Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

Bölüm V02/P132–V02/P133

الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن يزيد ابن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه، وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم فلما نزلوها قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال حرام بن ملحان: أنا فخرج بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل وكان على ذلك الماء فلما أتاهم حرام بن ملحان لم ينظر عامر بن الطفيل في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حرام بن ملحان: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة. ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا: لن نخفر أبا براء قد عقد لهم عقدا وجوارا ثم استصرخ عليهم قبائل من بني سليم -عصية ورعلا وذكوان -فأجابوه فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فضلوه فيهم فعاش حتى قتل يوم الخندق، وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف فلم ينبههما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على المعسكر! فقالا والله إن لهذا الطير لشأنا فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري لعمرو بن أمية الضمري: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره فقال الأنصاري الله أكبر لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى قتل وأخذوا عمرو بن أمية الضمري أسيرا فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه فقدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارها متخوفا" فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره. وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة، فروى محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول: من الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة، ثم بعد ذلك حمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه على فرسه فقتله . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الأعلى بن حماد، أنا يزيد بن زريع، أنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو لهم فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، وكانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهرا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان. قال أنس رضي الله عنه: فقرأنا، فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع: "بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" ثم نسخت (فرفع بعدما قرأناه) زمانا وأنزل الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} الآية.

Bölüm V02/P133–V02/P134

وقيل: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة تحسروا على الشهداء، وقالوا: نحن في النعمة وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله تعالى تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم {ولا تحسبن} ولا تظنن {الذين قتلوا في سبيل الله} قرأ ابن عامر "قتلوا") بالتشديد، والآخرون بالتخفيف "أمواتا ") كأموات من لم يقتل في سبيل الله {بل أحياء عند ربهم} قيل أحياء في الدين وقيل: في الذكر، وقيل: لأنهم يرزقون ويأكلون ويتمتعون كالأحياء، وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض. وقال عبيدة بن عمير: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له 73/أثم قرأ {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، ألا فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه" . {يرزقون} من ثمار الجنة وتحفها. {فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } {فرحين بما آتاهم الله من فضله} رزقه وثوابه، {ويستبشرون} ويفرحون {بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على مناهج الإيمان والجهاد لعلمهم أنهم إذا استشهدوا ولحقوا بهم ونالوا من الكرامة ما نالوا فهم لذلك مستبشرون، {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم } {يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله} أي: وبأن الله، وقرأ الكسائي بكسر الألف على الاستئناف. {لا يضيع أجر المؤمنين} أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، حدثنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة" . وقال: "والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله -إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك" . أخبرنا الإمام أبو علي الحسن بن محمد القاضي، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا علي بن الحسن الدارابجردي أنا عبد الله بن يزيد المقرئ، أنا سعيد، حدثني محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة" .

Bölüm V02/P134–V02/P136

قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول} الآية، وذلك أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم وتلاوموا وقالوا: لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم؟ ارجعوا فاستأصلوهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من الجرح والقرح الذي أصابهم يوم أحد ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فكلمه جابر بن عبد الله، فقال: يا رسول الله إن أبي كان قد خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك على نفسي في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه. وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم فينصرفوا. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا رضي الله عنهم حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال . وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعبد الله بن الزبير: يا ابن أختي أما والله إن أباك وجدك -تعني أبا بكر والزبير -لمن الذين قال الله عز وجل فيهم: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} فمر برسول الله صلى الله عليه وسلم معبد الخزاعي بحمراء الأسد وكانت خزاعة -مسلمهم وكافرهم -عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله تعالى كان قد أعفاك منهم، ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لقد أصبنا جل أصحابه وقادتهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم، وفيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني والله أنهاك عن ذلك فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا: كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل فذكر أبياتا فرد ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة قال: (ولم؟ قالوا: نريد الميرة) قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة وأحمل لكم إبلكم هذه زبيبا بعكاظ غدا إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم وانصرف أبو سفيان إلى مكة، ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: "حسبنا الله ونعم الوكيل" ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد الثالثة . هذا قول أكثر المفسرين.

Bölüm V02/P136–V02/P138

وقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك بيننا وبينك إن شاء الله" فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران ثم ألقى الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة ولأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أني في جمع كثير لا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو ويضمنها قال: فجاء سهيل فقال له نعيم يا أبا يزيد: أتضمن لي هذه القلائص وأنطلق إلى محمد وأثبطه؟ قال: نعم فخرج نعيم حتى أتى المدينة 74/أفوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها فقال: بئس الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا الشريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله لا يفلت منكم أحد، فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لأخرجن ولو وحدي" فأما الجبان فإنه رجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقال: "حسبنا الله ونعم الوكيل". فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى وافوا بدرا الصغرى فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون قد جمعوا لكم يريدون أن يرعبوا المسلمين فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى بلغوا بدرا وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة فلم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من المشركين ووافقوا السوق وكانت معهم تجارات ونفقات فباعوا وأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين فذلك قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول} أي أجابوا ومحل "الذين" خفض على صفة المؤمنين تقديره: إن الله لا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله والرسول، {من بعد ما أصابهم القرح} أي: (نالتهم الجراح) تم الكلام هاهنا ثم ابتداء فقال: {للذين أحسنوا منهم} بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجابته إلى الغزو، {واتقوا} معصيته {أجر عظيم} {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم } {الذين قال لهم الناس} ومحل "الذين " خفض أيضا مردود على الذين الأول وأراد بالناس: نعيم بن مسعود، في قول مجاهد وعكرمة فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله تعالى: {أم يحسدون الناس} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم وحده وقال محمد بن إسحاق وجماعة: أراد بالناس الركب من عبد القيس، {إن الناس قد جمعوا لكم} يعني أبا سفيان وأصحابه، {فاخشوهم} فخافوهم واحذروهم فإنه لا طاقة لكم بهم، {فزادهم إيمانا} تصديقا ويقينا وقوة {وقالوا حسبنا الله} أي: كافينا الله، {ونعم الوكيل} أي: الموكول إليه الأمور فعيل بمعنى مفعول.

Bölüm V02/P138–V02/P139

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن يونس، أخبرنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {حسبنا الله ونعم الوكيل} قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} . {فانقلبوا} فانصرفوا، {بنعمة من الله} بعافية لم يلقوا عدوا {وفضل} تجارة وربح وهو ما أصابوا في السوق {لم يمسسهم سوء} يصبهم أذى ولا مكروه، {واتبعوا رضوان الله} في طاعة الله وطاعة رسوله وذلك أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم، {والله ذو فضل عظيم} {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين } قوله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان} يعني: ذلك الذي قال لكم: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} من فعل الشيطان ألقى في أفواههم ليرهبوهم ويجبنوا عنهم، {يخوف أولياءه} أي يخوفكم بأوليائه، وكذلك هو في قراءة أبي بن كعب يعني: يخوف المؤمنين بالكافرين قال السدي: يعظم أولياءه في صدورهم ليخافوهم يدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود "يخوفكم أولياءه") {فلا تخافوهم وخافون} في ترك أمري {إن كنتم مؤمنين} مصدقين بوعدي فإني متكفل لكم بالنصرة والظفر. قوله عز وجل: {ولا يحزنك} قرأ نافع " يحزنك " بضم الياء وكسر الزاي، وكذلك جميع القرآن إلا قوله {لا يحزنهم الفزع الأكبر} ضده أبو جعفر وهما لغتان: حزن يحزن وأحزن يحزن إلا أن اللغة الغالبة حزن يحزن، {الذين يسارعون في الكفر} قال الضحاك: هم كفار قريش وقال غيره: هم المنافقون يسارعون في الكفر بمظاهرة الكفار. {إنهم لن يضروا الله شيئا} بمسارعتهم في الكفر، {يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} نصيبا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم حتى سارعوا في الكفر، {ولهم عذاب عظيم} {إن الذين اشتروا} استبدلوا {الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا} وإنما يضرون أنفسهم، {ولهم عذاب أليم} {ولا يحسبن الذين كفروا} قرأ حمزة هذا والذي بعده بالتاء فيهما، وقرأ الآخرون بالياء فمن قرأ بالياء "فالذين " في محل الرفع على الفاعل وتقديره ولا يحسبن الكفار إملاءنا لهم خيرا، ومن قرأ بالتاء يعني: ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا، وإنما نصب على البدل من الذين، {أنما نملي لهم خير لأنفسهم} والإملاء الإمهال والتأخير، يقال: عشت طويلا حميدا وتمليت حينا ومنه قوله تعالى: "واهجرني مليا" (مريم -46) أي: حينا طويلا ثم ابتدأ فقال: {إنما نملي لهم} نمهلهم {ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} قال مقاتل: نزلت في مشركي مكة وقال عطاء: في قريظة والنضير. أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله القفال، أنا أبو منصور أحمد بن الفضل البرونجردي، أنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، أنا محمد بن يونس أنا أبو داود الطيالسي، أنا شعبة عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله" قيل: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله" . {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم }

Bölüm V02/P139–V02/P141

قوله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} اختلفوا فيها، فقال الكلبي: قالت قريش: يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو في الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال السدي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرضت علي أمتي في صورها في الطين كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر بي" فبلغ ذلك المنافقين فقالوا استهزاء: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن لم يخلق بعد، ونحن معه وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال أقوام طعنوا في علمي لا تسألوني 74/ب عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم به" فقام عبد الله بن حذافة السهمي: فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: حذافة فقام عمر فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبك نبيا فاعف عنا عفا الله عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فهل أنتم منتهون"؟ ثم نزل عن المنبر فأنزل الله تعالى هذه الآية . واختلفوا في حكم الآية ونظمها، فقال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين: الخطاب للكفار والمنافقين يعني {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} يا معشر الكفار والمنافقين من الكفر والنفاق {حتى يميز الخبيث من الطيب} وقال قوم: الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم، معناه: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، فرجع من الخبر إلى الخطاب. {حتى يميز} قرأ حمزة والكسائي ويعقوب بضم الياء والتشديد وكذلك التي في الأنفال، وقرأ الباقون بالخفيف يقال: ماز الشيء يميزه ميزا وميزه تمييزا إذا فرقه فامتاز، وإنما هو بنفسه، قال أبو معاذ إذا فرقت بين شيئين قلت: مزت ميزا، فإذا كانت أشياء قلت: ميزتها تمييزا وكذلك إذا جعلت الشيء الواحد شيئين قلت: فرقت بالتخفيف ومنه فرق الشعر، فإن جعلته أشياء قلت: فرقته تفريقا، ومعنى الآية حتى يميز المنافق من المخلص، فميز الله المؤمنين من المنافقين يوم أحد حيث أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: حتى يميز الكافر من المؤمن بالهجرة والجهاد. وقال الضحاك: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} في أصلاب الرجال وأرحام النساء يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين وقيل: {حتى يميز الخبيث} وهو المذنب {من الطيب} وهو المؤمن يعني: حتى يحط الأوزار عن المؤمن بما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة، {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره، {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} فيطلعه على بعض علم الغيب، نظيره قوله تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول" (سورة الجن الآيتان: 26،27) . وقال السدي: معناه وما كان الله ليطلع محمدا صلى الله عليه وسلم على الغيب ولكن الله اجتباه، {فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم} {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير } {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم} أي: ولا يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم، {بل هو} يعني: البخل، {شر لهم سيطوقون} أي: سوف يطوقون {ما بخلوا به يوم القيامة} يعني: يجعل ما منعه من الزكاة حية تطوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من فوقه إلى قدمه وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وأبي وائل والشعبي والسدي.

Bölüm V02/P141–V02/P143

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا علي بن عبد الله المديني، أنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا {ولا يحسبن الذين يبخلون} الآية" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن حفص بن غياث، أنا أبي، أنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: انتهيت إليه يعني: النبي صلى الله عليه وسلم قال . "والذي نفسي بيده، أو والذي لا إله غيره، أو كما حلف ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس" . قال إبراهيم النخعي: معنى الآية يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقا من النار قال مجاهد: يكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا به في الدنيا من أموالهم. وروى عطية عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وأراد بالبخل كتمان العلم كما قال في سورة النساء "الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله" (النساء -37) . ومعنى قوله "سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة" أي: يحملون وزره وإثمه كقوله تعالى: "وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم" (الأنعام -31) . {ولله ميراث السماوات والأرض} يعني: أنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فيموتون ويرثهم، نظيره قوله تعالى: "إنا نحن نرث الأرض ومن عليها" (مريم -40) {والله بما تعملون خبير} قرأ أهل البصرة ومكة يعلمون بالياء وقرأ الآخرون بالتاء. {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق } قوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} قال الحسن ومجاهد: لما نزلت: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} قالت اليهود: إن الله فقير استقرض منا ونحن أغنياء، وذكر الحسن: أن قائل هذه المقالة حيي بن أخطب . وقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق: كتب النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا فدخل أبو بكر رضي الله عنه ذات يوم بيت مدارسهم فوجد ناسا كثيرا من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم، ومعه حبر آخر يقال له أشيع. فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة فآمن وصدق وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب. فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرض أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني؟ فإن كان ما تقول حقا فإن الله إذا لفقير ونحن أغنياء، وإنه ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: "ما حملك على ما صنعت"؟

Bölüm V02/P143–V02/P144

فقال: يا رسول الله إن عدو الله قال قولا عظيما زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فغضبت لله فضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص، فأنزل الله تعالى ردا على فنحاص وتصديقا لأبي بكر رضي الله عنه: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} " 75/أ {سنكتب ما قالوا} من الإفك والفرية على الله {فنجازيهم به} وقال مقاتل: سنحفظ عليهم، وقال الواقدي: سنأمر الحفظة بالكتابة، نظيره قوله تعالى: {وإنا له كاتبون} ، {وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق} قرأ حمزة "سيكتب" بضم الياء، " وقتلهم " برفع اللام "ويقول" بالياء و {ذوقوا عذاب الحريق} أي: النار وهو بمعنى المحرق كما يقال: لهم عذاب أليم أي: مؤلم. {ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين } {ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد} فيعذب بغير ذنب. قوله تعالى: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} الآية قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد تزعم أن الله تعالى بعثك إلينا رسولا وأنزل عليك الكتاب وأن الله تعالى قد عهد إلينا في التوراة {ألا نؤمن لرسول} يزعم أنه جاء من عند الله، {حتى يأتينا بقربان تأكله النار} فإن جئتنا به صدقناك؛ قال فأنزل الله تعالى: {الذين قالوا} أي: سمع الله قول الذين قالوا ومحل {الذين} خفض ردا على {الذين} الأول، {إن الله عهد إلينا} أي: أمرنا وأوصانا في كتبه أن لا نؤمن برسول أي: لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار فيكون دليلا على صدقه، والقربان: كل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من نسيكة وصدقة وعمل صالح فعلان من القربة وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل وكانوا إذا قربوا قربانا أو غنموا غنيمة جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف فتأكله وتحرق ذلك القربان وتلك الغنيمة فيكون ذلك علامة القبول وإذا لم يقبل بقيت على حالها. وقال السدي: إن الله تعالى أمر بني إسرائيل من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم، {قل} يا محمد {قد جاءكم} يا معشر اليهود {رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم} القربان {فلم قتلتموهم} يعني: زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء، وأراد بذلك أسلافهم فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم {إن كنتم صادقين} معناه تكذيبهم مع علمهم بصدقك، كقتل آبائهم الأنبياء، مع الإتيان بالقربان والمعجزات، ثم قال معزيا لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر} قرأ ابن عامر " وبالزبر " أي: بالكتب المزبورة يعني: المكتوبة، واحدها زبور مثل: رسول ورسل، {والكتاب المنير} الواضح المضيء. قوله عز وجل: {كل نفس} منفوسة، {ذائقة الموت} وفي الحديث: "لما خلق الله تعالى آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها فوعدها أن يرد فيها ما أخذ منها فما من أحد إلا يدفن في التربة التي خلق منها" ، {وإنما توفون أجوركم} توفون جزاء أعمالكم، {يوم القيامة} إن خيرا فخير وإن شرا فشر، {فمن زحزح} نجي وأزيل، {عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} ظفر بالنجاة ونجا من الخوف، {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} يعني منفعة ومتعة كالفأس والقدر والقصعة ثم تزول ولا تبقى.

Bölüm V02/P144–V02/P146

وقال الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له. قال قتادة: هي متاع متروكة يوشك أن تضمحل بأهلها فخذوا من هذا المتاع بطاعة الله ما استطعتم والغرور: الباطل. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا بن هارون، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" واقرءوا إن شئتم "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون" (السجدة -17) وإن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرءوا إن شئتم: "وظل ممدود" (الواقعة -30) ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما عليها واقرءوا إن شئتم {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} . {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} الآية قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج: نزلت الآية في أبي بكر وفنحاص بن عازوراء. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص بن عازوراء سيد بني قينقاع ليستمده، وكتب إليه كتابا وقال لأبي بكر رضي الله عنه "لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع" فجاء أبو بكر رضي الله عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال: قد احتاج ربك إلى أن نمده، فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع" فكف فنزلت هذه الآية . وقال الزهري: نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسب المسلمين، ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره ويشبب بنساء المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لي بابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله"؟. فقال محمد بن مسلمة الأنصاري: أنا لك يا رسول الله، أنا أقتله قال: "فافعل إن قدرت على ذلك". فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه وقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ قال: يا رسول الله قلت قولا ولا أدري هل أفي به أم لا فقال: إنما عليك الجهد. فقال: يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن نقول قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك، فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلام وأبو نائلة، وكان أخا كعب من الرضاعة، وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبو عيسى بن جبير فمشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم، وقال: "انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم" ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في ليلة مقمرة.

Bölüm V02/P146–V02/P148

فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدموا أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا الشعر، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم علي قال أفعل قال: كان قدوم هذا الرجل بلادنا بلاء عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة، وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس، فقال كعب: أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرتك يا بن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا، فقال أبو نائلة: 75/ب إن معي أصحابا أردنا أن تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك قال: أترهنوني أبناءكم قال: إنا نستحي إن يعير أبناؤنا فيقال هذا رهينة وسق وهذا رهينة وسقين قال: ترهنوني نساءكم قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك وأية امرأة تمتنع منك لجمالك؟ ولكنا نرهنك الحلقة يعني: السلاح وقد علمت حاجتنا إلى السلاح، قال: نعم وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا رآه فوعده أن يأتيه فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره. فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه ليلا فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس، فوثب من ملحفته فقالت امرأته: أسمع صوتا يقطر منه الدم، وإنك رجل محارب وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة فكلمهم من فوق الحصن فقال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة وإن هؤلاء لو وجدوني نائما ما أيقظوني، وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب، فنزل إليهم فتحدث معهم ساعة ثم قالوا: يا بن الأشرف هل لك إلى أن نتماشى إلى شعب العجوز نتحدث فيه بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم؟ فخرجوا يتماشون وكان أبو نائلة قال: لأصحابه إني فاتل شعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، ثم إنه شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال: ما رأيت كالليلة طيب عروس قط، قال: إنه طيب أم فلان يعني امرأته، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها ثم أخذ بفودي رأسه حتى استمكن ثم قال: اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، قال فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله، وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا، فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه وتفل على جرح صاحبنا. فرجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود وقعتنا بعدو الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه" فوثب محيصة بن مسعود على سنينة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله. قال محيصة: والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك، قال: لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم قال والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب؟ ! فأسلم حويصة وأنزل الله تعالى في شأن كعب: {لتبلون} لتخبرن اللام للتأكيد وفيه معنى القسم، والنون لتأكيد القسم {في أموالكم} بالجوائح والعاهات والخسران {وأنفسكم} بالأمراض وقيل: بمصائب الأقارب والعشائر، قال عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم ورباعهم وعذبوهم وقال الحسن: هو ما فرض عليهم في أموالهم وأنفسهم من الحقوق، كالصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة، {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني: اليهود والنصارى، {ومن الذين أشركوا} يعني: مشركي العرب، {أذى كثيرا وإن تصبروا} على أذاهم {وتتقوا} الله، {فإن ذلك من عزم الأمور} من حق الأمور وخيرها وقال عطاء: من حقيقة الإيمان.

Bölüm V02/P148–V02/P149

{وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون } {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر بالياء فيهما لقوله تعالى: {فنبذوه وراء ظهورهم} وقرأ الآخرون بالتاء فيها على إضمار القول، {فنبذوه وراء ظهورهم} أي: طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به، {واشتروا به ثمنا قليلا} يعني: المآكل والرشا، {فبئس ما يشترون} قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله تعالى على أهل العلم فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} الآية. حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو بكر عمر بن سهل بن إسماعيل الدينوري، أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، أخبرنا أبو حذيفة موسى بن مسعود أخبرنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار" . وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك فقال: حدثني فقلت: حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا قال: فحدثني أربعين حديثا . {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم } قوله: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} الآية قرأ عاصم وحمزة والكسائي {لا تحسبن} بالتاء، أي: لا تحسبن يا محمد الفارحين وقرأ الآخرون بالياء "لا يحسبن" الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب {فلا يحسبنهم} وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين، أي فلا يحسبن أنفسهم، وقرأ الآخرون بالتاء وفتح الباء أي: فلا تحسبنهم يا محمد وأعاد قوله {فلا تحسبنهم} تأكيدا وفي حرف عبد الله بن مسعود {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا بمفازة من العذاب} غير تكرار. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا سعيد بن أبي مريم، أنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري 76/أأن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} الآية.

Bölüm V02/P149–V02/P151

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا إبراهيم بن موسى، أنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم: أخبرني ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه فأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس رضي الله عنهما {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} كذلك حتى قوله: {يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} . قال عكرمة: نزلت في فنحاص وأشيع وغيرهما من الأحبار يفرحون بإضلالهم الناس وبنسبة الناس إياهم إلى العلم وليسوا بأهل العلم . وقال مجاهد: هم اليهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه . وقال سعيد بن جبير: هم اليهود فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم وهم برآء من ذلك . وقال قتادة ومقاتل: أتت يهود خيبر نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك وإنا على رأيكم ونحن لكم ردء، وليس ذلك في قلوبهم فلما خرجوا قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟ قالوا: عرفناه وصدقناه فقال لهم المسلمون: أحسنتم هكذا فافعلوا فحمدوهم ودعوا لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال: {يفرحون بما أتوا} قال الفراء بما فعلوا كما قال الله تعالى: "لقد جئت شيئا فريا" (مريم -27) أي: فعلت، {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة} بمنجاة، {من العذاب ولهم عذاب أليم} {ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } {ولله ملك السماوات والأرض} يصرفها كيف يشاء، {والله على كل شيء قدير} {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الإسفرايني، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أنا أحمد بن عبد الجبار، أنا ابن فضيل، عن حصين بن عبد الرحمن، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه استيقظ فتسوك ثم توضأ وهو يقول: {إن في خلق السماوات والأرض} حتى ختم السورة ثم قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات كل ذلك يستاك ثم يتوضأ ثم يقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث ركعات ثم أتاه المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: "اللهم اجعل في بصري نورا وفي سمعي نورا وفي لساني نورا واجعل خلفي نورا وأمامي نورا واجعل من فوقي نورا ومن تحتي نورا اللهم أعطني نورا" . ورواه كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما وزاد: "اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا" . قوله تعالى: {لآيات لأولي الألباب} ذوي العقول ثم وصفهم فقال: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار } {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب.

Bölüm V02/P151–V02/P153

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، أنا هناد أنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة المريض فقال: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب". . وقال سائر المفسرين أراد به المداومة على الذكر في عموم الأحوال لأن الإنسان قل ما يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث، نظيره في سورة النساء "فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم" {النساء -103} ، {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} وما أبدع فيهما ليدلهم ذلك على قدرة الله ويعرفوا أن لها صانعا قادرا مدبرا حكيما قال ابن عون: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة، {ربنا} أي: ويقولون ربنا {ما خلقت هذا} رده إلى الخلق فلذلك لم يقل هذه، {باطلا} أي: عبثا وهزلا بل خلقته لأمر عظيم وانتصب الباطل بنزع الخافض، أي: بالباطل، {سبحانك فقنا عذاب النار} {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أي: أهنته، وقيل: أهلكته، وقيل: فضحته، لقوله تعالى: {ولا تخزون في ضيفي} (هود -78) فإن قيل: قد قال الله تعالى: "يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه" (التحريم -8) ومن أهل الإيمان من يدخل النار وقد قال: {إنك من تدخل النار فقد أخزيته} قيل: قال أنس وقتادة معناه: إنك من تخلد في النار فقد أخزيته وقال سعيد بن المسيب هذه خاصة لمن لا يخرج منها فقد روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يدخل قوما النار ثم يخرجون منها" . {وما للظالمين من أنصار} {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب } {ربنا إننا سمعنا مناديا} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم قاله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وأكثر الناس، وقال القرظي: يعني القرآن فليس كل أحد يلقى النبي صلى الله عليه وسلم، {ينادي للإيمان} أي إلى الإيمان، {أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} أي: في جملة الأبرار. {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} أي: على ألسنة رسلك، {ولا تخزنا} ولا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا، {يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} فإن قيل: ما وجه قولهم: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} وقد علموا أن الله لا يخلف الميعاد؟ قيل: لفظه دعاء ومعناه خبر أي: لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك تقديره: {فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا} {ولا تخزنا يوم القيامة} لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك من الفضل والرحمة وقيل: معناه ربنا واجلعنأ 76/ب ممن يستحقون ثوابك وتؤتيهم ما وعدتهم على ألسنة رسلك لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها، وقيل: إنما سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء، قالوا: قد علمنا أنك لا تخلف ولكن لا صبر لنا على حلمك فعجل خزيهم وانصرنا عليهم. قوله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني} أي: بأني، {لا أضيع} لا أحبط، {عمل عامل منكم} أيها المؤمنون {من ذكر أو أنثى} قال مجاهد: قالت أم سلمة يا رسول الله إني أسمع الله يذكر

Bölüm V02/P153–V02/P154

الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فأنزل الله تعالى هذه الآية {بعضكم من بعض} قال الكلبي: في الدين والنصرة والموالاة، وقيل: كلكم من آدم وحواء، وقال الضحاك: رجالكم شكل نسائكم ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة، كما قال: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" (التوبة -71) . {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي} أي: في طاعتي وديني، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة، {وقاتلوا وقتلوا} قرأ ابن عامر وابن كثير " وقتلوا " بالتشديد وقال الحسن: يعني أنهم قطعوا في المعركة، والآخرون بالتخفيف وقرأ أكثر القراء: {وقاتلوا وقتلوا} يريد أنهم قاتلوا العدو ثم أنهم قتلوا وقرأ حمزة والكسائي {وقتلوا وقاتلوا} وله وجهان أحدهما: معناه وقاتل من بقي منهم، ومعنى قوله {وقتلوا} أي: قتل بعضهم تقول العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم والوجه الآخر {وقتلوا} وقد قاتلوا، {لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتهاالأنهار ثوابا من عند الله} نصب على القطع قاله الكسائي، وقال المبرد: مصدر أي: لأثيبنهم ثوابا، {والله عنده حسن الثواب} {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار } قوله عز وجل: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} نزلت في المشركين، وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله تعالى فيما نرى من الخير ونحن في الجهد؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} وضربهم في الأرض وتصرفهم في البلاد للتجارات وأنواع المكاسب فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره. {متاع قليل} أي: هو متاع قليل وبلغة فانية ومتعة زائلة، {ثم مأواهم} مصيرهم، {جهنم وبئس المهاد} الفراش. {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا} جزاء وثوابا، {من عند الله} نصب على التفسير وقيل: جعل ذلك نزلا {وما عند الله خير للأبرار} من متاع الدنيا. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، أنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد بن حنين أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وإن عند رجليه قرظا مصبورا، وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله؟ فقال: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة" ؟ . {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب } قوله عز وجل: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} الآية قال ابن عباس وجابر وأنس وقتادة: نزلت في النجاشي ملك الحبشة، واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي، فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات، واستغفر له فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه فأنزل الله تعالى هذه الآية .

Bölüm V02/P154–V02/P158

وقال عطاء: نزلت في أهل نجران أربعين رجلا [من بني حارث بن كعب] اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن جريج: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه . وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} {وما أنزل إليكم} يعني: القرآن، {وما أنزل إليهم} يعني: التوراة والإنجيل، {خاشعين لله} خاضعين متواضعين لله، {لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا} يعني: لا يحرفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل الرياسة والمأكلة كفعل غيرهم من رؤساء اليهود، {أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب} {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} قال الحسن: اصبروا على دينكم ولا تدعوه لشدة ولا رخاء، وقال قتادة: اصبروا على طاعة الله. وقال الضحاك ومقاتل بن سليمان: على أمر الله. وقال مقاتل بن حيان: على أداء فرائض الله تعالى، وقال زيد بن أسلم: على الجهاد. وقال الكلبي: على البلاء، وصابروا يعني: الكفار، ورابطوا يعني: المشركين، قال أبو عبيدة، أي داوموا واثبتوا، والربط الشد، وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم، ثم قيل: لكل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه، وإن لم يكن له مركب. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، أنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها" . . أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي، أنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن عبد الكريم بن الحارث، عن أبي عبيدة بن عقبة، عن شرحبيل بن السمط عن سلمان الخير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان له أجر صيام شهر مقيم، ومن مات مرابطا جرى له مثل ذلك الأجر، وأجري عليه من الرزق، وأمن من الفتان" . وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أنا زاهر بن أحمد الفقيه، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله الخطايا ويرفع 77/أبه الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" . {واتقوا الله لعلكم تفلحون} قال بعض أرباب اللسان: اصبروا على النعماء وصابروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء. سورة النساء - مدنية بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا }

Bölüm V02/P158–V02/P160

قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني: آدم عليه السلام، {وخلق منها زوجها} يعني: حواء، {وبث منهما} نشر وأظهر، {رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به} أي: تتساءلون به، وقرأ أهل الكوفة بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين، كقوله تعالى: {ولا تعاونوا} ، {والأرحام} قراءة العامة بالنصب، أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ حمزة بالخفض، أي: به وبالأرحام كما يقال: سألتك بالله والأرحام، والقراءة الأولى أفصح لأن العرب لا تكاد تنسق بظاهر على مكنى، إلا أن تعيد الخافض فتقول: مررت به وبزيد، إلا أنه جائز مع قلته، {إن الله كان عليكم رقيبا} أي: حافظا. قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} قال مقاتل والكلبي: نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره"، يعني: جنته، فلما قبض الفتى ماله أنفق في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثبت الأجر وبقي الوزر" فقالوا: كيف بقي الوزر؟ فقال: "ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" . وقوله {وآتوا} خطاب للأولياء والأوصياء، واليتامى: جمع يتيم، واليتيم: اسم لصغير لا أب له ولا جد، وإنما يدفع المال إليهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى هاهنا على معنى أنهم كانوا يتامى. {ولا تتبدلوا} أي: لا تستبدلوا، {الخبيث بالطيب} أي: مالهم الذي هو حرام عليكم بالحلال من أموالكم، واختلفوا في هذا التبدل، قال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي: كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلونه مكان الرديء، فربما كان أحدهما يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم، فنهوا عن ذلك. وقيل: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذه خبيث، وقال مجاهد: لا تتعجل الرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال. {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} أي: مع أموالكم، كقوله تعالى: {من أنصاري إلى الله} أي: مع الله، {إنه كان حوبا كبيرا} أي: إثما عظيما. {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } وقوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} الآية. اختلفوا في تأويلهم، فقال بعضهم: معناه إن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب مثنى وثلاث ورباع. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: كان عروة بن الزبير يحدث أنه سأل عائشة رضي الله عنها {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} قالت: هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء، قالت عائشة رضي الله عنها: ثم استفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} إلى قوله تعالى {وترغبون أن تنكحوهن} . فبين الله تعالى في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال أو مال، رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها.

Bölüm V02/P160–V02/P161

قال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه كراهية أن يدخله غريب فيشاركه في مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها أن تموت ويرثها، فعاب الله تعالى ذلك، وأنزل الله هذه الآية. وقال عكرمة: كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر فإذا صار معدما من مؤن نسائه مال إلى مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه، فقيل لهم: لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ أموال اليتامى، وهذه رواية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال بعضهم: كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء، فيتزوجون ما شاءوا وربما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما أنزل الله تعالى في أموال اليتامى {وآتوا اليتامى أموالهم} أنزل هذه الآية {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} يقول كما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن، لأن النساء في الضعف كاليتامى، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي ، ثم رخص في نكاح أربع فقال: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا} فيهن {فواحدة} وقال مجاهد: معناه إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيمانا فكذلك تحرجوا من الزنا فانكحوا النساء الحلال نكاحا طيبا ثم بين لهم عددا، وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد، قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} أي: من طاب كقوله تعالى: "والسماء وما بناها" (الشمس -5) أي ومن بناها "قال فرعون وما رب العالمين" (الشعراء -23) والعرب تضع "من" و"ما" كل واحدة موضع الأخرى، كقوله تعالى: "فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين" (النور -45) ، وطاب أي: حل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، معدولات عن اثنين، وثلاث، وأربع، ولذلك لا ينصرفن، والواو بمعنى أو، للتخيير، كقوله تعالى: "أن تقوموا لله مثنى وفرادى" (سبأ -46) : "أولي أجنحة مثنى وثلاث 77/ب ورباع" (غافر -1) وهذا إجماع أن أحدا من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، لا مشاركة معه لأحد من الأمة فيها، وروي أن قيس بن الحارث كان تحته ثمان نسوة فلما نزلت هذه الآية قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلق أربعا وأمسك أربعا" قال فجعلت أقول للمرأة التي لم تلد يا فلانة أدبري والتي قد ولدت يا فلانة أقبلي . وروي أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" . وإذا جمع الحر بين أربع نسوة حرائر يجوز، فأما العبد فلا يجوز له أن ينكح أكثر من امرأتين عند أكثر أهل العلم أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد الخطيب، أنا عبد العزيز أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين، فإن لم تكن تحيض فبشهرين أو شهر ونصف" وقال ربيعة: يجوز للعبد أن ينكح أربع نسوة كالحر.

Bölüm V02/P161–V02/P163

{فإن خفتم} خشيتم، وقيل: علمتم، {ألا تعدلوا} بين الأزواج الأربع، {فواحدة} أي فانكحوا واحدة. وقرأ أبو جعفر {فواحدة} بالرفع، {أو ما ملكت أيمانكم} يعني السراري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر، ولا قسم لهن، ولا وقف في عددهن، وذكر الأيمان بيان، تقديره: أو ما ملكتم، وقال بعض أهل المعاني: أو ما ملكت أيمانكم أي: ما ينفذ فيه إقسامكم، جعله من يمين الحلف، لا يمين الجارحة، {ذلك أدنى} أقرب، {ألا تعولوا} أي: لا تجوروا ولا تميلوا، يقال: ميزان عائل، أي: جائر مائل، هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: أن لا تضلوا، وقال الفراء: أن لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم، وأصل العول: المجاوزة، ومنه عول الفرائض، وقال الشافعي رحمه الله: أن لا تكثر عيالكم، وما قاله أحد، إنما يقال من كثرة العيال: أعال يعيل إعالة، إذا كثر عياله. وقال أبو حاتم: كان الشافعي رضي الله عنه أعلم بلسان العرب منا ولعله لغة، ويقال: هي لغة حمير، وقرأ طلحة بن مصرف {" أن لا تعيلوا "} وهي حجة لقول الشافعي رضوان الله عليه. {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} قال الكلبي ومجاهد: هذا الخطاب للأولياء، وذلك أن ولي المرأة كان إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا، وإن كان زوجها غريبا حملوها إليه على بعير ولم يعطوها من مهرها غير ذلك. فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله. [قال الحضرمي: كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته، ولا مهر بينهما، فنهوا عن ذلك وأمروا بتسمية المهر في العقد. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن الشغار". والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوج الرجل الآخر ابنته، وليس بينهما صداق" وقال الآخرون: الخطاب للأزواج أمروا بإيتاء نسائهم الصداق، وهذا أصح، لأن الخطاب فيما قبل مع الناكحين، والصدقات: المهور، واحدها صدقة {نحلة} قال قتادة: فريضة، وقال ابن جريج: فريضة مسماة، قال أبو عبيدة: ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة، وقال الكلبي: عطية وهبة، وقال أبو عبيدة: عن طيب نفس] ، وقال الزجاج: تدينا. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" . {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} يعني: فإن طابت نفوسهن بشيء من ذلك فوهبن منكم، فنقل الفعل من النفوس إلى أصحابها فخرجت النفس مفسرا، فلذلك وحد النفس، كما قال الله تعالى: "وضاق بهم ذرعا" (هود -77) (العنكبوت -33) " وقري عينا" (مريم -26) وقيل: لفظها واحد ومعناها جمع، {فكلوه هنيئا مريئا} سائغا طيبا، يقال هنأ في الطعام يهنأ بفتح النون في الماضي وكسرها في الباقي ، وقيل: الهنأ: الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر، قرأ أبو جعفر {هنيئا مريئا} بتشديد الياء فيهما من غير همز، وكذلك "بري"، "وبريون"، "وبريا" "وكهية" والآخرون يهمزونها. {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا }

Bölüm V02/P163–V02/P164

قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} اختلفوا في هؤلاء السفهاء فقال قوم: هم النساء، وقال الضحاك: النساء من أسفه السفهاء، وقال مجاهد: نهى الرجال أن يؤتوا النساء أموالهم وهن سفهاء، من كن، أزواجا أو بنات أو أمهات، وقال آخرون: هم الأولاد، قال الزهري: يقول لا تعط ولدك السفيه مالك الذي هو قيامك بعد الله تعالى فيفسده، وقال بعضهم: هم النساء والصبيان، وقال الحسن: هي امرأتك السفيهة وابنك السفيه، وقال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم ومؤنتهم، قال الكلبي: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ، وإنما أضاف إلى الأولياء فقال: {أموالكم} لأنهم قوامها ومدبروها. والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو المستحق للحجر عليه، وهو أن يكون مبذرا في ماله أو مفسدا في دينه، فقال جل ذكره: {ولا تؤتوا السفهاء} أي: الجهال بموضع الحق أموالكم التي جعل الله لكم قياما. قرأ نافع وابن عامر {قياما} بلا ألف، وقرأ الآخرون {قياما} وأصله: قواما، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهو ملاك الأمر وما يقوم به الأمر. وأراد هاهنا قوام عيشكم الذي تعشيون به. قال الضحاك: به يقام الحج والجهاد وأعمال البر وبه فكاك الرقاب من النار. {وارزقوهم فيها} 78/أأي: أطعموهم، {واكسوهم} لمن يجب عليكم رزقه ومؤنته، وإنما قال {فيها} يقل: منها، لأنه أراد: اجعلوا لهم فيها رزقا فإن الرزق من الله: العطية من غير حد، ومن العباد إجراء موقت محدود. {وقولوا لهم قولا معروفا} عدة جميلة، وقال عطاء: إذا ربحت أعطيتك وإن غنمت جعلت لك حظا، وقيل: هو الدعاء، وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن تجب عليكم نفقته، فقل له: عافاك الله وإيانا، بارك الله فيك، وقيل: قولا لينا تطيب به أنفسهم. {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا } قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} الآية نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك. ابنه ثابتا وهو صغير، فجاء عمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية {وابتلوا اليتامى} اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحفظهم أموالهم، {حتى إذا بلغوا النكاح} أي: مبلغ الرجال والنساء، {فإن آنستم} أبصرتم، {منهم رشدا} فقال المفسرون يعني: عقلا وصلاحا في الدين وحفظا للمال وعلما بما يصلحه. وقال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي: لا يدفع إليه ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده. والابتلاء يختلف باختلاف أحوالهم فإن كان ممن يتصرف في السوق فيدفع الولي إليه شيئا يسيرا من المال وينظر في تصرفه وإن كان ممن لا يتصرف في السوق فيتخبره في نفقة داره، والإنفاق على عبيده وأجرائه، وتختبر المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها، فإذا رأى حسن تدبيره، وتصرفه في الأمور مرارا يغلب على القلب رشده، دفع المال إليه. واعلم أن الله تعالى علق زوال الحجر عن الصغير وجواز دفع المال إليه بشيئين: بالبلوغ والرشد، فالبلوغ يكون بأحد {أشياء أربعة} ، اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، واثنان تختصان بالنساء:

Bölüm V02/P164–V02/P166

فما يشترك فيه الرجال والنساء أحدهما السن، والثاني الاحتلام، أما السن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم ببلوغه غلاما كان أو جارية، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ، قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: هذا فرق بين المقاتلة والذرية، وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة سنة في المقاتلة، ومن لم يبلغها في الذرية. وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة، وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة. وأما الاحتلام فنعني به نزول المني سواء كان بالاحتلام أو بالجماع، أو غيرهما، فإذا وجدت ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما كان حكم ببلوغه، لقوله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الجزية حين بعثه إلى اليمن: "خذ من كل حالم دينارا" . وأما الإنبات، وهو نبات الشعر الخشن حول الفرج: فهو بلوغ في أولاد المشركين، لما روي عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة، فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت ممن لم ينبت . وهل يكون ذلك بلوغا في أولاد المسلمين؟ فيه قولان، أحدهما: يكون بلوغا كما في أولاد الكفار، والثاني: لا يكون بلوغا لأنه يمكن الوقوف على مواليد المسلمين بالرجوع إلى آبائهم، وفي الكفار لا يوقف على مواليدهم، ولا يقبل قول آبائهم فيه لكفرهم، فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغا في حقهم. وأما ما يختص بالنساء: فالحيض والحبل، فإذا حاضت المرأة بعد استكمال تسع سنين يحكم ببلوغها، وكذلك إذا ولدت يحكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها أقل مدة الحمل. وأما الرشد: فهو أن يكون مصلحا في دينه وماله، فالصلاح في الدين هو أن يكون مجتنبا عن الفواحش والمعاصي التي تسقط العدالة، والصلاح في المال هو أن لا يكون مبذرا، والتبذير: هو أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيوية ولا مثوبة أخروية، أو لا يحسن التصرف فيها، فيغبن في البيوع فإذا بلغ الصبي وهو مفسد في دينه وغير مصلح لماله، دام الحجر عليه، ولا يدفع إليه ماله ولا ينفذ تصرفه. وعند أبي حنيفة رضي الله عنه إذا كان مصلحا لماله زال الحجر عنه وإن كان مفسدا في دنيه، وإذا كان مفسدا لماله قال: لا يدفع إليه المال حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، غير أن تصرفه يكون نافذا قبله. والقرآن حجة لمن استدام الحجر عليه، لأن الله تعالى قال: {حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، والفاسق لا يكون رشيدا وبعد بلوغه خمسا وعشرين سنة، وهو مفسد لماله بالاتفاق غير رشيد، فوجب أن لا يجوز دفع المال إليه كما قبل بلوغ هذا السن. وإذا بلغ وأونس منه الرشد، زال الحجر عنه، ودفع إليه المال رجلا كان أو امرأة تزوج أو لم يتزوج. وعند مالك رحمه الله تعالى: إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج، فإذا تزوجت دفع إليها، ولكن لا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج، ما لم تكبر وتجرب. فإذا بلغ الصبي رشيدا وزال الحجر عنه ثم عاد سفيها، نظر: فإن عاد مبذرا لماله حجر عليه، وإن عاد مفسدا في دينه فعلى وجهين: أحدهما: يعاد الحجر عليه كما يستدام الحجر عليه إذا بلغ بهذه الصفة، والثاني: لا يعاد لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء.

Sorular

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) · 15 · Qur'an & Sunnah