: ما أحدثنا السماوات والأرض فأوجدناهما خلقا مصنوعا، وما بينهما من أصناف العالم إلا بالحق، يعني: إلا لإقامة الحق والعدل في الخلق وقوله: {وأجل مسمى} [الأنعام: 2] يقول: وإلا بأجل لكل ذلك معلوم عنده يفنيه إذا هو بلغه، ويعدمه بعد أن كان موجودا بإيجاده إياه وقوله: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} [الأحقاف: 3] يقول تعالى ذكره: والذين جحدوا وحدانية الله عن إنذار الله إياهم معرضون، لا يتعظون به، ولا يتفكرون فيعتبرون 21P111

Bölüm V21/P110–V21/P114

[الأحقاف: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} [الأحقاف: 4] 21P112 يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: أرأيتم أيها القوم الآلهة والأوثان التي تعبدون من دون الله، أروني أي شيء خلقوا من الأرض، فإن ربي خلق الأرض كلها، فدعوتموها من أجل خلقها ما خلقت من ذلك آلهة وأربابا، فيكون لكم بذلك في عبادتكم إياها حجة، فإن من حجتي على عبادتي إلهي، وإفرادي له الألوهة، أنه خلق الأرض فابتدعها من غير أصل وقوله: {أم لهم شرك في السموات} يقول تعالى ذكره: أم لآلهتكم التي تعبدونها أيها الناس، شرك مع الله في السماوات السبع، فيكون لكم أيضا بذلك حجة في عبادتكموها، فإن من حجتي على إفرادي العبادة لربي، أنه لا شريك له في خلقها، وأنه المنفرد بخلقها دون كل ما سواه وقوله: {ائتوني بكتاب من قبل هذا} [الأحقاف: 4] يقول تعالى ذكره: بكتاب جاء من عند الله من قبل هذا القرآن الذي أنزل علي، بأن ما تعبدون من الآلهة والأوثان خلقوا من الأرض شيئا، أو أن لهم مع الله شركا في السماوات، فيكون ذلك حجة لكم على عبادتكم إياها؛ لأنها إذا صح لها ذلك صحت لها الشركة في النعم التي أنتم فيها، ووجب لها عليكم الشكر، واستحقت منكم الخدمة، لأن ذلك لا يقدر أن يخلقه إلا الله وقوله: {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] بالألف، بمعنى: أو ائتوني ببقية من علم وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأه (أو أثرة من علم) بمعنى: أو خاصة من علم أوتيتموه، وأوثرتم به على غيركم، 21P113 والقراءة التي لا أستجيز غيرها {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] بالألف، لإجماع قراء الأمصار عليها. واختلف أهل التأويل في تأويلها، فقال بعضهم: معناه: أو ائتوني بعلم بأن آلهتكم خلقت من الأرض شيئا، وأن لها شركا في السماوات من قبل الخط الذي تخطونه في الأرض، فإنكم معشر العرب أهل عيافة وزجر وكهانة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن آدم، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن صفوان بن سليم ، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] قال: «خط كان يخطه العرب في الأرض» حدثنا أبو كريب، قال: قال أبو بكر: يعني ابن عياش: " الخط: هو العيافة " 21P114 وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو خاصة من علم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] قال: «أو خاصة من علم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] قال: «أي خاصة من علم» حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثني أبي، عن الحسين، عن قتادة {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] قال: «خاصة من علم» وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو علم تثيرونه فتستخرجونه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] قال: «أثارة شيء يستخرجونه فطرة» وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو تأثرون ذلك علما عن أحد ممن قبلكم؟

Bölüm V21/P114–V21/P115

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، { 21P115 أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] قال: «أحد يأثر علما» وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ببينة من الأمر ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] يقول: «ببينة من الأمر» وقال آخرون: بل معنى ذلك: ببقية من علم ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: سئل أبو بكر يعني ابن عياش عن، {أثارة من علم} [الأحقاف: 4] قال: «بقية من علم» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأثارة: البقية من علم، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وهي مصدر من قول القائل: أثر الشيء أثارة ، مثل سمج سماجة، وقبح قباحة، كما قال راعي الإبل: وذات أثارة أكلت عليها نباتا في أكمته قفارا يعني: وذات بقية من شحم، فأما من قرأه (أو أثرة) فإنه جعله أثرة من الأثر، كما قيل: قترة وغبرة وقد ذكر عن بعضهم أنه قرأه «أو أثرة» بسكون الثاء، مثل الرجفة والخطفة، وإذا وجه ذلك إلى ما قلنا فيه من أنه بقية من علم، جاز أن تكون تلك البقية من علم الخط، ومن علم استثير من كتب الأولين، ومن خاصة علم كانوا أوثروا به وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك خبر بأنه تأوله أنه بمعنى الخط، سنذكره إن شاء الله تعالى، فتأويل الكلام إذن: ائتوني أيها القوم بكتاب من قبل هذا الكتاب، بتحقيق ما سألتكم تحقيقه من الحجة على دعواكم ما تدعون لآلهتكم، أو ببقية من علم يوصل بها إلى علم صحة ما تقولون من ذلك {إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] في دعواكم لها ما تدعون، فإن الدعوى إذا لم يكن معها حجة لم تغن عن المدعي شيئا 21P116

Bölüm V21/P115–V21/P118

[الأحقاف: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة} [الأحقاف: 5] يقول تعالى ذكره: وأي عبد أضل من عبد يدعو من دون الله آلهة لا تستجيب له إلى يوم القيامة: يقول: لا تجيب دعاءه أبدا، لأنها حجر أو خشب أو نحو ذلك وقوله: {وهم عن دعائهم غافلون} [الأحقاف: 5] يقول تعالى ذكره: وآلهتهم التي يدعونهم عن دعائهم إياهم في غفلة، لأنها لا تسمع ولا تنطق، ولا تعقل وإنما عنى بوصفها بالغفلة، تمثيلها بالإنسان الساهي عما يقال له، إذ كانت لا تفهم مما يقال لها شيئا، كما لا يفهم الغافل عن الشيء ما غفل عنه وإنما هذا توبيخ من الله لهؤلاء المشركين لسوء رأيهم، وقبح اختيارهم في عبادتهم من لا يعقل شيئا ولا يفهم، وتركهم عبادة من جميع ما بهم من نعمته، ومن به استغاثتهم عندما ينزل بهم من الحوائج والمصائب وقيل: من لا يستجيب له، فأخرج ذكر الآلهة وهي جماد مخرج ذكر بني آدم، ومن له الاختيار والتمييز، إذ كانت قد مثلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تخدم في خدمتهم إياها، فأجرى الكلام في ذلك على نحو ما كان جاريا فيه عندهم 21P117 [الأحقاف: 6_7] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين} [الأحقاف: 6_7] يقول تعالى ذكره: وإذا جمع الناس يوم القيامة لموقف الحساب، كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء، لأنهم يتبرءون منهم {وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 6] يقول تعالى ذكره: وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا بعبادتهم جاحدين، لأنهم يقولون يوم القيامة: ما أمرناهم بعبادتنا، ولا شعرنا بعبادتهم إيانا، تبرأنا إليك منهم يا ربنا وقوله: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} [يونس: 15] يقول تعالى ذكره: وإذا يقرأ على هؤلاء المشركين بالله من قومك آياتنا، يعني حججنا التي احتججناها عليهم، فيما أنزلناه من كتابنا على محمد صلى الله عليه وسلم {بينات} [البقرة: 99] يعني واضحات نيرات {قال الذين كفروا للحق لما جاءهم} [الأحقاف: 7] يقول تعالى ذكره: قال الذين جحدوا وحدانية الله، وكذبوا رسوله للحق لما جاءهم من عند الله، فأنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم {هذا سحر مبين} [النمل: 13] يعنون هذا القرآن خداع يخدعنا، ويأخذ بقلوب من سمعه فعل السحر مبين: يقول: يبين لمن تأمله ممن سمعه أنه سحر مبين 21P117 [الأحقاف: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم} [الأحقاف: 8] يقول تعالى ذكره: أم يقولون هؤلاء المشركون بالله من قريش افترى محمد هذا القرآن، فاختلقه وتخرصه كذبا، قل لهم يا محمد إن افتريته وتخرصته على الله كذبا {فلا تملكون لي} [الأحقاف: 8] يقول: فلا تغنون عني من الله إن عاقبني على افترائي إياه، وتخرصي عليه شيئا، ولا تقدرون أن تدفعوا عني سوءا إن أصابني به وقوله : {هو أعلم بما تفيضون فيه} [الأحقاف: 8] يقول: ربي أعلم من كل شيء سواه بما تقولون بينكم في هذا القرآن، والهاء من قوله: {تفيضون فيه} [يونس: 61] من ذكر القرآن وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {تفيضون فيه} [يونس: 61] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {إذ تفيضون فيه} [يونس: 61] قال: «تقولون» وقوله: {كفى به شهيدا بيني وبينكم} [الأحقاف: 8] يقول: كفى بالله شاهدا علي وعليكم بما تقولون من تكذيبكم لي فيما جئتكم به من عند الله الغفور الرحيم لهم، بأن لا يعذبهم عليها بعد توبتهم منها 21P118

Bölüm V21/P118–V21/P120

[الأحقاف: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين} [الأحقاف: 9] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك من قريش {ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] يعني: ما كنت أول رسل الله التي أرسلها إلى خلقه، قد كان من قبلي له رسل كثيرة أرسلت إلى أمم قبلكم؛ يقال منه: هو بدع في هذا الأمر، وبديع فيه، إذا كان فيه أول ومن البدع قول عدي بن زيد: فلا أنا بدع من حوادث تعتري رجالا عرت من بعد بؤسي وأسعد ومن البديع قول الأحوص: فخرت فانتمت فقلت انظريني ليس جهل أتيته ببديع يعني بأول، يقال: هو بدع من قوم أبداع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] يقول: «لست بأول الرسل» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 21P120 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] قال : يقول: «ما كنت أول رسول أرسل» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] قال: «ما كنت أولهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عبد الوهاب بن معاوية، عن أبي هبيرة، قال: سألت قتادة {قل ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] قال: «أي قد كانت قبلي رسل» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قل ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] يقول: «أي إن الرسل قد كانت قبلي» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] قال: «قد كانت قبله رسل» وقوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} [الأحقاف: 9] اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: عنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل له: قل للمؤمنين بك ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة، وإلام نصير هنالك، قالوا: ثم بين الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به حالهم في الآخرة، فقيل له {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] وقال: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم} [الفتح: 5] ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} [الأحقاف: 9] «فأنزل الله بعد هذا» {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، والحسن البصري، قالا: قال في حم الأحقاف {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين} [الأحقاف: 9] " فنسختها الآية التي في سورة الفتح {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله} [الفتح: 2] الآية، فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية، فبشرهم بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال له رجال من المؤمنين: هنيئا لك يا نبي الله، قد علمنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟

Bölüm V21/P120–V21/P122

فأنزل الله عز وجل في سورة الأحزاب، فقال: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} [الأحزاب: 47] وقال {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله} [الفتح: 5] الآية «فبين الله ما يفعل به وبهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} [الأحقاف: 9] " ثم درى أو علم من الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ما يفعل به، يقول {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وما 21P122 أدري ما يفعل بي ولا بكم} [الأحقاف: 9] قال: «قد بين له أنه قد غفر من ذنبه ما تقدم وما تأخر» وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله جل ثناؤه نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقوله للمشركين من قومه ويعلم أنه لا يدري إلام يصير أمره وأمرهم في الدنيا، أيصير أمره معهم أن يقتلوه أو يخرجوه من بينهم، أو يؤمنوا به فيتبعوه، وأمرهم إلى الهلاك، كما أهلكت الأمم المكذبة رسلها من قبلهم أو إلى التصديق له فيما جاءهم به من عند الله ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو بكر الهذلي، عن الحسن، في قوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} [الأحقاف: 9] فقال: " أما في الآخرة فمعاذ الله، قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء قبلي أو أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي، ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم، أمتي المكذبة، أم أمتي المصدقة، أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفا، أم مخسوف بها خسفا " ثم أوحي إليه: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} [الإسراء: 60] يقول: أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل، ثم أنزل الله عز وجل: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا} [الفتح: 28] يقول: أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الأديان، ثم قال له في أمته: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان 21P123 الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] فأخبره الله ما يصنع به وما يصنع بأمته وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما أدري ما يفترض علي وعليكم، أو ينزل من حكم، وليس يعني ما أدري ما يفعل بي ولا بكم غدا في المعاد من ثواب الله من أطاعه، وعقابه من كذبه وقال آخرون: إنما أمر أن يقول هذا في أمر كان ينتظره من قبل الله عز وجل في غير الثواب والعقاب وأولى الأقوال في ذلك بالصحة وأشبهها بما دل عليه التنزيل، القول الذي قاله الحسن البصري، الذي رواه عنه أبو بكر الهذلي وإنما قلنا ذلك أولاها بالصواب لأن الخطاب من مبتدإ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله عز وجل خطابا للمشركين وخبرا عنهم، وتوبيخا لهم، واحتجاجا من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عليهم فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن هذه الآية أيضا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، أو خبر عنهم وإذا كان ذلك كذلك، فمحال أن يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: قل للمشركين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وآيات كتاب الله عز وجل في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مخلدون، والمؤمنون به في الجنان منعمون، وبذلك يرهبهم مرة، ويرغبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك ، لقالوا له: فعلام نتبعك إذن وأنت لا تدري إلى أي حال تصير غدا في القيامة، إلى خفض 21P124 ودعة، أم إلى شدة وعذاب؛ وإنما اتباعنا إياك إن اتبعناك، وتصديقنا بما تدعونا إليه، رغبة في نعمة، وكرامة نصيبها، أو رهبة من عقوبة، وعذاب نهرب منه، ولكن ذلك كما قال الحسن، ثم بين الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ما هو فاعل به، وبمن كذب بما جاء به من قومه وغيرهم وقوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [الأنعام: 50] يقول تعالى ذكره: قل لهم ما أتبع فيما آمركم به، وفيما أفعله من فعل إلا وحي الله الذي يوحيه إلي {وما أنا إلا نذير مبين} [الأحقاف: 9] يقول: وما أنا لكم إلا نذير، أنذركم عقاب الله على كفركم به، مبين: يقول: قد أبان لكم إنذاره، وأظهر لكم دعاءه إلى ما فيه نصيحتكم، يقول: فكذلك أنا 21P124

Bölüm V21/P122–V21/P126

[الأحقاف: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [الأحقاف: 10] يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين لهذا القرآن لما جاءهم هذا سحر مبين {أرأيتم} [الأنعام: 46] أيها القوم {إن كان} [النساء: 11] هذا القرآن {من عند الله} [البقرة: 79] أنزله علي {وكفرتم} [الأحقاف: 10] أنتم {به} [البقرة: 22] يقول: وكذبتم أنتم به وقوله: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وشهد شاهد من بني إسرائيل، وهو موسى بن عمران عليه السلام على مثله، يعني على مثل القرآن، قالوا: ومثل القرآن الذي شهد عليه موسى بالتصديق التوراة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، عن مسروق، في هذه الآية: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] «فخاصم به الذين كفروا من أهل مكة، التوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد صلى الله عليه وسلم» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال : سئل داود، عن قوله: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به} [الأحقاف: 10] الآية، قال داود، قال عامر، قال مسروق: " والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما أنزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد صلى الله عليه وسلم بها قومه، قال: فنزلت {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم} [الأحقاف: 10] قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد صلى الله عليه وسلم، فآمنوا بالتوراة وبرسولهم، وكفرتم " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: " أناس يزعمون أن شاهدا من بني إسرائيل على مثله عبد الله بن سلام، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة؛ وقد أخبرني مسروق أن آل حم، إنما نزلت بمكة، وإنما كانت محاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، فقال: {أرأيتم إن كان من عند الله} [فصلت: 52] يعني القرآن {وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن} [الأحقاف: 10] موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام على الفرقان " حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن داود، عن الشعبي، قال: " إن 21P126 ناسا يزعمون أن الشاهد على مثله: عبد الله بن سلام، وأنا أعلم بذلك، وإنما أسلم عبد الله بالمدينة، وقد أخبرني مسروق أن آل حم إنما نزلت بمكة، وإنما كانت محاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه، فقال: {قل أرأيتم إن كان من عند الله} [فصلت: 52] يعني الفرقان {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] فمثل التوراة الفرقان، التوراة شهد عليها موسى، ومحمد على الفرقان صلى الله عليهما وسلم " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا داود، عن الشعبي، عن مسروق، في قوله {قل أرأيتم إن كان من عند الله} [فصلت: 52] الآية، قال: " كان إسلام ابن سلام بالمدينة ونزلت هذه السورة بمكة إنما كانت خصومة بين محمد عليه الصلاة والسلام وبين قومه، فقال: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] قال: التوراة مثل الفرقان، وموسى مثل محمد، فآمن به واستكبرتم، ثم قال: آمن هذا الذي من بني إسرائيل بنبيه وكتابه، واستكبرتم أنتم، فكذبتم أنتم نبيكم وكتابكم، {إن الله لا يهدي} [الأحقاف: 10] إلى قوله: {هذا إفك قديم} [الأحقاف: 11] " وقال آخرون: عنى بقوله: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] عبد الله بن سلام، قالوا: ومعنى الكلام وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل هذا القرآن بالتصديق قالوا: ومثل القرآن التوراة ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف التنيسي، قال: سمعت مالك بن أنس، يحدث عن أبي النضر، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: " ما سمعت 21P127 رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام؛ قال: وفيه نزلت {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] " حدثنا الحسين بن علي الصدائي، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا شعيب بن صفوان، قال: ثنا عبد الملك بن عمير، أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: قال عبد الله: " أنزل في {قل أرأيتم إن كان من عند الله} [فصلت: 52] إلى قوله: {فآمن واستكبرتم} [الأحقاف: 10] " حدثني علي بن سعد بن مسروق الكندي، قال: ثنا أبو محمد بن يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أخي عبد الله بن سلام، قال: قال عبد الله بن سلام: " نزلت في {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [الأحقاف: 10] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {قل أرأيتم إن كان من عند الله} [فصلت: 52] الآية، قال: كان 21P128 رجل من أهل الكتاب آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال: إنا نجده في التوراة، وكان أفضل رجل منهم ، وأعلمهم بالكتاب، فخاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أترضون أن يحكم بيني وبينكم عبد الله بن سلام؟

Bölüm V21/P126

أتؤمنون؟ » قالوا: نعم، فأرسل إلى عبد الله بن سلام، فقال: «أتشهد أني رسول الله مكتوبا في التوراة والإنجيل» ، قال: نعم، فأعرضت اليهود، وأسلم عبد الله بن سلام، فهو الذي قال الله جل ثناؤه عنه: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم} [الأحقاف: 10] يقول: فآمن عبد الله بن سلام " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] قال: «عبد الله بن سلام» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قل أرأيتم إن كان من عند الله} [فصلت: 52] الآية، «كنا نحدث أنه عبد الله بن سلام آمن بكتاب الله وبرسوله وبالإسلام، وكان من أحبار اليهود» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] ؟ قال: «هو عبد الله بن سلام» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] الشاهد: عبد الله بن سلام، وكان من الأحبار من علماء بني إسرائيل، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود، فأتوه، فسألهم فقال: «أتعلمون أني رسول الله تجدونني مكتوبا عندكم في التوراة؟ » قالوا: لا نعلم ما تقول، وإنا بما جئت به كافرون، فقال: «أي رجل عبد الله بن سلام عندكم» ؟ قالوا: عالمنا وخيرنا، قال: «أترضون به بيني وبينكم؟ » قالوا: نعم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن سلام، فجاءه فقال: «ما شهادتك يا ابن سلام؟ » قال: أشهد أنك رسول الله، وأن كتابك جاء من عند الله، فآمن وكفروا، يقول الله تبارك وتعالى {فآمن واستكبرتم} [الأحقاف: 10] " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، قال: بلغني أنه لما أراد عبد الله بن سلام أن يسلم قال: يا رسول الله، قد علمت اليهود أني من علمائهم، وأن أبي كان من علمائهم، وإني أشهد أنك رسول الله، وأنهم يجدونك مكتوبا عندهم في التوراة، فأرسل إلى فلان وفلان، ومن سماه من اليهود، وأخبئني في بيتك، وسلهم عني، وعن أبي، فإنهم سيحدثونك أني أعلمهم، وأن أبي من أعلمهم، وإني سأخرج إليهم، فأشهد أنك رسول الله، وأنهم يجدونك مكتوبا عندهم في التوراة، وأنك بعثت بالهدى ودين الحق، قال: ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخبأه في بيته وأرسل إلى اليهود، فدخلوا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عبد الله بن سلام فيكم؟ » قالوا: أعلمنا نفسا وأعلمنا أبا فقال 21P130 رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم إن أسلم تسلمون؟

Bölüm V21/P126–V21/P130

» قالوا: لا يسلم، ثلاث مرار، فدعاه فخرج، ثم قال: أشهد أنك رسول الله، وأنهم يجدونك مكتوبا عندهم في التوراة، وأنك بعثت بالهدى ودين الحق، فقالت اليهود: ما كنا نخشاك على هذا يا عبد الله بن سلام، قال: فخرجوا كفارا، فأنزل الله عز وجل في ذلك {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، فآمن واستكبرتم} [الأحقاف: 10] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم} [الأحقاف: 10] قال: «هذا عبد الله بن سلام، شهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابه حق، وهو في التوراة حق، فآمن واستكبرتم» حدثني أبو شرحبيل الحمصي، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلا يشهدون أنه لا إله إلا هو، وأن محمدا رسول الله، يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه» ، قال: «فأسكتوا فما أجابه منهم أحد» ، ثم ثلث فلم يجبه أحد، فانصرف وأنا معه، حتى إذا كدنا أن نخرج نادى رجل من خلفنا: كما أنت يا محمد، قال: فأقبل، فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني 21P131 فيكم يا معشر اليهود، قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله، ولا أفقه منك، ولا من أبيك، ولا من جدك قبل أبيك، قال: فإني أشهد بالله أنه النبي صلى الله عليه وسلم الذي تجدونه في التوراة والإنجيل، قالوا كذبت، ثم ردوا عليه قوله وقالوا له شرا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبتم لن نقبل قولكم، أما آنفا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأما إذ آمن كذبتموه وقلتم ما قلتم، فلن نقبل قولكم» ، قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا، وعبد الله بن سلام، فأنزل الله فيه: {قل أرأيتم إن كان من عند الله} [فصلت: 52] الآية " والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل، لأن قوله: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش، واحتجاجا عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دل على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك عني به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن 21P132 محمدا مكتوب في التوراة أنه نبي تجده اليهود مكتوبا عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبي وقوله: {فآمن واستكبرتم} [الأحقاف: 10] يقول: فآمن عبد الله بن سلام، وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله، واستكبرتم أنتم على الإيمان بما آمن به عبد الله بن سلام معشر اليهود {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [المائدة: 51] يقول: إن الله لا يوفق لإصابة الحق، وهدى الطريق المستقيم، القوم الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بإيجابهم لها سخط الله بكفرهم به 21P132

Bölüm V21/P130–V21/P135

[الأحقاف: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} [الأحقاف: 11] يقول تعالى ذكره: وقال الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل للذين آمنوا به، لو كان تصديقكم محمدا على ما جاءكم به خيرا، ما سبقتمونا إلى التصديق به، وهذا التأويل على مذهب من تأول قوله: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] أنه معني به عبد الله بن سلام، فأما على تأويل من تأول أنه عني به مشركو قريش، فإنه ينبغي أن يوجه تأويل قوله: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه} [الأحقاف: 11] أنه عني به مشركو قريش وكذلك كان يتأوله قتادة، وفي تأويله إياه كذلك ترك منه تأويله قوله: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} [الأحقاف: 10] أنه معني به عبد الله بن سلام ذكر الرواية عنه ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه} [الأحقاف: 11] قال: قال " ذاك أناس من 21P133 المشركين: نحن أعز، ونحن، ونحن، فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان، فإن الله يختص برحمته من يشاء " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه} [الأحقاف: 11] قال: " قد قال ذلك قائلون من الناس، كانوا أعز منهم في الجاهلية، قالوا: والله لو كان هذا خيرا ما سبقنا إليه بنو فلان وبنو فلان، يختص الله برحمته من يشاء، ويكرم الله برحمته من يشاء، تبارك وتعالى " وقوله: {وإذ لم يهتدوا به} [الأحقاف: 11] يقول تعالى ذكره: وإذ لم يبصروا بمحمد وبما جاء به من عند الله من الهدى، فيرشدوا به الطريق المستقيم {فسيقولون هذا إفك قديم} [الأحقاف: 11] يقول: فسيقولون هذا القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أكاذيب من أخبار الأولين قديمة، كما قال جل ثناؤه مخبرا عنهم، {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] 21P133 [الأحقاف: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين} [الأحقاف: 12] يقول تعالى ذكره: ومن قبل هذا الكتاب، كتاب موسى، وهو التوراة، إماما لبني إسرائيل يأتمون به، ورحمة لهم أنزلناه عليهم وخرج الكلام مخرج الخبر عن الكتاب بغير ذكر تمام الخبر اكتفاء بدلالة الكلام على تمامه؛ وتمامه: ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أنزلناه عليه، وهذا كتاب أنزلناه لسانا عربيا اختلف في تأويل ذلك، وفي المعنى الناصب {لسانا عربيا} [الأحقاف: 12] أهل العربية، فقال بعض نحويي البصرة: نصب اللسان والعربي، لأنه من صفة الكتاب، فانتصب على الحال، أو على فعل مضمر، كأنه قال: أعني لسانا عربيا قال: وقال بعضهم على مصدق جعل الكتاب مصدق اللسان، فعلى قول من جعل اللسان نصبا على الحال، وجعله من صفة الكتاب، ينبغي أن يكون تأويل الكلام، وهذا كتاب بلسان عربي مصدق التوراة كتاب موسى، بأن محمدا لله رسول، وأن ما جاء به من عند الله حق وأما القول الثاني الذي حكيناه عن بعضهم، أنه جعل الناصب للسان مصدق، فقول لا معنى له، لأن ذلك يصير إذا يؤول كذلك إلى أن الذي يصدق القرآن نفسه، ولا معنى لأن يقال: وهذا كتاب يصدق نفسه، لأن اللسان العربي هو هذا الكتاب، إلا أن يجعل اللسان العربي محمدا عليه الصلاة والسلام، ويوجه تأويله إلى: وهذا كتاب وهو القرآن يصدق محمدا، وهو اللسان العربي، فيكون ذلك وجها من التأويل. وقال بعض نحويي الكوفة: قوله: {لسانا عربيا} [الأحقاف: 12] من نعت الكتاب، وإنما نصب لأنه أريد به: وهذا كتاب يصدق التوراة والإنجيل لسانا عربيا، فخرج لسانا عربيا من يصدق، لأنه فعل، كما تقول: مررت برجل يقوم محسنا، ومررت برجل قائم محسنا، قال: ولو رفع لسان عربي جاز على النعت للكتاب وقد ذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود «وهذا كتاب مصدق لما بين يديه لسانا عربيا» فعلى هذه القراءة يتوجه النصب في قوله: {لسانا عربيا} [الأحقاف: 12] من وجهين: أحدهما على ما بينت من أن يكون اللسان خارجا من قوله {مصدق} [البقرة: 89] والآخر: أن يكون قطعا من الهاء التي في بين يديه والصواب من القول في ذلك عندي أن يكون منصوبا على أنه حال مما في مصدق من ذكر الكتاب، لأن قوله: {مصدق} [البقرة: 89] فعل، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك: وهذا القرآن يصدق كتاب موسى بأن محمدا نبي مرسل لسانا عربيا وقوله: {لينذر الذين ظلموا} [الأحقاف: 12] يقول: لينذر هذا الكتاب الذي أنزلناه إلى محمد عليه الصلاة والسلام الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله بعبادتهم غيره وقوله: {وبشرى للمحسنين} [الأحقاف: 12] يقول: وهو بشرى للذين أطاعوا الله فأحسنوا في إيمانهم وطاعتهم إياه في الدنيا، فحسن الجزاء من الله لهم في الآخرة على طاعتهم إياه وفي قوله: {وبشرى} [البقرة: 97] وجهان من الإعراب: الرفع على العطف على الكتاب بمعنى: وهذا كتاب مصدق وبشرى للمحسنين والنصب على معنى: لينذر الذين ظلموا ويبشر، فإذا جعل مكان يبشر وبشرى أو وبشارة، نصبت كما تقول أتيتك لأزورك وكرامة لك، وقضاء لحقك، بمعنى لأزورك وأكرمك، وأقضي حقك، فتنصب الكرامة والقضاء بمعنى مضمر. واختلفت القراء في قراءة {لينذر} [الكهف: 2] فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز (لتنذر) بالتاء بمعنى: لتنذر أنت يا محمد، وقرأته عامة قراء العراق بالياء بمعنى: لينذر الكتاب، وبأي القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب 21P135

Bölüm V21/P135–V21/P136

[الأحقاف: 13_14] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون} [الأحقاف: 13_14] يقول تعالى ذكره: {إن الذين قالوا ربنا الله} [فصلت: 30] الذي لا إله غيره {ثم استقاموا} [فصلت: 30] على تصديقهم بذلك فلم يخلطوه بشرك، ولم يخالفوا الله في أمره ونهيه {فلا خوف عليهم} [البقرة: 38] من فزع يوم القيامة وأهواله {ولا هم يحزنون} [البقرة: 38] على ما خلفوا وراءهم بعد مماتهم وقوله: {أولئك أصحاب الجنة} [البقرة: 82] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين قالوا هذا القول، واستقاموا أهل الجنة وسكانها {خالدين فيها} [البقرة: 162] يقول: ماكثين فيها أبدا {جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] يقول: ثوابا منا لهم آتيناهم ذلك على أعمالهم الصالحة التي كانوا في الدنيا يعملونها 21P136

Bölüm V21/P136–V21/P137

[الأحقاف: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين} [الأحقاف: 15] يقول تعالى ذكره: ووصينا ابن آدم بوالديه الحسن في صحبته إياهما أيام حياتهما، والبر بهما في حياتهما وبعد مماتهما. واختلفت القراء في قراءة قوله: {إحسانا} [البقرة: 83] فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة (حسنا) بضم الحاء على التأويل الذي وصفت وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة {إحسانا} [البقرة: 83] بالألف، بمعنى: ووصيناه بالإحسان إليهما، وبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب، لتقارب معاني ذلك، واستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في القراء وقوله: {حملته أمه كرها ووضعته كرها} [الأحقاف: 15] يقول تعالى ذكره: ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا برا بهما، لما كان منهما إليه حملا ووليدا وناشئا، ثم وصف جل ثناؤه ما لديه من نعمة أمه، وما لاقت منه في حال حمله ووضعه، ونبهه على الواجب لها عليه من البر، واستحقاقها عليه من الكرامة وجميل الصحبة، فقال: {حملته أمه } [لقمان: 14] يعني في بطنها كرها، يعني مشقة، {ووضعته كرها} [الأحقاف: 15] يقول: وولدته كرها يعني مشقة كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {حملته أمه كرها ووضعته كرها} [الأحقاف: 15] يقول: «حملته مشقة، ووضعته مشقة» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، والحسن، في قوله: {حملته أمه كرها ووضعته كرها} [الأحقاف: 15] قالا: «حملته في مشقة، ووضعته في مشقة» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {حملته أمه كرها} [الأحقاف: 15] قال: «مشقة عليها» واختلفت القراء في قراءة قوله: {كرها} [النساء: 19] فقرأته عامة قراء المدينة 21P138 والبصرة (كرها) بفتح الكاف وقرأته عامة قراء الكوفة {كرها} [النساء: 19] بضمها، وقد بينت اختلاف المختلفين في ذلك قبل إذا فتح وإذا ضم في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] يقول تعالى ذكره: وحمل أمه إياه جنينا في بطنها، وفصالها إياه من الرضاع، وفطمها إياه، شرب اللبن ثلاثون شهرا.

Bölüm V21/P137–V21/P141

واختلفت القراء في قراءة قوله: {وفصاله} [لقمان: 14] ، فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار غير الحسن البصري: {وحمله وفصاله} [الأحقاف: 15] بمعنى: فاصلته أمه فصالا ومفاصلة وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأه: (وحمله وفصله) بفتح الفاء بغير ألف، بمعنى: وفصل أمه إياه والصواب من القول في ذلك عندنا، ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة من القراء عليه وشذوذ ما خالفه وقوله: {حتى إذا بلغ أشده} [الأحقاف: 15] اختلف أهل التأويل في مبلغ حد ذلك من السنين، فقال بعضهم: هو ثلاث وثلاثون سنة ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: " {أشده} [الأحقاف: 15] : ثلاث وثلاثون سنة، واستواؤه أربعون سنة، والعذر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {حتى إذا بلغ أشده} [الأحقاف: 15] قال: «ثلاثا وثلاثين» وقال آخرون: هو بلوغ الحلم ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مجالد، عن الشعبي، قال: " الأشد: الحلم إذا كتبت له الحسنات، وكتبت عليه السيئات " وقد بينا فيما مضى الأشد جمع شد، وأنه تناهي قوته واستوائه وإذا كان ذلك كذلك، كان الثلاث والثلاثون به أشبه من الحلم، لأن المرء لا يبلغ في حال حلمه كمال قواه، ونهاية شدته، فإن العرب إذا ذكرت مثل هذا من الكلام، فعطفت ببعض على بعض جعلت كلا الوقتين قريبا أحدهما من صاحبه، كما قال جل 21P140 ثناؤه: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه} [المزمل: 20] ولا تكاد تقول أنا أعلم أنك تقوم قريبا من ساعة من الليل وكله، ولا أخذت قليلا من مال أو كله، ولكن تقول: أخذت عامة مالي أو كله، فكذلك ذلك في قوله: {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة} [الأحقاف: 15] لا شك أن نسق الأربعين على الثلاث والثلاثين أحسن وأشبه، إذ كان يراد بذلك تقريب أحدهما من الآخر من النسق على الخمس عشرة أو الثمان عشرة وقوله: {وبلغ أربعين سنة} [الأحقاف: 15] ذلك حين تكاملت حجة الله عليه، وسير عنه جهالة شبابه وعرف الواجب لله من الحق في بر والديه كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وبلغ أربعين سنة} [الأحقاف: 15] «وقد مضى من سيئ عمله» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني} [الأحقاف: 15] «حتى بلغ» {من المسلمين} [الأحقاف: 15] «وقد مضى من سيء عمله ما مضى» وقوله: {قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي} [الأحقاف: 15] يقول تعالى ذكره: قال هذا الإنسان الذي هداه الله لرشده، وعرف حق الله عليه فيما ألزمه من بر والديه {رب أوزعني أن أشكر نعمتك } [النمل: 19] يقول: أغرني بشكر نعمتك التي أنعمت علي في تعريفك إياي توحيدك وهدايتك لي للإقرار بذلك، والعمل بطاعتك {وعلى والدي} [النمل: 19] من قبلي، وغير ذلك من نعمك علينا، وألهمني ذلك وأصله من وزعت الرجل على كذا: إذا دفعته عليه 21P141 وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أوزعني أن أشكر نعمتك} [الأحقاف: 15] قال: «اجعلني أشكر نعمتك» وهذا الذي قاله ابن زيد في قوله: {رب أوزعني} [الأحقاف: 15] وإن كان يؤول إليه معنى الكلمة، فليس بمعنى الإيزاع على الصحة وقوله: {وأن أعمل صالحا ترضاه} [النمل: 19] يقول تعالى ذكره: أوزعني أن أعمل صالحا من الأعمال التي ترضاها، وذلك العمل بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وقوله: {وأصلح لي في ذريتي} [الأحقاف: 15] يقول: وأصلح لي أموري في ذريتي الذين وهبتهم، بأن تجعلهم هداة للإيمان بك، واتباع مرضاتك، والعمل بطاعتك، فوصاه جل ثناؤه بالبر بالآباء والأمهات والبنين والبنات وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقوله: {إني تبت إليك وإني من المسلمين} [الأحقاف: 15] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا الإنسان {إني تبت إليك} [الأحقاف: 15] يقول: تبت من ذنوبي التي سلفت مني في سالف أيامى إليك.

Bölüm V21/P141

{وإني من المسلمين} [الأحقاف: 15] يقول: وإني من الخاضعين لك بالطاعة، المستسلمين لأمرك ونهيك، المنقادين لحكمك 21P141

Bölüm V21/P141–V21/P142

[الأحقاف: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} [الأحقاف: 16] 21P142 يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفة صفتهم، هم الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا في الدنيا من صالحات الأعمال، فيجازيهم به، ويثيبهم عليه {ويتجاوز عن سيئاتهم} يقول: ويصفح لهم عن سيئات أعمالهم التي عملوها في الدنيا، فلا يعاقبهم عليها {في أصحاب الجنة} [الأحقاف: 16] يقول: نفعل ذلك بهم فعلنا مثل ذلك في أصحاب الجنة وأهلها الذين هم أهلها كما: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح الأمين، قال: «يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، فيقتص بعضها فإن بقيت حسنة وسع الله له في الجنة» قال: فدخلت على يزداد، فحدث بمثل هذا الحديث، قال: قلت: فإن ذهبت الحسنة؟ قال: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم} [الأحقاف: 16] الآية حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قال: دعا أبو بكر عمر رضي الله عنهما، فقال له: " إني أوصيك بوصية أن تحفظها: إن لله في الليل حقا لا يقبله بالنهار، وبالنهار حقا لا يقبله بالليل، إنه ليس لأحد نافلة حتى يؤدي الفريضة، إنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقل ذلك عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وخفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة، لاتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف، ألم تر أن الله ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم، 21P143 فيقول قائل: أين يبلغ عملي من عمل هؤلاء، وذلك أن الله عز وجل تجاوز عن أسوأ أعمالهم فلم يبده، ألم تر أن الله ذكر أهل النار بأسوإ أعمالهم حتى يقول قائل: أنا خير عملا من هؤلاء، وذلك بأن الله رد عليهم أحسن أعمالهم، ألم تر أن الله عز وجل أنزل آية الشدة عند آية الرخاء، وآية الرخاء عند آية الشدة، ليكون المؤمن راغبا راهبا، لئلا يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يتمنى على الله أمنية يتمنى على الله فيها غير الحق " واختلفت القراء في قراءة قوله: {نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز} [الأحقاف: 16] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة (يتقبل) . (ويتجاوز) بضم الياء منهما، على ما لم يسم فاعله، ورفع (أحسن) وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة {نتقبل} [الأحقاف: 16] ، {ونتجاوز} [الأحقاف: 16] بالنون وفتحها، ونصب {أحسن} [الأحقاف: 16] على معنى إخبار الله جل ثناؤه عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم، وردا للكلام على قوله: {ووصينا الإنسان} [العنكبوت: 8] ونحن نتقبل منهم أحسن ما عملوا ونتجاوز، وهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله: {وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} [الأحقاف: 16] يقول: وعدهم الله هذا الوعد، وعد الحق لا شك فيه أنه موف لهم به، الذي كانوا إياه في الدنيا يعدهم الله تعالى، ونصب قوله: {وعد الصدق} [الأحقاف: 16] لأنه مصدر خارج من قوله: {يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم} ، وإنما أخرج من هذا الكلام مصدر وعد 21P144 وعدا، لأن قوله: {يتقبل عنهم ويتجاوز} وعد من الله لهم، فقال: وعد الصدق، على ذلك المعنى 21P143

Bölüm V21/P142–V21/P145

[الأحقاف: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين} [الأحقاف: 17] وهذا نعت من الله تعالى ذكره نعت ضال به كافر، وبوالديه عاق، وهما مجتهدان في نصيحته ودعائه إلى الله، فلا يزيده دعاؤهما إياه إلى الحق ونصيحتهما له إلا عتوا وتمردا على الله، وتماديا في جهله، يقول الله جل ثناؤه {والذي قال لوالديه} [الأحقاف: 17] أن دعواه إلى الإيمان بالله، والإقرار ببعث الله خلقه من قبورهم، ومجازاته إياهم بأعمالهم {أف لكما} [الأحقاف: 17] يقول: قذرا لكما ونتنا أتعدانني أن أخرج يقول {أتعدانني أن أخرج} [الأحقاف: 17] من قبري من بعد فنائي وبلائي فيه حيا كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أتعدانني أن أخرج} [الأحقاف: 17] «أن أبعث بعد الموت» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {أتعدانني أن أخرج} [الأحقاف: 17] قال: «يعني البعث بعد الموت» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني} [الأحقاف: 17] إلى آخر الآية؛ قال: " الذي قال هذا ابن لأبي بكر رضي الله عنه، قال: {أتعدانني 21P145 أن أخرج} [الأحقاف: 17] أتعدانني أن أبعث بعد الموت " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: {والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج} [الأحقاف: 17] قال: «هو الكافر الفاجر العاق لوالديه، المكذب بالبعث» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " ثم نعت عبد سوء عاقا لوالديه فاجرا فقال: {والذي قال لوالديه أف لكما} [الأحقاف: 17] إلى قوله: {أساطير الأولين} [الأحقاف: 17] " وقوله: {وقد خلت القرون من قبلي} [الأحقاف: 17] يقول: أتعدانني أن أبعث وقد مضت قرون من الأمم قبلي، فهلكوا، فلم يبعث منهم أحدا، ولو كنت مبعوثا بعد وفاتي كما تقولان، لكان قد بعث من هلك قبلي من القرون {وهما يستغيثان الله} [الأحقاف: 17] يقول تعالى ذكره: ووالداه يستصرخان الله عليه، ويستغيثانه عليه أن يؤمن بالله، ويقر بالبعث ويقولان له: {ويلك آمن} [الأحقاف: 17] أي صدق بوعد الله، وأقر أنك مبعوث من بعد وفاتك، إن وعد الله الذي وعد خلقه أنه باعثهم من قبورهم، ومخرجهم منها إلى موقف الحساب لمجازاتهم بأعمالهم حق لا شك فيه فيقول عدو الله مجيبا لوالديه، وردا عليهما نصيحتهما، وتكذيبا بوعد الله: ما هذا الذي تقولان لي وتدعواني إليه من التصديق بأني مبعوث من بعد وفاتي من قبري، إلا ما سطره الأولون من الناس من الأباطيل، فكتبوه، فأصبتماه أنتما فصدقتما 21P145

Bölüm V21/P145–V21/P149

[الأحقاف: 18_19] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت 21P146 من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون} [الأحقاف: 18_19] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفة صفتهم، الذين وجب عليهم عذاب الله، وحلت بهم عقوبته وسخطه، فيمن حل به عذاب الله على مثل الذي حل بهؤلاء من الأمم الذين مضوا قبلهم من الجن والإنس، الذين كذبوا رسل الله، وعتوا عن أمر ربهم وقوله: {إنهم كانوا خاسرين} [فصلت: 25] يقول تعالى ذكره: إنهم كانوا المغبونين ببيعهم الهدى بالضلال والنعيم بالعقاب حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن ، قال: «الجن لا يموتون» قال قتادة: فقلت {أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت} [الأحقاف: 18] الآية وقوله: {ولكل درجات مما عملوا} [الأنعام: 132] يقول تعالى ذكره: ولكل هؤلاء الفريقين: فريق الإيمان بالله واليوم الآخر، والبر بالوالدين، وفريق الكفر بالله واليوم الآخر، وعقوق الوالدين اللذين وصف صفتهم ربنا عز وجل في هذه الآيات منازل ومراتب عند الله يوم القيامة، مما عملوا، يعني من عملهم الذي عملوه في الدنيا من صالح وحسن وسيئ يجازيهم الله به وقد: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولكل درجات مما عملوا} [الأنعام: 132] قال: «درج أهل النار يذهب سفالا، ودرج أهل الجنة يذهب علوا 21P147 » {وليوفيهم أعمالهم} [الأحقاف: 19] يقول جل ثناؤه: وليعطى جميعهم أجور أعمالهم التي عملوها في الدنيا، المحسن منهم بإحسانه ما وعد الله من الكرامة، والمسيء منهم بإساءته ما أعده من الجزاء {وهم لا يظلمون} [الأحقاف: 19] يقول: وجميعهم لا يظلمون: لا يجازى المسيء منهم إلا عقوبة على ذنبه، لا على ما لم يعمل، ولا يحمل عليه ذنب غيره، ولا يبخس المحسن منهم ثواب إحسانه 21P146 [الأحقاف: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} [الأحقاف: 20] يقول تعالى ذكره: {ويوم يعرض الذين كفروا} [الأحقاف: 20] بالله {على النار} [البقرة: 175] يقال لهم: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف: 20] فيها كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} [الأحقاف: 20] قرأ يزيد حتى بلغ {وبما كنتم تفسقون} [الأحقاف: 20] «تعلمون والله أن أقواما يسترطون حسناتهم استبقى رجل طيباته إن استطاع، ولا قوة إلا بالله» ذكر أن عمر بن الخطاب كان يقول: «لو شئت كنت أطيبكم طعاما، وألينكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي» وذكر لنا أنه لما قدم الشأم، صنع له طعام لم ير قبله مثله، قال: «هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟» قال خالد بن الوليد: لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر، وقال: «لئن كان حظنا في الحطام، وذهبوا» قال أبو جعفر: فيما أرى أنا بالجنة، لقد باينونا بونا بعيدا وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دخل على أهل الصفة مكانا يجتمع فيه فقراء المسلمين، وهم يرقعون ثيابهم بالأدم، ما يجدون لها رقاعا، قال: «أنتم اليوم خير، أو يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة، ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة؟» قالوا: نحن يومئذ خير، قال: «بل أنتم اليوم خير» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: حدثنا صاحب، لنا عن أبي هريرة، قال: " إنما كان طعامنا مع النبي صلى الله عليه وسلم الأسودين: الماء والتمر، والله ما كنا نرى سمراءكم هذه، ولا ندري ما هي " قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي بردة بن عبد الله بن قيس الأشعري، عن أبيه، قال: «أي بني لو شهدتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن مع نبينا إذا أصابتنا السماء حسبت أن ريحنا ريح الضأن، إنما كان لباسنا الصوف» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله عز وجل {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} [الأحقاف: 20] إلى آخر الآية، ثم قرأ {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] وقرأ {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها} [الشورى: 20] وقرأ {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} [الإسراء: 18] إلى آخر الآية، وقال: هؤلاء الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا " واختلفت القراء في قراءة قوله: {أذهبتم طيباتكم} [الأحقاف: 20] ، فقرأته عامة قراء الأمصار {أذهبتم} [الأحقاف: 20] بغير استفهام، سوى أبي جعفر القارئ، فإنه قرأه بالاستفهام، والعرب تستفهم بالتوبيخ، وتترك الاستفهام فيه، فتقول: أذهبت ففعلت كذا وكذا، وذهبت ففعلت وفعلت وأعجب القراءتين إلي ترك الاستفهام فيه، لإجماع الحجة من القراء عليه، ولأنه أفصح اللغتين وقوله {فاليوم تجزون عذاب الهون} [الأحقاف: 20] يقول تعالى ذكره: يقال لهم: فاليوم أيها الكافرون الذين اذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا تجزون: أي تثابون عذاب الهون، يعني عذاب الهوان، وذلك عذاب النار الذي يهينهم كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن 21P150 مجاهد، {عذاب الهون} [الأحقاف: 20] قال: «الهوان» {بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق} [الأحقاف: 20] يقول: بما كنتم تتكبرون في الدنيا على ظهر الأرض على ربكم، فتأبون أن تخلصوا له العبادة، وأن تذعنوا لأمره ونهيه بغير الحق، أي بغير ما أباح لكم ربكم، وأذن لكم به {وبما كنتم تفسقون} [الأحقاف: 20] يقول: بما كنتم فيها تخالفون طاعته فتعصونه 21P149

Sorular