Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الطلاق: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر 23P059 عنه سيئاته ويعظم له أجرا} [الطلاق: 5] يقول تعالى ذكره: هذا الذي بينت لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة، أمر الله الذي أمركم به، أنزله إليكم أيها الناس، لتأتمروا له، وتعملوا به. وقوله: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته} [الطلاق: 5] يقول: ومن يخف الله فيتقه باجتناب معاصيه، وأداء فرائضه، يمح الله عنه ذنوبه وسيئات أعماله ويعظم له أجرا يقول: ويجزل له الثواب على عمله ذلك وتقواه، ومن إعظامه له الأجر عليه أن يدخله جنته، فيخلده فيها. 23P059
[الطلاق: 6_7] القول في تأويل قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها . } [الطلاق: 6_7] يقول تعالى ذكره: أسكنوا مطلقات نسائكم من الموضع الذي سكنتم {من وجدكم} [الطلاق: 6] يقول: من سعتكم التي تجدون؛ وإنما أمر الرجال أن يعطوهن مسكنا يسكنه مما يجدونه، حتى يقضين عددهن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 23P060 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] يقول: من سعتكم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {من وجدكم} [الطلاق: 6] قال: من سعتكم حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] قال: من سعتكم حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، قوله: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} [الطلاق: 6] فإن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] قال: المرأة يطلقها، فعليه أن يسكنها، وينفق عليها حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عز وجل: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] قال: من مقدرتك حيث تقدر، فإن كنت لا تجد شيئا، وكنت في مسكن ليس لك، فجاء أمر أخرجك من المسكن، وليس لك مسكن تسكن فيه، وليس تجد فذاك، وإذا كان به قوة على الكراء فذاك وجده، لا يخرجها من منزلها، وإذا لم يجد وقال 23P061 صاحب المسكن: لا أنزل هذه في بيتي فلا، وإذا كان يجد، كان ذلك عليه وقوله: {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} [الطلاق: 6] يقول جل ثناؤه: ولا تضاروهن في المسكن الذي تسكنونهن فيه، وأنتم تجدون سعة من المنازل أن تطلبوا التضييق عليهن، فذلك قوله: {لتضيقوا عليهن} [الطلاق: 6] يعني: لتضيقوا عليهن في المسكن مع وجودكم السعة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} [الطلاق: 6] قال: في المسكن حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {من وجدكم} [الطلاق: 6] قال: من ملككم، من مقدرتكم. وفي قوله: {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} [الطلاق: 6] قال: لتضيقوا عليهن مساكنهن حتى يخرجن حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، {ولا تضاروهن لتضيقوا 23P062 عليهن} [الطلاق: 6] قال: ليس ينبغي له أن يضارها ويضيق عليها مكانها {حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] هذا لمن يملك الرجعة، ولمن لا يملك الرجعة وقوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] يقول تعالى ذكره: وإن كان نساؤكم المطلقات أولات حمل وكن بائنات منكم، فأنفقوا عليهن في عدتهن منكم حتى يضعن حملهن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] فهذه المرأة يطلقها زوجها، فيبت طلاقها وهي حامل، فيأمره الله أن يسكنها، وينفق عليها حتى تضع، وإن أرضعت فحتى تفطم، وإن أبان طلاقها، وليس بها حبل، فلها السكنى حتى تنقضي عدتها ولا نفقة، وكذلك المرأة يموت عنها زوجها، فإن كانت حاملا أنفق عليها من نصيب ذي بطنها إذا كان ميراث، وإن لم يكن ميراث أنفق عليها الوارث حتى تضع وتفطم ولدها كما قال الله عز وجل {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] فإن لم تكن حاملا، فإن نفقتها كانت من مالها حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق : 6] قال: ينفق على الحبلى إذا كانت حاملا حتى تضع حملها وقال آخرون: عني بقوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] كل مطلقة، ملك زوجها رجعتها أو لم يملك. وممن قال ذلك: عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما - ذكر الرواية عنهما بذلك حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عمر وعبد الله يجعلان للمطلقة ثلاثا: السكنى، والنفقة، والمتعة. وكان عمر إذا ذكر عنده حديث فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في غير بيت زوجها، قال: ما كنا لنجيز في ديننا شهادة امرأة حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا يحيى بن إبراهيم، عن عيسى بن قرطاس، قال: سمعت علي بن الحسين، يقول في المطلقة ثلاثا: لها السكنى، والنفقة، والمتعة؛ فإن خرجت من بيتها فلا سكنى ولا نفقة ولا متعة حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: للمطلقة ثلاثا: السكنى 23P064 والنفقة حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا طلق الرجل ثلاثا، فإن لها السكنى والنفقة والصواب من القول في ذلك عندنا أن لا نفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملا، لأن الله جل ثناؤه جعل النفقة بقوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} [الطلاق: 6] للحوامل دون غيرهن من البائنات من أزواجهن؛ ولو كان البوائن من الحوامل وغير الحوامل في الواجب لهن من النفقة على أزواجهن سواء، لم يكن لخصوص أولات الأحمال بالذكر في هذا الموضع وجه مفهوم، إذ هن وغيرهن في ذلك سواء، وفي خصوصهن بالذكر دون غيرهن أدل الدليل على أن لا نفقة لبائن إلا أن تكون حاملا. وبالذي قلنا في ذلك صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، قال : ثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثتني فاطمة بنت قيس، أخت الضحاك بن قيس أن أبا عمرو المخزومي، طلقها ثلاثا فأمر لها بنفقة فاستقلتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه نحو اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر من بني مخزوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند ميمونة، فقال: يا رسول الله إن أبا عمرو طلق فاطمة ثلاثا، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس لها نفقة» فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن: « 23P065 انتقلي إلى بيت أم شريك» . وأرسل إليها: «أن لا تسبقيني بنفسك» . ثم أرسل إليها أن: «أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون، فانتقلي إلى ابن أم مكتوم، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك» . فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وقوله: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] يقول جل ثناؤه: فإن أرضع لكم نساؤكم البوائن منكم أولادهن الأطفال منكم بأجرة، فآتوهن أجورهن على رضاعهن إياهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، أنه قال في الرضاع: إذا قام على شيء فأم الصبي أحق به، فإن شاءت أرضعته. وإن شاءت تركته إلا أن لا يقبل من غيرها، فإذا كان كذلك أجبرت على رضاعه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] هي أحق بولدها أن تأخذه بما كنت مسترضعا به غيرها حدثنا محمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] قال: ما تراضوا عليه {على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، في الصبي إذا قام على ثمن فأمه أحق أن ترضعه، فإن لم يجد له من يرضعه أجبرت الأم على الرضاع قال: ثنا مهران، عن سفيان، {فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] قال: إن أرضعت لك بأجر فهي أحق من غيرها، وإن هي أبت أن ترضعه ولم تواتك فيما بينك وبينها عاسرتك في الأجر فاسترضع له أخرى وقوله: {وأتمروا بينكم بمعروف} [الطلاق: 6] يقول تعالى ذكره: وليقبل بعضكم أيها الناس من بعض ما أمركم بعضكم به بعضا من معروف. 23P067 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {وأتمروا بينكم بمعروف} [الطلاق: 6] قال: اصنعوا المعروف فيما بينكم حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، {وأتمروا بينكم بمعروف} [الطلاق: 6] حث بعضهم على بعض وقوله: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} [الطلاق: 6] يقول: وإن تعاسر الرجل والمرأة في رضاع ولدها منه، فامتنعت من رضاعه، فلا سبيل له عليها، وليس له إكراهها على إرضاعه، ولكنه يستأجر للصبي مرضعة غير أمه البائنة منه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} [الطلاق: 6] قال: إن أبت الأم أن ترضع ولدها إذا طلقها أبوه، التمس له مرضعة أخرى، الأم أحق إذا رضيت من 23P068 أجر الرضاع بما يرضى به غيرها، فلا ينبغي له أن ينتزع منها حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: إن هي أبت أن ترضعه ولم تواتك فيما بينها وبينك عاسرتك في الأجر، فاسترضع له أخرى حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] قال: فرض لها من قدر ما يجد، فقالت: لا أرضى هذا؛ قال: وهذا بعد الفراق، فأما وهي زوجته فإنها ترضع له طائعة ومكرهة إن شاءت وإن أبت، فقال لها: ليس لي زيادة على هذا إن أحببت أن ترضعي بهذا فأرضعي، وإن كرهت استرضعت ولدي، فهذا قوله: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } [الطلاق: 6] وقوله: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] يقول تعالى ذكره: لينفق الذي بانت منه امرأته إذا كان ذا سعة من المال، وغنى من سعة ماله وغناه على امرأته البائنة في أجر رضاع ولده منها، وعلى ولده الصغير {ومن قدر عليه رزقه} [الطلاق: 7] يقول: ومن ضيق عليه رزقه فلم يوسع عليه، فلينفق مما أعطاه الله على قدر ماله، وما أعطى منه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {لينفق ذو سعة من سعته} [الطلاق: 7] قال: من سعة موجده، قال: {ومن قدر عليه رزقه} [الطلاق: 7] قال: من قتر عليه رزقه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، {لينفق ذو سعة من سعته} [الطلاق: 7] يقول: من طاقته حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] قال: فرض لها من قدر ما يجد حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثني ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {لينفق ذو سعة من سعته} [الطلاق: 7] قال: على المطلقة إذا أرضعت له حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي سنان، قال: سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن أبي عبيدة، فقيل له: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام. فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع إذا هو أخذها. فما لبث أن لبس ألين الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول فأخبره، فقال: رحمه الله تأول هذه الآية {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه 23P070 رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] وقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7] يقول: لا يكلف الله أحدا من النفقة على من تلزمه نفقته بالقرابة والرحم لا ما أعطاه ، إن كان ذا سعة فمن سعته، وإن كان مقدورا عليه رزقه فمما رزقه الله على قدر طاعته، لا يكلف الفقير نفقة الغني، ولا أحد من خلقه إلا فرضه الذي أوجبه عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7] قال: يقول: لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، قال: ثنا سفيان، عن هشيم، {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7] قال: إلا ما افترض عليها حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7] يقول: إلا ما أطاقت حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {لا 23P071 يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7] قال: لا يكلفه الله أن يتصدق وليس عنده ما يتصدق به، ولا يكلفه الله أن يزكي وليس عنده ما يزكي 23P070
[الطلاق: 7_8_9] القول في تأويل قوله تعالى: {... سيجعل الله بعد عسر يسرا وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا} [الطلاق: 7_8_9] يقول تعالى ذكره: سيجعل الله للمقل من المال المقدور عليه رزقه بعد عسر يسرا يقول: من بعد شدة رخاء، ومن بعد ضيق سعة، ومن بعد فقر غنى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، {سيجعل الله بعد عسر يسرا} [الطلاق: 7] بعد الشدة الرخاء. وقوله: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله} [الطلاق: 8] يقول تعالى ذكره: وكأين من أهل قرية طغوا عن أمر ربهم وخالفوه، وعن أمر رسل ربهم، فتمادوا في طغيانهم وعتوهم، ولجوا في كفرهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال : ثنا أسباط، عن 23P072 السدي، في قوله: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله} [الطلاق: 8] قال: غيرت وعصت حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا} [الطلاق: 8] قال: العتو ههنا الكفر والمعصية، عتوا: كفرا، و {عتت عن أمر ربها} [الطلاق: 8] : تركته ولم تقبله وقيل: إنهم كانوا قوما خالفوا أمر ربهم في الطلاق، فتوعد الله بالخبر عنهم هذه الأمة أن يفعل بهم فعله بهم إن خالفوا أمره في ذلك ذكر من قال ذلك حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت عمر بن سليمان، يقول في قوله: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله} [الطلاق: 8] قال: قرية عذبت في الطلاق وقوله: {فحاسبناها حسابا شديدا} [الطلاق: 8] يقول: فحاسبناها على نعمتنا عندها وشكرها {حسابا شديدا} [الطلاق: 8] يقول: حسابا استقصينا فيه عليهم، لم نعف لهم فيه عن شيء، ولم نتجاوز فيه عنهم. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قوله: {فحاسبناها حسابا شديدا} [الطلاق: 8] قال: لم نعف عنها الحساب الشديد الذي ليس 23P073 فيه من العفو شيء حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {فحاسبناها حسابا شديدا} [الطلاق: 8] يقول: لم نرحم وقوله: {وعذبناها عذابا نكرا} [الطلاق: 8] يقول: وعذبناها عذابا عظيما منكرا، وذلك عذاب جهنم. وقوله: {فذاقت وبال أمرها} [الطلاق: 9] يقول: فذاقت هذه القرية التي عتت عن أمر ربها ورسله، عاقبة ما عملت وأتت من معاصي الله والكفر به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {فذاقت وبال أمرها} [الطلاق: 9] قال: عقوبة أمرها حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فذاقت وبال أمرها} [الطلاق: 9] قال: ذاقت عاقبة ما عملت من الشر. الوبال: العاقبة حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فذاقت وبال 23P074 أمرها} [الطلاق: 9] يقول: عاقبة أمرها حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فذاقت وبال أمرها} [الطلاق: 9] قال: جزاء أمرها حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فذاقت وبال أمرها} [الطلاق: 9] يعني بوبال أمرها: جزاء أمرها الذي قد حل وقوله: {وكان عاقبة أمرها خسرا} [الطلاق: 9] يقول تعالى ذكره: وكان الذي أعقب أمرهم، وذلك كفرهم بالله وعصيانهم إياه {خسرا} [الطلاق: 9] : يعني غبنا، لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس من الدنيا قليل، وآثروا اتباع أهوائهم على اتباع أمر الله. 23P074
[الطلاق: 10_11] القول في تأويل قوله تعالى: {أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ...} [الطلاق: 10_11] يقول تعالى ذكره: أعد الله لهؤلاء القوم الذين عتوا عن أمر ربهم ورسله عذابا شديدا، وذلك عذاب النار الذي أعده لهم في القيامة {فاتقوا الله يا أولي 23P075 الألباب} [المائدة: 100] يقول تعالى ذكره: فخافوا الله، واحذروا سخطه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه يا أولي العقول. كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {فاتقوا الله يا أولي الألباب} [المائدة: 100] قال: يا أولي العقول وقوله: {الذين آمنوا} [البقرة: 14] يقول: الذين صدقوا الله ورسله. وقوله: {قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا} [الطلاق: 11] اختلف أهل التأويل في المعني بالذكر والرسول في هذا الموضع، فقال بعضهم: الذكر هو القرآن، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا} [الطلاق: 11] قال: الذكر: القرآن، والرسول: محمد صلى الله عليه وسلم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله عز وجل: {قد أنزل الله إليكم ذكرا } [الطلاق: 10] قال: القرآن روح من الله، وقرأ: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] إلى آخر الآية، وقرأ: {قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا} [الطلاق: 11] قال: القرآن، وقرأ: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} [فصلت: 41] قال: بالقرآن، وقرأ {إنا نحن نزلنا الذكر} [الحجر: 9] قال: القرآن، قال: وهو الذكر، وهو الروح وقال آخرون: الذكر: هو الرسول. والصواب من القول في ذلك أن الرسول ترجمة عن الذكر، وذلك نصب لأنه مردود عليه على البيان عنه والترجمة. فتأويل الكلام إذن: قد أنزل الله إليكم يا أولي الألباب ذكرا من الله لكم يذكركم به، وينبهكم على حظكم من الإيمان بالله، والعمل بطاعته، رسولا يتلو عليكم آيات الله التي أنزلها عليه {مبينات} [النور: 34] يقول: مبينات لمن سمعها وتدبرها أنها من عند الله 23P076 [الطلاق: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {... ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا} [الطلاق: 11] يقول تعالى ذكره: قد أنزل الله إليكم أيها الناس ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات، كي يخرج الذين صدقوا الله ورسوله {وعملوا الصالحات} [البقرة: 25] يقول: وعملوا بما أمرهم الله به وأطاعوه {من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] يعني من الكفر وهي الظلمات، {إلى النور} [البقرة: 257] يعني إلى الإيمان. وقوله: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا} [التغابن: 9] يقول: ومن يصدق 23P077 بالله ويعمل بطاعته {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} [النساء: 13] يقول: يدخله بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار {خالدين فيها أبدا} [النساء: 57] يقول: ماكثين مقيمين في البساتين التي تجري من تحتها الأنهار أبدا، لا يموتون، ولا يخرجون منها أبدا. وقوله: {قد أحسن الله له رزقا} [الطلاق: 11] يقول: قد وسع الله له في الجنات رزقا، يعني بالرزق: ما رزقه فيها من المطاعم والمشارب، وسائر ما أعد لأوليائه فيها، فطيبه لهم. 23P077
[الطلاق: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] يقول تعالى ذكره: {الله الذي خلق سبع سموات} لا ما يعبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تقدر على خلق شيء. وقوله: {ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12] يقول: وخلق من الأرض مثلهن لما في كل واحدة منهن مثل ما في السموات من الخلق. ذكر من قال ذلك حدثني عمرو بن علي ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا 23P078 شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال في هذه الآية: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} قال عمرو: قال: في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق. وقال ابن المثنى: في كل سماء إبراهيم حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: {سبع سموات ومن الأرض مثلهن} قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: خلق الله سبع سموات غلظ كل واحدة مسيرة خمس مائة عام، وبين كل واحدة منهن خمس مائة عام، وفوق السبع السموات الماء، والله جل ثناؤه فوق الماء، لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم. والأرض سبع، بين كل أرضين خمس مائة عام، وغلظ كل أرض خمس مائة عام حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب بن عبد الله بن سعد القمي الأشعري، عن جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي، عن سعيد بن جبير، قال: قال رجل لابن عباس 23P079 {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} الآية، فقال ابن عباس: ما يؤمنك أن أخبرك بها فتكفر قال: ثنا عباس، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد، قال: هذه الأرض إلى تلك مثل الفسطاط ضربته في فلاة، وهذه السماء إلى تلك السماء، مثل حلقة رميت بها في أرض فلاة حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: السماء أولها موج مكفوف؛ والثانية صخرة؛ والثالثة حديد؛ والرابعة نحاس؛ والخامسة فضة؛ والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا جرير بن حازم، قال: ثني محمد بن قيس، عن مجاهد، قال: هذا البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت، كل بيت منها حذو صاحبه، لو وقع وقع عليه، وإن هذا الحرم حرمي بناؤه من السموات السبع والأرضين السبع حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} خلق سبع سموات وسبع أرضين في كل سماء من سمائه، وأرض من أرضه، خلق من خلقه وأمر من أمره، وقضاء من قضائه حدثنا ابن عبد الأعلى، قال ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس مرة مع أصحابه، إذا مرت سحابة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما هذا؟ هذا العنان، هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يعبدونه؛ قال: «أتدرون ما هذه السماء؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذه السماء موج مكفوف، وسقف محفوظ» . ثم قال: «أتدرون ما فوق ذلك؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فوق ذلك سماء أخرى، حتى عد سبع سموات» وهو يقول: «أتدرون ما بينهما خمس مائة سنة» ثم قال: «أتدرون ما فوق ذلك؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فوق ذلك العرش» . قال: «أتدرون ما بينهما؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم ". قال: «بينهما خمس مائة سنة» . ثم 23P081 قال: «أتدرون ما هذه الأرض؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «تحت ذلك أرض» ، قال: «أتدرون كم بينهما؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «بينهما مسيرة خمس مائة سنة» حتى عد سبع أرضين، ثم قال: " والذي نفسي بيده لو دلي رجل بحبل حتى يبلغ أسفل الأرضين السابعة لهبط على الله؛ ثم قال: " {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ، قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال أحدهم: أرسلني ربي من السماء السابعة، وتركته؛ ثم قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته؛ ثم قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته؛ ثم قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته ثم وقوله: {يتنزل الأمر بينهن} [الطلاق: 12] يقول تعالى ذكره: يتنزل أمر الله بين السماء السابعة والأرض السابعة. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 23P082 قوله: {يتنزل الأمر بينهن} [الطلاق: 12] قال: بين الأرض السابعة إلى السماء السابعة وقوله: {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير} [الطلاق: 12] يقول تعالى ذكره: ينزل قضاء الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كنه قدرته وسلطانه، وأنه لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه أمر شاءه، ولكنه على ما يشاء قدير. {وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] يقول جل ثناؤه: ولتعلموا أيها الناس أن الله بكل شيء من خلقه محيط علما، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. يقول جل ثناؤه: فخافوا أيها الناس المخالفون أمر ربكم عقوبته، فإنه لا يمنعه من عقوبتكم مانع، وهو على ذلك قادر، ومحيط أيضا بأعمالكم، فلا يخفى عليه منها خاف، وهو محصيها عليكم، ليجازيكم بها. يوم تجزى كل نفس ما كسبت.
[066] سورة التحريم مدنية وآياتها اثنتا عشرة بسم الله الرحمن الرحيم 23P083
[التحريم: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} [التحريم: 1] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي المحرم على نفسه ما أحل الله له، يبتغي بذلك مرضاة أزواجه، لم تحرم على نفسك الحلال الذي أحله الله لك، تلتمس بتحريمك ذلك مرضاة أزواجك. واختلف أهل العلم في الحلال الذي كان الله جل ثناؤه أحله لرسوله، فحرمه على نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه، فقال بعضهم: كان ذلك مارية مملوكته القبطية، حرمها على نفسه بيمين أنه لا يقربها طالبا بذلك رضا حفصة بنت عمر زوجته، لأنها كانت غارت بأن خلا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومها وفي حجرتها. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثني ابن أبي مريم، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثني زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه؛ قال: فقالت: أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها عليه حراما؛ فقالت: يا رسول الله كيف تحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها، فأنزل الله عز وجل {: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} قال زيد: فقوله أنت علي حرام، لغو حدثني يعقوب، قال: ثني ابن علية، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: قال مسروق إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم جاريته، وآلى منها، فجعل الحلال حراما، وقال في اليمين: {قد فرض الله لكم تحلة} [التحريم: 2] أيمانكم حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، قال: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم، فعوتب في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، عن مالك عن زيد بن أسلم، قال لها: أنت علي حرام، ووالله لا أطؤك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} قال: كان الشعبي يقول: حرمها عليه، وحلف لا يقربها، فعوتب في التحريم، وجاءت الكفارة في اليمين حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة وعامر الشعبي، أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم جاريته. قال الشعبي: حلف بيمين مع التحريم، فعاتبه الله في التحريم، وجعل له كفارة اليمين حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يا أيها 23P085 النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] قال: إنه وجدت امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جاريته في بيتها، فقالت: يا رسول الله أنى كان هذا الأمر، وكنت أهونهن عليك؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسكتي لا تذكري هذا لأحد، هي علي حرام إن قربتها بعد هذا أبدا» فقالت: يا رسول الله وكيف تحرم عليك ما أحل الله لك حين تقول: هي علي حرام أبدا؟ فقال: «والله لا آتيها أبدا» . فقال الله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] الآية، قد غفرت هذا لك، وقولك والله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم} [التحريم: 2] حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتاة، فغشيها، فبصرت به حفصة، وكان اليوم يوم عائشة، وكانتا متظاهرتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتمي علي ولا تذكري لعائشة ما رأيت» . فذكرت حفصة لعائشة، فغضبت عائشة.
فلم تزل بنبي الله صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقربها أبدا، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يكفر يمينه، ويأتي جاريته حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عامر، في قول الله: {يا أيها النبي م تحرم ما أحل الله لك} في جارية أتاها، فاطلعت عليه حفصة، فقال: « 23P086 هي علي حرام، فاكتمي ذلك، ولا تخبري به أحدا» فذكرت ذلك وقال آخرون: بل حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته، فجعل الله عز وجل تحريمه إياها بمنزلة اليمين، فأوجب فيها من الكفارة مثل ما أوجب في اليمين إذا حنث فيها صاحبها ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية ، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا حرموا شيئا مما أحل الله لهم أن يكفروا أيمانهم بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وليس يدخل ذلك في طلاق حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] إلى قوله: {وهو العليم الحكيم} [التحريم: 2] قال: كانت حفصة وعائشة متحابتين وكانتا زوجتي النبي صلى الله عليه وسلم، فذهبت حفصة إلى أبيها، فتحدثت عنده، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جاريته، فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة، فوجدتهما في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة شديدة، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته، ودخلت حفصة فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سؤتني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لأرضينك فإني مسر إليك سرا فاحفظيه» . قالت: ما هو؟ قال: «إني أشهدك أن سريتي هذه 23P087 علي حرام رضا لك» . وكانت حفصة وعائشة تظاهران على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأسرت إليها أن أبشري، إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه فتاته، فلما أخبرت بسر النبي صلى الله عليه وسلم أظهر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله على رسوله لما تظاهرتا عليه {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} إلى قوله: {وهو العليم الحكيم} [التحريم: 2] حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا هشام الدستوائي، قال: كتب إلي يحيى يحدث عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس كان يقول: في الحرام يمين تكفرها.
وقال ابن عباس: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم جاريته ، فقال الله وجل ثناؤه: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] إلى قوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] فكفر يمينه، فصير الحرام يمينا حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر، عن أبيه، قال: أنبأنا أبو عثمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيت حفصة، فإذا هي ليست ثم، فجاءته فتاته، وألقى عليها سترا، فجاءت حفصة فقعدت على الباب حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته، فقالت: والله لقد سؤتني، جامعتها في بيتي، أو كما قالت؛ قال: وحرمها النبي صلى الله عليه وسلم، أو كما قال حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] الآية، قال: كان حرم فتاته القبطية أم ولده إبراهيم يقال لها مارية في يوم حفصة، وأسر ذلك إليها، فأطلعت عليه عائشة، وكانتا تظاهران على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فأحل الله له ما حرم على نفسه، فأمر أن يكفر عن يمينه، وعوتب في ذلك، فقال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم} [التحريم: 2] قال قتادة: وكان الحسن يقول: حرمها عليه، فجعل الله فيها كفارة يمين حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور عن معمر، عن قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها، يعني جاريته، فكانت يمينا حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: من المرأتان؟ قال: عائشة، وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في يومها، فوجدته حفصة، فقالت: يا نبي الله لقد جئت إلي شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك بمثله في يومي وفي دوري، وعلى فراشي. قال: «ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ » قالت: بلى، فحرمها، وقال: لا تذكري ذلك لأحد ". فذكرته لعائشة، فأظهره الله عز وجل عليه، فأنزل الله {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} الآيات كلها، فبلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كفر يمينه، وأصاب جاريته 23P089 وقال آخرون: كان ذلك شرابا يشربه، كان يعجبه ذلك ذكر من قال ذلك حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا داود، قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: نزلت هذه الآية في شراب {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} . حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو قطن البغدادي عمرو بن الهيثم، قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن عبد الله بن شداد مثله قال: ثنا أبو قطن، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت في شراب والصواب من القول في ذلك أن يقال: كان الذي حرمه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه شيئا كان الله قد أحله له، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته، وجائز أن يكون كان شرابا من الأشربة، وجائز أن يكون كان غير ذلك، غير أنه أي ذلك كان، فإنه كان تحريم شيء كان له حلالا، فعاتبه الله على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحله، وبين له تحلة يمينه في يمين كان حلف بها مع تحريمه ما حرم على نفسه. فإن قائل قائل: وما برهانك على أنه صلى الله عليه وسلم كان حلف مع تحريمه ما حرم، فقد علمت قول من قال: لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك غير التحريم، وأن التحريم هو اليمين؟
قيل: البرهان على ذلك واضح، وهو أنه لا يعقل في لغة عربية ولا عجمية أن قول القائل لجاريته، أو لطعام أو شراب، هذا علي حرام يمين، فإذا كان ذلك غير معقول، فمعلوم أن اليمين غير قول القائل للشيء الحلال له: هو علي حرام. وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلنا، وفسد ما خالفه، وبعد، فجائز أن يكون تحريم النبي صلى الله عليه وسلم ما حرم على نفسه من الحلال الذي كان الله تعالى ذكره، أحله له بيمين، فيكون قوله: {لم تحرم ما أحل الله} [التحريم: 1] معناه: لم تحلف على الشيء الذي قد أحله الله أن لا تقربه، فتحرمه على نفسك باليمين. وإنما قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ذلك، وحلف مع تحريمه كما: حدثني الحسن بن قزعة، قال: ثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم، فأمر في الإيلاء بكفارة، وقيل له في التحريم {لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] وقوله: {والله غفور رحيم} [البقرة: 218] يقول تعالى ذكره: والله غفور يا محمد لذنوب التائبين من عباده من ذنوبهم، وقد غفر لك تحريمك على نفسك ما أحله الله لك، رحيم بعباده أن يعاقبهم على ما قد تابوا منه من الذنوب بعد التوبة. 23P090
[التحريم: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم} [التحريم: 2] يقول تعالى ذكره: قد بين الله عز وجل لكم تحلة أيمانكم، وحدها لكم أيها الناس والله مولاكم يتولاكم بنصره أيها المؤمنون وهو العليم بمصالحكم الحكيم في تدبيره إياكم، وصرفكم فيما هو أعلم به. 23P090 [التحريم: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه 23P091 حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير} [التحريم: 3] يقول تعالى ذكره: وإذ أسر النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى بعض أزواجه، وهو في قول ابن عباس وقتادة وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن بن زيد والشعبي والضحاك بن مزاحم: حفصة. وقد ذكرنا الرواية في ذلك قبل وقوله: {حديثا} [النساء: 42] والحديث الذي أسر إليها في قول هؤلاء هو قوله لمن أسر إليه ذلك من أزواجه تحريم فتاته، أو ما حرم على نفسه مما كان الله جل ثناؤه قد أحله له، وحلفه على ذلك وقوله: «لا تذكري ذلك لأحد» . وقوله: {فلما نبأت به} [التحريم: 3] يقول تعالى ذكره: فلما أخبرت بالحديث الذي أسر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبتها وأظهره عليه يقول: وأظهر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على أنها قد أنبأت بذلك صاحبتها. وقوله: {عرف بعضه وأعرض عن بعض} [التحريم: 3] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار غير الكسائي: {عرف} [التحريم: 3] بتشديد الراء، بمعنى: عرف النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بعض ذلك الحديث وأخبرها به، وكان الكسائي يذكر عن الحسن البصري وأبي عبد الرحمن السلمي وقتادة، أنهم قرءوا ذلك: (عرف) بتخفيف الراء، بمعنى: عرف لحفصة بعض ذلك الفعل الذي فعلته من إفشائها سره، وقد استكتمها إياه، أي: غضب من ذلك عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجازاها عليه؛ من قول القائل لمن أساء إليه: لأعرفن لك يا فلان ما فعلت، بمعنى: لأجازينك عليه؛ قالوا: وجازاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من فعلها بأن طلقها. وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه {عرف} [التحريم: 3] بعضه بتشديد الراء، بمعنى: عرف النبي صلى الله عليه وسلم حفصة، يعني ما أظهره الله عليه من حديثها صاحبتها لإجماع الحجة من القراء عليه. وقوله: {وأعرض عن بعض} [التحريم: 3] يقول: وترك أن يخبرها ببعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا} [التحريم: 3] قوله لها: لا تذكريه {فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض} [التحريم: 3] وكان كريما صلى الله عليه وسلم وقوله: {فلما نبأها به} [التحريم: 3] يقول: فلما خبر حفصة نبي الله صلى الله عليه وسلم بما أظهره الله عليه من إفشائها سر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة {قالت من أنبأك هذا} [التحريم: 3] يقول: قالت حفصة لرسول الله: من أنبأك هذا الخبر وأخبرك به {قال نبأني العليم الخبير} [التحريم: 3] يقول تعالى ذكره: قال محمد نبي الله لحفصة: خبرني به العليم بسرائر عباده، وضمائر قلوبهم، الخبير بأمورهم، الذي لا يخفى عنه شيء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فلما 23P093 نبأها به قالت من أنبأك هذا} [التحريم: 3] ولم تشك أن صاحبتها أخبرت عنها {قال نبأني العليم الخبير} [التحريم: 3] 23P092
[التحريم: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} [التحريم: 4] يقول تعالى ذكره: إن تتوبا إلى الله أيتها المرأتان فقد مالت قلوبكما إلى محبة ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اجتنابه جاريته، وتحريمها على نفسه، أو تحريم ما كان له حلالا مما حرمه على نفسه بسبب حفصة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] يقول: زاغت قلوبكما، يقول: قد أثمت قلوبكما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن مجاهد، قال: كنا نرى أن قوله: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] شيء هين، حتى سمعت قراءة ابن مسعود: «إن تتوبا إلى الله فقد زاغت قلوبكما» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] أي مالت قلوبكما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن قتادة {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] مالت قلوبكما حدثت، عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] يقول: زاغت حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، {صغت قلوبكما} [التحريم: 4] قال: زاغت قلوبكما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد: قال الله عز وجل: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] قال: سرهما أن يجتنب رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته، وذلك لهما موافق، {صغت قلوبكما} [التحريم: 4] إلى أن سرهما ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: {وإن تظاهرا عليه} [سورة: التحريم، آية رقم: 4] يقول تعالى ذكره للتي أسر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه، والتي أفشت إليها حديثه، وهما عائشة وحفصة رضي الله عنهما. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر 23P095 عن المرأتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللتين قال الله عز وجل ثناؤه: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] قال: فحج عمر، وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر، وعدلت معه بإداوة، ثم أتاني فسكبت على يده وتوضأ فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله لهما: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] ؟ قال عمر: واعجبا لك يا ابن عباس. قال الزهري: وكره والله ما سأله ولم يكتم، قال: هي حفصة وعائشة؛ قال: ثم أخذ يسوق الحديث، فقال: كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة، ثم ذكر الحديث بطوله حدثني يونس، قال: أخبرنا أشهب، عن مالك، عن أبي النضر، عن علي بن حسين، عن ابن عباس، أنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المتظاهرتين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: عائشة وحفصة حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد بن حنين، أنه سمع ابن عباس، يقول: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن المتظاهرتين، فما أجد له موضعا أسأله فيه حتى خرج حاجا، وصحبته حتى إذا كان بمر الظهران ذهب لحاجته، وقال: أدركني بإداوة من 23P096 ماء؛ فلما قضى حاجته ورجع، أتيته بالإداوة أصبها عليه، فرأيت موضعا، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان المتظاهرتان على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فما قضيت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة رضي الله عنهما حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: ثنا سماك أبو زميل، قال: ثني عبد الله بن عباس، قال: ثني عمر بن الخطاب، قال: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه، دخلت عليه وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله ما شق عليك من شأن النساء، فلئن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته، وجبرائيل وميكائيل، وأنا وأبو بكر معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام، إلا رجوت أن يكون الله مصدق قولي، فنزلت هذه الآية، آية التخيير: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} [التحريم: 5] {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} [التحريم: 4] الآية، وكانت عائشة ابنة أبي بكر وحفصة تتظاهران على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وإن تظاهرا عليه} [سورة: التحريم، آية رقم: 4] يقول: على معصية النبي صلى الله عليه وسلم وأذاه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال ابن عباس لعمر: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أسألك عن أمر وإني لأهابك، قال: لا تهبني، فقال: من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: عائشة وحفصة وقوله: {فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} [التحريم: 4] يقول: فإن الله هو وليه وناصره {وصالح المؤمنين} [التحريم: 4] وخيار المؤمنين أيضا مولاه وناصره. وقيل: عني بصالح المؤمنين في هذا الموضع: أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما. ذكر من قال ذلك حدثني علي بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب، عن مجاهد، في قوله: وصالح المؤمنين قال: أبو بكر وعمر حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، في قوله: {وصالح المؤمنين} [التحريم: 4] قال: خيار المؤمنين أبو بكر الصديق وعمر حدثنا إسحاق بن إسرائيل، قال: ثنا الفضل بن موسى السيناني، من قرية بمرو يقال لها سينان، عن عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: {وصالح المؤمنين} [التحريم: 4] قال: أبو بكر وعمر حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت 23P098 الضحاك يقول في قوله: {وصالح المؤمنين} [التحريم: 4] يقول: خيار المؤمنين وقال آخرون: عني بصالح المؤمنين: الأنبياء صلوات الله عليهم ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وصالح المؤمنين} [التحريم: 4] قال: هم الأنبياء حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله {وصالح المؤمنين} [التحريم: 4] قال: هم الأنبياء حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، {وصالح المؤمنين} [التحريم: 4] قال الأنبياء والصواب من القول في ذلك عندي: أن قوله: {وصالح المؤمنين} [التحريم: 4] وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى الجميع، وهو بمعنى قوله: {إن الإنسان لفي خسر} [العصر: 2] فالإنسان وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى الجميع، وهو نظير قول الرجل: لا تقرين إلا قارئ القرآن، يقال: قارئ القرآن، وإن كان في اللفظ واحدا، فمعناه الجمع، لأنه قد أذن لكل قارئ القرآن أن يقريه، واحدا كان أو جماعة وقوله: {والملائكة بعد ذلك ظهير} [التحريم: 4] يقول: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعوان على من أذاه، وأراد مساءته. 23P099 والظهير في هذا الموضع بلفظ واحد في معنى جمع. ولو أخرج بلفظ الجميع لقيل: والملائكة بعد ذلك ظهراء. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} [التحريم: 4] قال : وبدأ بصالح المؤمنين هاهنا قبل الملائكة، قال: {والملائكة بعد ذلك ظهير} [التحريم: 4] 23P099
[التحريم: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا} [التحريم: 5] . يقول تعالى ذكره: عسى رب محمد إن طلقكن يا معشر أزواج محمد صلى الله عليه وسلم أن يبدله منكن أزواجا خيرا منكن. وقيل: إن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيرا من الله نساءه لما اجتمعن عليه في الغيرة. ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن: عسى ربه إن طلقهن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، قال: فنزل كذلك حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن حميد، عن أنس، عن عمر، قال: 23P100 بلغني عن بعض أمهاتنا، أمهات المؤمنين شدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذاهن إياه، فاستقريتهن امرأة امرأة، أعظها وأنهاها عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول: إن أبيتن أبدله الله خيرا منكن، حتى أتيت، حسبت أنه قال على زينب، فقالت: يا ابن الخطاب، أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأمسكت، فأنزل الله {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} [التحريم: 5] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، قال: قال عمر بن الخطاب: بلغني عن أمهات المؤمنين شيء، فاستقريتهن أقول: لتكففن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن، حتى أتيت على إحدى أمهات المؤمنين، فقالت: يا عمر، أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فكففت، فأنزل الله {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات} [التحريم: 5] الآية واختلفت القراء في قراءة قوله: {أن يبدله} [التحريم: 5] فقرأ ذلك بعض قراء مكة والمدينة والبصرة بتشديد الدال: يبدله أزواجا من التبديل، وقرأه عامة قراء الكوفة: {يبدله} [التحريم: 5] بتخفيف الدال من الإبدال. والصواب من القول أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله: {مسلمات} [التحريم: 5] يقول: خاضعات لله بالطاعة {مؤمنات} [الفتح: 25] يعني 23P101 مصدقات بالله ورسوله. وقوله: {قانتات} [النساء: 34] يقول: مطيعات لله. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله {قانتات} [النساء: 34] قال: مطيعات حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {قانتات} [النساء: 34] قال مطيعات وقوله: {تائبات} [التحريم: 5] يقول: راجعات إلى ما يحبه الله منهن من طاعته عما يكرهه منهن {عابدات} [التحريم: 5] يقول: متذللات لله بطاعته. وقوله: {سائحات} [التحريم: 5] يقول: صائمات واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {سائحات} [التحريم: 5] فقال بعضهم: معنى ذلك: صائمات. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {سائحات} [التحريم: 5] قال: صائمات حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {سائحات} [التحريم: 5] قال: صائمات حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: 23P102 السائحات: الصائمات حدثت، عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {سائحات} [التحريم: 5] يعني: صائمات وقال آخرون: السائحات: المهاجرات ذكر من قال ذلك حدثنا إسحاق بن إسرائيل، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن زيد بن أسلم، قال: السائحات: المهاجرات حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {سائحات} [التحريم: 5] قال: مهاجرات، ليس في القرآن ولا في أمة محمد سياحة إلا الهجرة، وهي التي قال الله {السائحون} [التوبة: 112] وقد بينا الصواب من القول في معنى السائحين فيما مضى قبل بشواهده مع ذكرنا أقوال المختلفين فيه، وكرهنا إعادته.
وكان بعض أهل العربية يقول: نرى أن الصائم إنما سمي سائحا ، لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد الطعام، فكأنه أخذ من ذلك وقوله: {ثيبات} [التحريم: 5] وهن اللواتي قد افترعن وذهبت عذرتهن. {وأبكارا} [التحريم: 5] وهن اللواتي لم يجامعن، ولم يفترعن. 23P103
[التحريم: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6] يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {قوا أنفسكم} [التحريم: 6] يقول: علموا بعضكم بعضا ما تقون به من تعلمونه النار، وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة الله، واعملوا بطاعة الله. وقوله: {وأهليكم نارا} [التحريم: 6] يقول: وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به أنفسهم من النار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن رجل، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه في قوله: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} [التحريم: 6] قال: علموهم، وأدبوهم حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن رجل، عن 23P104 علي {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] يقول: أدبوهم، علموهم. حدثني الحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا سعيد بن خثيم، عن محمد بن خالد الضبي، عن الحكم، عن علي بمثله حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] يقول: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار حدثني محمد بن عمر، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] قال: اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} [التحريم: 6] قال: قال: يقيهم أن يأمرهم بطاعة الله ، وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليه بأمر الله يأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها، وزجرتهم عنها حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: {قوا 23P105 أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] قال: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصيته وقوله: {وقودها الناس} [البقرة: 24] يقول: حطبها الذي يوقد على هذه النار بنو آدم وحجارة الكبريت. وقوله: {عليها ملائكة غلاظ شداد} [التحريم: 6] يقول: على هذه النار ملائكة من ملائكة الله، غلاظ على أهل النار، شداد عليهم. {لا يعصون الله ما أمرهم} [التحريم: 6] يقول: لا يخالفون الله في أمره الذي يأمرهم به {ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50] يقول: وينتهون إلى ما يأمرهم به ربهم. 23P105 [التحريم: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون} [التحريم: 7] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله يوم القيامة للذين جحدوا وحدانيته في الدنيا {يا أيها الذين كفروا} [التحريم: 7] الله {لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون} [التحريم: 7] يقول: يقال لهم: إنما تثابون اليوم، وذلك يوم القيامة، وتعطون جزاء أعمالكم التي كنتم في الدنيا تعملون، فلا تطلبوا المعاذير منها. 23P105