Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
إذا ثبت هذا فنقول : إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه ، فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول عليه الصلاة والسلاما المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة . ثم إنه تعالى قال في غير هذه الواقعة : { كذالك لنصرف عنه السوء والفحشاء } ( يوسف : 24 ) وذلك يدل على أن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عنه ، ولا شك أن المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع / وأفحش أقسام الفحشاء فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئا من السوء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء . وأيضا فالآية تدل على قولنا من وجه آخر ، وذلك لأنا نقول هب أن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه ، إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم الدمائح والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك الذنب العظيم / فإن مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب وأفحش الأعمال ثم إنه يذكره بالمدح العظيم والثناء البالغ عقيبه ، فإن ذلك يستنكر جدا فكذا ههنا والله أعلم . الثالث : أن الأنبياء عليهم السلام متى صدرت منهم زلة ، أو هفوة استعظموا ذلك وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة والتواضع ، ولو كان يوسف عليه السلام أقدم ههنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار ولو أتى بالتوبة لحكى الله تعالى عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع وحيث لم يوجد شيء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ولا معصية . الرابع : أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف عليه السلام من المعصية . واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة يوسف عليه السلام ، وتلك المرأة وزوجها ، والنسوة والشهود ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب ، وإبليس أقر ببراءته أيضا عن المعصية ، وإذا كان الأمر كذلك ، فحينئذ لم يبق للمسلم توقف في هذا الباب . أما بيان أن يوسف عليه السلام ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله عليه السلام : { هى راودتنى عن نفسى } ( يوسف : 26 ) وقوله عليه السلام : { رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه } ( يوسف : 33 ) وأما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } ( يوسف : 32 ) وأيضا قالت : { قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش } ( يوسف : 51 ) وأما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك ، فهو قوله : { إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هاذا واستغفرى لذنبك } ( يوسف : 28 ، 29 ) وأما الشهود فقوله تعالى : { وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين } ( يوسف : 26 ) وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله : { كذالك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين } ( يوسف : 24 ) فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات : أولها : قوله : { لنصرف عنه السوء } واللام للتأكيد والمبالغة . والثاني : قوله : { والفحشاء } أي كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء . والثالث : قوله : { إنه من عبادنا } مع أنه تعالى قال : { وعباد الرحمان الذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ( الفرقان : 63 ) والرابع : قوله : { المخلصين } وفيه قراءتان : تارة باسم الفاعل وأخرى باسم / المفعول فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيا بالطاعات والقربات مع صفة الأخلاص . ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه لحضرته ، وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزها عما أضافوه إليه ، وأما بيان أن إبليس أقر بطهارته ، فلأنه قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } ( ص: 82 ، 83 ) فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى : { } ( ص: 82 ، 83 ) فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى : { إنه من عبادنا المخلصين } فكان هذا إقرارا من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريقة الهدى ، وعند هذا نقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلى أن تخرجنا عليه فزدنا عليه في السفاهة كما قال الخوارزمي :
فوكنت امرأ من جند إبليس فارتقى بي الدهر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدي فثبت بهذه الدلائل أن يوسف عليه السلام برىء عما يقوله هؤلاء الجهال . وإذا عرفت هذا فنقول : الكلام على ظاهر هذه الآية يقع في مقامين : المقام الأول : أن نقول لا نسلم أن يوسف عليه السلام هم بها . والدليل عليه : أنه تعالى قال : { وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } وجواب { لولا } ههنا مقدم ، وهو كما يقال : قد كنت من الهالكين لولا أن فلانا خلصك ، وطعن الزجاج في هذا الجواب من وجهين : الأول : أن تقديم جواب { لولا } شاذ وغير موجود في الكلام الفصيح . الثاني : أن { لولا } يجاب جوابها باللام ، فلو كان الأمر على ما ذكرتم لقال : ولقد همت ولهم بها لولا . وذكر غير الزجاج سؤالا ثالثا وهو أنه لو لم يوجد الهم لما كان لقوله : { لولا أن رأى برهان ربه } فائدة . واعلم أن ما ذكره الزجاج بعيد ، لأنا نسلم أن تأخير جواب { لولا } حسن جائز ، إلا أن جوازه لا يمنع من جواز تقديم هذا الجواب ، وكيف ونقل عن سيبويه أنه قال : إنهم يقدمون الأهم فالأهم ، والذي هم بشأنه أعنى فكان الأمر في جواز التقديم والتأخير مربوطا بشدة الاهتمام . وأما تعيين بعض الألفاظ بالمنع فذلك مما لا يليق بالحكمة ، وأيضا ذكر جواب { لولا } باللام جائز . أما هذا لا يدل على أن ذكره بغير اللام لا يجوز ، ثم إنا نذكر آية أخرى تدل على فساد قول الزجاج في هذين السؤالين ، وهو قوله تعالى : { إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها } ( القصص : 10 ) . وأما السؤال الثالث : وهو أنه لو لم يوجد الهم لم يبق لقوله : { لولا أن رأى برهان ربه } فائدة . / فنقول : بل فيه أعظم الفوائد ، وهو بيان أن ترك الهم بها ما كان لعدم رغبته في النساء ، وعدم قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل ، ثم نقول : إن الذي يدل على أن جواب { لولا } ما ذكرناه أن { لولا } تستدعي جوابا ، وهذا المذكور يصلح جوابا له ، فوجب الحكم بكونه جوابا له لا يقال إنا نضمر له جوابا ، وترك الجواب كثير في القرآن ، لأنا نقول : لا نزاع أنه كثير في القرآن ، إلا أن الأصل أن لا يكون محذوفا . وأيضا فالجواب إنما يحسن تركه وحذفه إذا حصل في اللفظ ما يدل على تعينه ، وههنا بتقدير أن يكون الجواب محذوفا فليس في اللفظ ما يدل على تعين ذلك الجواب ، فإن ههنا أنواعا من الإضمارات يحسن إضمار كل واحد منها ، وليس إضمار بعضها أولى من إضمار الباقي فظهر الفرق . والله أعلم .
المقام الثاني : في الكلام على هذه الآية أن نقول : سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول : إن قوله : { وهم بها } لا يمكن حمله على ظاهره لأن تعليق الهم بذات المرأة محال لأن الهم من جنس القصد والقصد لا يتعلق بالذوات الباقية ، فثبت أنه لا بد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم وذلك الفعل غير مذكور فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة بها ونحن نضمر شيئا آخر يغاير ما ذكروه وبيانه من وجوه : الأول : المراد أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأن الهم هو القصد ، فوجب أن يحمل في حق كل أحد على القصد الذي يليق به ، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعيم والتمتع واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف النهي عن المنكر / يقال : هممت بفلان أي بضربه ودفعه . فإن قالوا : فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله : { لولا أن رأى برهان ربه } فائدة . قلنا : بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين : الأول : أنه تعالى أعلم يوسف عليه السلام أنه لو هم بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله ، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك ، والثاني : أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به ، فكان يتمزق ثوبه من قدام ، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن ، ولو كان ثوبه ممزقا من خلف لكانت المرأة هي الخائنة ، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى ، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هاربا عنها ، حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية . الوجه الثاني : في الجواب أن يفسر الهم بالشهوة ، وهذا مستعمل في اللغة الشائعة . يقول القائل : فيما لا يشتهيه مايهمني هذا ، وفيما يشتهيه هذا أهم الأشياء إلي ، فسمى الله تعالى شهوة يوسف / عليه السلام هما ، فمعنى الآية : ولقد اشتهته واشتهاها لولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في الوجود . الثالث : أن يفسر الهم بحديث النفس ، وذلك لأن المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تزينت وتهيأت للرجل الشاب القوي فلا بد وأن يقع هناك بين الحكمة والشهوة الطبيعية وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات ، فتارة تقوى داعية الطبيعة والشهوة وتارة تقوى داعية العقل والحكمة . فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة ، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية ، ومثال ذلك أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف ، إذا رأى الجلاب المبرد بالثلج فإن طبيعته تحمله على شربه ، إلا أن دينه وهداه يمنعه منه ، فهذا لا يدل على حصول الذنب ، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في القيام بلوازم العبودية أكمل ، فقد ظهر بحمد الله تعالى صحة هذا القول الذي ذهبنا إليه ولم يبق في يد الواحدي إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين ، ولو كان قد ذكر في تقرير ذلك القول شبهة لأجبنا عنها إلا أنه ما زاد على الرواية عن بعض المفسرين . واعلم أن بعض الحشوية روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما كذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات ) فقلت الأولى أن لا نقبل مثل هذه الأخبار فقار على طريق الاستنكار فإن لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة فقلت له : يا مسكين إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم عليه السلام وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة ولا شك أن صون إبراهيم عليه السلام عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب .
إذا عرفت هذا الأصل فنقول للواحدي : ومن الذي يضمن لنا أن الذين نقلوا هذا القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين أم كاذبين ، والله أعلم . المسألة الثانية : في أن المراد بذلك البرهان ما هو أما المحققون المثبون للعصمة فقد فسروا رؤية البرهان بوجوه : الأول : أنه حجة الله تعالى في تحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب والثاني : أن الله تعالى طهر نفوس الأنبياء عليهم السلام عن الأخلاق الذميمة . بل نقول : إنه تعالى طهر نفوس المتصلين به عنها كما قال : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } ( الأحزاب : 33 ) فالمراد برؤية البرهان هو حصول تلك الأخلاق وتذكير الأحوال الرادعة لهم عن الإقدام على المنكرات . والثالث : أنه رأى مكتوبا في سقف البيت { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا } ( الإسراء : 32 ) والرابع : أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش ، والدليل عليه أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا لمنع الخلق عن القبائح والفضائح فلو أنهم منعوا الناس عنها / ثم أقدموا على أقبح أنواعها وأفحش أقسامها لدخلوا تحت قوله تعالى : { الحكيم يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ( الصف : 2 ، 3 ) / وأيضا أن الله تعالى عير اليهود بقوله : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ( البقرة : 44 ) وما يكون عيبا في حق اليهود كيف ينسب إلى الرسول المؤيد بالمعجزات . وأما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف عليه السلام فقد ذكروا في تفسير ذلك البرهان أمورا : الأول : قالوا إن المرأة قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب فقال يوسف : لم فعلت ذلك ؟ قالت : أستحي من إلهي هذا أن يراني على معصية ، فقال يوسف : أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت فوالله لا أفعل ذلك أبدا قالوا : فهذا هو البرهان . الثاني : نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تمثل له يعقوب فرآه عاضا على أصابعه ويقول له : أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء فاستحى منه . قال وهو قول عكرمة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين قال سعيد بن جبير : تمثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله . والثالث : قالوا إنه سمع في الهواء قائلا يقول يا ابن يعقوب لا تكن كالطير يكون له ريش فإذا زنا ذهب ريشه . والرابع : نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لم ينزجر برؤية صورة يعقوب حتى ركضه جبريل عليه السلام فلم يبق فيه شيء من الشهوة إلا خرج ، ولما نقل الواحدي هذه الروايات تصلف وقال : هذا الذي ذكرناه قول أئمة التفسير الذين أخذوا التأويل عمن شاهد التنزيل فيقال له : إنك لا تأتينا ألبتة إلا بهذه التصلفات التي لا فائدة فيها فأين هذا من الحجة والدليل ، وأيضا فإن ترادف الدلائل على الشيء الواحد جائز ، وأنه عليه الصلاة والسلام كان ممتنعا عن الزنا بحسب الدلائل الأصلية ، فلما انضاف إليها هذه الزواجر قوي الانزجار وكمل الاحتراز والعجب أنهم نقلوا أن جروا دخل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم وبقي هناك بغير عمله قالوا : فامتنع جبريل عليه السلام من الدخول عليه أربعين يوما ، وههنا زعموا أن يوسف عليه السلام حال اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبريل عليه السلام ، والعجب أنهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبريل عليه السلام ، ولو أن أفسق الخلق وأكفرهم كان مشتغلا بفاحشة فإذا دخل عليه رجل على زي الصالحين استحيا منه وفر وترك ذلك العمل ، وههنا أنه رأى يعقوب عليه السلام عض على أنامله فلم يلتفت إليه ، ثم إن جبريل عليه السلام على جلالة قدره دخل عليه فلم يمتنع أيضا عن ذلك القبيح بسبب حضوره حتى احتاج جبريل عليه السلام إلى أن يركضه على ظهره فنسأل الله أن يصوننا عن الغي في الدين ، والخذلان في طلب اليقين فهذا هو الكلام المخلص في هذه المسألة والله أعلم .
المسألة الثالثة : في الفرق بين السوء والفحشاء وفيه وجوه : الأول : أن السوء جناية اليد / والفحشاء هو الزنا . الثاني : السوء مقدمات الفاحشة من القبلة والنظر بالشهوة والفحشاء هو الزنا . أما قوله : { إنه من عبادنا المخلصين } أي الذين أخلصوا دينهم لله تعالى ومن فتح اللام أراد الذين خلصهم الله من الأسواء ، ويحتمل أن يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام الذي قال الله فيهم : { إنا أخلصناهم بخالصة } ( ص: 46 ) . المسألة الرابعة : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو { المخلصين } بكسر اللام في جميع القرآن والباقون بفتح اللام . ! 7 < { واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزآء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هى راودتنى عن نفسى وشهد شاهد من أهلهآ إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هاذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين } . > 7 < يوسف : ( 25 - 29 ) واستبقا الباب وقدت . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عنها أنها { همت } أتبعه بكيفية طلبها وهربه فقال : { واستبقا الباب } والمراد أنه هرب منها وحاول الخروج من الباب وعدت المرأة خلفه لتجذبه إلى نفسها ، والاستباق طلب السبق إلى الشيء ، ومعناه تبادر إلى الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه فإن سبق يوسف فتح / الباب وخرج ، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب لئلا يخرج ، وقوله : { واستبقا الباب } أي استبقا إلى الباب كقوله : { واختار موسى قومه سبعين رجلا } ( الأعراف : 155 ) أي من قومه . واعلم أن يوسف عليه السلام سبقها إلى الباب وأراد الخروج والمرأة تعدو خلقه فلم تصل إلا إلى دبر القميص فقدته ، أي قطعته طولا ، وفي ذلك الوقت حضر زوجها وهو المراد من قوله { وألفيا سيدها لدى الباب } أي صادفا بعلها تقول المرأة لبعلها سيدي ، وإنما لم يقل سيدهما لأن يوسف عليه السلام ما كان مملوكا لذلك الرجل في الحقيقة ، فعند ذلك خافت المرأة من التهمة فبادرت إلى أن رمت يوسف بالفعل القبيح ، وقالت : { ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم } والمعنى ظاهر . وفي الآية لطائف : إحداها : أن ( ما ) يحتمل أن تكون نافية ، أي ليس جزاؤه إلا السجن ، ويجوز أيضا أن تكون استفهامية يعني أي شيء جزاؤه إلا أن يسجن كما تقول : من في الدار إلا زيد . وثانيها : أن حبها الشديد ليوسف حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن ، وأخرت ذكر العذاب ، لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب ، وأيضا أنها لم تذكر أن يوسف يجب أن يعامل بأحد هذين الأمرين ، بل ذكرت ذلك ذكرا كليا صونا للمحبوب عن الذكر بالسوء والألم ، وأيضا قالت : { إلا أن يسجن } والمراد أن يسجن يوما أو أقل على سبيل التخفيف .
فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر بهذه العبارة ، بل يقال : يجب أن يجعل من المسجونين ألا ترى أن فرعون هكذا قال حين تهدد موسى عليه السلام في قوله : { لئن اتخذت إلاها غيرى لاجعلنك من المسجونين } ( الشعراء : 29 ) وثالثها : أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم منها أنه كان في عنفوان العمر وكمال القوة ونهاية الشهوة ، عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستحيت أن تقول إن يوسف عليه السلام قصدني بالسوء ، وما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض ، فانظر إلى تلك المرأة ما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب وأن هؤلاء الحشوية يرمونه بعد قريب من أربعة آلاف سنة بهذا الذنب القبيح . ورابعها : أن يوسف عليه السلام أراد يضربها ويدفعها عن نفسه ، وكان ذلك بالنسبة إليها جاريا مجرى السوء فقولها : { ما جزاء من أراد بأهلك } جاريا مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تريد إقدامه على دفعها ومنعها وفي ظاهر الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي . واعلم أن المرأة لما ذكرت هذا الكلام ولطخت عرض يوسف عليه السلام احتاج يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال : } هي راودتني عن نفسي } ، وأن يوسف عليه السلام ما هتك سترها في أول الأمر إلا أنه لما خاف على النفس وعلى العرض أظهر الأمر . / واعلم أن العلامات الكثيرة كانت دالة على أن يوسف عليه السلام هو الصادق : فالأول : أن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبدا لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد والثاني : أنهم شاهدوا أن يوسف عليه السلام كان يعدو عدوا شديدا ليخرج والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من الدار على هذا الوجه ، والثالث : أنهم رأوا أن المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه ، وأما يوسف عليه السلام فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى ، الرابع : أنهم كانوا قد شاهدوا أحوال يوسف عليه السلام في المدة الطويلة فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر ، وذلك أيضا مما يقوي الظن ، الخامس : أن المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح بل ذكرت كلاما مجملا مبهما ، وأما يوسف عليه السلام فإنه صرح بالأمر ولو أنه كان متهما لما قدر على التصريح باللفظ الصريح فإن الخائن خائف ؛ السادس : قيل : إن زوج المرأة كان عاجزا وآثار طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة فإلحاق هذه الفتنة بها أولى ، فلما حصلت هذه الأمارات الكثيرة الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة كان من المرأة استحيا الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف صادق والمرأة كاذبة ، ثم إنه تعالى أظهر ليوسف عليه السلام دليلا آخر يقوي تلك الدلائل المذكورة ويدل على أنه بريء عن الذنب وأن المرأة هي المذنبة ، وهو قوله : { } هي راودتني عن نفسي } ، وأن يوسف عليه السلام ما هتك سترها في أول الأمر إلا أنه لما خاف على النفس وعلى العرض أظهر الأمر .
/ واعلم أن العلامات الكثيرة كانت دالة على أن يوسف عليه السلام هو الصادق : فالأول : أن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبدا لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد والثاني : أنهم شاهدوا أن يوسف عليه السلام كان يعدو عدوا شديدا ليخرج والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من الدار على هذا الوجه ، والثالث : أنهم رأوا أن المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه ، وأما يوسف عليه السلام فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى ، الرابع : أنهم كانوا قد شاهدوا أحوال يوسف عليه السلام في المدة الطويلة فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر ، وذلك أيضا مما يقوي الظن ، الخامس : أن المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح بل ذكرت كلاما مجملا مبهما ، وأما يوسف عليه السلام فإنه صرح بالأمر ولو أنه كان متهما لما قدر على التصريح باللفظ الصريح فإن الخائن خائف ؛ السادس : قيل : إن زوج المرأة كان عاجزا وآثار طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة فإلحاق هذه الفتنة بها أولى ، فلما حصلت هذه الأمارات الكثيرة الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة كان من المرأة استحيا الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف صادق والمرأة كاذبة ، ثم إنه تعالى أظهر ليوسف عليه السلام دليلا آخر يقوي تلك الدلائل المذكورة ويدل على أنه بريء عن الذنب وأن المرأة هي المذنبة ، وهو قوله : { } ، وأن يوسف عليه السلام ما هتك سترها في أول الأمر إلا أنه لما خاف على النفس وعلى العرض أظهر الأمر . / واعلم أن العلامات الكثيرة كانت دالة على أن يوسف عليه السلام هو الصادق : فالأول : أن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبدا لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد والثاني : أنهم شاهدوا أن يوسف عليه السلام كان يعدو عدوا شديدا ليخرج والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من الدار على هذا الوجه ، والثالث : أنهم رأوا أن المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه ، وأما يوسف عليه السلام فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى ، الرابع : أنهم كانوا قد شاهدوا أحوال يوسف عليه السلام في المدة الطويلة فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر ، وذلك أيضا مما يقوي الظن ، الخامس : أن المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح بل ذكرت كلاما مجملا مبهما ، وأما يوسف عليه السلام فإنه صرح بالأمر ولو أنه كان متهما لما قدر على التصريح باللفظ الصريح فإن الخائن خائف ؛ السادس : قيل : إن زوج المرأة كان عاجزا وآثار طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة فإلحاق هذه الفتنة بها أولى ، فلما حصلت هذه الأمارات الكثيرة الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة كان من المرأة استحيا الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف صادق والمرأة كاذبة ، ثم إنه تعالى أظهر ليوسف عليه السلام دليلا آخر يقوي تلك الدلائل المذكورة ويدل على أنه بريء عن الذنب وأن المرأة هي المذنبة ، وهو قوله : { نفسى وشهد شاهد من أهلها } وفي هذا الشاهد ثلاثة أقوال : الأول : أنه كان لها ابن عم وكان رجلا حكيما واتفق في ذلك الوقت أنه كان مع الملك يريد أن يدخل عليها فقال قد سمعنا الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه ، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة والرجل كاذب وإن كان من خلفه فالرجل صادق وأنت كاذبة فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه ، قال ابن عمها : { إنه من كيدكم إن كيدكن عظيم } أي من عملكن . ثم قال ليوسف أعرض عن هذا واكتمه ، وقال لها استغفري لذنبك ، وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين . والثاني : وهو أيضا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والضحاك : إن ذلك الشاهد كان صبيا أنطقه الله تعالى في المهد ، فقال ابن عباس : تكلم في المهد أربعة صغار شاهد يوسف ، وابن ماشطة بنت فرعون ، وعيسى بن مريم ، وصاحب جريج الراهب قال الجبائي : والقول الأول أولى لوجوه : الأول : أنه تعالى لو أنطق الطفل بهذا الكلام لكان مجرد قوله إنها كاذبة كافيا وبرهانا قاطعا ، لأنه من البراهين القاطعة القاهرة ، والاستدلال بتمزيق القميص من قبل ومن دبر دليل ظني ضعيف والعدول عن الحجة القاطعة حال حضورها وحصولها إلى الدلالة الظنية لا يجوز . الثاني : أنه تعالى قال : { وشهد شاهد من أهلها } وإنما قال من أهلها / ليكون أولى بالقبول في حق المرأة لأن الظاهر من حال من يكون من أقرباء المرأة ومن أهلها أن لا يقصدها بالسوء والإضرار ، فالمقصود بذكر كون ذلك الرجل من أهلها تقوية قول ذلك الرجل وهذه الترجيحات إنما يصار إليها عند كون الدلالة ظنية ، ولو كان هذا القول صادرا عن الصبي الذي في المهد لكان قوله حجة قاطعة ولا يتفاوت الحال بين أن يكون من أهلها ، وبين أن لا يكون من أهلها وحينئذ لا يبقى لهذا القيد أثر . والثالث : أن لفظ الشاهد لا يقع في العرف إلا على من تقدمت له معرفة بالواقعة وإحاطة بها .
والقول الثالث : أن ذلك الشاهد هو القميص ، قال مجاهد : الشاهد كون قميصه مشقوقا من دبر ، وهذا في غاية الضعف لأن القميص لا يوصف بهذا ولا ينسب إلى الأهل . واعلم أن القول الأول عليه أيضا إشكال وذلك لأن العلامة المذكورة لا تدل قطعا على براءة يوسف عليه السلام عن المعصية لأن من المحتمل أن الرجل قصد المرأة لطلب الزنا فالمرأة غضبت عليه فهرب الرجل فعدت المرأة خلف الرجل وجذبته لقصد أن تضربه ضربا وجيعا فعلى هذا الوجه يكون القميص متخرقا من دبر مع أن المرأة تكون برية عن الذنب والرجل يكون مذنبا . وجوابه : أنا بينا أن علامات كذب المرأة كانت كثيرة بالغة مبلغ اليقين فضموا إليها هذه العلامة الأخرى لا لأجل أن يعولوا في الحكم عليها ، بل لأجل أن يكون ذلك جاريا مجرى المقويات والمرجحات . ثم إنه تعالى أخبر وقال : { فلما رأى قميصه } وذلك يحتمل السيد الذي هو زوجها ويحتمل الشاهد فلذلك اختلفوا فيه ، قال : { إنه من كيدكن } أي أن قولك ما جزاء من أراد بأهلك سوءا من كيدكن إن كيدكن عظيم . فإن قيل : إنه تعالى لما خلق الإنسان ضعيفا فكيف وصف كيد المرأة بالعظم ، وأيضا فكيد الرجال قد يزيد على كيد النساء . والجواب عن الأول : أن خلقة الإنسان بالنسبة إلى خلقة الملائكة والسموات والكواكب خلقة ضعيفة وكيد النسوات بالنسبة إلى كيد البشر عظيم ولا منافاة بين القولين وأيضا فالنساء لهن في هذا الباب من المكر والحيل ما لا يكون للرجال ولأن كيدهن في هذا الباب يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال . واعلم أنه لما ظهر للقوم براءة يوسف عليه السلام عن ذلك الفعل المنكر حكى تعالى عنه أنه قال : { يوسف أعرض عن هاذا } فقيل : إن هذا من قول العزيز ، وقيل : إنه من قول الشاهد ، ومعناه : أعرض عن ذكر هذه الواقعة حتى لا ينتشر خبرها ولا يحصل العار العظيم بسببها ، وكما أمر يوسف بكتمان هذه الواقعة أمر المرأة بالاستغفار فقال : { واستغفرى لذنبك } وظاهر ذلك طلب المغفرة ، / ويحتمل أن يكون المراد من الزوج ويكون معنى المغفرة العفو والصفح ، وعلى هذا التقدير فالأقرب أن قائل هذا القول هو الشاهد ، ويحتمل أن يكون المراد بالاستغفار من الله ، لأن أولئك الأقوام كانوا يثبتون الصانع ، إلا أنهم مع ذلك كانوا يعبدون الأوثان بدليل أن يوسف عليه السلام قال : { متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما } ( يوسف : 29 ) وعلى هذا التقدير : فيجوز أن يكون القائل هو الزوج . وقوله : { إنك كنت من الخاطئين } نسبة لها إلى أنها كانت كثيرة الخطأ فيما تقدم ، وهذا أحد ما يدل على أن الزوج عرف في أول الأمر أن الذنب للمرأة لا ليوسف ، لأنه كان يعرف عنها إقدامها على ما لا ينبغي . وقال أبو بكر الأصم : إن ذلك لزوج كان قليل الغيرة فاكتفى منها بالاستغفار . قال صاحب ( الكشاف ) : وإنما قال من الخاطئين بلفظ التذكير ، تغليبا للذكور على الإناث ، ويحتمل أن يقال : المراد إنك من نسل الخاطئين ، فمن ذلك النسل سرى هذا العرق الخبيث فيك . والله أعلم . ! 7 < { وقال نسوة فى المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها فى ضلال مبين فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وءاتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هاذا بشرا إن هاذآ إلا ملك كريم } . > 7 < يوسف : ( 30 - 31 ) وقال نسوة في . . . . . > > وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : لم لم يقل : { وقالت نسوة } قلنا لوجهين : الأول : أن النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث ، الثاني : قال الواحدي تقديم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع . / المسألة الثانية : قال الكلبي : هن أربع ، امرأة ساقي العزيز . وامرأة خبازه وامرأة صاحب سجنه . وامرأة صاحب دوابه ، وزاد مقاتل وامرأة الحاجب . والأشبه أن تلك الواقعة شاعت في البلد واشتهرت وتحدث بها النساء . وامرأة العزيز هي هذه المرأة المعلومة { تراود فتاها عن نفسه } الفتى الحدث الشاب والفتاة الجارية الشابة { قد شغفها حبا } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : أن الشغاف فيه وجوه : الأول : أن الشغاف جلدة محيطة بالقلب يقال لها غلاف القلب يقال شغفت فلانا إذا أصبت شغافه كما تقول كبدته أي أصبت كبده فقوله : { شغفها حبا } أي دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب . والثاني : أن حبه أحاط بقلبها مثل إحاطة الشغاف بالقلب ، ومعنى إحاطة ذلك الحب بقلبها هو أن اشتغالها بحبه صار حجابا بينها وبين كل ما سوى هذه المحبة فلا تعقل سواه ولا يخطر ببالها إلا إياه . والثالث : قال الزجاج : الشغاف حبة القلب وسويداء القلب . والمعنى : أنه وصل حبه إلى سويداء قلبها ، وبالجملة فهذا كناية عن الحب الشديد والعشق العظيم . المسألة الثانية : قرأ جماعة من الصحابة والتابعين { شعفها } بالعين . قال ابن السكيت : يقال شعفه الهوى إذا بلغ إلى حد الاحتراق ، وشعف الهناء البعير إذا بلغ منه الألم إلى حد الاحتراق ، وكشف أبو عبيدة عن هذا المعنى فقال : الشعف بالعين إحراق الحب القلب مع لذة يجدها ، كما أن البعير إذا هنىء بالقطران يبلغ منه مثل ذلك ثم يستروح إليه . وقال ابن الأنباري : الشعف رؤوس الجبال ، ومعنى شعف بفلان إذا ارتفع حبه إلى أعلى المواضع من قلبه . المسألة الثالثة : قوله : { حبها } نصب على التمييز . ثم قال : { حبا إنا لنراها فى ضلال مبين } أي في ضلال عن طريق الرشد بسبب حبها إياه كقوله : { إن أبانا لفى ضلال مبين } ( يوسف : 8 ) . ثم قال تعالى : { فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المراد من قوله : { فلما سمعت بمكرهن } أنها سمعت قولهن وإنما سمي قولهن مكرا لوجوه : الأول : أن النسوة إنما ذكرت ذلك الكلام استدعاء لرؤية يوسف عليه السلام والنظر إلى وجهه لأنهن عرفن أنهن إذا قلن ذلك عرضت يوسف عليهن ليتمهد عذرها عندهن . الثاني : أن امرأة العزيز أسرت إليهن حبها ليوسف وطلبت منهن كتمان هذا السر ، فلما أظهرن السر كان ذلك غدرا ومكرا . الثالث : أنهن وقعن في غيبتها ، والغيبة إنما تذكر على سبيل الخفية فأشبهت المكر .
/ المسألة الثانية : أنها لما سمعت أنهن يلمنها على تلك المحبة المفرطة أرادت إبداء عذرها فاتخذت مائدة ودعت جماعة من أكابرهن وأعتدت لهن متكأ / وفي تفسيره وجوه : الأول : المتكأ النمرق الذي يتكأ عليه . الثاني : أن المتكأ هو الطعام . قال العتبي والأصل فيه أن من دعوته ليطعم عندك فقد أعددت له وسادة تسمى الطعام متكأ على الاستعارة ، والثالث : متكأ أترجا ، وهو قول وهب وأنكر أبو عبيد ذلك ولكنه محمول على أنها وضعت عندهن أنواع الفاكهة في ذلك المجلس . والرابع : متكأ طعاما يحتاج إلى أن يقطع بالسكين ، لأن الطعام متى كان كذلك احتاج الإنسان إلى أن يتكأ عليه عند القطع . ثم نقول : حاصل ذلك أنها دعت أولئك النسوة وأعدت لكل واحدة منهن مجلسا معينا وآتت كل واحدة منهن سكينا أي لأجل أكل الفاكهة أو لأجل قطع اللحم ثم إنها أمرت يوسف عليه السلام بأن يخرج إليهن ويعبر عليهن وأنه عليه السلام ما قدر على مخالتها خوفا منها { فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن } وههنا مسائل : المسألة الأولى : في { أكبرنه } قولان : الأول : أعظمنه . والثاني : { أكبرن } بمعنى حضن . قال الأزهري والهاء للسكت يقال أكبرت المرأة إذا حاضت ، وحقيقته دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر وفيه وجه آخر ، وهو أن المرأة إذا خافت وفزعت فربما أسقطت ولدها فحاضت ، فإن صح تفسير الإكبار بالحيض فالسبب فيه ما ذكرناه وقوله : { قطعن أيديهن } كناية عن دهشتهن وحيرتهن ، والسبب في حسن هذه الكناية أنها لما دهشت فكانت تظن أنها تقطع الفاكهة وكانت تقطع يد نفسها ، أو يقال : إنها لما دهشت صارت بحيث لا تميز نصابها من حديدها وكانت تأخذ الجانب الحاد من ذلك السكين بكفها فكان يحصل الجراحة في كفها . المسألة الثالثة : اتفق الأكثرون على أنهن إنما أكبرنه بحسب الجمال الفائق والحسن الكامل قيل : كان فضل يوسف على الناس في الفضل والحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مررت بيوسف عليه السلام ليلة عرج بي إلى السماء فقلت لجبريل عليه السلام من هذا ؟ فقال هذا يوسف فقيل يا رسول الله كيف رأيته ؟ قال : كالقمر ليلة البدر ) وقيل : كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس من السماء عليها ، وقيل : كان يشبه آدم يوم خلقه ربه ، وهذا القول هو الذي اتفقوا عليه ، وعندي أنه يحتمل وجها آخر وهو أنهن إنما أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة ، وآثار الخضوع والاحتشام ، وشاهدن منها مهابة النبوة ، وهيئة الملكية وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح ، وعدم الاعتداد بهن ، وكان الجمال العظيم مقرونا بتلك الهيبة والهيئة فتعجبن من تلك / الحالة فلا جرم أكبرنه وعظمنه ، ووقع الرعب والمهابة منه في قلوبهن ، وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه أولى . فإن قيل : فإذا كان الأمر كذلك فكيف ينطبق على هذا التأويل قولها : { فذالكن الذى لمتننى فيه } وكيف تصير هذه الحالة عذرا لها في قوة العشق وإفراط المحبة ؟ قلنا : قد تقرر أن الممنوع متبوع فكأنها قالت لهن مع هذا الخلق العجيب وهذه السيرة الملكية الطاهرة المطهرة فحسنه يوجب الحب الشديد وسيرته الملكية توجب اليأس عن الوصول إليه فلهذا السبب وقعت في المحبة ، والحسرة ، والأرق والقلق ، وهذا الوجه في تأويل الآية أحسن والله أعلم .
المسألة الثالثة : قرأ أبو عمرو { وقلن يومئذ لله } بإثبات الألف بعد الشين وهي رواية الأصمعي عن نافع وهي الأصل لأنها من المحاشاة وهي التنحية والتبعيد ، والباقون بحذف الألف للتخفيف وكثرة دورها على الألسن اتباعا للمصحف ( وحاشا ) كلمة يفيد معنى التنزيه ، والمعنى ههنا تنزيه الله تعالى من المعجز حيث قدر على خلق جميل مثله . أما قوله : { حاش لله ما علمنا عليه من سوء } فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله . المسألة الرابعة : قوله : { ما هاذا بشرا إن هاذا إلا ملك كريم } فيه وجهان : الوجه الأول : وهو المشهور أن المقصود منه إثبات الحسن العظيم له قالوا : لأنه تعالى ركز في الطباع أن لا حي أحسن من الملك ، كما ركز فيها أن لا حي أقبح من الشيطان ، ولذلك قال تعالى في صفة جهنم { طلعها كأنه رءوس الشياطين } ( الصافات : 65 ) وذلك لما ذكرنا أنه تقرر في الطباع أن أقبح الأشياء هو الشيطان فكذا ههنا تقرر في الطباع أن أحسن الأحياء هو الملك ، فلما أرادت النسوة المبالغة في وصف يوسف عليه السلام بالحسن لا جرم شبهنه بالملك . والوجه الثاني : وهو الأقرب عندي أن المشهور عند الجمهور أن الملائكة مطهرون عن بواعث الشهوة ، وجواذب الغضب ، ونوازع الوهم والخيال فطعامهم توحيد الله تعالى وشرابهم الثناء على الله تعالى ، ثم إن النسوة لما رأين يوسف عليه السلام لم يلتفت إليهن ألبتة ورأين عليه هيبة النبوة وهيبة الرسالة ، وسيما الطهارة قلن إنا ما رأينا فيه أثرا من أثر الشهوة ، ولا شيئا من البشرية ، ولا صفة من الإنسانية ، فهذا قد تطهر عن جميع الصفات المغروزة في البشر ، وقد ترقى عن حد الإنسانية ودخل في الملكية . فإن قالوا : فإن كان المراد ما ذكرتم فكيف يتمهد عذر تلك المرأة عند النسوة ؟ فالجواب قد سبق . والله أعلم . / المسألة الخامسة : القائلون بأن الملك أفضل من البشر احتجوا بهذه الآية فقالوا : لا شك إنهن إنما ذكرت هذا الكلام في معرض تعظيم يوسف عليه السلام . فوجب أن يكون إخراجه من البشرية وإدخاله في الملكية سببا لتعظيم شأنه وإعلاء مرتبته ، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان الملك أعلى حالا من البشر ، ثم نقول : لا يخلو إما أن يكون المقصود بيان كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الظاهر ، أو كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الباطن ، والأول باطل لوجهين : الأول : أنهم وصفوه بكونه كريما ، وإنما يكون كريما بسبب الأخلاق الباطنة لا بسبب الخلقة الظاهرة ، والثاني : أنا نعلم بالضرورة أن وجه الإنسان لا يشبه وجوه الملائكة ألبتة . أما كونه بعيدا عن الشهوة والغضب معرضا عن اللذات الجسمانية متوجها إلى عبودية الله تعالى مستغرق القلب ، والروح فيه فهو أمر مشترك فيه بين الإنسان الكامل وبين الملائكة . وإذا ثبت هذا فنقول : تشبيه الإنسان بالملك في الأمر الذي حصلت المشابهة فيه على سبيل الحقيقة أولى من تشبيهه بالملك فيما لم تحصل المشابهة فيه ألبتة ، فثبت أن تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في هذه الآية إنما وقع في الخلق الباطن ، لا في الصورة الظاهرة ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب أن يكون الملك أعلى حالا من الإنسان من هذه الفضائل ، فثبت أن الملك أفضل من البشر والله أعلم .
المسألة السادسة : لغة أهل الحجاز إعمال ( ما ) عمل ليس وبها ورد قوله : { ما هاذا بشرا } ومنها قوله : { ما هن أمهاتهم } ( المجادلة : 2 ) ومن قرأ على لغة بني تميم . قرأ { ما هاذا بشرا } وهي قراءة ابن مسعود وقرىء { ما هاذا بشرا } أي ما هو بعبد مملوك للبشر { إن هاذا إلا ملك كريم } ثم نقول : ما هذا بشرا ، أي حاصل بشرا بمعنى هذا مشترى ، وتقول : هذا لك بشرا أم بكرا ، والقراءة المعتبرة هي الأولى لموافقتها المصحف ، ولمقابلة البشر للملك . ! 7 < { قالت فذالكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل مآ ءامره ليسجنن وليكونا من الصاغرين } . > 7 ! < < يوسف : ( 32 ) قالت فذلكن الذي . . . . . > > اعلم أن النسوة لما قلن في امرأة العزيز قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين ، عظم ذلك / عليها فجمعتهن { فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن } فعند ذلك ذكرت أنهن باللوم أحق لأنهن بنظرة واحدة لحقهن أعظم مما نالها مع أنه طال مكثه عندها . فإن قيل : فلم قالت : { فذالكن } مع أن يوسف عليه السلام كان حاضرا ؟ والجواب عنه من وجوه : الأول : قال ابن الأنباري : أشارت بصيغة ذلكن إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس . والثاني : وهو الذي ذكره صاحب ( الكشاف ) وهو أحسن ما قيل : إن النسوة كن يقلن إنها عشقت عبدها الكنعاني ، فلما رأينه ووقعن في تلك الدهشة قالت : هذا الذي رأيتموه هو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني فيه يعني : أنكن لم تتصورنه حق تصوره ولو حصلت في خيالكن صورته لتركتن هذه الملامة . واعلم أنها لما أظهرت عذرها عند النسوة في شدة محبتها له كشفت عن حقيقة الحال فقالت : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } . واعلم أن هذا تصريح بأنه عليه السلام كان بريئا عن تلك التهمة ، وعن السدي أنه قال : { فاستعصم } بعد حل السراويل وما الذي يحمله على إلحاق هذه الزيادة الفاسدة الباطلة بنص الكتاب . ثم قال : { ولئن لم يفعل ما ءامره ليسجنن وليكونا من الصاغرين } والمراد أن يوسف عليه السلام إن لم يوافقها على مرادها يوقع في السجن وفي الصغار ، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس عظيم الخطر مثل يوسف عليه السلام ، وقوله : { وليكونا } كان حمزة والكسائي يقفان على { وليكونا } بالألف ، وكذلك قوله : { لنسفعا } ( العلق : 15 ) والله أعلم . ! 7 < { قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننىإليه وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم } . > 7 < يوسف : ( 33 - 34 ) قال رب السجن . . . . . > >
واعلم أن المرأة لما قالت : { ولئن لم يفعل ما ءامره ليسجنن وليكونا من الصاغرين } ( يوسف : 32 ) وسائر النسوة سمعن هذا التهديد فالظاهر أنهن اجتمعن على يوسف عليه السلام وقلن لا مصلحة لك في مخالفة أمرها / وإلا وقعت في السجن وفي الصغار فعند ذلك اجتمع في حق يوسف عليه السلام أنواع من الوسوسة : أحدها : أن زليخا كانت في غاية الحسن . والثاني : أنها كانت ذات مال وثروة ، وكانت على عزم أن تبذل الكل ليوسف بتقدير أن يساعدها على مطلوبها . والثالث : أن النسوة اجتمعن عليه وكل واحدة منهن كانت ترغبه وتخوفه بطريق آخر ، ومكر النساء في هذا الباب شديد ، والرابع : أنه عليه السلام كان خائفا من شرها وإقدامها على قتله وإهلاكه ، فاجتمع في حق يوسف جميع جهات الترغيب على موافقتها وجميع جهات التخويف على مخالفتها ، فخاف عليه السلام أن تؤثر هذه الأسباب القوية الكثيرة فيه . واعلم أن القوة البشرية والطاقة الإنسانية لا تفي بحصول هذه العصمة القوية ، فعند هذا التجأ إلى الله تعالى وقال : { رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه } وقرىء { السجن } بالفتح على المصدر ، وفيه سؤالان : السؤال الأول : السجن في غاية المكروهية ، وما دعونه إليه في غاية المطلوبية ، فكيف قال : المشقة أحب إلي من اللذة ؟ والجواب : أن تلك اللذة كانت تستعقب آلاما عظيمة ، وهي الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ، وذلك المكروه وهو اختيار السجن كان يستعقب سعادات عظيمة ، وهي المدح في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة ، فلهذا السبب قال : { السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه } . السؤال الثاني : أن حبسهم له معصية كما أن الزنا معصية ، فكيف يجوز أن يحب السجن مع أنه معصية . والجواب : تقدير الكلام أنه إذا كان لا بد من التزام أحد الأمرين أعني الزنا والسجن ، فهذا أولى ، لأنه متى وجب التزام أحد شيئين كل واحد منهما شر فأخفهما أولاهما بالتحمل . ثم قال : { وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } أصب إليهن أمل إليهن يقال : صبا إلى اللهو يصبو صبوا إذا مال ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإنسان لا ينصرف عن المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى عنها قالوا : لأن هذه الآية تدل على أنه تعالى إن لم يصرفه عن ذلك القبيح وقع فيه وتقريره : أن القدرة والداعي إلى الفعل والترك إن استويا امتنع الفعل ، لأن الفعل رجحان لأحد الطرفين ومرجوحية للطرف الآخر وحصولهما حال استواء الطرفين جمع بين النقيضين وهو محال ، وإن حصل الرجحان في أحد الطرفين فذلك الرجحان ليس من العبد وإلا لذهبت المراتب إلى غير النهاية بل هو من الله تعالى فالصرف عبارة عن جعله مرجوحا لأنه متى / صار مرجوحا صار ممتنع الوقوع لأن الوقوع رجحان ، فلو وقع حال المرجوحية لحصل الرجحان حال حصول المرجوحية ، وهو يقتضي حصول الجمع بين النقيضين وهو محال ، فثبت بهذا أن انصراف العبد عن القبيح ليس إلا من الله تعالى . ويمكن تقرير هذا الكلام من وجه آخر ، وهو أنه كان قد حصل في حق يوسف عليه السلام جميع الأسباب المرغبة في تلك المعصية وهو الانتفاع بالمال والجاه والتمتع بالمنكوح والمطعوم وحصل في الإعراض عنها جميع الأسباب المنفرة / ومتى كان الأمر كذلك ، فقد قويت الدواعي في الفعل وضعفت الدواعي في الترك ، فطلب من الله سبحانه وتعالى أن يحدث في قلبه أنواعا من الدواعي المعارضة النافية لدواعي المعصية إذ لو لم يحصل هذا المعارض لحصل المرجح للوقوع في المعصية خاليا عما يعارضه ، وذلك يوجب وقوع الفعل وهو المراد بقوله : { أصب إليهن وأكن من الجاهلين } .
! 7 < { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إنىأرانىأعصر خمرا وقال الآخر إنىأرانىأحمل فوق رأسى خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين } . > 7 < يوسف : ( 35 - 36 ) ثم بدا لهم . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن زوج المرأة لما ظهر له براءة ساحة يوسف عليه السلام فلا جرم لم يتعرض له ، فاحتالت المرأة بعد ذلك بجميع الحيل حتى تحمل يوسف عليه السلام على موافقتها على مرادها ، فلم يلتفت يوسف إليها ، فلما أيست منه احتالت في طريق آخر وقالت لزوجها : إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس يقول لهم : إني راودته عن نفسه ، وأنا لا أقدر على إظهار عذري ، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر وإما أن تحبسه كما حبستني ، فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر هذا الحديث وحتى تقل الفضيحة ، فهذا هو المراد من قوله { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } لأن البداء عبارة عن تغير الرأي عما كان عليه / في الأول ، والمراد من الآيات براءته بقد القميص من دبر ، وخمش الوجه ، وإلزام الحكم أياها بقوله : { إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم } ( يوسف : 28 ) وذكرنا أنه ظهرت هناك أنواع أخر من الآيات بلغت مبلغ القطع ولكن القوم سكتوا عنها سعيا في إخفاء الفضيحة . المسألة الثالثة : قوله : { بدالهم } فعل وفاعله في هذا الموضع قوله : { الآيات ليسجننه } وظاهر هذا الكلام يقتضي إسناد الفعل إلى فعل آخر ، إلا أن النحويين اتفقوا على أن إسناد الفعل إلى الفعل لا يجوز ، فإذا قلت خرج ضرب لم يفد ألبتة ، فعند هذا قالوا : تقدير الكلام ثم بدا لهم سجنه ، إلا أنه أقيم هذا الفعل مقام ذلك الاسم ، وأقول : الذوق يشهد بأن جعل الفعل مخبر عنه لا يجوز وليس لأحد أن يقول الفعل خبرا فجعل الخبر مخبرا عنه لا يجوز ، لأنا نقول : الاسم قد يكون خبرا كقولك : زيد قائم فقائم اسم وخبر فعلمنا أن كون الشيء خبرا لا ينافي كونه مخبرا عنه ، بل نقول في هذا المقام : شكوك أحدها : أنا إذا قلنا : ضرب فعل فالمخبر عنه بأنه فعل هو ضرب ، فالفعل صار مخبرا عنه . فإن قالوا : المخبر عنه هو هذه الصيغة وهي اسم فنقول : فعلى هذا التقدير يلزم أن يكون المخبر عنه بأنه فعل اسم لا فعل وذلك كذب وباطل ، بل نقول المخبر عنه بأنه فعل إن كان فعلا فقد ثبت أن الفعل يصح الإخبار عنه وإن كان اسما كان معناه : أنا أخبرنا عن الاسم بأنه فعل ومعلوم أنه باطل ، وفي هذا الباب مباحث عميقة ذكرناها في ( كتب المعقولات ) . المسألة الثالثة : قال أهل اللغة : الحين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه ، وعلى الطويل ، وقال ابن عباس : يريد إلى انقطاع المقالة وما شاع في المدينة من الفاحشة ، ثم قيل : الحين ههنا خمس سنين ، وقيل : بل سبع سنين ، وقال مقاتل بن سليمان : حبس يوسف اثنتي عشر سنة ، والصحيح أن هذه المقادير غير معلومة ، وإنما القدر المعلوم أنه بقي محبوسا مدة طويلة لقوله تعالى : { وادكر بعد أمة } ( يوسف : 45 ) .
أما قوله تعالى : { ودخل معه السجن فتيان } فههنا محذوف ، والتقدير : لما أرادوا حبسه حبسوه وحذف ذلك لدلالة قوله : { ودخل معه السجن فتيان } عليه قيل : هما غلامان كانا للملك الأكبر بمصر أحدهما صاحب طعامه ، والآخر صاحب شرابه رفع إليه أن صاحب طعامه يريد أن يسمه وظن أن الآخر يساعده عليه فأمر بحبسهما بقي في الآية سؤالات : السؤال الأول : كيف عرفا أنه عليه السلام عالم بالتعبير ؟ والجواب : لعله عليه السلام سألهما عن حزنهما وغمهما فذكرا إنا رأينا في المنام هذه الرؤيا ، ويحتمل أنهما رأياه وقد أظهر معرفته بأمور منها تعبير الرؤيا فعندها ذكرا له ذلك . / السؤال الثاني : كيف عرف أنهما كانا عبدين للملك : الجواب : لقوله : { فيسقى ربه خمرا } ( يوسف : 41 ) أي مولاه ولقوله : { اذكرنى عند ربك } ( يوسف : 42 ) . السؤال الثالث : كيف عرف أن أحدهما صاحب شراب الملك ، والآخر صاحب طعامه ؟ والجواب : رؤيا كل واحد منهما تناسب حرفته لأن أحدهما رأى أنه يعصر الخمر والآخر كأنه يحمل فوق رأسه خبزا . السؤال الرابع : كيف وقعت رؤية المنام ؟ والجواب : فيه قولان : القول الأول : أن يوسف عليه السلام لما دخل السجن قال لأهله إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتيين ، هلم فلنخبر هذا العبد العبراني برؤيا نخترعها له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا . قال ابن مسعود : ما كانا رأيا شيئا وإنما تحالما ليختبرا علمه . والقول الثاني : قال مجاهد كانا قد رأيا حين دخلا السجن رؤيا فأتيا يوسف عليه السلام فسألاه عنها ، فقال الساقي أيها العالم إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل عنبة حسنة فيها ثلاثة أغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكأن كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيتها الملك فشربه فذلك قوله : { إنى أرانى أعصر خمرا } وقال صاحب الطعام إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها خبز وألوان وأطعمه وإذا سباع الطير تنهش منه فذلك قوله تعالى : { وقال الآخر إنى أرانى أحمل فوق رأسى خبزا تأكل الطير منه } . السؤال الخامس : كيف عرف يوسف عليه السلام أن المراد من قوله : { إنى أرانى أعصر خمرا } رؤيا المنام ؟ الجواب : لوجوه : الأول : أنه لو لم يقصد النوم كان ذكر قوله : { أعصر } يغنيه عن ذكر قوله { أرانى } والثاني : دل عليه قوله : { نبئنا بتأويله } ( يوسف : 36 ) . السؤال السادس : كيف يعقل عصر الخمر ؟ الجواب : فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن يكون المعنى أعصر عنب خمر ، أي العنب الذي يكون عصيره خمرا فحذف المضاف . الثاني : أن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤل إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس يقولون فلان يطبخ دبسا وهو يطبخ عصيرا . والثالث : قال أبو صالح : أهل عمان يسمون العنب بالخمر فوقعت هذه اللفظة إلى أهل مكة فنطقوا بها قال الضحاك : نزل القرآن بألسنة جميع العرب . / السؤال السابع : ما معنى التأويل في قوله : { نبئنا بتأويله } . الجواب : تأويل الشيء ما يرجع إليه وهو الذي يؤل إليه آخر ذلك الأمر . السؤال الثامن : ما المراد من قوله : { إنا نراك من المحسنين } .
الجواب من وجوه : الأول : معناه إنا نراك تؤثر الإحسان وتأتي بمكارم الأخلاق وجميع الأفعال الحميدة . قيل : إنه كان يعود مرضاهم ، ويؤنس حزينهم فقالوا إنك من المحسنين أي في حق الشركاء والأصحاب ، وقيل : إنه كان شديد المواظبة على الطاعات من الصوم والصلاة فقالوا إنك من المحسنين في أمر الدين ، ومن كان كذلك فإنه يوثق بما يقوله في تعبير الرؤيا ، وفي سائر الأمور ، وقيل : المراد { إنا نراك من المحسنين } في علم التعبير ، وذلك لأنه متى عبر لم يخط كما قال { وعلمتنى من تأويل الاحاديث } ( يوسف : 101 ) . السؤال التاسع : ما حقيقة علم التعبير ؟ الجواب : القرآن والبرهان يدلان على صحته . أما القرآن فهو هذه الآية ، وأما البرهان فهو أنه قد ثبت أنه سبحانه خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك / ومطالعة اللوح المحفوظ والمانع لها من ذلك اشتغالها بتدبير البدن وفي وقت النوم يقل هذا التشاغل فتقوى على هذه المطالعة فإذا وقعت الروح على حالة من الأحوال تركت آثارا مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إلى عالم الخيال فالمعبر يستدل بتلك الآثار الخيالية على تلك الإدراكات العقلية فهذا كلام مجمل ، وتفصيله مذكور في ( الكتب العقلية ) ، والشريعة مؤكدة له روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الرؤيا ثلاثة : رؤيا ما يحدث به الرجل نفسه ، ورؤيا تحدث من الشيطان ورؤيا التي هي الرؤيا الصادقة حقة ) وهذا تقسيم صحيح في العلوم العقلية وقال عليه السلام : ( رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) . ! 7 < { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذالكما مما علمنى ربىإنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالا خرة هم كافرون واتبعت ملة ءابآءيإبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بالله من شىء ذالك من فضل الله علينا وعلى الناس ولاكن أكثر الناس لا يشكرون } . > 7 < يوسف : ( 37 - 38 ) قال لا يأتيكما . . . . . > > /وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المذكور في هذه الآية ليس بجواب لما سألا عنه فلا بد ههنا من بيان الوجه الذي لأجله عدل عن ذكر الجواب إلى هذا الكلام والعلماء ذكروا فيه وجوها : الأول : أنه لما كان جواب أحد السائلين أنه يصلب ، ولا شك أنه متى سمع ذلك عظم حزنه وتشتد نفرته عن سماع هذا الكلام ، فرأى أن الصلاح أن يقدم قبل ذلك ما يؤثر معه بعلمه وكلامه ، حتى إذا جاء بها من بعد ذلك خرج جوابه عن أن يكون بسبب تهمة وعداوة . الثاني : لعله عليه السلام أراد أن يبين أن درجته في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدوا فيه ، وذلك لأنهم طلبوا منه علم التعبير ، ولا شك أن هذا العلم مبني على الظن والتخمين ، فبين لهما أنه لا يمكنه الإخبار عن الغيوب على سبيل القطع واليقين مع عجز كل الخلق عنه ، وإذا كان الأمر كذلك فبأن يكون فائقا على كل الناس في علم التعبير كان أولى ، فكان المقصود من ذكر تلك المقدمة تقرير كونه فائقا في علم التعبير واصلا فيه إلى ما لم يصل غيره ، والثالث : قال السدي : { لا يأتيكما طعام ترزقانه } في النوم بين ذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس بمقصور على شيء دون غيره ، ولذلك قال : { إلا نبأتكما بتأويله } الرابع : لعله عليه السلام لما علم أنهما اعتقدا فيه وقبلا قوله : فأورد عليهما ما دل على كونه رسولا من عند الله تعالى ، فإن الاشتغال بإصلاح مهمات الدين أولى من الاشتغال بمهمات الدنيا ، والخامس : لعله عليه السلام لما علم أن ذلك الرجل سيصلب اجتهد في أن يدخله في الإسلام حتى لا يموت على الكفر ، ولا يستوجب العقاب الشديد { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة } ( الأنفال : 42 ) والسادس : قوله : { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله } محمول على اليقظة ، والمعنى : أنه لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا أخبرتكما أي طعام هو ، وأي لون هو ، وكم هو ، وكيف يكون عاقبته ؟ أي إذا أكله الإنسان فهو يفيد الصحة أو السقم ، وفيه وجه آخر ، قيل : كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما فأرسله إليه ، فقال يوسف لا يأتيكما طعام ألا أخبرتكما أن فيه سما أم لا ، هذا هو المراد من قوله : { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله } وحاصله راجع إلى أنه ادعى الإخبار عن الغيب ، وهو يجري مجرى / قوله عيسى عليه السلام ، { أنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } ( آل عمران : 49 ) فالوجوه الثلاثة الأول لتقرير كونه فائقا في علم التعبير ، والوجوه الثلاثة الأخر لتقرير كونه نبيا صادقا من عند الله تعالى .
فإن قيل : كيف يجوز حمل الآية على ادعاء المعجزة مع أنه لم يتقدم ادعاء للنبوة ؟ قلنا : إنه وإن لم يذكر ذلك لكن يعلم أنه لا بد وأن يقال : إنه كان قد ذكره ، وأيضا ففي قوله : { ذالكما مما علمنى ربى } وفي قوله : { واتبعت ملة ءاباءي } ما يدل على ذلك . ثم قال تعالى : { ذالكما مما علمنى ربى } أي لست أخبركما على جهة الكهانة والنجوم ، وإنما أخبرتكما بوحي من الله وعلم حصل بتعليم الله . ثم قال : { إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كافرون } وفيه مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : في قوله : { إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } توهم أنه عليه السلام كان في هذه الملة . فنقول جوابه من وجوه : الأول : أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء وليس من شرطه أن يكون قد كان خائضا فيه . والثاني : وهو الأصح أن يقال إنه عليه السلام كان عبدا لهم بحسب زعمهم واعتقادهم الفاسد ، ولعله قبل ذلك كان لا يظهر التوحيد والإيمان خوفا منهم على سبيل التقية ، ثم إنه أظهره في هذا الوقت ، فكان هذا جاريا مجرى ترك ملة أولئك الكفرة بحسب الظاهر . المسألة الثانية : تكرير لفظ { هم } في قوله : { وهم بالاخرة هم كافرون } لبيان اختصاصهم بالكفر ، ولعل إنكارهم للمعاد كان أشد من إنكارهم للمبدأ ، فلأجل مبالغتهم في إنكار المعاد كرر هذا اللفظ للتأكيد . واعلم أن قوله : { إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } إشارة إلى علم المبدأ . وقوله : { وهم بالاخرة هم كافرون } إشارة إلى علم المعاد ، ومن تأمل في القرآن المجيد وتفكر في كيفية دعوة الأنبياء عليهم السلام علم أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب صرف الخلق إلى الإقرار بالتوحيد وبالمبدأ والمعاد ، وإن ما وراء ذلك عبث . ثم قال تعالى : { واتبعت ملة ءاباءي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } وفيه سؤالات : السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر هذا الكلام . الجواب : أنه عليه السلام لما ادعى النبوة وتحدى بالمعجزة وهو علم الغيب قرن به كونه من أهل بيت النبوة ، وأن أباه وجده وجد أبيه كانوا أنبياء الله ورسله ، فإن الإنسان متى ادعى حرفة / أبيه وجده لم يستبعد ذلك منه ، وأيضا فكما أن درجة إبراهيم عليه السلام وإسحاق ويعقوب كان أمرا مشهورا في الدنيا ، فإذا ظهر أنه ولدهم عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال ، فكان انقيادهم له أتم وأثر قلوبهم بكلامه أكمل . السؤال الثاني : لما كان نبيا فكيف قال : إني اتبعت ملة آبائي ، والنبي لا بد وأن يكون مختصا بشريعة نفسه . قلنا : لعل مراده التوحيد الذي لم يتغير ، وأيضا لعله كان رسولا من عند الله ، إلا أنه كان على شريعة إبراهيم عليه السلام . السؤال الثالث : لم قال : { ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء } وحال كل المكلفين كذلك ؟ والجواب : ليس المراد بقوله : { ما كان لنا } أنه حرم ذلك عليهم ، بل المراد أنه تعالى ظهر آباءه عن الكفر ، ونظيره قوله : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) . السؤال الرابع : ما الفائدة في قوله : { من شىء } .
الجواب : أن أصناف الشرك كثيرة ، فمنهم من يعبد الأصنام ، ومنهم من يعبد النار ، ومنهم من يعبد الكواكب ، ومنهم من يعبد العقل والنفس والطبيعة ، فقوله : { ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء } رد على كل هؤلاء الطوائف والفرق ، وإرشاد إلى الدين الحق ، وهو أنه لا موجد إلا الله ولا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله . ثم قال : { ذالك من فضل الله علينا وعلى الناس } وفيه مسألة . وهي أنه قال : { ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء } . ثم قال : { ذالك من فضل الله } فقوله : { ذالك } إشارة إلى ما تقدم من عدم الإشراك / فهذا يدل على أن عدم الإشراك وحصول الإيمان من الله . ثم بين أن الأمر كذلك في حقه بعينه ، وفي حق الناس . ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون ، ويجب أن يكون المراد أنهم لا يشكرون الله على نعمة الإيمان ، حكي أن واحدا من أهل السنة دخل على بشر بن المعتمر ، وقال : هل تشكر الله على الإيمان أم لا . فإن قلت : لا ، فقد خالفت الإجماع ، وإن شكرته فكيف تشكره على ما ليس فعلا له ، فقال له بشر إنا نشكره على أنه تعالى أعطانا القدرة والعقل والآلة ، فيجب علينا أن نشكره على إعطاء القدرة والآلة ، فأما أن نشكره على الإيمان مع أن الإيمان ليس فعلا له ، فذلك باطل ، وصعب الكلام على بشر ، فدخل عليهم ثمامة بن الأشرس وقال : إنا لا نشكر الله على الإيمان ، بل الله يشكرنا عليه كما قال : { أولائك كان سعيهم مشكورا } ( الإسراء : 19 ) فقال بشر : لما صعب الكلام سهل . / واعلم أن الذين ألزمه ثمامة باطل بنص هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى بين أن عدم الإشراك من فضل الله ، ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة ، وإنما ذكره على سبيل الذم فدل هذا على أنه يجب على كل مؤمن أن يشكر الله تعالى على نعمة الإيمان وحينئذ تقوى الحجة وتكمل الدلالة . قال القاضي قوله : { ذالك } إن جعلناه إشارة إلى التمسك بالتوحيد فهو من فضل الله تعالى لأنه إنما حصل بألطافه وتسهيله ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى النبوة . والجواب : أن ذلك إشارة إلى المذكور السابق ، وذاك هو ترك الإشراك فوجب أن يكون ترك الإشراك من فضل الله تعالى ، والقاضي يصرفه إلى الألطاف والتسهيل ، فكان هذا تركا للظاهر وأما صرفه إلى النبوة فبعيد ، لأن اللفظ الدال على الإشارة يجب صرفه إلى أقرب المذكورات وهو ههنا عدم الإشراك . ! 7 < { ياصاحبى السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذالك الدين القيم ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . > 7 < يوسف : ( 39 - 40 ) يا صاحبي السجن . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { يشكرون ياصاحبى السجن } يريد صاحبي في السجن ، ويحتمل أيضا أنه لما حصلت مرافقتهما في السجن مدة قليلة أضيفا إليه وإذا كانت المرافقة القليلة كافية في كونه صاحبا فمن عرف الله وأحبه طول عمره أولى بأن يبقى عليه اسم المؤمن العارف المحب .
المسألة الثانية : اعلم أنه عليه السلام لما ادعى النبوة في الآية الأولى وكان إثبات النبوة مبنيا على إثبات الإلهيات لا جرم شرع في هذه الآية في تقرير الإلهيات ، ولما كان أكثر الخلق مقرين بوجود الإله العالم القادر وإنما الشأن في أنهم يتخذون أصناما على صورة الأرواح الفلكية / ويعبدونها ويتوقعون حصول النفع والضر منها لا جرم كان سعي أكثر الأنبياء في المنع من عبادة الأوثان ، فكان الأمر على هذا القانون في زمان يوسف عليه السلام ، فلهذا السبب شرع ههنا في ذكر ما يدل على فساد القول بعبادة الأصنام وذكر أنواعا من الدلائل والحجج . الحجة الأولى : قوله : { متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما } وتقرير هذه الحجة أن نقول : إن الله تعالى بين أن كثرة الآلهة توجب الخلل والفساد في هذا العالم وهو قوله : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) فكثرة الآلهة توجب الفساد والخلل ، وكون الإله واحدا يقتضي حصول النظام وحسن الترتيب فلما قرر هذا المعنى في سائر الآيات قال ههنا : { متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما } والمراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار . والحجة الثانية : أن هذه الأصنام معمولة لا عاملة ومقهورة لا قاهرة ، فإن الإنسان إذا أراد كسرها وإبطالها قدر عليها فهي مقهورة لا تأثير لها ، ولا يتوقع حصول منفعة ولا مضرة من جهتها وإله العالم فعال قهار قادر يقدر على إيصال الخيرات ودفع الشرور والآفات فكان المراد أن عبادة الآلهة المقهورة الذليلة خير أم عبادة الله الواحد القهار ، فقوله : { ءأرباب } إشارة إلى الكثرة فجعل في مقابلته كونه تعالى واحدا وقوله : { متفرقون } إشارة إلى كونها مختلفة في الكبر والصغر ، واللون والشكل ، وكل ذلك إنما حصل بسبب أن الناحت والصانع يجعله على تلك الصورة فقوله : { متفرقون } إشارة إلى كونها مقهورة عاجزة وجعل في مقابلته كونه تعالى قهارا فبهذا الطريق الذي شرحناه اشتملت هذه الآية على هذين النوعين الظاهرين . والحجة الثالثة : أن كونه تعالى واحدا يوجب عبادته ، لأنه لو كان له ثان لم نعلم من الذي خلقنا ورزقنا ودفع الشرور والآفات عنا ، فيقع الشك في أنا نعبد هذا أم ذاك ، وفيه إشارة إلى ما يدل على فساد القول بعبادة الأوثان وذلك لأن بتقدير أن تحصل المساعدة على كونها نافعة ضارة إلا أنها كثيرة فحينئذ لا نعلم أن نفعنا ودفع الضرر عنا حصل من هذا الصنم أو من ذلك الآخر أو حصل بمشاركتهما ومعاونتهما ، وحينئذ يقع الشك في أن المستحق للعبادة هو هذا أم ذاك أما إذا كان المعبود واحدا ارتفع هذا الشك وحصل اليقين في أنه لا يستحق للعبادة إلا هو ولا معبود للمخلوقات والكائنات إلا هو / فهذا أيضا وجه لطيف مستنبط من هذه الآية . الحجة الرابعة : أن بتقدير أن يساعد على أن هذه الأصنام تنفع وتضر على ما يقوله أصحاب الطلسمات إلا أنه لا نزاع في أنها تنفع في أوقات مخصوصة وبحسب آثار مخصوصة ، والإله تعالى قادر على جميع المقدورات فهو قهار على الإطلاق نافذ المشيئة والقدرة في كل الممكنات على الإطلاق فكان الاشتغال بعبادته أولى .
/ الحجة الخامسة : وهي شريفة عالية ، وذلك لأن شرط القهار أن لا يقهره أحد سواه وأن يكون هو قهارا لكل ما سواه وهذا يقتضي أن يكون الإله واجب الوجود لذاته إذ لو كان ممكنا لكان مقهورا لا قاهرا ويجب أن يكون واحدا ، إذ لو حصل في الوجود واجبان لما كان قاهرا لكل ما سواه ، فالإله لا يكون قهارا إلا إذا كان واجبا لذاته وكان واحدا ، وإذا كان المعبود يجب أن يكون كذلك فهذا يقتضي أن يكون الإله شيئا غير الفلك وغير الكواكب وغير النور والظلمة وغير العقل والنفس . فأما من تمسك بالكواكب فهي أرباب متفرقون وهي ليست موصوفة بأنها قهارة ، وكذا القول في الطبائع والأرواح والعقول والنفوس فهذا الحرف الواحد كاف في إثبات هذا التوحيد المطلق وأنه مقام عال فهذا مجموع الدلائل المستنبطة من هذه الآية بقي فيها سؤالان : السؤال الأول : لم سماها أربابا وليست كذلك . والجواب : لاعتقادهم فيها أنها كذلك ، وأيضا الكلام خرج على سبيل الفرض والتقدير : والمعنى أنها إن كانت أربابا فهي خير أم الله الواحد القهار . السؤال الثاني : هل يجوز التفاضل بين الأصنام وبين الله تعالى حتى يقال إنها خير أم الله الواحد القهار ؟ الجواب : أنه خرج على سبيل الفرض ، والمعنى : لو سلمنا أنه حصل منها ما يوجب الخير فهي خير أم الله الواحد القهار . ثم قال : { ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } وفيه سؤال : وهو أنه تعالى قال فيما قبل هذه الآية : { متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما } وذلك يدل على وجود هذه المسميات . ثم قال عقيب تلك الآية : { ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها } وهذا يدل على أن المسمى غير حاصل وبينهما تناقض . الجواب : أن الذات موجودة حاصلة إلا أن المسمى بالإله غير حاصل وبيانه من وجهين : الأول : أن ذوات الأصنام وإن كانت موجودة إلا أنها غير موصوفة بصفات الإلهية ، وإذا كان كذلك كان الشيء الذي هو مسمى بالإله في الحقيقة غير موجود ولا حاصل ، الثاني : يروى أن عبدة الأوثان مشبهة فاعتقدوا أن الإله هو النور الأعظم وأن الملائكة أنوار صغيرة ووضعوا على صورة تلك الأنوار هذه الأثان ومعبودهم في الحقيقة هو تلك الأنوار السماوية ، وهذا قول المشبهة فإنهم تصوروا جسما كبيرا مستقرا على العرش ويعبدونه وهذا المتخيل غير موجود ألبتة فصح أنهم لا يعبدون إلا مجرد الأسماء .
Sorular
- Tevhid nedir; Müslümanların Allah'ın birliğine imanı?
- İslam'da imanın altı şartı nedir?
- Müslümanlar peygamberler hakkında neye inanır?
- İslam helal ve haram yiyecekler hakkında ne öğretir?
- Fâtiha Sûresi'nin anlamı nedir?
- Kur'an sabır hakkında ne öğretir?
- Kur'an hayatın amacı hakkında ne der?
- İhlas nedir ve neden önemlidir?