Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bölüm V01/P224–V01/P227

ومن أبى ما قلناه في ذلك سئل الفرق بين ذلك وبين سائر الحروف التي تأتي بلفظ واحد مع اشتمالها على المعاني الكثيرة المختلفة كالأمة والدين وما أشبه ذلك من الأسماء والأفعال. فلن يقول في أحد ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. وكذلك يسأل كل من تأول شيئا من ذلك على وجه دون الأوجه الأخر التي وصفنا عن البرهان على دعواه من الوجه الذي يحب التسليم له ثم يعارض بقوله يخالفه في ذلك، ويسأل الفرق بينه وبينه: من أصل، أو مما يدل عليه أصل، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله. وأما الذي زعم من النحويين أن ذلك نظير بل في قول المنشد شعرا: بل، [+البحر الرجز] ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا وأنه لا معنى له، وإنما هو زيادة في الكلام معناه الطرح؛ فإنه أخطأ من وجوه شتى: أحدها: أنه وصف الله تعالى ذكره بأنه خاطب العرب بغير ما هو من لغتها وغير ما هو في لغة أحد من الآدميين، إذ كانت العرب وإن كانت قد كانت تفتتح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشعر ببل، فإنه معلوم منها أنها لم تكن تبتدئ شيئا من الكلام ب {الم} [البقرة: 1] و {الر} [يونس: 1] و {المص} [الأعراف: 1] بمعنى ابتدائها ذلك ب بل وإذ كان ذلك ليس من ابتدائها، وكان الله جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم من القرآن بما يعرفون من لغاتهم ويستعملون بينهم من منطقهم في جميع آيه، فلا شك أن سبيل ما وصفنا من حروف المعجم التي افتتحت بها أوائل السور التي هن لها فواتح سبيل سائر القرآن في أنه لم يعدل بها عن لغاتهم التي كانوا بها عارفين ولها بينهم في منطقهم مستعملين؛ لأن ذلك لو كان معدولا به عن سبيل لغاتهم ومنطقهم كان خارجا عن معنى الإبانة التي وصف الله عز وجل بها القرآن، فقال تعالى ذكره: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} [الشعراء: 193] وأنى يكون مبينا ما لا يعقله ولا يفقهه أحد من العالمين في قول قائل هذه المقالة، ولا يعرف في منطق أحد من المخلوقين في قوله؟ وفي إخبار الله جل ثناؤه عنه أنه عربي مبين ما يكذب هذه المقالة، وينبئ عنه أن العرب كانوا به عالمين وهو لها مستبين. فذلك أحد أوجه خطئه. والوجه الثاني من خطئه في ذلك: إضافته إلى الله جل ثناؤه أنه خاطب عباده بما لا فائدة لهم فيه ولا معنى له من الكلام الذي سواء الخطاب به وترك الخطاب به، وذلك إضافة العبث الذي هو منفي في قول جميع الموحدين عن الله، إلى الله تعالى ذكره. والوجه الثالث من خطئه: أن بل في كلام العرب مفهوم تأويلها ومعناها، وأنها تدخلها في كلامها رجوعا عن كلام لها قد تقضى كقولهم: ما جاءني أخوك بل أبوك؛ وما رأيت عمرا بل عبد الله، وما أشبه ذلك من الكلام، كما قال أعشى بني ثعلبة: [+البحر الكامل] ولأشربن ثمانيا وثمانيا وثلاث عشرة واثنتين وأربعا ومضى في كلمته حتى بلغ قوله: بالجلسان وطيب أردانه بالون يضرب لي يكر الأصبعا ثم قال: بل عد هذا في قريض غيره واذكر فتى سمح الخليقة أروعا فكأنه قال: دع هذا وخذ في قريض غيره. فبل إنما يأتي في كلام العرب على هذا النحو من الكلام. فأما إفساحا لكلامها مبتدأ بمعنى التطويل والحذف من غير أن يدل على معنى، فذلك مما لا نعلم أحدا ادعاه من أهل المعرفة بلسان العرب ومنطقها، سوى الذي ذكرت قوله، فيكون ذلك أصلا يشبه به حروف المعجم التي هي فواتح سور القرآن التي افتتحت بها لو كان له مشبهة، فكيف وهي من الشبه به بعيدة؟ 01P228

Bölüm V01/P227–V01/P230

[البقرة: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} [البقرة: 2] قال عامة المفسرين: تأويل قول الله تعالى: {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] هذا الكتاب ذكر من قال ذلك حدثني هارون بن إدريس الأصم الكوفي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] قال: هو هذا الكتاب " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا خالد الحذاء، عن عكرمة، قال: " {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] هذا الكتاب " حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، في قوله: " {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] قال: هذا الكتاب " حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] هذا الكتاب قال: قال ابن عباس: " {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] هذا الكتاب " فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك بمعنى هذا؟ وهذا لا شك إشارة إلى حاضر معاين، وذلك إشارة إلى غائب غير حاضر ولا معاين؟ قيل: جاز ذلك لأن كل ما تقضى وقرب تقضيه من الأخبار فهو وإن صار بمعنى غير الحاضر، فكالحاضر عند المخاطب؛ وذلك كالرجل يحدث الرجل الحديث، فيقول السامع: إن ذلك والله لكما قلت، وهذا والله كما قلت، وهو والله كما ذكرت. فيخبر عنه مرة بمعنى الغائب إذ كان قد تقضى ومضى، ومرة بمعنى الحاضر لقرب جوابه من كلام مخبره كأنه غير منقض، فكذلك ذلك في قوله: {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] لأنه جل ذكره لما قدم قبل ذلك الكتاب {الم} [البقرة: 1] التي ذكرنا تصرفها في وجوهها من المعاني على ما وصفنا، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته لك الكتاب. ولذلك حسن وضع ذلك في مكان هذا، لأنه أشير به إلى الخبر عما تضمنه قوله: {الم} [البقرة: 1] من المعاني بعد تقضي الخبر عنه {الم} [البقرة: 1] ، فصار لقرب الخبر عنه من تقضيه كالحاضر المشار إليه، فأخبر عنه بذلك لانقضائه ومصير الخبر عنه كالخبر عن الغائب. وترجمه المفسرون أنه بمعنى هذا لقرب الخبر عنه من انقضائه، فكان كالمشاهد المشار إليه بهذا نحو الذي وصفنا من الكلام الجاري بين الناس في محاوراتهم، وكما قال جل ذكره: {واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار هذا ذكر} [ص: 49] فهذا ما في ذلك إذا عنى بها هذا. وقد يحتمل قوله جل ذكره: {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] أن يكون معنيا به السور التي نزلت قبل سورة البقرة بمكة والمدينة، فكأنه قال جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد اعلم أن ما تضمنته سور الكتاب التي قد أنزلتها إليك هو الكتاب الذي لا ريب فيه. ثم ترجمه المفسرون بأن معنى ذلك: هذا الكتاب، إذ كانت تلك السور التي نزلت قبل سورة البقرة من جملة جميع كتابنا هذا الذي أنزله الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وكان التأويل الأول أولى بما قاله المفسرون؛ لأن ذلك أظهر معاني قولهم الذي قالوه في ذلك. وقد وجه معنى ذلك بعضهم إلى نظير معنى بيت خفاف بن ندبة السلمي: [+البحر الطويل] فإن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمدا على عين تيممت مالكا أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلكا كأنه أراد: تأملني أنا ذلك. فرأى أن {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] بمعنى هذا نظير ما أظهر خفاف من اسمه على وجه الخبر عن الغائب وهو مخبر عن نفسه، فكذلك أظهر ذلك بمعنى الخبر عن الغائب، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهد والقول الأول أولى بتأويل الكتاب لما ذكرنا من العلل. وقد قال بعضهم: {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] يعني به التوراة والإنجيل، وإذا وجه تأويل ذلك إلى هذا الوجه فلا مؤنة فيه على متأوله كذلك لأن ذلك يكون حينئذ إخبارا عن غائب على صحة 01P231

Bölüm V01/P230–V01/P231

[البقرة: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {لا ريب فيه} [البقرة: 2] وتأويل قوله: {لا ريب فيه} [البقرة: 2] لا شك فيه، كما حدثني هارون بن إدريس الأصم، قال: حدثنا عبد الرحمن المحاربي، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {لا ريب فيه} [البقرة: 2] ، قال: لا شك فيه " حدثني سلام بن سالم الخزاعي، قال: حدثنا خلف بن ياسين الكوفي، 01P232 عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عطاء: " {لا ريب فيه} [البقرة: 2] قال: لا شك فيه " حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، قال: " {لا ريب فيه} [البقرة: 2] لا شك فيه " حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {لا ريب فيه} [البقرة: 2] لا شك فيه " حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {لا ريب فيه} [البقرة: 2] قال: لا شك فيه " حدثنا القاسم بن الحسن قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {لا ريب فيه} [البقرة: 2] يقول لا شك فيه " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {لا ريب فيه} [البقرة: 2] يقول: لا شك فيه " وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قوله: " {لا ريب فيه} [البقرة: 2] يقول: لا شك فيه " وهو مصدر من قولك: رابني الشيء يريبني ريبا. ومن ذلك قول ساعدة بن جؤية الهذلي. [+البحر الطويل] فقالوا تركنا الحي قد حصروا به فلا ريب أن قد كان ثم لحيم ويروى: حصروا، وحصروا، والفتح أكثر، والكسر جائز. يعني بقوله: حصروا به أطافوا به، ويعني بقوله، {لا ريب فيه} [البقرة: 2] لا شك فيه، وبقوله: أن قد كان ثم لحيم يعني قتيلا، يقال، قد لحم إذا قتل. والهاء التي في فيه. عائدة على الكتاب، كأنه قال: لا شك في ذلك الكتاب أنه من عند الله هدى للمتقين 01P233

Bölüm V01/P231–V01/P236

[البقرة: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {هدى} [البقرة: 2] حدثني أحمد بن حازم الغفاري، قال، حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن بيان، عن الشعبي: " {هدى} [البقرة: 2] قال، هدى من الضلالة " حدثني موسى بن هارون، قال، حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {هدى للمتقين} [البقرة: 2] يقول: نور للمتقين " والهدى في هذا الموضع مصدر من قولك هديت فلانا الطريق إذا أرشدته إليه. ودللته عليه، وبينته له، أهديه هدى وهداية. فإن قال لنا قائل: أوما كتاب الله نورا إلا للمتقين ولا رشادا إلا للمؤمنين؟ قيل: ذلك كما وصفه ربنا عز وجل، ولو كان نورا لغير المتقين، ورشادا لغير المؤمنين لم يخصص الله عز وجل المتقين بأنه لهم هدى، بل كان يعم به جميع المنذرين؛ ولكنه هدى للمتقين، وشفاء لما في صدور المؤمنين، ووقر في آذان المكذيين، وعمى لأبصار الجاحدين. وحجة لله بالغة على الكافرين؛ فالمؤمن به مهتد، والكافر به محجوج. وقوله: {هدى} [البقرة: 2] يحتمل أوجها من المعاني؛ أحدها: أن يكون نصبا لمعنى القطع من الكتاب لأنه نكرة والكتاب معرفة، فيكون التأويل حينئذ: الم ذلك الكتاب هاديا للمتقين. وذلك مرفوع ب الم، والم به، والكتاب نعت لذلك. وقد يحتمل أن يكون نصبا على القطع من راجع ذكر الكتاب الذي في فيه، فيكون معنى ذلك حينئذ: الم الذي لا ريب فيه هاديا. وقد يحتمل أن يكون أيضا نصبا على هذين الوجهين، أعني على وجه القطع من الهاء التي في فيه، ومن الكتاب على أن الم كلام تام، كما قال ابن عباس إن معناه: أنا الله أعلم. ثم يكون ذلك الكتاب خبرا مستأنفا، ويرفع حينئذ الكتاب بذلك وذلك بالكتاب، ويكون هدى قطعا من الكتاب، وعلى أن يرفع ذلك بالهاء العائدة عليه التي في فيه، والكتاب نعت له، والهدى قطع من الهاء التي في فيه. وإن جعل الهدى في موضع رفع لم يجز أن يكون {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] إلا خبرا مستأنفا والم كلاما تاما مكتفيا بنفسه إلا من وجه واحد؛ وهو أن يرفع حينئذ هدى بمعنى المدح كما قال الله جل وعز: {الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين} [لقمان: 2] في قراءة من قرأ رحمة بالرفع على المدح للآيات. والرفع في هدى حينئذ يجوز من ثلاثة أوجه، أحدها: ما ذكرنا من أنه مدح مستأنف. والآخر: على أن يجعل الرافع ذلك، والكتاب نعت لذلك. والثالث: أن يجعل تابعا لموضع {لا ريب فيه} [البقرة: 2] ويكون {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] مرفوعا بالعائد في فيه، فيكون كما قال تعالى ذكره: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} [الأنعام: 92] . وقد زعم بعض المتقدمين في العلم بالعربية من الكوفيين أن الم رافع {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] بمعنى: هذه الحروف من حروف المعجم، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك. ثم نقض ذلك من قوله فأسرع نقضه، وهدم ما بنى فأسرع هدمه، فزعم أن الرفع في هدى من وجهين والنصب من وجهين، وأن أحد وجهي الرفع أن يكون الكتاب نعتا لذلك، والهدى في موضع رفع خبر لذلك كأنك قلت: ذلك لا شك فيه. قال: وإن جعلت {لا ريب فيه} [البقرة: 2] خبره رفعت أيضا هدى بجعله تابعا لموضع {لا ريب فيه} [البقرة: 2] كما قال الله جل ثناؤه: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} [الأنعام: 92] كأنه قال: وهذا كتاب هدى من صفته كذا وكذا. قال: وأما أحد وجهي النصب، فأن تجعل الكتاب خبرا لذلك وتنصب هدى على القطع؛ لأن هدى نكرة اتصلت بمعرفة وقد تم خبرها فتنصبها، لأن النكرة لا تكون دليلا على معرفة، وإن شئت نصبت هدى على القطع من الهاء التي في فيه كأنك قلت: لا شك فيه هاديا. قال أبوجعفر: فترك الأصل الذي أصله في الم وأنها مرفوعة ب {ذلك الكتاب } [البقرة: 2] ونبذه وراء ظهره.

Bölüm V01/P236

واللازم له على الأصل الذي كان أصله أن لا يجيز الرفع في هدى بحال إلا من وجه واحد، وذلك من قبل الاستئناف إذ كان مدحا. فأما على وجه الخبر لذلك، أو على وجه الإتباع لموضع {لا ريب فيه} [البقرة: 2] فكان اللازم له على قوله أن يكون خطأ، وذلك أن الم إذا رفعت {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] فلا شك أن هدى غير جائز حينئذ أن يكون خبرا لذلك بمعنى الرافع له، أو تابعا لموضع لا ريب فيه، لأن موضعه حينئذ نصب لتمام الخبر قبله وانقطاعه بمخالفته إياه عنه 01P237

Bölüm V01/P236

[البقرة: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {للمتقين} [البقرة: 2] حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، قوله: " {للمتقين} [البقرة: 2] قال: اتقوا ما حرم عليهم وأدوا ما افترض عليهم " حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {للمتقين} [البقرة: 2] أي الذين يحذرون من الله عز وجل عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء به " حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {هدى للمتقين} [البقرة: 2] قال: هم المؤمنون " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: " سألني الأعمش عن المتقين؟ قال: فأجبته، فقال لي: سئل عنها الكلبي، فسألته فقال: «الذين يجتنبون كبائر الإثم» قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرى أنه كذلك ولم ينكره حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: حدثنا عمر أبو حفص، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: " {هدى للمتقين} [البقرة: 2] هم من نعتهم ووصفهم فأثبت صفتهم فقال: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال حدثنا بشر بن عمار، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {للمتقين} [البقرة: 2] قال: 01P239 المؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي " وأولى التأويلات بقول الله جل ثناؤه: {هدى للمتقين} [البقرة: 2] تأويل من وصف القوم بأنهم الذين اتقوا الله تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه، فتجنبوا معاصيه واتقوه فيما أمرهم به من فرائضه فأطاعوه بأدائها. وذلك أن الله عز وجل إنما وصفهم بالتقوى فلم يحصر تقواهم إياه على بعض ما هو أهل له منهم دون بعض. فليس لأحد من الناس أن يحصر معنى ذلك على وصفهم بشيء من تقوى الله عز وجل دون شيء إلا بحجة يجب التسليم لها، لأن ذلك من صفة القوم لو كان محصورا على خاص من معاني التقوى دون العام منها لم يدع الله جل ثناؤه بيان ذلك لعباده، إما في كتابه، وإما على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يكن في العقل دليل على استحالة وصفهم بعموم التقوى. فقد تبين إذا بذلك فساد قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو: الذين اتقوا الشرك وبرءوا من النفاق؛ لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق غير مستحق أن يكون من المتقين. إلا أن يكون عند قائل هذا القول معنى النفاق ركوب الفواحش التي حرمها الله جل ثناؤه وتضييع فرائضه التي فرضها عليه، فإن جماعة من أهل العلم قد كانت تسمي من كان يفعل ذلك منافقا، فيكون، 01P240 وإن كان مخالفا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم، مصيبا تأويل قول الله عز وجل للمتقين

Bölüm V01/P236–V01/P240

[البقرة: 3] القول في تأويل قوله تعالى. {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {الذين يؤمنون} [البقرة: 3] قال: يصدقون " حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {يؤمنون} [البقرة: 3] يصدقون " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {يؤمنون} [البقرة: 3] يخشون " حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الزهري: " الإيمان: العمل " وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: " الإيمان: التصديق " ومعنى الإيمان عند العرب: التصديق فيدعى المصدق بالشيء قولا مؤمنا به، ويدعى المصدق قوله بفعله مؤمنا. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} [يوسف: 17] يعني: وما أنت بمصدق لنا في قولنا. وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل. والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. وإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الآية وأشبه بصفة القوم: أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغيب، قولا، واعتقادا، وعملا، إذ كان جل ثناؤه لم يحصرهم من معنى الإيمان على معنى دون معنى، بل أجمل وصفهم به من غير خصوص شيء من معانيه أخرجه من صفتهم بخبر ولا عقل 01P241

Bölüm V01/P240–V01/P243

[البقرة: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {بالغيب} [البقرة: 3] حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {بالغيب} [البقرة: 3] قال: بما جاء به، يعني من الله جل ثناؤه " حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي: " {بالغيب} [البقرة: 3] أما الغيب: فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار، وما 01P242 ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن. لم يكن تصديقهم بذلك، يعني المؤمنين من العرب، من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم " حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، قال: " الغيب: القرآن " حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله: " {الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] قال: آمنوا بالجنة والنار والبعث بعد الموت وبيوم القيامة، وكل هذا غيب " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " {الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] آمنوا بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب وأصل الغيب: كل ما غاب عنك من شيء، وهو من قولك: غاب فلان يغيب غيبا " وقد اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أنزل الله جل ثناؤه هاتين الآيتين من أول هذه السورة فيهم، وفي نعتهم وصفتهم التي وصفهم بها من إيمانهم بالغيب، وسائر المعاني التي حوتها الآيتان من صفاتهم غيره. فقال بعضهم: هم مؤمنو العرب خاصة، دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب. واستدلوا على صحة قولهم ذلك وحقيقة تأويلهم بالآية التي تتلو هاتين الآيتين، وهو قول الله عز وجل: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [البقرة: 4] قالوا: فلم يكن للعرب كتاب قبل الكتاب الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم تدين بتصديقه والإقرار والعمل به، وإنما كان الكتاب لأهل الكتابين غيرها. قالوا: فلما قص الله عز وجل نبأ الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله بعد اقتصاصه نبأ المؤمنين بالغيب، علمنا أن كل صنف منهم غير الصنف الآخر، وأن المؤمنين بالغيب نوع غير النوع المصدق بالكتابين اللذين أحدهما منزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والآخر منهما على من قبله من رسل الله تعالى ذكره. قالوا : وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلنا من أن تأويل قول الله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] إنما هم الذين يؤمنون بما غاب عنهم من الجنة والنار والثواب والعقاب والبعث، والتصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله وجميع ما كانت العرب لا تدين به في جاهليتها، بما أوجب الله جل ثناؤه على عباده الدينونة به دون غيرهم 01P244 ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أما: " {الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] فهم المؤمنون من العرب {ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] أما الغيب: فما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، وما ذكر الله في القرآن. لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم.

Bölüm V01/P243–V01/P246

{والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 4] هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب " وقال بعضهم: بل نزلت هذه الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة، لإيمانهم بالقرآن عند إخبار الله جل ثناؤه إياهم فيه عن الغيوب التي كانوا يخفونها بينهم ويسرونها، فعلموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك منهم في تنزيله أنه من عند الله جل وعز، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدقوا بالقرآن وما فيه من الإخبار عن الغيوب التي لا علم لهم بها لما استقر عندهم بالحجة التي احتج الله تبارك وتعالى بها عليهم في كتابه، من الإخبار فيه عما كانوا يكتمونه من ضمائرهم؛ أن جميع ذلك من عند الله. وقال بعضهم: بل الآيات الأربع من أول هذه السورة أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم بوصف جميع المؤمنين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم وأهل الكتابين 01P245 وسواهم، وإنما هذه صفة صنف من الناس، والمؤمن بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله هو المؤمن بالغيب. قالوا: وإنما وصفهم الله بالإيمان بما أنزل إلى محمد وبما أنزل إلى من قبله بعد تقضي وصفه إياهم بالإيمان بالغيب؛ لأن وصفه إياهم بما وصفهم به من الإيمان بالغيب كان معنيا به أنهم يؤمنون بالجنة والنار والبعث، وسائر الأمور التي كلفهم الله جل ثناؤه بالإيمان بها مما لم يروه ولم يأت بعد مما هو آت، دون الإخبار عنهم أنهم يؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل والكتب. قالوا: فلما كان معنى قوله {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [البقرة: 4] غير موجود في قوله: {الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] كانت الحاجة من العباد إلى معرفة صفتهم بذلك ليعرفهم نظير حاجتهم إلى معرفتهم بالصفة التي وصفوا بها من إيمانهم بالغيب ليعلموا ما يرضي الله من أفعال عباده، ويحبه من صفاتهم، فيكونوا به إن وفقهم له ربهم مؤمنين ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو بن العباس الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، قال: حدثنا عيسى بن ميمون المكي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان في 01P246 نعت الكافرين وثلاث عشرة في المنافقين» حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد بمثله وحدثني المثنى بن إبراهيم قال: حدثنا موسى بن مسعود، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: «أربع آيات من فاتحة هذه السورة، يعني سورة البقرة، في الذين آمنوا، وآيتان في قادة الأحزاب» وأولى القولين عندي بالصواب وأشبههما بتأويل الكتاب، القول الأول، وهو: أن الذين وصفهم الله تعالى ذكره بالإيمان بالغيب، وما وصفهم به جل ثناؤه في الآيتين الأولتين غير الذين وصفهم بالإيمان بالذي أنزل على محمد والذي أنزل إلى من قبله من الرسل؛ لما ذكرت من العلل قبل لمن قال ذلك، ومما يدل أيضا مع ذلك على صحة هذا القول أنه جنس، بعد وصف المؤمنين بالصفتين اللتين وصف، وبعد تصنيفه إلى كل صنف منهما على ما صنف الكفار، جنسين، فجعل أحدهما مطبوعا على قلبه مختوما عليه مأيوسا من إيمانه، والآخر منافقا يرائي بإظهار الإيمان في الظاهر، ويستسر النفاق في الباطن، فصير الكفار جنسين كما صير المؤمنين في أول السورة جنسين. ثم عرف عباده نعت كل صنف منهم وصفتهم وما أعد لكل فريق منهم من ثواب أو عقاب، وذم أهل الذم منهم وشكر سعي أهل الطاعة منهم 01P247

Bölüm V01/P246–V01/P249

[البقرة: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقيمون} [البقرة: 3] إقامتها: أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها على ما فرضت عليه، كما يقال: أقام القوم سوقهم، إذا لم يعطلوها من البيع والشراء فيها، وكما قال الشاعر: [+البحر المتقارب] أقمنا لأهل العراقين سوق الض ضراب فخاموا وولوا جميعا وكما حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {ويقيمون الصلاة} [البقرة: 3] قال: الذين يقيمون الصلاة بفروضها " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمار، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {ويقيمون الصلاة} [البقرة: 3] قال: إقامة الصلاة: تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها " 01P248 [البقرة: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {الصلاة} [البقرة: 3] حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: " {الذين يقيمون الصلاة} [المائدة: 55] يعني الصلاة المفروضة " وأما الصلاة في كلام العرب فإنها الدعاء كما قال الأعشى: [+البحر الطويل] لها حارس لا يبرح الدهر بيتها وإن ذبحت صلى عليها وزمزما يعني بذلك: دعا لها، وكقول الآخر أيضا: [+البحر المتقارب] وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة؛ لأن المصلي متعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته تعرض الداعي بدعائه 01P249 ربه استنجاح حاجاته وسؤله 01P248 [البقرة: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فقال بعضهم بما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] قال: يؤتون الزكاة احتسابا بها " حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] قال: زكاة أموالهم " حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: " {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] قال: كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله على قدر ميسورهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات سبع آيات في سورة براءة، مما يذكر فيهن الصدقات، هن المثبتات الناسخات " وقال بعضهم بما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] هي نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة " وأولى التأويلات بالآية وأحقها بصفة القوم أن يكونوا كانوا لجميع اللازم لهم في أموالهم، مؤدين زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته من أهل وعيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأن الله جل ثناؤه عم وصفهم، إذ وصفهم بالإنفاق مما رزقهم، فمدحهم بذلك من صفتهم، فكان معلوما أنه إذ لم يخصص مدحهم ووصفهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبها دون نوع بخبر ولا غيره أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمود عليها صاحبها من طيب ما رزقهم ربهم من أموالهم وأملاكهم، وذلك الحلال منه الذي لم يشبه حرام 01P250

Bölüm V01/P249–V01/P252

[البقرة: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 4] قد مضى البيان عن المنعوتين بهذا النعت، وأي أجناس الناس هم. غير أنا نذكر ما روي في ذلك عمن روي عنه في تأويله قول فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {والذين يؤمنون 01P251 بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [البقرة: 4] أي يصدقونك بما جئت به من الله جل وعز، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاءوهم به من عند ربهم " حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 4] هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب " 01P251 [البقرة: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 4] قال أبو جعفر: أما الآخرة، فإنها صفة للدار، كما قال جل ثناؤه: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} [العنكبوت: 64] وإنما وصفت بذلك لمصيرها آخرة لأولى كانت قبلها كما تقول للرجل: أنعمت عليك مرة بعد أخرى فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة. وإنما صارت الآخرة آخرة للأولى، لتقدم الأولى أمامها، فكذلك الدار الآخرة سميت آخرة لتقدم الدار الأولى أمامها، فصارت التالية لها آخرة. وقد يجوز أن تكون سميت آخرة لتأخرها عن الخلق، كما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق. وأما الذي وصف الله جل ثناؤه به المؤمنين، بما أنزل إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلى من قبله من المرسلين، من إيقانهم به من أمر الآخرة، فهو إيقانهم بما كان المشركون به جاحدين، من البعث والنشر والثواب والعقاب والحساب والميزان، وغير ذلك مما أعد الله لخلقه يوم القيامة كما حدثنا به ، محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 4] أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك ويكفرون بما جاءك من ربك " وهذا التأويل من ابن عباس قد صرح عن أن السورة من أولها وإن كانت الآيات التي في أولها من نعت المؤمنين تعريض من الله عز وجل بذم الكفار أهل الكتاب الذين زعموا أنهم بما جاءت به رسل الله عز وجل الذين كانوا قبل محمد صلوات الله عليهم وعليه مصدقون وهم بمحمد عليه الصلاة والسلام مكذبون، ولما جاء به من التنزيل جاحدون، ويدعون مع جحودهم ذلك أنهم مهتدون وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى فأكذب الله جل ثناؤه ذلك من قيلهم بقوله: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون 01P253 الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 2] وأخبر جل ثناؤه عباده أن هذا الكتاب هدى لأهل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به المصدقين بما أنزل إليه وإلى من قبله من رسله من البينات والهدى خاصة، دون من كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وادعى أنه مصدق بمن قبل محمد عليه الصلاة والسلام من الرسل وبما جاء به من الكتب. ثم أكد جل ثناؤه أمر المؤمنين من العرب ومن أهل الكتاب المصدقين بمحمد عليه الصلاة والسلام وبما أنزل إليه وإلى من قبله من الرسل بقوله: {أولئك على هدى من ربهم 01P254 وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5] فأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح خاصة دون غيرهم، وأن غيرهم هم أهل الضلال والخسار 01P252

Bölüm V01/P252–V01/P254

[البقرة: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5] اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله جل ثناؤه بقوله: {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5] فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الصفتين المتقدمتين، أعني المؤمنين بالغيب من العرب والمؤمنين بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى من قبله من الرسل، وإياهم جميعا وصف بأنهم على هدى منهم وأنهم هم المفلحون ذكر من قال ذلك من أهل التأويل حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " أما {الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] ، فهم المؤمنون من العرب، {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} [البقرة: 4] : المؤمنون من أهل الكتاب. ثم جمع الفريقين فقال: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5] " وقال بعضهم: بل عنى بذلك المتقين الذين يؤمنون بالغيب؛ وهم الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد، وبما أنزل إلى من قبله من الرسل. وقال آخرون: بل عنى بذلك الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل إلى من قبله، وهم مؤمنو أهل الكتاب الذين صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وكانوا مؤمنين من قبل بسائر الأنبياء والكتب. وعلى هذا التأويل الآخر، يحتمل أن يكون: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} [البقرة: 4] في محل خفض، ومحل رفع؛ فأما الرفع فيه فإنه يأتيها من وجهين: أحدهما من قبل العطف على ما في {يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] من ذكر الذين. والثاني: أن يكون خبر مبتدأ، ويكون: {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5] رافعها. وأما الخفض فعلى العطف على «المتقين» وإذا كانت معطوفة على «الذين» اتجه لها وجهان من المعنى، أحدهما: أن تكون هي و «الذين» الأولى من صفة المتقين، وذلك على تأويل من رأى أن الآيات الأربع بعد {الم} [البقرة: 1] نزلت في صنف واحد من أصناف المؤمنين. والوجه الثاني: أن تكون «الذين» الثانية معطوفة في الإعراب على المتقين بمعنى الخفض، وهم في المعنى صنف غير 01P255 الصنف الأول. وذلك على مذهب من رأى أن الذين نزلت فيهم الآيتان الأولتان من المؤمنين بعد قوله {الم} [البقرة: 1] غير الذين نزلت فيهم الآيتان الآخرتان اللتان تليان الأولتين. وقد يحتمل أن تكون الذين الثانية مرفوعة في هذا الوجه بمعنى الاستئناف، إذ كانت مبتدأ بها بعد تمام آية وانقضاء قصة. وقد يجوز الرفع فيها أيضا بنية الاستئناف إذ كانت في مبتدأ آية وإن كانت من صفة المتقين. فالرفع إذا يصح فيها من أربعة أوجه، والخفض من وجهين. وأولى التأويلات عندي بقوله: {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5] ما ذكرت من قول ابن مسعود وابن عباس، وأن تكون أولئك إشارة إلى الفريقين، أعني المتقين والذين يؤمنون بما أنزل إليك، وتكون أولئك مرفوعة بالعائد من ذكرهم في قوله: {على هدى من ربهم} [البقرة: 5] وأن تكون الذين الثانية معطوفة على ما قبل من الكلام على ما قد بيناه وإنما رأينا أن ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن الله جل ثناؤه نعت الفريقين بنعتهم المحمود ثم أثنى عليهم؛ فلم يكن عز وجل ليخص أحد الفريقين بالثناء مع تساويهما فيما استحقا به الثناء من الصفات، كما غير جائز في عدله أن يتساويا فيما يستحقان به الجزاء من الأعمال فيخص أحدهما بالجزاء دون الآخر ويحرم الآخر جزاء عمله، فكذلك سبيل الثناء 01P256 بالأعمال؛ لأن الثناء أحد أقسام الجزاء.

Bölüm V01/P254

وأما معنى قوله: {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5] فإن معنى ذلك أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديد الله إياهم وتوفيقه لهم كما حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5] أي على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم " 01P256

Bölüm V01/P254–V01/P256

[البقرة: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5] وتأويل قوله: {وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5] أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنان، والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5] أي الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا " ومن الدلالة على أن أحد معاني الفلاح إدراك الطلبة والظفر بالحاجة قول لبيد 01P257 بن ربيعة: [+البحر الرمل] اعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل يعني ظفر بحاجته وأصاب خيرا. ومنه قول الراجز: [+البحر الرجز] عدمت أما ولدت رباحا جاءت به مفركحا فركاحا تحسب أن قد ولدت نجاحا أشهد لا يزيدها فلاحا يعني خيرا وقربا من حاجتها. والفلاح: مصدر من قولك: أفلح فلان يفلح إفلاحا، وفلاحا، وفلحا. والفلاح أيضا البقاء، ومنه قول لبيد: [+البحر الطويل] نحل بلادا كلها حل قبلنا ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير يريد البقاء. ومنه أيضا قول عبيد: [+البحر البسيط] أفلح بما شئت فقد يبلغ بالض عف وقد يخدع الأريب يريد: عش وابق بما شئت. وكذلك قول نابغة بني ذبيان 01P258 [+البحر الكامل] وكل فتى ستشعبه شعوب وإن أثرى وإن لاقى فلاحا أي نجاحا بحاجته وبقاء 01P256

Bölüm V01/P256–V01/P259

[البقرة: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت فكان ابن عباس يقول، كما حدثنا به، محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {إن الذين كفروا} [البقرة: 6] أي بما أنزل إليك من ربك، وإن قالوا إنا قد آمنا بما قد جاءنا من قبلك " وكان ابن عباس يرى أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم توبيخا لهم في جحودهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وتكذيبهم به، مع علمهم به ومعرفتهم بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وإلى الناس كافة وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن صدر، سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجال سماهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار اليهود، ومن المنافقين من الأوس والخزرج. كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم» 01P259 وقد روي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر وهو ما حدثنا به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: " {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى؛ فأخبره الله جل ثناؤه أنه لا يؤمن إلا من سبق من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول " وقال آخرون بما حدثت به، عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: " آيتان في قادة الأحزاب: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] إلى قوله: {ولهم عذاب عظيم} [البقرة: 7] قال: وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار} [إبراهيم: 29] قال: فهم الذين قتلوا يوم بدر " وأولى هذه التأويلات بالآية تأويل ابن عباس الذي ذكره محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عنه؛ وإن كان لكل قول مما قاله الذين 01P260 ذكرنا قولهم في ذلك مذهب. فأما مذهب من تأول في ذلك ما قاله الربيع بن أنس، فهو أن الله تعالى ذكره لما أخبر عن قوم من أهل الكفر بأنهم لا يؤمنون، وأن الإنذار غير نافعهم، ثم كان من الكفار من قد نفعه الله بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إياه لإيمانه بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله بعد نزول هذه السورة؛ لم يجز أن تكون الآية نزلت إلا في خاص من الكفار. وإذ كان ذلك كذلك وكانت قادة الأحزاب لا شك أنهم ممن لم ينفعه الله عز وجل بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إياه حتى قتلهم الله تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدر، علم أنهم ممن عنى الله جل ثناؤه بهذه الآية. وأما علتنا في اختيارنا ما اخترنا من التأويل في ذلك، فهي أن قول الله جل ثناؤه: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] عقيب خبر الله جل ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب، وعقيب نعتهم وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله.

Bölüm V01/P259

فأولى الأمور بحكمة الله أن يتلى ذلك الخبر عن كفارهم ونعوتهم وذم أسبابهم وأحوالهم، وإظهار شتمهم والبراءة منهم؛ لأن مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت أحواله باختلاف أديانهم، فإن الجنس يجمع جميعهم بأنهم بنو إسرائيل وإنما احتج الله جل ثناؤه بأول هذه السورة لنبيه صلى الله عليه وسلم على مشركي اليهود من أحبار بني إسرائيل الذين كانوا مع علمهم بنبوته منكرين نبوته بإظهار نبيه صلى الله عليه وسلم على ما كانت تسره الأحبار منهم وتكتمه فيجهله عظم اليهود وتعلمه الأحبار منهم ليعلموا أن الذي أطلعه على علم ذلك هو الذي أنزل الكتاب على موسى، 01P261 إذ كان ذلك من الأمور التي لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم ولا قومه ولا عشيرته يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم، فيمكنهم ادعاء اللبس في أمره عليه الصلاة والسلام أنه نبي، وأن ما جاء به فمن عند الله. وأنى يمكنهم ادعاء اللبس في صدق أمي نشأ بين أميين لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يحسب، فيقال قرأ الكتب فعلم أو حسب فنجم، وانبعث على أخبار قراء كتبة، قد درسوا الكتب ورأسوا الأمم، يخبرهم عن مستور عيوبهم، ومصون علومهم، ومكتوم أخبارهم، وخفيات أمورهم التي جهلها من هو دونهم من أحبارهم؟ إن أمر من كان كذلك لغير مشكل، وإن صدقه والحمد لله لبين. ومما ينبئ عن صحة ما قلنا من أن الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] هم أحبار اليهود الذين قتلوا على الكفر وماتوا عليه اقتصاص الله تعالى ذكره نبأهم وتذكيره إياهم ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمد عليه الصلاة والسلام بعد اقتصاصه تعالى ذكره ما اقتص من أمر المنافقين واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن إبليس وآدم في قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} [البقرة: 40] الآيات، واحتجاجه لنبيه عليهم بما احتج به عليهم فيها بعد جحودهم نبوته. فإذا كان الخبر أولا عن مؤمني أهل الكتاب 01P262 وآخرا عن مشركيهم، فأولى أن يكون وسطا عنه، إذ كان الكلام بعضه لبعض تبع، إلا أن تأتيهم دلالة واضحة بعدول بعض ذلك عما ابتدئ به من معانيه، فيكون معروفا حينئذ انصرافه عنه. وأما معنى الكفر في قوله: {إن الذين كفروا} [البقرة: 6] فإنه الجحود. وذلك أن الأحبار من يهود المدينة جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وستروه عن الناس وكتموا أمره، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأصل الكفر عند العرب تغطية الشيء ولذلك سموا الليل كافرا لتغطية ظلمته ما لبسته، كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] فتذكرا ثقلا رثيدا بعد ما ألقت ذكاء يمينها في كافر وقال لبيد بن ربيعة: [+البحر الكامل] في ليلة كفر النجوم غمامها يعني غطاها. فكذلك الأحبار من اليهود غطوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتموه الناس مع علمهم بنبوته ووجودهم صفته في كتبهم. فقال الله جل ثناؤه فيهم: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله 01P263 ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] 01P259

Bölüm V01/P259–V01/P264

[البقرة: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] وتأويل {سواء} [البقرة: 6]: معتدل، مأخوذ من التساوي، كقولك: متساو هذان الأمران عندي، وهما عندي سواء؛ أي هما متعادلان عندي. ومنه قول الله جل ثناؤه: {فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58] يعني أعلمهم وآذنهم بالحرب حتى يستوي علمك وعلمهم بما عليه كل فريق منهم للفريق الآخر. فكذلك قوله: {سواء عليهم} [البقرة: 6] معتدل عندهم أي الأمرين كان منك إليهم الإنذار أم ترك الإنذار لأنهم كانوا لا يؤمنون، وقد ختمت على قلوبهم وسمعهم. ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات: [+البحر الطويل] تغذ بي الشهباء نحو ابن جعفر سواء عليها ليلها ونهارها يعني: بذلك: معتدل عندها السير في الليل والنهار، لأنه لا فتور فيه. ومنه قول الآخر [+البحر الطويل] وليل يقول المرء من ظلماته سواء صحيحات العيون وعورها لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرا ضعيفا من ظلمته. وأما قوله: {أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] فإنه ظهر به الكلام ظهور الاستفهام وهو خبر؛ لأنه وقع موقع أي، كما تقول: لا نبالي أقمت أم قعدت، وأنت مخبر لا مستفهم لوقوع ذلك موقع أي، وذلك أن معناه إذا قلت ذلك: ما نبالي أي هذين كان منك، فكذلك ذلك في قوله: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} [البقرة: 6] لما كان معنى الكلام: سواء عليهم أي هذين كان منك إليهم، حسن في موضعه مع سواء: أفعلت أم لم تفعل. وقد كان بعض نحويي أهل البصرة يزعم أن حرف الاستفهام إنما دخل مع سواء وليس باستفهام، لأن المستفهم إذا استفهم غيره فقال: أزيد عندك أم عمرو؟ مستثبت صاحبه أيهما عنده، فليس أحدهما أحق بالاستفهام من الآخر. فلما كان قوله: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} [البقرة: 6] بمعنى التسوية، أشبه ذلك الاستفهام إذ أشبهه في التسوية، وقد بينا الصواب في ذلك. فتأويل الكلام إذا: معتدل يا محمد على هؤلاء الذين جحدوا نبوتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها، وكتموا بيان أمرك للناس بأنك رسولي إلى خلقي، وقد أخذت عليهم العهد والميثاق أن لا يكتموا ذلك وأن يبينوه للناس ويخبروهم أنهم يجدون صفتك في كتبهم؛ {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} [البقرة: 6] فإنهم لا يؤمنون ولا يرجعون إلى الحق ولا يصدقون بك وبما جئتهم به؛ لما حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] أي أنهم قد كفروا بما عندهم من العلم من ذكر وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك؛ فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا وقد كفروا بما عندهم من علمك " 01P265

Bölüm V01/P264–V01/P266

[البقرة: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم} [البقرة: 7] وأصل الختم: الطبع، والخاتم: هو الطابع يقال منه: ختمت الكتاب، إذا طبعته. فإن قال لنا قائل: وكيف يختم على القلوب، وإنما الختم طبع على الأوعية والظروف والغلف قيل: فإن قلوب العباد أوعية لما أودعت من العلوم وظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور، فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع التي بها تدرك المسموعات، ومن قبلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المغيبات، نظير معنى الختم على سائر الأوعية والظروف. فإن قال: فهل لذلك من صفة تصفها لنا فنفهمها؟ أهي مثل الختم الذي يعرف لما ظهر للأبصار، أم هي بخلاف ذلك؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم فحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال: " أرانا مجاهد بيده فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذا، يعني الكف، فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم، وقال بأصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بأصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعه كلها. قال: ثم يطبع عليه بطابع. قال مجاهد: وكانوا يرون أن ذلك الرين " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: «القلب مثل الكف، فإذا أذنب ذنبا قبض أصبعا حتى يقبض أصابعه كلها. وكان أصحابنا يرون أنه الران» حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، قال: حدثنا ابن جريج، قال: قال مجاهد: «نبئت أن الذنوب على القلب تحف به من نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم» قال ابن جريج: الختم ختم على القلب والسمع حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا، يقول: «الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد ذلك كله» 01P267 وقال بعضهم: إنما معنى قوله: {ختم الله على قلوبهم} [البقرة: 7] إخبار من الله جل ثناؤه عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق، كما يقال: إن فلانا لأصم عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبرا. والحق في ذلك عندي ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثنا به، محمد بن يسار، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى يغلف قلبه؛ فذلك الران الذي قال الله جل ثناؤه: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14] " فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الذنوب، إذا تتابعت على القلوب أغلفتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله عز وجل والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر منها مخلص. فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} [البقرة: 7] نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضه خاتمه وحله رباطه عنها. ويقال لقائلي القول الثاني الزاعمين أن معنى قوله جل ثناؤه: {ختم الله على 01P268 قلوبهم وعلى سمعهم} [البقرة: 7] هو وصفهم بالاستكبار والإعراض عن الذي دعوا إليه من الإقرار بالحق تكبرا: أخبرونا عن استكبار الذين وصفهم الله جل ثناؤه بهذه الصفة وإعراضهم عن الإقرار بما دعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللواحق به، أفعل منهم، أم فعل من الله تعالى ذكره بهم؟

Bölüm V01/P266

فإن زعموا أن ذلك فعل منهم وذلك قولهم، قيل لهم: فإن الله تبارك وتعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وسمعهم، وكيف يجوز أن يكون إعراض الكافر عن الإيمان وتكبره عن الإقرار به، وهو فعله عندكم ختما من الله على قلبه وسمعه، وختمه على قلبه وسمعه فعل الله عز وجل دون فعل الكافر؟ فإن زعموا أن ذلك جائز أن يكون كذلك، لأن تكبره وإعراضه كانا عن ختم الله على قلبه وسمعه، فلما كان الختم سببا لذلك جاز أن يسمى مسببه به؛ تركوا قولهم، وأوجبوا أن الختم من الله على قلوب الكفار وأسماعهم معنى غير كفر الكافر وغير تكبره وإعراضه عن قبول الإيمان والإقرار به، وذلك دخول فيما أنكروه. وهذه الآية من أوضح الأدلة على فساد قول المنكرين تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه ختم على قلوب صنف من كفار عباده وأسماعهم، ثم لم يسقط التكليف عنهم ولم يضع عن أحد منهم فرائضه ولم يعذره في شيء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم 01P269 والطبع على قلبه وسمعه، بل أخبر أن لجميعهم منه عذابا عظيما على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتمه القضاء مع ذلك بأنهم لا يؤمنون 01P267

Bölüm V01/P266–V01/P271

[البقرة: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {وعلى أبصارهم غشاوة} [البقرة: 7] وقوله: {وعلى أبصارهم غشاوة} [البقرة: 7] خبر مبتدأ بعد تمام الخبر عما ختم الله جل ثناؤه عليه من جوارح الكفار الذين مضت قصصهم، وذلك أن {غشاوة} [البقرة: 7] مرفوعة بقوله: {وعلى أبصارهم} [البقرة: 7] فذلك دليل على أنه خبر مبتدأ، وأن قوله: {ختم الله على قلوبهم} [البقرة: 7] قد تناهى عند قوله: {وعلى سمعهم} [البقرة: 7] وذلك هو القراءة الصحيحة عندنا لمعنيين، أحدهما: اتفاق الحجة من القراء والعلماء على الشهادة بتصحيحها، وانفراد المخالف لهم في ذلك وشذوذه عما هم على تخطئته مجمعون؛ وكفى بإجماع الحجة على تخطئة قراءته شاهدا على خطئها. والثاني: أن الختم غير موصوفة به العيون في شيء من كتاب الله، ولا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا موجود في لغة أحد من العرب. وقد قال تبارك وتعالى في سورة أخرى: {وختم على سمعه وقلبه} [الجاثية: 23] ثم قال: {وجعل على بصره غشاوة} [الجاثية: 23] فلم يدخل البصر في معنى الختم، وذلك هو المعروف في كلام العرب. فلم يجز لنا ولا لأحد من الناس القراءة بنصب الغشاوة لما وصفت من العلتين اللتين ذكرت، وإن كان لنصبها مخرج معروف في العربية. وبما قلنا في ذلك من القول والتأويل، روي الخبر عن ابن عباس حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: " {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} [البقرة: 7] والغشاوة على أبصارهم " فإن قال قائل: وما وجه مخرج النصب فيها؟ قيل له: إن نصبها بإضمار جعل كأنه قال: وجعل على أبصارهم غشاوة؛ ثم أسقط جعل؛ إذ كان في أول الكلام ما يدل عليه. وقد يحتمل نصبها على اتباعها موضع السمع إذ كان موضعه نصبا، وإن لم يكن حسنا إعادة العامل فيه على غشاوة ولكن على إتباع الكلام بعضه بعضا، كما قال تعالى ذكره: {يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق} [الواقعة: 18] ثم قال: {وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين} [الواقعة: 20] فخفض اللحم والحور على العطف به على الفاكهة إتباعا لآخر الكلام أوله. ومعلوم أن اللحم لا يطاف به ولا بالحور، ولكن ذلك كما قال الشاعر يصف فرسه 01P271 [+البحر الرجز] علفتها تبنا وماء باردا حتى شتت همالة عيناها ومعلوم أن الماء يشرب ولا يعلف به، ولكنه نصب ذلك على ما وصفت قبل. وكما قال الآخر: [+البحر الكامل] ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا وكان ابن جريج يقول في انتهاء الخبر عن الختم إلى قوله: {وعلى سمعهم} [البقرة: 7] وابتداء الخبر بعده؛ بمثل الذي قلنا فيه، ويتأول فيه من كتاب الله: {فإن يشإ الله يختم على قلبك} حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: حدثنا ابن جريج، قال: «الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر» قال الله تعالى ذكره: {فإن يشإ الله يختم على قلبك} وقال: {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} [الجاثية: 23] والغشاوة في كلام العرب: الغطاء ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص: [+البحر الطويل] تبعتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي ألومها ومنه يقال: تغشاه الهم: إذا تجلله وركبه. ومنه قول نابغة بني ذبيان: [+البحر البسيط] هلا سألت بني ذبيان ما حسبي إذا الدخان تغشى الأشمط البرما يعني بذلك: إذا تجلله وخالطه.

Sorular