Taberî — Câmiü'l-Beyân
[النساء: 92] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] يعني جل ثناؤه بقوله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} [النساء: 92] فإن كان هذا القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم عدو لكم، يعني: من عداد قوم أعداء لكم في الدين مشركين، لم يأمنوكم الحرب على خلافكم على الإسلام، وهو مؤمن {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] يقول: " فإذا قتل المسلم خطأ رجلا من عداد المشركين والمقتول مؤمن والقاتل يحسب أنه على كفره، فعليه تحرير رقبة مؤمنة واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: وإن كان المقتول من قوم هم عدو لكم وهو مؤمن؛ أي بين أظهركم لم يهاجر، فقتله مؤمن، فلا دية عليه وعليه تحرير رقبة مؤمنة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان ، عن سماك، عن عكرمة، والمغيرة، عن إبراهيم، في قوله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} [النساء: 92] قال: " هو الرجل يسلم في دار الحرب ، فيقتل. قال: ليس فيه دية، وفيه الكفارة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} [النساء: 92] قال: " يعني: المقتول يكون مؤمنا وقومه كفار قال: فليس له دية، ولكن تحرير رقبة مؤمنة " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} [النساء: 92] قال: «يكون الرجل مؤمنا وقومه كفار، فلا دية له، ولكن تحرير رقبة مؤمنة» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} [النساء: 92] في دار الكفر، 07P316 يقول: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] وليس له دية " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ولا دية لأهله من أجل أنهم كفار، وليس بينهم وبين الله عهد ولا ذمة " حدثني المثنى قال: ثنا الحجاج قال: ثنا حماد قال: أخبرنا عطاء بن السائب ، عن ابن عباس أنه قال في قول الله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} [النساء: 92] إلى آخر الآية قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومه فيقيم فيهم وهم مشركون، فيمر بهم الجيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقتل فيمن يقتل، فيعتق قاتله رقبة ولا دية له " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة} [النساء: 92] قال: " هذا إذا كان الرجل المسلم من قوم عدو لكم: أي ليس لهم عهد يقتل خطأ، فإن على من قتله تحرير رقبة مؤمنة " حدثني المثنى قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} [النساء: 92] فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمن، فقتله خطأ، فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين، ولا دية عليه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} [النساء: 92] القتيل مسلم وقومه كفار {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ولا يؤدي إليهم الدية فيتقوون بها عليكم " وقال آخرون: بل عنى به الرجل من أهل الحرب يقدم دار الإسلام فيسلم ثم يرجع إلى دار الحرب، فإذا مر بهم الجيش من أهل الإسلام هرب قومه، وأقام ذلك المسلم منهم فيها، فقتله المسلمون وهم يحسبونه كافرا ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] فهو المؤمن يكون في العدو من المشركين يسمعون بالسرية من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فيفرون ويثبت المؤمن فيقتل، ففيه تحرير 07P318 رقبة مؤمنة " 07P317
[النساء: 92] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] يعني جل ثناؤه بقوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 92] وإن كان القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم بينكم أيها المؤمنون وبينهم ميثاق: أي عهد وذمة، وليسوا أهل حرب لكم، {فدية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] يقول: " فعلى قاتله دية مسلمة إلى أهله يتحملها عاقلته، وتحرير رقبة مؤمنة كفارة لقتله. ثم اختلف أهل التأويل في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق أهو مؤمن أو كافر؟ فقال بعضهم: هو كافر، إلا أنه لزمت قاتله ديته؛ لأن له ولقومه عهدا، فواجب أداء ديته إلى قومه للعهد الذي بينهم وبين المؤمنين ، وأنها مال من أموالهم، ولا يحل للمؤمنين شيء من أموالهم بغير طيب أنفسهم ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 92] يقول: «إذا كان كافرا في ذمتكم فقتل، فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله، وتحرير رقبة 07P319 مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، قال: سمعت الزهري، يقول: دية الذمي دية المسلم. قال: وكان يتأول: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن عيسى بن أبي المغيرة، عن الشعبي، في قوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] قال: «من أهل العهد، وليس بمؤمن» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن مهدي، عن هشيم، عن مغيرة ، عن إبراهيم: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 92] وليس بمؤمن " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] بقتله: أي بالذي أصاب من أهل ذمته وعهده {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله} [النساء: 92] الآية " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] يقول: " فأدوا إليهم الدية بالميثاق. قال: وأهل الذمة يدخلون في هذا، وتحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " وقال آخرون: بل هو مؤمن، فعلى قاتله دية يؤديها إلى قومه من المشركين، لأنهم أهل ذمة ذكر من قال ذلك: حدثني ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] قال: «هذا الرجل المسلم وقومه مشركون لهم عقد ، فتكون ديته لقومه وميراثه للمسلمين، ويعقل عنه قومه ولهم ديته» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن جابر بن زيد، في قوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 92] قال: «وهو مؤمن» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن مهدي، عن حماد بن سلمة ، عن يونس، عن الحسن، في قوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 92] قال: «هو كافر» قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك المقتول من أهل العهد، لأن الله أبهم ذلك، فقال: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم} [النساء: 92] ولم يقل: وهو مؤمن كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب؛ أو عنى المؤمن منهم وهو مؤمن. فكان في تركه وصفه بالإيمان الذي وصف به القتيلين الماضي ذكرهما قبل، الدليل الواضح على صحة ما قلنا في ذلك.
فإن ظن ظان أن في قوله تبارك وتعالى: {فدية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] دليلا على أنه من أهل الإيمان، لأن الدية عنده لا تكون إلا لمؤمن، فقد ظن خطأ؛ وذلك أن دية الذمي وأهل الإسلام سواء، لإجماع جميعهم على أن ديات عبيدهم الكفار وعبيد المؤمنين من أهل الإيمان سواء ، فكذلك حكم ديات أحرارهم سواء، مع أن دياتهم لو كانت على ما قال من خالفنا في ذلك، فجعلها على النصف من ديات أهل الإيمان أو على الثلث، لم يكن في ذلك دليل على أن المعني بقوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 92] من أهل الإيمان، لأن دية المؤمنة لا خلاف بين الجميع، إلا من لا يعد خلافا أنها على النصف من دية المؤمن، وذلك غير مخرجها من أن تكون دية، فكذلك حكم ديات أهل الذمة لو كانت مقصرة عن ديات أهل الإيمان لم يخرجها ذلك من أن تكون ديات، فكيف والأمر في ذلك بخلافه ودياتهم وديات المؤمنين سواء؟ . وأما الميثاق: فإنه العهد والذمة، وقد بينا في غير هذا الموضع أن ذلك كذلك والأصل الذي منه أخذ بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 92] يقول: «عهد» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 92] قال: «هو المعاهدة» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 92] عهد " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة ، مثله فإن قال قائل: وما صفة الخطأ الذي إذا قتل المؤمن المؤمن أو المعاهد لزمته ديته والكفارة؟ قيل: هو ما قال النخعي في ذلك. وذلك ما: حدثنا ابن بشار، قال: 07P323 ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم ، قال: «الخطأ أن يريد الشيء، فيصيب غيره» حدثنا أبو كريب، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: «الخطأ أن يرمي الشيء، فيصيب إنسانا وهو لا يريده، فهو خطأ، وهو على العاقلة» فإن قال: فما الدية الواجبة في ذلك؟ قيل: أما في قتل المؤمن فمائة من الإبل إن كان من أهل الإبل على عاقلة قاتله، لا خلاف بين الجميع في ذلك، وإن كان في مبلغ أسنانها اختلاف بين أهل العلم، فمنهم من يقول: هي أرباع: خمس وعشرون منها حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات مخاض ، وخمس وعشرون بنات لبون ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان ، عن 07P324 منصور، عن إبراهيم، عن علي، رضي الله عنه: " في الخطأ شبه العمد ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها؛ وفي الخطأ: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات مخاض ، وخمس وعشرون بنات لبون " حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن فراس والشيباني، عن الشعبي، عن علي بن أبي طالب، بمثله حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي رضي الله عنه، بنحوه. حدثني واصل بن عبد الأعلى قال: ثنا ابن فضيل، عن أشعث بن سوار، عن الشعبي، عن علي رضي الله عنه أنه قال: في قتل الخطأ الدية مائة أرباعا، ثم ذكر مثله.
وقال آخرون: هي أخماس: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون، وعشرون بنات مخاض ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد ، عن قتادة، عن أبي 07P325 مجلز، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود، قال: «في الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون، وعشرون بنات مخاض» حدثني واصل بن عبد الأعلى قال: ثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن عامر، عن عبد الله بن مسعود: " في قتل الخطأ مائة من الإبل أخماسا: خمس جذاع، وخمس حقاق، وخمس بنات لبون، وخمس بنات مخاض، وخمس بنو مخاض " حدثنا مجاهد بن موسى قال: ثنا يزيد قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: " الدية أخماس دية الخطأ: خمس بنات مخاض، وخمس بنات لبون، وخمس حقاق، وخمس جذاع، وخمس بنو مخاض " واعتل قائل هذه المقالة بحديث: حدثنا به أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، وأبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن زيد بن جبير، عن الخشف بن مالك، عن عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الدية في الخطأ أخماسا. قال أبو هشام: قال ابن أبي زائدة: عشرون حقة ، وعشرون جذعة، وعشرون ابنة 07P326 لبون، وعشرون ابنة مخاض، وعشرون بني مخاض. حدثنا أبو هشام قال: ثنا يحيى، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله أنه قضى بذلك. وقال آخرون: هي أرباع، غير أنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنو لبون ذكور ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثني محمد بن بكر قال: ثنا سعيد ، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عثمان، وزيد بن ثابت، قالا: " في الخطأ شبه العمد: أربعون جذعة خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون بنات مخاض؛ وفي الخطأ: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنو لبون 07P327 ذكور " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت، " في دية الخطأ: ثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنو لبون ذكور " حدثنا ابن بشار قال: ثنا ابن عثمة قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال وحدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت، مثله قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن الجميع مجمعون أن في الخطأ المحض على أهل الإبل مائة من الإبل. ثم اختلفوا في مبالغ أسنانها، وأجمعوا على أنه لا يقصر بها في الذي وجبت له الأسنان عن أقل ما ذكرنا من أسنانها التي حدها الذين ذكرنا اختلافهم فيها، وأنه لا يجاوز بها الذي وجبت عن أعلاها. وإن كان ذلك من جميعهم إجماعا، فالواجب أن يكون مجزيا من لزمته دية قتل خطأ: أي هذه الأسنان التي اختلف المختلفون فيها أداها إلى من وجبت له، لأن الله تعالى لم يحد ذلك بحد لا يجاوز به ولا يقصر عنه ولا 07P328 رسوله إلا ما ذكرت من إجماعهم فيما أجمعوا عليه، فإنه ليس للإمام مجاوزة ذلك في الحكم بتقصير ولا زيادة، وله التخيير فيما بين ذلك بما رأى الصلاح فيه للفريقين، وإن كانت عاقلة القاتل من أهل الذهب فإن لورثة القتيل عليهم عندنا ألف دينار، وعليه علماء الأمصار. وقال بعضهم: ذلك تقويم من عمر رضي الله عنه لإبل على أهل الذهب في عصره، والواجب أن يقوم في كل زمان قيمتها إذا عدم الإبل عاقلة القاتل.
واعتلوا بما: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن مكحول، قال: " كانت الدية ترتفع وتنخفض، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ثمانمائة دينار، فخشي عمر من بعده، فجعلها اثني عشر ألف درهم أو ألف دينار وأما الذين أوجبوها في كل زمان على أهل الذهب ذهبا ألف دينار، فقالوا: ذلك فريضة فرضها الله على لسان رسوله، كما فرض الإبل على أهل الإبل. قالوا: وفي إجماع علماء الأمصار في كل عصر، وزمان إلا من شذ عنهم، على أنها لا تزاد على ألف دينار ولا تنقص عنها، أوضح الدليل على أنها الواجبة على أهل الذهب وجوب الإبل على أهل الإبل، لأنها لو كانت قيمة 07P329 لمائة من الإبل لاختلف ذلك بالزيادة والنقصان لتغير أسعار الإبل. وهذا القول هو الحق في ذلك لما ذكرنا من إجماع الحجة عليه. وأما من الورق على أهل الورق عندنا، فاثنا عشر ألف درهم، وقد بينا العلل في ذلك في كتابنا «كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام» وقال آخرون: إنما على أهل الورق من الورق عشرة آلاف درهم، وأما دية المعاهد الذي بيننا وبين قومه ميثاق ، فإن أهل العلم اختلفوا في مبلغها، فقال بعضهم: ديته ودية الحر المسلم سواء ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشر بن السري ، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري: أن أبا بكر، وعثمان، رضوان الله عليهما كانا يجعلان دية اليهودي والنصراني إذا كانا معاهدين كدية المسلم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشر بن السري، عن الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحكم بن عتيبة: أن ابن مسعود، كان يجعل دية أهل الكتاب إذا كانوا أهل ذمة كدية المسلمين " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن حماد ، قال: سألني عبد الحميد عن دية، أهل الكتاب، فأخبرته أن إبراهيم قال: «إن ديتهم وديتنا سواء» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد، عن إبراهيم ، وداود، عن الشعبي، أنهما قالا: «دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل دية الحر المسلم» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كان يقال: «دية اليهودي والنصراني والمجوسي كدية المسلم إذا كانت له ذمة» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، وعطاء، أنهما قالا: «دية المعاهد دية المسلم» حدثنا سوار بن عبد الله قال: ثنا بشر بن المفضل قال: ثنا المسعودي، عن حماد، عن إبراهيم، أنه قال: «دية المسلم والمعاهد سواء» حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، قال: سمعت الزهري، يقول: «دية الذمي دية المسلم» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن أشعث، عن عامر، قال: «دية 07P331 الذمي مثل دية المسلم» حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم مثله. حدثني أبو السائب قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم مثله ثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن عامر، وبلغه، أن الحسن، كان يقول: " دية المجوسي ثمانمائة ودية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، فقال: ديتهم واحدة " حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم ، عن الشعبي قال: «دية المعاهد والمسلم في كفارتهما سواء» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال : «دية المعاهد والمسلم سواء» وقال آخرون: بل ديته على النصف من دية المسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود ، عن عمرو بن 07P332 شعيب، في دية اليهودي والنصراني قال: جعلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصف دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة.
فقلت لعمرو بن شعيب: إن الحسن يقول: أربعة آلاف قال: لعله كان ذلك قبل، وقال: إنما جعل دية المجوسي بمنزلة العبد " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الله الأشجعي، عن سفيان، عن أبي الزناد ، عن عمر بن عبد العزيز، قال: «دية المعاهد على النصف من دية المسلم» وقال آخرون: بل ديته على الثلث من دية المسلم ذكر من قال ذلك: حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف ، عن أبي عثمان، قال: كان قاضيا لأهل مرو، قال: «جعل عمر رضي الله عنه دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف أربعة آلاف» حدثنا عمار بن خالد الواسطي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن ثابت، عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر: «دية النصراني أربعة آلاف ، والمجوسي ثمانمائة» حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا عبد الصمد قال: ثنا شعبة، عن ثابت قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: قال عمر: دية أهل الكتاب أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة " حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان ، عن ثابت، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال، فذكر مثله حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي المليح: أن رجلا من قومه رمى يهوديا أو نصرانيا بسهم فقتله، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأغرمه ديته أربعة آلاف " وبه عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، أربعة آلاف. حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مثله. 07P334 قال ثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عمر، مثله قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أنه قال: «دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، والمجوسي ثمانمائة» حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا عبد الملك، عن عطاء ، مثله حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، في قوله: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] الصيام لمن لا يجد رقبة، وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء " 07P334
[النساء: 92] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما} [النساء: 92] يعني تعالى ذكره بقوله: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] فمن لم يجد رقبة مؤمنة يحررها كفارة لخطئه في قتله من قتل من مؤمن أو معاهد لعسرته بثمنها {فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] يقول: " فعليه صيام شهرين متتابعين. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم فيه بنحو ما قلنا ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] قال: " من لم يجد عتقا، أو عتاقة، شك أبو عصام، في قتل مؤمن خطأ قال: وأنزلت في عياش بن أبي ربيعة قتل مؤمنا خطأ " وقال آخرون: صوم الشهرين عن الدية والرقبة. قالوا: وتأويل الآية: فمن لم يجد رقبة مؤمنة ولا دية يسلمها إلى أهلها فعليه صوم شهرين متتابعين ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: ثنا ابن المبارك، عن زكريا، عن الشعبي، عن مسروق: أنه سئل عن الآية التي، في سورة النساء: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] صيام الشهرين عن الرقبة وحدها، أو عن الدية والرقبة؟ فقال: من لم يجد فهو عن الدية والرقبة " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن عامر، عن مسروق بنحوه. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن الصوم عن الرقبة دون الدية، لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل، والكفارة على القاتل بإجماع الحجة على ذلك، نقلا عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فلا يقضي صوم صائم عما لزم غيره في ماله. 07P336 والمتابعة صوم الشهرين، ولا يقطعه بإفطار بعض أيامه لغير علة حائلة بينه وبين صومه. ثم قال جل ثناؤه: {توبة من الله وكان الله عليما حكيما} [النساء: 92] يعني: " تجاوزا من الله لكم إلى التيسير عليه بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين {وكان الله عليما حكيما} [النساء: 17] يقول: " ولم يزل الله عليما بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه وغير ذلك، حكيما بما يقضي فيهم ويريد 07P335
[النساء: 93] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93] يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يقتل مؤمنا عامدا قتله، مريدا إتلاف نفسه، {فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] يقول: " فثوابه من قتله إياه جهنم، يعني: عذاب جهنم {خالدا فيها} [النساء: 14] يعني: " باقيا فيها. والهاء والألف في قوله: {فيها} [البقرة: 25] من ذكر جهنم. {وغضب الله عليه} [النساء: 93] يقول: " وغضب الله بقتله إياه متعمدا {ولعنه} [النساء: 93] يقول: " وأبعده من رحمته وأخزاه وأعد له عذابا عظيما، وذلك ما لا يعلم قدر مبلغه سواه تعالى ذكره. واختلف أهل التأويل في صفة القتل الذي يستحق صاحبه أن يسمى متعمدا بعد إجماع جميعهم على أنه إذا ضرب رجل رجلا بحد حديد يجرح بحده، أو يبضع ويقطع، فلم يقلع عنه ضربا به، حتى أتلف نفسه، وهو في حال ضربه إياه به قاصد ضربه أنه عامد قتله. ثم اختلفوا فيما عدا ذلك، فقال بعضهم: لا عمد إلا ما كان كذلك على الصفة التي وصفنا ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: " العمد: السلاح، أو قال: الحديد قال: وقال سعيد بن المسيب: هو السلاح حدثنا أبو كريب، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: «العمد ما كان بحديدة، وما كان بدون حديدة فهو شبه العمد ، لا قود فيه» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: " العمد ما كان بحديدة، وشبه العمد: ما كان بخشبة، وشبه العمد لا يكون إلا في النفس " حدثني أحمد بن حماد الدولابي، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، 07P338 قال: «من قتل في عصبية في رمي يكون منهم بحجارة أو جلد بالسياط أو ضرب بالعصي فهو خطأ ديته دية الخطأ، ومن قتل عمدا فهو قود يديه» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، ومغيرة، عن الحارث، وأصحابه في: " الرجل يضرب الرجل فيكون مريضا حتى يموت قال: أسأل الشهود أنه ضربه، فلم يزل مريضا من ضربته حتى مات، فإن كان بسلاح فهو قود، وإن كان بغير ذلك فهو شبه العمد " وقال آخرون: كل ما عمد الضارب إتلاف نفس المضروب فهو عمد ، إذا كان الذي ضرب به الأغلب منه أنه يقتل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة، عن عبيد بن عمير، أنه قال: «وأي عمد هو أعمد من أن يضرب رجلا بعصا ثم لا يقلع عنه حتى يموت» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم ، عن إبراهيم، قال: «إذا خنقه بحبل حتى يموت أو ضربه بخشبة حتى يموت فهو القود» وعلة من قال كل ما عدا الحديد خطأ ما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي ، عن سفيان، عن جابر، عن أبي عازب، عن النعمان بن بشير، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش» وعلة من قال: حكم كل ما قتل المضروب به من شيء حكم السيف من أن من قتل به قتيل عمد ما: حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا همام، عن قتادة ، عن أنس بن مالك: «أن يهوديا، قتل جارية على أوضاح لها بين حجرين، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، فقتله بين حجرين» قالوا: فأقاد النبي صلى الله عليه وسلم من قاتل بحجر وذلك غير حديد. قالوا: وكذلك حكم كل من قتل رجلا بشيء الأغلب منه أنه يقتل مثل المقتول به، نظير حكم اليهودي القاتل الجارية بين الحجرين.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: كل من 07P340 ضرب إنسانا بشيء الأغلب منه أنه يتلفه، فلم يقلع عنه حتى أتلف نفسه به أنه قاتل عمد ما كان المضروب به من شيء؛ للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما قوله: {فجزاؤه جهنم خالدا فيها} [النساء: 93] فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: معناه: فجزاؤه جهنم إن جازاه ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، في قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] قال: «هو جزاؤه، وإن شاء تجاوز عنه» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن يسار، عن أبي صالح: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] قال: «جزاؤه جهنم إن جازاه» وقال آخرون: عني بذلك رجل بعينه كان أسلم، فارتد عن إسلامه وقتل رجلا مؤمنا؛ قالوا: فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمنا متعمدا مستحلا قتله، فجزاؤه جهنم 07P341 خالدا فيها ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: أن رجلا، من الأنصار قتل أخا مقيس بن ضبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله. قال ابن جريج وقال غيره: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ديته على بني النجار ، ثم بعث مقيسا وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم ، فاحتمل مقيس الفهري وكان أيدا، فضرب به الأرض، ورضخ رأسه بين حجرين، ثم ألفي يتغنى: [+البحر الطويل] قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع فقال النبي: «أظنه قد أحدث حدثا، أما والله لئن كان فعل لا أؤمنه في حل ولا حرم، ولا سلم ولا حرب» فقتل يوم الفتح؛ قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93] الآية " وقال آخرون: معنى ذلك: إلا من تاب ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: ثني سعيد بن جبير، أو حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس عن قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] قال: " إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم، ولا توبة له. فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إلا من ندم " وقال آخرون: ذلك إيجاب من الله الوعيد لقاتل المؤمن متعمدا كائنا من كان القاتل، على ما وصفه في كتابه، ولم يجعل له توبة من فعله. قالوا: فكل قاتل مؤمن عمدا فله ما أوعده الله من العذاب والخلود في النار، ولا توبة له. وقالوا: نزلت هذه الآية بعد التي في سورة الفرقان ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد، قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره ، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له عذابا عظيما. قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه، وأنى له التوبة والهدى، فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: " ثكلته 07P343 أمه، رجل قتل رجلا متعمدا، جاء يوم القيامة آخذا بيمينه أو بشماله ، تشخب أوداجه دما، في قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بيده الأخرى يقول: سل هذا فيم قتلني «.
والذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما نزل بعدها من برهان» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، عن يحيى بن 07P344 الحارث التيمي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93] فقيل له: وإن تاب وآمن وعمل صالحا؟ فقال: وأنى له التوبة؟ " حدثنا أبو كريب قال: ثنا موسى بن داود قال: ثنا همام عن يحيى، عن رجل ، عن سالم قال كنت جالسا مع ابن عباس، فسأله رجل فقال: أرأيت رجلا قتل مؤمنا متعمدا أين منزله؟ قال: جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له عذابا عظيما. قال: أفرأيت إن هو تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له الهدى ثكلته أمه. والذي نفسي بيده لسمعته يقول، يعني النبي صلى الله عليه وسلم: " يجيء يوم القيامة معلقا رأسه بإحدى يديه، إما بيمينه أو بشماله، آخذا صاحبه بيده الأخرى تشخب أوداجه حيال عرش الرحمن يقول: يا رب سل عبدك هذا علام قتلني؟ «فما جاء نبي بعد نبيكم، ولا نزل كتاب بعد كتابكم» حدثنا أبو كريب قال: ثنا قبيصة قال: ثنا عثمان بن زريق، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس بنحوه، إلا أنه قال في حديثه: فوالله لقد أنزلت على نبيكم ثم ما نسخها شيء، ولقد سمعته يقول: «ويل لقاتل 07P345 المؤمن، يجيء يوم القيامة آخذا رأسه بيده» ثم ذكر الحديث نحوه حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي عبد الرحمن بن أبزى: سئل ابن عباس عن قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] فقال: لم ينسخها شيء. وقال في هذه الآية: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} [الفرقان: 68] قال: «نزلت في أهل الشرك» حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين، فذكر نحوه حدثنا أبو كريب، قال: ثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، قال: حدثني سعيد بن جبير - أو حدثت عن سعيد بن جبير - أن عبد الرحمن بن أبزى ، أمره أن يسأل ابن عباس، عن هاتين الآيتين التي، في النساء: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] إلى آخر الآية، والتي في الفرقان: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما} [الفرقان: 68] إلى: {ويخلد فيه مهانا} [الفرقان: 69] قال ابن عباس: إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره ثم قتل مؤمنا متعمدا فلا توبة له. وأما 07P346 التي في الفرقان، فإنها لما أنزلت قال المشركون من أهل مكة: فقد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق وآتينا الفواحش، فما ينفعنا الإسلام؟
قال: فنزلت {إلا من تاب} [مريم: 60] الآية " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] قال: «ما نسخها شيء» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا شعبة، عن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «هي من آخر ما نزلت ما نسخها شيء» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت إلى ابن عباس فسألته، فقال: «لقد نزلت في آخر ما نزل من القرآن وما نسخها شيء» حدثني المثنى، قال: ثنا آدم العسقلاني، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو إياس معاوية بن قرة قال: أخبرني شهر بن حوشب، قال: سمعت ابن عباس، يقول: نزلت هذه الآية: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] بعد قوله: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا} [الفرقان: 70] بسنة " حدثنا ابن المثنى قال: ثنا سلم بن قتيبة قال: ثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن ابن عباس قال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] قال: " نزلت بعد: {إلا من تاب} [مريم: 60] بسنة " حدثنا ابن المثنى قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: ثنا شعبة قال: ثنا أبو إياس قال: ثني من سمع ابن عباس يقول: " في قاتل المؤمن نزلت بعد ذلك بسنة، فقلت لأبي إياس: من أخبرك؟ فقال: شهر بن حوشب " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد، عن ابن عباس، في قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93] قال: «ليس لقاتل توبة إلا أن يستغفر الله» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93] الآية قال عطية: وسئل عنها ابن عباس، فزعم أنها نزلت بعد الآية التي في سورة الفرقان بثمان سنين، وهو قوله: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان: 68] إلى قوله: {غفورا رحيما} [النساء: 23] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن مطرف، عن أبي السفر، عن ناجية، عن ابن عباس، قال: " هما المبهمتان: الشرك، والقتل " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله؛ لأن الله سبحانه يقول: {فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93] " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن بعض أشياخه الكوفيين، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود، في قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] قال: «إنها لمحكمة، وما تزداد إلا شدة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثني هياج بن بسطام، عن محمد بن عمرو، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، قال: نزلت سورة النساء بعد سورة الفرقان بستة أشهر " حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد ، قال: ثني أبو صخر عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: يأتي المقتول يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه وأوداجه تشخب دما، يقول: يا رب 07P349 دمي عند فلان. فيؤخذان فيسندان إلى العرش، فما أدري ما يقضي بينهما. ثم نزع بهذه الآية: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها} [النساء: 93] الآية.
قال ابن عباس: والذي نفسي بيده ما نسخها الله جل وعز منذ أنزلها على نبيكم عليه الصلاة والسلام " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن أبي الزناد ، قال: سمعت رجلا، يحدث خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت، قال: سمعت أباك، يقول: نزلت الشديدة بعد الهينة بستة أشهر، قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93] إلى آخر الآية، بعد قوله: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان: 68] إلى آخر الآية " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد قال: سمعت رجلا، يحدث خارجة بن زيد قال: سمعت أباك، في هذا المكان بمنى يقول: نزلت الشديدة بعد الهينة قال: أراه بستة أشهر، يعني: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93] بعد: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم ، قال: «ما نسخها شيء منذ نزلت، وليس له توبة» قال أبو جعفر: وأولى القول في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدا فيها، ولكنه يعفو أو يتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار ، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53] . فإن ظن ظان أن القاتل إن وجب أن يكون داخلا في هذه الآية، فقد يجب أن يكون المشرك داخلا فيه، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عز ذكره قد أخبر أنه غير غافر الشرك لأحد بقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك 07P351 لمن يشاء} [النساء: 48] والقتل دون الشرك 07P350
[النساء: 94] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 94] يعني جل ثناؤه بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] يا أيها الذين صدقوا الله وصدقوا رسوله، فيما جاءهم به من عند ربهم {إذا ضربتم في سبيل الله} [النساء: 94] يقول: " إذا سرتم مسيرا لله في جهاد أعدائكم {فتبينوا} [النساء: 94] يقول: " فتأنوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينا حربا لكم ولله ولرسوله. {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} [النساء: 94] يقول: " ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرا لكم أنه من أهل ملتكم ودعوتكم {لست مؤمنا} [النساء: 94] فتقتلوه ابتغاء عرض الحياة الدنيا، يقول: طلب متاع الحياة الدنيا، فإن عند الله مغانم كثيرة من رزقه وفواضل نعمه، فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه فأثابكم بها على طاعتكم إياه، فالتمسوا ذلك من عنده {كذلك كنتم من قبل} [النساء: 94] يقول: " كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلام فقلت له لست مؤمنا فقتلتموه، كذلك أنتم من قبل، يعني: من قبل إعزاز الله دينه بتباعه وأنصاره، تستخفون بدينكم كما استخفى هذا الذي قتلتموه، وأخذتم ماله بدينه من قومه أن يظهره لهم حذرا على نفسه منهم. وقد قيل: إن معنى قوله: {كذلك كنتم من قبل} [النساء: 94] كنتم كفارا مثلهم. {فمن الله عليكم} [النساء: 94] يقول: " فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه بأنصاره وكثرة تباعه. وقد قيل: فمن الله عليكم بالتوبة من قتلكم هذا الذي قتلتموه، وأخذتم ماله بعد ما ألقى إليكم السلام {فتبينوا} [النساء: 94] يقول: " فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتله ممن التبس عليكم أمر إسلامه، فلعل الله أن يكون قد من عليه من الإسلام بمثل الذي من به عليكم، وهداه لمثل الذي هداكم له من الإيمان. {إن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 94] يقول: " إن الله كان بقتلكم من تقتلون وكفكم عمن تكفون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم {خبيرا} [النساء: 35] يعني: ذا خبرة وعلم به، يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازي جميعكم به يوم القيامة جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وذكر أن هذه الآية نزلت في سبب قتيل قتلته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما قال: إني مسلم، أو بعد ما شهد شهادة الحق، أو بعد ما سلم عليهم، لغنيمة كانت معه أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه ذكر الرواية والآثار بذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، أن ابن عمر، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله. فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله ، سن اليوم وغير غدا. فقال عيينة: لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي. فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ليستغفر له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا غفر الله لك» فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه ، فما مضت به سابعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض.
فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له، فقال: «إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ، ولكن الله جل وعز أراد أن يعظكم» ثم طرحوه بين صدفي جبل، وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} [النساء: 94] الآية " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم ، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له معه متيع له ووطب من لبن. فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام ، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة الليثي لشيء كان بينه وبينه ، فقتله وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} [النساء: 94] الآية " حدثني هارون بن إدريس الأصم قال: ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد ، 07P355 عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه بنحوه حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس ، قال: " لحق ناس من المسلمين رجلا في غنيمة له، فقال: السلام عليكم. فقتلوه وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت هذه الآية: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا} [النساء: 94] تلك الغنيمة " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، بنحوه. حدثني سعيد بن الربيع قال: ثنا سفيان ، عن عمرو سمع عطاء، عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلا، ثم ذكر مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسرائيل، عن 07P356 سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في غنم له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم. فعمدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} [النساء: 94] إلى آخر الآية " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس، قال: كان الرجل يتكلم بالإسلام ويؤمن بالله والرسول، ويكون في قومه، فإذا جاءت سرية محمد صلى الله عليه وسلم أخبر بها حيه، يعني قومه، ففروا، وأقام الرجل لا يخاف المؤمنين من أجل أنه على دينهم حتى يلقاهم، فيلقي إليهم السلام، فيقول المؤمنون: لست مؤمنا. وقد ألقى السلام ، فيقتلونه، فقال الله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} [النساء: 94] إلى 07P357 : {تبتغون عرض} [النساء: 94] الحياة الدنيا يعني: تقتلونه إرادة أن يحل لكم ماله الذي وجدتم معه، وذلك عرض الحياة الدنيا، فإن عندي مغانم كثيرة ، فالتمسوا من فضل الله.
وهو رجل اسمه مرداس جلا قومه هاربين من خيل بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها رجل من بني ليث اسمه قليب، ولم يجامعهم إذا لقيهم مرداس، فسلم عليهم فقتلوه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله بديته ورد إليهم ماله ونهى المؤمنين عن مثل ذلك " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} [النساء: 94] الآية قال : هذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك، وبه ناس من غطفان وكان مرداس نهما، ففر أصحابه، فقال مرداس: إني مؤمن وإني غير متبعكم. فصبحته الخيل غدوة، فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فتلقوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جل وعز في شأنه: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} [النساء: 94] لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يحيي بعضهم بعضا " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن 07P358 السدي: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا} [النساء: 94] الآية. قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة، فلقوا رجلا منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنيمة له وجمل أحمر ، فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتبعه أسامة، فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال: السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيرا، ويسأل عنه أصحابه، فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدثون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: يا رسول الله، لو رأيت أسامة ولقيه رجل فقال الرجل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فشد عليه فقتله. وهو معرض عنهم. فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال: «كيف أنت ولا إله إلا الله» ؟ قال: يا رسول الله إنما قالها متعوذا، تعوذ بها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟ » قال: يا رسول الله، إنما قلبه بضعة من جسده. فأنزل الله عز وجل خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه ، فذلك حين يقول: {تبتغون عرض الحياة الدنيا} [النساء: 94] فلما بلغ: {فمن الله عليكم} [النساء: 94] يقول: «فتاب الله عليكم، فحلف أسامة أن لا يقاتل رجلا يقول لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} [النساء: 94] قال: " بلغني أن رجلا من المسلمين أغار على رجل من المشركين، فحمل عليه، فقال له المشرك: إني مسلم، أشهد أن لا إله إلا الله. فقتله المسلم بعد أن قالها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للذي قتله: «أقتلته وقد قال لا إله إلا الله؟ » فقال وهو يعتذر: يا نبي الله إنما قالها متعوذا وليس كذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهلا شققت عن قلبه؟
» ثم مات قاتل الرجل فقبر، فلفظته الأرض، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: فأمرهم أن يقبروه، ثم لفظته الأرض، حتى فعل به ذلك ثلاث مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في غار من الغيران» قال معمر: وقال بعضهم: «إن الأرض تقبل من هو شر منه، ولكن الله جعله لكم عبرة» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور ، عن أبي الضحى، عن مسروق: أن قوما، من المسلمين لقوا رجلا من المشركين في غنيمة له، فقال: السلام عليكم إني مؤمن. فظنوا أنه يتعوذ بذلك، فقتلوه ، وأخذوا غنيمته. قال: فأنزل الله جل وعز: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا} [النساء: 94] تلك الغنيمة {كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا} [النساء: 94] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} [النساء: 94] قال: " خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فمروا برجل في غنيمة له، فقال: إني مسلم. فقتله المقداد. فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا} [النساء: 94] قال: «الغنيمة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء، - فذكر من قصة أبي الدرداء نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، وقد ذكرت في تأويل قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} ثم قال في الخبر -: ونزل الفرقان: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} فقرأ حتى بلغ: {لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا} [النساء: 94] : غنمه التي كانت عرض الحياة الدنيا {فعند الله مغانم كثيرة} [النساء: 94] خير من تلك الغنم، إلى قوله: {إن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 94] حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قوله: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} [النساء: 94] 07P361 قال: " راعي غنم، لقيه نفر من المؤمنين، فقتلوه وأخذوا ما معه، ولم يقبلوا منه: السلام عليكم، فإني مؤمن " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} [النساء: 94] قال: " حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا الله: لست مؤمنا، كما حرم عليهم الميتة، فهو آمن على ماله ودمه، ولا تردوا عليه قوله " واختلفت القراء في قراءة قوله: {فتبينوا} [النساء: 94] فقرأ ذلك عامة قراء المكيين والمدنيين وبعض الكوفيين والبصريين: {فتبينوا} [النساء: 94] بالباء والنون من التبين، بمعنى: التأني والنظر والكشف عنه حتى يتضح. وقرأ ذلك عظم قراء الكوفيين: «فتثبتوا» بمعنى التثبت الذي هو خلاف العجلة. والقول عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة المسلمين بمعنى واحد وإن اختلفت بهما الألفاظ، لأن المتثبت متبين ، والمتبين متثبت، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك. واختلفت القراء في قراءة قوله: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} [النساء: 94] فقرأ 07P362 ذلك عامة قراء المكيين والمدنيين والكوفيين «السلم» بغير ألف، بمعنى الاستسلام، وقرأه بعض الكوفيين والبصريين: {السلام} [النساء: 94] بألف ، بمعنى التحية. والصواب من القراءة في ذلك عندنا: «لمن ألقى إليكم السلم» بمعنى: من استسلم لكم مذعنا لله بالتوحيد مقرا لكم بملتكم. وإنما اخترنا ذلك لاختلاف الرواية في ذلك، فمن راو روى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحق وقال: إني مسلم؛ ومن راو روى أنه قال: السلام عليكم، فحياهم تحية الإسلام ، ومن راو روى أنه كان مسلما بإسلام قد تقدم منه قبل قتلهم إياه.
وكل هذه المعاني يجمعها السلم، لأن المسلم مستسلم، والمحيي بتحية الإسلام مستسلم ، والمتشهد شهادة الحق مستسلم لأهل الإسلام، فمعنى السلم جامع جميع المعاني التي رويت في أمر المقتول الذي نزلت في شأنه هذه الآية، وليس كذلك في السلام، لأن السلام لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية، فلذلك وصفنا السلم بالصواب. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {كذلك كنتم من قبل} [النساء: 94] فقال بعضهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السلام 07P363 مستخفيا في قومه بدينه خوفا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم منهم، فمن الله عليكم ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير، في قوله: {كذلك كنتم من قبل} [النساء: 94] : تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: {كذلك كنتم من قبل} [النساء: 94] تكتمون إيمانكم في المشركين وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السلم كافرا كنتم كفارا، فهداه كما هداكم ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله : {كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم} [النساء: 94] كفارا مثله {فتبينوا} [النساء: 94] وأولى هذين القولين بتأويل الآية القول الأول، وهو قول من قال: كذلك كنتم تخفون إيمانكم في قومكم من المشركين وأنتم مقيمين بين أظهرهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيما بين أظهر قومه من المشركين ، مستخفيا بدينه منهم. وإنما قلنا: هذا التأويل أولى بالصواب؛ لأن الله عز ذكره إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الإيمان بعد إلقائه إليهم السلام، ولم يقد به قاتلوه للبس الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمقامه بين أظهر قومه من المشركين، وظنهم أنه ألقى السلام إلى المؤمنين تعوذا منهم، ولم يعاتبهم على قتلهم إياه مشركا، فيقال: كما كان كافرا كنتم كفارا؛ بل لا وجه لذلك، لأن الله جل ثناؤه لم يعاتب أحدا من خلقه على قتل محارب لله ولرسوله من أهل الشرك بعد إذنه له بقتله. واختلف أيضا أهل التأويل في تأويل قوله: {فمن الله عليكم} [النساء: 94] فقال بعضهم: معنى ذلك: فمن الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أظهروا الإسلام بعد ما كانوا يكتمونه من أهل الشرك ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: {فمن الله عليكم} [النساء: 94] فأظهر الإسلام " وقال آخرون: معنى ذلك: فمن الله عليكم أيها القاتلون الذي ألقي إليكم 07P365 السلام طلب عرض الحياة الدنيا بالتوبة من قتلكم إياه ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فمن الله عليكم} [النساء: 94] يقول: «تاب الله عليكم» وأولى التأويلين في ذلك بالصواب التأويل الذي ذكرته عن سعيد بن جبير ، لما ذكرنا من الدلالة على أن معنى قوله: {كذلك كنتم من قبل} [النساء: 94] ما وصفنا قبل، فالواجب أن يكون عقيب ذلك: {فمن الله عليكم} [النساء: 94] فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به، من توحيده وعبادته، حذرا من أهل الشرك 07P365
[النساء: 95] القول في تأويل قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} [النساء: 95] يعني جل ثناؤه بقوله: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون} [النساء: 95] لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان بالله وبرسوله ، المؤثرون الدعة والخفض والقعود في منازلهم على مقاساة حزونة الأسفار والسير في الأرض ومشقة ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله وقتالهم في طاعة الله، إلا أهل العذر منهم بذهاب أبصارهم، وغير ذلك من العلل التي لا سبيل لأهلها للضرر الذي بهم إلى قتالهم وجهادهم في سبيل الله والمجاهدون في سبيل الله، ومنهاج دينه، لتكون كلمة الله هي العليا، المستفرغون طاقتهم في قتال أعداء الله وأعداء دينهم بأموالهم ، إنفاقا لها فيما أوهن كيد أعداء أهل الإيمان بالله وبأنفسهم، مباشرة بها قتالهم، بما تكون به كلمة الله العالية، وكلمة الذين كفروا السافلة. واختلفت القراء في قراءة قوله: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] ؛ فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة ومكة والشام: «غير أولي الضرر» نصبا، بمعنى: إلا أولي الضرر. وقرأ ذلك عامة قراء أهل العراق والكوفة والبصرة: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] برفع {غير} [الفاتحة: 7] على مذهب النعت للقاعدين. والصواب من القراءة في ذلك عندنا: «غير أولي الضرر» بنصب «غير»، لأن الأخبار متظاهرة بأن قوله: «غير أولي الضرر» نزل بعد قوله: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} استثناء من قوله: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون} ذكر بعض الأخبار الواردة بذلك: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي 07P367 إسحاق، عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ائتوني بالكتف واللوح» . فكتب: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون} وعمرو بن أم مكتوم خلف ظهره، فقال: هل لي من رخصة يا رسول الله؟ فنزلت: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} [النساء: 95] جاء ابن أم مكتوم وكان أعمى، فقال: يا رسول الله، كيف وأنا أعمى؟ فما برح حتى نزلت: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب في قوله: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [النساء: 95] قال: " لما نزلت جاء عمرو ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ضرير البصر، فقال: يا رسول الله، ما تأمرني، فإني ضرير البصر؟
فأنزل الله هذه الآية، فقال: «ائتوني بالكتف والدواة، أو اللوح والدواة» حدثني محمد بن إسماعيل بن إسرائيل الدلال الرملي قال: ثنا عبد الله بن محمد 07P368 بن المغيرة قال: ثنا مسعر، عن أبي إسحاق، عن البراء أنه لما نزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} [النساء: 95] كلمه ابن أم مكتوم، فأنزلت: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] " حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق أنه سمع البراء يقول في هذه الآية: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي} [النساء: 95] الضرر والمجاهدون في سبيل الله قال: " فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا، فجاء بكتف فكتبها قال: فشكى إليه ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [النساء: 95] قال شعبة: وأخبرني سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن رجل، عن زيد في هذه الآية: {لا يستوي القاعدون} [النساء: 95] مثل حديث البراء حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان الشيباني، عن ابن إسحاق، عن زيد بن أرقم، قال: لما نزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} جاء ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله 07P369 ما لي رخصة؟ قال: «لا» قال ابن أم مكتوم: اللهم إني ضرير فرخص. فأنزل الله: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتبها، يعني الكاتب " حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سهل بن سعد، قال: رأيت مروان بن الحكم جالسا، فجئت حتى جلست إليه، فحدثنا عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل عليه: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} قال: " فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت. قال: فأنزل عليه وفخذه على فخذي ، فثقلت، فظننت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فقال: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 07P370 الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت، قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " اكتب: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} ". فجاء عبد الله ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، إني أحب الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، قد ذهب بصري. قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي حتى خشيت أن يرضها، ثم قال: " اكتب {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله} [النساء: 95] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج ، قال: أخبرني عبد الكريم: أن مقسما، مولى عبد الله بن الحارث أخبره أن ابن عباس أخبره قال: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} [النساء: 95] عن بدر والخارجون إلى بدر " حدثنا القاسم قال: ثنا حسين قال: ثني حجاج قال: أخبرني عبد الكريم، أنه سمع مقسما، يحدث عن ابن عباس، أنه سمعه يقول: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} [النساء: 95] عن بدر والخارجون إلى بدر. لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله ابن أم مكتوم وأبو أحمد بن جحش بن قيس الأسدي: يا رسول الله، 07P371 إننا أعميان، فهل لنا رخصة؟
فنزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [النساء: 95] والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} فسمع بذلك عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قد أنزل الله في الجهاد ما قد علمت وأنا رجل ضرير البصر لا أستطيع الجهاد، فهل لي من رخصة عند الله إن قعدت؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما أمرت في شأنك بشيء وما أدري هل يكون لك ولأصحابك من رخصة» فقال ابن أم مكتوم: اللهم إني أنشدك بصري. فأنزل الله بعد ذلك على رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [النساء: 95] والمجاهدون في سبيل الله إلى قوله: {على القاعدين درجة} [النساء: 95] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، قال: نزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فقال رجل أعمى: يا نبي الله، فأنا أحب الجهاد ولا أستطيع أن أجاهد. فنزلت: {غير أولي 07P372 الضرر} [النساء: 95] " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عبد الله بن شداد، قال: لما نزلت هذه الآية في الجهاد: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} [النساء: 95] قال عبد الله ابن أم مكتوم: يا رسول الله إني ضرير كما ترى. فنزلت: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [النساء: 95] عذر الله أهل العذر من الناس، فقال: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] كان منهم ابن أم مكتوم {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} [النساء: 95] حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله} [النساء: 95] إلى قوله: {وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] لما ذكر فضل الجهاد قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، إني أعمى ولا أطيق الجهاد. فأنزل الله فيه: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] " حدثني المثنى، قال: ثنا محمد بن عبد الله النفيلي، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ادع لي زيدا وقل له يأتي، أو يجيء، بالكتف والدواة، أو اللوح والدواة، الشك من زهير، اكتب: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، إن بعيني ضررا. فنزلت قبل أن يبرح {غير أولي الضرر} [النساء: 95] " حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله بن رجاء البصري قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق ، عن البراء بنحوه، إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادع لي زيدا وليجئني معه بكتف ودواة، أو لوح ودواة» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن زياد بن فياض، عن أبي عبد الرحمن، قال: لما نزلت: {لا يستوي القاعدون} [النساء: 95] قال عمرو ابن أم مكتوم: يا رب، ابتليتني فكيف أصنع؟ فنزلت: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] 07P374 وكان ابن عباس يقول في معنى: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] نحوا مما قلنا حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] قال: «أهل الضرر» 07P374